سير أعلام النبلاء
|
5806- الملك الصالح 1:
السُّلْطَانُ الكَبِيْرُ المَلِكُ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّيْنِ أَبُو الفُتُوْحِ أَيُّوْبُ ابْنُ السُّلْطَانِ المَلِكِ الكَامِلِ مُحَمَّدِ ابْنِ العَادِلِ، وَأُمُّه جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ اسْمهَا "وَرْدُ المنى". مَوْلِدُه سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّ مائَةٍ، بِالقَاهِرَةِ. وَنَاب عَنْ أَبِيْهِ لَمَّا جَاءَ لِحصَارِ النَّاصِرِ دَاوُدَ، فَلَمَّا رَجَعَ انتقدَ أَبُوْهُ عَلَيْهِ أَشيَاءَ، وَمَالَ عَنْهُ إِلَى وَلَدِهِ الآخِر العَادلِ، فَلَمَّا اسْتولَى الكَامِل عَلَى آمدَ وَحصنِ كَيْفَا وَسِنْجَارَ سَلْطَنَ نَجْمَ الدِّيْنِ، وَجَعَلَهُ عَلَى هَذِهِ البِلاَد، فَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ جَاءَ وَتَمَلَّكَ دِمَشْقَ، ثُمَّ ساق إلى الغور فَوَثَبَ عَلَى دِمَشْقَ عَمُّه إِسْمَاعِيْل فَأَخَذَهَا، وَنَزَلَ عَسْكَر الكَرَكِ، فَأَحَاطُوا بِالصَّالِحِ، وَأَخَذوهُ إِلَى الكَرَكِ، ثُمَّ ذهب بِهِ النَّاصِرُ لَمَّا كَاتَبَهُ الأُمَرَاءُ الكَامِليَّةُ فَعَزَلُوا أَخَاهُ العَادلَ وَمَلَّكُوهُ، وَرَجَعَ النَّاصِر بِخُفَّي حُنَيْنٍ. قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ: كَانَ لاَ يَجتمعُ بِالفُضَلاَءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُشَاركَةٌ، بِخلاَفِ أَبِيْهِ، وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ اصطَلَحَ الصَّالِحُ وَعَمُّه الصَّالِحُ عَلَى أَنَّ دِمَشْقَ لِعَمِّه، وَأَنْ يُقيم هُوَ وَالحَلَبِيُّوْنَ وَالحِمْصيون الخُطبَة لِلصَّالح نَجْمِ الدِّيْنِ، وَأَنْ يُبعَثَ إِلَيْهِ وَلدُهُ الملكُ المُغِيْثُ وَابْنُ أَبِي عَلِيٍّ وَمُجِيْرُ الدِّيْنِ ابْنُ أَبِي زكرِي، فَأَطلَقهُم عَمُّه، وَاتَّفَقتِ المُلُوْكُ عَلَى عَدَاوَةِ صَاحِبِ الكَرَكِ، وَبَعَثَ إِسْمَاعِيْلُ جَيْشاً يُحَاصرُوْنَ عَجلُوْنَ، وَهِيَ بِيَدِ النَّاصِرِ، ثُمَّ انْحلَّ ذَلِكَ لِورقَةٍ وَجَدَهَا إِسْمَاعِيْلُ مِنْ أَيُّوْبَ إِلَى الخُوَارِزْمِيَّةِ يَحَثُّهُم علَى المَجِيْءِ لِيُحَاصرُوا عَمَّه، فَحَبَسَ حِيْنَئِذٍ المُغِيْثَ وَصَالَحَ صَاحِبَ الكَرَكِ، وَاتَّفَقَ مَعَ صَاحِبِ حِمْصَ وَصَاحِبِ حَلَبَ وَاعتضدَ بِالفِرَنْجِ، فَأَقْبَلَ المِصْرِيُّونَ عَلَيْهِم بِيْبَرْسُ الصَّالِحيُّ البُنْدُقْدَارُ الكَبِيْرُ الَّذِي قَتلَه أُسْتَاذُه، وأعطى إسماعيل الفرنج بيت المقدس، وعمروا طبريا وَعَسْقَلاَنَ، وَوضَعَتِ الرُّهبَانُ قَنَانِي الخَمْرِ عَلَى الصَّخْرَةِ، وأبطل الأذان بِالحَرَمِ، وَعَدَّت الخُوَارِزْمِيَّةُ الفُرَاتَ فِي عَشْرَةِ آلاَفٍ، فَمَا مَرُّوا بِشَيْءٍ إلَّا نَهبُوْهُ، وَأَقْبَلُوا، فَهَرَبتِ الفِرَنْجُ مِنْهُم مِنَ القُدْسِ، فَقَتلُوا عِدَّةً مِنَ النَّصَارَى، وَهَدمُوا قُمَامَةَ، وَنَبشُوا عِظَامَ الموتَى، وَجَاءتْهُ الخِلَعُ وَالنَّفقَةُ مِنْ مِصْرَ، ثُمَّ سَارَ عَلَى الشَّامِيّينَ المَنْصُوْرُ صَاحِبُ حِمْصَ، وَوَافَتْهُ الفِرَنْجُ. قَالَ المَنْصُوْرُ: لَقَدْ قَصَّرتُ يَوْمَئِذٍ، وَعرفتُ أَنَّنَا لاَ نُفلِحُ بِالنَّصَارَى، فالَتَقَوْا. قَالَ: فَانْهَزَمَ الشَّامِيُّوْنَ، ثُمَّ جَاءَ جَيْشُ السُّلْطَانِ نَجْمِ الدِّيْنِ، وَعَلَيْهِم مُعِيْنُ الدين ابن __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة "6/ 361"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 237". |
سير أعلام النبلاء
|
الملك الموحد عبد الله، الملك الصالح، الفارس أقطاي، المعز:
5808- المَلِكُ المُوَحِّدُ عَبْدُ اللهِ: وَهُوَ مُرَاهِقٌ فَتَمَلَّكَ حِصنَ كَيْفَا مُدَّةً، وَجَاءهُ عِدَّةُ أَوْلاَدٍ. قَالَ لِي تَاجُ الدِّيْنِ الفَارِقِيُّ: رَأَيْتهُ مَربُوعاً، وَكَانَ شُجَاعاً، وَهُوَ تَحْتَ أَوَامرِ التَّتَارِ، تُوُفِّيَ بَعْدَ سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ ابْنٌ تَمَلَّكَ بَعْدَهُ بِالحِصنِ. قُلْتُ: وَلقَّبُوهُ بِالمَلِكِ الكَامِلِ، وَبَقِيَ إلى حدود سنة سبع مائة، ومات. ابْنُهُ: 5809- المَلِكُ الصَّالِحُ: فِي رُتْبَةِ جُندِيٍّ وَالأَمْرُ لِلتَّتَارِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا قَدِمَ الشَّامَ، وَذَهَبَ إِلَى خدمَةِ السُّلْطَانِ، فَمَا أُكرِمَ، ثُمَّ ردَّ إِلَى حِصنِ كَيْفَا فَتلقَّاهُ أَخٌ لَهُ ثُمَّ جَهَّزَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَه، وَقُتِلَ وَلدُه، وَأَخَذَ مَوْضِعَه فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَسَبْعِ مائَةٍ، نعم. وَأَمَّا المُعَظَّمُ المَقْتُولُ فَأُخْرِجَ مِنَ المَاءِ وَتُرِكَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مُلقَىً حَتَّى انتفخَ. بَاشرَ قَتْلَهُ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ خطبُوا لأُمِّ خَلِيْلٍ شَجَرِ الدُّرِّ. وَقِيْلَ: ضَربَه البُنْدُقْدَارِيُّ بِالسَّيْفِ، وَقِيْلَ: اسْتغَاثَ بِرَسُوْلِ الخَلِيْفَةِ: يَا عَمِّي عِزَّ الدِّيْنِ أَدْرِكْنِي. فَجَاءَ، وَكَلَّمَهُم فِيْهِ، فَقَالُوا: ارْجِعْ، وَتَهَدَّدُوْهُ، ثُمَّ بَعْد أَيَّامٍ سَلطَنُوا المُعِزَّ التُّرُكْمَانِيَّ. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ أَيْضاً قُتلَ صَاحِبُ اليَمَنِ السُّلْطَانُ نُوْرُ الدِّيْنِ عُمَرُ بنُ رَسُوْلٍ التُّرُكْمَانِيُّ؛ قَتلَه غِلمَانُه، وَسَلطَنُوا ابْنَه الملكَ المُظَفَّرَ يُوْسُفَ بنَ عُمَرَ، فَدَام فِي الملكِ بِضْعاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً، وَفِي شَعْبَانِهَا: هُدِمتْ أَسوَارُ دِمْيَاطَ وَعَادتْ كَقَرْيَةٍ. وَأَمَّا: 5810- الفَارِسُ أَقْطَايُ: فَعظم، وَصَارَ نَائِبَ المَمْلَكَة لِلمعزِّ وَكَانَ بطلًا شجاعًا جوادًا، ملح الشَّكلِ، كَثِيْرَ التَّجَمُّلِ، أُبيعَ بِأَلفِ دِيْنَارٍ، وَأَقطع مِنْ جُمْلَة إِقطَاعِهِ الإِسْكَنْدَرِيَّة، وَكَانَ طَيَّاشاً، ظلُوْماً، عَمَّالاً عَلَى السّلطنَةِ، بَقِيَ يَرْكُب فِي دست الْملك، وَلاَ يَلتفت عَلَى المُعِزّ، وَيَأْخذ مَا شَاءَ مِنَ الخَزَائِن، بِحَيْثُ إِنَّهُ قَالَ: اخْلُوا لِي القَلْعَة حَتَّى أَعمل عُرسَ بِنْت صَاحِب حَمَاة بِهَا، فَهَيَّأَ لَهُ المُعِزّ مَمْلُوْكَه قُطُزَ فَقَتَلَهُ، فَرَكبت حَاشيته نَحْو السَّبْع مائَة فَأُلْقِيَ إِلَيْهِمُ الرَّأْس وَذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وست مائة. 5811- المعز 1: السُّلطَانُ الملكُ المُعِزُّ عِزُّ الدُّنْيَا وَالدِّيْنِ أَيْبَكُ التركماني، الصالحي، الجاشنكير، صاحب مصر. __________ 1 ترجمته في النجوم الزاهرة "7/ 3-41"، وشذرات الذهب لابن العماد "5/ 267". |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب وإقامة ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل ليحفظها من صلاح الدين.
577 رجب - 1181 م توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها، وعمره نحو تسع عشرة سنة، ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي فلم يفعل فلما أيس من نفسه، أحضر الأمراء، وسائر الأجناد، ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، واستحلفهم على ذلك، فقال له بعضهم: إن عماد الدين ابن عمك أيضاً، وهو زوج أختك، وكان والدك يحبه ويؤثره، وهو تولى تربيته، وليس له غير سنجار، فلو أعطيته البلد لكان أصلح وعز الدين له من البلاد من نهر الفرات إلى همذان، ولا حاجة به إلى بلدك، فقال له: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده، فاستحسنوا قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب، فسار هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات، وأرسل فأحضر الأمراء عنده من حلب، فحضروا، وساروا جميعاً إلى حلب، ودخلها في العشرين من شعبان، وكان صلاح الدين حينئذ بمصر، وأقام بحلب عدة شهور، ثم سار عنها إلى الرقة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
ثورة المسلمين على الملك الصالح إسماعيل في دمشق.
638 - 1240 م بعد أن بدأ الخلاف في البيت الأيوبي وخاف كل أمير من الآخر لم يجدوا سبيلا إلا الاستنجاد بالكفار على إخوانهم وتعهدوا لهم بعهود ومواثيق وتسليم للبلاد فسلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق حصن شقيف أرنون لصاحب صيدا الفرنجي وسلمه غيرها من المدن، فاشتد الإنكار عليه من الناس عامة بسبب ذلك حتى إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب البلد، والشيخ أبي عمرو بن الحاجب شيخ المالكية نددا به وقطعا الخطبة له، فاعتقلهما مدة ثم أطلقهما وألزمهما منازلهما، وولى الخطابة وتدريس الغزالية لعماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي خطيب بيت الأبار، ثم خرج الشيخان من دمشق فقصد أبو عمرو الناصر داود بالكرك، ودخل الشيخ عز الدين الديار المصرية، فتلقاه صاحبها أيوب بالاحترام والإكرام، وولاه خطابة القاهرة وقضاء مصر، واشتغل عليها أهلها فكان ممن أخذ عنه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
الملك الصالح نجم الدين يحاصر دمشق ويستولي عليها.
