المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
الوَظيفُ: مُسْتَدَقُّ الذِّراعِ والسَّاقِ من الخَيْلِ، ومن الإِبِلِ وغيرِها، ج: أَوْظِفةٌ وَوُظُفٌ، بضَمَّتَيْنِ، والرَّجُلُ القَوِيُّ على المَشْي في الحَزْنِ.وجاءَتِ الإِبِلُ على وظيفٍ: تَبعَ بعضُها بعضاً.ووَظَفَهُ يَظِفُه: قَصَّرَ قَيْدَه، وأصابَ وظيفَه،وـ القومَ: تَبِعَهُم. وكَسفينَةٍ: ما يُقدَّرُ لَكَ في اليومِ من طَعامٍ أو رِزْقٍ ونَحوِهِ، والعَهْدُ والشَّرْطُ، ج: وَظائِفُ ووُظُفٌ، بضمتينِ.والتَّوْظيفُ: تَعْيينُ الوَظيفَةِ.والمُواظَفَةُ: المُوافَقَةُ والمُوازَرَةُ والمُلازَمَةُ.واسْتَوْظَفَهُ: اسْتَوْعَبَه.
|
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
السمات الأساسية للجماعات الوظيفية
الجماعات الوظيفية: مقدمة «الجماعات الوظيفية» نموذج تحليلي يمكن أن نصفه بأنه قديم/جديد. فهو "قديم" باعتبار أن كثيراً من المفكرين في الغرب قد استخدموه دون تسميته (كارل ماركس وماكس فيبر وأبراهام ليون) وفي غيره من المواضع، وباعتبار أنه كامن في كثير من الدراسات التي كُتبت عن الجماعات اليهودية وغيرها من الأقليات (مثل الأرمن) . فكاتب مثل شكسبير في تاجر البندقية يصف شيلوك في عبارات تبيِّن أن الكاتب الإنجليزي العظيم قد أدرك بشكل فطري كثيراً من ملامح الجماعة الوظيفية. كما أن كثيراً من الكتابات الصهيونية (وبخاصة كتابات الصهاينة العماليين) قد أدركت ملامح الجماعة الوظيفية. ونحن نذهب إلى أن كلاسيكيات معاداة اليهود مثل بروتوكولات حكماء صهيون حينما تصف "اليهودي" إنما تصف عضو الجماعة الوظيفية. وأخيراً يمكن القول بأنه مفهوم "قديم" باعتبار أن هناك محاولات في علم الاجتماع الغربي لوصف "بعض" الجماعات الوظيفية من خلال مجموعة من المصطلحات، من بينها: «الأقلية الوسيطة» ـ «الشعوب التجارية الوسيطة» ـ «الوسطاء المهاجرون» ـ «الشعوب التجارية الهامشية» ـ «الأقليات الدائمة» . ورغم أهمية هذه المحاولات ورغم ارتفاع مقدرتها التفسيرية فيمكن ملاحظة ما يلي: 1 ـ ركَّز العلماء والدارسون الغربيون، حبيسو التجربة الغربية، جُلَّ اهتمامهم ـ كما هو مُتوقَّع ـ على جماعتين وظيفيتين أساسيتين: أ) الجماعات الإثنية التي تضطلع بدور مالي تجاري من خلال رأس المال البدائي أو الربوي في المجتمعات القديمة والوسيطة. وهذا يشكل جزءاً من اهتمام العلماء والدارسين الغربيين بتاريخ الرأسمالية في العالم الغربي. ب) المهاجرون بانتمائهم الإثني والوظيفي المتميِّز، وهذا يشكل جزءاً من اهتمام العلماء والدارسين الغربيين بمشكلة أساسية تواجهها المجتمعات الغربية الحديثة. 2 ـ أهمل علماء الاجتماع الغربي الجماعات الوظيفية الأخرى فلم يدرسوها تماماً أو قاموا بدراستها وكأنها لا علاقة لها بالجماعات الوظيفية التجارية والمالية، ولذا فهم يتعاملون مع ظواهر مثل الخصيان والجواري والمماليك والإنكشارية والبغايا باعتبارها ظواهر غير ذات صلة. بل إنهم يتعاملون مع ظواهر تُوجَد في داخل المجتمع الغربي نفسه، مثل المرتزقة والعاهرات، باعتبارها ظواهر لا علاقة لها بظاهرة الجماعات الوظيفية. 3 ـ أهمل علماء الاجتماع الغربيون الجانب غير الاقتصادي من الجماعات الوظيفية (مثل علاقتهم بالعلمانية الشاملة وميلهم نحو الحلولية الكمونية وتمركزهم حول ذاتهم ورؤيتهم للكون) إذ تعرَّضوا لها بشكل سطحي. لكل هذا لم تظهر دراسة واحدة شاملة لهذا الموضوع تجمع كل ملامحه وتحوُّله إلى نموذج تفسيري يتسم بقدر معقول من الشمول والتركيب كما نفعل في نموذج الجماعات الوظيفية الذي نطرحه. وقد استفدنا في هذه الدراسة ولا شك من كل الدراسات السابقة والنماذج التفسيرية الجزئية (الكامنة والظاهرة) المطروحة. ولكننا حاولنا تجاوزها جميعها لا عن طريق رفضها وإنما عن طريق مزجها وربطها الواحدة بالأخرى. كما ربطنا بينها وبين نماذج تفسيرية أخرى لظواهر أخرى، وجرَّدنا من كل هذا نموذجاً تحليلياً واحداً (نموذج الجماعة الوظيفية) ، الذي يتسم ـ في تصوُّرنا ـ بقدر أعلى من المرونة والشمول والتركيب من عائلة النماذج الجزئية التي أشرنا لها من قبل. وبعد ذلك قمنا بوصف الملامح الأساسية لهذا النموذج وأسباب ظهوره وتحولاته وبيَّنا أنه نموذج يتجاوز الأبعاد الاقتصادية والسياسية المباشرة ليصل إلى الأبعاد الحضارية والمعرفية، وأنه يُغطي الأصول الاجتماعية والتاريخية والإثنية للظواهر موضع الدراسة وسماتها البنيوية ومسارها التاريخي ورؤية أعضائها للكون. ومفهوم الجماعة الوظيفية نموذج تركيبي مكثَّف له مقدرة تفسيرية عالية تفوق المقدرة التفسيرية لكثير من النماذج التفسيرية السابقة (مثل مفهوم الطبقة ومفهوم الجماعة الوسيطة) وذلك للأسباب التالية: 1 ـ تظهر المقدرة التفسيرية لمفهوم الجماعات الوظيفية حينما نتعامل لا مع التشكيلات الكبرى (عمال ـ فلاحين ـ رأسماليين) وإنما مع التشكيلات الأصغر مثل الجماعات الهامشية والأقليات الحرفية. بل نجد أن التعامل مع التشكيلات الكبرى قد يصبح أكثر دقة وتركيبية إن قَسَّمنا الرأسماليين إلى رأسماليين أجانب ورأسماليين محليين، إذ نجد أن النوع الأول، في أغلب الأحيان، جماعة وظيفية منفصلة عن المجتمع، بينما نجد أن الثاني جزء عضوي منه. والواقع أن هذا الانفصال وذاك الاتصال يحددان خيارات كل فريق وسلوكه. فمفهوم الجماعة الوظيفية، مثله مثل مفهوم الطبقة، يؤكد أهمية العناصر الاقتصادية، ولكنه يتعامل في الوقت نفسه مع عوامل أخرى مثل: المكانة ـ الثقافة ـ الرؤية ـ علاقة الأقلية بالأغلبية ـ النسق القيمي ... إلخ. 2 ـ يقوم مفهوم الجماعات الوظيفية بالربط بين الجماعات الوسيطة (المالية والتجارية) وبين كثير من الجماعات الأخرى التي استبعدها مفهوم الجماعات الوسيطة. ومن ثم فهو يربط بين كثير من الظواهر في مجتمعات مختلفة وفي حقب تاريخية مختلفة. 3 ـ يمكن تطويع نموذج الجماعات الوظيفية بحيث يمكن تطبيقه على كثير من المجتمعات الشرقية والغربية، في الماضي والحاضر. 4 ـ يسترجع مفهوم الجماعات الوظيفية مفهوم الإنسانية المشتركة الذي تم استبعاده إلى حدٍّ كبير من العلوم الإنسانية في الغرب. ونحن نذهب إلى أن ظاهرة الجماعة الوظيفية ظاهرة عالمية، فهي مُتجذِّرة في النزعتين الأساسيتين في الطبيعة البشرية: النزعة الجنينية (النزوع نحو الذوبان في الكل الطبيعي/المادي) والنزعة الربانية (أي النزوع نحو تجاوز حدود الطبيعة/المادة) . فإذا كانت الجنينية نزعة نحو إسقاط الهوية والحدود ونزع القداسة وإنكار التجاوز ومساواة الإنسان بالمادة حتى يصبح إنساناً طبيعياً/مادياً يُعرَّف في ضوء وظائفه المادية، يفقد استقلاليته عن الطبيعة/المادة ويفقد حريته وتركيبيته ومقدرته على التجاوز، وإذا كانت النزعة الربانية عكس ذلك تماماً (فهي تعبير عن التمسك بالهوية والحدود والقداسة والمقدرة على التجاوز وعن تَميُّز الإنسان في الكون ومقدرته على اتخاذ قرار أخلاقي حر) ، فإننا نجد أن كلتا النزعتين تتضحان في الجماعة الوظيفية. فمجتمع الأغلبية يتخلص من النزعات الطبيعية والجنينية داخله بأن يسقطها على الجماعة الوظيفية، والجماعة الوظيفية بدورها تحاول أن تفعل الشيء نفسه. 5 ـ يتجاوز مفهوم الجماعة الوظيفية الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة ليصل إلى الجوانب المعرفية وإلى رؤية الإنسان للكون. هذه بعض الجوانب العامة لنموذج الجماعة الوظيفية التي تجعلنا نراه أكثر تفسيرية. أما فيما يتصل بالمقدرة التفسيرية لنموذج الجماعات الوظيفية حينما يُطبَّق على الجماعات اليهودية فيمكننا أن نذكر الجوانب التالية: 1 ـ يضع مفهوم الجماعة الوظيفية أعضاء الجماعات الوظيفية في سياقاتهم التاريخية والإنسانية المختلفة، ولكنه في الوقت نفسه يتيح لنا مقارنتهم بأعضاء الأقليات الدينية والإثنية المختلفة. 2 ـ يمكِّننا هذا النموذج من اكتشاف استمرارية تاريخية متعيِّنة (وليس استمرارية ميتافيزيقية وهمية) في تواريخ الجماعات اليهودية، هي اضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية. فالجماعات اليهودية من أهم الجماعات التي اضطلعت بدور الجماعة الوظيفية، وخصوصاً الجماعات الوظيفية المالية (التي يُقال لها «الجماعات الوسيطة» ) . 3 ـ ظهرت دولة إسرائيل باعتبارها دولة استيطانية قتالية تعمل للدفاع عن المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للعالم الغربي، ويقوم هو بالدفاع عنها بالمقابل ـ أي أنها دولة وظيفية تعاقدية مع الغرب. وكل هذا يجعلنا نُعيد النظر في دور أعضاء الجماعات الوظيفية كمرتزقة أو مادة استيطانية أو جامعي ضرائب أو كتجار أو مرابين أو ملتزمي أراض (الأرندا) ، فالنمط الذي كان في الماضي كامناً مضمراً أصبح واضحاً ظاهراً في حالة الدولة الصهيونية. ويمكننا أن نقول إن مفهوم الجماعة الوظيفية يتسم بمقدرته على عدم الذوبان في فكرة القانون العام (الذي يسقط فيه مفهوم الطبقة) وكذلك عدم السقوط في خصوصية الظاهرة وتأيقنها (أي أن تصبح الظاهرة كالأيقونة لا تشير إلا إلى ذاتها) . ومن هنا، فهو مفهوم تحليلي يظل مرتبطاً بتموجات الواقع والمنحنى الخاص للظاهرة ولكنه مع هذا يربط بين الظواهر المختلفة، أي أنه لا يسقط في التمركز حول الموضوع العام الذي لا سمات له، ولا يسقط في التمركز حول الذات الخاصة التي لا يمكن الربط بينها وبين الذوات الأخرى، فهو يتحرك في الرقعة التي تلتقي الذات فيها بالموضوع، والخاص بالعام، دون أن يستبعد الواحد الآخر ويلغيه. فهو يرى أن ثمة خصوصية ما تتسم بها الجماعات اليهودية، ولكنها ليست خصوصية مطلقة وإنما هي، في واقع الأمر، خصوصيات مستمدة من المجتمعات التي يعيش أعضاء هذه الجماعات بينها، ومن ثم فهي لا تختلف عن الخصوصيات التي يتسم بها أعضاء الأقليات، كل حسب سياقه، وأنه لا توجد خصوصية يهودية (واحدة) أو جوهر يهودي أو عبقرية يهودية أو جريمة يهودية وإنما خصوصيات يهودية تختلف باختلاف الزمان والمكان، أي أن الخاص لا يجبُّ العام والعام لا يجبُّ الخاص. و «الجماعات الوظيفية» مصطلح قمنا بوضعه، استناداً إلى مصطلحات قريبة في علم الاجتماع، لوصف مجموعات بشرية تستجلبها المجتمعات الإنسانية من خارجها، في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم من بين الأقليات الإثنية أو الدينية، أو حتى من بعض القرى أو العائلات. ثم يوكل لأعضاء هذه المجموعات البشرية أو الجماعات الوظيفية وظائف شتى لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته، ولذا يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا ـ البغاء) أو المتميِّزة (القضاء ـ الترجمة ـ الطب) التي تتطلب الحياد والتعاقدية (ولذا يمكن تسمية أعضاء الجماعات الوظيفية «المتعاقدين الغرباء» ) . وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى (الحاجة لمستوطنين جدد لتوطينهم في المناطق النائية) . كما أنه قد يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية الوظائف ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع الأمني (حرس الملك ـ طبيبه ـ السفراء ـ الجواسيس) . ويمكن أن تكون الوظيفة مشينة ومتميِّزة حساسة في آن واحد (مثل الخصيان والوظائف الأمنية على وجه العموم) . كما أن المهاجرين عادةً ما يتحولون إلى جماعات وظيفية (في المراحل الأولى من استقرارهم في وطنهم الجديد) ، ذلك لأن الوظائف الأساسية في وطنهم الجديد عادةً ما يكون قد تم شغلها من قبَل أعضاء الأغلبية. ويجب أن نؤكد أننا، حينما نقول "يستجلب المجتمع"، لا نعني أن هذه عملية واعية يقوم بها أعضاء مجتمع ما، فهي في واقع الأمر عملية غير واعية كما هو الحال مع معظم الظواهر الاجتماعية. وكثيراً ما تكون هذه العملية غير مفهومة لمن يقومون بها، سواء أكان المجتمع المضيف أم الجماعة الوظيفية. بل إن هذه العملية الاجتماعية قد تتم رغم الرفض الواعي لها من قبَل المجتمع والجماعة. وكل ما نرمي إليه هنا هو أن نشير مجرد إشارة إلى أن هذه عملية اجتماعية مركبة إلى أقصى حد تتداخل فيها الأسباب بالنتائج، ونحاول فهم بعض جوانبها وتفسيرها قدر استطاعتنا. ولكننا، لقصور لغتنا البشرية، نضطر إلى الإشارة إلى المجتمع وأعضائه كما لو كان ذاتاً واعية ينجز عملياته بشكل واع. ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال تخصصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها، بل يتوحدون بها، وفي نهاية الأمر يكتسبون هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم منها بحيث يتم تعريف الإنسان من خلال الوظيفة وحسب لا من خلال إنسانيته الكاملة، فيصبح عضو الجماعة الوظيفية إنساناً ذا بُعد واحد يمكن اختزال إنسانيته إلى هذا البُعد أو المبدأ الواحد، وهو وظيفته. أسباب ظهور وتطور الجماعات الوظيفية قد يكون من المفيد عرض بعض الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الجماعات الوظيفية، فمعرفة الأسباب تلقي ضوءاً كاشفاً على السمات الأساسية: 1 ـ من المعروف أن المجتمعات التقليدية تتسم بأن العلاقات بين أعضائها قوية ومباشرة (ربما لدرجة خانقة من منظورنا الفردي الحديث) . فكل فرد يعرف بقية أعضاء المجتمع معرفة وثيقة إذ تربطهم علاقات تراحمية تستند إلى القرابة والجوار والانتماء المشترك والمصالح المعنوية والمادية المشتركة. ويجب أن نتذكر أن معظم الوحدات الاجتماعية في المجتمعات التقليدية كانت في الماضي وحدات صغيرة جداً، تتسم بقدر عال من التماسك، ويسيطر على أعضائها إحساس عميق بقداسة المجتمع الذي ينتمون إليه (فهو عادةً يستند إلى إيمان بمطلق متجاوز أو حالّ كامن) . وكانت المدن الكبرى نفسها مقسمة إلى وحدات صغرى. وكان أسلوب الإدارة في المجتمعات التقليدية، وضمن ذلك الإمبراطوريات العظمى، لا يتعامل مع الأفراد مباشرةً ولا مع الوحدات الكبرى وإنما مع وحدات ومؤسسات وسيطة. ويظهر الإحساس بقداسة المجتمع وبأعضائه في عدد كبير من الشعائر الخاصة بالمحرَّم والمباح، والتي تشكل إطاراً يتحرك المجتمع داخله ويتماسك من خلاله. وداخل مثل هذا الإطار، يصبح من المستحيل تقريباً التحلي بالموضوعية والحياد تجاه بقية أعضاء المجتمع، ويصبح من الصعب بمكان نزع القداسة عنهم والتصرف نحوهم بحرية كاملة وإخضاعهم للقوانين (الواحدية المادية) العامة مثل قوانين العرض والطلب وتعظيم المنفعة واللذة وتغليب المصلحة الشخصية المادية على الهدف الاجتماعي والأخلاقي الأكبر. ولكن هناك وظائف تتطلب قدراً عالياً من الحياد والموضوعية وتتطلب إخضاع الآخر لقوانين العرض والطلب والحسابات الرياضية الرشيدة الصارمة المحايدة (ولقوانين الواحدية المادية الأخرى التي لا تُفرِّق بين الإنسان والآخر، أو حتى بين الإنسان والأشياء) . ومن الواضح أن من السهل التعامل مع الغرباء (مع من لا نعرف) بهذه الموضوعية والحياد والواحدية، فنحن لا نكترث بهم ولا يهمنا مصيرهم، وهم ليسوا جزءاً من نسيج المجتمع. وهم بدورهم لا يكترثون بأعضاء المجتمع أو بمصير المجتمع أو قيمه. ولذا، ينظر كل طرف إلى الطرف الآخر لا باعتباره إنساناً مركباً له حقوق وعليه واجبات، موضعاً للحب والكره، وإنما باعتباره مصدراً للنفع أو اللذة (أي باعتباره شيئاً مادياً ذا بُعد واحد) . ولذا، فبإمكان كل طرف أن ينزع القداسة عن الطرف الآخر (فهو يقع خارج دائرة المحرَّم ويقع في دائرة المباح) ، ويمكن تَجاهُل عواطفه وأحاسيسه، ويمكن تشييئه وتسليعه وتحييده وحوسلته والقضاء عليه والدخول معه في علاقة تعاقدية نفعية واحدية رشيدة. وإذا أردنا ضرب المثل بالنشاطات التجارية والمالية، فيمكننا أن نقول إن من الأيسر على الإنسان أن يتعامل بحياد مع بشر لا يكترث بهم، إذ يمكن أن تسري عليهم الحسابات المالية الصارمة التي لا تعرف الضحك أو البكاء، أو الخير والشر، حسابات المكسب والخسارة التي لا قلب لها. وتصبح العملية التجارية والمالية حينذاك مفرغة تماماً من أي مضمون اجتماعي أو إنساني أو أخلاقي أو عاطفي. أما إذا كانت هناك اعتبارات عاطفية أو أخلاقية (كأن يُقرض الإنسان أخته الصغيرة التي يحبها، أو عمه العجوز الذي استولى على ثروة أبيه، أو حتى جاره المريض الذي يسعل في المساء) ، فإن عملية التبادل المحايد ستكون مرهقة جداً من الناحية العصبية والنفسية، وستؤدي إلى أن يفقد المجتمع إحساسه بقدسيته وطهارته ونقائه وإلى تصعيد التنافس داخله وزيادة حرراته وهو ما يهدد تماسكه. لكل هذا، كان المجتمع يُوكل وظائف معيَّنة (مثل وظيفة التاجر أو المرابي أو جامع الضرائب) تتطلب الموضوعية والحياد والقسوة إلى متعاقدين وافدين يتم عزلهم عن المجتمع والاستفادة منهم في أداء هذه الوظائف. ويمكن أن نقول نفس الشيء عن العنصر الوظيفي القتالي (المرتزقة) ، فهذا العنصر كي يؤدي وظيفته، وهي قتل أعداء سيده الذي يدفع أجره، عليه أن يتسم بالحياد والموضوعية والقسوة، وعليه ألا يمارس تجاههم أي إحساس بقدسيتهم وحرمتهم حتى يمكن له أن يقتلهم بشكل آلي محايد بارد. فهو إن مارس تجاه ضحيته بعض مشاعر الحب أو البغض وأحس بأنها تقع داخل نطاق المحرَّم وتتمتع بشيء من القداسة، فإنه لن يقوم بعمله بشكل آلي وهو ما قد يؤدي إلى تدمير جهازه العصبي إما لأنه سيحاول أن يكبح مشاعر الحب والشفقة أو لأنه سينغمس في مشاعر الكره والانتقام. كما أن المرتزق، لو كان عضواً في المجتمع، سيؤدي إلى تفكُّكه لأنه سيكون موضع حب من يكرهون الضحية وموضع كره من يحبونها، وهي درجة من الحرارة لا يستطيع المجتمع أن يحتفظ بتماسكه معها. ويسري نفس المنطق على المهن المشينة، مثل مهنة البغاء. فمهنة، كهذه، تتطلب ولا شك قدراً كبيراً من الموضوعية والحياد والانفصال عن المجتمع حتى يتمكن الإنسان من تحويل جسد إنسان آخر إلى مجرد آلة أو أداة، وهذا أمر عسير جداً في إطار الترابط الاجتماعي والألفة والإيمان بقداسة الجماعة التي ينتمي إليها المرء، فالآلة لابد أن تكون الغريب الذي لا حرمة له ولا قداسة حتى يمكن استخدامها واستعمالها والانتفاع بها (أي حوسلتها) . كما أن البغي إن مارست عواطف الحب والكره أثناء ممارستها وظيفتها فإنها تُستهلَك تماماً، ومن ثم كانت البغايا في معظم المجتمعات التقليدية يتم استيرادهن من الخارج (الإثيوبيات في معظم بلاد أفريقيا ـ اليونانيات والإيطاليات في مصر ـ اليهوديات من منطقة الاستيطان في روسيا القيصرية) . وحتى حين كانت البغايا يجندن من العنصر السكاني المحلي، فإنهن عادةً ما كنّ يرتدين أزياء خاصة ويَقْطن أحياءً خاصة حتى يتم الحفاظ على المسافة بينهن وبين المجتمع ككل. بل من الطريف أن البغايا في السودان مثلاً، حتى إن كنّ من أصل سوداني، عادةً ما يدعين أنهن إثيوبيات، وذلك حتى تظل المسافة اللازمة لأداء الوظيفة قائمة. وأصبحت كلمة «إثيوبية» تعني «بغيّ» ، فالكلمة نفسها تخلق المسافة النفسية وتضمن الحوسلة، تماماً كما حدث في أوربا حين أصبحت كلمتا «تاجر» و «مرابي» مرادفتين لكلمة «يهودي» (وأحياناً «يوناني» ) ، في فترات تاريخية مختلفة، وكما حدث في الدولة العثمانية حين أصبحت كلمة «تاجر» مرادفة لكلمة «أرمني» ، وكما حدث في أمريكا اللاتينية حين أصبحت كلمة «توركوس» (أي «تركي» ، التي كانت تشير إلى كلٍّ من اليهود والعرب) مرادفة لكلمة «تاجر» . ومن أهم الأمثلة التي تشرح هذه الفكرة ما حدث للقوات البريطانية في الهند في نهاية القرن التاسع عشر، إذ اجتذبت هذه القوات عدداً من البغايا البريطانيات، ويبدو أن هذا قد أنقص هيبة هذه القوات أمام نفسها وربما أمام السكان المحليين. كما بدأ بعض الجنود البريطانيين يرتبطون عاطفياً بالبغايا من بنات جلدتهم وهو ما أدَّى إلى حالة من التنافس بين الذكور وزيادة حرارة هذه الجماعة العسكرية. وقد أَخلَّ هذا بالضبط والربط، فتم إرجاع البغايا البريطانيات واستيراد بعض البغايا اليهوديات الروسيات من منطقة الاستيطان في روسيا القيصرية، وبالتالي تم التخلص من فائض الطاقة الجنسية بطريقة محايدة رشيدة لا تدخل فيها أية عواطف حب أو كره، وذلك دون الإخلال بالتماسك الداخلي للمجتمع ودون تصعيد للتوتر الاجتماعي بين أعضائه. والأمر نفسه يسري على المشتغلين بمهن متميِّزة، فالإنسان المتميِّز يتمتع برهبة غير عادية تحيط به الهالات. والخبرات النادرة التي يمتلكها الإنسان المتميِّز تجعله يقترب من السحرة والكهنة الذين يقفون على حدود الطبيعة على علاقة بعالم الغيب وما وراء الطبيعة، يحاولون الحصول على المعرفة من خلال هذه العلاقة للسيطرة على الطبيعة. وإن تَحوَّل المشتغلون بمثل هذه الوظائف إلى مثل يُحتذَى، فإنهم سيُولِّدون قدراً عالياً من التوتر في المجتمع، الذي يتطلب دورانه اليومي وجود عدد من الناس يدخلون في علاقة تتسم بحد أدنى من التراحم والمساواة. ولذا لابد من عزلهم. والإنسان المتميِّز (الطبيب ـ الكاهن ـ الساحر) ، إن أصبح إنساناً عادياً مساوياً للآخر، لن يحتفظ بهيبته ولن يتمكن من أداء وظيفته التي تتطلب قدراً من الانفصال عن مجتمع الأغلبية والتعالي عليه. ومن أطرف الأمثلة على الجماعات الوظيفية المهنية المتميِّزة لجوء بعض المدن الإيطالية لاستجلاب قضاة غرباء لضمان حيادهم وموضوعيتهم. ولعل استمرار رجال القضاء في إنجلترا (وغيرها من الدول) في ارتداء الشعر المستعار هو محاولة من جانبهم لأن يحتفظوا بمسافة بينهم وبين المجتمع، شأنهم شأن الجماعة الوظيفية التي تتمتع بالحياد والتجرد والموضوعية. ولا يزال حكام مباراة كرة القدم غرباء متعاقدين، فالحكم المحايد أداة أساسية لا يمكن أن تتم المباراة بدونها، مع أنه هامشي إذ لا تمس قدماه الكرة. وباختصار شديد، يمكن القول بأن تَركُّز الحياد والدنس والتعاقد في جماعة بشرية هامشية يعني أن بقية أعضاء المجتمع المضيف يمكنهم التمتع بالدفء والتراحم، وأن تَركُّز التَميُّز في مجموعة هامشية أخرى يعني خفض حدة التوتر الاجتماعي، وأن تَركُّز الشين في مجموعة ثالثة يعني أن المجتمع سيتمتع بطهره الأخلاقي والفعلي المادي. 2 ـ عادةً ما يتم استجلاب عنصر بشري من الخارج لملء فجوة أو ثغرة قد تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بهذه الحاجات من ناحية أخرى. أ) فقد تنشأ حاجة إلى الغزو والتوسع داخل مجتمع ما، الأمر الذي يتطلب مادة بشرية مُدرَّبة تدريباً خاصاً على القتال ولها كفاءات معينة (مثل استخدام سلاح معيَّن وركوب الخيل) لا تجدها النخبة الحاكمة متوافرة في أعضاء المجتمع، فتقرر النخبة استجلاب مرتزقة من الخارج يمكنهم أداء المهمة دون تهديد هيمنتها. ب) كما أن دولة من الدول قد تتوسع وتصبح إمبراطورية مترامية الأطراف وتود التحكم في المناطق الإستراتيجية التي ضمتها أو تعمير بعض المناطق النائية، ولكنها لا تمتلك الكثافة البشرية اللازمة. وهنا يتم استجلاب أعضاء الجماعة الوظيفية ليسدوا هذه الثغرة وليصبحوا مستوطنين مقاتلين أو رواداً. جـ) وقد تقرر النخبة الحاكمة تشجيع التجارة أو الصناعة، فتحتاج إلى خبرة معيَّنة وأدوات خاصة ورأس مال كبيراً سائلاً وشبكة علاقات محلية أو دولية قد لا تتوافر لدى أي قطاع بشري داخل المجتمع، فتُستجلب جماعة بشرية تتوافر لديها هذه المواصفات لتسد الثغرة. د) وأحياناً ما تجد النخبة الحاكمة أن من الضروري صيانة ما يُسمَّى «ثغرة المكانة» ، وهي ثغرة تفصل بين الحاكم والمحكوم وتضمن للنخبة الحفاظ على هيبتها ومهابتها، لكن التعامل المباشر بين الحاكم والمحكوم يهدد استمرار مثل هذه الثغرة. وهنا تقوم الجماعة الوظيفية بملء الثغرة وتكون بمنزلة المنطقة العازلة والأداة المُوصِّلة بين النخبة والجماهير. هـ) قد تريد النخبة الحاكمة استغلال الجماهير، ولكنها لا تتمكن من القيام بهذه المهمة مباشرة إما لانشغالها بالحروب أو لتواجدها في العاصمة مركز السلطة، وهنا يقوم أعضاء الجماعة الوظيفية بالمهمة. و) ويحدث أحياناً أن تكون النخبة الحاكمة مختلفة تماماً عن المحكومين من الناحية الثقافية، الأمر الذي يجعل دخولها علاقة مباشرة معهم أمراً مستحيلاً. وفي هذه الحالة، يقوم أعضاء الجماعة الوظيفية بسد الثغرة. ز) قد تكون الوظيفة مشينة بغيضة من وجهة نظر أعضاء المجتمع، فتضطر النخبة الحاكمة إلى استيراد عنصر بشري للاضطلاع بها. ح) وقد لاحظنا في دراستنا للعلمانية الشاملة أنه، أثناء عملية علمنة المجتمع، تتم علمنة الأفكار والرغبات والوجدان والأحلام في بداية الأمر، ثم تتصاعد الرغبات وتزداد حدتها، ولكن علمنة سلوك أعضاء المجتمع لا يتم بنفس السرعة أو بنفس القدر (لأنها مسألة أكثر صعوبة) ، ومن ثم تُوجَد مثلاً فجوة زمنية بين الرغبات الجنسية المستعرة وبين إمكانية إشباعها. ولسد الثغرة، يتم استيراد البغايا كجماعة وظيفية من المتعاقدين الغرباء لاستحالة تجنيد مثل هذه العناصر من بين أعضاء مجتمع لا يزال يحتفظ ببقايا القيم الدينية والتقليدية وبقايا الإحساس بقداسة الجسد الإنساني. وحينما تتم علمنة المجتمع، تُجنَّد البغايا من سكان المجتمع نفسه إذ تتم علمنة السلوك تماماً ويصبح الجسد مجرد مادة ويصبح من اليسير الحصول على المادة البشرية اللازمة. ويظهر هذا الوضع نفسه مع الممثلات والعاملات في الملاهي الليلية، إذ تنشأ رغبة في المجتمع للترفيه عن أعضائه عن طريق المسرحيات والكباريهات. ولكن أعضاء المجتمع يجدون هذه مهناً مشينة، فيتم استيراد المادة البشرية اللازمة إما من الخارج أو من بين أعضاء الأقليات إلى أن يتم تحديث المجتمع تماماً، فيبدأ تجنيد العاملين في مثل هذه الأماكن من بين أعضاء مجتمع الأغلبية. 