سير أعلام النبلاء
|
5309- ابن فضلان 1:
شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، أَبُو القَاسِمِ يَحْيَى الوَاثِقُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَضْلِ بنِ هِبَة اللهِ بنِ بَرَكَةَ، البَغْدَادِيُّ. قَالَ لَهُ ابْن هُبَيْرَةَ: لاَ يَحسُنُ أَنْ تَكتب بخطّك إِلَى الخَلِيْفَة: الوَاثق، لأَنَّه لقَب خَلِيْفَة. قَالَ: فَكَتَبتُ يَحْيَى. مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَةٍ. سَمِعَ أَبَا غَالِب ابْن البَنَّاءِ، وَإِسْمَاعِيْل بن السَّمَرْقَنْدِيّ، وَمِنْ أَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيّ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ خَلِيْل فِي "مُعْجَمِهِ"، فَسَمَّاهُ وَاثقاً، وَابْنُ الدُّبَيْثِيّ، وَجَمَاعَة. وَكَانَ بارعاً فِي الخلاَف وَالنَّظَر، بَصِيْراً بِالقوَاعد، ذَكِيّاً، يَقظاً، لبِيْباً، عذب العبَارَة، وَجيهاً، مُعظَّماً، كَثِيْر التَلاَمِذَة، ارْتَحَلَ إِلَى ابْن يَحْيَى صَاحِب الغَزَّالِيّ مرَّتين، وَوَقَعَ فِي السَّفَرِ، فَانْكَسَرَ ذِرَاعه، وَصَارَت كَفَخِذِهِ، ثُمَّ أَدّته الضَّرُوْرَة إِلَى قطعهَا مِنَ الْمرْفق، وَعَمِلَ محضراً بِأَنَّهَا لَمْ تُقطع فِي رِيْبَة. فَلَمَّا نَاظر المُجِيْر مرَّة، وَكَانَ كَثِيْراً مَا يَنقطع فِي يَد المُجِيْر، فَقَالَ: يُسَافر أَحَدُهُم فِي قطع الطَّرِيْق، وَيدّعِي أَنَّهُ كَانَ يَشتغل، فَأَخْرَجَ ابْن فَضلاَن الْمحْضر، وَأَخَذَ يُشنّع عَلَى المُجِيْر بِالفَلْسَفَة. وَكَانَ ابْنُ فَضلاَن ظرِيف المُنَاظَرَة، ذَا نغمَاتٍ موزونَة، يَشير بِيَدِهِ بِوَزْن مَطَرب أَنِيق، يَقِفُ عَلَى أَوَاخِر الْكَلم خوَفاً مِنَ اللّحن. قَالَهُ المُوَفَّق عَبْد اللَّطِيْفِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ يُدَاعبنِي كَثِيْراً، ثُمَّ رُمِيَ بِالفَالِج فِي أَوَاخِرِ عُمُره رَحِمَهُ الله. قُلْتُ: وَتَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ عَلَى أَبِي مَنْصُوْرٍ الرَّزَّاز، وَتَخَرَّجَ بِهِ أَئِمَّة، وَسَمِعَ بِخُرَاسَانَ مِنْ أَبِي الأَسْعَد القشيري، وعمر بن أحمد بن الصَّفَّار. درّس بِمَدْرَسَة دَار الذّهب، وَقَدْ تَلاَ بِالرِّوَايَات عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ العَالِمَة، وَكَانَ عَلَى دُرُوسِهِ إِخبَات وَجَلاَلَة. مَاتَ فِي شَعْبَان سَنَةَ خمس وتسعين وخمس مائة. __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "6/ 153"، وشذرات الذهب "4/ 321". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
278 - يحيى بْن عَلِيّ بْن الفضل بْن هبة اللَّه بْن بركة. العلّامة جمال الدّين أبو القاسم الْبَغْدَادِيّ، الشافعي، المعروف بابن فضلان. [المتوفى: 595 هـ]
ولد في آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة. وسمع أَبَا غالب ابن البنّاء، وأبا القاسم ابن السَّمَرْقَنْديّ، وأبا الفضل الأُرْمَويّ، وغيرهم. وكان اسمه واثقا، وكذا هو في الطباق، لكن غلب عليه يحيى واختاره هُوَ. وكان إمامًا بارِعًا فِي عِلم الخلاف، مشارًا إليه فِي جودة النظر. -[1051]- تفقَّه على أَبِي مَنْصُور الرّزّاز، وارتحلَ إِلَى صاحب الغزاليّ مُحَمَّد بْن يحيى مرَّتين، وعلَّق عَنْهُ. وظهر فضله، واشتهر اسمه، وانتفع به خلْق. وسمع أيضًا