643 جمادى الأولى - 1245 م كثرت محاربة ابن شيخ الشيوخ ومعه الخوارزمية الذي كان مجيئهم بناء على طلب الصالح صاحب مصر، فحاصروا دمشق وقطعوا عنها الميرة فتضايقت البلد، ثم أحرقوا قصر الحجاج في ثاني محرم، ورمي بالمجانيق وألح بالقتال، فأحرق الصالح إسماعيل صاحب دمشق في ثالثه عدة مواضع، ونهبت أموال الناس، وجرت شدائد إلى أن أهل شهر ربيع الأول، ففيه خرج المنصور صاحب حمص من دمشق، وتحدث معه بركة خان مقدم الخوارزمية في الصفح، وكذلك طلبوا إلى الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ الأمان ثم قرر أن الصالح إسماعيل يسلم دمشق، على أن يخرج منها هو والمنصور بأموالهم، ولا يعرض لأحد من أصحابهم ولا لشيء مما معهم، وأن يعوض الصالح عن دمشق ببعلبك وبصرى وأعمالها، وجميع بلاد السواد، وأن يكون للمنصور حمص وتدمر والرحبة، فأجاب أمين الدولة وزير دمشق إلى ذلك، وحلف الصاحب معين الدين وزير مصر لهم، فخرج الصالح إسماعيل والمنصور من دمشق، ودخل الصاحب معين الدين في يوم الاثنين ثامن جمادى الأولى، ومنع الخوارزمية من دخول دمشق ودبر الأمير أحسن تدبير، وأقطع الخوارزمية الساحل، وخطب بدمشق وبجامع دمشق وعامة أعمالها للملك الصالح نجم الدين، وسلم أيضاً الأمير سيف الدين علي بن قلج قلعة عجلون لأصحاب الملك الصالح، وقدم إلى دمشق، فلما وردت الأخبار بذلك على السلطان أنكر على الطواشي شهاب الدين والأمراء كيف مكنوا الصالح إسماعيل من بعلبك، وقال: إن معين الدين حلف له، وأما أنتم فما حلفتم، وأمر الملك الصالح نجم الدين أن يسير ركن الهيجاوي، والوزير أمين الدولة السامري، تحت الحوطة إلى قلعة الروضة، فسيرا من دمشق إلى مصر، واعتقلا بقلعة الجبل فاتفق مرض الصاحب معين الدين ووفاته بدمشق، في ثاني عشرين شهر رمضان، فكتب السلطان إلى الأمير حسام بن أبي علي الهذباني، وهو بنابلس، أن يسير إلى دمشق ويتسلمها، فسار إليها وصار نائباً بدمشق، والطواشي رشيد بالقلعة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة ولي العهد الملك الصالح علاء الدين ابن الملك المنصور قلاوون وتولية أخيه ولاية العهد.
687 شعبان - 1288 م في يوم الأحد خامس عشر من رجب خرج السلطان مبرزا بظاهر القاهرة يريد الشام، فركب معه ابنه الملك الصالح ثم عاد الصالح إلى قلعة الجبل آخر النهار، فتحرك عليه فؤاده في الليل وكثر إسهاله الدموي وأفرط، فعاد السلطان لعيادته في يوم الأربعاء ثامن عشره ولم يفد فيه العلاج، فعاد السلطان إلى الدهليز من يومه، فأتاه الخبر بشدة مرض الملك الصالح، فعاد إلى القلعة، وصعدت الخزائن في يوم الثلاثاء أول شعبان، وطلعت السناجق والطلب في يوم الأربعاء ثانيه، فمات الصالح بكرة يوم الجمعة رابعه من دوسنطاريا كبدية، وتحدثت طائفة بأن أخاه الملك الأشرف خليلا سمه، فحضر الناس للصلاة عليه، وصلى عليه بالقلعة قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز إماماً، والسلطان خلفه في بقيه الأمراء والملك الأشرف خليل، ثم حملت جنازته، وصلى عليه ثانيا قاضي القضاة معز الدين نعمان بن الحسن بن يوسف الخطبي الحنفي خارج القلعة، ودفن بتربة أمه قريباً من المشهد النفيسي، وفي حادي عشر شعبان: فوض السلطان ولاية العهد لابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل، فركب بشعار السلطنة من قلعة الجبل إلى باب النصر، وعبر إلى القاهرة وخرج من باب زويلة، وصعد إلى القلعة وسائر الأمراء وغيرهم في خدمته، ودقت البشائر، وحلف القضاة له جميع العسكر، وخلع على سائر أهل الدولة، وخطب له بولاية العهد واستقر على قاعدة أخيه الصالح على، وكتب بذلك إلى سائر البلاد، وكتب له تقليد فتوقف السلطان من الكتابة عليه. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
عزل السلطان الملك الناصر بن قلاوون وتولية أخيه الملك الصالح.
752 رجب - 1351 م توعك السلطان الملك الناصر ولزم الفراش أياما، فبلغ الأمير طاز ومغلطاى ومنكلى بغا أنه أراد بإظهار توعكه القبض عليهم إذا دخلوا إليه، وأنه قد اتفق مع قشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر المارديني وتنكز بغا على ذلك، وأن ينعم عليهم بإقطاعاتهم وإمراتهم، فواعدوا أصحابهم، واتفقوا مع الأمير بيبغا ططر حارس الطير النائب، والأمير طيبغا المجدي والأمير رسلان بصل، وركبوا يوم الأحد سابع عشري جمادى الآخرة بأطلابهم، ووقفوا عند قبة النصر، فخرج السلطان إلى القصر الأبلق، وبعث يسألهم عن سبب ركوبهم، فقالوا: " أنت اتفقت مع مماليكك على مسكنا، ولابد من إرسالهم إلينا، فبعث السلطان إليهم تنكز بغا وقشتمر وألطنبغا الزامر وملكتمر، فعندما وصلوا إليهم قيدوهم، وبعثوهم إلى خزانة كايل، فسجنوا بها، فشق ذلك على السلطان، وقال: " قد نزلت عن السلطنة "، وسير إليهم النجاة، فسلموها للأمير طيبغا المجدي، وقام السلطان إلى حريمه، فبعث الأمراء الأمير صرغتش، ومعه الأمير قطلوبغا الذهبي وجماعة؛ ليأخذه ويحبسه، فأخرجه صرغتمش وقد غطى وجهه إلى الرحبة، فلما رأه الخدام والمماليك تباكوا عليه بكاءاً كثيراً، وطلع صرغتمش به إلى رواق فوق الإيوان، ووكل به من يحفظه، وعاد إلى الأمراء، وكانت مدته ثلاث سنين وتسعة أشهر وأربعة عشر يوماً، منها مدة الحجر عليه ثلاث سنين، ومدة استبداده تسعة أشهر، وكان القائم بدولته الأمير شيخو رأس نوبة، ثم تولى صلاح الدين صالح بن الناصر محمد بن قلاون حيث أقيم سلطانا بعد خلع أخيه الناصر حسن وكان عمره أربع عشرة سنة، في يوم الاثنين ثامن عشرى جمادى الآخرة، وذلك أن الأمراء لما حملت إليهم النمجاة، باتوا ليلة الاثنين بإصطبلاتهم، وبكروا يوم الاثنين إلى القلعة، واجتمعوا بالرحبة داخل باب النحاس، وطلبوا الخليفة والقضاة وسائر أهل الدولة، واستدعوا به، فلما خرج إليهم ألبسوه شعار السلطنة، وأركبوه فرس النوبة من داخل باب الستارة، ورفعت الغاشية بين يديه، وكان الأمير طاز والأمير منكلى بغا الفخري آخذين بشكيمة الفرس حتى جلس على التخت، وحلفوا له، وحلفوه على العادة، ولقبوه بالملك الصالح، ونودي بسلطنته في القاهرة ومصر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
204 - طلائع بْن رزُيّك، الأرمنيّ ثُمَّ الْمَصْرِيّ الشّيعيّ الرّافضي، أبو الغارات، وزير الدّيار المصرية، الملقَّب بالملك الصّالح. [المتوفى: 556 هـ]
كان واليًا على الصَّعيد، فَلَمّا قتل الظافر سيَّر أهل القصر إلى ابن رزُيّك واستصرخوا به، فحشد وأقبل وملك ديار مصر، كَمَا ذكرنا فِي ترجمة الفائز، -[112]- واستقلّ بالأمور، وكانت ولايته فِي سنة تسعٍ وأربعين. وكان أديبًا، شاعرًا، سَمْحًا، جوادًا، محِبًّا لأهل الفضائل، وله "دِيوان" شِعْر صغير. ولمّا مات الفائز وبويع العاضد استمرّ ابن رُزّيك فِي وزارته، وتزوَّج العاضد بابنته. وكان العاضد من تحت قبضته، فاغترَ بطول السّلامة، وقطع أرزاق الخاصَّة، فتعاقدوا على قتله، ووافقهم العاضد، وقرر مع أولاد الداعي قتْله، وعيَّن لهم موضعا فِي القصر يكمنون فِيهِ، فإذا عبر أبو الغارات قتلوه، فخرج من القصر ليلةً، فقاموا إليه، فأراد أحدهم أنّ يفتح الباب فأغلقه، وما علم لتأخير الأَجَل. ثُمَّ جلسوا له يَوْمًا آخر، ووثبوا عليه عند دخوله القصر نهارًا وجرحوه عدَّة جراحات، ووقع الصَّوت، فدخل حَشَمُه، فقتلوا أولئك، ثُمَّ حملوه إلى داره جريحًا، ومات ليومه فِي تاسع عشر رمضان، وخرجت الخِلَع لولده العادل رُزَّيك بالوزارة. ورثاه عُمَارة اليمنيّ بعدَّة قصائد. ومن شِعْر أبي الغارات: ومُهَفْهَفٍ ثملِ القوامِ سَرَتْ إلى ... أعطافه النّشواتُ من عَيْنيهِ ماضي اللّحاظِ كأنَّما سَلَّتْ يدي ... سيفًا غداةَ الروع من جَفْنَيهِ قد قلتُ إذ خطّ العِذارُ بمسكةٍ ... فِي خدّه إلْفَيْهِ لا لامَيْهِ ما الشعر دب بعارضيه، وإنما ... أصداغه نفضت على خَدَّيهِ النّاسُ طَوْعُ يدي وَأمري نافِذٌ ... فيهمْ وقلبي الآنَ طَوْعُ يَدَيهِ فاعْجَبْ لسلطان يعمُّ بعدْلِهِ ... ويجُورُ سلطانُ الغرامِ عليهِ وله أشعار كثيرة فِي أهل البيت تدلّ على تشيّعه، وسوء مذهبه، حَتَّى قال الشّريف الجوانيّ: كان فِي نصر المذهب كالسّكَّة المُحْمَاة، لا يفري فرِيَّة، ولا يُبارَى عَبْقَريَّة، وكان يجمع العلماء من الطّوائف، ويناظرهم على الإمامة. قلت: وكان يرى القَدَر، وصنَّف كتابًا سمّاه: " الاعتماد فِي الرّدّ على أهل العناد " يقرّر فِيه قواعد الرفض، ويعظم بني عبيد. -[113]- وقال عُمارة: دخلت عليه قبل قتله بثلاثة أيّام، فناولني قِرطاسًا فِيهِ بيتان من شِعره، وهما: نحن في غفلة ونوم، وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى الحمّامْ سِنينًا ... ليت شِعْري مَتَى يكون الحمام وقد كان أبو محمد ابن الدّهان النّحْويّ نزيل المَوْصِل شرح بيتًا من شعر ابن رزيك وهو هذا: تجنَّب سمعي ما تقولُ العَوَاذلُ ... وأصبح لي شُغلٌ، من الغُرّ شاغلُ فبَلَغه ذلك، فبعث إليه هديَّة سنيَّة. ولمّا قُتِلَ رثاه عُمارة اليمنيّ، فأبلغ وأجاد حيث يقول: خربت رُبُوعُ المكْرَمات لراحلٍ ... عُمِرتْ به الأَجْدَاثُ وهي قِفارُ شَخَصَ الأَنَامُ إليه تحت جنازةٍ ... خُفِضَتْ بِرِفْعة قِدْرِها الأقدارُ وكأنّه تابوت مُوسَى أُودِعَتْ ... فِي جانبَيْه سَكِينَةٌ وَوَقارُ وتغايَرَ الحَرَمانِ والهَرَمانِ فِي ... تابوته وعلى الكريم يُغارُ أنبأني أَحْمَد بْن سلامة، عن عليّ بْن نجا الواعظ قال: قرأت على الملك الصّالح طلائع لنفسه: قولوا لمغرورٍ بطُول العُمرٍ ... ويْحَك، ما عرفتَ صَرْفَ الدَّهْرِ نَحْنُ قُعُودٌ والزّمانُ يجري ... والموتُ يغدو نحونا ويسري يطرق فِي غَسَق وفجرٍ ... وبعده أهوالُ يوم الحشرِ طُوبَى لِمَنْ جانب طُرُق الشرّ ... ومَرَّ جذْلانَ خفيفَ الظَّهرِ يمضي ويبقى منه حُسْنُ الذِّكْرِ |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
247 - إسماعيل، الملك الصالح نور الدين، أبو الفتح ابن الملك العادل نور الدين محمود بْن زنكي التركي. [المتوفى: 577 هـ]