3 ـ من أهم أسباب ظهور الجماعات الوظيفية حاجة أعضاء النخبة الحاكمة إلى جماعة بشرية ليست لها قاعدة من القوة (بسبب عزلتها عن الجماهير) يمكن استخدامها (لتنفيذ مخططاتها ولخدمة مصالحها) دون أن يكون لهذه الجماعة المقدرة على المشاركة في السلطة بسبب افتقادها القاعدة الجماهيرية، وهي لهذا السبب ستلتصق تماماً بالنخبة الحاكمة وستقوم على خدمتها بولاء أعمى، إذ أن بقاءها الجسدي نفسه منوط بمدى رضا النخبة الحاكمة. وعادةً ما تكون قوات الحرس الملكي (وأحياناً كل من يعمل داخل البلاط الملكي) من المتعاقدين الغرباء. بل يُلاحَظ أن النخبة الحاكمة قد تَستجلب جماعة وظيفية لضرب طبقة صاعدة. ففي بولندا، لاحظت النخبة الحاكمة الإقطاعية أن ظهور بورجوازية محلية قد يهدد سلطتها وقد يُسرِّب كثيراً من فائض القيمة (التي تود أن تحتكره لنفسها) إلى أعضاء هذه الطبقة الجديدة المنافسة، فاستجلبت الطبقة الإقطاعية (شلاختا) عدداً من التجار الألمان (من بينهم اليهود) ووطنتهم في مدن خاصة بهم (الشتتل) وقامت بحمايتهم بالقوة العسكرية البولندية. وقامت هذه الجماعة الوظيفية الجديدة بتنشيط التجارة في إطار خطة النخبة والخاصة بضرب العناصر التجارية المحلية ومنعها من مشاركتها السلطة. 4 ـ ومن الأسباب الأخرى المؤدية إلى ظهور الجماعة الوظيفية وصول المهاجرين. فالمهاجرون لا يمكنهم الانخراط في كل الحرف والنشاطات الاقتصادية، ولذا فإن علىهم اختيار حرف أخرى. وعلى أية حال، فإن هذا أمر حتمي فحينما يصل المهاجرون أو الوافدون إلى مجتمع ما فإنهم عادةً ما يصلون بعد أن يكون هرمه الاجتماعي قد تَشكَّل وتم شغل الأرض الزراعية (ملكيةً وعمالة) ، وبعد أن تكون القطاعات الأولية قد امتلأت، بعد أن يكون جزء كبير من رأس المال قد استُثمر في تشييد البنية التحتية. ولذا، يقوم المهاجرون بالبحث إما عن وظائف قديمة لكنها هامشية أو عن وظائف جديدة تتطلب قدراً من الجسارة ونوعاً من الخبرة التي لا تتوافر لأعضاء المجتمع، وهى عادةً وظائف تُوجَد في قمة الهرم الإنتاجي ولا علاقة لها بالأرض أو الصناعات الثقيلة أو بالمؤسسات الأساسية المستقرة في المجتمع. ويحاول المهاجرون ارتياد آفاق جديدة مجهولة يحجم عن ارتيادها أعضاء المجتمع المضيف المستقرون، كما يحاولون استغلال الإمكانات التي لم تُستغَل بعد، ويحاولون كذلك توسيع الثغرات الموجودة بالفعل حتى تتاح لهم فرص جديدة للعمل ووظائف لهم بها خبرة (ومن ثم يمكنهم احتكارها) . ومن العناصر التي تساهم في تحويل بعض المهاجرين إلى جماعة وظيفية ميراثهم الاقتصادي والوظيفي في وطنهم الأصلي. بعض أهم الجماعات الوظيفية لإلقاء الضوء على نموذج الجماعات الوظيفية قد يكون من المفيد أن نذكر بعض أهم هذه الجماعات: 1 ـ الجماعات الوظيفية المالية (ويُطلَق علىها عادةً في المصطلح الغربي «الجماعات الوسيطة» ) . وهي جماعات يقوم أعضاؤها بالتجارة وأعمال الربا وجَمْع الضرائب، وبنشاطات مالية مختلفة أخرى مثل السمسرة والبورصة وتغيير العملة والمزايدات وأعمال الريادة التجارية في المناطق النائية أو في القطاعات الصناعية والتجارية والمالية التي لم يطرقها أعضاء المجتمع المضيف. كما يعمل أعضاء هذه الجماعات كوكلاء ماليين ومقاولي أعمال وملتزمين. ومن أهم الجماعات الوظيفية المالية ما يلي: أ) الأرمن في الدولة العثمانية أو في بعض مناطق أوربا (بولندا مثلاً) . ب) اليونانيون في مصر. وهو دور يعود إلى أيام الإمبراطورية الهيلينية، فقد كان اليوناني هيلينياً في وسط يؤمن بالعبادة الوثنية المصرية. ثم حينما تنصَّر المصريون وأصبحوا أقباطاً، أصبح مسيحياً يونانياً أرثوذكسياً، أي أنه احتفظ بعزلته الدينية في محيط قبطي مصري ثم في محيط إسلامي مصري. جـ) الزرادشتيون في الهند ثم في الولايات المتحدة. د) الصينيون في جنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا والفلبين وغيرها من الدول) . هـ) اللبنانيون والهنود في شرق أفريقيا. 2 ـ الجماعات الوظيفية القتالية. وهي من أقدم الجماعات الوظيفية يضطلع أعضاؤها بدور القتال، مثل المماليك والإنكشارية والساموراي والجنود السويسريين (الحرس السويسري) في أوربا، والجنود الهنود (وخصوصاً السيخ) في القوات البريطانية. 3 ـ الجماعات الوظيفية الاستيطانية. وهي جماعات بشرية تُوطِّنها الإمبراطوريات في مناطق نائية أو إستراتيجية بهدف تعميرها أو التحكم فيها أو قمع سكانها، مثل بعض سكان كريت واليونان الذين وُطِّنوا في الشرق في العصر الهيليني. ويمكن أن نضيف إلى هذا العناصر البشرية "الروسية" التي وُطِّنت في الخانات الإسلامية التركية بعد ضمها لروسيا القيصرية (ثم للاتحاد السوفيتي) . وكان من بين هذه العناصر عدد كبير من يهود اليديشية. ويمكن القول بأن الاستعمار الاستيطاني الغربي هو تعبير عن نفس الظاهرة، فهو استعمار قام بتحويل الفائض البشري الغربي إلى جماعات وظيفية قتالية استيطانية يتم توطينها في بعض الأماكن ذات الأهمية الإستراتيجية في آسيا وأفريقيا لتقوم بالدفاع عن المصالح الغربية. 4 ـ الجماعات الوظيفية الحرفية والمهنية المتميِّزة التي يتطلب العمل فيها مهارة خاصة، مثل الطب وقطع الماس وصنع التحف والاتجار فيها. ونميِّز في هذه الموسوعة بين المهن والحرف: أما المهن، فهي عادةً الممارسات الفنية التي تتطلب تدريباً خاصاً وطويلاً ويكون الجهد العضلي والمهارة اليدوية فيها مجرد عنصر في بناء أكثر تركيباً (التدريس ـ الطب ـ الإدارة) ، وأما الحرف فهي الممارسات اليدوية كالخياطة والتي تتطلب جهداً عضلياً ومهارة يدوية خاصة أو الأعمال التي تتطلب مهارة مثل الصاغة. وقد كان الأرمن واليهود يعملون بحرفة الصاغة في مصر، وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي يضطلعون بمهنة الطبيب. 5 ـ الجماعات الوظيفية التي يعمل أعضاؤها في وظائف يرى المجتمع لسبب أو لآخر أنها مشينة، مثل نزح المجاري ودباغة الجلود والجزارة وجمع القمامة ودفن الموتى والبغاء وتنفيذ أحكام الإعدام، أو في أية حرفة أخرى تكتسب بُعداً رمزياً مشيناً يتجاوز حقيقة الوظيفة (ومن ثم يعتبرها المجتمع مشينة) مثل العاملين بالحلاقة أو البقالة أو صناعة الأحذية أو في محلات الغسيل، بل العاملين في الزراعة أحياناً في بعض المجتمعات. ويلعب الغجر دور الجماعة الوظيفية التي تقوم بأعمال مشينة في كثير من أنحاء أوربا. 6 ـ الجماعات الوظيفية الأمنية التي يعمل أعضاؤها في وظائف حساسة بسبب طابعها الأمني أو بسبب قربها من الحاكم وحياته الخاصة (الوزراء والأقزام والخصيان والجواسيس والطهاة) . وحتى نوضح المفهوم الذي نستخدمه، سنضرب مثلاً ببعض الأمثلة المتطرفة على تحويل عنصر إنساني إلى عنصر وظيفي. ولنبدأ بالكهنة والسحرة. يتسم الكاهن والساحر بأنهما صاحبا قدرات خارقة، فهما تعبير عن الصلة بين الإنسان والخالق، وبين هذا العالم والعالم الآخر، وبين المعلوم والمجهول. وهما أداة يستخدمها المجتمع ليتواصل مع القوة الخارقة للطبيعة. وكانت بعض المجتمعات القديمة تستورد الكهنة والسحرة من خارج حدودها أو تجندهم من صفوف السكان المحليين (من أسر معينة يُفترَض أن القداسة أو المقدرات العجائبية تسري في أعضائها) ثم يتم عزل الكهنة والسحرة تماماً عن طريق فرض أزياء عليهم ومنعهم من التزاوج، وإن تزاوجوا فلابد أن يتزاوجوا فيما بينهم، ويتم وضعهم داخل نسق خاص من الرموز والشعائر، ويُقدَم لهم طعام خاص بهم (ومن المهم أن نلاحظ هنا أن الكتب الدينية اليهودية تشير إلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم شعباً من الكهنة، كما يُلاحَظ ارتباطهم بالسحر) . وتُعدُّ أقدم مهنة في التاريخ (كما يُقال لها) من المهن التي تُوكَل إلى جماعة وظيفية، فالبغي هي مجرد جسد محض يتحول إلى آلة لامتصاص فائض الطاقة الجنسية في المجتمع خارج نطاق المحرمات والمطلقات. ويمكن الربط بين البغايا والكهنة في حالة البغاء المقدَّس حيث لم تكن البغي مجرد أداة لامتصاص فائض الطاقة الجنسية وإنما أداة للتواصل مع قوى ما وراء الطبيعة. وسواء أكانت البغي مباحة تماماً أم مقدَّسة تماماً، فقد كان يتم عزلها عن بقية أعضاء المجتمع ليستمر مجتمعهم في الإحساس بقداسته وإنسانيته المُتعيِّنة. ومن الحالات المتطرفة الأخرى للجماعة الوظيفية الخصيان الذين يتم عزلهم عن المجتمع عن طريق قطع عضو الذكورة، وبذلك يتم فصلهم (حرفياً) عن الجنس البشري ليصبحوا إما نوعاً مختلفاً من البشر أو نوعاً ناقصاً. وبسبب وضعهم الجديد، يمكن أن تُوكَل إليهم وظائف أمنية حساسة (إذ أنهم بلا قاعدة جماهيرية) مثل حراسة الحريم أو القيام بمهام خاصة، أو قد يصبحون مجرد علامة على الأبهة وقوة الحاكم. ومن أهم الجماعات الوظيفية العبيد، حيث يتم تحويلهم إلى عنصر وظيفي نافع عن طريق أسرهم بالعنف من المجتمعات الأخرى (وفي أحيان نادرة من المجتمع نفسه) ، وتتم حوسلتهم تماماً ليصبحوا أداة، ولذا سماهم أرسطو «الآلة الناطقة» (باللاتينية: إنسترومنتم فوكالي instrumentum vocale) مقابل الحيوانات «الآلة المتحركة» (باللاتينية: إنسترومنتم موبيلي instrumentum mobile) . والعبيد مادة بشرية خالصة تُعامَل بحياد كامل وتُوظَّف بشكل رشيد إلى أقصى حد يضمن حُسن استغلالهم وضمان العائد المرجو وتحويلهم إلى طاقة إنتاجية دون أي تَراحُم أو تَعاطُف من جانب صاحب العبد، ودون أي ولاء من قبَل العبد نفسه، فهو بلا إرادة. ويمكن النظر للعبيد باعتبارهم حالة متطرفة جداً من الجماعة الوظيفية يتسمون بكل سماتها من حياد ونفعية (بدون تعاقدية في هذه الحالة) وحركية (فيمكن نقل العبد ببساطة من مكان إلى آخر) وعزلة وعجز (فهو يُوطَّن في أقفاص أو رقعة مقصورة عليه) . ولابد أن النسق القيمي للعبد مخيف، فهو لا يؤمن بشيء؛ يمقت صاحبه ويكره المجتمع المضيف، ويُدمِّر ما يأتي في طريقه إن سنحت له الفرصة. ومن المعروف أن النظام العبودي في الجنوب الأمريكي قد انهار بسبب ضعف إنتاجية العبيد وانصرافهم عن العمل وتباطؤهم فيه، إذ لا توجد أية حوافز داخلية لديهم. وقد استمر النظام العبودي بعض الوقت بسبب اعتبارات المكانة والمهابة (فقد كانت ملكية العبيد من علامة الأرستقراطية) وليس لأية اعتبارات اقتصادية. وانعدام القيم عند العبد هو ما يشير إليه الشاعر بقوله: "لا تشتر العبد إلا والعصا معه". ونحن ـ هنا ـ نتحدث عن انعدام القيم لا عن ازدواجها، وهو أمر راجع إلى غياب التعاقد. والتعاقد يعني طرفين، ومن ثم نسقين أخلاقيين، أما "امتلاك" صاحب العبيد لعبيده فيعني طرفاً واحداً، فذات العبد تختفي وتختفي معه أية قيم أخلاقية. ولعل هذا يفسر فشل ثورات العبيد دائماً، لأنهم لم يطرحوا قط نظاماً قيمياً جديداً وإنما كانوا يهدفون إلى القضاء على النظام السائد بشكل انتقامي، فهو نظام قضى على ذاتيتهم ثم حوسلهم إلى درجة القضاء على كل إنسانيتهم! ويمكن، في محاولة وضع إطار موحد يشمل كل الجماعات الوظيفية، أن نتخيل متصلاً واحداً آخر أطرافه العبيد (حيث يصبح الإنسان أداة محضة؛ مادة بشرية متحوسلة تتحول إلى طاقة لا إرادة لها ولا أخلاق ولا ولاء) . وفي الطرف الآخر يوجد المجاهدون (حيث يصبح الإنسان ذا إرادة محضة ترفض الخضوع أو التحوسل يشعر بالولاء الكامل لمثله الخلقي الأعلى) . وبين الطرفين المتطرفين، يمكن أن تُوضَع الفئات الأخرى، مثل البغايا والمرابين والمرتزقة والوزراء والخصيان ومثقفي العالم الثالث ممن يدينون بالولاء للغرب. كما يمكن أن نضع بعض الحرفيين والمهنيين من أصحاب الحرف والمهن المتميِّزة. ويمكن تصنيف كل هذه الجماعات الوظيفية من منظور مدى التَحوسُّل وافتقاد الإرادة، وهي عملية مركبة جداً تحتاج إلى كثير من البحث الإمبريقي. وقد نشرت إحدى الصحف مؤخراً خبراً مؤداه أن بعض تجار المخدرات في مصر طوَّروا أسلوباً جديداً لتقديم المخدرات في "الغرزة" باستخدام القرد. فالأسلوب التقليدي هو أن يمر الغرزجي (أي الشخص الذي يخدم داخل الغرزة) "بالجوزة" على جماعة المدمنين. والغرزجية جماعة وظيفية لها شعائرها وسماتها المحددة، فهم يقضون معظم ساعات اليوم في محل عملهم، أي أن الجيتو الخاص بهم هو مكان الإقامة والعمل في آن واحد. وتأخذ عملية العزل في حالتهم وضعاً بيولوجياً متطرفاً، إذ لابد لهم أن يتناولوا طاجناً يحتوي على قطع كبيرة من اللحوم مخلوطة بالخضر في مزيج من بقايا الحشيش. ومهمة هذا الطاجن هو إطعامهم، مثلهم في ذلك مثل البشر كافة، إلا أنه يزودهم بما يكفيهم من المخدر حتى لا يكونوا في حاجة إلى المشاركة في التدخين، فالطعام الذي يتناولونه له جانبه الفسيولوجي الواضح، ولكنه إلى جانب هذا يرمز إلى ناحية شعائرية ورمزية. فالطاجن يعني التضامن (وأكل العيش والملح) ويُقوِّي الأواصر بين أعضاء الجماعة الوظيفية. وهو يعني أيضاً إدمانهم هذا الطعام واعتمادهم الكامل عليه وضمان استمرارهم كجماعة وظيفية. فالطعام هنا بديل الوطن الأصلي (أو صهيون) ، فهو يفكِّك الأواصر التي تربط عضو الجماعة الوظيفية مع المجتمع المضيف ويُقوِّي صلاته مع أعضاء جماعته. وهو يشبه الطعام الشرعي عند اليهود الذي يجعل تناول الطعام مع الآخر أمراً شبه مستحيل تقريباً، ولذا تزداد غربة اليهودي عن المجتمع ويزداد ارتباطه بجماعته. والطاجن يشبه أيضاً عملية الخصي والمرتبات المرتفعة التي يتقاضاها بعض مثقفي العالم الثالث من المنظمات الدولية أو الدول الأجنبية أو النظم الحاكمة، فهذه المرتبات تمكِّنهم من العيش حسب أسلوب حياة معينة لا يمكنهم الاستغناء عنه (فهو كالطاجن الذي يدمنه الغرزجي) وبعد قليل يفقد هؤلاء الإرادة الحرة المستقلة (أي أنها عملية تشبه الخصي تماماً) فيعتمدون اعتماداً كاملاً على ولي نعمتهم وينفذون أوامره دون تساؤل. إن الطاجن، مثله مثل الخصي أو صهيون أو المرتبات المرتفعة، كلها آليات للعزل عن المجتمع ولتقوية التضامن من الداخل. ولكن، رغم كل محاولات العزل الكاملة هذه، فإن الغرزجية يستبطنون أسلوب مرتادي الغرز تماماً ويتوحدون بهم، ولذا فإن أجورهم المرتفعة تغريهم باقتفاء أثر المدخنين فيدمنون أنواعاً أخرى من المخدرات ويتركون أعمالهم أياماً لينفقوا فيها مدخراتهم مقلدين الزبائن في منح البقشيش ودعوة الآخرين للتدخين على نفقتهم، أي أن عملية العزل الكاملة تؤدي إلى الانصهار الكامل في نمط حياة المدمنين، فيتحول الغرزجي إلى مدمن ويبدد نفسه، رغم أن المُفترَض فيه أنه هو نفسه أداة التبديد (وهذا مثل جيد على التمركز حول الذات الذي يؤدي إلى ذوبانها ومن ثم التمركز حول الموضوع) . ولتلافي هذا الوضع، قام بعض تجار المخدرات من أصحاب الغرز بتدريب القرود على وظيفة الغرزجية بدلاً من البشر، وقد توصلوا بهذا إلى أداة كاملة ليست لها أية تطلعات إنسانية أو نقائص بشرية، فالقرود (عادةً) لا تتعاطى الحشيش ولا تدمنه، كما أنها ليست في حاجة إلى الطاجن الخاص ولا تتقاضى أجوراً، ومن ثم فإن تكاليفها بسيطة. وإلى جانب كل هذا، نجد أن القردة تلزم نفس المكان/الجيتو بطبيعتها ولا تُوجَد عندها رغبة في مغادرته لإنفاق مدخراتها وتبديد ذاتها. بل تم تدريبها على القيام بأعمال الري في زراعة المخدرات، بينما يتفرغ العنصر البشري لأعمال الحراسة التي قد تتطلب قدراً أعلى من الذكاء. واستخدام القرود كجماعة وظيفية يبيِّن مدى ذكاء تجار المخدرات وإدراكهم الغريزي لقانون الجماعة الوظيفية إذ أن القرد كائن ذو بُعد واحد، يمكن توظيفه من أجل المنفعة الاقتصادية (وهو يتجاوز تماماً مبدأ اللذة الذي يسبب التوترات في المجتمعات العلمانية ويضعف تماسكها) . والقرد إنسان وظيفي طبيعي ومادة محايدة تماماً ولا تؤرقه تطلعات أو محاولة لتجاوز ذاته المادية أو الطبيعة/المادة، فهو يعيش في المادة وبها وعليها، ومن ثم فهو تحقيق كامل لنبوءة داروين وتحقيق لنبوءة فيبر عن دخول القفص الحديدي (وهو يكاد يكون حرفياً في هذه الحالة، وإن كان مثل هذا النوع من القردة لا يكون في حاجة إلى القفص الحديدي إذ تم استئناسهم وترشيدهم تماماً في ضوء الطبيعة/المادة من الداخل والخارج) . وإن قبلنا اعتبار القرود جماعة وظيفية (مرتبطة ولا شك بصناعات اللذة الحديثة) ، فيمكننا أن نضمها لمتصلنا. وبدلاً من العبد والمجاهد كطرفين، يمكن لنا أن نضع القرد والمجاهد أي الحوسلة الكاملة متمثلة في الحيوان الذي هو ضرب من ضروب الإنسان الطبيعي الوظيفي المادي الاقتصادي الآلي مقابل الإرادة الكاملة والإنسان الرباني متمثلةً في المجاهد. وقد يكون من المفيد ملاحظة أن جماعة وظيفية ما قد تضطلع في وقت واحد بوظيفة مالية واستيطانية، أو مالية وقتالية، أو مالية واستيطانية وقتالية، كما يمكن أن تتحول وظيفتها من مالية إلى قتالية. ولنضرب مثلاً على ذلك بالجماعات اليهودية في الغرب، فقد كانوا جماعة وظيفية استيطانية قتالية في المجر في القرن العاشر، ولكنهم فقدوا دورهم القتالي وأصبحوا جماعة وظيفية مالية، ولكن العثمانيين بعد فتحهم المجر حوَّلوهم إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين لهم بالولاء. أما في بولندا، فقد توطن اليهود كجماعة وظيفية مالية. وبعد ضم أوكرانيا، تحولوا إلى جماعة استيطانية مالية شبه قتالية يساعدها الجيش البولندي. وقد اضطلع أعضاء الجماعة اليونانية في مصر بدور الجماعة الوظيفية المشينة (بغايا ومغنيات) أو مالية (مستثمرون صناعيون وبقالون) . ولكنهم، في فلسطين، اضطلعوا بوظيفة شبه أمنية إذ يبدو أن حكومة الانتداب البريطاني هناك قررت تجنيدهم داخل الجهاز الحكومي كموظفين حتى يمكنها أن تبقيهم بمعزل عن الفريقين المتصارعين (العرب والمستوطنين الصهاينة) وحتى يمكنها التحكم فيهم وضمان أدائهم لوظيفتهم بطريقة كفء. ويبدو أن الفرنسيين حولوا بعض أعضاء الجماعات الوظيفية المالية اليهودية إلى جماعة وظيفية قتالية بضمهم إلى الفرقة الأجنبية. وبإنشاء الدولة الصهيونية، حوَّلت الحضارة الغربية الملايين من اليهود إلى مادة بشرية وظيفية قتالية استيطانية. والساموراي، وهم جماعة وظيفية قتالية، تحوَّلوا إلى رأسماليين قامت على سواعدهم الرأسمالية اليابانية ذات الطابع الخاص شبه الإقطاعي. ويمكن أن تتعاون جماعة وظيفية قتالية مع جماعة وظيفية مالية كما حدث في مصر حينما تعاون المماليك مع التجار الأجانب من الإيطاليين والمالطيين وغيرهم. ومن المعروف أن بعض المموِّلين اليهود في الدولة العثمانية كانوا يتعاونون مع الإنكشارية بل مولوا تمردهم ضد السلطان العثماني. ويمكن أن تكون وظيفة واحدة متميِّزة ومشينة ونافعة في آن واحد، فالمرابي يقوم بوظيفة متميِّزة، فهو يمتلك رأس المال ويحقق أرباحاً طائلة دون أن يبذل جهداً عضلياً (أو فكرياً) كبيراً. ولكنها وظيفة مشينة، فالمرابي شخصية طفيلية موضع كره الجميع. ولنضرب مثلاً آخر بوظيفة الحداد، فالحداد لابد أن يمتلك أسرار مهنته التي توارثها أباً عن جد. وهي مهنة غريبة، فهو يستخدم النار (التي لا جسد لها) فيطوع الحديد (الصلب) وهو ما يكسبه هيبة ومهابة. ولكنه، أثناء ممارسته مهنته، قد تحترق أطراف أصابعه، كما يعلو وجهه السواد، فهي مهنة خطرة وغير نظيفة. ولذا، كانت بعض المجتمعات تربط بين مهنة الحداد وبين السحر. وغني عن القول أن مهنة الحداد كانت دائماً مفيدة، بل أساسية وحيوية لكل المجتمعات. والبغاء أيضاً يتسم بنفس الازدواجية، فمن تقوم به أنثى متميزة (فهي محط رغبة الرجال) ومشينة (لأنهم يستخدمونها) . ويمكن أن تصبح مهنة مشينة مع التطور التاريخي (ومع تصاعد معدلات العلمنة) مهنة متميِّزة. فمهنة التمثيل في المجتمعات التقليدية والانتقالية مهنة مشينة لا يقوم بها سوى الغرباء ومن هنا كانت ممثلات مصر حتى عهد قريب مجندات من الخارج أو من بين صفوف الأقليات. وبالتدريج، بدأ يتم تجنيدهن من بين صفوف المجتمع (ومن بين خريجات المعهد العالي للسينما) . ثم تحَّولت المهنة المشينة إلى أكثر المهن تَميُّزاً، وأصبحت النجومية حلم كثير من الفتيات، وهو حلم كل فتاة في العالم الغربي، فالنجم هو قديس الحضارة العلمانية ورمزها الأكبر. وقل نفس الشيء عن وظيفة الدبلوماسي والمضيفة. الجماعات الوظيفية العميلة «الجماعة الوظيفية العميلة» هي جماعة وظيفية لا تقوم على خدمة أعضاء المجتمع كافة، فهي ترتبط ارتباطاً شبه عضوي بالطبقة الحاكمة التي تستخدمها كأداة لقمع المحكومين واستغلالهم. ولعل من أهم الأمثلة على الجماعة الوظيفية العميلة جماعات المرابين (من اليهود وغير اليهود) في العصور الوسطى في الغرب (وخصوصاً بعد القرن الخامس عشر) . فلم يكن المرابي، مثل التاجر، أداة توصيل للسلع بين المنتج والمستهلك، وإنما كان أداة استغلال في يد الحاكم. وكذلك الجنود المرتزقة حينما كانوا يضطلعون بوظيفة حماية الحاكم (مثل الحرس السويسري في فرنسا قبل الثورة الفرنسية) ، فهم أيضاً جماعة وظيفية عميلة لا يدافع أعضاؤها عن المجتمع المضيف (كالمماليك) وإنما يقومون بقمع الجماهير لصالح النخبة الحاكمة. ويُلاحَظ أن الجماعة العميلة لا تبدأ بالضرورة كذلك، فقد تبدأ كجماعة وظيفية ثم تصبح من خلال الظروف التاريخية جماعة عميلة. ولتوضيح هذه الفكرة سنضرب مثلاً بالزرادشتيين، وهم عبدة نار هاجروا من إيران إلى الهند بعد الفتح الإسلامي واستقروا فيها، فقد كانوا يتحدثون الجوجورات ويلبسون أزياء الهنود وكانوا جماعة وظيفية تعمل بالزراعة والتجارة وتجارة الخمور، كما كان منهم الحرفيون. ورغم عزلتهم، فقد كانوا يضطلعون بوظيفة يحتاج إليها المجتمع، ولذا لم يكن هناك أي تحريض ضدهم. وبعد الاحتلال البريطاني للهند تحوَّل الزرادشتيون إلى جماعة عميلة، فأصبحوا ممثلين للشركات الأجنبية وتعاونوا مع ممثلي الاستعمار الإنجليزي. وبحلول عام 1864، أصبحت بومباي مركز نشاط الزرادشتيين وازداد تركُّزهم فيها وأصبحوا من أكثر الجماعات في الهند تركُّزاً في المدن، واشتغلت أعداد كبيرة منهم بالتجارة وتبادل العملات والمزايدات والعقارات، كما أصبحوا رواداً في تأسيس مصانع النسيج والصحف والمدارس على النظام الغربي. وقد قاموا بتحديث دينهم نفسه وخدموا في الحكومة الهندية كمساعدين للإنجليز. وكانوا يرون أن وظيفتهم تتوقف أساساً على مدى ولائهم للنخبة الحاكمة، وكانوا أيضاً يعتبرون أن الحكم البريطاني قد أتى لهم بالاستقرار والأمن والسلام. ومع بدايات الحركة القومية الهندية في أواخر القرن التاسع عشر، حينما كانت هذه الحركة لا تزال تتسم بما يُسمَّى «الاعتدال» ، أي عدم المواجهة مع الاستعمار الإنجليزي، انخرطت أعداد منهم في صفوف قيادتها. ولكن، مع حدة المواجهة، انسحب الزرادشتيون وبدأت تظهر بينهم اتجاهات معادية للهنود، ثم تَنصَّل الزرادشتيون من هويتهم "الشرقية" وعرَّفوا أنفسهم باعتبارهم من "الجنس الأبيض". ومع اقتراب استقلال الهند، حاولوا أن يحصلوا على دويلة مستقلة ولكن حزب المؤتمر عارض هذا الاتجاه. وبعد إعلان استقلال الهند، هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة. وهناك دياسبورا زرادشتية في الولايات المتحدة، وهي أقلية تشبه الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة في كثير من الوجوه، فهم يتمتعون بدرجة عالية من التعليم وقد جرت علمنتهم ودمجهم وأمركتهم، لكنهم (مع هذا) يقاومون الاندماج ويتحدثون عن الهوية الزرادشتية المستقلة! وقد حاول الاستعمار الغربي في العالم العربي أن يحقق شيئاً من هذا القبيل مع أعضاء الأقليات الدينية والإثنية، فحاول استقطابهم وتحويلهم إلى جماعات وظيفية عميلة تدين له بالولاء. فقامت جماعة الأليانس بنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي، في مصر والجزائر وفي غيرهما من البلدان، كما أُتيحت لهم فرصة الحصول على الجنسيات الأوربية ومن ثم الاستفادة من المزايا الممنوحة للأجانب. ويمكننا أن ننظر لهذه العملية باعتبارها عملية مُكمِّلة للاستعمار الاستيطاني الغربي الذي وصل إلى قمته في تأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين والجيب الاستيطاني في الجزائر. والاستعمار الاستيطاني هو وصول عنصر سكاني غريب يغرس نفسه غرساً في البلد المستعمر ويدين بالولاء للوطن الأم ويرتبط به ثقافياً ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وهذه العملية لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكن بدلاً من استيراد عنصر بشري غريب يقوم الاستعمار بالبحث عن عنصر بشري محلي فيغويه ويستوعبه ويُحوِّله إلى عنصر غريب عميل يرتبط ثقافياً به ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وقد نجح الاستعمار نجاحاً كبيراً حتى أن معظم يهود العالم العربي، عند إنشاء الدولة الصهيونية، كانوا قد أصبحوا (ثقافياً واقتصادياً) جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي، وحصلت أعداد كبيرة منهم على الجنسيات الأوربية (كل يهود الجزائر ومعظم يهود تونس والمغرب وأكثر من نصف يهود مصر ... وهكذا) ، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية عميلة، ومن ثم كان من السهل عليهم الهجرة والانضمام إلى الدولة الوظيفية الاستيطانية والقتالية في إسرائيل. والملاحظ أن يهود مصر كانوا مندمجين في مجتمعهم المصري اندماج أقباطها، إلا أن الاستعمار فشل في استقطاب أعضاء الجماعة القبطية وفي تحويلهم إلى جماعة وظيفية عميلة يتم حوسلتها لصالحه. ولعل هذا يعود إلى أن الجماعة القبطية في المجتمع المصري لم تتحول إلى جماعة وظيفية تتسم بسمات الجماعات الوظيفية (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ الانفصال عن المكان والزمان والهوية الوهمية ـ الحركية ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية) وظلت جزءاً من نسيج المجتمع المصري للأسباب التالية: 1 ـ لم يكن أقباط مصر عنصراً مُستجلَباً وإنما كانوا من سكان مصر الأصليين وكانت غالبيتهم من الفلاحين وكان من بينهم ملاك الأراضي والصناع والكتبة والمهنيون، أي أنهم كانوا يشغلون مختلف مواقع الهرم الإنتاجي، بل إنهم لم يكونوا مُمثَّلين في النخبة الحاكمة اليونانية والمغتصبة. وبعد الفتح الإسلامي، وفي إطار مفهوم أهل الذمة، لم يُحظَر عليهم الاشتغال بالزراعة أو الحرف (كما هو الحال في الحضارة الغربية الوسيطة) ، بل أصبح الهرم الإنتاجي مفتوحاً أمامهم، ولذا فإنهم لم يخضعوا لأي تمييز وظيفي أو مهني ولم يتم عزلهم نفسياً أو جسدياً ولم تتم حوسلتهم وترشيدهم إلا بالقدر المألوف في المجتمعات التقليدية واللازم لإدارة المجتمع، والذي يُطبَّق على كل قطاعات المجتمع البشرية. 