بنَيْسابور من أَبِي يحيى، وعمر بْن أَحْمَد الصّفَّار الفقيه، وأبي الأسعد هبة الرحمن ابن القُشَيْريّ، وإسماعيل بْن عَبْد الرَّحْمَن العصائديّ. وكان حَسَن الأخلاق، سَهْل القياد، حُلْو العبارة، يَقِظًا، لبيبًا، نبيهًا، وجيهًا. درَّس ببغداد بمدرسة دار الذهب وغيرها. وأعاد له الدروس الْإِمَامُ أبو عليّ يحيى بْن الرَّبِيع. روى عَنْهُ ابن خليل فِي حروف الواو، وأبو عَبْد اللَّه الدُّبيثيّ، وجماعة. وتُوُفّي فِي تاسع عشر شعبان. قال الموفق عَبْد اللّطيف: ارتحل ابن فضلان إِلَى مُحَمَّد بْن يحيى مرَّتين، وسقط فِي الطّريق فانكسرت ذراعه، وصارت كفخذه، فالتجأ إِلَى قريةٍ، وأدّته الضّرورة إِلَى قطْعها من المِرْفق، وعمل محضرًا بأنّها لم تُقطع فِي ريبة. فلمّا قدِم بغداد وناظر المجير، وكان كثيرًا ما ينقطع فِي يد المُجير، فقال له المُجير: يسافر أحدهم فِي قطْع الطّريق، ويدّعي أنّه كان يشتغل. فأخرج ابن فضلان المحضر، ثمّ شنَّع على المجير بالفلسفة. وكان ابن فضلان ظريف المناظرة، له نَغمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه بوزنٍ مُطرِبٍ أنيق، يقف على أواخر الكلمات خوفًا من اللّحْن. وكان يُداعبني كثيرًا. ورُميَ بالفَالج فِي آخر عمره، رحمه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
60 - مُحَمَّد بْن يحيى بْن عَلِيّ بْن الفضل بْن هبة اللَّه، قاضي القضاة محيي الدّين أَبُو عَبْد اللَّه ابن فَضْلان، البغداديّ الفقيهُ الشافعيُّ [المتوفى: 631 هـ]
مدرس المستنصرية. وقد ولِيَ قضاء القضاة للإمام النّاصر فِي آخر دولته. وكان مولده فِي سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة. تفقَّه عَلَى والدهِ العلامة أَبِي القاسم يحيى ابن فَضْلان. وبَرَع فِي المذهب. ورحلّ إلى خُراسان وناظرَ علماءَها. وكان علَّامةً فِي المذهبِ، والخلاف، والأُصولِ، والمنطقِ، موصوفًا بحُسن المناظرة، سمحًا، جوادًا، نبيلًا لَا يكادُ يدخر شيئًا. ولما عُزل من القضاء انقطَعَ فِي داره يكابدُ فقرًا، ويتعفف ويكتم حالَهُ. ووَلِيَ تدريسَ النظامية ببغداد. وتفقه عَلَيْهِ جماعةٌ. وقد سَمِعَ من أصحاب أَبِي القاسم بْن بيان الرَّزاز، وأَبِي طَالِب الزَّينبي. وولِيَ قضاء القضاة في سنة تسع عشرة وستمائة، ثمّ عَزَلَه الخليفةُ الظاهر بعد شهر من بيعته، ولَزِمَ بيتَه ثمانية أشهر، ثمّ وَلِيَ نظرَ المارستان، فَبقِيَ ستة أشهر، وعُزل. ووَلِيَ نظرَ ديوان الجوالي، ثمّ وَلِيَ تدريس مدرسة أمّ الناصر لدين اللَّه. وذهب رسولًا إلى الرُّوم. ثمّ وَلِيَ تدريس المستنصرية فِي رجب من سنة وفاته، فأدركه الموتُ. تُوُفّي العلامة محيي الدين ابن فضلان فِي سلخ شوَّال. وكان قوَّالًا -[58]- بالحقِّ، متديِّنًا، ازدَحَموا عَلَى نَعْشه، رحمه اللَّه تعالى، فلقد كان من خيار الحكام. نقل عَلِيّ بْن انجبَ عَنْهُ: إنه كتبَ إلى الناصر فِي شأنِ أهلِ الذمة: " يُقَبِّل الأرضَ، وينهي أن الإنعام يحمله عَلَى النهوضِ بمحامدِ الذّكر، فالمأخوذُ من أهل الذمّة فِي العام أجرةٌ عن سكناهم فِي دارِ السلام، فلا يؤخذُ منهم أقلُّ من دينار، ويجوزُ أنْ يؤْخَذَ منهم ما زادَ إلى المائة حسب امتداد اليد عليهم. فإنْ رَأَى من الغبطة الملاحظة لبيت المال أن يضاعف على الشخص منهم ما يؤخذُ فِي السنَة فللآراءِ الشريفةِ علوُّها " - وساق فصلًا طويلًا فِي ترقي الملاعين عَلَى رقاب المسلمين. |