خَتنه أَبُوهُ فِي سنة تسعٍ وستين، وسر به، وزينوا دمشق، وكان وقتًا مشهودًا وهو يوم عيد الفِطْر. وزُينت دمشق أيامًا وضُرِبت خيمة بالميدان، وصلى هناك بالناس شمس الدين قاضي العسكر، وخَطَب، ثم مُدَّ السّماط العام، وأُنِهبَ على عادة التُّرْك. وعاد نور الدين إلى القلعة فمد سماطه الخاص، ولعب من الغد بالكرة، فاعترضه برتقش أمير آخر وقال له: باش. فاغتاظ بخلاف عادته، وزبر برتقش، ثم ساقَ ودخل القلعة، فما خرج منها إلَّا ميتًا. وتُوُفي نور الدين بعد الخِتان بأيام، فحلف أمراء دمشق لابنه أنْ يكون فِي السَّلْطَنة بعده، وهو يومئذ صبي، ووقعت البطاقة إلى حلب بموت نور الدين، ومتوليها شاذبخت الخادم، فأمر بضرب البشائر، وأحضر الأمراء والعلماء وقال: هذا كِتَاب من السلطان بأنه ختن ولده وولاّه العهد بعده. ومشى بين يديه فسروا بذلك ثم قال تحلفون له كما أمر بأن حلب له؟ فحلفوا كلهم فِي الحال. ثم قام إلى مجلس فلبس الحِداد، وخرج إليهم وقال: يُحسِن الله عزاكم في الملك العادل وبكى. وأما صلاح الدين فسار إلى الشام ليكون هو المدبّر لدولة هذا الصبي، ويستولي على الأمور. ووقعت الفتنة بحلب بين السنة والرافضة. ونهبت الشيعة دار قطب -[597]- الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين ابن أمين الملك. ونزل جماعة من القلعة وأمَرهُم الأمير شمس الدين علي بْن مُحَمَّد ابْن الداية والي القلعة أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشاب رئيس الشيعة، فزحفوا إليها ونهبوها، واختفى ابْن الخشاب. ثم وصل الصالح إِسْمَاعِيل إلى حلب فِي ثاني المحرم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين عثمان ابْن الداية، فقبض عَلَيْهِ، وصعِد القلعة، وظهر ابْن الخشاب، وركب فِي جَمْعٍ عظيم إلى القلعة، فصعدِ إليها، والشيعة تحت القلعة وُقُوف. فَقُتِلَ بها ابْن الخشاب وتفرق ذلك الْجَمْع. وسُجِن شمس الدين علي ابن الداية وأخواه: سابق الدين عثمان، وبدر الدين حَسَن. ودخل السلطان صلاح الدين دمشق فِي سلخ ربيع الآخر، ثم سار إلى حمص فملكها. ثم نازلَ حلب فِي سَلْخ جُمادى الأولى، فنزل الملك الصالح إلى البلد، واستنجد بأهل البلد، وذكرهم حقوق والده، فوعدوه بالنَّصْر، وجاءته النجدة من ابْن عمّه صاحب الموصل مع عز الدين مَسْعُود بْن مودود. فرد السلطان صلاح الدين إلى حماه، وتِبعه عز الدين مَسْعُود، فالتقوا عند قرون حماه فِي رَمَضَان. فانكسر عز الدين وانهزم، ورد صلاح الدين فنازل حلب، فصالحوه وأعطوه المَعَرَّة، وكَفَرْطاب، وبارين. ثم جاء صاحب الموصل سيف الدين غازي فِي جيشٍ كثيف، وجاء صلاح الدين بعساكره، فالتقوا فِي شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسر صاحب الموصل على تل السلطان، وسار صلاح الدين، فأخذ منبج، ثم نازل عزاز ففتحها، ثم نازل حلب فِي ذي القعدة، وأقام عليها مدة. وبذل أهلها المجهود فِي القتال، بحيث أنهم كانوا يحملون ويصلون إلى مخيم صلاح الدين، وأنه قبض على جماعة منهم، فكان يشرح أسافل أقدامهم، وَلَا يمنعهم ذلك عَن القتال، فلما ملَّ صالَحَهُم وسار عَنْهَا. وخرجت إليه أخت الملك الصالح، وكانت طفلة، فأطلق لها عزاز لما طَلَبَتْها منه. وكان تدبير أمر حلب إلى والدة الصالح، وإلى شاذبخت، وخالد ابن القيسراني. -[598]- ثم إن الصالح مرض بالقولنج جُمعَتَين، ومات فِي رجب من سنة سبْع، وتأسَّفوا عَلَيْهِ، وأقاموا عليه المآتم، وفرشوا الرَّماد فِي الأسواق، وبالغوا فِي النوح عَلَيْهِ. وكان أمرًا مُنْكَرًا. وكان ديِّنًا، عفيفًا، ورِعًا، عادلًا، محببًا إلى العامة، متِبعًا للسنة، رَحِمَهُ اللَّهُ، ولم يبلغ عشرين سنة. وَذَكَرَ الْعَفِيفُ بْنُ سُكَّرَةَ الْيَهُودِيُّ، لَا رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يُطَبِّبُهُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلانَا، وَاللَّهِ شِفَاؤُكَ فِي قَدَحِ خَمْرٍ، وَأَنَا أَحْمِلُهُ إِلَيْكَ سِرًّا، وَلَا تُعْلِمْ وَالِدَتَكَ، وَلَا اللالا، ولا أحد. فَقَالَ: كُنْتُ أَظُنُّكَ عَاقِلًا، نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا ". وَتَقُولُ لِي أَنْتَ هَذَا. وَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ أَشْرَبَهُ وَأَمُوتُ وَهُوَ فِي جَوْفِي؟!. وقيل: تُوُفي وَلَهُ قريبٌ من ثماني عشر سنة. فتملك حلبَ بعده عز الدين مَسْعُود ابْن عمّه مودود. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
495 - محمود بن مُحَمَّد بن قُرا رسلان بن أرتق، السُّلْطَان الملك الصالح ناصر الدِّين [المتوفى: 617 هـ]
صاحب آمد. قَالَ الإِمَام أَبُو شامة: كَانَ شُجاعًا عاقلا سخيًّا جوادًا، مُحبًّا للعلماء. قام بعده ولده الملك المسعود؛ وَكَانَ بخيلًا فاسقًا، وَهُوَ الَّذِي أخذ منه الملك الكامل آمد، وحبسه بمصر ثُمَّ أطلقه، فمضى إلى التَّتَار ومعه أمواله، فأُخذت منه. وَقِيلَ: تُوُفِّي الصالح في العام الآتي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
578 - محمود بن مُحَمَّد بن قُرا رسلان بن سَقْمان بن أرتُق، الملك الصالح ناصر الدِّين الْأرتقيّ، [المتوفى: 618 هـ]
صاحب آمِد وحِصْن كِيفا. مات بالقُولَنج، وقامَ بعده ولده الملك المسعود؛ الَّذِي أخذ منه الكامل بلاده. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
114 - عُمَر، الملك المغيث جلال الدّين ابن السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن العادل. [المتوفى: 642 هـ]
تُوُفّي شابًّا بقلعة دمشق فِي حبْس عمّ والده الملك الصّالح إِسْمَاعِيل، وكان والده لمّا خرج من دمشق إلى فلسطين استناب ولده هذا بقلعة دمشق. فلمّا أخذ إِسْمَاعِيل دمشقَ اعتقله. فلم يزل إلى أن تُوُفّي في ربيع الآخر. فتألمَّ أبوه لموته، واتَّهَم عمّه بأنّه سقاه، وحاربه، وتجهَّز لَهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
470 - أيّوب، السّلطان الملك الصّالح نجمُ الدّين ابن السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين أَبِي المعالي مُحَمَّد ابن السّلطان الملك العادل أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب. [المتوفى: 647 هـ]
وُلِدَ سنة ثلاثٍ وستّمائة بالقاهرة، فلمّا قدِم أَبُوهُ دمشقَ فِي آخر سنة خمسٍ وعشرين استنابه عَلَى ديار مصر، فلمّا رجع انتقد عَلَيْهِ أَبُوهُ أحوالًا، ومال عَنْهُ إلى الملك العادل ولده. ولمّا استولى الكامل عَلَى حَرَّان، وعلى حصنِ كيفا وآمِد وسِنْجار سلْطَنَه عَلَى هذه البلاد وأرسله إليها. فلمّا تُوُفّي الكامل تملَّك بعده ديارَ مصر ابنُه العادل أَبُو بَكْر، فطمع الملك الصّالح وقوِيتْ نفسُه، وكاتَبَ الأمراءَ، واستخدم الخَوَارَزْميّة. فاتّفق أنّ الملك الرّحيم لؤلؤ صاحب الموصل قصد الصّالح وهو بسَنْجار، فحاصره حتّى أشرف على أخذ سنجار، فأخرج من السور فِي السّرّ القاضي السَّنْجاريّ، وراح إلى الخَوَارَزْميّة، فوعدهم ومناهم، فجاؤوا وكشفوا عَن سَنْجار، ودفعوا لؤلؤ عَن سِنْجار، وقيل: كسروه. وكان الجواد بدمشق فضعُف عَن سلطنتها، وخاف من الملك العادل، فإنّه أراد القبض عَلَيْهِ، فكاتب الملك الصّالح واتّفق معه عَلَى أن يعطيه سَنْجار، والرقة، وعانة بدمشق. فقدم الملك الصّالح دمشق وتملّكها، وأقام بِهَا أشهرًا من سنة ست -[563]- وثلاثين، ثُمَّ سار إلى نابلس، وراسل الأمراء المصريين واستمالهم، وكان عمه الصالح إِسْمَاعِيل عَلَى إمرة بَعْلَبَكّ، فقوِيتْ نفسُه عَلَى أخْذ دمشق، وكاتب أهلَها، وساعده الملك المجاهد صاحب حمص، وهجم عَلَى البلد فأخذها، فردّ الملك الصّالح أيّوب ليستدرك الأمر، فخذله عسكره، وبقي فِي طائفةٍ يسيرة، فجهَّز الملك النّاصر دَاوُدَ من الكَرَك عسكرًا قبضوا عَلَى الصّالح بنابلس، وأتوا بِهِ إلى بين يدي النّاصر، فاعتقله عنده مكرَّمًا. وتغيَّر المصريّون عَلَى العادل، وكاتبهم النّاصر، وتوثَّق منهم، ثُمَّ أخرج الصّالح واشترط عَلَيْهِ إن تملَّك أن يُعطِيَه دمشقَ، وأن يُعْطِيَه أموالًا وذخائر. وسار إلى غزّة فبرز الملك العادل بجيشه إلى بِلْبِيس وهو شابٌّ غرّ، فقبض عَلَيْهِ مماليك أَبِيهِ، وكاتبوا الصّالحَ يستعجلونه، فساق هُوَ والنّاصر دَاوُد إلى بلبيس، ونزل بالمخيم السُّلطانيّ وأخوه معتَقَلٌ فِي خِرْكاه. فقام فِي اللَّيْل وأخذ أخاه فِي محفَّة، ودخل قلعة الجبل، وجلس عَلَى كُرْسيّ المُلْك. ثُمَّ ندم الأمراء، فاحترز منهم، ومسك طائفةً فِي سنة ثمان وثلاثين وستمائة. قال ابن واصل: سار الصّالحُ نجمُ الدّين بعد الاتّفاق بينه وبين ابن عمّه الجواد إلى دمشق، وطلب نجدة من صاحب المَوْصِل لمّا صالحه، فبعث إِلَيْهِ نجدةً. وكان الملك المظفَّر صاحب حماة معه قد كاتَبَه، فقدِما دمشقَ فزيّنت، وتلقّاه الجواد. ثُمَّ تحوّل الجواد إلى دار السّعادة، وهي لزوجته بِنْت الأشرف، فكانت مدة ملكه دمشقَ عشرة أشهر، ثُمَّ ندم الجواد واستقلّ من جاء مع الصّالح، فطلب جماعةً واستمالهم، فأتاه المظفَّر وعاتبه واستحلفه، وضمن لَهُ ما شَرَط لَهُ الصّالح، فخرج من البلد وسار فتسلَّم سَنْجار وغيرها. فعند ذَلِكَ أخرب صاحب حمص سَلَمية، ونقل جميع أهلها إلى حمص أذى لصاحب حماة. فلمّا مات المجاهد ردّ أهلها وعَمَّروها. وجاءت الخَوارِزْميّة، فاتّفق معهم المظفَّر، ونازل حمصَ وجدَّ فِي القتال، فراسل المجاهد الخَوَارِزْميّة واستمالهم وبذل لهم مالًا، فأخذوه، فعرف المظفَّر فخافهم وردّ إلى حماة، وعادت الخَوَارِزْميّة إلى الشَّرق فأقاموا في -[564]- بلادهم الّتي أقطعهم الملك الصّالح. ثُمَّ تواترت كُتُب المظفَّر ورُسُلُه عَلَى الصّالح يحضُّه عَلَى قصْد حمص، وقدِم عَلَى الصّالح عمُّه الصّالح إِسْمَاعِيل من بَعْلَبَكّ، فأظهر لَهُ الوُدَّ وحلف لَهُ، ورجع إلى بلده ليومه. وأمّا العادل فانزعج بمصر لقدوم أخيه وأخْذه دمشق، وخاف. ثُمَّ ورد عَلَى الصّالح رسول ابن عمّه الناصر داود بمؤازرته بأخذ مصر له بشرط أن تكون دمشق للنّاصر، فأجابه. ثُمَّ برز الصّالح إلى ثَنِيّة العُقَاب، وأقام أيّامًا ليقصد حمص. وجاءه أستاذ داره حسامُ الدّين بْن أَبِي عَلِيّ الهَذبانيّ من الشّرق، فدبَّر الدّولة بعقله وفضله. وجاءته القصاد من أمراء مصر سرًّا يدعونه إلى مصر ليملكها، فتحيَّر هَلْ يقصد مصر أو حمص؟ ثم رجح مصر فترحل إلى الغور، وبلغه مجيء جماعة أمراء من مصر مقفرين، فنزلوا بغزَّة. وكان مَعَ الصّالح نحو ستّة آلاف فارس جياد، وفيهم عمّاه مجيرُ الدّين يعقوب وتقيُّ الدّين عَبَّاس وجماعة من الأمراء المعظَّميّة، وجاءه الأمراء المصريون بخربة اللصوص، ومعه ولده المغيث عمر. وترك بقلعة دمشق ولدَه الصّغير مَعَ وزيره صفيّ الدين ابن مهاجر، فمات الصّبيّ، ثُمَّ سار إلى نحو نابلس، وكان النّاصر دَاوُد بمصر، فنزل بجيشه مدينة نابلس ثلاثة أشهُر. ولمّا لم يقع اتّفاقٌ بين الصّالح وابن عمّه النّاصر، ذهب النّاصر إلى مصر فتلقّاه العادل واتّفقا عَلَى محاربة الصّالح، ووعده العادل بدمشق. وتواترت عَلَى الصّالح كُتُب أمراء مصر يستدعونه لأنّه كَانَ أَمْيَز من أخيه وأعظَم وأخْلَق بالمُلْك. وممّن كاتَبَه فخرُ الدّين ابن شيخ الشّيوخ، فعلِم بِهِ العادل فحبسه. واستعمّل الصّالح نوّابه عَلَى أعمال القدس، وغزّة، وإلى العريش. وجهَّزَ عسكرًا إلى غزّة، وضُرِبت خيمته على العوجاء، وعملوا الأزواد لدخول الرّمل، وقدِم عَلَيْهِ رسولُ الخلافة ابن الْجَوْزيّ. وأرسل إلى الصّالح إِسْمَاعِيل ليمضي معه إلى مصر، فتعلَّل واعتذر، وسيَّر إِلَيْهِ ولده الملك المنصور محمودًا نائبًا عَنْهُ، ووعده بالمجيء، وهو فِي الباطن عَمَّالٌ عَلَى أخْذ دمشق. ودخلت سنة سبْعٍ وثلاثين فبرز العادل إلى بِلْبِيس، وأخذ ابن الْجَوْزيّ فِي الإصلاح بين الأَخَوَين عَلَى أن تكون دمشق وأعمالُها للصّالح مَعَ ما بيده من -[565]- بلاد الشّرق، ومصر للعادل. وكان مَعَ ابن الجوزي ولده شرف الدين شاب ذكي فاضل، فتردّد فِي هذا المعنى بين الأخَوَيْن حتّى تقارب ما بين الأخوين لولا حدث العمّ إِسْمَاعِيل، فإنّه بقي يكاتب العادل ويُقوّي عزمه ويقول: أنا آخذ دمشق ثانياً لك. ثُمَّ حشد وجمع، وأعانه صاحبُ حمص. ثُمَّ طلب ولده من الصّالح، زعم ليستخلفه ببعلبك وتقدم هُوَ، فنفّذه إِلَيْهِ، ونفّذ ولده الملك المغيث ليحفظ قلعة دمشق، ولم يكن معه عسكر. وأمّا صاحب حماة فأشفق عَلَى الصّالح وتحيَّل فِي إرسال عسكر ليحفظ لَهُ دمشق، فأظهر أَنَّهُ متألّم خائف، وَأَنَّهُ يريد أن يسلّم حماة إلى الفِرَنج، وأنّ نائبه سيف الدّين ابن أَبِي عَلِيّ قد عرف بهذا منه، وَأَنَّهُ سيفارقه فأظهر الخلاف عَلَيْهِ، فخرج من حماة، وتبعه أكثر العسكر، وطائفة كبيرة من أعيان الحَمَوِيّين خوفًا من الفرنج. ورام المظفر أن يتم هذه الحيلة فما تمّت. فسار الأمير سيفُ الدّين بالنّاس، وقوّى المظفَّر الوهْمَ بأنِ استخدم جماعةً من الفِرنْج وأنزلهم القلعة، فقوي خوفُ الرعية. وتبع سيف الدين خلق، فسار وراءه المظفَّر يُظْهِر أَنَّهُ يسترضيه فما رجع، فنزلوا عَلَى بُحَيْرة حمص، فركب صاحب حمص وأتاهم واجتمع بسيف الدّين مُطْمَئِنًّا. ولو حاربه سيفُ الدّين بجَمْعه لَمَا قدر عَلَيْهِ صاحب حمص، ولَكَان وصل إلى دمشق وضَبَطَها ولَعَزَّ عَلَى الصّالح إِسْمَاعِيل أن يأخذها. فسأل سيف الدّين عَن مَقْدَمه فَقَالَ: هذا الرّجل قد مال إلى الفرنج واعتضد بهم، فطلبنا النّجاة بأنفُسنا. فوانسه الملك المجاهد، وطلب منه دخول حمص ليضيفه، فأجابه سيف الدّين وصعِد معه إلى القلعة. وأظهر لَهُ الإكرام، ثُمَّ بعث إلى أصحابه فدخل أكثرهم حمص، ومن لم يُجِبْ هرب. ثُمَّ قبض المجاهد عليهم وضيّق عليهم، واعتقل الأكابر وعاقبهم وصادرهم حتّى هلك بعضهم فِي حبْسه، وبعضهم خلّص بعد مدّة، وباعوا أملاكهم وأدّوها فِي المصادرة. وهلك فِي الحبْس سيف الدين ابن أَبِي عَلِيّ، وهو أخو أستاذ دار الملك الصالح حسام الدين، ويا ما ذاق من الشّدائد حتّى مات. وضعُف صاحب حماة ضعفًا كثيرًا، واغتنم ضعفَه صاحبُ حمص فسار وقصد دمشق مؤازرًا لإسماعيل، فصبّحوا دمشق فِي صَفَر سنة سبْعٍ، وأُخِذت بلا قتال. بل تسلَّق جماعةٌ من خان ابن المقدّم من السور، ونزلوا فكسروا قفْلَ -[566]- باب الفراديس ودخلوا. ثم قصدوا القلعة، وقاتلوا المغيثَ ثلاثة أيّام، فسلَّمت بالأمان، ودخل إِسْمَاعِيل القلعة، وسجن المغيثَ فِي بُرجٍ إلى أن مات به. فلمّا وردت أخبار أخْذ دمشق فارق الملكَ الصّالحَ سائرُ الأمراء والْجُنْد وطلبوا بلدهم وأهاليهم، وترحّل هُوَ إلى بَيْسان، وفسدت نيّات من معه، وعلموا أنه لا ملجأ لَهُ، وَأَنَّهُ قد تلاشى بالكُلِّيّة، وقالوا لَهُ - حتّى أعمامه وأقاربه -: لا يمكننا المُقامُ معك وأهالينا بدمشق. فأذن لهم فرحلوا بأطلابهم وهو ينظر إليهم، حتّى فارقه طائفةٌ من مماليكه، ولم يبق معه إلّا أستاذ داره وزَيْن الدّين أمير جاندار ونحو سبعين مملوكًا لَهُ. فلمّا جنّه اللّيل أمر أن لا تُشْعل الفوانيس، ثُمَّ رحل فِي اللّيل وردّ إلى جهة نابلس. فحكى لي الأميرُ حسامُ الدّين قَالَ: لمّا رحل السّلطان من منزلته اختلفت كلمة من بقي معهم، فأشار بعضهم بالمضي إلى الشقيف والتحصن به، فلم يره مصلحة، وعلم أن عمه يأخذه ويقبض عليه. وأشار بعضهم بالرّجوع إلى الشّرق، فخاف أن يؤخذ لبُعْد المسافة وقال: ما أرى إلّا التَّوجُّه إلى نابلس فالتجئ إلى ابن عمّي الملك النّاصر. فتوجّه إلى نابلس. فلمّا طلعت الشّمس ورأى مماليكُه ما هُوَ فِيهِ من القِلّة واقَعَهُمُ البكاءُ والنّحيب. واعترضهم جماعةٌ من العربان فقاتلوهم وانتصروا عَلَى العرب، ونزلوا بظاهر نابلس. وقوي أمرُ الصّالح إِسْمَاعِيل، وجاءته الأمراء وتمكّن. وكان وزيره أمينُ الدّولة سامريًّا أسلم فِي صِباه. وكان عمّه وزيرًا للأمجد صاحب بَعْلَبَكّ، ومات عَلَى دينه. وأمّا العادل بمصر فإنّه استوحش من النّاصر دَاوُد وتغيَّر عَلَيْهِ، فخلّاه النّاصر، وردَّ إلى الكَرَك ومعه سيفُ الدّين عَلِيُّ بْن قليج فوافق ما تمّ عَلَى الصّالح. فبعث إلى الصّالح يعِده النَّصر، وأشار عَلَيْهِ بالنّزول بدار الملك المعظَّم بنابلس. ثُمَّ نزل النّاصر بعسكره. ثُمَّ أمر يومًا بضرب البُوق، وأوهم أنّ الفِرَنْج قد أغاروا عَلَى ناحيته، فركب معه جماعة الصّالح الّذين معه، فحينئذٍ أمر النّاصر بتسيير الملك الصّالح إلى الكَرَك فِي اللّيل. فلم يَصْحَب الصّالح من غلمانه سوى الأمير رُكْن الدّين بَيْبَرْس الكبير، وبعث معه جاريته أُمَّ خليل شَجَرَ الدُّر، فأُنزل بقلعة الكَرَك بدار السّلطنة. وتقدَّم النّاصر إلى أمّه وزوجته أن يقوما بخدمة الصّالح، وبعث إِلَيْهِ يَقْولُ: إنّما فعلت هذا احتياطًا لئلًا يصل إليك -[567]- مكروهٌ من أخيك أو عمّك، ولو لم أنقلك إلى الكَرَك لقصداك. ثُمَّ أمر شهابَ الدّين ونَجْمَ الدّين ابنَيْ شيخ الإِسْلَام بملازمة خدمة الصّالح ومؤانسته، وهما من أخصّ أصحاب النّاصر ومن أجناده - وقد وُليّ الشّهاب هذا تدريس الجاروخية بدمشق. ولما تملك الصّالح ديارَ مصر قصداه فأكرمهما وقدّمهما، واستناب شهابَ الدّين عَلَى دار العدل. واستُشْهِد نجمُ الدّين عَلَى دِمياط - وكان أولاد النّاصر دَاوُد لا يزالون فِي خدمة الصّالح بالكَرَك، ولم يفقد شيئًا من الإكرام. ثُمَّ خيَّر النّاصرُ أصحابَ الصّالح بين إقامتهم عندهُ مكْرَمِين وبين السَّفَر إلى أَيْنَ أحبُّوا، فاختار أكثرُهم المُقامَ عنده، فكان منهم البهاء زهير، وشهاب الدين ابن سعد الدين ابن كسا - وكان والدُه سعدُ الدّين ابنَ عمّةِ الملك الكامل- وأمّا الأستاذ دار حسامُ الدّين ابنُ أَبِي عَلِيّ وزَيْنُ الدّين أميرُ جُنْدَار فطلبا دستوراً، فأذِن لهما، فقدِما عَلَى الصّالح إِسْمَاعِيل، فقبض عَلَى حسام الدّين وأخذ جميع ماله وقيّده، وقيّد جماعةً من أصحاب الصّالح نجم الدّين، وبقوا فِي حبْسه مدّة. ثُمَّ حوّل حسامَ الدّين إلى قلعة بَعْلَبَكّ وضيَّق عَلَيْهِ. ولمّا بلغ العادلَ ما جرى عَلَى أخيه أظهر الفرح ودقّت البشائر وزُيّنتْ مصر، وبعث يطلبه من النّاصر فأبى عَلَيْهِ. فلمّا كَانَ فِي أواخر رمضان سنة سبْعٍ طلب الملك النّاصر دَاوُد الصّالح نجم الدّين فنزل إِلَيْهِ إلى نابلس، فضرب لَهُ دِهْليزًا والتفّ عَلَيْهِ خواصّه، ثُمَّ أمر النّاصر بقطع خُطْبة العادل، وخطب للصّالح. ثُمَّ سارا إلى القدس وتحالفا وتعاهدا عند الصّخرة عَلَى أن تكون مصر للصّالح، والشام والشرق للناصر، ثم سارا إلى غزّة. وبلغ ذَلِكَ العادلَ فعظُم عَلَيْهِ، وبرز إلى بلبيس، وسار لنجدته الصالح إسماعيل من دمشق، فنزل بالغوار من أرض السَّواد. ثُمَّ خاف النّاصر والصّالح من جيش يلقاهما وجيشٍ خلفهِما، فرجعا إلى القدس. فما لبِثا أنْ جاءت النجّابون بكُتُب المصريّين يحثّون الصّالح، فقويت نفسُه، وسار مُجِدًّا مَعَ النّاصر، وتملّك مصر بلا كُلْفة، واعتقل أخاه. ثُمَّ جهّز مَن أوهم النّاصر بأنّ الصّالح فِي نيّة القبض عَلَيْهِ فخاف وغضب وأسرع إلى الكَرَك. -[568]- ثُمَّ تحقّق الصّالحُ فسادَ نِيّات الأشرفيّة وأنّهم يريدون الوثوب عَلَيْهِ، فأخذ فِي تفريقهم والقبْض عليهم. فبعث مقدّم الأشْرفيّة وكبيرَهم أيْبَك الأسمر نائبًا عَلَى جهة، ثُمَّ جهّز مَن قبض عَلَيْهِ، فذُلَّت الأشرفيّة، فحينئذٍ مَسَكَهم عن بُكْرة أبيهم وسجنهم. وأقبل على شراء مماليك الترك والخطائية، واستخدم الأجناد. ثم قبض على أكبر الخدّام شمس الدّين الخاصّ، وجوهر النُّوبيّ، وعلى جماعةٍ من الأمراء الكامليّة، وسجنهم بقلعة صدر بالقرب من أيلة. وأخرج فخرُ الدّين ابنُ الشَّيْخ من حبْس العادل فركب ركبةً عظيمة، ودعت لَهُ الرَّعيَّة لكَرَمه وحسن سيرته، فلم يعجب الصالح ذلك وتخيل، فأمره بلُزُوم بيته، واستوزر أخاه مُعينَ الدّين. ثُمَّ شرع يؤمّر غلْمانه، فأكثَرَ من ذَلِكَ. وأخذ في بناء قلعة الجيزة، واتّخذها سَكَنًا، وأنفق عليها أموالًا عظيمة. وكانت الجيزة قبل متنزهاً لوالده، فشيّدها فِي ثلاثة أعوام، وتحوّل إليها. وأمّا النّاصر فإنّه اتّفق مَعَ عمه الصّالح إِسْمَاعِيل والمنصور صاحب حمص فاتّفقوا عَلَى الصّالح. وأمّا الخَوَارِزْميّة