2 ـ تغيَّرت لغة أقباط مصر من القبطية إلى العربية، وهو ما يعني أنهم تبنوا الخطاب الحضاري الجديد دون أن يفقدوا بالضرورة هويتهم الدينية المتميِّزة، بل إن هذه الهوية الدينية نفسها تم تعريبها. أي أن أقباط مصر أمكنهم الاستمرار في الإبداع الحضاري وفي التعبير عن هويتهم من خلال الخطاب الحضاري القائم، وقد قلل هذا عزلتهم وغربتهم وعمَّق من انتمائهم إلى المجتمع. 3 ـ الدين الإسلامي والمسيحي دينان مختلفان لهما رؤيتان مختلفتان للإنسان والكون، ومع هذا فإن ثمة رقعة مشتركة واسعة بينهما سواء في رؤية الخلق (قصة آدم) أو رؤية الإله باعتباره منزَّهاً عن التاريخ والطبيعة وباعتباره إله العالمين. ولكن ما يهمنا في السياق الحالي هو أن الرؤية الأخلاقية أو النسق القيمي مشترك بين الدينين، فهما لا يعترفان بازدواج القيم (معيار للمؤمنين وآخر لغير المؤمنين) ويدعوان إلى مجموعة من القيم المطلقة المشتركة، وباب الخلاص مفتوح أمام الجميع. ولا يوجد إحساس بأنهم الشعب المختار. ولعل هذه السمة البنيوية في كل من الإسلام والمسيحية كانت مسألة حاسمة في الحيلولة دون ظهور الأخلاقيات المزدوجة والنسبية الأخلاقية التي تسم أعضاء الجماعة الوظيفية، وهذا على عكس اليهودية التي تطرح رؤية أخلاقية مزدوجة في بعض صياغاتها. 4 ـ الوطن القومي لأقباط مصر هو مصر وليس لهم وطن قومي آخر حقيقي أو وهمي. والأماكن المقدَّسة المسيحية تقع داخل الدولة الإسلامية في فلسطين التي تربطها علاقة خاصة بمصر والتي كانت تابعة إدارياً لها، وهي أماكن مقدَّسة وحسب وليست المكان الذي سيعود له الأقباط في آخر الأيام كما هو الحال مع اليهود. والكنيسة القبطية كنيسة مصرية لها هويتها الدينية والحضارية المستقلة عن كل الكنائس الأخرى. وقد ساهم ذلك ولا شك في تعميق ولاء الأقباط لمصر وتَجذُّرهم في أرضها وتاريخها (أي في المكان والزمان) . 5 ـ لم تتكون دياسبورا قبطية خارج مصر تحاول تجنيد أعضاء الأقلية القبطية وتخلق بينهم لوبي يعمل لصالحها ويُولِّد الرغبة في الخروج والهجرة (الحركية) ، هذا على عكس اليهود حيث تُوجَد دياسبورا يهودية ضخمة في العالم. ويُلاحَظ، مع نهاية القرن التاسع عشر، أن أعداداً كبيرة من اليهود الأشكناز هاجرت إلى مصر فصبغت أعضاء الجماعة اليهودية فيها بالصبغة الغربية، وولَّدت لديهم قابلية للانخراط في الحضارة الغربية. 6 ـ لعل قضية العدد هنا قضية مهمة، فبينما كان عدد يهود مصر صغيراً، كان عدد أقباطها كبيراً، فهم يُكوِّنون نسبة مئوية لها وزنها. وهذا يعني أن أعدادهم كافية لأن يُمثَّلوا في كل مستويات الهرم الإنتاجي وفي كل المجالات الثقافية. كما يعني أيضاً أنهم في احتكاك يومي فعلي بمعظم أعضاء الأغلبية، الأمر الذي جعل من العسير فرض صورة إدراكية عنصرية بسيطة عليهم أو عزلهم وجدانياً عن أعضاء الأغلبية. وأخيراً، أدَّى العدد الكبير إلى إفشال الخطة الاستعمارية الرامية إلى تغريب الأقباط عن طريق منحهم الامتيازات الأجنبية، وعن طريق فتح المدارس الأجنبية أمامهم وإكسابهم الخبرات اللازمة للانخراط في القطاع الاقتصادي الغربي الجديد. فإذا كانت هناك نسبة ما من أقباط مصر قد استفادت من هذا الوضع، فإن السواد الأعظم من الفلاحين وأعضاء الطبقة المتوسطة المصرية من الأقباط ظلوا بمنأى عنه لا يتمتعون بالمزايا ولا يعانون من الاقتلاع، وظلوا داخل التشكيل الحضاري المصري العربي الإسلامي "لهم ما لنا وعليهم ما علينا". 7 ـ لكل هذه الأسباب، قاوم الأقباط حملات الاستعمار الرامية إلى فصلهم عن مجتمعاتهم العربية الإسلامية (ومن ذلك الحملات التبشيرية المسيحية التي حاولت إلحاقهم بالمسيحية الأوربية، وخصوصاً البروتستانتية، وفصلهم عن تراثهم الديني) . ولذا، فقد ساهم الأقباط في الثورات القومية المختلفة وظهر من بينهم مفكرون يبدعون من خلال المعجم الحضاري العربي الإسلامي ويثرونه، كما ساهموا في الهرم الإنتاجي وأحرزوا التقدم مع مجتمعهم وتخلفوا معه وانتصروا وانكسروا بانتصاره وانكساره. ولعل موقف الكنيسة القبطية في مصر من الصراع العربي الإسرائيلي تعبير عن هذه الظاهرة في المجال السياسي. ولا يختلف موقف المسيحيين العرب كثيراً عن موقف أقباط مصر، فهم أيضاً مواطنون أصليون لم يُستجلَبوا من الخارج وليس لهم وطن قومي آخر ولا يحنون إلى صهيون بعيدة أو في آخر الزمان. فعلى سبيل المثال، كانت قبائل الغساسنة في الشام قبل الفتح الإسلامي، تتحدث العربية الفصحى وكان لها قبل الفتح الإسلامي وبعده شعراؤها وأدباؤها الذين ساهموا في هذا الفتح وساندوه. وقد استمرت هذه القبائل في نمط حياتها، ولم ينقطع الإبداع الحضاري لأبنائها قط لأن الحضارة الإسلامية لم تفرض عليهم وظيفة متميِّزة أو مشينة ولم تحوسلهم بأي شكل كان. ولا شك في أن مفهوم أهل الذمة حدَّد وضعهم منذ البداية وحدَّد أن لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات إلا فريضة الجهاد باعتبارها فريضة دينية، وقد أُعفوا منها نظير البدل العسكري أو الجزية. والنظام القيمي عند المسيحيين العرب المُستمَد من الدين المسيحي، لا يعاني من أية ازدواجية، ويُلاحَظ أن معظم المسيحيين العرب من الأرثوذكس وأقلية منهم كاثوليك، كما أن إرساليات التبشير البروتستانتية لم تنجح كثيراً في تجنيد أعداد كبيرة منهم، وكل هذا يدل على أن هويتهم المسيحية العربية قوية. والكثافة السكانية للمسيحيين العرب كبيرة، ولذا كان بوسعهم أن ُيمثَّلوا في كل درجات الهرم الإنتاجي، كما أنهم لا يعيشون محميين ومعزولين داخل جيتو مقصور عليهم وإنما يعيشون مع أعضاء الأغلبية يحتكون بهم في كل المجالات ويعيشون معهم في السراء والضراء وبالقدر الإنساني المعقول من الحب والكره. الدولة الوظيفية يمكن إعادة إنتاج نمط الجماعة الوظيفية على مستوى الدولة في أشكال مختلفة: 1 ـ يمكن اعتبار الدول الاستيطانية دولاً وظيفية يسكنها عنصر سكاني تم نقله من وطنه الأصلي ليقوم على خدمة مصالح الدولة الإمبريالية الراعية التي أشرفت على عملية النقل السكاني وساهمت في عملية قمع السكان الأصليين (عن طريق الإبادة أو الطرد أو الإرهاب) وضمنت له الاستمرار والبقاء. ويمكن النظر إلى دويلات الفرنجة في الشام وفلسطين (الإمارات الصليبية) باعتبارها مثلاً جيداً على ذلك. وفي العصر الحديث يمكن الإشارة إلى الجيب الفرنسي الأبيض في الجزائر وجنوب إفريقيا، وبطبيعة الحال الدولة الصهيونية الوظيفية. 2 ـ يمكن تحويل دولة صغيرة ليست بالضرورة استيطانية، إلى دولة وظيفية. وتتم عملية التحويل هذه عن طريق عملية رشوة لشعب هذه الدولة، بحيث يرتفع مستوى معيشته ويتزايد اعتماده على قوة خارجية تضمن بقاءه واستمراره بحيث لا يمكنه أن يحقق البقاء (كدولة مستقلة) دون استمرار الدعم الخارجي. 3 ـ يمكن تحويل اتجاه دولة ما بحيث تنحو منحى وظيفياً عن طريق تحويل النخبة الحاكمة إلى جماعة وظيفية تدين بالولاء للاستعمار (الغربي) . وتنظر للمجتمع الذي تنتمي إليه نظرة تعاقدية باردة فتنعزل عنه وتشعر بالغربة ويزداد ارتباطها العاطفي والثقافي والاقتصادي بالمركز الإمبريالي. السمات الأساسية للجماعات الوظيفية تتسم الجماعات الوظيفية بعدة سمات أساسية قمنا في عرضنا لها بفصل كل سمة عن الأخرى، وهذا فصل تعسفي ذو طابع تحليلي. فكل سمة من السمات مرتبطة بالأخرى، ومن هنا كان التداخل فيما بينها. وينبغي ملاحظة أن ما نقدمه هنا هو بمنزلة نموذج تحليلي وليس وصفاً لواقع تاريخي أو تجريبي. ومن ثم، قد تتحقق بعض أو معظم هذه السمات في كثير من الجماعات الوظيفية، ولكنها لا تتحقق كلها إلا في لحظات نماذجية نادرة. 1 ـ التعاقدية (النفعية والحياد والترشيد والحوسلة) : أ) يُلاحَظ أن العلاقة بين أعضاء الجماعة الوظيفية والمجتمع المضيف علاقة نفعية واحدية واضحة صلبة مُصمَتة مادية ليست مركبة أو متعددة الأبعاد لا تتسم بأي إبهام، فهى علاقة تبادُل بسيطة بين الطرفين يُفتَرض أن هدفها واضح، وتحدِّدها شروط مسبقة واضحة مفهومة تماماً للطرفين (بشكل واع أو غير واع) . وما يضمن استمرار العلاقة هو استمرار المنفعة، فأعضاء الجماعة الوظيفية هم مصدر نفع وحسب بالنسبة لمجتمع الأغلبية، والمجتمع المضيف هو مصدر رزق وحسب بالنسبة لأعضاء الجماعة الوظيفية، فإن انتفت المنفعة توقفت العلاقة تماماً لأنها تصبح بغير أساس. وإذا كان عضو الجماعة الوظيفية مرتبطاً بقطاع اللذة في المجتمع (الرقص ـ البغاء ـ التمثيل) ، فإن منفعته هي ما يقدمه من ترفيه ولذة. ب) ويمكن القول بأن كل الجماعات الوظيفية "تبيع" للمجتمع المضيف شيئاً ما لا يمكن الحصول عليه إلا من خلالها، فعضو الجماعات الوظيفية القتالية يبيع للمجتمع مقدرته العسكرية وجسده، والشيء نفسه يُقال عن أعضاء الجماعة الاستيطانية الذين يبيعون للمجتمع أجسادهم وخبراتهم ومقدرتهم على الريادة. ومن هنا، فإن العلاقة الأساسية بين المجتمع وعضو الجماعة الوظيفية تشبه علاقة البائع بالمشتري. وعضو الجماعات الوظيفية هو حقاً الإنسان الاقتصادي (والإنسان الجسماني) الذي اكتشفه الفكر العلماني الغربي فيما بعد. بل إن عضو المجتمع المضيف يصبح هو نفسه إنساناً اقتصادياً وجسمانياً حين يدخل في علاقة مع أعضاء الجماعة الوظيفية. جـ) العلاقة بين أعضاء الجماعة الوظيفية والمجتمع المضيف علاقة برانية (إمبريالية) ، بمعنى أن كل طرف فيها ينظر إلى الآخر من الخارج باعتباره موضوعاً مجرداً، ودوراً يُلعب، ووظيفة تُؤدَّى، ومادة نافعة يتم التعامل معها بمقدار نفعها، وشيئاً مباحاً يُستَغل ويُسخَّر ويُقهَر، وأداة تُستخدَم، ومادة محايدة لا قداسة لها ولا حرمة تُوظَّف وُتحوسَل. ويرى كل طرف الآخر باعتباره وسيلة لا غاية. (ويقف هذا على الطرف النقيض من العلاقات الإنسانية التراحمية حيث ينظر الإنسان إلى الآخر ذاتاً مُتعيِّنة لها قيمة في ذاتها وتتمتع بالقداسة وتقع داخل منطقة المحرَّم، ولذا فالرؤية جوانية) . د) ومن هنا، تتسم العلاقة بين أعضاء الجماعات الوظيفية والمجتمع المضيف بالحياد والبرود والعقلانية والتجرد، لا بالدفء والتراحم، فهى علاقة رشيدة تماماً (في الإطار المادي) تم حسابها من منظور الربح والخسارة، والعرض والطلب، دون أن تشوبها أية شوائب عاطفية أو أخلاقية. هـ) قد يكون من المفيد، من الناحية التحليلية، أن ننظر إلى عضو الجماعة الوظيفية لا باعتباره بشراً مُتعيِّناً، موضعاً للحب والكره، وإنما باعتباره وضعاً اقتصادياً محضاً ومجرد وظيفة، أو ربما كأداة إنتاج أو أداة فتك أو استثمار. ويجري تعريف عضو الجماعة الوظيفية من خلال الوظيفة التي يضطلع بها وحسب، فيُرَدُّ إلى الوظيفة تماماً خارج أية صفات إنسانية، خاصة أو عامة. وهو على كلٍّ أمر مُفترَض من البداية حينما يقبل عضو الجماعات الوظيفية أن يبيع بدنه وذاته. 2 ـ العزلة والغربة والعجز والالتصاق بالنخبة الحاكمة: أ) العزلة: يحتفظ المجتمع المضيف بمسافة بينه وبين الجماعة الوظيفية، وذلك بأن يقوم بعزل أعضائها. فحينما يستجلب المجتمع المضيف عنصراً بشرياً حركياً محايداً، فإنه يتعامل معه بشكل رشيد محسوب دون عاطفة أو مودة أو تراحم، وهو لا يلتزم أخلاقياً تجاهه، بل يقوم بعزله لحماية نفسه من هذا العنصر الذي تمت حوسلته تماماً وفَقَد إنسانتيه وأصبح مادة محايدة لا قداسة لها ولا حرمة. ويعيش أعضاء الجماعة الوظيفية في جيتو خاص بهم، يرتدون أزياء مختلفة عن أزياء المجتمع المضيف، ويتحدثون لغة مختلفة عن لغته، بل يدينون في كثير من الأحيان بدين مختلف. والعزلة، في حالة الجماعة الوظيفية، شكل من أشكال الترشيد، ولكنه ترشيد ينصرف فقط إلى علاقة الجماعة الوظيفية بالمجتمع المضيف إذ يحتفظ أعضاء المجتمع بعلاقات المودة والتراحم والإحساس بالقداسة فيما بينهم، تماماً كما يحتفظ أعضاء الجماعة الوظيفية فيما بينهم بالتراحم بل التلاحم والإحساس بقداستهم. أما العلاقة بين الجماعة والمجتمع، فهى ـ كما أسلفنا ـ علاقة موضوعية عقلانية مجردة رشيدة تستند إلى حسابات المكسب والخسارة والعرض والطلب. والهدف من عملية العزل هنا أن تظل هذه العلاقات غير الإنسانية الرشيدة الأحادية على هامش المجتمع لا في داخله، وذلك حتى لا يفقد المجتمع تَراحُمه وتلاحمه وقداسته، كما أنه يضمن أن يظل العنصر الوظيفي غريباً مميَّزاً بغير قاعدة جماهيرية أو أساس للقوة. وتأخذ العزلة أشكالاً مختلفة، فهى قد تكون مكانية فعلية كأن يعيش أعضاء الجماعة الوظيفية في جيتو خاص بهم، وقد تكون رمزية فيرتدون أزياء خاصة بهم، أو تكون لغوية فيتحدثون لغة أو لهجة أو رطانة مختلفة عن بقية أعضاء المجتمع. وقد يتم العزل عن طريق الخصي (وفي العصر الحديث عن طريق الدخل المرتفع والتوجه الحضاري المختلف) . وقد تتم العزلة على جميع هذه المستويات وغيرها. ولكن، مهما اختلفت أشكال العزلة، فإن الوظيفة التي يضطلع بها أعضاء الجماعة الوظيفية يتم عزلها عن بقية الوظائف الاجتماعية والسياسية والإنسانية الأخرى بحيث لا تصبح لهم علاقة حية بالطبقات الأخرى (العلىا أو الدنيا) ، فهم أداة وحسب. ب) الغربة: يقابل عملية العزل البرانية من قبَل المجتمع إحساس جواني عميق بالغربة لدى عضو الجماعة الوظيفية، فهو عادةً ما يشعر بأنه ينتمي إلى "وطن أصلي" يشعر بالحنين إليه ويصبح موضع عاطفته المشبوبة وبؤرة عواطفه، كما أن ولاءه الحقيقي يتجه نحو وظيفته وجماعته الوظيفية. بل إن أعضاء الجماعة الوظيفية يتمسكون برموز العزلة المفروضة عليهم ويستبطنونها تماماً ويتوحدون بها حتى تصبح من علامات تميُّزهم عن الأغلبية. ومما يُعمِّق إحساس عضو الجماعة الوظيفية بالغربة نحو مجتمع الأغلبية أن هذا المجتمع يُحوسله تماماً وينبذه. ويؤدي تزايد العزلة والغربة إلى تَزايُد اعتماد عضو الجماعة الوظيفية على جماعته ليضمن بقاءه ووجوده واستمراره وهويته، فهو غريب في محيط معاد له يَصعُب عليه الاندماج فيه. فالجماعة، إذن، تزود أعضاءها (من خلال شبكة القرابة القوية) بالأمن والأمان. كما أن هذه الشبكة تُسهِّل عملية تجنيد الأعضاء الجدد من الوطن الأصلي أو غيره من المصادر، وتُدرِّبهم وتُورِّثهم الخبرة وأسرار المهنة. وفي حالة الجماعة الوظيفية المالية الوسيطة، تضمن الشبكة سرعة نقل البضائع، كما قامت في الماضي بتنظيم عملية الائتمان والقروض عبر مسافات طويلة في وقت لم تكن توجد فيه مصارف أو وسائل اتصال. ومثل هذه العمليات المُركَّبة، التي تقوم بها الشركات متعددة القوميات والمصارف الدولية في الوقت الحالي، كان من المستحيل القيام بها إلا بهذه الطريقة قبل ظهور البنية التحتية للعصر الحديث. كما أن العزلة الوظيفية والسياسية تؤدي إلى زيادة الرغبة في مراكمة الثروة، كمصدر من مصادر القوة وبديل لها، وتحسين الخبرة والأداء ليظل المجتمع المضيف بحاجة إلى الجماعة الوظيفية. وحيث إن الجماعة الوظيفية أساسية لبقاء العضو، كان من اليسير على قيادة الجماعة أن تقوم بعملية الضبط الاجتماعي، ومراقبة سلوك الأعضاء، وإنزال أشد العقوبات بالمخالفين لمعايير الجماعة كالمقاطعة والحرمان والطرد. ومما يُسهِّل عملية الضبط هذه أن الرقابة عادةً ما تتم من خلال شبكة القرابة، فالجماعة الوظيفية مُكوَّنة أساساً من الأقارب. ويُقال إن بعض الشباب اليهودي في دمشق، في القرن التاسع عشر، حاولوا أن يَتنصَّروا، لكنهم لم يجدوا عملاً لأن الكفاءات التي كانت عندهم كانت تؤهلهم للعمل في مهن محددة (مثل الصاغة) كانت تحتكرها الجماعة اليهودية الوظيفية. ولعل عزلة الجماعة الوظيفية وبقاءها واستمرارها من خلال عملية الضبط الاجتماعي الصارمة هي التي تُفسِّر النفوذ الذي يتمتع به أثرياء هذه الجماعات ونخبتها الثقافية والقائدة، فهم يشكلون الشريحة التي تقوم بعملية الضبط هذه، وهم المسئولون عن ضمان بقاء الجماعة واستمرار أدائها بكفاءة. وعملية العزل والإحساس بالغربة قد تبدأ بشكل واع أو بشكل غير واع، لكن آليات العزل تعمل بقوتها الذاتية بعد حين، ذلك أن أعضاء الجماعة الوظيفية يشكلون شبكة عائلية أو قَبَلية مُحكَمة تهيمن بالتدريج على مجموعة من الوظائف دون غيرها وتستبعد منها كل العناصر البشرية الأخرى، وافدة كانت أم محلية. وتبدأ الجماعة في تَوارُث الخبرات وأسرار المهنة ومراكمتها وتحسينها، وتزداد كفاءة أعضائها في أداء وظائفهم فيزداد تَركُّزهم ومن ثم تزداد عزلتهم وغربتهم. كما يتزايد تَميُّز أسلوب حياتهم الخاص، بل إنهم يكتسبون سمات إنسانية مرتبطة تماماً بوظيفتهم. فهم، مثلاً، بسبب عزلتهم وغربتهم وعدم إحساسهم بالطمأنينة، يحاولون تعويض هذا عن طريق مراكمة رأس المال فيعملون كثيراً ويُقتِّرون على أنفسهم ولا يرحمون أنفسهم وكذلك لا يرحمون الآخرين. ويؤدي هذا إلى تَزايُد إنغلاقهم نظراً لتجانسهم الإثني والحضاري واللغوي، وخصوصاً أن وظيفتهم تتطلب الانغلاق، إذ أن هذا يضمن المحافظة على الخبرات وأسرار المهنة وشبكة الاتصالات والعلاقات. وهكذا يقاوم أعضاء الجماعة الوظيفية كل عوامل الاندماج مع أعضاء المجتمع المضيف، فلا يسكنون بينهم ولا يتزاوجون منهم، ويبذلون قصارى جهدهم في المحافظة على عزلتهم. وعلى هذا النحو، فإن ما بدأ كعملية قسر خارجية يتم استبطانه ويتحول إلى رغبة داخلية وَمَثل أعلى، ومن ثم تصبح العزلة، التي كانت مفروضة عليهم في بادئ الأمر، هي مطلبهم الأساسي. ونظراً لعزلة أعضاء الجماعة الوظيفية وغربتهم، فهم يكونون في المجتمع وليسوا منه، لا يلعبون دوراً أساسياً في المجتممع. وإن لعبوا مثل هذا الدور، فهم يظلون خارج النظام السياسي: فيهيمنون عليه بأن يصبحوا نخبته الحاكمة التي تحتفظ بمسافة بينها وبين الجماهير، أو يقوموا بالتدخل لصالح فئة ما على حساب فئة أخرى. ويظهر عدم انتماء أعضاء الجماعات الوظيفية سياسياً في شكل ظاهرتين مختلفتين متناقضتين ظاهرياً. فأعضاء الجماعة الوظيفية عادةً ما يُظهرون عدم اكتراث بسياسات البلد الذي يعيشون فيه أو بمصيره. ولكنهم، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، عادةً ما تكون لديهم قابلية غير عادية لتَبَنِّي الأيديولوجيات الثورية الطوباوية الأممية (التروتسكية ـ التطرف الشعبوي ... إلخ) فهي أيديولوجيات تُعبِّر عن عدم اكتراث بالوضع السياسي المُركَّب المُتعيِّن للوطن وللمجتمع وعن عدم اهتمام بمصيره المحدد، فهو اهتمام بمطلقات لا تاريخية مثل الإنسان الأممي ومستقبل البشرية جمعاء. ولذا، نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية، حينما ينضمون لإحدى الجماعات الثورية، يكونون عادةً من المتطرفين المدافعين عن النقاء الثوري والحلول الجذرية المتطرفة، أي أنهم في عدم اكتراثهم بالسياسة وفي اشتغالهم بها ينتمون إلى نموذج أحادي اختزالي نُقِّي تماماً من عناصر الزمان والمكان ليصبح نموذجاً «طاهراً نقياً» . ومن المهم أن نلاحظ أن أعضاء الجماعة الوظيفية عرضة للإحساس بالتغير بشكل جذري أكثر من أية جماعة أخرى. ويعود هذا إلى علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بالبناء الطبقي للمجتمع، فكل أعضاء المجتمع يتحركون إما إلى أعلى أو إلى أسفل البناء الطبقي والنظام الاجتماعي. أما أعضاء الجماعة الوظيفية، فإن وظائفهم مُحدَّدة وثابتة، والوظائف الأخرى مُوصَدة دونهم (إما لعدم خبرتهم بها، أو لأن المجتمع لا يريد أن يوكلها إلى عنصر غريب) . والحراك إلى أعلى أو إلى أسفل لا ينطبق علىهم، فبابه مُوصَد دونهم أيضاً لأنهم ليسوا جزءاً من الكتلة الاجتماعية أو السياسية. ولذا، يصبح الحراك داخل المجتمع أمراً مستحيلاً، فيتم الحراك عن طريق الخروج من المجتمع والدخول إلى مجتمع آخر، ومن هنا تكون هجرتهم الدائمة. وهناك، بطبيعة الحال، إمكانية التحرك الأفقي من مسام المجتمع إلى صلبه، ولكن الجماعة الوظيفية تفقد هنا وظيفتها وبالتالي هويتها. كما أن هناك الإبادة؛ وهي حل جاهز للجماعة الوظيفية التي فقدت وظيفتها ولا يمكن استيعاب أفرادها. جـ) العجز والارتباط بالنخبة الحاكمة: تؤدي العزلة إلى ارتباط أعضاء الجماعة الوظيفية ارتباطاً وثيقاً بأعضاء النخبة الحاكمة (كما هو الحال مع المرتزقة والمرابين) ، فهي التي استجلبتهم في المقام الأول، وهي التي عزلتهم حتى تضمن أن يظلوا بدون قاعدة جماهيرية أو أساس للقوة (في حالة خوف دائم من الجماهير) ، وهي التي حولتهم إلى أداة استغلال في يدها، بصورة واضحة مباشرة، وهم عادةً ما يُوجَدون على مقربة منها في العاصمة أو مركز السلطة. ولكنها هي أيضاً التي تضمن بقاءهم واستمرارهم وتمنحهم الامتيازات. والطبقة الحاكمة تُؤثرهم على غيرهم بسبب عدم وجود قاعدة جماهيرية لهم، ومن ثم فإن ما أنجزوه من خدمات للطبقة الحاكمة سوف يقبضون أجرهم عنه وحسب، ولن يكون بمقدورهم ترجمة قوتهم المتزايدة إلى المشاركة في السلطة، أي أنهم يعيشون في حالة عجز كاملة. ولكن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بالنخبة الحاكمة ليست علاقة عضوية وإنما هي علاقة نفعية، شأنها شأن مجمل علاقتها بالمجتمع المضيف. ولذا، فحينما يتلاشى السبب النفعي وتنتفي حاجة النخبة الحاكمة إلى الجماعة الوظيفية، فإنها تتخلى عنها ويتم طرد أعضائها أو إبادتهم أو تركهم للجماهير كبش فداء. ومما يُسهِّل ذلك أن الجماعات الوظيفية ليست ذات قاعدة جماهيرية. ويمكن أن تختفي الجماعة الوظيفية بطريقة سلمية من خلال الاندماج والانصهار. ويتركز أعضاء الجماعة الوظيفية في وظائف معيَّنة وفي قطاعات بعينها وهي في العادة وظائف في قمة الهرم الإنتاجي تتطلب خبرة خاصة لا يمتلكها أعضاء مجتمع الأغلبية إذ يتطلب أداؤها استخدام أدوات خاصة بطريقة خاصة أو نظماً إدارية متقدمة غير مألوفة لأعضاء المجتمع. ولهذا يحقق أعضاء الجماعة الوظيفية بروزاً غير عادي، دون أن تكون لديهم قوة حقيقية لبُعدهم عن قاعدة الهرم الإنتاجي ولأنهم غير مُمثَّلين في كل مستوياته ومجالاته ولانفصالهم عن الجماهير ـ كما أسلفنا. كل هذا يجعلهم محط السخط الشعبي، وخصوصاً أن كثيراً من الوظائف التي يتركزون فيها ذات طابع استغلالي أو قمعي. كما أن سماتهم الخاصة وأسلوب حياتهم المميَّز يؤدي إلى أن ينسج الوجدان الشعبي الأساطير من حولهم: فهم أقوياء جداً أو ضعفاء جداً، وهم شرهون أو متقشفون جداً، ومسرفون ومُقتِّرون جداً، وهم كذا وكذا بطبيعتهم، وبعد قليل يسود الاعتقاد بأن طبيعتهم البشرية مختلفة عن طبيعة بقية البشر. وهذا الموقف إن هو إلا الثمرة المتعينة لعملية التجريد المبدئية لأعضاء الجماعات الوظيفية. ويبدو أن سمات الجماعة الوظيفية تفرض نفسها فرضاً على أعضاء الجماعة وتستوعبهم تماماً. فالباكستانيون في بلادهم أهل كرم ومروءة، ولكن يُلاحَظ أن المهاجرين الباكستانيين إلى إنجلترا قد فقدوا كثيراً من صفاتهم واكتسبوا الطبيعة الوظيفية الجديدة. والصينيون غير مشهورين بالبخل في بلادهم، ولكنهم حينما تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية (في جنوب شرق آسيا) أصبحوا مشهورين بالتقتير على النفس والحرص البالغ والإقبال على مراكمة رأس المال. ولكل ما سبق يُلاحَظ أنه إذا اندلعت ثورة شعبية، بسبب تَزايُد التوترات والأحقاد، فإنه يكون من السهل على الجماهير الغاضبة التعرف على أعضاء الجماعة الوظيفة، فهم مختلفون في ردائهم ولغتهم وطعامهم ومكان إقامتهم وعزلتهم. ومن ثم فإنهم يسقطون ضحية سهلة لمثل هذه الثورات. 3 ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية (الوهمية ( عادةً ما ينتمي أعضاء الجماعات الوظيفية إلى "وطن أصلي". وهذا الوطن الأصلي يمكن أن يكون بلداً فعلياً قائماً كما هو الحال مع الصينيين في جنوب شرقي آسيا والهنود في أفريقيا وانجلترا وغيرها من البلدان. وأحياناً يكون أعضاء الجماعة الوظيفية من أصل اختفى كوحدة سياسية مستقلة (وسيعودون إليه في آخر الزمان) ، كما هو الحال مع اليهود والزرادشتيين. وكثيراً ما يصبح الوطن الأصلي هو الجماعة العرقية أو الإثنية أو العائلية التي ينتمي إليها عضو الجماعة الوظيفية. وسواء أكان الوطن الأصلي وطناً موجوداً فعلاً أم وطناً مختفياً وغير قائم أم عائلة أم قبيلة، فإن هذا الوطن الأصلي يصبح البؤرة التي تتركز فيها عواطفهم الإنسانية الجياشة ويتجه نحوها ولاؤهم، ويصبح النقطة المرجعية الصامتة، فيفكرون في أنفسهم وفي الآخرين وفي واقعهم من خلاله. وقد يتحدثون عن العودة إليه إذا كان الوطن موجوداً فعلاً، ولكنهم عادةً لا يفعلون، إذ أن الولاء الحقيقي والفعلي لعضو الجماعة الوظيفية يتجه إلى وظيفته وجماعته الوظيفية، فهي ليست وطنه الأصلي وإنما وطنه الفعلي. وهكذا تتسرب العواطف الإنسانية لعضو الجماعة عبر قنوات تصب بعيداً عن المجتمع المضيف إما خارجه تماماً (في الوطن الأصلي) أو نحو جماعته الوظيفية، مما يُضعف أواصر الصلة بالوطن المضيف ويزيد عدم الانتماء له ويُعمِّق الحياد تجاهه ويضمن غربة أعضاء الجماعة الوظيفية تجاه مجتمع الأغلبية فيعيشون في المجتمع (في مسامه أو في هامشه) وهم يشعرون بأنهم شعب مقدَّس منفيّ. ولكن العزلة والغربة تعطي عضو الجماعة الوظيفية إحساساً عميقاً بأنه ذو هوية مستقلة خاصة مصدرها علامات العزل المفروضة عليه التي استبطنها هو وتبناها وأصبحت جزءاً من كيانه، فهي مثل شعائر الطهارة التي تؤدي إلى عزل الطاهرين عن المدنسين. وقد يتعمق الإحساس بالتميُّز إلى أن يصل إلى مُركَّب الشعب المختار صاحب الرسالة. ورغم هذا الإحساس العميق بالتميُّز، فإن أعضاء الجماعة الوظيفية يستمدون خطابهم الحضاري في واقع الأمر من المجتمع المضيف، فقد عاشوا في كنفه سنوات طويلة، كما أن خطابهم الحضاري الأصلي قد اختفى ولم يبق منه شيء سوى عادات ورموز سطحية. ولذا، فإن قشرة الهوية الصلبة قد تكون غريبة ومتميِّزة، ولكن جوهرها الكامن ينتمي إلى المجتمع المضيف. وثنائية الظاهر والباطن هذه أساسية حتى يتسنى لعضو الجماعة الوظيفية أن يلعب دوره الوظيفي، وحتى يكون في المجتمع دون أن يكون منه، يتعامل مع أعضاء المجتمع المضيف دون أن يتعاطف معهم أو يذوب فيهم. 4 ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية: أ) يتعامل أعضاء الجماعات الوظيفية مع أعضاء المجتمع المضيف بشكل موضوعي محايد لا يتسم بأي التزام أخلاقي. فالمجتمع المضيف بالنسبة إليهم هو مادة نافعة وشيء مباح لا يتمتع بأية قداسة ولا حرمة له يُعظِّمون من خلاله منفعتهم ولذتهم دون أي اعتبار لمنظومته الأخلاقية التي لا يشعرون تجاهها بكثير من الاحترام (فهي أحد أسباب عزلتهم واستبعادهم) . وفي الوقت نفسه، نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية يلتزمون تجاه جماعتهم بقوانين أخلاقية صارمة، فأعضاء الجماعة محل قداسة ولهم حرمتهم الواجب مراعاتها. ب) يُلاحَظ أن أعضاء المجتمع المضيف يشعرون بحرمة إخوانهم من أعضاء المجتمع، وأن المعايير الأخلاقية التي تسري على تعاملاتهم فيما بينهم لا تسري على أعضاء الجماعة الوظيفية، فهم مجرد مادة نافعة، ولذا فلا قداسة لهم ولا حرمة. ويُعظِّم المجتمع منفعته ولذته على حسابهم دون أي اعتبار لقيمهم الأخلاقية. جـ) يَنتُج عن ذلك ازدواج المعايير الأخلاقية (ونسبية أخلاقية) إذ يتبنَّى كل من أعضاء المجتمع وأعضاء الجماعات الوظيفية معيارين مختلفين للحكم. فنجد أن أعضاء جماعات الغجر مثلاً يسرقون من أعضاء المجتمع ولكنهم لا يقومون أبداً بممارسة هذا النشاط الإجرامي فيما بينهم، ويُقال إن الشيء نفسه ينطبق على مهربي المخدرات. وقد تبيح الجماعة الوظيفية الإقراض بالربا الفاحش لأعضاء المجتمع المضيف وتحرِّمه بين أعضائها. والمجتمع المضيف يفعل الشيء نفسه، فهو يحتفظ بطُهره وتراحُمه وإحساسه بقداسة أعضائه، بينما يُخضع أعضاء الجماعة الوظيفية لمجموعة من القيم النفعية والمادية بهدف تعظيم العائد من وجودهم. فالآخر (سواء من منظور الجماعة الوظيفية أو مجتمع الأغلبية) مدنَّس مباح يقع خارج نطاق المحرمات والمطلقات الأخلاقية. 