فإنّهم تغلَّبوا عَلَى حرّان، وملكوا غيرها من القِلاع، وعاثوا وأخربوا البلاد الْجَزَريّة، وكانوا شرًّا من التّتار لا يعفّون عن قتْلٍ ولا عن سبْي، ولا فِي قلوبهم رحمة. وفي سنة إحدى وأربعين وقع الصُّلح بين الصّالَحينْ وصاحب حمص، عَلَى أن تكون دمشق للصّالح إِسْمَاعِيل، وأن يُقيم هُوَ والحلبيّون والحمصيّون الخُطْبة فِي بلادهم لصاحب مصر، وأن يُخرج ولده الملك المغيث من اعتقال الصّالح إسماعيل وكذلك أصحاب الملك الصالح مثل حسام الدين ابن أبي علي ومجير الدين ابن أبي زكري؛ فأطلقهم الصالح إسماعيل، وركب الملك المغيث وبقي يسير ويرجع إلى قلعة دمشق، وردّ عَلَى حسام الدّين ما أُخِذَ له، ثم ساروا إلى مصر. واتّفق الملوك عَلَى عداوة النّاصر دَاوُد. وجهّز الصّالح إِسْمَاعِيل عسكرًا يحاصرون عجلون، وهي للنّاصر، وخطب لصاحب مصر فِي بلاده، وبقي عنده المغيث حتّى تأتيه نُسَخ الأَيْمان، ثُمَّ بَطَلَ ذَلِكَ كلُّه. -[569]- قَالَ ابن واصل: فحدّثني جلالُ الدّين الخِلاطيّ قَالَ: كنت رسولًا من جهة الصّالح إِسْمَاعِيل، فورد عليَّ منه كتابٌ وفي طيّه كتابٌ من الصّالح نجم الدّين إلى الخَوَارِزْميّة يحثُّهم عَلَى الحركة ويُعلِمُهم أَنَّهُ إنّما يصالح عمَّه ليخلص المغيثُ من يده، وَأَنَّهُ باقٍ عَلَى عداوته، ولا بُدّ لَهُ من أخْذ دمشق منه. فمضيت بهذا الكتاب إلى الصّاحب مُعين الدّين، فأوقفته عَلَيْهِ، فما أبدى عَنْهُ عُذْرًا يسوغ. وردّ الصّالحُ إِسْمَاعِيلُ المُغِيثَ إلى الاعتقال، وقطع الخُطْبة، وردّ عسكره عن عجلون، وراسل النّاصرَ واتّفق معه عَلَى عداوة صاحب مصر. وكذلك رجع صاحب حلب وصاحب حمص عَنْهُ، وصاروا كلمةً واحدةً عَلَيْهِ. واعتُقِلت رُسُلُهُم بمصر. واعتضد صاحب دمشق بالفِرَنج، وسلَّم إليهم القدسَ، وطَبَرَيّة، وعسْقلان. وتجهَّز صاحب مصر للقتال وجهّز البعوث، وجاءته الخَوَارِزْميّة، فساقوا إلى غزّة، واجتمعوا بالمصريّين وعليهم رُكْن الدّين بَيْبَرْس البُنْدُقْدار الصّالحيّ- وليس هُوَ الَّذِي مَلَكَ، بل هذا أكبر منه وأقدم، ثُمَّ قبض عَلَيْهِ الصّالح نجمُ الدّين وأعدمه -. قَالَ ابن واصل: فتسلَّم الفرنجُ حَرَم القُدس وغيرَه، وعمّروا قلعتَيْ طَبَرَيّة، وعسقلان وحصّنوهما. ووعدهم الصّالح بأنّه إذا مَلَكَ مصرَ أعطاهم بعضها. فتجمّعوا وحشدوا. وسارت عساكر الشّام إلى غزّة، ومضى المنصور صاحب حمص بنفسه إلى عكّا فأجابوه. فسافرتُ أَنَا إلى مصر، ودخلت القُدس فرأيت الرُّهْبان عَلَى الصّخرة وعليها قناني الخمر، ورأيت الجرص فِي المسجد الأقصى، وأُبْطِل الأذان بالحَرَم وأُعْلِن الكُفْر. وقدِم - وأنا بالقدس - النّاصر دَاوُد إلى القُدس فنزل بغربيّه. وفيها ولّى الملكُ الصّالح قضاءَ مصر للأفضل الخَوْنَجِيّ بعد أنْ عزل ابنَ عَبْد السّلام نفسه بمُدَيْدة. ولمّا عدّت الخَوَارِزْميّة الفُرات، وكانوا أكثر من عشرة آلاف، ما مرّوا بشيءٍ إلّا نهبوه، وتقهقر الذين بغزّة منهم. وطلع النّاصر إلى الكَرَك، وهربت -[570]- الفرنج من القدس، فهجمت الخوارزمية القدس، وقتلوا مَن بِهِ مِن النّصارى، وهدموا مقبرة القُمامة، وأحرقوا بِهَا عظام الموتى، ونزلوا بغزّة وراسلوا صاحب مصر، فبعث إليهم الخِلَع والأموال، وجاءتهم العساكر، وسار الأمير حسام الدين ابن أبي عَلِيّ بعسكرٍ ليكون مركزًا بنابلس. وتقدَّم المنصور إِبْرَاهِيم عَلَى الشّاميّين - وكان شَهْمًا شجاعًا قد انتصر عَلَى الخَوَارِزْميّة غير مرّة - وسار بهم، ووافَتْهُ الفِرَنْجُ من عكّا وغيرها بالفارس والرّاجل، ونفّذ النّاصرُ داودُ عسكرَه فوقع المَصَافُّ بظاهر غزة فانكسر المنصور شرّ كسْرة واستحرّ القتْل بالفرنج. قَالَ ابن واصل: أخذت سيوفُ المسلمين الفرنجَ فأفْنَوْهم قتلاً وأسراً، ولم يفلت منهم إلّا الشّارد، وأسر أيضًا من عسكر دمشق والكَرَك جماعةَ مقدَّمين؛ فحُكيَ لي عن المنصور أَنَّهُ قَالَ: واللَّهِ لقد قصَّرْتُ ذَلِكَ اليوم، ووقع فِي قلبي أنّنا لا نُنْصَر لانتصارنا بالفِرَنج، ووصلتْ عساكرُ دمشق معه فِي أسوأ حال. وأما مصر فزُيِّنتْ زِينةً لم تُزَيَّن مثلها، وضُرِبت البشائر، ودخلت أسارى الفرنج والأمراء، وكان يومًا مشهودًا بالقاهرة. ثم عطف حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ، ورُكْنُ الدّين بَيْبَرْس فنازلوا عسقلان وحاصروا الفرنج الّذين تسلّموها، فجُرِح حسام الدّين، ثُمَّ ترحّلوا إلى نابلس، وحكموا عَلَى فلسطين والأغوار، إلّا عجلون فهي بيد سيف الدّين ابن قليج نيابةً للناصر داود. ثم بعث السّلطان الصّالح نجم الدّين وزيرَه مُعِينَ الدّين ابن الشيخ عَلَى جيشه، وأقامه مُقام نفسه، وأنفذ معه الخزائن، وحكّمه فِي الأمور، وسار إلى الشّام ومعه الخَوَارِزْميّة، فنازلوا دمشقَ وبها الصّالح والمنصور صاحب حمص، فذل الصالح إسماعيل وبعث وزيره أمين الدولة متشفعا بالخليفة ليصلح بينه وبين ابن أخيه الصالح؛ فلم يظفر بطائلٍ ورجع. واشتدّ الحصار عَلَى دمشق وأُخذت بالأمان لقلّة مَن مَعَ صاحبها، ولفَنَاء ما بالقلعة من الذّخائر، ولِتَخَليّ الحلبيّين عَنْهُ، فترحّل الصّالح إِسْمَاعِيل إلى بَعْلَبَكّ -[571]- والمنصور إلى حمص. وتسلّم الصّاحب مُعينُ الدّين القلعةَ والبلدَ. ولمّا رأت الخَوَارِزْميّة أنّ السّلطان قد تملّك الشّام بهم وهزم أعداءه، صار لهم عليه إدلال كبير، مع ما تقدَّم من نصْرهم لَهُ عَلَى صاحب المَوْصِل وهو بسنجار، فطمعوا في الأخباز العظيمة، فلمّا لم يحصلوا عَلَى شيءٍ فَسَدَتْ نيَّتُهُم لَهُ، وخرجوا عَلَيْهِ، وكاتبوا الأميرَ رُكْنَ الدين بيبرس البندقدار- وهو أكبر أمراء الصالح نجم الدين أيوب، وكان بغزّة - فأصغى إليهم فيما قِيلَ، وراسلوا صاحب الكرك، فنزل إليهم ووافقهم، وتزوج منهم. قلت: وكانت أمه أيضاً خوارزمية. ثُمَّ طلع إلى الكَرَك واستولى حينئذٍ عَلَى القدس ونابلس وتلك الناحية، وهرب منه نُوّابُ صاحبِ مصر. ثُمَّ راسلت الخُوَارَزْميّة الملكَ الصّالحَ إسماعيلَ، وحلفوا لَهُ فسار إليهم، واتّفقتْ كلمةُ الجميع عَلَى حرب صاحب مصر، فقلِق لذلك، وطلب رُكْن الدّين بَيْبَرْس فقدم مصر فاعتقله وكان آخر العهد بِهِ. ثُمَّ خرج بعساكره فخيم بالعباسة، وكان قد نفذ رسوله إلى المستعصم بالله يطلب تقليداً بمصر والشام والشرق، فجاءه التّشريف والطَّوقُ الذَّهَب والمركوب. فلبس التّشريف الأسود والعمامة والجبة، وركب الفرس بالحلْية الكاملة، وكان يومًا مشهودًا. ثُمَّ جاء الصالح إسماعيل والخوارزمية ونازلوا دمشق وليس بها كبيرُ عسكرٍ، وبالقلعة الطُّوَاشيُّ رشيد، وبالبلد نائبها حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ الهَذبانيّ، فضبطها وقام بحِفْظها بنفسه ليلًا ونهارًا، واشتدّ بِهَا الغلاء، وهلك أهلُها جوعًا ووباءً. وبلغني أنّ رجلًا مات فِي الحبس فأكلوه، كذلك حدثني حسام الدين ابن أَبِيّ عَلِيّ. فعند ذَلِكَ اتّفق عسكر حلب والمنصور صاحب حمص عَلَى حرب الخُوَارَزْميّة وقصدوهم وتركوا حصار دمشق، وساقوا أيضًا يقصدونهم، فالتقى الجمعان، ووقع المَصَافُّ فِي أوّل سنة أربعٍ وأربعين عَلَى القصب - وهي منزلة عَلَى بريد من حمص من قِبْلِيّها - فاشتدّ القتال والصّالح إِسْمَاعِيل مع الخوارزمية -[572]- فانكسروا عندما قُتِل مقدَّمُهُم الملكُ حسامُ الدّين بركةُ خان، وانهزموا ولم تقُم لهم بعدها قائمة، قتل بركةَ خان مملوكٌ من الحلبيّين، وتشتّتت الخُوَارَزْميّة، وخدم طائفة منهم بالشّام، وطائفة بمصر، وطائفة مع كشلوخان ذهبوا إلى التّتار وخدموا معهم، وكفى اللَّه شرَّهم. وعُلِّق رأسُ بركةَ خان عَلَى قلعة حلب. ووصل الخبر إلى القاهرة فزُيِّنت، وحصل الصُّلْح التّامّ والوداد بين السّلطان وبين صاحب حمص والحلبيّين. وأمّا المُحَارِفُ الملكُ إِسْمَاعِيلُ فإنّه التجأ إلى حلب إلى عند ابن ابن أخته الملك النّاصر صلاح الدّين، فأرسل صاحبُ مصر البهاءَ زُهير إلى الناصر صلاح الدين يطلب منه إِسْمَاعِيلَ، فشقّ ذَلِكَ عَلَى النّاصر وقال: كيف يحسن أن يلتجئ إلي خال أَبِي - وهو كبير البيت - وأبعثه إلى من يقتله وأخفِر ذِمَّته؟! فرجع البهاء زُهير. وأمَّا نائبُ دمشق حسامُ الدّين فإنّه سار إلى بَعْلَبَكّ وحاصرها، وبها أولاد الصّالح إِسْمَاعِيل، فسلّموها بالأمان، ثُمَّ أُرسِلُوا إلى مصر تحت الحَوْطة هم والوزير أمينُ الدّولة والأستاذ دار ناصر الدين ابن يغمور، فاعتُقِلوا بمصر. وصَفَت البلاد للملك الصّالح. وبقي النّاصر دَاوُد بالكَرَك فِي حُكْم المحصور. ثم رضي السلطان على فخر الدّين ابن شيخ الشّيوخ. وأخرجه من الحبس بعد موت أخيه الوزير معين الدّين، وسيَّره فاستولى عَلَى جميع بلاد النّاصر دَاوُد، وخرّب ضِياع الكَرَك، ثُمَّ نازلها أيّامًا، وقَلَّ ما عند الناصر من المال والذّخائر بِهَا، وقلّ ناصُره، فعمل قصيدةً يعاتب فيها السّلطانَ، ويذكر فيها ما لَهُ من اليد عنده من ذَبّه عَنْهُ وتمليكه ديار مصر، وهي: قلْ للَّذي قاسمتُه ملكَ اليدِ ... ونهضتُ فيه نهضة المتأسد عاصيتُ فِيهِ ذوي الحِجَى من أسرتي ... وأطعتُ فِيهِ مكارمي وتودُّدي يا قاطع الرّحم الّتي صِلتي بِهَا ... كُتبت عَلَى الفَلَك الأثير بعسجدِ إن كنتَ تقدحُ فِي صريح مناسبي ... فاصبِرْ بعرضك للهيب المرصدِ عمّي أبوك ووالدي عمٌّ بِهِ ... يعلو انتسابُك كلّ ملكٍ أصْيَدِ صالا وجالا كالأُسود ضوارياً ... وارتدّ تيّار الفرات المزبد -[573]- ومنها: دع سيف مقولي البليغ يذب عن ... أعراضكم بفِرِنْدِهِ المتوقدِ فهو الَّذِي قد صاغ تاجَ فَخَارِكم ... بمفصَّلٍ من لؤلؤٍ وزبرجدِ ثُمَّ أخذ يصف نفسه وجُودَه ومحاسنه وسُؤدُدَه، إلى أن قَالَ: يا مُحرجي بالقول، واللهِ الَّذِي ... خَضَعَتْ لعزّتِهِ جِبَاهُ السُّجّد لولا مقالُ الهجرِ منكَ لَمَا بَدا ... منّي افتخارٌ بالقريضِ المُنشد إنْ كنتُ قلتُ خلافَ ما هُوَ شِيمتي ... فالحاكمونَ بمسمعٍ وبمشهدِ واللهِ يا ابن العمّ لولا خيفتي ... لرميت ثغرك بالعداة المُرّد لكنّي مّمن يخاف حرامة ند ... ماً يُجرّعني سِمامَ الأُسود فأراك ربُّك بالهُدَى ما ترتجي ... ليراك تفعل كلَّ فعلٍ مُرشد لتعيدَ وجهَ المُلك طلْقًا ضاحكًا ... وتردَّ شملَ البيتِ غير مُبدّد كيلا ترى الأَيامُ فينا فرصة ... للخارجين وَضحكة للحُسّد ثُمَّ إنّ السّلطان طلب الأمير حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ وولّاه نيابةَ الدّيار المصريّة، واستناب عَلَى دمشق الصّاحبَ جمالَ الدّين يحيى بْن مطروح. ثم قدم الشام، وجاء إلى خدمته صاحبُ حماة الملكُ المنصور- وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وصاحب حمص - وهو صغير- فأكرمهما وقرّبهما، ووصل إلى بَعْلَبَكّ، ثُمَّ ردّ إلى دمشق. ثُمَّ قدِم عَلَى نائب مصر حسام الدّين والدُه بدرُ الدّين محمدُ بْنُ أَبِي عَلِيّ، وقَرَابتُهُ علاءُ الدّين، وكانا فِي حبْس صاحب حمص، فلمّا مات أطلقهما ابنه، فَتُوُفّي بدرُ الدّين بعد قدومه بيسير. ثُمَّ رجع السّلطان ومرض فِي الطّريق. حكى لي الأميرُ حسامُ الدّين قَالَ: لمّا ودّعني السّلطان قَالَ: إنيّ مسافرٌ، وأخاف أن يعرض لي موتٌ وأخي العادل بقلعة مصر فيأخذ البلاد، وما يجري عليكم منه خيرٌ، فإنْ مرضتُ ولو أَنَّهُ حُمى يومٍ فأَعْدِمْه، فإنّه لا خير فِيهِ، وولدي تورانشاه لا يصلحُ للمُلْك، فإنْ بَلَغَكَ موتي فلا تسلِّم البلادَ لأحدٍ من أهلي، بل سلّمْها للخليفة. وأمّا عسقلان وطبرية، فلما تسلمتهما الفرنج من الصالح إسماعيل بنوهما، وحصّنوا القلعتين فنازلَهَما فخرُ الدّين ابنُ شيخ الشّيوخ بعدما ترحّل عن -[574]- حصار الكَرَك، ففتحهما وهدمهما. ودُقّت البشائر. وفَتَر السلطان عن أخذ حمص لانتماء صاحبها الأشرف، وأبوه إلى السلطان ومؤازرتهما له. ثم قدم الأشرف للسلطان قلعة شميمس فتسلَّمها. وأمّا حماة فكانت لابن أخته الملك المظفَّر وبها الصّاحبة أخت السّلطان، ثُمَّ تملّكها الملك المنصور ابن المظفر، وتزوج ببنت أخت السّلطان فاطمة خاتون ابْنَة الكامل، وكانت فاطمة بحلب، وهي والدة صاحبها الآن الملك الناصر صلاح الدين ابن العزيز، فزوَّج أختَه بصاحب حماة فِي هذه السّنة، وجاءت إِلَيْهِ فِي تجمُّلٍ عظيم. ثُمَّ دخلت سنة ستٍّ وأربعين فصرف السّلطان نيابةَ مصر عن حسام الدين بجمال الدين ابن يغمور، وبعث الحسامَ بالمصريّين إلى الشّام، فأقاموا بالصّالحيّة أربعة أشهر. قَالَ ابن واصل: وأقمتُ مَعَ حسام الدّين هذه المدّة، وكان السّلطان في هذه المدة وقبلها مقيمًا بأشمون طناح، ثُمَّ رجعنا إلى القاهرة. وفيها خرجت الحلبيّون وعليهم شمسُ الدّين لؤلؤ الأمِينيّ، فنازلوا حمص ومعهم الملك الصّالح إِسْمَاعِيل يرجعون إلى رأيه، فنصبوا المجانيق وحاصروها شهرين، ولم يُنْجِدْها صاحبُ مصر، وكان السّلطان مشغولًا بمرض عرض له في بيضه، ثُمَّ فتح وحصل منه ناسور يعسر برؤه، وحصلت له في رئته بعد قرحة متلفة، لكنّه عازمٌ عَلَى إنجاد صاحب حمص. ولمّا اشتدّ الخناق بالأشرف صاحب حمص اضطرَّ إلى أن أذعن بالصُّلْح، وطلب العِوَض عن حمص تلّ باشر مُضافًا إلى ما بيده، وهو الرحبة وتدمر، فتسلّمها الأميرُ شمسُ الدّين لؤلؤ الأمينيّ، وأقام بِهَا نوّابًا لصاحب حلب. فلمّا بلغ السّلطانَ وهو مريض أخذ حمص غضب وعظُمَ عَلَيْهِ، وترحّل إلى القاهرة، واستناب بِهَا ابن يغمور، وبعث الجيوش إلى الشّام لاستنقاذ حمص. وسار السّلطان فِي مَحِفَّة، وذلك فِي سنة ستٍّ وأربعين، فنزل بقلعة دمشق وبعث جيشه فنازلوا حمص، ونصبوا عليها المجانيق، فممّا نُصِب عليها منجنيقٌ مغربيّ، ذكر لي الأميرُ حسامُ الدّين أَنَّهُ كَانَ يرمي حجرًا زنته مائة وأربعون رطلاً بالشامي. ونصب عليها قرابغا واثني عشر منجنيقًا سلطانيّة، وذلك فِي الشّتاء. وخرج صاحب حلب بعسكره فنزل بأرض كَفَرْطاب، ودام الحصار إلى -[575]- أنْ قدِم الباذرائيّ للصُّلْح بين صاحب حلب وبين السّلطان، عَلَى أن يقرّ حمص بيد صاحب حلب، فوقع الاتّفاق عَلَى ذَلِكَ، وترحّل عسكر السّلطان عن حمص لمرض السّلطان، ولأنّ الفرنج تحرّكوا وقصدوا مصر، وترحّل السّلطان إلى الديّار المصريّة لذلك وهو فِي مَحِفَّة. وكان النّاصر صاحب الكَرَك قد بعث شمسَ الدّين الخُسْروشاهيّ إلى السّلطان وهو بدمشق يطلب منه خبزا بمصر والشَّوْبَك لينزل لَهُ عن الكَرَك، فبعث السّلطان تاج الدّين ابن مهاجر فِي إبرام ذَلِكَ إلى النّاصر، فرجع عن ذَلِكَ لمّا سَمِعَ بحركة الفرنج، وطلب السّلطان نائبَ مصر جمالَ الدين ابن يغمور، فاستنابه بدمشق، وبعث على نيابة مصر حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ، فدخلها فِي ثالث محرَّم سنة سبْعٍ. وسار السّلطان فنزل بأشمون طناح ليكون فِي مقابلة الفرنج إنْ قصدوا دِمياط. وتواترت الأخبار بأن ريذا فرنس مقدَّم الإفرنسيسيّة قد خرج من بلاده فِي جموع عظيمة وشتى بجزيرة قبرص، وكان من أعظم ملوك الإفرنج وأشدهم بأساً. وريذ: بلسانهم الملك. وشُحِنت دِمياط بالذّخائر، وأحكِمت الشّواني. ونزل فخر الدين ابن الشَّيْخ بالعساكر فنزل عَلَى جيزة دِمياط، فأقبلت مراكب الفرنج فأرست في البحر بإزاء المسلمين فِي صفر. ثُمَّ شرعوا من الغد فِي النّزول إلى البرّ الَّذِي فِيهِ المسلمون. وضربت خيمة حمراء لريذا فرنس، وناوشهم المسلمون القتال، فقُتل يومئذٍ الأميرُ نجمُ الدّين ابنُ شيخ الإِسْلَام، والأمير الوزيريّ، فترحّل فخر الدين ابن الشَّيْخ بالنّاس، وقطع بهم الجسرَ إلى البرّ الشّرقيّ الَّذِي فِيهِ دِمياط، وتقهقر إلى أشمون طناح، ووقع الخذْلان عَلَى أهل دِمياط، فخرجوا منها طول اللَّيل عَلَى وجوههم حتّى لم يبق بها أحد. وكان هذا من قبح رأي فخر الدّين فإنّ دمياط كانت فِي نوبة سنة خمس عشرة وستّمائة أقلّ ذخائر وعددًا، وما قدر عليها الفرنج إلى بعد سنة، وإنّما هرب أهلها لمّا رأوا هربَ العساكر وعلموا مرض السّلطان. فلمّا أصبحت الفرنجُ تملّكوها صَفْوًا بما حَوَت من العُدد والأسلحة والذّخائر والغِلال والمجانيق، وهذه مصيبةٌ لم يجر مثلها. -[576]- فلمّا وصلت العساكر وأهلِ دِمياط إلى السّلطان، حنق عَلَى الكِنانيّين الشّجعان الّذين كانوا بِهَا، وأمر بهم فشُنِقوا جميعًا، ثُمَّ رحل بالجيش وسار إلى المنصورة، فنزل بِهَا فِي المنزلة الّتي كَانَ أَبُوهُ نزلها، وبها قصرٌ بناه الكامل. ووقع النّفير العام فِي المسلمين، فاجتمع بالمنصورة أمم لا يحصون من المطوعة والعربان والحرافشة، وشرعوا فِي الإغارة عَلَى الفِرنج ومناوشتهم وتخطفهم، واستمر ذلك أشهراً، هذا والسلطان يتزايد مرضه، والأطباء قد آيسته لاستحكام السّلّ بِهِ. وأمّا الكَرَك فإنّ صاحبها سافر إلى بغداد، فاختلف أولاده، وسار أحدهم إلى الملك الصّالح، فسلَّم إِلَيْهِ الكَرَك، ففرح بِهَا السّلطان مَعَ ما هُوَ فِيهِ من الأمراض، وزُيّنت بلادُه، وبعث إليها الطُّوَاشيّ بدرَ الدّين الصّوابيّ نائبًا، وقدِم عَلَيْهِ آلُ النّاصر دَاوُد فبالغ في إكرامهم وأقطعهم أخبازاً جليلة. إلى أن قَالَ ابن واصل فِي سيرة الصّالح: وكان مَهِيبًا، عزيز النّفْس، أَبِيَّها، عالِيَها، حَيِّيًا، عفيفًا، طاهرَ اللّسان والذّيل، لا يرى الهزل ولا العبث، شديد الوقار، كثير الصّمت. اشترى من المماليك التُّرْك ما لم يشتره أحدٌ من أهل بيته، حتّى صاروا مُعظم عسكره، ورجّحهم عَلَى الأكراد وأمّرهم، واشترى - وهو بمصر- خلْقًا منهم وجعلهم بِطانته والمحيطين بدِهليزه وسمّاهم البحريّة. حكى لي حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ أنّ هَؤُلاءِ المماليك مَعَ فَرْط جبروتهم وسطْوتهم كانوا أبلغ مَن يعظّم هيبة السّلطان، فكان إذا خرج وشاهدوا صورته يرعدون خوفًا منه، وَأَنَّهُ لم يقع منه فِي حال غضبه كلمةٌ قبيحةٌ قطّ، أكثر ما يَقْولُ إذا شَتَم: يا متخلّف. وكان كثير الباه لجواريه فقط، ولم يكن عنده فِي آخر وقتٍ غير زوجتين، إحداهما شَجَر الدُّرّ، والأخرى بِنْت العالمة تزوّجها بعد مملوكه الْجُوكنْدار. وكان إذا سَمِعَ الغناء لا يتزعزع ولا يتحرّك، وكذلك الحاضرون يلتزمون حالته كأنما على رؤوسهم الطَّير. وكان لا يستقلّ أحدٌ من أرباب دولته بأمر، بل يراجع بالقَصَص مَعَ الخُدّام، فيوقِّع عليها بما يعتمده كِتاب الإنشاء. وكان يحبّ أهلَ الفضل والدّين، وما كَانَ لَهُ مَيلٌ إلى -[577]- مطالعة الكتب، وكان كثير العزلة والانفراد، وله نهمة فِي اللَّعِب بالصَّوَالجة وفي إنشاء الأبنية العظيمة الفاخرة. وقال غير ابن واصل فِي سيرة الملك الصالح: وكان الصالح لا يجتمع بالفضلاء، لأنه لم تكن لَهُ مشاركةٌ بخلاف أَبِيهِ، وكان اجتماعه بالنّاس قليلا جدا، بل كَانَ يقتصر عَلَى نُدمائه المعروفين بحضور مجلس الشراب، كَانَ ملكًا مَهِيبًا، جبّارًا ذا سطوةٍ وجلالة، وكان فصيحًا، حَسَن المحاورة، عفيفًا عن الفواحش، فأمّر مماليكه التُّرْك، وجرى بينه وبين عمّه إِسْمَاعِيل أمورٌ وحروبٌ إلى أن أخذ نوّابه دمشقَ عام ثلاثة وأربعين، وذهب إِسْمَاعِيل إلى بَعْلَبَكّ، ثُمَّ أُخذت من إِسْمَاعِيل بَعْلَبَكّ، وتعثّر والتجأ إلى النّاصر صاحب حلب، ولمّا خرج الملك الصّالح من مصر إلى الشّام خاف من بقاء أخيه، فقتله سرًّا، فلم يُمَتَّع، ووقعت الآكلة في فخذه بدمشق، ونزل الإفرنس ملك الفرنج بجيوشه عَلَى دِمياط فأخذها، فسار إِلَيْهِ الملك الصّالح فِي مَحِفّةٍ حتّى نزل بالمنصورة عليلًا، ثُمَّ عرض لَهُ إسهالٌ إلى أن تُوُفّي ليلة النّصف من شعبان بالمنصورة وأُخْفي موتُه حتّى أُحضِر ولدُه الملكُ المعظَّم من حصن كيفا، وملّكوه بعده. فذكر سعدُ الدّين: أنّ ابن عمّه فخر الدّين نائب السّلطنة دخل من الغد خيمة السّلطان، وقرَّر مع الطواشي محسن أن يظهر أن السلطان أمر بتحليف النّاس لولده الملك المعظّم، ولوليّ عهده فخر الدين، فتقرر ذلك وطلبوا الناس، فحلفوا إلا أولاد الناصر، توقفوا وقالوا: نشتهي أن نبصر السّلطان، فدخل خادم وخرج، وقال: السّلطان يسلّم عليكم، وقال: ما يشتهي أن تروه فِي هذه الحالة، وقد رسم لكم أن تحلفوا فحلفوا، وجاءتهم من كلّ ناحية، راحت الكَرَك منهم، واسودّت وجوههم عند أبيهم بغدرهم، ومات السّلطان الَّذِي أمّلوه، ثُمَّ عَقِيب ذَلِكَ نفَوْهم من مصر، ونَفَّذ الأميرُ فخرُ الدين نسخ الأيمان إلى البلاد ليحلفوا للمعظَّم. قلت: وكانت أمّ ولده شَجَر الدر ذات رأي وشهامة، فدولبت الملك مدة شهرين أو أكثر، وجرت لَهَا أمور، وخُطِب لَهَا عَلَى المنابر، وبقي المُلْك بعده فِي مواليه الأتراك وإلى اليوم، وتربته بمدرسته بالقاهرة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
508 - إِسْمَاعِيل السّلطان الملك الصّالح عمادُ الدين أبو الخيش ابن الملك العادل أَبِي بَكْر مُحَمَّد بْن أيّوب بْن شاذي، [المتوفى: 648 هـ]
صاحب بَعْلَبَكّ، وبُصْرَى ودمشق. ملك دمشق بعد موت أخيه الملك الأشرف، وركب بأُبَّهة السَّلطنة، وخلع عَلَى الأمراء، وبقي أيّامًا، فلم يَلْبَث أن نازل دمشقَ الملكُ الكاملُ أخوه فأخذها منه وذهب هُوَ إلى بَعْلَبَكّ، ثُمَّ هجم هُوَ وصاحبُ حمص عَلَى دمشق وتملكها فِي سنة سبْعٍ وثلاثين، كما هُوَ مذكور فِي الحوادث. وبَدَتْ منه هناتٌ عديدة، واستعان بالفِرَنج عَلَى حرب ابن أخيه، وأطلق -[594]- لهم حصن الشَّقِيف. ثُمَّ أُخذت منه دمشق فِي سنة ثلاثٍ وأربعين، وذهب إلى بَعْلَبَكّ فلم يَقَرّ لَهُ قرار، والتفّ عَلَيْهِ الخُوَارَزْميّة، وتمّت لَهُ خُطُوبٌ طويلة، فالتجأ إلى حلب، وراحت منه بُصْرَى وبَعْلَبَكُّ، وبقي فِي خدمة ابن ابن أخته الملك النّاصر. فلمّا سار النّاصر لأخذ الدّيار المصريّة ومعه الملك الصّالح أُسِر الصّالح فيمن أُسِر وحُبِس بالقاهرة ومرّوا بِهِ أسيرًا عَلَى تُربة ابن أخيه الصّالح نجم الدّين فصَاحت البحريّة - وهم غلمان نجم الدّين -: يا خَوَنْد أَيْنَ عينُك تُبصر عدوَّك؟. قَالَ سعد الدّين فِي " تاريخه ": وفي سلْخ ذي القعدة أخرجوا الصّالح إِسْمَاعِيل من القلعة ليلًا ومضوا بِهِ إلى الجبل فقتلوه هناك وعُفي أثرُهُ. قلت: حصل لَهُ خيرٌ بالقتل، والله يسامحه، وقد رَأَيْت ولديه الملك المنصور والملك السّعيد والد الكامل، وقد روى عن: أَبِيهِ جزءًا من " المحامليات "، قرأه عليه السيف ابن المجد وكان لَهُ إحسان إلى المَقَادِسة، ولكنّ جناياته عَلَى المسلمين ضخمة. قَالَ ابن واصل: لما أتي بالملك الصالح عماد الدين إِسْمَاعِيل إلى الملك المُعِزّ - وإنّما أُتيَ صبيحة الوقعة - أُوقِف إلى جانبه، قَالَ حسامُ الدّين ابن أَبِي عَلِيّ: فَقَالَ لي المُعِزّ: يا خَونْد حسام الدّين، أما تسلِّم عَلَى المولى الملك الصّالح؟ قَالَ: فدنوت منه وسلّمت عَلَيْهِ ثُمَّ دخل المُعِزّ - وقد انتصر - القاهرة. قَالَ ابن واصل: كان يوما مشهودا، فلقد رأيت الصّالحَ إِسْمَاعِيل وهو بين يدي المُعِزّ، وإلى جانبه الأمير حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ، فحكى لي حسامُ الدّين قَالَ: قلت لَهُ: هَلْ رأيتم القاهرة قبل اليوم؟ قَالَ: نعم، رأيتها مَعَ الملك العادل وأنا صبي، ثم اعتُقل الصّالح بالقلعة أيّامًا، ثُمَّ أتاه ليلة السّابع والعشرين من ذي القعدة عزُّ الدّين أيْبَك الرُّوميّ وجماعةٌ من الصّالحيّة إلى الدّار الّتي هُوَ فيها، وأمروه أن يركب معهم، فركب ومعهم مشعل، ومضوا بِهِ إلى باب القلعة -[595]- من جهة القرافة، فأطفؤوا المشعل وخرجوا به، فكان آخر العهد بِهِ، فقيل: إنّه خُنِق كما أمر هو بخنق الملك الجواد. قَالَ: وكان ملكًا شَهْمًا، يقِظًا، محسنًا إلى جنده، كثير التجمل، وكان أَبُوهُ العادل كثير المحبّة لأمّه، وكانت من أحظى حظاياه عنده، ولها مدرسة وتُربة بدمشق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
511 - تورانشاه بن أيوب بن محمد ابن العادل السّلطان الملك المعظَّم غياثُ الدّين، وُلِدَ السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين. [المتوفى: 648 هـ]
لمّا تُوُفّي الصّالح جمع فخرُ الدّين ابن الشَّيْخ الأمراء وحلفوا لهذا، وكان بحصن كيفا، ونفذوا فِي طلبه الفارس أقطايا، فساق على البرية، هُوَ ومن معه، وكانوا خمسين فارسًا، ساروا أوّلًا إلى جهة عانَة وعَدّوا الفُرات، وغرَّبوا على بر السماوة وأخذ عَلَى البرّيّة بِهِ أيضًا لئلّا يعترضه أحدٌ من ملوك الشّام فكاد أن يهلك من العطش، ودخل دمشق بأُبَّهَة السَّلطنة فِي أواخر رمضان، ونزل القلعة وأنفق الأموال، وأحبّه النّاس. ثُمَّ سار إلى الدّيار المصريّة بعد عيد الأضحى، فاتّفق كسرةُ الفِرنج - خَذَلَهُم اللَّه - عند قدومه، ففرح النّاس وتيمّنوا بطَلْعته. لكنْ بدت منه أمورٌ نفَّرت منه القلوب، منها أَنَّهُ كَانَ فِيهِ خِفَّةٌ وطَيْش. قَالَ الشَّيْخ قُطْبُ الدِّين: كان الأمير حسام الدين ابن أَبِي عليّ ينوب للصّالح نجم الدّين فسيِّر القُصّاد عند موته سِرًّا إلى المعظَّم بحصْن كيفا يستحثه على الإسراع، فسار مجدا، وترك بحصن كيفا ولده الملك الموحّد عَبْد اللَّه وهو ابن عشر سنين، وسار يعسف البادية خوفًا من الملوك الّذين فِي طريقه، فدخل قلعة دمشق، ثُمَّ أخذ معه شَرَف الدّين الوزير هبة اللَّه الفائزيّ وكان حسامُ الدّين المذكور قد اجتهد فِي إحضاره مَعَ أنّ والده كَانَ يَقْولُ: ولدي ما -[597]- يصلُح للمُلْك، وألحَّ عَلَيْهِ الحُسامُ أنْ يُحضِره، فَقَالَ: أجيبه إليهم يقتلونه؟ فكان كما قَالَ!. وقال سعد الدين ابن حمُّوَيه: قدِم المعظَّم فطال لسان كلّ من كَانَ خاملًا فِي أيّام أَبِيهِ، ووجدوه مُخْتَلَّ العقل، سيّئَ التّدبير ودُفع خُبْزُ فخرِ الدّين ابن الشيخ بحواصله لجوهر الخادم لالاته، وانتظر الأمراء أن يُعطيهم كما أعطى أمراءَ دمشق، فلم يَرَوا لذلك أثرًا، وكان لا يزال يحرّك كتِفَه الأيمن مَعَ نصف وجهه، وكثيرًا ما يولعُ بلحيته، ومتى سكر ضرب الشمع بالسيف، وقال: هكذا أريد أفعل بغلمان أبي، ويتهدد الأمراء بالقتل. فيشوش قلوب الجميع ومقتته الأنْفُس، وصادف ذَلِكَ بُخْلًا. قلت: لكنّه كَانَ قويّ المشاركة فِي العلوم، حسن المباحثة، ذكيًّا. قَالَ أَبُو المظفّر الْجَوْزيّ: بلغني أَنَّهُ كَانَ يكون عَلَى السّماط بدمشق، فإذا سَمِعَ فقيهًا يَقْولُ مسألةً قَالَ: لا نسلّم. يصيح بِهَا ومنها أَنَّهُ احتجب عن أمور النّاس، وانهمك عَلَى الفساد مَعَ الغلمان - عَلَى ما قِيلَ -، وما كَانَ أَبُوهُ كذلك، وقيل: إنّه تعرّض لحظايا أَبِيهِ وكان يشرب، ويجمع الشُّموع، ويضرب رؤوسها بالسّيف ويقول: كذا أفعل بالبحريّة - يعني مماليك أَبِيهِ - ومنها أَنَّهُ قدّم الأراذل وأخّر خواصَّ أبيه، وكان قد وعد الفارس لمّا قدِم إِلَيْهِ إلى حصن كيفا أن يؤمّره فما وفى لَهُ، فغضب وكانت أم خليل زَوْجَة والده قد ذهبت من المنصورة إِلَى القاهرة، فجاء هُوَ إِلَى المنصورة، وأرسل يتهددها ويطالبها بالأموال، فعاملت عليه فلمّا كَانَ اليوم السّابع والعشرين من المحرَّم من هذا العام ضربه بعض البحريّة وهو عَلَى السِّماط، فتلقّى الضَّربة بيده، فذهبت بعضُ أصابعه، فقام ودخل البُرج الخشب الَّذِي كَانَ قد عُمِل هناك، وصاح: مَن جرحني؟ فقالوا: بعض الحشيشيّة. فَقَالَ: لا والله إلّا البحريّة، واللَّهِ لأفنينّهم! وخيط المزين يده وهو يتهددهم، فقالوا فيما بينهم: تمموه وإلا أبادنا. فدخلوا عَلَيْهِ، فهرب إلى أعلى البُرج، فرموا النّار فِي البُرج ورموا بالنشاب -[598]- فرمى بنفسه، وهرب إلى النّيل وهو يصيح: ما أريد ملكا، دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين، أما فيكم من يصطنعُني؟ فما أجابه أحد، وتعلق بذيل الفارس أقطايا، فما أجاره، فقيل: إنّه هرب من النُّشّاب، ونزل فِي الماء إلى حلقه، ثُمَّ قتلوه، وبقي مُلْقًى عَلَى جانب النّيل ثلاثة أيّام منتفخًا، حتّى شفّع فِيهِ رسول الخليفة فواروه وكان الَّذِي باشر قتْله أربعةٌ، فلمّا قتِل خُطِب عَلَى منابر الشّام ومصر لأمّ خليل شَجَر الدُّرّ معشوقة الملك الصّالح، وكانت ذات عقلٍ وفِطْنة ودهاء. قَالَ أَبُو شامة: قتلوه وأمّروا عليهم شَجَرَ الدُّرّ، فأخبرني من شاهد قتله أَنَّهُ ضُرِب أوّلًا، فتلقّى السَّيفَ بيده فجُرِحت، واختبط النّاس، ثُمَّ قَالُوا: بعد جَرْح الحيّة لا ينبغي إلّا قتلُها، فلبسوا وأحاطوا بالبرج الذي صنع له في الصحراء لمنازلة الفرنج، فأمروا زراقا بإحراق البرج، فامتنع، فضربوا عُنُقه، وأمروا آخَرَ فرماه بالنِّفْط، فهرب من بابه، وناشدهم الله في الكف عَنْهُ، وَأَنَّهُ يُقْلع عمّا نقموا عَلَيْهِ، فما أجابوه، فدخل فِي البحر إلى حلْقه، فضربه البندقداري بالسيف فوقع، وقيل: ضربه عَلَى عاتقه، فنزل السّيف من تحت إبْطه الأخرى وحُدِّثْتُ أَنَّهُ بقي يستغيث برسول الخليفة: يا أبي عزّ الدّين أدرِكْني. فجاء وكلّمهم فِيهِ، فردّوه وخوّفوه من القتل، فرجع، فلمّا قتلوه نودي: لا بأس، النّاس عَلَى ما هم عَلَيْهِ، وإنّما كانت حاجةً قضيناها، واستبدّوا بالأمر، وسلطنوا عليهم عِزَّ الدّين أَيْبَكَ التُّرْكُمانيّ، ولقّبوه بالملك المُعِزّ، وساروا إلى القاهرة. قَالَ ابن واصل: ولمّا دخل المعظَّمُ قلعةَ دمشق قامت الشُّعراء، فابتدأ شاعر بقصيدة، أوّلها: قُل لنا كيف جئت من حصن كيفا ... حين أرغمت للأعادي أُنُوفا فَقَالَ المعظَّم في الوقت: الطّريق الطّريق بألف نحسٍ ... مرّةً أمنا وطورا مخوفا فاستظرفه الناس واشتهر ذلك ثُمَّ إنّه سار فلمّا قطع الرَّمْل ونزل بقصر -[599]- الصّالحيّة وقع من حينئذٍ التّصريح بموت أَبِيهِ، وكان مدة كتمان موته ثلاثة أشهر. كان يخطب له ثم ولاية العهد للمعظّم. ثُمَّ قدِم إلى خدمته نائبُ سلطنة مصر حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ الَّذِي كَانَ أستاذ دار أَبِيهِ وأتابَكَ جُنْده فِي حصن كيفا، فخلع عَلَيْهِ خِلْعَةً تامّة وسيفًا مُحَلًى وفَرَسًا بِسَرْجٍ مُحَلَّى، وثلاثة آلاف دينار. قَالَ ابن واصل: وكنتُ يومئذٍ مَعَ حسام الدّين، فذكرني للسّلطان، فأتيت وقبَّلْتُ يده، ثُمَّ حضرت أَنَا وجماعة من علماء المصريّين عنده، فأقبل علينا وذكر ابن نباتة مشاكلة الخطيبين عماد الدّين وأصيل الدّين الإسْعِرْديّ، فلم ينطقا لخُلُوِّهما من فضيلة، فقلت: إنّ بعض النّاس ردّ عَلَيْهِ فِي قوله: الحمد لله الَّذِي إن وعد وفى وإنْ أوعد عفا، كأنّه نظر إلى قول الشاعر: لمخلف إيعادي ومُنجز موعدي وهذا مدح لآدميّ، لكنّه لا يكون مدْحًا في حق الله إذ الخَلْفُ فِي كلامه مُحالٌ عقلًا، فأقبل عليّ، وقال: أليس الله يعفو بعد الوعيد؟ قلت: يا خونْد هذا حقّ، لكنّه يكون وعيده مخلفا، فإذا عفا عن شخصٍ من المتواعدين عُلِم أَنَّهُ ما أراد به بذلك العموم ذلك الشخص، أمّا إذا توعْد شخصًا بعينه بعُقُوبة، فلو لم يعاقبه لزِم الخُلْف فِي خبره، وهو محال فأعجبه، وأخذ يحادثني بأشياء من عِلْم الكلام وغيره من الأدب، فتكلّم كلامًا حَسَنًا. ثُمَّ رجَّح أَبَا تمّام عَلَى المتنبّي، وأشار إلى حسام الدّين وقال: الأمير حسام الدّين يوافقني عَلَى ترجيحه، ثُمَّ وصلْنا إلى المنصورة لسبْعٍ بقين من ذي القعدة، فنزل بقصر أَبِيهِ، فلو أحسن إلى مماليك أَبِيهِ لَوَازَرُوه، ولكنّه اطّرحهم وجفاهم ففسدت أحواله، وقدِم جماعةٌ من علماء القاهرة كابن عَبْد السّلام، وابن الْجُمَّيْزي، وسراجُ الدّين الأُرْمَوِيّ، ووجدوا سوق الفضائل عند المعظم نافقة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