5ـ الحركية: أ) يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية بالحركية فهم لا يرتبطون بالمكان/الوطن الذي يعيشون فيه، فهم يُجلَبون إليه ويُطردون منه ببساطة، فهم مجرد آلة نافعة لا قيمة لها في ذاتها تُنبَذ حين ينتهي نفعها. وإذا كان المجتمع المضيف لا يعترف بإنسانيتهم المتعينة ولا يضع فيهم ثقته قط، فهم بدورهم لا يدينون له بالولاء. ب) في معظم الأحيان، يتوقف وجود أعضاء الجماعة الوظيفية على هذه الحركية. فعضو الجماعة، كجندي مرتزق أو جامع ضرائب أو رائد أو مستوطن، لابد أن يكون دائب الحركة لا جذور له في وطن أو أرض. جـ) يحس عضو الجماعة الوظيفية دائماً بعدم الأمن وانعدام الانتماء وبأنه يعيش في مسام المجتمع وهامشه لا في صميمه وقلبه، أي بأنه فيه وليس منه، يعمل فيه دون أن يشارك في قراراته، ويؤدي كل هذا إلى زيادة حركيته وتَناقُص ولائه. ويمتد ولاؤه إلى الوظيفة وحسب. وقد عبَّر أحد المؤرخين عن موقف يهود جنوب أفريقيا من وطنهم بأنهم يجلسون دائماً على حقائبهم (استعداداً للرحيل) . وفي تفسير هذا، تُقال العبارة اللاتينية «أوبي بيني أوبي باتريا ubi bene ubi patria» (حرفياً: «أينما تُوجَد مصلحتي يُوجَد وطني» ) أي «المكان الذي يخدم مصلحتي هو وطني» . د) تؤدي الحركية (والغربة) إلى تَركُّز أعضاء الجماعات الوظيفية في وظائف بعينها في قمة الهرم الإنتاجي، وهي وظائف ذات عائد سريع ومباشر وتتسم بإمكانات النمو وتتطلب رأس مال سائلاً يمكن نقله بسهولة (أحجار كريمة ـ تُحَف ـ معادن ثمينة ـ أدوات إنتاج خفيفة ـ مقدرات عقلية ... إلخ) . ولذا، فإن أعضاء الجماعات الوظيفية لا يعملون عادةً بالتعدين أو الزراعة، وإن عملوا بالزراعة فإنهم عادةً ما يتخصصون في زراعة المحاصيل التي تُزرَع بهدف الاستثمار أو في المحاصيل ذات العائد المباشر، ولا يستثمرون البتة في المشاريع التي تتطلب استثمارات بعيدة المدى، كما أنهم لا يُوجَدون في الوظائف الأساسية في المجتمع ولا في القطاعات الأولية في الإنتاج. 6 ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية ( أ) يؤمن عضو الجماعة الوظيفية بمجموعة من القيم المطلقة التي تكون مقصورة عليه وعلى جماعته الوظيفية (ازدواج المعايير ومركب الشعب المختار) ، ولكنه في علاقته بالمجتمع لا يؤمن إلا بمتعته ولذته، ولذا فهو قادر على استغلال المجتمع وتوظيفه وحوسلته لصالحه دون أي اعتبار للقيم الأخلاقية الخاصة بالمجتمع (تَمركُز حول الذات) . ب) ولكن المجتمع المضيف ينظر لعضو الجماعة الوظيفية باعتباره مجرد أداة متحوسلة لا جذور لها ولا انتماء، وباعتباره أداة تُعزَل بصرامة، ولذا فإن المجتمع يدخل معه في علاقة تعاقدية موضوعية غير مفعمة بالحب. وعضو الجماعة الوظيفية لا وجود له خارج جماعته ومعتقداتها وآلياتها، ولا كيان له خارج الوظيفة المقدَّسة الرشيدة التي يقوم بها، فهو يُرشِّد كل جوانب حياته من أجل أداء وظيفته (تَمركُز حول الموضوع) . والسمات الأساسية السابقة (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس العميق بالهوية الوهمية والاختيار والتميُّز ـ ازدواجية المعايير [أي النسبية الأخلاقية]ـ الحركية ـ التمركز حول الذات والموضوع) كلها من سمات الإنسان العلماني الحديث والإنسان الذي يتحرك داخل أطر حلولية كمونية. ولذا فإن من غير المستغرب أن نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية ينحون منحى حلولياً كمونياً في رؤيتهم للكون، وأنهم أصبحوا من حَمَلة الفكر العلماني الشامل، الواحدي المادي. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الجماعات الوظيفية والثنائية الصلبة
الجماعة الوظيفية تدور في إطار الرؤية الحلولية الكمونية، ولذا يتبدى من خلالها نمط الواحدية الذاتية والموضوعية، والثنائية الصلبة بشكل متبلور. فثنائية الأنا والآخر والتمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع من السمات الأساسية للجماعة الوظيفية ولأعضائها. وبإمكان القارئ أن يجد رصداً لهذا الجانب في مداخل هذا الباب. الحلولية الكمونية الواحدية والجماعات الوظيفية من الظواهر الجديرة بالملاحظة، والتي تحتاج إلى مزيد من الدراسة، أن رؤية أعضاء الجماعات الوظيفية للكون تنحو منحى حلولياً كمونياً (ثنائياً صلباً) في رؤيتهم لذاتهم (الساموراي والبوذية من طراز الزن ـ الإنكشارية والبكتاشية ـ جماعات التجار والتصوف الحلولي ... إلخ) . وقد حاولنا في دراستنا لهذه الظاهرة التركيز على الجماعات اليهودية في أنحاء العالم. ومن هنا، فإن تعميماتنا تستند إلى دراسة هذه الحالة أساساً، وإن كنا قد درسنا بعض الحالات الأخرى بشكل أقل تَعمُّقاً. يتبنَّى أعضاء الجماعة الوظيفية رؤية حلولية كمونية واحدية (ثنائية صلبة) تَرُدُّ العالم بأسره إلى مبدأ واحد كامن في العالم، وتختزل الواقع بكل تعينه وتركيبيته إلى مستوى واحد. هذا المبدأ الواحد بالنسبة لأعضاء الجماعة الوظيفية هو الوظيفة نفسها، أو الوظيفة باعتبارها تَجسُّداً للمبدأ الواحد، وتحل الوظيفة محل الأرض في الثالوث الحلولي. فبدلاً من الثالوث الحلولي التقليدي (الشعب ـ الإله ـ الأرض) ، يكون الثالوث الوظيفي هو: الجماعة الوظيفية ـ الإله ـ الوظيفة. ولذا، يمكننا أن نتحدث عن «الحلولية الكمونية الوظيفية» وعن «الواحدية الوظيفية» ، فعلاقة عضو الجماعة الوظيفية بجماعته وبوظيفته علاقة حلولية كمونية عضوية (روحية) . والوظيفة هي المبدأ الواحد (الإله) ، قوة شاملة بسيطة، لا انقطاع فيها ولا فراغات ولا ثنائيات، تزود عضو الجماعة الوظيفية برؤية للكون وتوجِّه سلوكه. وعلاقة عضو الجماعة الوظيفية بوظيفته لا تختلف كثيراً عن علاقة عضو الشعب المختار بشعبه وبأرض الميعاد، وكما أن أرض الميعاد تنتظر شعبها المقدَّس المختار ولا يمكن أن تسترد حياتها إلا من خلاله، ولا يمكنه هو أن يحيا حياته كاملة إلا فيها، فإن أعضاء الجماعة الوظيفية هم وحدهم القادرون على الاضطلاع بوظيفتهم وهم يستمدون كينونتهم منها. وحين يتوحد عضو الجماعة الوظيفية بالمبدأ الواحد، أي الوظيفة فإنه يفنى فيها ويجسدها في الوقت نفسه، وفي كلتا الحالتين فإنه يتم اختزاله إلى مستوى واحد أو وظيفة "مقدَّسة" واحدة يكتسب منها هويته، فهو جزء من كل، يفقد ذاته فيها، ويخضع للقوانين النابعة منه والكامنة فيه. وحين تجسد الجماعة الوظيفية المبدأ الواحد تصبح مرجعية ذاتها، علة ذاتها، مكتفية بذاتها، فيمكنها أن تلغي الآخر وتراه غائباً أو ترى حضوره بغير معنى. وبحلول القداسة الكاملة في الجماعة الوظيفية يصبح أعضاؤها ذوي قيمة نهائية كامنة لا تظهر لأعضاء الأغلبية الموجودين خارج دائرة القداسة. إن الرؤية الحلولية الكمونية تحل لأعضاء الجماعة الوظيفية إشكاليات عاطفية ومعرفية عميقة وتُعقلن وضعهم كعنصر بشري منبوذ متحوسل، فهي رؤية تجعلهم أو تجعل جماعتهم (الوظيفية) أو وظيفتهم موضع قداسة خاصة وكامنة فيهم، بل ركيزة نهائية في الكون. كما أنها تفسر لهم تَحوْسلهم وتَحوُّلهم إلى أداة، فقداستهم هي سبب تَحْوسلهم (تماماً كما أن عملية النبذ هي إحدى علامات الاختيار في اليهودية التي يعاني منها الشعب العضوي المختار وحده دون غيره من الشعوب غير المختارة غير المقدَّسة غير المنبوذة) ، وهي تفسر أيضاً وجودهم في المجتمعات الإنسانية (المادية) وعدم انتمائهم لها، فهم ينتمون إلى الشعب الوظيفي المقدَّس وحسب. فأعضاء الجماعة الوظيفية يجعلون أنفسهم موضع قداسة خاصة، أما أعضاء المجتمع المضيف فهم محرومون تماماً من القداسة، فهم مادة صرف، يعيشون في وحدة وجود مادية دون إله. ويمكننا الآن أن ننظر للسمات الأساسية للجماعة الوظيفية (كما حددناها في المدخل السابق) ، ولعلاقتها بالحلولية الكمونية، وكيف أن القداسة التي تسري في الوظيفة رسَّخت السمات الأساسية للجماعة الوظيفية وجعلت عضو الجماعة الوظيفية قادراً على أن يلعب دوره: 1 ـ التعاقدية (والنفعية والحيادية والترشيد والحوسلة ( أشرنا إلى أن الوظيفة تصبح المبدأ الواحد المطلق والمرجعية والركيزة النهائية التي تستند إليه الحلولية الكمونية الوظيفية. أ) المبدأ الواحد قوة لا متعينة لا تكترث بالتمايز الفردي، أي أنها تختزل الجماعة الوظيفية إلى مستوى واحد أو وظيفة واحدة؛ هي مجرد وسيلة وليست غاية. ب) يُلاحَظ أن الوظيفة هنا تصبح المطلق الذي يتوحد به عضو الجماعة الوظيفية ويستبطنه، ويبدأ في صياغة حياته ويُرشِّدها ويجردها في ضوئه حتى يؤدي وظيفته على أكمل وجه ويُحوسل ذاته تماماً (فهو علاقة إنتاج أو أداة إنتاج) . والترشيد هنا هو تحقيق للذات المقدَّسة أو الرسالة المقدَّسة (من وجهة نظر عضو الجماعة الوظيفية) وعلامة على الاختيار. ولذا، تصبح الحَوسلة عملية غير مؤلمة على الإطلاق لأنها عملية جوانية نابعة من أعماق الذات. وإذا كان أعضاء الأغلبية يرون الاضطلاع بالوظيفة أمراً يحط من شأن المرء، فإن هذا يعود إلى أنهم لا يعرفون الحقيقة، إذ كيف يتأتى لمثل هؤلاء من البشر العاديين إدراك القداسة الكامنة في الذات الوظيفية المقدَّسة؟ جـ) يؤدي عضو الجماعة الوظيفية وظيفته ويتبع الإجراءات ويُطبِّقها بصرامة وكأنها شعائر عقيدة وثنية، فهو بذلك يصبح الأداة الكفء الرشيدة التي يجب أن يكونها. د) الذات المقدَّسة الوظيفية يمكنها أن تدخل علاقات تعاقدية نفعية محايدة مع الآخر، ذلك لأن الجوانب الإنسانية المركبة يمكن استبعادها (ويمكن التعبير عنها داخل الجيتو [المقدَّس] وتسريبها عبر قنوات أخرى تصب خارج المجتمع المضيف مثل صهيون وآخر الزمان) ، فالذات هنا أصبحت موضوعاً وتَجسُّداً لمبدأ واحد ووظيفة واحدة. هـ) يمكن دراسة البغاء المقدَّس في الديانات الوثنية القديمة باعتباره نقطة تلتقي فيها الرؤية الحلولية الكمونية الكونية والواحدية الوظيفية (أو الحلولية الكمونية الوظيفية) ، فالبغي لم تكن تقوم بوظيفة تُدخل عليها المتعة وإنما كانت مجرد أداة تُستخدَم ووظيفة تُؤدَّى ودور يُلعب، أي أنها أداة في يد المبدأ الواحد والقوة الفاعلة المقدَّسة الكامنة في جسدها، بل إنها كانت رمز الرحم الكوني الأعظم الذي يحاول الإنسان العودة إليه والالتحام به (الذي يصبح الأرض المقدَّسة في المنظومة الحلولية الكمونية الروحية وأرض الأجداد أو تراب الوطن في المنظومة الحلولية الكمونية المادية) . ولذا، فإن أداءها لوظيفتها كان تنفيذاً لواجب مقدَّس يعطي لصاحبتها مكانة اجتماعية مرموقة وتُحقِّق كينونتها من خلال وظيفتها هذه (التمركز حول الذات) . ولكن هذه القداسة الكامنة في جسدها هي نفسها التي تجعلها مجرد أداة محايدة بالنسبة للعابدين، فهم يتواصلون مع المبدأ الواحد (الإله والرحم الكوني الأعظم في حالتهم) من خلالها ولا يكترثون بها ويدفعون لها ما تريد من أموال، أي أنهم يتعاقدون معها (تمركز حول الموضوع) ، ومن ثم يصبح المقدَّس والمُتحوسِّل شيئاً واحداً، بل إن القداسة تغدو سبب الحَوسَلة وتغدو الحَوسَلة علامة القداسة. 2 ـ العزلة والغربة والعجز: أ) أعضاء الجماعة الوظيفية الذين يضطلعون بالوظيفة (المقدَّسة) يؤمنون بأنهم هم وحدهم الذين تَكمُن فيهم القداسة، ولذا فلا يمكنهم أن يختلطوا بالآخر، أي أعضاء المجتمع المضيف الذين لا تكمن فيهم أية قداسة، ولابد أن يعزل أعضاء الجماعة الوظيفية أنفسهم من خلال الأسماء واللغة، والمسكن والجيتو، ومن خلال العقيدة الدينية (إن أمكن) . وهكذا تصبح آليات العزل شيئاً شبيهاً بشعائر الطهارة في العقائد الحلولية الكمونية. ب) وإذا كانت العقيدة الدينية هي نفس عقيدة أعضاء المجتمع المضيف، فإن أعضاء الجماعة الوظيفية يعزلون أنفسهم عن طريق تكوين جماعة دينية مغلقة أو طريقة صوفية ذات طابع حلولي كموني قوي تجعلهم موضع قداسة خاصة، مقصورة عليهم تساهم في عزلهم عن المسار العام. جـ) كما أن أعضاء الجماعة الوظيفية لا يمكن أن يكشفوا أسرار المهنة (المقدَّسة) لأعضاء المجتمع، فهي أسرار مقدَّسة تُخبَّأ وتُحفظ وليست مجرد معلومات يتداولها الناس والعوام. وأداء الوظيفة أمر مقدَّس يشبه الشعائر المقدَّسة في العقائد الحلولية حيث يصبح شكل الشعائر أهم كثيراً من أي مضمون أخلاقي لها. د) ولا شك في أن عملية العزل هذه، وهي من علامات تَميُّز الجماعة الوظيفية المقدَّسة، قد تؤدي إلى عجزها وفقدانها السيادة بسبب انعزالها عن الجماهير (المدنَّسة) ، ولكن أعضاء الجماعة الوظيفية (المقدَّسة) يعلمون تمام العلم أنهم سيحققون ذاتهم إما في الجيتو (المقدَّس) أو في آخر الزمان. 3 ـ الانفصال عن الزمان والمكان والإحساس العميق بالهوية (مركب الشعب المختار المنفي ( يعيش أعضاء الجماعة الوظيفية من الناحية الوجدانية في زمانهم المقدَّس ومكانهم المقدَّس ووظيفتهم المقدَّسة. أما من الناحية الفعلية، فهم يعيشون في الحاضر وفي الجيتو بين أعضاء الأغلبية. ولكن وجودهم (وهم الجماعة موضع الحلول) في مثل هذين الزمان والمكان هو وجود عرضي مؤقت، إذ أنهم جماعة وظيفية مقدَّسة، هوية أعضائها المقدَّسة مرتبطة بالزمان والمكان المقدَّسين وبالوظيفة المقدَّسة، ولكن تم نفيهم إلى هذين المكان والزمان المدنَّسين. ولذا، فإنهم يتذكرون البلد الأصلي والعصر الذهبي حين كانوا يعيشون فيه (قبل السقوط والتبعثر والشتات) كجزء من الشعب العضوي موضع الحلول والكمون. وهم يتطلعون دائماً إلى العودة إلى هذا البلد الأصلي (أرض الميعاد والموعد والمعاد ـ صهيون) في آخر الزمان ونهاية التاريخ والعصر المشيحاني حين تتضح قداستهم الكامنة مرة أخرى ويذوبون في الكل المقدَّس الأكبر (العودة إلى الرحم حيث يعيشون حالة جنينية لا تعرف الحدود أو القيود أو السدود) . ومع هذا، فليس عليهم الانتظار حتى آخر الزمان، فهم يستعيدون قدراً من قداستهم الضائعة في المجتمع حينما يمارسون وظيفتهم المقدَّسة. والعلاقة الحلولية بين الزمان الماضي والمستقبل، وبين المكان الماضي والمكان المستقبل، جعل الحس التاريخي والسياسي عند عضو الجماعة الوظيفية ضامراً، فتَطلُّعه لكلٍّ من الماضي والمستقبل يعني، في واقع الأمر، عدم الارتباط بالحاضر أو الانتماء للوطن (وهذا الارتباط والانتماء يهددان عضو الجماعة الوظيفية لأنهما يقوضان موضوعيته وحياده وكل الصفات التي لابد أن تتوافر له ليؤدي وظيفته) . لكن الرؤية الحلولية الكمونية التي تُقوِّض ارتباطه بوطنه الحالي وزمانه الحاضر تُعمِّق ارتباطه بوطنه الوهمي وبماضيه وبمستقبله المستقل وبوظيفته المقدَّسة، الأمر الذي يعني تعميق عزلته عن المجتمع وتَزايُد ارتباطه بالجماعة الوظيفية، ومن ثم يُمكِّنه ذلك من أن يظل بمنأى عن السلطة السياسية أو قريباً منها لصيقاً بها يقوم على خدمتها (كعميل وجندي مرتزق ومراب) دون أن يشارك فيها ودون أن تكون له قاعدة قوة في المجتمع. ومع هذا، فإن ثمة جماعات وظيفية تفقد صلتها بالماضي تماماً ولا تملك رؤية للمستقبل، فيعيش أعضاؤها في الحاضر ويحاولون أن يحققوا ذواتهم فيه دون ماض أو مستقبل، وهذا يتفق مع النسق الحلولي الكموني السائل الذي انتشر في العصر الحديث. وبالمثل، فإن رؤية البغايا للواقع تُركِّز في كثير من الأحيان على الحاضر أساساً (ولكن كثيراً من العاهرات يعشن فترة العمالة حتى يمكنهن مراكمة رأس المال اللازم لبدء حياة عادية [بعد التوبة] فيَعُدن إلى القرية أو الوطن الأصلي ويبدأن حياتهن بشكل طبيعي) . ومع هذا، يُلاحَظ أن المتركزين فيما نسميه «قطاع اللذة» في المجتمع يتبنون رؤية للزمن مرتبطة بالواحدية الكونية السائلة التي تنفي الماضي والمستقبل تركز على الحاضر. وأخيراً، فإن عدم الانتماء للزمان والمكان المباشرين يعني حركية هائلة، فعضو الجماعة الوظيفية لن يضرب بجذوره في الواقع المحيط به. 4 ـ ازدواجية المعايير: أ) يؤمن عضو الجماعة الوظيفية بازدواجية المعايير التي تسم المنظومات الحلولية الكمونية الثنائية الصلبة، كما أنه يرى أن جماعته، التي يرتبط بها ارتباطاً عضوياً، جماعة مقدَّسة تسري عليها معايير أخلاقية قَبَلية صارمة لا تسري على أعضاء المجتمع. ب) تبرر الرؤية الحلولية وضع الازدواج الرهيب الذي يعيش فيه عضو الجماعة الوظيفية، فهو منبوذ من المجتمع ولكنه أساسي وحيوي له، وبدون وظيفته لا تقوم للمجتمع قائمة، ولذا فإن الثنائية الصلبة تؤكد له أن سبب هذه الازدواجية هو أنه موضع حلول وكمون، فقد حل مركز المجتمع أو الكون في أعضاء الجماعة الوظيفية من أعضاء الشعب المقدَّس المختار، ومن هنا فإن العزلة المادية والنفسية تصبح أمراً مفهوماً تماماً. جـ) عضو الجماعة الوظيفية يضحي بذاته من أجل جماعته المقدسة ويفنى فيها ويتحد بها، فهو إنسان مقدس في علاقته بجماعته، ولكنه إنسان اقتصادي ذو بُعد واحد يحافظ على مصلحته ويبحث فقط عن المنفعة واللذة وتعظيم الربح والعائد في علاقته بالأغلبية، ذلك لأنها جماعة مدنَّسة يمكن استغلالها بطريقة محايدة لا علاقة لها بأي أخلاق أو معايير. د) يكمن الشر في المنظومة الحلولية الكمونية في الخلل في الإجراءات، فلا علاقة له بالقيم أو بالخير والشر (ويُلاحَظ في المنظومات الحلولية أن الحل السحري هو حل يرفض مقولات الخير والشر ويدور في إطار المعرفة التي تؤدي إلى التحكم أو في إطار الجهل الذي يؤدي إلى الخضوع ـ فالمعرفة هي القوة) . ويمكن أن نقول نفس الشيء عن عضو الجماعة الوظيفية، فالخلل في الإجراءات هو الشر الأعظم لأنه تدنيس للوظيفة المقدَّسة كما أنه تدنيس للرسالة الوظيفية المقدَّسة. 5 ـ الحركية: غني عن القول أن العناصر السابقة كلها، من تعاقدية ونفعية إلى إحساس بالعزلة والغربة وعدم انتماء للزمان والمكان (وانتماء للزمان المقدَّس وانتماء للمكان المقدَّس) وازدواجية المعايير، تؤدي إلى حركية بالغة. 6 ـ التمركز حول الذات (والحرية المطلقة) والتمركز حول الموضوع (والمصير المحتوم ( يرتبط بكل المفاهيم السابقة (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ إلغاء الزمان والمكان والهوية الوهمية ـ الحركية ـ ازدواج المعايير ... إلخ) موقفان متناقضان من الحرية يُعبِّران عن الاستقطاب الأعمق: التمركز حول الذات التي تجسد المبدأ الواحد وتصبح مركز الكون والغاية من وجوده وموضع الحلول وينجم عن هذا إحساس عميق بالحرية الكاملة الناجمة عن عدم خضوع الذات لأية قوانين أخلاقية أو اجتماعية، أما الموقف الثاني فهو التمركز حول الموضوع، أي الجماعة الوظيفية التي تتم حوسلتها وترشيدها لصالح الوظيفة الموضوعية وفي خدمة أعضاء الأغلبية. وينتج عن هذا إحساس بالحتمية وبأن لا خيار أمام عضو الجماعة الوظيفية وبأنه يفعل ما يفعل لأن هذا مقدر له، فذاته لا وجود لها خارج الوظيفة التي يضطلع بها أو خارج وضعه في المجتمع، لأنها ذات متحوسلة تماماً. (وقد بيَّنا أن هذه الازدواجية الحادة وهمية، تشبه الحالة الجنينية التي تنتهي عادةً بالواحدية) . ويظهر هذا الوضع في حالة البغايا بشكل حاد ومتبلور، فالبغي متحررة تماماً من أية قوانين أخلاقية، وهي تقف خارج حدود المجتمع ترتدي ما تريد من أزياء وتسلك بالطريقة التي تعجبها متمركزةً تماماً حول ذاتها، ولكنها مع هذا شخصية منبوذة تماماً غير قادرة على الاضطلاع بأية وظائف أخرى. ومن المعروف أن البغايا يُؤمنّ إيماناً عميقاً بأنهن يعملن بوظيفتهن لأنه أمر مقدر لهن (مكتوب على الجبين) ، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تتيح لها أن تستمر في حالة الحوسلة الكاملة (حوسلة الجسد والعواطف) والتَموضُع المطلق (التمركز حول الموضوع) التي تعيش فيها. فكأن عضو الجماعة الوظيفية يتأرجح بين الحرية المطلقة للشعب المختار والمصير المحتوم المفروض على الإنسان المختار المتحوسل. وهذا الاستقطاب هو إحدى السمات الأساسية للرؤى الحلولية الكمونية (المركز الكامن يتجسد في الفرد فيتمركز حول ذاته ويصبح حراً بشكل يتجاوز ما هو إنساني، والمركز الكامن يسري في الظواهر فيتمركز حول الموضوع ويخضع له كل شيء، وضمن ذلك الإنسان (. ويمكننا الآن مناقشة علاقة الجماعات الوظيفة (باعتبارها تعبيراً عن الحلولية الكمونية) بالدولة القومية العلمانية (وهي تعبير آخر عن الحلولية الكمونية) . تقبل المجتمعات التقليدية وجود الجماعات الوظيفية فيها داخل جيتوات حيث تتمركز كل جماعة حول هويتها ووظيفتها ومطلقها، وهو أمر ممكن إذا كان المركز القومي ضعيفاً وكانت الدولة تتسم بعدم المركزية. ومع الثورة البورجوازية، يظهر الفكر القومي العضوي والدولة القومية المركزية العلمانية المطلقة، وهي دولة تجعل ذاتها موضع الحلول والكمون الوحيد، وأقصى تَركُّز له، والمركز (الموضوع) الوحيد الذي يلتف حوله المواطنون. فالدولة القومية تطلب من الجميع التخلي عن هويتهم ليدينوا لها وحدها بالولاء، وعليهم التخلي عن مطلقاتهم الدينية (أو على الأقل إخفاؤها) داخل ما يُسمَّى بالحياة الخاصة خارج رقعة الحياة العامة أو المدنية، أي أن الحلولية الكمونية القومية تحل محل كل الحلوليات الهامشية، وضمنها حلولية أعضاء الجماعة الوظيفية، إذ يَتجسَّد المركز في الدولة المطلقة وعلى كل الأطراف اتباعه. وبسيادة الدولة القومية، وتَزايُد عمليات الترشيد في المجتمع، تتم حوسلة كل أعضاء المجتمع ويتوحد الجميع بالمبدأ الواحد والمطلق العلماني والركيزة النهائية (مصلحة الدولة) ، ويدخل الجميع في علاقات تعاقدية نفعية وظيفية ويصبح الجميع حركيين لا انتماء لهم يعيش كل فرد في الجيتو الخاص به، أي تتم حوسلة الجميع ويصبح الجميع وظيفيين ويصبح كل البشر مثل أعضاء الجماعة الوظيفية. وهكذا، يسود الفكر العلماني، أي الفكر الحلولي الكموني المادي (وهذا ما سماه ماركس عملية «تهويد المجتمع» ) . وحين يسود هذا الوضع على المستوى العالمي، ويتم فرض الواحدية على شعوب الأرض كافة، فإننا ندخل عصر الحلولية الشاملة السائلة وما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد. العلمانية الشاملة والجماعات الوظيفية ظاهرة الجماعات الوظيفية، في شكلها المتبلور، هي ظاهرة خاصة بالمجتمعات التقليدية (التراحمية) . والظاهرة ككل تعبير عن محاولة المجتمع التقليدي الحفاظ على تراحمه وطُهره وقداسته عن طريق تركيز التعاقد والحوسلة في مجموعة بشرية صغيرة، فكأن الجماعات الوظيفية هي جماعة تم نزع القداسة عنها تماماً وتمت حوسلتها وعلمنتها، فهي جيب أو جيتو تعاقدي (جيسيلشافت) في المجتمع التقليدي التراحمي (جماينشافت) . ولعل جيتو البغايا حالة متطرفة من الجيتوا الوظيفية التعاقدية، إذ كانت البغايا يُعزلن ليمارسن فيه نشاطهن التعاقدي المادي الذي لا يتخلله حب أو محبة (فهو نشاط اقتصادي عضلي مادي محض) ، فتتحوَّل الأنثى إلى بغي (إنسان وظيفي اقتصادي وجسماني) والذكر إلى عميل (إنسان وظيفي جسماني واقتصادي) ، ويُحوسل كل واحد منهما الآخر ويحاول أن يُعظِّم منفعته أو لذته أو كلتيهما. ولهذا السبب (ولأسباب أخرى) ، لاحظنا أن أعضاء الجماعات الوظيفية يتبنون رؤية حلولية كمونية للعالم. ويجدر بنا أن نؤكد أن وحدة الوجود الروحية هي نفسها وحدة الوجود المادية (العلمانية) ، فكلاهما يَرُد الكون إلى مبدأ واحد ويظهر إنسان وظيفي ذو بُعد واحد يمكن تفسيره في ضوء هذا المبدأ الواحد الكامن. لهذا، نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية إما من حملة الفكر العلماني أو ممن عندهم قابلية عالية للعلمنة. ويمكن أن نذكر سمات الجماعة الوظيفية وعلاقتها بالرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية على النحو التالي: 1 ـ التعاقد (والنفعية والحيادية والترشيد والحَوْسَلة) : يدخل عضو الجماعة الوظيفية في علاقة تعاقدية مع مجتمع الأغلبية الذي يرده إلى مبدأ واحد (الواحدية الوظيفية) ويعرِّفه في إطار وظيفته ويحتفظ به المجتمع بمقدار نفعه ويدخل معه في علاقة رشيدة تماماً خاضعة لحسابات الربح والخسارة، فهو (من وجهة نظرهم) ليس إنساناً متعيِّناً مركباً ذا دوافع إنسانية مركبة كثيرة، وإنما هو إنسان وظيفي ذو بُعد واحد تم تجريده في ضوء نفعه ووظيفته الواحدة، فيصبح إنسان العلمانية الطبيعي/ المادي. وهو يمكن أن يكون الإنسان العلماني الاقتصادي، المنتج والمستهلك، الذي يدخل في علاقات اقتصادية إنتاجية لا شخصية، أو الإنسان العلماني الجسماني الذي يُكرِّس نفسه لملذاته. وعضو الجماعة الوظيفية ليس ضحيةً لعملية التجريد التي تُطبَّق عليه، إذ يقوم هو نفسه بتجريد المجتمع في ضوء العائد الاقتصادي الذي يحصل عليه منه، كما يقوم بتجريد ذاته وتحييدها حين يدخل في علاقة مع هذا المجتمع في رقعة الحياة العامة. ولكنه، مع هذا، يمارس إنسانيته المُتعيِّنة المركبة في رقعة ضيقة من الجيتو وهي رقعة الحياة الخاصة. ويقوم عضو الجماعة الوظيفية بترشيد حياته (العامة) تماماً في ضوء الوظيفة التي يضطلع بها، فيكبح جماح أية عواطف إنسانية مركبة ويُطبِّق على نفسه نماذج رياضية رشيدة ويتقبل أهدافاً مادية لا إنسانية حتى يتسنى له القيام بوظيفته. وإذا كانت العلمنة والترشيد هما عملية فرض الواحدية المادية على المجتمع والفرد، فإن عضو الجماعة الوظيفية، من خلال إخضاع ذاته للواحدية الوظيفية ومن خلال استبطانه لها، ومن خلال رؤيته لأعضاء المجتمع المضيف باعتبارهم وسائل لا غايات ومصدراً للنفع، يصبح قادراً تماماً على حوسلة نفسه وتوظيفها وترشيدها دون أية مشاكل أخلاقية أو نفسية، ولذا فهو يرى نفسه شيئاً بين أشياء، مجرد علاقة إنتاج أو ربما أداة من أدوات الإنتاج والإدارة. وحينما يُقسِّم عضو الجماعة الوظيفية حياته إلى حياة عامة رشيدة متحوسلة، وحياة خاصة مركبة، فهذا لا يختلف كثيراً عن تقسيم المجتمعات العلمانية لحياة الإنسان إلى رقعة الحياة العامة (الخاضعة تماماً للترشيد والتنميط) ورقعة الحياة الخاصة (التي تشكل مجال الحرية الشخصية) . 2 ـ العزلة والغربة والعجز: عزلة عضو الجماعة الوظيفية وغربته تجعله قادراً على تَقبُّل معدل عال جداً من تجريد الذات، وهو في عزلته وغربته يشعر بانعدام الأمن، وهو ما يولِّد لديه المركب الجيتوي، وما يمكن تسميته «عقلية التربص» ، أي أنه يعيش خائفاً ولكنه يكره الآخر ويكون على استعداد دائم للفتك به. وعقلية التربص هذه مرتبطة تماماً بالرغبة في الانقضاض والغزو، أي أنها تخلق قابلية لتَقبُّل الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وعالم ماكيافيللي وهوبز. 3 ـ الانفصال عن الزمان والمكان والإحساس بالهوية المقدَّسة (الوهمية ( عضو الجماعة الوظيفية لا يرتبط بوطن، ولذا فهو جوّال لا وطن له (بالإنجليزية: هوملس homeless) ، وهذه هي بعض صفات الإنسان العلماني (الإنسان الطبيعي الوظيفي) . وإن عرف عضو الجماعة الوظيفية وطناً فهو وطنه الأصلي، وهو وطن وهمي وجداني، أما وطنه الحقيقي فهو وظيفته. كما أنه يمارس إحساساً عميقاً بقداسته وهويته المنفصلة المتميِّزة، وهكذا الإنسان في المجتمع العلماني الذي يرتبط بمنفعته ولذته ورأسماله الذي لا يعرف حدوداً أو وطناً. وهو حريص دائماً على حدود هويته، ولكنها هوية وهمية في عالم نمطي تسيطر عليه المؤسسات التي تنشر النمطية. وعضو الجماعة الوظيفية لا يرتبط بتاريخ بلده (فالخلاص دائماً في النهاية في صهيون) ، ولهذا فبإمكانه أن يعيش في حالة حرمان في الحاضر (الآن وهنا) باسم التمتع بالمستقبل (حينئذ وهناك) ، وهذا الموقف يؤدي إلى شكل من أشكال الترشيد، إذ يؤدي إلى إنكار الذات وتَراكُم رأس المال والخبرات وادخار الطاقة وعدم تبديدها. والإنسان العلماني في مرحلة التراكم الرأسمالي والتقشف لا يختلف عن ذلك كثيراً. 4 ـ ازدواجية المعايير والنسبية والأخلاقية: تُولِّد ازدواجية المعايير لدى عضو الجماعة الوظيفية مرجعية ذاتية كامنة، فثمة معيار أخلاقي ينطبق على الجماعة (فهي مقدَّسة) ومعيار ينطبق على الآخر، فهو مباح تماماً ويقع خارج نطاق المطلقات الأخلاقية وداخل دائرة المباح، تسري عليه القوانين التي تسري على الأشياء. وهذا يعني، في واقع الأمر، نسبية الأخلاق ورفض مقولات الخير والشر فهي مقولات عامة عالمية. وهنا تظهر إرادة القوة إذ أن ما يقرره عضو الجماعة الوظيفية هو وحده المعيار الأخلاقي (في غياب معايير إنسانية عامة) ، وتظهر عقلية الغزو إذ يمكن تدمير الآخر وسلبه ونهبه. كما تظهر عقلية التكيف البرجماتي والإذعان للواقع. 5 ـ الحركية: يؤدي كل هذا، بطبيعة الحال، إلى حركية بالغة، إذ يصبح الإنسان بلا جذور ولا ارتباط، غير ملتزم بأية منظومات قيمية، فهو يُخضع كل شيء لإرادة القوة (النيتشوية) أو التفاوض (البرجماتي) . وقد عُرِّفت الحداثة بأنها انفصال الإنسان عن العلاقات الكونية على أن يُخضع كل علاقاته مع البشر للتفاوض ولعمليات الترشيد الواحدي المادي. 6 ـ الاستقطاب) الذاتية/الموضوعية ـ الحرية/الجبرية) (الحلولية ( يُلاحَظ أن الرؤية الاستقطابية للواقع، والتأرجح بين الأنا المقدَّسة من جهة وبقية العالم (الطبيعة وبقية الجنس البشري) من جهة أخرى، وبين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع، وبين الصلابة والسيولة، وبين الذاتية والموضوعية، وبين الحرية والجبرية، هي إحدى سمات الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والرؤية الحلولية الكمونية. والجماعة الوظيفية ترى نفسها مقدَّسة (شعب مختار) مقابل الآخر المباح، وترى نفسها حركية مقابل الآخر الساكن، وهي تعرف أسرار الوظيفة مقابل الآخر الذي يجهلها. ورغم الاستعداد الكامن للعلمنة لدى أعضاء الجماعات الوظيفية، ورغم أنهم من أكفأ الناقلين لأفكار التحديث والعلمنة والحوسلة والتعاقدية، فإن موقفهم من عملية التحديث والعلمنة مزدوج ومبهم. فهم من قطاعات المجتمع الأولى التي تم نزع القداسة عنها، إذ تم تجريدهم وتحويلهم إلى عنصر موضوعي نافع بسيط ذي بُعد واحد، وهم لا يدينون بالولاء للمجتمع ولا يضربون بجذورهم في أرضه أو تاريخه، ولذا فإن إحساسهم بحرمة التقاليد أو خوفهم من الإخلال بالقيم السائدة ضعيف جداً إما لجهلهم أو لعدم اكتراثهم بها. كما أن إحساسهم بتركيبية الواقع التاريخي تكاد تكون منعدمة. وقد يكون مما له دلالة في هذا السياق أن نشير إلى شخصية مثل محمد علي، فقد قدم إلى مصر ضمن جماعة وظيفية قتالية (الألبان أو الأرناؤوط) ونظر إلى مصر نظرة محايدة فلم يكن يعرف لغة أهلها ولا تقاليدهم. ولكنه، مع هذا، أدرك إمكانات مصر ومدى نفعها، فاستولى على الحكم وبدأ واحدة من أسرع عمليات التحديث والعلمنة في العصر الحديث. كما أن كمال أتاتورك كان شخصية هامشية في مجتمعه، فقد جاء، هو وكثيرون ممن قاموا بثورة تركيا الفتاة، من سالونيكا، وهي بلدة كانت تُعدُّ عاصمة ليهود الدونمة. ولا يهم ما إذا كان أتاتورك يهودياً باطنياً أم لا، ولكن المهم أنه، شأنه شأن محمد علي، شخصية هامشية تنظر للمجتمع نظرة موضوعية محايدة باعتباره مادة تُوظَّف. ولابد من الإشارة هنا إلى أن الثورات التحديثية تقوم بها عادةً قطاعات من النخبة العسكرية والثقافية أعيد إنتاجها على هيئة جماعات وظيفية. ولكن لا توجد قاعدة ثابتة، إذ أن طبيعة التكوين الثقافي لأعضاء الجماعة الوظيفية، وطبيعة علاقتهم بالنخب الحاكمة والمجتمع ككل، قد تجعلهم يقفون ضد عمليات التحديث والعلمنة رغم أنهم يحملون أفكارها ويجسدونها في المجتمع. فعلى سبيل المثال، لعب اليونانيون والإيطاليون في المجتمعات العربية دوراً تحديثياً مهماً، تماماً كما فعل بعض أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن هذا يختلف عن وضع المماليك والإنكشارية في المجتمع المصري والعثماني حيث وقفوا ضد محاولات التحديث، تماماً كما فعل البعض الآخر من أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات الغربية أيضاً. وقد لعبت بعض الجماعات الوظيفية اليهودية دوراً تحديثياً في مرحلة تاريخية (إنجلترا وفرنسا حتى القرن الثامن عشر) ، ثم أصبحت (مع تَصاعُد وتيرة التحديث) عنصراً رجعياً مرتبطاً بالنظام القديم؛ وجودها نفسه مرتبط بالتركيبة التقليدية للمجتمع. ومن الملاحظ أن الاقتصاد الجديد الذي يساهم في تطويره بعض أعضاء الجماعات الوظيفية قد يلفظهم بشكل بنيوي، كما أن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي ساهم بعضهم في إنشائها تستبعدهم، لأنهم ينتمون بحكم بنية العلاقات إلى المجتمع التقليدي. وهذا ما حدث مثلاً في مصر بالنسبة لليونانيين وغيرهم من الجماعات الوظيفية التجارية، فقد كانوا من أكثر القطاعات الاقتصادية تقدماً فأدخلوا طرقاً جديدة في الإدارة واستصلاح الأراضي. ولكنهم، مع تَصاعُد وتيرة التحديث، وتَولِّي العناصر القومية للحكم وقيامها بعمليات التمصير، سقطوا "ضحية" هذه العملية إلى أن اختفوا تماماً. والشيء نفسه يحدث حينما تبدأ بنية المجتمعات التقليدية في التآكل، فتبدأ عملية التحديث وتضطلع الدولة القومية المركزية الحديثة بكل مهام الجماعة الوظيفية عن طريق مؤسسات مختلفة: يحل الجيش النظامي محل المرتزقة والمليشيات الخاصة، وتحل المصارف والشركات محل الجماعات التجارية، وتحل المصانع محل جماعات الحرفيين، وتتم إدارة هذه المؤسسات وتزويدها بالعمالة اللازمة من خلال عناصر الأغلبية أو الأقلية أو عناصر من بين الوافدين والسكان الأصليين وتقوم بتدريبهم على كل المهام والوظائف والحرف دون اكتراث باعتبارات اللون أو الجنس أو الدين، وهذا جزء من عملية الترشيد العامة التي تقوم بها الدولة القومية المركزية العلمانية، وهي عملية تتم على جميع المستويات؛ فيتم توحيد السوق المحلية بحيث يصبح خاضعاً للعرض والطلب وحسب، ويتم ترشيد العمالة البشرية فيفقد الإنسان أية قداسة أو رهبة أو خصوصية، ويصبح الجميع مادة بشرية نافعة دون أي تمييز بين المقدَّس والمباح، ويتم ترشيد الإنسان من الداخل فيقبل أن يجرد نفسه ويستجيب بحماس لأهداف مجردة غير إنسانية (التراكم الرأسمالي ـ مصلحة الدولة) . ومع تَزايُد عمليات حوسلة أعضاء المجتمع وسيادة العلاقات الحيادية، تفقد الجماعة الوظيفية وظيفتها وحدودها الواضحة ويبدأ المجتمع في التخلص منها. ويتم هذا عادةً إما بالتدريج حين يتحول أعضاء الجماعة الوظيفية إلى أعضاء في الطبقات الصاعدة، كما حدث ليهود إنجلترا في القرن الثامن عشر، وكما حدث لطبقة الساموراي في اليابان حين أصبح أعضاؤها هم أنفسهم الرأسماليون الجدد. وقد يُطرَد أعضاء الجماعة الوظيفية كما يحدث للعرب في بعض بلاد أفريقيا. وقد يُبادون تماماً كما حدث للمماليك في مصر ولليهود في ألمانيا. وقد تتم عملية التصفية من خلال عدة آليات مختلفة كما حدث للجماعة الوظيفية اليونانية في مصر، فقد طُرد بعضهم وهاجر البعض الآخر واستقر الباقون في مصر وانصهروا في شعبها. المجتمعات العلمانية والعلاقات الوظيفية (التعاقدية ( ثمة علاقة بين سمات الجماعة الوظيفية (التعاقدية ـ الغربة والعزلة والعجز ـ الانفصال عن الزمان والمكان والإحساس بالهوية الوهمية ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية ـ الحركية ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع) والرؤية المعرفية العلمانية. ونحن نذهب إلى أن المجتمع العلماني الحديث يستند إلى فكرة القانون الطبيعي/المادي والتعاقد ومبدأ المنفعة (واللذة) . وتظهر الدولة القومية العلمانية المركزية التي تضطلع بدور الجماعة الوظيفية وتقضي على كل الجماعات والمؤسسات الوسيطة والجماعات الوظيفية وتحوِّل كل أعضاء المجتمع إلى مواطنين يتم توظيفهم وحوسلتهم لصالح الدولة القومية ولأي هدف يقرره القائمون عليها، ومن ذلك تحقيق المنفعة واللذة لأعضاء المجتمع. ولذا، يتحول كل البشر إلى بشر وظيفيين يشبهون، في كثير من الوجوه، المتعاقدين الغرباء الذين لا تربطهم علاقات جوانية تراحمية وإنما يدخلون في علاقات رشيدة محسوسة. ولعل هذا هو مصير الإنسان العلماني الذي يُعمل عقله في كل شيء وينزع القداسة عن كل شيء (وضمن ذلك ظاهرة الإنسان ذاته) فيَرُدّ كل الظواهر والأشياء إلى المبدأ المادي الواحد ويحطم كل العلاقات الكونية ويخضعها للتفاوض والترشيد المادي المتزايد، فتختفي كل الأسرار ويصبح العالم عارياً تماماً ونصبح كلنا غرباء متعاقدين: نتوهم أننا نعرف كل شيء ونتحكم في كل شيء، فتزداد غربتنا وتعاقديتنا بسبب ازدياد تَحكُّمنا أو تَوهُّم مثل هذا التحكم. وحين يزداد تَحكُّمنا في الواقع، سنحاول إعادة إنتاجه كله مستخدمين عقولنا المحايدة على هيئة مادة متجانسة وحداتها متشابهة، بحيث لا يصبح الحب شيئاً آخر غير الجنس، والترابط ليس سوى الدوافع الاقتصادية، والمشاعر السامية ليست إلا تفاعلات كيماوية معروفة ومفهومة ومحسوبة ستكون في المستقبل مضبوطة ومحكومة تماماً مع تقدُّم العلم، وبذا يجابهنا عالمنا إما كغابة من الدوافع الدنيئة الواضحة أو كعدد هائل من المعادلات الرياضية الأكثر وضوحاً. وعلى كلٍّ، فإن هذا هو ميراث عصر الاستنارة: أن يكون هناك قانون واحد للإنسان والطبيعة وألا تكون هناك استثناءات أو فراغات. والجماعة الوظيفية في عزلتها وعلاقتها التعاقدية، وحساباتها الدقيقة، كانت قريبة جداً من هذه الحالة. ولذا، ليس من الغريب أن تصبح هي النموذج الكامن الذي يأخذ في الانتشار. ويمكن أن نضع يدنا على بعض آليات تحويل الإنسان التراحمي (أو الإنسان الرباني متعدد الأبعاد) إلى إنسان تعاقدي وظيفي علماني ذي بُعد واحد (طبيعي مادي) ، إنسان متشيِّئ يشبه عضو الجماعة الوظيفية. 1 ـ ثورة التوقعات المتزايدة: لعل أهم هذه الآليات ثورة التطلعات المتزايدة، فهذه الثورة أساسها أن الإنسان مجموعة من الرغبات (المادية) التي لا تُشبَع وأن النمو مرتبط تماماً بهذا الافتراض. ومهمة هذه الثورة هو تصعيد توقعات الإنسان وتطلعاته وترشيده في اتجاه الإفصاح عنها من خلال قنوات مادية حتى لا يتطلع إلى الآخرة أو الروحانيات أو أية أمور مركبة أخرى غير خاضعة للقياس أو التحكم، ويظل تَطلُّعه متجهاً دائماً إلى تعظيم المنفعة واللذة من خلال الحصول على مزيد من السلع، وهي سلع لا يستطيع الحصول عليها إلا بمزيد من العمل وبذل الطاقة، أي أنه لابد أن يُحوسِّل نفسه، أي يتحول إلى إنسان وظيفي حركي غير منتج (مجرد) ينظم استهلاك نفسه ليُولِّد أكبر قدر من الطاقة يحصل مقابله على أكبر قدر ممكن من السلع والخدمات حتى يمكنه إشباع رغباته. ولكن الرغبات متجددة متطورة (أو بالأحرى يتم تجديدها وتطويرها دائماً) . ولذا، يصبح التَحوسُل حالة نهائية ورؤية للكون، وتظهر التعاقدية والوظيفية والتَشيُّؤ. ويساعد على هذا أن ثورة التطلعات نفسها، من خلال آليات مختلفة، ولا سيما استخدام الدافع الجنسي، تحطِّم كل المؤسسات الوسيطة (مثل الكنيسة أو الأسرة الممتدة) التي تشجع التراحم والترابط، الأمر الذي يترك الفرد وحيداً أمام الدولة ووسائل الإعلام التي تُعمِّق عملية الحوسلة وتجعلها حالة نهائية مقبولة: جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة البشرية! 2 ـ النماذج البشرية الوظيفية والأحلام المستحيلة: يُلاحَظ في المجتمعات العلمانية الحديثة الترويج لنماذج بشرية مختلفة يَكمُن وراءها نموذج الإنسان الوظيفي، أحادي البُعد، الذي تم اختزاله إلى مبدأ واحد وتم تجريده من كل خصائصه الإنسانية المركبة المُتعيِّنة بحيث يمكن تعريفه في إطار وظيفته التي يضطلع بها. ففي النظم الاشتراكية، كان هناك دائماً بطل الإنتاج الذي كانت كفاءته وإنتاجيته تفوق كفاءة وإنتاجية أي إنسان سويّ، فهو إنسان تَوحَّد تماماً مع وظيفته وأصبح إنساناً وظيفياً يكتسب معنى وجوده من الكم الذي ينتجه من سلع. أما في المجتمعات الرأسمالية، فقد ظهرت أسطورة الإنسان العصامي الذي يصعد من الأسمال إلى الثروة الرأسمالية. وهذا العصامي هو إنسان نجح في ترشيد حياته تماماً في إطار الربح الاقتصادي والتراكم الرأسمالي، فراكم الثروات الهائلة وقمع ذاته تماماً. ويُلاحَظ أن الشخصية القدوة هنا شخصية مستحيلة من الناحية الإنسانية، ومع هذا يستمر الترويج لها مع عدم ذكر أي شيء عن التكلفة النفسية والأخلاقية لعملية اختزال الإنسان إلى وظيفة. والحلم الأمريكي تعبير عن نفس الظاهرة، فهو حلم مستحيل بالنسبة للغالبية الساحقة من الشعب الأمريكي، ومع هذا فإن أجهزة الإعلام تروج له، كما تروج لمعدلات كفاءة الأداء التي لا علاقة لها بالإمكانيات الحقيقية للإنسان وإنما تتجاوزها، وتفترض إنساناً بلا أسرة ولا أبناء ولا جيران، إنساناً متجرداً مما هو إنساني. وتُلاحَظ الظاهرة نفسها داخل قطاع اللذة، مع اختلاف طفيف. فالشخصية التي تُقدَّم كقدوة، هي شخصية كانت هامشية في المجتمعات التقليدية ولكنها تصبح شخصية رئيسية في المجتمع الحديث. ففي المجتمعات التقليدية، كان لاعب السيرك والمهرج والغانية شخصيات لها وظيفة محددة، ولكنها كانت تُهمَّش دائماً، فهي شخصيات متحوسلة تُعرَّف في ضوء وظيفتها، ولذا كانت تُعَزل عن المجتمع بأسره. أما في المجتمع الحديث، فقد أصبحت هذه الشخصيات كثيرة ومركزية، وأُعيدت صياغة الهرم الوظيفي بحيث أصبحت هذه الشخصيات الوظيفية المجردة في قمة الهرم. ولنأخذ المقابل الحديث للمهرج أو لاعب السيرك وهو الرياضي: المفترض أن الرياضة شكل من أشكال اللعب والتسلية، ولكنها تفقد مضمونها هذا وتصبح نشاطاً مركزياً يخضع لعملية ترشيد كاملة وتتبعها عملية تسويق، ويتم تجريد الرياضي تماماً من إنسانيته بحيث يصبح لاعباً وحسب (واحدية وظيفية) يكرس جل وقته للتمرين ويخضع لتدريبات قاسية ليحقق معدلات في الكفاءة والأداء غير إنسانية. ويتوحد كل الشباب والصبية مع هذه الشخصية المجردة، هذا النشاط الرياضي المحض الذي لا علاقة له بأية إنسانية متعينة. ويمكن أن نقول الشيء نفسه بشأن ملكات الإغراء الجنسي (بالإنجليزية: سكس كوينز sex queens) ، إذ يتم تجريدهن تماماً من إنسانيتهن ليصبحن جسداً محضاً (واحدية وظيفية) تماماً مثل الرياضي، ويُروَّج لهذا الجسد ويُنشَر في كل مكان. وهو يطرح معدلات للجاذبية الجنسية تتجاوز كثيراً أية معدلات إنسانية، فملكة الإغراء قد تكرس حياتها لجسدها وللحفاظ عليه ولإبراز مفاتنه، وهكذا. وتُعَد شخصية البلاي بوي المعادل الذكوري لملكة الإغراء، فهو يستهلك النساء والسلع بكفاءة عالية جداً تتجاوز كفاءة واحتياجات أي إنسان عادي. ويحلم الرجال والنساء بملكات الإغراء والبلاي بوي الذين يصبحون معياراً تُقاس به الأمور ومبدأ واحداً يُرد إليه الكون، الأمر الذي تنجم عنه عمليات تجريد غير إنسانية للذات، فهذا المعيار ليس مستمداً من أي كيان إنساني حقيقي. وعلى كلٍّ، فإن هذا ليس مستغرباً على حضارة حققت معدلات من التقدم والاستهلاك غير إنسانية لأن تكرارها مستحيل، ولذا فهي تطرح أحلاماً مستحيلة على الجميع لا يمكن تحقيقها ولكنها تجعل البشر قادرين على السعي نحوها، وفي سعيهم هذا يتحولون بصورة كاملة إلى مادة وظيفية، ويتراجع العنصر الرباني والتراحمي فيهم ويظهر الإنسان الطبيعي/المادي الوظيفي التعاقدي. 3 ـ الانتقال والهجرة (الترانسفير ( من أهم الآليات الأخرى لتحويل الإنسان التراحمي إلى الإنسان التعاقدي الوظيفي، الانتقال والهجرة، إذ أن الإنسان المقتلع من زمانه ومكانه، أي من تاريخه ووطنه، هو إنسان يُردُّ إلى حاجاته المباشرة ويصبح البقاء بالنسبة له هو الهدف الأوحد، وتصبح الوظيفة آلية البقاء الأساسية. والعصر الحديث هو عصر الهجرات والانتقال (والترانسفير) . وينطبق هذا على الحضارة الغربية الحديثة بشكل كامل، فهي تشكيل حضاري يستند إلى فكرة أن الإنسان مادة محضة يمكن نقلها وتوظيفها بشكل كفء. وقد بدأت هذه الحضارة بما يُسمَّى «حركة الاستكشافات» ، أي انتقال بعض العناصر البشرية الغربية لاستكشاف أماكن جديدة والاستيلاء عليها. وقد كانت هذه الأماكن الجديدة، من منظور غربي، أماكن لا تاريخ لها، ومن ثم فهي مجرد مكان يُوظَّف، والسكان الأصليون كانوا مجرد مادة بشرية خاضعة للتوظيف أو الإبادة. وتتبع ذلك عملية الاستيلاء. وقد تم ذلك عن طريق نقل كتلة بشرية من العالم الغربي إلى هذه الأماكن الجديدة، وتم توظيفها بدرجة عالية من الكفاءة. وهذا هو ما يُسمَّى «التشكيل الاستيطاني الاستعماري الغربي» الذي حقق إنجازاته الضخمة بسبب حركية العنصر البشري المزروع في البيئة الجديدة، فهو لا يحمل أية أعباء تاريخية أو أخلاقية أو مطلقات، اللهم إلا الديباجات اللازمة للقيام بعملية الإبادة (عبء الرجل الأبيض) . ثم نُقلت بعد ذلك مادة بشرية من أفريقيا السوداء حتى يمكن توظيفها في المزارع وفي كل الأعمال اليدوية والشاقة. وكانت هذه المادة البشرية على درجة عالية من الكفاءة لأن أفريقيا تتكون من تشكيلات حضارية جميلة صغيرة ولم تتمتع بفترات طويلة من حكم الإمبراطوريات المركزية القوية، ولذا فقد كان الأفارقة يتحدثون مئات اللغات ويؤمنون بمئات العقائد. وحينما تم نقلهم، لم يحدث بينهم تَواصُل وبدأوا يفقدون لغتهم الأصلية وتراثهم الحضاري، ولم يكتسبوا اللغة الإنجليزية ولم يتملكوا ناصية الخطاب الحضاري الغربي لعدة سنوات، بل لم يكن يُسمَح لهم في بادئ الأمر بالانخراط في الكنائس المسيحية، وذلك حتى يظلوا مادة وظيفية محضة. وحينما تنصروا، أصبحت لهم كنائسهم الخاصة، أي أن الكنائس أصبحت أدوات عزل لا أدوات دمج، فظلوا غرباء متعاقدين رغم مرور عشرات السنين على استقرارهم في الأرض الجديدة، ورغم أنهم فقدوا علاقتهم تماماً بالوطن الأصلي. ومازالت حركة الهجرة مستمرة في العالم، سواء من أوربا إلى أمريكا أو من العالم الثالث لأوربا وأمريكا. والآن، نشاهد هجرة شعوب شرق أوربا (ومن بينها يهود الجمهوريات السوفيتية سابقاً) . كما أن حركة السياحة الضخمة التي تضم الملايين هي جزء من نفس النمط، بل يمكن القول بأن الإنسان الحديث، لا سيما الإنسان الغربي الحديث، إنسان مهاجر دائماً مقيم مؤقتاً، علاقته واهية بالزمان والمكان، ولعل من أهم آليات زيادة الحركة تحويل المنزل إلى عملية استثمارية، فيعيش الإنسان في منزله وهو يفكر في بيعه، ومن ثم لا يضرب جذوراً في أي زمان أو مكان ويصبح وطنه الحقيقي هو منفعته ولذته. فالهجرة والحركة سمة بنيوية في الحضارة الغربية الحديثة وهي إحدى أهم آليات تفتيت أواصر القربى والتراحم وتعميق عدم الانتماء وعدم الاتزان وعدم الاستقرار، الأمر الذي يزيد قابلية المرء للتحوسل ويزيد إنتاجيته (على الأقل في المراحل الأولى) بشكل مدهش. 4 ـ ازدياد عدم الطمأنينة: في الماضي كانت كل المجتمعات تهدف إلى إدخال قدرٍ معقول من الطمأنينة على أفرادها حتى يمكنهم الاستمرار في حياتهم اليومية، على خلاف المجتمعات الحديثة التي لا تهدف إلى إدخال الطمأنينة بقدر ما تحاول أن تولِّد الإحساس بعدم الاستقرار وعدم الانتماء لدى الفرد حتى تتصاعد درجة حرارته ويزيد عدم اتزانه وشكوكه وتربصه بمن حوله ومقدرته على التنافس، فتزداد حركيته ومن ثم إنتاجيته واستهلاكيته، وتزداد معدلات التقدم (الهدف النهائي من الوجود في المجتمعات العلمانية) . فالإنسان المطمئن المستقر الذي يعيش داخل شبكة من العلاقات التراحمية هو ولا شك أقل إنتاجية وإن كان أكثر اتزاناً، أما الإنسان غير المتزن فهو شخصية إمبريالية تُحوسل ذاتها وتُحوسل الآخر والعالم. 5 ـ تفكيك الأسرة: يمكن القول بأن الأسرة أهم المؤسسات التي تُدخل الطمأنينة والسكينة على قلب الإنسان، وهي الإطار الذي يتعلم فيه الإنسان كيف يصبح كائناً اجتماعياً مركباً، عضواً في الجماعة وفرداً منفرداً في الوقت نفسه، ذلك لأن العلاقات داخل الأسرة علاقات مادية اجتماعية مفعمة بالحب والمودة. والمجتمعات العلمانية تضرب كل المؤسسات الوسيطة (وأهمها الأسرة) وتفكِّكها حتى أصبحت الأسرة (كمؤسسة) لا تختلف عن بقية المجتمع: مكاناً للصراع والتناحر لا المأوى الذي يهجع إليه الإنسان. فالجميع داخل الأسرة الحديثة لهم علاقة بالسوق، فالأب يعمل والأم تعمل، وفي الدول المتقدمة يعمل الصبية أيضاً. وقد أصبحت الأسرة ترتيباً مؤقتاً، فحين يصل الأطفال إلى سن السادسة عشرة، فإنهم يتركون المنزل، وحينما يصل الآباء إلى سن التقاعد فإنهم ينتقلون إلى بيوت المسنين. وفي أغلب الأحيان، يعيش أعضاء الأسرة في منزل سيتركونه بعد عدة سنوات إما لتحقيق الربح (فهو الاستثمار الأكبر لأعضاء الطبقات المتوسطة في الغرب) أو من أجل الانتقال إلى مكان آخر للحصول على فرص عمل أفضل وتحقيق الحراك الاجتماعي. أما احتمال أن تنحل هذه الأسرة نفسها من خلال الطلاق احتمال قوي جداً (60 %. واحتمال تكوين أسرة لا يرتبط أعضاؤها برباط مباشر (زوج وأطفال من زواج سابق مع زوجة وأطفال من زواج سابق ... إلى آخر التنويعات التي ذكرناها في مدخل «الترانسفير» ) ، فقد أصبح عالياً بشكل مذهل. وفي واقع الأمر، فإن كل هذا يعني مزيداً من التمركز حول الذات ومزيداً من الإحساس بالعزلة ومزيداً من الانغماس في الآليات اليومية المادية التي تقضي على الدفء والحب والمودة والتراحم. ويُلاحَظ أن العلاقة الزوجية، هي الأخرى، تنضوي تحت النمط الحركي التعاقدي الوظيفي نفسه. وقد أشرنا إلى ارتفاع معدلات الطلاق، ويمكن أيضاً أن نشير إلى ظهور علاقات تعاقدية بين الذكر والأنثى تحل محل علاقة الزواج، فالزوجة في الإطار التقليدي شريكة جوانية في السراء والضراء، ولكنها في الإطار العلماني الوظيفي الرشيد تصبح رفيقة برانية تتواجد ما دامت تؤدي وظيفة: تحقيق اللذة والمنفعة وحسب (تماماً مثل السكرتيرة أو العشيقة أو المضيفة) . ومن هنا، بدأت تتزايد ظاهرة التعايش (بالإنجليزية: كوهابيتيشانco-habitation) ، أي أن يتعايش شخصان معاً فترة من الزمان (تتراوح طولاً أو قصراً حسب الظروف) دون أن يتزوجا، فالتعايش يعني الحركية والتعاقدية والنفعية (ومن ثم العزلة والغربة) بحيث يكون متاحاً لأي طرف في العلاقة أن يقطعها بشكل هادئ ومحايد إن ثبت له أنها لم تعد تأتيه بالمنفعة أو اللذة (على عكس العلاقة الزوجية التي يجب أن تستمر في السراء والضراء) ، أي أن كل طرف في العلاقة يُحوسل الطرف الآخر ويعرِّفه في ضوء وظيفته ونفعه وكأنه عضو في جماعة وظيفية! 6 ـ النسبية المعرفية والأخلاقية: قد يكون تَزايُد معدلات النسبية المعرفية والأخلاقية من أهم آليات تحويل الإنسان الرباني إلى إنسان وظيفي تعاقدي. فمع اختفاء القيم الأخلاقية المتجاوزة لذات الإنسان، يتمركز الإنسان حول ذاته ويصبح هو المعيار الأوحد، وهو ما يؤدي إلى ظهور إرادة القوة وإنسان نيتشه والحرية الكاملة. ولكن تمركزه حول ذاته دون وجود منظومات معرفية وأخلاقية تحظى بقبول المجتمع ككل، ومع ظهور فكرة القانون الطبيعي/المادي العام الذي يتجاوز كل الغائيات الإنسانية ولا يمكن تجاوزه، فإنه ينتهي إلى أن يفقد ذاته ويتمركز حول الموضوع ويقع ضحية لأية منظومة أخلاقية قوية سائدة، فيُذعن لكل ما يَصدُر إليه من أوامر، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور أخلاقيات التكيف البرجماتي والإنسان البيروقراطي والجبرية الكاملة. وهذا هو الاستقطاب بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع الذي يسم المنظومات الحلولية الكمونية، وضمن ذلك العلمانية، بميسمه. 7 ـ الهجوم على الطبيعة البشرية: لعل الهجوم على الطبيعة البشرية، كمرجعية نهائية للإنسان، من أهم آليات تحويل رؤية الإنسان لنفسه بحيث يرى نفسه مادة وظيفية (انظر: «فشل النموذج المادي في تفسير ظاهرة الإنسان» ـ «العقلانية المادية واللاعقلانية المادية» (. 8 ـ عمليات الترشيد المادية: ) انظر: «الترشيد في إطار العلمانية الشاملة [العقلانية التكنولوجية أو المادية [» ( لكل ما تقدَّم، تَحوَّل الإنسان في المجتمعات العلمانية إلى ما يشبه عضو الجماعة الوظيفية: إنسان متحوسل حركي منعزل مغترب لا وطن له، إنسان ذي بُعد واحد متمركز حول ذاته متكيف مع الواقع وتسيطر عليه شبكة من العلاقات التعاقدية الصارمة التي تُحوِّله إلى مادة متسلِّعة مُتحوسلة (ظاهره مثل باطنه) . ولعل هذا ما عناه ماكس فيبر حينما تحدَّث عن أن زيادة عملية الترشيد، أي إخضاع كل العلاقات، وضمنها العلاقات الإنسانية، إلى حسابات دقيقة تنتهي بنا إلى تحويل العالم بأسره إلى حالة المصنع الذي سيفضي بنا إلى القفص الحديدي التعاقدي، حيث لا تراحُم ولا دفء وإنما حسابات دقيقة باردة، وهذه هي نفسها عملية «تهويد المجتمع» على حد قول ماركس. أشكال جديدة من الجماعات الوظيفية فى المجتمعات الحديثة بيَّنا أن المجتمع العلماني الحديث (المبني على القانون الطبيعي/المادي والتعاقد ومبدأ المنفعة واللذة) تظهر فيه الدولة القومية العلمانية المركزية التي تضطلع بأدوار ووظائف الجماعات الوظيفية، فتقوم هي بتوظيف وحوسلة كل أعضاء المجتمع. ومع هذا، يمكن القول بأن الجماعات الوظيفية لم تختف تماماً رغم سيادة العلاقات الوظيفية وإن كانت تختلف درجات الحوسلة من حيث حدتها، كما أن درجات التحييد والموضعة تكون متفاوتة، ولذا تأخذ الجماعات الوظيفية أشكالاً جديدة أقل تبلوراً وأكثر كموناً. وقد بيَّنا أيضاً أن أعضاء الجماعات الوظيفية يتسمون بمعظم سمات الجماعات الوظيفية، ولكن من النادر أيضاً أن نجد جماعة وظيفية نماذجية تتسم بكل سمات الجماعة الوظيفية. 1 ـ جماعات المهاجرين: ثمة اتفاق على أن أهم أشكال الجماعات الوظيفية في القرن العشرين هو جماعات المهاجرين الذين يتركزون في وظائف بعينها دون غيرها ويتخصصون فيها ثم يحتكرونها. وموقف المجتمع منهم لا يختلف كثيراً عن موقف المجتمع التقليدي من جماعات الغرباء المتعاقدين. ولكن لابد من الإشارة إلى أن وضع هذه الجماعات من المهاجرين يتسم بالسيولة إذ أن الدولة القومية الحديثة تحاول دمجهم ولا تُوصد دونهم باب أية وظائف. كما أن مؤسسات الدولة متغلغلة في كل مجالات المجتمع، ولذا فإنهم إما أن يختفوا تماماً أو تبقى أصداء باهتة لأصولهم الإثنية والوظيفية كما حدث لكثير من جماعات المهاجرين في الولايات المتحدة، مثل الأيرلنديين واليهود واليابانيين. ومع هذا، تُوجَد جماعات من المهاجرين يحاول المجتمع أن يعطيها صفة المقيم الدائم المؤقت ولا يطلب ولاءها، بل يبذل قصارى جهده لعزلها وتحويلها إلى جماعة وظيفية على الطريقة التقليدية. ومن أهم الجماعات الوظيفية التي تتبع هذا النمط المهاجرون من العالم الثالث الذين يقومون ببعض الأعمال المشينة التي تُسمَّى «العمل الأسود» في أوربا، مثل: جمع القمامة أو بيع الجرائد أو غير ذلك من المهن. وهي أعمال أساسية، ولكن المجتمعات الأوربية تكون مضطرة لاستيراد بعض العناصر البشرية الأجنبية للاضطلاع بها نظراً لأن العناصر المحلية تعاف القيام بها إما لضعف المردود المالي أو لأن المجتمع يعتبرها مشينة لسبب أو آخر. ومن أهم الجماعات الوظيفية المهاجرون الأتراك في ألمانيا، والمغاربة والجزائريون في إسبانيا وهولندا وفرنسا، والإيطاليون في سويسرا، والأسبان في إنجلترا. وفي تصورنا أن شرق أوربا قد تصبح مصدراً أساسياً للمادة البشرية اللازمة للاضطلاع بمهام الجماعات الوظيفية، التي قد تحل محل العناصر العربية والإسلامية في أوربا، فهم سلافيون (الأمر الذي يحقق قدراً لازماً من العزلة) ، ولكنهم مسيحيون غربيون (الأمر الذي يحقق قدراً من الألفة لوجودهم داخل المجتمعات المضيفة دون توليد توترات اجتماعية وثقافية تهدد نسيج المجتمع) . 2 ـ المتعاقدون في البلاد العربية: يمكن أن نصنف العاملين الأجانب في دول الخليج (ممن يُسمَون «المتعاقدين» ) من العرب وغير العرب، المسلمين وغير المسلمين، كجماعات وظيفية من المتعاقدين الغرباء والمقيمين الدائمين والمؤقتين، يحرص المجتمع على عزلهم والاحتفاظ بهم على مسافة تختلف طولاً وعمقاً باختلاف المجتمع ووظيفة المتعاقد. فإن كان المتعاقد في أعلى السلم الاجتماعي والوظيفي، حاول المجتمع أن يختزل المسافة، ولكنه مع هذا يبقيه خارج المجتمع. ومما يساعد على ذلك أن المتعاقد نفسه يحاول الاحتفاظ بالمسافة ويبرز انتماءه الإثني الأصلي. أما إذا كان المتعاقد في أدنى السلم، فإن المجتمع يجعل المسافة أطول والثغرة أعمق، ويكون هذا عن طريق الأزياء فيرتدي عمال النظافة مثلاً زياً رسمياً ملوناً خاصاً بهم، ويصر سكان الخليج بدورهم على ارتداء الزي العربي التقليدي في بلادهم فهو يحقق المسافة بينهم وبين المتعاقدين العرب الذين يرتدون الزي الغربي (المصريون مثلاً) أو يرتدون الأزياء الخاصة بهم (السودانيون مثلاً) . كما يتم العزل عن طريق المناطق السكنية، فيُوطَّن عمال النظافة الآسيويون في معسكرات (جيتوات فقيرة) أما أساتذة الجامعة مثلاً، فيُوطَّنون في مساكن خاصة (جيتوات فاخرة) . وهناك رموز أخرى عديدة للإبقاء على المسافة، من بينها اللغة وأرقام السيارات وطريقة تَناوُّل الطعام ونوعه والإصرار على وجود " كفيل" خليجي حتى تظل المسافة واضحة، فالكفيل يوجد عادةً في قمة المجتمع أما المكفول فيعيش في أسفله. ويُلاحَظ أن المسافة في المملكة العربية السعودية أقل حدة بسبب إقامة الصلوات في مواقيتها إذ يفرض هذا جواً من التراحم والتساوي بين الجميع بشكل يتجاوز ما يمكن أن تفرضه الآليات الاجتماعية غير الواعية. هذا على عكس الوضع في الكويت، على سبيل المثال، حيث تأخذ عملية العزل شكلاً أكثر حدة وضراوة بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة في المجتمع. كما أن صغَر عدد السكان عادةً ما يزيد مخاوف أعضاء المجتمع المضيف من أن يكتسحهم المتعاقدون وأن يقوضوا هويتهم ويصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم. 3 ـ قطاع اللذة: وقطاع اللذة شكل جديد من أشكال الجماعات الوظيفية في العصر الحديث وهو جزء من قطاع تزجية أوقات الفراغ. ولفهم وضع هذه الجماعات، لابد أن نشير إلى أن النموذج العلماني للمجتمع يدور حول مفهومين أساسيين هما المنفعة واللذة، ولكن المفهومين متداخلان منذ البداية إذ أن ما يُدخل اللذة على أكبر عدد ممكن من الناس يُعدُّ خيِّراً ونافعاً. بل إن المنفعة واللذة يكادان يكونان مترادفين لأن كليهما عُرِّف داخل إطار المرجعية المادية. ومع هذا، يبدو أن جانب المنفعة العملية هو الذي ساد في الفترة التقشفية التراكمية الرأسمالية حتى نهاية القرن التاسع عشر، ثم بدأ جانب اللذة يسود بالتدريج في الفترة الاستهلاكية أو الفردوسية، إلى أن أصبح مفهوماً أساسياً وهدفاً أسمى للإنسان في المجتمعات العلمانية. وقد عُرِّفت اللذة بشكل حسي إلى أن أصبح العنصر الجنسي تدريجياً أساساً فيها. وقد نشأت الصناعات المختلفة للذة التي تهدف إلى إشباع الرغبات وإلى إثارتها في آن واحد، بل نجد أن عنصر اللذة بدأ يصبح عنصراً أساسياً في كثير من الوظائف العملية (إذ يُعرَّف نفع الوظيفة بمقدار إدخالها اللذة على المستهلك) . ويُلاحَظ أن قطاع الإعلانات في المجتمعات الاستهلاكية من أهم القطاعات التي تلتقي فيها المنفعة باللذة، ولذا يُستخدَم الجنس للإعلان عن سلع نفعية محضة ليست لها علاقة باللذة مثل صابون الحمام والسفر على الطائرة، وتُستخدَم أجمل الفتيات بأكثر الطرق إثارة للإعلان عن أكثر السلع نفعاً! وبعد أن كانت البغيّ في الماضي تقوم بإشباع اللذة بمعزل عن المنفعة، بدأت تظهر شخصيات أخرى تُعَدُّ تنويعات حديثة على شخصية البغي (تختلف في قربها وبُعدها عنها) تمزج المنفعة واللذة. ويمكن النظر إلى السكرتيرة الخاصة في المجتمعات الغربية المتقدمة كوريثة للبغي التقليدية بعد ترشيد دورها، فهي لم تَعُد تُقدِّم الخدمات الجنسية وحسب (اللذة) بل أصبحت تقدم خدمات فنية أخرى مثل الكتابة والاختزال والاتصالات التليفونية (المنفعة) . فالجنس، هنا، إن هو إلا جزء من كل، فالسكرتيرة تقدم خدمات شاملة للمدير، فهي بديل الزوجة والعشيقة والبغي دون أن تكون زوجة أو عشيقة أو بغياً، فوظيفتها تحقق المنفعة واللذة في آن واحد. والإصرار على العنصر التعاقدي الواضح، في هذه الحالة، يهدف إلى خلق مسافة بين السكرتيرة ومخدومها حتى يمكن ضمان سير العمل وحتى يتم ترشيد عنصر اللذة. والسكرتيرة ترتدي أزياء خاصة (جونيلات قصيرة ـ فساتين ذات صدر مفترح مثلاً) تبرز جاذبيتها الجنسية حتى يتلذذ مخدومها وزواره أثناء أدائها عملها، ولكن يجب ألا تكون ملابسها فاضحة حتى لا يتوقف سير العمل؛ إنها تمتع رئيسها وتكتب له على الآلة الكاتبة في الوقت نفسه. وعلاقة السكرتيرة الحسناء برئيسها تشبه، من بعض النواحي، علاقة المرتزقة بالنخبة الحاكمة، فهي تقوم على خدمته (نفعياً وحسياً) وتقترب منه (حرفياً ومجازياً) حتى يعتمد عليها، وقد تصل درجة الاعتماد إلى حد أنها قد تهيمن عليه، فهي تعرف كل أسراره (ومع هذا يُوجَد ما يُسمَّى «السكرتيرة التي لا تجيد الكتابة على الآلة الكاتبة» وهي تُعيَّن لجمالها وحسب، وتكون مصدراً للذة والمتعة فقط) ومن أهم التنويعات الحديثة على هذا النمط (حيث يصبح النفع الأساسي للوظيفة هو اللذة التي تمنحها للمستهلك) نجمات السينما، وخصوصاً ملكات الإغراء الجنسي (بالإنجليزية: سكس كوينز sex queens) . فالنجمة السينمائية هي العنصر الأساسي في استثمار ضخم هو صناعة الأفلام التي تهدف إلى إشباع رغبة المتفرجين في اللذة، ولذا تضع النجمة السينمائية نفسها (قلباً وقالباً، روحاً [إن كان هناك مثل هذا الروح داخلها] وجسداً) تحت تَصرُّف المجتمع: مخرج الفيلم ووسائل الإعلام والجمهور الذي يحلم بنجمته. ولذا، يتعين عليها أن تربي أردافها وأن تظهر دائماً في أحسن صورة وأكثرها خلاعةً وترتدي آخر الموضات. ولابد أن يكون الماكياج فاقعاً وكذلك الأصباغ وأن تعطي إشارات حسية واضحة (فالاحتشام يشوه صورتها الإعلامية التي يروج لها وكيل أعمالها) . كما يتعيَّن عليها ألا تظهر "على الطبيعة" وإلا أصبحت بشراً عادياً مثلنا وانفض المعجبون عنها (ولذا، نجد أن رؤية النجمة "على الطبيعة"، تُعدُّ دائماً مسألة نادرة تثير الدهشة وخيبة الأمل، وعادةً ما يُقال "إن النجمة فلانة عادية جداً في الحياة الواقعية"!) . كما أن حياتها الخاصة لابد أن تكون جزءاً من الصورة الإعلامية، تُوظَّف في خدمة النجومية. وحينما ترتكب فضائح أخلاقية، فهذه مسألة طريفة ومسلية. وتظهر مجلات كاملة مهمتها تزويد الجمهور بآخر الأخبار المسلية عن فضائح النجوم وزيجاتهم وطلاقهم ومغامراتهم وصورهم العارية وغير العارية، وهذه عملية حوسلة تعاقدية كاملة. وتُعَد المضيفة أيضاً استمراراً لنفس النمط، فمهمتها إسعاد الركاب لا مجرد خدمتهم. ولذا، فلابد أن تكون جميلة وصغيرة ولابد أن تكون أنثى (وكم ستكون خيبة أمل الركاب لو أن شاغل هذه الوظيفة ذكر له شوارب) ، ولابد أن تبتسم المضيفة للجميع وأن تكون ظريفة معهم ومع أولادهم وأن تقول في نهاية الرحلة ذات الهدف العملي النفعي (الانتقال من مكان لآخر) " أرجو أن تكونوا قد استمتعتم برحلتكم ". ومع هذا، لابد أن تظل العلاقة تعاقدية باردة، ولذا فهي ترتدي زياً يفصلها عن الركاب، كما ينبغي ألا تقضي وقتاً طويلاً مع راكب بعينه، أي لابد أن توزع وقتها بطريقة تعاقدية باردة (ولذا، فإن نصيب راكب الدرجة الأولى من وقت المضيفة يزيد عن نصيب راكب الدرجة الثانية) . ولعل ما يلخص الموقف هو العبارة الإنجليزية «كوفي، تي، نوت مي coffee, tea, not me» (أي: أطلب ما شئت، قهوة أو شاياً، وليس المضيفة نفسها) ، وفي رواية أخرى «كوفي، تي، أور مي coffee, tea, or me» (أي: أطلب ما شئت، قهوة أو شاياً، أو حتى المضيفة نفسها) . والمسألة على كلٍّ خاضعة للتفاوض، كما هو الحال في معظم العلاقات الوظيفية، فهي موجودة في بقعة رمادية، ولكن البنية الأساسية لهذه العلاقة تظل تعاقدية تماماً. وتنضوي العاملات في المطاعم والملاهي تحت نفس النمط حيث تختلط المنفعة باللذة. 4 ـ قطاع السياحة: ويمكننا أن نُصنِّف السائحين باعتبارهم جماعات من متعاقدين غرباء مؤقتين (يشبهون من بعض الوجوه العمالة المهاجرة إلى أوربا) يدعون أنهم يبحثون عن المنفعة (رؤية الأنا والتعرف على الآخر) ، ولكنهم في غالب الأمر باحثون شرهون عن اللذة (الملاهي الليلية ـ التجول في مجتمع الآخر المباح) . وطبيعة علاقة السائح بالمجتمع لا تختلف كثيراً عن علاقة الجماعة الوظيفية بالمجتمع التقليدي، فهي علاقة نفعية محايدة كل طرف فيها ينظر للآخر باعتباره مصدراً للنفع وشيئاً مباحاً. فالسائح يأتى للاستمتاع وحسب حتى لو أدَّى هذا إلى دمار المجتمع المضيف، والمجتمع يرحب بالسائح لا بسبب قيمته الإنسانية وإنما لأنه يحمل نقوداً ولأنه على استعداد لدفعها نظير المتعة التي سيحصل عليها، فالحسابات مادية غير أخلاقية. والسائح لا يدين بالولاء للمجتمع المضيف، كما أن المجتمع المضيف بدوره لا يُكن له أي احترام إنساني أو حب أو مودة. ولكن العلاقة التعاقدية هنا علاقة مؤقتة تماماً وليست جزءاً من بنية المجتمع، وإن كانت تؤثر فيه حينما يزيد عدد السائحين ويتضخم قطاع السياحة. 5 ـ النخب العسكرية: ويمكن القول بأن القطاعات العسكرية في كثير من دول العالم الثالث يُعاد إنتاجها على هيئة جماعات وظيفية ُجنِّد أعضاؤها من داخل المجتمع. ويتم عزل هذه الجماعات عن طريق المزايا والرموز المختلفة، بل يتم أحياناً عزل هذه الجماعات داخل أحياء سكنية متميزة تتمتع بعدد من الخدمات، وقد تُخصَّص مستشفيات ومدارس مقصورة على أعضائها وعلى أولادهم. وبعد إنجاز عملية العزل، يصبح للقطاع العسكري وقيادته "مصالح" مختلفة عن مصالح المجتمع، ومن ثم يكون بوسع هذه الجماعات أن تنظر لهذا القطاع بشكل محايد، ويكون بوسع القوى الأجنبية أو النخب الحاكمة أن تُوظِّف هذه الجماعات لصالحها. كما يمكن لهذه الجماعات أن تسيطر على المجتمع وتديره لصالحها وتصبح مثل المرتزقة والمتعاقدين الغرباء رغم أن خطابها السياسي قد يكون قومياً وثورياً واشتراكياً. 6 ـ النخب الثقافية والسياسية المرتبطة بالإمبريالية الغربية: يمكن أن يتحول بعض قطاعات النخب الحاكمة والمثقفين في العالم الثالث إلى جماعات وظيفية (عميلة) تعمل لصالح الإمبريالية أو النظام العالمي الإمبريالي الجديد. فهؤلاء يمكن استيعابهم من خلال الشبكة الاقتصادية والثقافية الضخمة (شركات متعددة الجنسيات ـ مؤسسات بحوث ـ مؤتمرات علمية ـ مشاريع بحثية مشتركة ... إلخ) . وهذه القطاعات يتم عزلها عن مجتمعاتها بحيث تصبح غريبة، فتكون داخلها ولكنها ليست منها. ويمكن أن تكون العزلة فعلية كأن يعيش أعضاء هذه القطاعات في منازل توجد على أطراف المدينة أو في أحياء خاصة ذات طُرُز معمارية معينة (عادةً غربية) أو يرتدون أزياء غربية ويتحدثون بالإنجليزية أو العربية المطعمة بالإنجليزية. كما أن شبكة المصالح العالمية تستوعبهم فتصبح مصالحهم الاقتصادية مرتبطة بالآلة العالمية وباستمرارها وباستمرار مؤسساتها الثقافية. ولكن العزلة يمكن أن تتم بشكل أكثر تبلوراً وتركيباً فتأخذ طابعاً نفسياً فيحس المثقف بالعزلة عن مجتمعه وبعدم التجذر فيه وبالغربة عنه، ويحس عضو النخبة السياسية بعدم الانتماء لبلده، كما أنهما ينظران إلى أهليهما نظرة دونية حيث يشعران بتخلف المجتمع الذي يعيشان فيه وبحاجته إليهما (مركب الشعب المختار) . كما أنهما يمارسان هذا الشعور عادةً بسبب إيمانهما بأيديولوجيا تُجسِّد نماذج معرفية وأخلاقية مستوردة متحيِّزة ضد واقعهما. ورغم أنهما قد يتحدثان بلغة بلدهما، إلا أن خطابهما السياسي يبدأ في التحول التدريجي حتى لا يفهمه سواهما ويصبح أداة للعزلة عن الجماهير لا للتواصل معها. ولا شك في أن أعضاء هذه الجماعة يتسمون بحركية شديدة. كل هذا يجعلهم كيانات مجردة وأدوات قمع في نظر مجتمعاتهم، تماماً كما أنهم لا ينظرون إلى مجتمعاتهم باعتبارها كيانات حية ينتمون إليها. فهم ينظرون إلى الفلاح الذي يرتدي جلبابه، مثلاً، باعتباره عبئاً لابد من التخلص منه ومشكلة تحتاج للحل. وهؤلاء المثقفون يشبهون في كثير من الأحيان يهود البلاط الذين كانوا يشكلون جماعة وظيفية تقف بين عالمين (عالم اليهود وعالم الأغيار) جماعة تتعامل مع كليهما بكفاءة دون أن تنتمي لأي منهما. ولذا، فإن أعضاء هذه الجماعة يعيشون في عدم طمأنينة، يحاولون إرضاء أسيادهم قدر استطاعتهم عن طريق الخضوع لقوانينه، ولكنهم في الوقت نفسه لا يمكنهم الانضمام له تماماً لأن وظيفتهم تتطلب منهم أن يطوروا مجتمعاتهم حتى يمكن إدخالها إلى النظام العالمي. ولكن شرعيتهم وقوتهم تظلان مستندتين إلى القوة الإمبريالية. وقد وصف أحد علماء الاجتماع يهود البلاط بأنهم "مخصيون لم يتم خصيهم" وهو وصف دال أيضاً لأعضاء النخب الثقافية والسياسية في العالم الثالث الذين تم إعادة إنتاجهم على هيئة جماعة وظيفية عميلة تخدم النظام الإمبريالي العالمي الجديد. ونحن نرى أن النظام العالمي الجديد ينطلق من إدراك الدول الغربية صعوبة المواجهة العسكرية والأيديولوجية الواضحة مع شعوب العالم الثالث (وخصوصاً الشعوب الإسلامية) ، وإدراكها أيضاً ظهور نخبة ثقافية محلية على استعداد كامل للتعاون معها والقيام على خدمتها، فقررت أن تلجأ إلى التفكيك الداخلي (من خلال النخبة المحلية العميلة) بدلاً من المواجهة المباشرة من خلال الجيوش وآليات الحرب التقليدية الأخرى. 7 ـ الدول الوظيفية: يمكن اعتبار الدول الاستيطانية إعادة إنتاج للجماعة الوظيفية في العصر الحديث، ولعل الدولة الصهيونية هي أهم مثل لذلك (انظر: «الدولة الصهيونية الوظيفية» ) . ولكن، يُلاحَظ في العصر الحديث أن الاستعمار الغربي يُحوِّل بعض الدول، وبخاصة الدول الصغيرة، إلى دول وظيفية تسير في فلكه وتخدم الاتجاه نحو العولمة. وتتم عملية التحويل هذه من دولة قومية إلى دول وظيفية، إما من خلال عملية رشوة لشعب هذه الدول، أو من خلال تحويل النخبة الحاكمة في دولة ما إلى جماعة وظيفية تعمل لصالح النظام الاستعماري الجديد. والدول الصغيرة ذات الموارد الطبيعية الضخمة هي المرشحة أكثر من غيرها لأن تكون دولاً وظيفية عميلة، فبنية هذه الدويلات (موارد ضخمة وكثافة بشرية ضعيفة) يجعلها في حالة صراع دائم مع جيرانها ولكنها تفشل في الوقت نفسه في الدفاع عن نفسها، ومن ثم لابد أن تعتمد على قوة عسكرية خارجية تدافع عنها وتضمن بقاءها فتتحول بالتالي، شاءت أم أبت، إلى دولة وظيفية عميلة، إذ يكون عليها أن تدفع ثمن بقائها وفاتورة الدفاع عنها. 8 ـ جماعات المهنيين: يميل بعض علماء الاجتماع في الغرب إلى وصف جماعات المهنيين (مثلاً الأطباء والمهندسين) بأنها إعادة إنتاج لنمط الجماعات الوظيفية في العصر الحديث. والله أعلم. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
جماعة يهودية وظيفية قتالية استيطانية (المرتزقة)
Jewish Military Settler Functional Group (Mercenaries) «الجماعة الوظيفية الاستيطانية» هي الجماعة البشرية التي تُستجلَب من خارج المجتمع أو تُجنَّد من داخله ثم تُنقَل من مكان إلى مكان آخر لتُوطَّن فيه بغرض أن تؤدي وظيفة محدَّدة ذات طابع قتالي عادةً، ولكن ليس ضرورياً أن تكون كذلك دائماً، فقد تكون ذات طابع زراعي أو تجاري، أو ذات طابع مُختلَط؛ زراعي قتالي، أو تجاري قتالي، أو زراعي تجاري، وهكذا. أما «الجماعة الوظيفية القتالية» فهي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بدور قتالي وحسب، فالجندي المرتزق هو الجندي الذي يُستجلَب من خارج المجتمع، أو يُجنَّد من داخله (عادةً من صفوف أقلية إثنية أو دينية معينة لها علاقة خاصة بالمجتمع) . وهو يقوم بالقتال من أجل المال بالدرجة الأولى، فالدوافع هنا يجب ألا تكون دوافع داخلية مركبة (الانتماء ـ حب الوطن ـ الانتقام) ، بل لابد أن يكون الدافع خارجياً بسيطاً وهو الربح المادي الذي يأخذ صورة أجر مادي عاجل ومباشر (راتب شهري) أو آجل (إقطاعية أو غيرها من العوائد المالية) . وكل من العنصر الاستيطاني والقتالي يشكل جماعة وظيفية، فهو عنصر متحرك غير منتم لا يدين بالولاء لأحد إلا لراعيه الذي يقوم بتمويله، وهو عنصر لا يُعرَّف من خلال سماته الإنسانية وإنما من خلال وظيفته، فهو وسيلة لا غاية، وأداة لا هدف، والمجتمع ينظر إليه من ناحية مدى نفعه ومدى احتياجه إليه، ويدخل معه في علاقة تعاقدية محايدة. والجندي المرتزق والمستوطن هما وسيلة من وسائل الإنتاج، أو بتعبير أدق إحدى أدوات الفتك التي تنظم علاقات الإنتاج وعملية توزيع الثروة لصالح من يسيطر على هذه الآلة أو الوسيلة. وعادةً ما يعيش الجنود المرتزقة، وكذلك أعضاء الجماعات الاستيطانية، على مقربة من أعضاء الأغلبية، ولكنهم مع هذا يظلون في عزلة عنهم فهم منبتو الصلة بالجماهير مرتبطون بالنخبة الحاكمة التي تسخرهم لمصلحتها، دون أن تخشى بأسهم أو تخاف من أن يقوموا بمحاولة المشاركة في السلطة أو القرار السياسي، فهم بلا قاعدة ولا شرعية ولا سلطات إلا ما يستمدونه من الراعي، وذلك على عكس المقاتلين من أعضاء الأغلبية، فهؤلاء عادةً ما يطالبون بنصيبهم في السلطة إن قويت شوكتهم، كما أنهم يستندون إلى قاعدة جماهيرية يستمدون منها الشرعية. وفي تقديرنا أن الجندي الذي يدافع عن وطنه ويتقاضى أجراً عن ذلك ليس بمرتزق، لأن دوافعه للقتال والاستيطان أكثر تركيباً من الجندي المرتزق، كما أنه أقل حركية لارتباطه بوطنه. والشيء نفسه ينطبق على المواطن الذي يرابط في مناطق حدودية دفاعاً عن الوطن، فهو مرتبط بوطنه ولا يتسم بأية حركية إلا في إطار رؤيته. وهنا يمكن أن تثار قضية الغارات التي يشنها البدو أو القراصنة على المدن والسفن من أجل الغنائم، أي من أجل الربح المادي، وهل يمكن اعتبارهم مرتزقة. ونحن نميل إلى عدم تصنيفهم كمرتزقة، فرغم وجود عنصر مشترك أساسي بين المرتزقة من جهة والبدو والقراصنة من جهة أخرى (الحركية والقتال من أجل المال) إلا أن هناك عنصراً أساسياً آخر غائباً في حالة الفريق الثاني وهو الراعي أو الحامي الذي يصدر الأوامر للعنصر المرتزق ويوجهه ويوظفه. ومن هنا تظهر مشكلة تصنيف المماليك، فقد تم استجلابهم كرقيق ليقاتلوا نظير أجر أو نظير التمتع بمستوى معيشي مرتفع. ولكنهم، بالتدريج، أصبحوا يقاتلون لصالح أنفسهم كجماعة إثنية مُستجلَبة مستقلة. ولتحديد الأمور، يمكننا أن نتخيل مُتصَلاً أحد أطرافه المجاهد الذي لا يقاتل إلا ابتغاء مرضاة الله والمقاتل الذي يموت من أجل الوطن أو العقيدة ولا يستهلك إلا ما يضمن له الاستمرار في الجهاد والقتال دون الحصول على أية مكاسب مادية، والطرف الآخر للمُتصَل هو المرتزق الذي لا يقاتل إلا ابتغاء الأجر، ويمكننا أن نضع بينهما الجندي الذي يدافع عن قضية ويأخذ أجراً ويحقق مكاسب مادية وطبقية تزيد عن حاجته، ثم نضع بعد ذلك المماليك بعد أن تحولوا إلى طبقة مقاتلة تقاتل من أجل زيادة مكاسبها وتدافع في الوقت نفسه عن الوطن (مصدر المكسب) . ويجيء بعد ذلك جماعات البدو والقراصنة الذين يشنون الغارات من أجل الربح، ثم يجيء أخيراً الجندي المرتزق. ويبدو أن كثيراً من المجتمعات (عبر التاريخ) نظرت إلى العبرانيين وإلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية استيطانية وقتالية. وهذا لا يعني أن سائر المجتمعات كانت تنظر إلى سائر العبرانيين وإلى الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان من هذا المنظور، كما لا يعني أنها كانت تنظر إلى اليهود فقط من هذا المنظور (إذ تُوجَد عناصر بشرية استيطانية وقتالية أخرى كاليونانيين على سبيل المثال) . ولا يعني هذا أيضاً أن اليهود بطبيعتهم مادة بشرية استيطانية وقتالية أو أن عندهم قابلية طبيعية ليصبحوا كذلك. فمن المعروف أن الغالبية الساحقة من العبرانيين ومن أعضاء الجماعات اليهودية لم تضطلع بأيٍّ من هاتين الوظيفتين. فالقضية، إذن، هي قضية مجموعة أو مجموعات من البشر عاشت تحت ظروف تاريخية اقتصادية وثقافية معيَّنة أدَّت إلى اضطلاع قطاعات منها بهذه الوظيفة. وما سنتناوله في هذا المدخل هو نمط تكرَّر بشكل لافت للنظر في عدد من المجتمعات في العالم القديم، ثم تكرَّر في بلاد الغرب بشكل أكثر وضوحاً في العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، وترجم نفسه في نهاية الأمر إلى وعد بلفور ثم إلى الدولة الصهيونية في العصر الحديث. ولكن الطبيعة الاستيطانية والقتالية للدولة الصهيونية (التي نسميها «الدولة الوظيفية» ) ، وهيمنة هذه الدولة على أذهان الغالبية الساحقة ليهود العالم في الوقت الحالي، يُكسب هذا النمط أو النموذج أهمية غير عادية ويضفي علىه مركزية لم يكن يتمتع بها من قبل. ومن ثم يصبح من اللازم لنا اكتشاف جذوره وسُبُل تَشكُّله في ماضي العبرانيين والجماعات اليهودية. لقد تَعمَّق هذا الاتجاه بسبب مانسميه «المسألة العبرانية» ، أي قلة عدد العبرانيين وتَخلُّف المجتمع العبراني الحضاري والتكنولوجي والعسكري مع وجوده في واحد من أهم المواقع الإستراتيجية في العالم. فلم يتمكن المجتمع العبراني من استيعاب الطاقات البشرية داخله، ومن ثم كان لابد من تصديرها. وإلى جانب هذا، كان هذا المجتمع عُرضة لغزوات جيوش الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تقوم بأسر أعداد كبيرة من العبرانيين ثم تُهجِّرهم إلى أماكن أخرى أو تُجنِّدهم في صفوفها. ويبدو أن العبرانيين القدامى كانوا من المرتزقة منذ بداية ظهورهم في التاريخ، فكلمة «عبراني» ذاتها تشير إلى العبد الذي أصبح كذلك برضاه وحوَّل نفسه إلى أداة في يد الآخر. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن كلمة «خابيرو» (التي يذهب البعض إلى أنها تعني العبرانيين) تعني «الجندي المرتزق» ، وأن الكلمة كانت تُطلَق على أية جماعات من الرحل أو الغرباء أو الأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ولكن يبدو أن الخابيرو، كانوا بدواً مرتزقة يغيرون لاستلاب الغنائم أو ربما جماعة كانت تنضم بشكل مؤقت لقوة محاربة نظامية أو غير نظامية من أجل تحقيق الربح. ولعل اشتراكهم مع الهكسوس في غزو مصر كان شيئاً من هذا القبيل. وعلى كل، ومهما كانت اشتقاقات الكلمة، فإن هناك مؤشرات عديدة على أن العبرانيين القدامى، مع استقرارهم في كنعان، كانوا يعملون كمرتزقة، كما أنهم حاربوا في صفوف الفلستيين كمرتزقة ضد بني جلدتهم. وقد قام الملك العبراني أمصيا) 769ـ 798 ق. م) ، تاسع ملوك المملكة العبرانية، بجمع جيش من المرتزقة من المملكة الشمالية وحاول إخضاع أدوم للهيمنة العبرانية. كما تم تجنيد العبرانيين كمرتزقة في جيوش مصر الفرعونية حينما بدأ ملوك المملكة الجنوبية مبادلة الأحصنة بالجنود. وفي الأسرة السادسة والعشرين استعان بهم بسماتيك الأول (663 ـ 605 ق. م) الذي كوَّن جيشاً من المرتزقة كان يضم في صفوفه يهوداً، وقام بسماتيك الثاني (594 ـ 589 ق. م) من بعده بتوطين جماعة استيطانية في جزيرة إلفنتاين. وحينما سقطت المملكة الجنوبية، فرت جماعات من العبرانيين إلى مصر واستقرت في أماكن معروفة بأن فيها حاميات عسكرية. ويُلاحَظ أن الدياسبورا هنا (أي انتشار اليهود في بقاع الأرض) مرتبطة بنشاطين متلازمين هما في واقع الأمر نشاط واحد: الاستيطان والقتال كمرتزقة. والانتشار لا علاقة له بتحطيم الهيكل كما يدَّعي الصهاينة. ومما يجدر ذكره أن التهجيرين، الآشوري والبابلي، لم يكن الهدف منهما تأديب العبرانيين وحسب وإنما نقلهم ليصبحوا جماعة وظيفية استيطانية، إذ تحوَّل المُهجَّرون إلى العمل بالزراعة والشئون المالية، وليس هناك ما يدل على تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية قتالية. وقد استخدم الفُرس العبرانيين كجماعة استيطانية قتالية، فأقاموا جماعات يهودية موالية للدولة الفارسية على هيئة مستعمرات في أرجاء الإمبراطورية، كما عمل اليهود جواسيس وجنوداً مرتزقة. وقد حوَّلت حامية إلفنتاين ولاءها من السلطة المصرية إلى السلطة الفارسية الفاتحة، فالمرتزقة كما أسلفنا يتبعون من يدفع لهم. وأسس دارا الأول جيشاً قوياً يضم جنوداً يونانيين ويهوداً مرتزقة. وحينما فتح الإسكندر الشرق الأدنى القديم، تصاعدت ظاهرة تحويل اليهود إلى جماعات استيطانية قتالية بالدرجة الأولى خصوصاً أن الحكم البطلمي والسلوقي كان مبنياً أساساً على المرتزقة. وقد أبقى الإسكندر على المزايا التي منحها الفرس لليهود، فانضموا إلى الجيوش اليونانية كمرتزقة. ولم تكن هناك فرقة قومية خاصة باليهود، ولذا انضم المرتزقة اليهود إلى فرق الآسيويين الذين تَكاثَر عدهم بين عامي 200 و150 ق. م. وكان يُشار إلى اليهود أحياناً بوصفهم «فُرساً» ، ويذكر يوسيفوس أن المرتزقة من يهود الإسكندرية كان يُشار إلىهم بوصفهم «مقدونيين» . وكان البطالمة ينظرون إلى اليهود كجماعة استيطانية قتالية وتجارية يتوقف أمن أعضائها على رضا النخبة الحاكمة الأمر الذي يجعل منهم عنصراً مأمون الجانب، ولذا شجعهم البطالمة على الهجرة إلى مصر للعمل فيها مرتزقة وتجاراً ومزارعين وأفراد شرطة وموظفين وملتزمي ضرائب. وحينما أسر سوتر الأول عدداً كبيراً من اليهود في إحدى حملاته على فلسطين، وطنهم في مصر ليستخدمهم أداة لقمع المصريين. وقد قام بطليموس الثاني (فيلادلوفوس) (283 ـ 244 ق. م) بإعتاق العبيد العبرانيين الذين أسرهم ثم وَطَّنهم في معسكرات باعتبارهم وحدات قتالية استيطانية (باليونانية: كليروخوا) . وحينما فتح البطالمة برقة في عام 145 ق. م، وَطَّنوا اليهود فيها ليشددوا قبضتهم علىها (على حد قول يوسيفوس) . وفي العام نفسه، شيَّد أونياس الرابع معبداً يهودياً في لينتوبوليس كانت تُرابط حوله فرقة من المرتزقة اليهود. وقد خدم اليهود في فرق المشاة والفرسان على حدٍّ سواء، خصوصاً إبان حكم بطليموس السادس (180 ـ 145 ق. م) الذي سلَّم مملكته تقريباً إلى المرتزقة اليهود الذين وصلوا إلى أعلى المراتب العسكرية بما في ذلك القيادات. ويُقال إن الملكة كليوباترا الثالثة اعتلت العرش بفضل مساعدة قواد الجيش من اليهود. وكان من بينهم خلكياس وأنانياس ولدا أونياس اللذان قادا جيشها في فلسطين. وكان المرتزقة اليهود من أرباب الإقطاعات، وكان في وسعهم تأجير أرضهم وتوريثها لأبنائهم دون عناء كبير. وانخرط اليهود أيضاً في سلك الشرطة وحراسة الممتلكات وتحصيل المكوس الجمركية على ضفتي النيل، وهو عمل ذو طابع عسكري، ولذا كان يُطلَق على المحصلين اسم «حراس النهر» لكن هناك من يذهب إلى أنهم كانوا موظفين من قبل الإدارة المالية ولا شأن لهم بأعمال الحراسة. ولم يختلف موقف السلوقيين كثيراً عن موقف البطالمة، فقد نقل أنطيوخوس الثالث ألف أسرة يهودية من بابل (التي كانت تابعة للإمبرطورية السلوقية) ، مع أجهزتها الحربية، إلى ليديا وفريجيا في آسيا الصغرى في عام 210 ق. م.، وذلك لتأسيس حامية منهم موالية للسلوقيين، ولقمع حركات السكان ضد الحكم السلوقي. ويبدو أن مثراديتيس قد وَطَّن بعض هؤلاء أو غيرهم في شبه جزيرة القرم. ومع وصول الرومان إلى المنطقة، تم تسريح الجيش البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي المتميِّز لليهود والذي ارتبط بوظيفتهم كمرتزقة، لا سيما أن الرومان كانوا لا يُجنِّدون سوى اليهود الذين تخلوا عن دينهم. ومع هذا، انخرط اليهود في سلك الجندية كمرتزقة واستمروا يعملون في الجيوش الرومانية حتى القرن الرابع الميلادي. وهذا يعني أن الرومان كانوا أيضاً يوطنونهم كعنصر استيطاني قتالي. ونحن نعرف أن أول توطين لليهود في أوربا كان مع الحامية الرومانية التي وُطِّنت في مدينة (كولونيا) والتي اشتُق اسمها من كلمة لاتينية تعني «مستعمرة» (وكلمة «كولونيالية» مشتقة من الجذر نفسه) . ولكن يبدو أنهم لم يُوطَّنوا كعنصر قتالي وإنما كعنصر مالي. ومع هذا، يمكن القول بأن الاستيطان والقتال كانا متلازمين في معظم الأحوال في العالم القديم. وقد اختلف الأمر بشكل جوهري مع انتشار المسيحية والإسلام. فالقتال لم يَعُد يُمارَس من أجل الكسب المالي وتحقيق المغانم الاقتصادية وحسب وإنما أصبح يتم أيضاً من منطلق عقائدي ديني، الأمر الذي نجم عنه استبعاد غير المؤمنين. ولذا لم يَعُد بإمكان المرتزقة اليهود الاستمرار في ممارسة مهنتهم، فانخرطوا في وظائف أخرى وأصبح أعضاء الجماعات اليهودية من الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة التي تعمل بالتجارة والربا. ولابد هنا من ملاحظة أن حامل رأس المال الربوي لا يختلف كثيراً عن حامل السلاح نظير أجر، فكلاهما عنصر متعاقد غريب لا ينتمي للجماهير التي يضربها أو يستغلها، تم حوسلته تماماً، أي تحويله إلى وسيلة، تستخدمها الطبقة الحاكمة. وكلاهما عنصر حركي لا ولاء له (إلا إلى أرض بعيدة أو وطن وهمي أصلي يحلم بالعودة اليه ولا يعود له أبداً) ومن هنا تسميتنا للجماعة الوظيفية المالية «المماليك المالية» حتى يتبيَّن التواصل بين وظائف أعضاء الجماعات اليهودية الاستيطانية والقتالية ووظائفهم المالية (التجارية الربوية) . وقد صُنِّف اليهود في الحضارة الغربية على أنهم غرباء، والغريب في العرف الألماني (الذي حل محل القانون الروماني في كثير من المجالات) كان تابعاً للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح اليهود أقنان بلاط. ولكن من الصعب الحديث عن أقنان البلاط باعتبارهم جماعة استيطانية. ومع هذا، فهناك حالات محددة من الاستيطان اليهودي في العصور الوسطى. فقد قام شارلمان بتوطين اليهود في جنوب فرنسا في ماركا هسبانيكا لتكون حاجزاً على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي. ويمكن أن نستخدم عبارة «جماعة استيطانية» بشيء من التجاوز للإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية الذين دعاهم شارلمان للاستيطان في فرنسا ذاتها بهدف تشجيع التجارة، وإلى أولئك الذين صاحبوا الغزو النورماندي لإنجلترا في القرن الحادي عشر، وإلى أولئك الذين استقروا فيها باعتبارهم مادة استيطانية تجارية. وقد عرفت شبه جزيرة أيبريا الاستيطان اليهودي سواء في إسبانيا الإسلامية (الأندلس) أو المسيحية. فأثناء الفتح الإسلامي، كان المسلمون يُوطِّنون اليهود في المدن التي يفتحونها، مثل قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية حتى يتفرغ المسلمون للعمليات القتالية. وقد ثار المسيحيون في إشبيلية، وفتكوا بأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصراً استيطانياً قتالياً. كما لجأت القوات المسيحية إلى النهج نفسه أثناء حرب الاستعادة، فكانت تسمح، من الناحية الاسمية، لكل من اليهود والمسلمين بالاحتفاظ بمنازلهم والبقاء فيها، ولكنها من الناحية الفعلىة كانت تسمح لأعضاء الجماعة اليهودية وحسب بالاستيطان والبقاء في المناطق المفتوحة (مثل بالينسيا ولامنشا والأندلس وغيرها) . ولا ندري هل كانت الفرق المسماة «تشاليزيان» في المجر في القرن العاشر جماعة استيطانية قتالية أم كانت جماعة قتالية وحسب. فكلمة «تشاليزيان» مشتقة من الجذر نفسه الذي اشتُقت منه كلمة «حالوتسيم» العبرية (بمعنى رواد) ، وهي الكلمة التي استخدمها الصهاينة فيما بعد لوصف طلائع المستوطنين الصهاينة. والرائد هو الجندي الذي يُوضَع في مقدمة الصفوف. ويبدو أن جنود التشاليزيان كانوا من بقايا يهود الخزر، إذ أن مملكة المجر اجتذبت أعداداً كبيرة منهم عند تأسيسها، فعملوا بالقتال نظير المال، أي أنهم كانوا جماعة قتالية وربما استيطانية ولكنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية مالية. ومن المعروف لنا أن الدولة العثمانية قامت، حينما ضمت أجزاء من المجر في عام 1526، بتهجير 2000 يهودي إليها ليكونوا عنصراً استيطانياً موالياً للسلطان العثماني. ولعل هذا كان ضمن نظام السورجون العثماني، و «سورجون» كلمة معناها «نفي أو ترحيل أو تهجير عنصر بشري ما، إما كشكل من أشكال العقاب أو لتحقيق خدمة للدولة العثمانية» . وقد وطَّن العثمانيون اليهود في قبرص لموازنة العنصر المسيحي فيها، كما وطنهم ملوك بولندا في المدن البولندية لتشجيع التجارة. ولكن أهم التجارب الاستيطانية شبه القتالية للجماعات اليهودية على الإطلاق (قبل التجربة الصهيونية) هي تجربتهم كجماعة استيطانية تجارية شبه قتالية في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، حيث اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بوظيفة الأرندا (دفع مقابل عائد الأراضي الزراعية) منذ أواخر القرن السادس عشر، فقاموا باستئجار ضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا وإدارتها لحسابهم. وكان الأرنداتور (المديرون أو الوكلاء) اليهود يستأجرون مناطق ومدناً بأكملها فيعتصرون الأقنان الأوكرانيين لحساب النبلاء البولنديين. ولحماية هؤلاء الوكلاء وأسرهم، شيَّد النبلاء مدناً صغيرة تُسمَّى «شتتل» كانوا يعيشون فيها تحت حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح. ومن التجارب الاستيطانية الأخرى للجماعات اليهودية تجربة يهود رومانيا الذين كان يُطلَق عليهم اسم «هرسوفلتسي» (وهو مُشتق من كلمة «هرسوف» الرومانية وتعني «ميثاق» ) ،والذين وَطَّنهم النبلاء الإقطاعيون (البويار) في رومانيا بعد منحهم ميثاقاً حصلوا بمقتضاه على ميزات معيَّنة، من بينها الإعفاء من الضرائب لعدة سنين والحصول على أرض فضاء دون مقابل لإقامة معابدهم ومدارسهم وحمَّاماتهم ومقابرهم. وكانت علاقة الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حدٍّ كبير علاقة يهود الأرندا بالنبلاء الشلاختا، فقد أسس البويار لليهود مدناً صغيرة تشبه الشتتل من أوجه كثيرة. ويُلاحَظ أن اليهود هنا كانوا عنصراً استيطانياً تجارياً غير قتالي. ورغم أن التجربة الاستيطانية لليهود في رومانيا استمرت أساساً في الفترة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أننا ذكرناها مع تجارب الجماعة اليهودية الاستيطانية في العصر الوسيط في الغرب لأنها من ناحية البنية تقع داخل إطار الاستيطان الوسيط. وعلى كلٍّ، فقد كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الروماني تشبه إلى حدٍّ كبير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في أوربا الوسيطة. ويمكننا الآن الدخول إلى العصر الحديث، لنقول إن كثيراً من أساطير وديباجات الاستيطان الغربي وُلدت مع الإصلاح الديني البروتستانتي. وقد ظهرت الأسطورة الاسترجاعية التي تذهب إلى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى صهيون كجماعة وظيفية استيطانية دينية يسهم توطينها في صهيون في الإسراع بعملية الخلاص. وبالتدريج، مع تَطوُّر مراحل الإمبريالية الغربية من الأطوار المركنتالية الأولى إلى المراحل التالية (المرحلة الصناعية وغيرها) ، أخذت معالم الأسطورة تتكشف وتتحدد بحيث تحولت صهيون إلى فلسطين البلد الواقع في وسط بلاد الشرق ويطل على بوابات مصر والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس (بعد افتتاحها) . وبدأ اليهود يتحولون من شعب مقدَّس أو شعب شاهد أو شعب منبوذ إلى جماعة وظيفية تجارية وقتالية نشطة. وبعد سنوات طويلة من المقاومة والرفض من جانب أعضاء الجماعات اليهودية، تلقفت الحركة الصهيونية الأسطورة وتحولت من أسطورة بروتستانتية إلى أسطورة يهودية. وهكذا أصبحت صهيون المكان الذي تَخرُج منه جيوش المستوطنين اليهود «حالوتسيم» الذين يسيرون في المقدمة مسلحين أمام الرب. وإذا كانت الأسطورة الاسترجاعية تجعل من اليهود جماعة استيطانية، فإن الأساطير الأخرى كانت تجعل من سائر المستوطنين الغربيين البيض يهوداً. فالبيوريتان، أي المُتطهِّرون، وهم المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة، كانوا يتوحدون تماماً بالعبرانيين القدامى. فهم، في خروجهم من أوربا ودخولهم الأرض العذراء، كانوا يتصورون أنهم يشبهون تماماً العبرانيين القدامى حينما خرجوا من مصر ودخلوا كنعان، وأن استيلاءهم على أرض أمريكا العذراء وإبادة سكانها يشبه استيلاء العبرانيين على المدن الكنعانية وإبادة سكانها (حسب الرواية التوراتية) . ومن ثم، نجد أن أرض أمريكا كان يُشار إليها بوصفها صهيون الجديدة، وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم بأنهم أبناء العهد (بل لقد اقترح أحدهم، لدى التفكير في اختيار لغة للولايات المتحدة بعد استقلالها، أن تكون العبرية لغة الدولة الجديدة) . ونجد أن الأسطورة نفسها تسيطر وبشكل درامي على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا (الأفريكانر) . هذا من ناحية الإطار الفكري أو التصوري. أما من ناحية الممارسة التاريخية الفعلىة، فيمكننا القول بأن الاستيطان أصبح البُعد الأساسي في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية. بل ويمكننا الذهاب إلى أنه لايمكن فهم تفاعلات هذه التواريخ وحركياتها إلا بإدراك مدى استيعاب أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي (أي غالبية يهود العالم) في تجربته الاستيطانية. فقد اشترك أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من النشاطات الاستيطانية خصوصاً في البلاد البروتستانتية إما كممولين أو كجماعة وظيفية استيطانية. ومع بداية العصر الحديث، كانت أهم جماعة يهودية في العالم تُوجَد في هولندا التي كانت من أنشط الدول الاستيطانية. وقد ساهم اليهود في كثير من النشاطات المرتبطة بالاستيطان الغربي، مثل شركتي الهند الشرقية والغربية الهولنديتين وغيرهما من الشركات وفي تجارة العبيد كما اشترك عدد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان ذاتها في بداية الأمر كان أعضاء الجماعة جزءاً من النشاط الاستيطاني الهولندي، فاستوطنوا ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر في الهند الغربية في ترينيداد والمارتينيك وجامايكا وجزر الباهاما وكوراساو وسورينام. وكوراساو هي إحدى جزر الهند الغربية الهولندية على مقربة من ساحل فنزويلا، مساحتها 212 ميلاً مربعاً، احتلها الأسبان عام 1527، ثم استولى عليها الهولنديون عام 1634. وتعود أهميتها إلى أنها من التجارب الأولى للجماعات اليهودية الاستيطانية، وإلى أنها تندرج في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي بدأ نشاطه في العالم الجديد واستمر في التوسع إلى أن وصل إلى آخر حلقاته في فلسطين في العصر الحديث. وقد جرى أول استيطان يهودي في كوراساو عام 1650 حين وصلت 12 عائلة يهودية يحمل أفرادها خطاباً من مجلس هولندا يطلب من حاكم الجزيرة أن يمد لهم يد المساعدة، بأي صورة من الصور؛ بالعبيد أو بالأرض أو بالأحصنة أو القطعان أو الأجهزة. ويبدو أن اليهود كانوا جماعة استيطانية زراعية، على حين أن المستوطنين الهولنديين كانوا يهملون الزراعة لأن تجارة البضائع المهربة كانت أكثر ربحاً. ومع هذا، يبدو أن التجربة لم تنجح تماماً بسبب بعض القيود التي فُرضت على حركتهم (ربما بسبب جو محاكم التفتيش الذي ساد العالم الجديد والذي وجد طريقه إلى كوراساو رغم أنها كانت تابعة لهولندا) . ولذا، حينما طلب مجلس هولندا إلى أحد أعضاء الجماعة اليهودية أن ينقل مزيداً من الأسر اليهودية إلى كوراساو وعرض منحهم حقوقاً وامتيازات استثنائية (مثل الإعفاء من الضرائب لمدة عشرة أعوام، وحق حيازة الأراضي التي يجدونها ملائمة، وحق الامتناع عن العمل يوم السبت) ، لم يجد هذا الطلب أذناً صاغية. وحينما استولت البرتغال على البرازيل من هولندا، عام 1654، فرت مجموعة من اليهود إلى كوراساو وأخذت رأس مالها معها. وقد كان ضمن نشاطاتهم الأساسية تجارة العبيد. وفي تلك الآونة، أُزيلت كل القيود عن الجماعة اليهودية. وفي عام 1693، رحلت مجموعة من اليهود إلى الولايات المتحدة، فكانت أول جماعة يهودية تستوطن فيها. ولكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى، وقد بدأ وصول اليهود إليها عام 1639 من هولندا ثم من إنجلترا عام 1652، فكُفلت لهم كل الحريات والمزايا، ومُنح اليهود الجنسية الإنجليزية. وبعد أن ضم الهولنديون سورينام مرة أخرى، عام 1667، حاول بعض اليهود عام 1674 الرحيل مع الرعايا البريطانيين، ولكن الهولنديين أرغموهم على البقاء فيها باعتبارهم جماعة استيطانية نافعة. وقد تَركَّز اليهود فيما يُسمَّى «يودين سافان» ، أي «سافاناه اليهود» ، وأسسوا مستوطنة يهودية في برزدينتس أيلاند عام 1670 كانت تتمتع بما يشبه الاستقلال الكامل (ومن ثم فهي أول دولة أو شبه دولة يهودية استيطانية قتالية في العصر الحديث) . وكان اقتصاد المستعمرة يعتمد على العبيد الذين راحوا يشقون الطرق ويزيلون الغابات والأعشاب، حتى أقاموا مدينة جديدة محاطة بالطرق. وقد بلغ عدد سكان المستعمرة عشرة آلاف نسمة عام 1719، غالبيتهم الساحقة من العبيد بطبيعة الحال. وكان العبيد المُستجلَبون من أفريقيا يهربون ويلجأون إلى الأحراش ويختلطون بسكان الجزيرة الأصليين، فيضطر سكان المستوطنة إلى استجلاب المزيد من العبيد من أفريقيا، ولكنهم كانوا يهربون بدورهم وينضمون إلى السكان الأصليين. ثم بدأ تحالف من جماعات العبيد الأفارقة والسكان الأصليين في شن هجمات على المستوطنة في الفترة من 1692 ـ 1774، وكوَّن المستوطنون البيض ميليشيات عسكرية وجردوا الحملات ضد الثوار (تماما كما تفعل الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين) ، ولكن الإرهاق من الحرب وانتشار الأمراض أدَّى إلى انتصار تَحالُف السود السكان الأصليين وإلى سقوط أول دولة يهودية في العصر الحديث. كما استوطن اليهود معظم بلاد أمريكا اللاتينية، خصوصاً الأرجنتين التي وطَّن فيها المليونير هيرش آلاف اليهود، فيما يُعدُّ أهم تجربة استيطانية زراعية في العصر الحديث بخلاف تجربة إسرائيل. ويُلاحَظ أن هذه النشاطات الاستيطانية تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي (البروتستانتي) أو الاستعمار الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي) . والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو) . ولكن المادة الاستيطانية الحقيقية كان مصدرها يهود اليديشية (الإشكناز في روسيا وبولندا في شرق أوربا) الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة ليهود العالم مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي أيضاً الفترة التي شهدت الهجرات الاستيطانية الغربية. ويمكننا أن نترك التسلسل التاريخي قليلاً، لنركز على حركة يهود اليديشية داخل إطار التشكيل الاستعماري الروسي (الأرثوذكسي) في عصر القياصرة ثم في عصر البلاشفة. وقد تحكمت في السياسة الاستيطانية عند الروس والبلاشفة عدة عوامل متداخلة: 1 ـ المسألة اليهودية، ومحاولة دمج اليهود ثقافياً واقتصادياً. 2 ـ المشكلة السكانية في روسيا باعتبارها دولة مترامية الأطراف. 3 ـ محاولة الدولة الروسية ترويس المناطق التي ضمتها من الدولة العثمانية وغيرها من المناطق، وخَلْق كثافة سكانية روسية فيها (وهنا كان اليهود يُعَدّون جماعة وظيفية استيطانية روسية) . وفي محاولة دمج الجماعة اليهودية، كان التصور السائد أن المسألة اليهودية يمكن حلها، أو التخفيف من حدتها، بتحويل اليهود إلى جماعة وظيفية استيطانية تُنقل إلى أماكن مختلفة فتستفيد الدولة الروسية بتعمير الأراضي وتتخلص في الوقت نفسه من الفائض اليهودي (وهذا هو المنهج الغربي الصهيوني نفسه، أي حل المسألة اليهودية لدول أوربا عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها، وبذا تصبح فلسطين قاعدة للغرب) . وفي الفترة بين عامي 1807 و1808، خصَّص القيصر بعض أراضيه لتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية فيها لتحويلهم إلى عنصر نافع، ولدمجهم في المجتمع. وبعد ضم الخانات التركية حول البحر الأسود، سُميَّت المنطقة المحتلة باسم «روسيا الجديدة» ، وتم تشجيع اليهود على الاستيطان فيها بهدف تعميرها وتأكيد الوجود السكاني الروسي فيها. وقد استمر البلاشفة في الاتجاه الاستعماري الاستيطاني نفسه والذي يرمي إلى حل المسألة اليهودية وتعمير المناطق التي تم ضمها في آن واحد. وفي إطار هذا، تم توطين اليهود في بيروبيجان، وجري التفكير في توطينهم في القرم. ويجب أن نشير هنا إلى أن كثيراً من اليهود الموجودين في الجمهوريات السوفيتية (غير الروسية) السابقة، مثل جورجيا وأوزبكستان وبخارى وليتوانيا ولاتفيا، يوجدون فيها في إطار الاستعمار الاستيطاني الروسي السوفيتي الذي كان يرمي إلى خَلْق كثافة سكانية روسية. ولكن النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية كان داخل التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (البروتستانتي) ، فاتجه ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، واتجهت غالبيتهم (85%) إلى الولايات المتحدة أهم التجارب الاستيطانية الغربية. وقد يُثار هنا سؤال: بأي معنى يمكن استخدام اصطلاح «جماعة وظيفية استيطانية» في حالة المهاجرين اليهود، مع أنهم كانوا ضمن جماعات أخرى من المهاجرين الغربيين الذين هاجروا بكامل حريتهم، علماً بأن الولايات المتحدة لم تعد دولة استيطانية بعد إعلان استقلالها؟ وسنقر ابتداءً بأن استخدام المصطلح في هذا السياق فيه شيء من التجاوز وقَدْر من المجاز، ومع هذا يمكن أن نشير إلى مايلي: 1 ـ لم تفقد الولايات المتحدة طابعها الاستيطاني إلا مع بداية القرن العشرين، بل إن عملية طرد السكان الأصليين وإبادتهم لم تبدأ إلا عام 1830. وقد ضمت الولايات المتحدة أراضي شاسعة من المكسيك وغيرها بعد ذلك التاريخ، وهي أراض احتاجت إلى مستوطنين. كما أن رعاة البقر (أو الكاوبوي) في الغرب الأمريكي ظلوا ملمحاً أساسياً في الحضارة الأمريكية، ورعاة البقر هم الرواد (حالوتسيم) الأمريكيون البيض. 2 ـ لم يكن اليهود أحراراً تماماً في عملية الهجرة، فقد صنفتهم أوروبا باعتبارهم فائضاً بشرياً منبوذاً. 