3 - أَحْمَد بن غازي بن يوسف بن أيوب، الملك الصّالح، صلاح الدّين ابن السلطان الملك الظّاهر ابن السُّلطان الكبير صلاح الدين الأيوبي، [المتوفى: 651 هـ]
صاحب عيْن تاب، وعم السُّلطان الملك النّاصر صاحب الشّام. وُلد في صفر سنة ستمائة، وكان أكبر من أخيه الملك العزيز، وإنما أخّروه عن سلطنة حلب لأنّه ابن جارية، ولأنّ العزيز ابن الصاحبة بِنْت السُّلطان الملك العادل. وقد تزوَّج هذا بعد موت أخيه بامرأته فاطمة بِنْت السُّلطان الملك الكامل مُحَمَّد. وكان مهِيبًا، وقُورًا، متجمِّلًا، وافر الحُرْمة، حدث عن: الافتخار الهاشمي، روى عَنْهُ: الدمياطي قولة، وذكر انه امتنع من الرواية وقال: ما أنا -[704]- أهلٌ لذلك، بل أَنَا أسمع عليك. ثم سمع منه ووصله. تُوُفّي فِي شعبان ببلد عيْن تاب، وعمل ابن أخيه السُّلطان له العزاء بدار السعادة، ورَثَتْه الشعراء. وخلف ولدًا ذَكَرًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
142 - إبراهيم بن أونبا، الأميرُ مجاهدُ الدين الصوابي، أمير جانْدار الملك الصالح نجم الدين أيوب. [المتوفى: 654 هـ]
كان من كبار الأمراء، وقد ولي ولاية دمشق. وله شِعرٌ وَسَطَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
196 - شجرُ الدُّرّ، جارية السُّلطان الملك الصالح، وأم ولده خليل. [المتوفى: 655 هـ]
كانت بارعة الجمال، ذات رأي ودهاء وعقل. ونالت من السعادة ما لم ينلها أحدٌ من نساء زمانها، وكان الملك الصّالح يحبّها ويعتمد عليها، ولما توفّي على دِمياط أخفت موته، وكانت تعلم بخطها مثل علامته وتقول: السُّلطان ما هُوَ طيّبٌ. وتمنعهم من الدخول إليه، وكانت الأمراء والخاصكية يحترمونها ويُطيعونها، وملكوها عليهم أيامًا. وتسلطنت وخُطب لها على المنابر إثر قتْل السُّلطان الملك المعظَّم ابن الصّالح. ثم إنها عزلت نفسها، وأقيم في السلطنة الملك الأشرف ومعه المعز أيبك، ثم تزوج بها المُعزّ، واستولت عليه، وأشارت عليه بقتل الفارس أقطايا فقتله. ثم غارت منه لما خطب بِنْت لؤلؤ صاحب الموْصل فقتلتْهُ فِي الحمام، وقتلت وزيرها القاضي الأسعد. قال شيخنا قُطْبُ الدين: كان الصالح يحبها كثيرًا، وكانت فِي صُحبته لما اعتُقل بالكَرَك، وولدت له هناك الأمير خليلا، ومات صبيّاً. ولمّا قُتل المعظَّم ملّكت الديار المصرية وخُطب لها على المنابر. وكانت تعلّم على المناشير وتكتب: " والدة خليل ". وبقيت على ذلك ثلاثة أشهر، ثمَّ استقرت السلطنة للأشرف. ثم تزوجها المُعزّ، فكانت مستولية عليه ليس له معها كلام، وكانت تُركية، ذات شهامة وقوة نفس، وقيل: إن المُعزّ مل من احتجارها عليه واستطالِتها، ورُبّما عزم على إهلاكها، فقتلته. فأخذها مماليكه بعد أن أمنوها فاعتقلوها فِي برج، والملك المنصور ابن المُعزّ التركماني وأمه يحرضان على قتلها. فلما كانت بُكْرة يوم السبت حادي عشر ربيع الآخر ألقِيَت تحت قلعة مصر مقتولة مسلوبةً، ثمّ حُملت إلى تُربة بَنَتْها لها بقرب تُربة السيدة نفيسة. وكان الصاحب بهاء الدين ابن حِنّا قد وَزَرَ لها. ولما قتلت المُعزّ وتيقنت أنها مقتولة أودعت جملةً من المال فذهب، وأعدمت جواهر نفيسة كسرتها فِي الهاون. -[778]- قال ابن واصل: كانت حَسَنة السيرة، لكن الغيْرة حمَلَتها على ما فعلت. قال ابن أنْجب: نُقش اسمُها على الدينار والدرهم. وكان الخُطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: " واحفَظِ اللهم الجِهةَ الصالحة، ملكة المسلمين، عصْمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السُّلطان الملك الصالح ". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
488 - إسماعيل، المُلْك الصالح نور الدّين ابن الملك المجاهد أسد الدين شِيركُوه بْن مُحَمَّد بْن شيركوه بن شاذي بْن مروان، [المتوفى: 659 هـ]
ابن صاحب حمص. نشأ بحمص وانتقل عَنْهَا، وخدم مَعَ المُلْك النّاصر يوسف، وكان عاقلا حازما سائسا، فلمّا أخذ هولاكو بلاد الشّام داخل التّتار، وأخذ فَرَمانا، ولم يدخل الديار المصرية، وحسن للملك النّاصر التوجُّه إلى هولاكو، وتوجه فِي صُحبته، فلمّا قدِموا عَلَى هولاكو أحسن إليهم وأكرمهم، فلمّا بلغه كسرة كتبغا عَلَى عَين جالوت غضب وقتلهم فِي أوائل السَّنَة كلهم!. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
526 - إسماعيل بْن لؤلؤ، هُوَ المُلْك الصالح، رُكْن الدين، [المتوفى: 660 هـ]
ابن صاحب المَوْصِل. قِدم الديار المصرية فِي السَّنَة الماضية، وردّ، ثم وقع في مخاليب التّتار، فقُتل فِي هذه السَّنَة فِي ذي القِعْدة، وكان عادلًا، لين الجانب -[930]- يحرر أمره وكيف عاد إلى المَوْصِل فوقع فِي حصارها وأسره التّتار. نعم، قصد الظاهر ليمده بجيش فأمده، ورجع ودخل المَوْصِل، فأقبلت التّتار، فالتقاهم عند نصيبين فهزمهم، وقتل النوين أيلكا، فتنمر هولاكو، وجهز سنداغو فنازَل المَوْصِل كما فِي الحوادث. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
332 - الملك الموحد عبد الله ابن المعظم تورانشاه ابن السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بْن الكامل بن العادل. [المتوفى: 669 هـ]
وُلِد بآمِد إذْ أبوه متولّيها، فقصد غياث الدّين صاحب الرّوم وعسكر حلب آمِد وحاصروها، ثمّ أخذوها من المعظّم وأبقوا له حصْن كيفا، فتحوّل إليه، فلمّا مات أبوه بالدّيار المصريّة وطُلب المعظّم وقدِم وتملَّك مصرَ والشّام في سنة سبعٍ وأربعين، خلَّف الملك الموحّد هذا بحصن كيفا فتملّكه. قال ابن واصل في " تاريخه " وقد ألّفه في حدود السّبعين وستّمائة: الملك الموحّد باق إلى الآن مستول على حصن كيفا تحت أوامر التتر وله عدّة أولاد على ما بلغني، قال: وكان عمره لما مضى والده إلى مصر عشر سنين. سألتُ الشّيخ تاج الدّين الفارقي عن الموحد هذا، فقال: رأيته، وكان شجاعًا قصيرًا، عاش إلى بعد الثّمانين وستّمائة وابنه إلى الآن باقٍ بيده الحصن من تحت أوامر التّتار. قلت: لقّب ابنه الملك الكامل. قتله التتار في حدود سنة سبعمائة وأقاموا بعده ولده الملك الصّالح صورةً بلا أمر، ورتبته كجندي كبير. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
172 - عَبْد اللّه بْن إِسْمَاعِيل بن محمد بن أيوب، الملك المسعود ابن الملك الصالح. [المتوفى: 674 هـ]
رئيس جليل. وهو أخو الملك المنصور محمود والملك السعيد أبي الكامل، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الأولى بدمشق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
183 - عَبْد الملك، الملك السّعيد، فتْح الدّين، أَبُو محمد ابن السلطان الملك الصالح أبي الخيش إسماعيل ابن العادل، محمد بن أبي الشكر أيوب. [المتوفى: 683 هـ]
رَأَيْته، وكان شكلًا مليحًا، مزرَّعاً بالشَّيْب، وكان وافر التَّجمل، دمث الأخلاق، لَهُ حُرمة فِي الدّولة، وكان من أُمراء الحلقة، وهو والد الملك الكامل، سَمِعَ منه: البِرزاليّ، والطَّلَبة، وتُوُفّي فِي ثالث رمضان، ودُفِن بتُربة جدّته أمّ الصالح، وشيعه الأمراء والأعيان. سمع من ابن اللتي وغيره، أتيت منزله وهو يأكل فأطعمني. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
252 - عَبْد اللَّه، الملك المسعود، جلالُ الدّين وُلِد السّلطان الملك الصّالح إِسْمَاعِيل ابن الملك العادل. [المتوفى: 684 هـ]
كَانَ من أجمل النّاس صورةً، وكان محتشمًا، نبيلًا، حَسَن الأخلاق. تُوُفّي كَهْلًا بقريةٍ بالمرج، ودفن بتربة عمه الأمجد عَبَّاس فِي نصف جمادى الآخرة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
466 - علي، الملك الصّالح ابن السّلطان الملك المنصور سيف الدّين قلاوون. [المتوفى: 687 هـ]
عهد إلَيْهِ والده بالمُلْك من بعده وخُطِب لَهُ بذلك، فأدركته المَنِيّة وهو شابّ. وكان عاقلًا، مليح الكتابة. تُوُفّي فِي شعبان بعد أخته غازية خاتون زَوْجَة الملك السّعيد بشهر، ودُفنا عند أمّهما في تربة بين مصر والقاهرة وخلَّف ابنًا اسمه مُوسَى، كبُر وتميّز. وولي ولاية العهد بعده أخوه السّلطان الملك الأشرف فِي رمضان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
536 - محمود، الملك المنصور شهاب الدين ابن السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن العادل. [المتوفى: 688 هـ]
رَأَيْته شيخًا مَهِيبًا، أبيض الرأس واللّحية، ضخمًا، رَبعة من الرجال، مليح الشَّكل، يلبس قباءً وعمامة مدوَّرة. وقد سلطنه أبُوهُ بدمشق. وركب فِي الدَّست بأُبَّهة المُلْك فِي حدود سنة أربعين وستّمائة. وكان يومًا مشهودًا، وقد روى عن ابن الزبيدي وابن اللتي، كتب عنه جماعة المحدّثين؛ وتنقلت بِهِ الأحوال إلى أن احتاج وصار يطلب بالأوراق من الأمراء وغيرهم. قال لي ابن مكتوم عَلَى سبيل المبالغة: رَأَيْته سلطانًا ورأيته يستعطي. تُوُفّي فِي شعبان ودُفِن بتُربة أمّ الصّالح. ووُلِد ببُصْرى بقلعتها سنة تسع عشرة. |