3 ـ كانت الولايات المتحدة تسمح ليهود اليدشية بالهجرة إليها والاستيطان فيها بقدر حاجتها إليهم، وبما يتفق مع أمنها القومي. ويجب ملاحظة أن الدول الاستيطانية التي استقرت فيها غالبية اليهود، بدأت تفقد طابعها الاستيطاني وتتحول إلى دول مستقرة ذات بنية سكانية ثابتة واضحة. ومع اختفاء السكان الأصليين، تلجأ هذه المجتمعات إلى الحصول على المادة البشرية بطرق قانونية (عن طريق الهجرة) ، وتقوم بدمج وصهر العناصر الوافدة. كما أنها دول ذات مستوى اقتصادي متقدم استوعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دون تمييز أو قيود، وهي مجتمعات ذات أصول بروتستانتية وصلت إلى درجة عالية من العلمنة والتعاقدية. لكل هذا، فهي مجتمعات لا تحتاج إلى أي متعاقدين غرباء أو جماعة وظيفية تجارية أو زراعية أو استيطانية أو قتالية، إذ يتم تجنيد العاملين (والخبراء والمقاتلين) من داخل المجتمع ذاته. ولعل هذا يُفسِّر سر اختفاء اليهود باختفاء الوظيفة التي كانت سبباً من أسباب استمرارهم. من كل ما تَقدَّم يتبين مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (الغربي بالذات) بالاستيطان وبالقتال. ويمكن أن نشير هنا إلى ظاهرة أخرى وهي أن العالم العربي بدأ، منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر، في تحويل اليهود المستعربة، أي يهود العالم العربي المحليين، إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين له بالولاء بغض النظر عن أصولهم العرْقية والحضارية. وقد تم هذا من خلال عدة قنوات: 1 ـ منح الجنسيات الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها لأعضاء الجماعة اليهودية. 2 ـ فرنسة يهود العالم الغربي من خلال مدارس الأليانس. 3 ـ هجرة عناصر يهودية غربية إلى العالم العربي تولت قيادة الجماعات اليهودية في العالم العربي. ومع انتصاف القرن العشرين، وظهور الدولة الصهيونية، تم تحويل الغالبية العظمي من يهود العالم العربي إلى مادة استيطانية لاجذور لها في المنطقة وعلى استعداد لأن تُنقل إلى أي مكان وأن تُوظَّف لصالح من يقوم بعمليات النقل والتوظيف والتمويل. ومن الأمور الجديرة بالذكر أن أعداداً كبيرة من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر كانوا يهوداً أتوا من فرنسا أو تم تجنيدهم من بين صفوف اليهود المحليين الذين كان يتم فرنستهم، كما كانت الفرقة الأجنبية (الفرنسية) تضم أعداداً كبيرة من اليهود. ونحن نرى أن من الأفضل تفسيرياً أن ننظر إلى الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة عادية لها نمط إنتاجي مما هو معروف (إقطاعي ـ رأسمالي ... إلخ) وإنما باعتبارها دولة وظيفية، فهي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية على هيئة دولة. وقد تم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية والذي جرى بمقتضاه نقل من يرغب من اليهود إلى فلسطين ليصبح عنصراً استيطانياً قتالياً يدافع عن المصالح الغربية نظير مستوى معيشي مرتفع، وهذا هو نمط القتال نظير المال. ولذا، فإن إسرائيل، بالنسبة للراعي الإمبريالي الجديد (الذي حل محل البطالمة والسلوقيين والرومان والنبلاء البولنديين [شلاختا] ) ، هي أساساً، وظيفة تُؤدَّى ودور يُلعَب. ولم يُطلَق مصطلح «مرتزقة» على الصهاينة لأن هذا المصطلح لا يترك انطباعاً طيباً في النفس البشرية، ولذا يُطلق الصهاينة على أنفسهم اسم «حالوتسيم» ، أي «المنخرطون في السلك العسكري في مقدمة الصفوف» ، ومن هنا تأتي ترجمتها بكلمة «الرواد» . ويُشار إلى إسرائيل بأنها قلعة على حدود أوربا في الشرق وحصن ضد الهمجية الشرقية. ومن المعروف أن المرتزقة، في العصور الحديثة، كانوا يوضعون دائماً في مقدمة الصفوف، أي على الحدود الأمامية، كما حدث على سبيل المثال عام 1956 عند إنزال القوات البريطانية أثناء العدوان على مصر، حيث أُنزل الأفارقة والهنود في بداية الأمر باعتبارهم مادة بشرية رخيصة، ثم أُنزلت المادة البشرية البريطانية الثمينة فيما بعد. وهذا هو وضع الدولة الصهيونية، والرواد الصهاينة، حيث يوضعون في المقدمة، فهم الشعب المختار للاستيطان والقتال. ولا يُنظَر إلى الدولة الصهيونية إلا من منظور مدى نفعها: فهي تارة ثروة إستراتيجية، وهي تارة أخرى حاملة طائرات وحارس للمصالح الغربية. ولكنها، في جميع الأحوال، أداة ووسيلة وحسب لا غاية أو هدف. وتتسم الدولة الصهيونية الوظيفية أيضاً بالعزلة عما حولها حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها بكفاءة. وبعد أن ضمت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، تبلورت الأمور تماماً. وأدرك المستوطنون الصهاينة هويتهم كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في فكر جماعة جوش إيمونيم التي ترى أن الاستيطان والقتال عبء مقدَّس ملقى على عاتق الشعب المختار، وأن على اليهودي أن يقبل مصيره الإلهي إذ لاخيار له. ويمكننا أن نقول إن الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية، والوظيفة التي تضطلع بها، هما السلعة الأساسية التي تنتجها، وهما مصدر دخلها الثابت. ولذا، يمكننا الحديث عن هذا الدور باعتباره إحدى علاقات الإنتاج مع الإمبريالية (وعلاقات الفتك مع الشعب الفلسطيني المُستَهْدَف) . وقد سمينا المستوطنين الصهاينة «المماليك الاستيطانية القتالية» تمييزاً لهم عن «المماليك المالية» وهم الجماعات اليهودية الوظيفية المالية. ونحن نرى أن هذا النموذج التحليلي أكثر تفسيرية لأنه يفسر كثيراً من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي والسياسية الخارجية الإسرائيلية. ومع هذا، فإننا نذهب إلى أن دور الدولة الوظيفية الصهيونية سيتغير، مع ظهور النظام العالمي الجديد، حيث سيتراجع دورها القتالي (المرتبط بوضعها الاستيطاني) وسيتحول «المماليك الاستيطانية القتالية» إلى «المماليك المالية» مرة أخرى، وسيحل رأس المال العالمي محل السيف والمدفع ورأس المال الربوي، وسيحمل الجنرال الإسرائيلي السابق السامسونايت بدلاً من المدفع الرشاش، وسيحضر بالطيران المدني المكيف بدلاً من الطيران العسكري وبالليموزين بدلاً من الدبابة، ولن يمطرنا بالصواريخ والنابالم، كما كان يفعل حتى عهد قريب، وإنما بعقود الصفقات التجارية المريبة والرشاوى الخفية التي تفسد العباد وتفلس البلاد. وكما قال شمعون بيريز: «الشعب اليهودي لا يهدف إلى السيطرة وإنما يهدف إلى البيع والشراء» ، أي أن الجنرال أصبح إنساناً اقتصادياً يمثل شعباً مختاراً لعمليات البيع والشراء والأعمال المالية. ومثل هذا الإنسان لا يحب ولا يكره فهو يبحث عن الربح، كما أنه لا يصدع رأسه بالحديث عن القيم أو المطلقات أو الهويات، ولا يكنُّ احتراماً للآخر لأنه لا يكنُّ احتراماً لذاته، وهو في النهاية عنصر حركي طرح عن نفسه تراثه وقيمه ونزع نفسه من وطنه ليستوطن أرض الآخرين. وعلى هذا، فإن هدف العمليات القتالية والاستيطانية والمالية واحد في كل هذه الحالات، ضمان تدفق خيرات هذه الأرض لقوى خارجها. وقد لُوحظ أن أعداداً كبيرة من الإسرائيليين تعمل مرتزقة في بعض دول العالم الثالث. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 2000 فرد من الجيش الإسرائيلي عملوا كمرتزقة ومدربين في أفريقيا على مدى الأعوام الثلاثين الماضية بدءاً بالطيارين في أوغندا وانتهاءً بالمظليين في زائير. وتُوجَد شركات خاصة (مثل شركة ليفدان) يديرها جنرالات سابقون ويشغل صفوفها أفراد سُرِّحوا حديثاً من الجيش الإسرائيلي. ويتلقى المرتزق الإسرائيلي مبلغ 2500 دولار علاوة على بدلات أخرى. وقد صرح مسئول من الشركة بأن ما تفعله هذه الشركة لا يختلف عما كانت تفعله الحكومة الإسرائيلية لسنوات طويلة. جماعة يهودية وظيفية تجارية Jewish Trading Functional Group «الجماعة الوظيفية التجارية» هي الجماعة التي يضطلع أفرادها بالتجارة والنشاطات التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بمهنة التجارة في كثير من المجتمعات الإنسانية. ويُفسِّر أعداء اليهود هذه الظاهرة بصيغهم اللفظية الجاهزة، مثل: «الطبيعة اليهودية الخاصة» أو «خصوصية الشخصية اليهودية» أو «النزوع الأزلي عند اليهود نحو استغلال الآخرين» . وهناك أيضاً التفسير الصهيوني الذي لا يقل تهافتاً عن الصيغ السابقة، وهو «أن المجتمعات التي عاش فيها اليهود فرضت علىهم مهنة التجارة ثم الربا فرضاً ومنعتهم من الاشتغال بالزراعة أو ملكية الأراضي الزراعية» . وهكذا، فبينما يرى التفسير الأول (المعادي لليهود) أن الأغيار ضحية عنف اليهود، يرى التفسير الصهيوني أن اليهود هم ضحية عنف الأغيار. وهذه الأقوال السابقة كلها لا قيمة لها من الناحية التفسيرية، ولولا شيوعها لما كلفنا أنفسنا عبء ذكرها أو الرد عليها. ولكن، بدلاً من استخدام النماذج التفسيرية العنصرية الجاهزة التي تختزل التفاصيل وتعفي الإنسان من مشقة التفكير والتمحيص، يمكننا أن نستقرئ أحداث التاريخ المتعيِّن وبعض تفاصيله الدالة لنصوغ منها نماذج أكثر تركيبية وتفسيرية. لقد ورد ذكر العبرانيين لأول مرة في التاريخ المدوَّن على أنهم بدو رحل يقومون بالرعي والتجارة. ولكن، عند استقرارهم في أرض كنعان عملوا بالزراعة أساساً وظل نشاطهم التجاري محدوداً بل يكاد يكون منعدماً. ويُلاحَظ أن لفظ «كنعاني» كان مرادفاً للفظ «تاجر» (هوشع 12/8 وأشعياء 23/8 وأمثال 31/24) . ولعل هذا يُفسِّر خلو العهد القديم من الإشارة إلى التجارة باعتبارها نشاطاً اقتصادياً مهماً، بعكس الإشارات الكثيرة إلى الزراعة والقوانين والطقوس والشعائر والأعياد المرتبطة بها. وإن كان ثمة رأي يذهب إلى أن هذا لا يعكس بالضرورة حالة المجتمع العبراني قبل قيام المملكة المتحدة وإنما يعكس، في واقع الأمر، الموقف السلبي الذي اتخذه كُتَّاب العهد القديم المحافظون ضد التجار وشئون المال. ولكن مما له دلالته أن التلمود يضم كتاباً كاملاً يُسمَّى «زراعيم» يتناول أمور الزراعة. ومهما تكن حقيقة الأمر، فقد تغيَّر الوضع مع ظهور المملكة العبرانية المتحدة التي كانت تشكل وحدة سياسية كبيرة نوعاً ما ولها سلطة مركزية أكثر مما كان علىه الحال إبان عصر القضاة. فقد كانت دولة في حاجة إلى تمويل المشروعات المعمارية الكبرى مثل هيكل سليمان، ووجدت أنه قد يكون من الممكن توفير الاعتمادات اللازمة من خلال النشاط التجاري. ومما شجع على هذا الاتجاه موقع فلسطين باعتبارها ممراً رئيساً بين التشكيلين الحضاريين الأساسيين في الشرق الأدنى القديم (مصر وبلاد الرافدين) ، فضلاً عن وقوعها على واحد من أهم طرق التجارة في العالم القديم، بحيث كان بإمكان من يحكمها أن يحقق أرباحاً كبيرة من خلال التجارة. وبالفعل، قامت الدولة العبرانية بتطوير العلاقات التجارية مع مدينة صور إحدى أهم القوى التجارية الاقتصادية آنذاك. واشتركت الدولتان في إنشاء أسطول في عتسيون جابر، ونشطت تجارة وصناعة التجميع، فكانت المملكة تشتري العربات الحربية من مصر وتُجمِّعها وتشتري الأحصنة من مصادر أخرى وتبيعها لملوك سوريا من الحيثيين والأراميين. وقد تكون قصة ملكة سبأ وزيارتها لسليمان دليلاً على ازدهار التجارة الدولية للمملكة العبرانية المتحدة. ومما يجدر ذكره أن الدولة احتكرت هذه التجارة. أما التجارة الداخلية، فيبدو أنها ظلت ضئيلة الشأن وبدائية تأخذ شكل المقايضة. ولم يتغيَّر الوضع كثيراً بعد انقسام المملكة المتحدة إلى المملكتين الشمالية والجنوبية. ولكن الصورة تبدأ في التغير قليلاً مع التهجير البابلي، حيث اشتغل بالتجارة كثير من أعضاء الجماعة اليهودية المهجَّرين، خصوصاً أن الإمبراطورية البابلية كانت لديها تجارة دولية نشطة في ذلك الوقت. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية في بابل إلى جماعة وظيفية وسيطة، وأصبح هذا هو النموذج السائد مع ازدياد انتشار الجماعات اليهودية في العالم القديم خارج فلسطين، إذ ظهرت جماعات يهودية وسيطة في أرجاء الدولة الفارسية وفي الإسكندرية وروما وفي أنحاء أخرى من العالم القديم. لكن هذا لا يعني أن جميع اليهود، في جميع أنحاء العالم، كانوا يعملون بالتجارة منذ التهجير البابلي، إذ أن من الثابت تاريخياً أن قطاعات كبيرة منهم ظلت تعمل بالزراعة في بابل وفي بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد تبلور تماماً هذا الاتجاه نحو العمل بالتجارة مع سقوط الدولة الرومانية وبداية العصور الوسطى في القرن الخامس الميلادي، إذ تعرضت أوربا بعد سقوط الإمبراطورية لهجمات القبائل البربرية، مثل: الوندال والفرنجة والهن والقوط والسكسون والتيوتون وغيرهم، وهو ما أدَّى إلى تَحوُّل مركز الحياة ثانيةً من المدينة (التي كانت تمر بالمراحل الأولى من نموها) إلى الريف. وأدَّى هذا بدوره إلى حدوث تراخ شديد في عملية تَحوُّل الاقتصاد من إنتاج طبيعي استهلاكي يستند إلى القيمة الاستعمالية إلى إنتاج بضاعي يستند إلى القيمة التبادلية. ونتيجة ذلك، ظلت القارة الأوربية كياناً استهلاكياً بصورة أساسية، يُصدِّر العبيد والنساء والصبيان والفراء والسيوف ويستورد الأقمشة والحبوب والتوابل وغير ذلك من المنتجات التي تستهلكها بالدرجة الأولى طبقة الإقطاعيين والنبلاء. ونجم عن هذا استقطاب المجتمع الأوربي إلى طبقتين: طبقة السادة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين. وكانت أولاهما تحتكر التجارة، أما الثانية فلم تكن قادرة على الاضطلاع بها لعدم تَوفُّر رأس المال أو الخبرة لديها. لكن النشاط التجاري لم يكن من الاتساع بحيث يستدعي ظهور طبقة تجارية محلية. وأدَّى هذا الوضع إلى اتساع الهوة بين الطبقتين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يضطلع بوظيفة التجارة جسم غريب مثل أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يقطنون المدن والموانئ مع التجار الفينيقيين. ويقول الحاخام آجوس: «لقد ورثت المسيحية القانون الروماني المعادي للتجارة والربا، بينما ورث اليهود المدن والحياة في المدينة وتقاليدها القانونية والحضارية» . وهذا قول يتسم بكثير من المبالغة ولكنه، مع هذا، يصف جانباً مهماً من الواقع. وبعد الفتح الإسلامي وضم منطقة سوريا وفلسطين، تبلور دور اليهود كتجار داخل التشكيل الحضاري الغربي بصورة نهائية. وبالتالي اختفى التجار الفينيقيون، وفُتح المجال على مصراعيه أمام اليهود ليصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة تقريباً في الغرب. بل وأصبحت الجماعات اليهودية، بانتشارها في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالمين الإسلامي والمسيحي، تشكل أول نظام ائتماني عالمي يُسهِّل عملية انتقال التاجر من بلد إلى آخر ويُيسِّر عمليات التبادل التجاري وينظمها. وبذلك، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون الجسر التجاري والمالي بين العالمين الإسلامي والمسيحي مع بداية العصر الوسيط في الغرب، ولعبوا دوراً خطيراً في التجارة الدولية بينهما. ومما يجدر ذكره أن التجارتين الدولية والمحلية كانتا مرتبطتين تماماً، إذ كان التاجر يحمل السلعة من بلد إلى آخر أو من سوق إلى آخر ويبيعها بنفسه أو يبيعها لتاجر يهودي آخر مقيم في المدينة. ويُقال إن أعضاء النخبة الحاكمة في مملكة الخَزَر كانوا يرغبون في تطوير التجارة بمملكتهم، ومن ثم اعتنقوا اليهودية حتى يمكنهم التمتع بالتسهيلات الائتمانية التي يتمتع بها اليهود في شتاتهم، أي انتشارهم. ومن العناصر التي ساهمت في تحوُّل الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، علاقتها الخاصة بالزراعة في أوربا إبَّان العصور الوسطى (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة» ) . ولعل العنصر الحاسم في عملية تحويل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة هو اكتمال ملامح النظام الإقطاعي، فهو مجتمع يقوم على التفرقة بين الطبقات والجماعات ويحافظ على استقلال كل واحدة منها وعلى هويتها، كما أنه مجتمع يستند إلى التضامن المسيحي. وقد كان على الفلاح أن يقسم يمين الولاء الديني، كما كان الملوك يحكمون بالحق الإلهي للملوك. ولهذا، لم يَعُد بإمكان اليهودي أن ينتمي إلى مثل هذا المجتمع بعد تبلور هويته المسيحية، فلم يَعُد بوسع اليهودي، على سبيل المثال، أن يؤدي الخدمة العسكرية أو يمتلك الأراضي أو يزرعها لأن كل هذا يتطلب يمين الولاء المسيحي. ولمّا كانت الزراعة والقتال هما الوظيفتان الأساسيتان في المجتمع الإقطاعي الغربي فقد تَحوَّل اليهودي بالدرجة الأولى إلى غريب، كما استُبعد على المستوى الاقتصادي والديني والحضاري، أي على جميع المستويات تقريباً. ولذا لم يكن أمام أعضاء الجماعات اليهودية سوى أن يملأوا الفراغات في المجتمع ويضطلعوا بالوظائف التي ليست من صميم بنيته، أي أنهم تَحوَّلوا إلى وسطاء عليهم شراء المواثيق من الملوك والأمراء، وتوثقت علاقتهم بالسلطة الدنيوية الحاكمة حتى أصبحوا أقنان بلاط يتبعون التاج الملكي والخزانة الملكية ويُوضَعون تحت حماية الملك ويشكلون ما يشبه الملْكية الخاصة له، يحققون له الأرباح عن طريق التجارة والقيام بنشاطات مالية وإدارية أخرى مثل: جمع الضرائب والعمل في بعض الصناعات، أي أنهم أصبحوا جزءاً من الطبقة الحاكمة وأداة طيعة لها. وقد يكون من المفيد هنا أن نحذر من افتراض وجود نموذج عام يُطبَّق بأسلوب واحد وعلى مستوى العالم الغربي من مرحلة زمانية إلى مرحلة زمانية أخرى. فالنموذج الذي طرحناه عام للغاية ويصلح إطاراً تصورياً متحرراً إلى حدٍّ ما من الزمان والمكان، وذا قيمة تحليلية وحسب، ويظل التطور التاريخي ذاته مختلفاً ومليئاً بالتعرُّجات والنتوءات. ويمكننا أن نقول إن النموذج ينطبق إلى حدٍّ كبير على إنجلترا، وبدرجة أقل على فرنسا حيث كان يوجد يهود يعملون بالزراعة. وفي ألمانيا، استولى النبلاء على حق ملكية اليهود إذ أصدر تشارلز الرابع مرسوماً بذلك في عام 1356 يسمح لهم بامتلاك وحماية اليهود. وكان هناك يهود يعملون بالحرَف، مثل الصباغة وصناعة الحرير والدباغة والصياغة، خصوصاً في إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية. ويختلف الوضع في إيطاليا من مقاطعة إلى أخرى ومن مرحلة زمنية إلى أخرى. ويمكن أن نضيف أن شرق أوربا كان وثنياً حتى القرن العاشر الميلادي، أي أنه ظل خارج هذا الإطار تماماً لفترة زمنية طويلة. وحينما انضوى تحت هذا الإطار، فإنه ظل تشكيلاً اقتصادياً له خصوصيته، ولعب اليهود داخله دوراً مغايراً بعض الشيء عن الدور الذي لعبوه في غرب أوربا ووسطها. وبعد كل هذه التحفظات، يمكننا أن نبدأ في عرضنا التاريخي، ونشير إلى أن اليهود أصبحوا ـ منذ القرن الخامس الميلادي ـ تجاراً دوليين ومحليين وازدادت أهميتهم مع الفتح الإسلامي. وقد أشار ابن خرداذبة إلى التجار الراذانية باعتبارهم تجاراً دوليين يمتد نشاطهم في كل أرجاء العالم القديم. وقد احتكر أعضاء الجماعات اليهودية معظم التجارة الدولية، سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو في الطريق البري الشمالي عبر القارة الأوربية من خلال بلاد السلاف، في الفترة بين عامي 800 و1200. وكانوا يقومون بتجارة الأنسجة والفراء والعقاقير والسلع التَرفَيِّة التي يأتون بها من الشرق والرقيق الذي يأتون به من بلاد السلاف التي اشتُق اسمها من كلمة من لاتينية العصور الوسطى إسكلافوس scelavus أي «عبد» ، ومن هنا أيضاً تسميتهم «الصقالبة» . ولهذا، أصبح اليهودي المتجول معروفاً في كل مدينة وبلدة وفي كل سوق ومولد. وكانت الدول التي تريد إنعاش حركة التجارة فيها ترسل في طلب بعض اليهود وتوطنهم كي يقوموا بدور الوسيط وينشطوا الحركة التجارية التي يعجز المجتمع الزراعي بتنظيمه الجامد التقليدي عن القيام بها. ولهذا السبب، كان يُنص في المعاهدات أحياناً على تَبادُل اليهود. فقد اشترطت مدينة رافنا في معاهدة عُقدت مع البندقية في أواخر العصور الوسطى أن ترسل المدينة الأخيرة بعض اليهود ليقوموا بالأعمال المصرفية والتجارية فيها. كما كان الملوك يحاولون الحفاظ على اليهود ضمن اهتمامهم بالتجارة والحركة التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة إلى درجة أن كلمة «تاجر» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» تقريباً. ففي أحد المواثيق الألمانية الصادرة في القرن العاشر الميلادي (965) ترد إشارة إلى «اليهود والتجار الآخرين» . غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن التجارة التي اشتغل بها أعضاء الجماعات اليهودية تتسم بصفتين أساسيتين، أولاهما أن التجارة اليهودية هي ما يعرف باسم «التجارة البدائية» ، وهي تجارة تختلف عن التجارة الحديثة من عدة وجوه. فالتجارة الحديثة هي جزء عضوي وأساسي من نظام المجتمع الرأسمالي والرأسمالية الرشيدة، أما التجارة البدائية فتلعب دوراً ثانوياً وهامشياً في مجتمعات ما قبل الرأسمالية (العبودي والإقطاعي وغيرهما) ، حيث يتميَّز الإنتاج في هذه المجتمعات بأنه إنتاج لقيمة استعمالية وليست تبادلية، أي أن الإنتاج كان موجهاً نحو إشباع حاجات المجتمع وحسب، وإذا ما تَبقَّى فائض من السلع بعد أن يستهلك المجتمع ما يريد، يقوم التاجر البدائي بنقله من هذا المجتمع إلى مجتمع آخر. كما كانت تنشأ داخل مجتمعات ما قبل الرأسمالية، حاجة إلى بعض السلع الكمالية مثل التوابل والذهب، فكان التاجر البدائي يقوم بتوريدها وسد الحاجة التي تنشأ إلىها. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار التجارة البدائية تجارة هامشية دون أن يضفي هذا الاعتبار إيحاءات سلبية، فهي لا تلعب أيَّ دور في حركة الإنتاج وإنما تظل على هامشها. والصفة الثانية للتجارة اليهودية وثيقة الصلة بالأولى. فالتجارة اليهودية، على خلاف التجارة التي تطورت بين المسيحيين، كانت منذ البداية مرتبطة بالطبقة الحاكمة في المجتمع الإقطاعي، حيث كان التاجر اليهودي (وكذلك المرابي اليهودي) ، كما أسلفنا، ملكية للأمير أو الإمبراطور أو النبيل الإقطاعي، وكان يقوم بالتجارة ليحقق أرباحاً لا تتحول إلى رأسمال مستثمر في المجتمع وإنما تصب في خزائن النبيل الإقطاعي من خلال الضرائب والإتاوات التي كان على اليهود دفعها. ومن هنا، كانت التجارة اليهودية تعبيراً عن العلاقات القائمة في المجتمع الإقطاعي ولا تشكل نقيضاً لها على الإطلاق. ولعل هذا ما كان يعنيه ماركس حين أشار إلى وجود اليهود في مسام المجتمع الإقطاعي، فهم فيه وليسوا منه، وهم هامشيون في وجودهم لا يشكلون أي تحدٍّ له. ولكن حركيات التطور داخل المجتمع الغربي، التي جعلت اليهود يضطلعون بدور التجارة الدولية والمحلية، هي ذاتها التي جعلت استمرارهم فيها مستحيلاً. وبعد أن كان وضعهم القانوني مستقراً، بدأ هذا الوضع في الانهيار مع تضاؤل أهمية دورهم الاقتصادي. ويمكن أن نورد بعض الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع: 1 ـ سيطرت المدن الإيطالية في القرن العاشر الميلادي على التجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومما عقَّد الأمر بالنسبة للتجار اليهود، عدم وجود الإمكانات المالية أو العسكرية الكافية لامتلاك الأساطيل البحرية، وهو أمر كان متاحاً لمدينتي البندقية وجنوة اللتين كانتا تمتلكان أساطيل تجارية قوية وكانتا من أوائل المدن/الدول الأوربية التي ظهرت فيها طبقة تجارية نشطة. وقد حاولت هاتان المدينتان قدر استطاعتهما أن توقفا التجارة اليهودية. ومما عوض اليهود لبعض الوقت عن فقدانهم تجارة المتوسط تنشيط تجارتهم من خلال الطريق البري الذي يمر عبر الدول السلافية ابتداءً من إسبانيا وانتهاءً بالبحر الأسود. 2 ـ ساهمت حروب الفرنجة التي يُطلَق عليها اسم «الحروب الصليبية» ، وهي تعبير عن الإرهاصات الأولى لولادة الرأسمالية الأوربية، في القضاء على كثير من مراكز التجمع التجاري اليهودي في أوربا. وإلى جانب ذلك، دعمت هذه الحروب العلاقات بين الدول الأوربية المختلفة وبدأت تظهر شبكة علاقات بينها. كما أصبح الطريق إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، وغيره من الطرق، مفتوحاً بعد أن أخذ التجار المسيحيون يتحركون بسهولة خلف جنود حملات الفرنجة. وقد ظهرت شبكة طرق في القارة الأوربية استخدمها التجار المسيحيون، ولكنها لم تكن آمنة بالنسبة للتجار من أعضاء الجماعات اليهودية، حتى أن السلطات سمحت للتجار اليهود بالتظاهر بأنهم مسيحيون حتى يمكنهم الانتقال بسهولة والاستمرار في تجارتهم. 3 ـ بدأت تظهر هياكل مركزية حكومية في بعض الدول الأوربية مثل إنجلترا وفرنسا مع القرن الثالث عشر الميلادي، وفي إسبانيا بعد ذلك التاريخ. وهذه الهياكل لم تجد في أعضاء الجماعات اليهودية ـ من حيث هم أقنان بلاط ـ فائدة كبرى، ولذا طُرد اليهود في تلك المرحلة. ورغم عدم قيام سلطة مركزية في ألمانيا، فإن وضع اليهود تخلخل تماماً هناك. 4 ـ بدأت تظهر في أوربا طبقة تجارية محلية بلغت شيئاً من القوة في القرن الحادي عشر الميلادي. وقد أخذت قوة هذه الطبقة في التعاظم، فبدأ التجار والحرَفيون في تكوين نقابات تضمهم وتقوم بالضغط لصالحهم، وتحاول طرد التاجر اليهودي المنافس الذي كان يحظى بالدعم من السلطة الإقطاعية. وبدأت المدن تكتسب شيئاً من القوة والاستقلال، ووصلت حركة استقلالها إلى ذروتها مع القرن الثالث عشر الميلادي، واستولى التجار من الطبقة الوسطى بصورة متزايدة على المجالس المدنية والحكومات المحلية. ومما يجدر ذكره أن الرأسمالية الحديثة أو الرشيدة في الغرب وُلدت على يد هؤلاء التجار المسيحيين وداخل جدران هذه المدن المستقلة الجديدة لا بين صفوف أعضاء الجماعات اليهودية أو داخل الجيتو أو الشتتل. حيث قام هؤلاء التجار بالاستثمار بعيد المدى في إنتاج سلعة ما وتخصصوا فيها وفي تصنيعها وتسويقها، أي أن العملية الإنتاجية لم تَعُد تهدف إلى إشباع الرغبات كما هو الحال داخل النظام الإقطاعي، بل إلى إنتاج سلع بهدف بيعها. وقد قام هؤلاء التجار المسيحيون بتضييق الخناق على التجار اليهود بدرجات متفاوتة من النجاح. وبدأت تسقط معاقل التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها حتى اختفت التجارة اليهودية تماماً مع القرن السادس عشر الميلادي، باستثناء بعض الجيوب في إيطاليا ووسط ألمانيا حيث تَركَّز نشاطهم بالدرجة الأولى في الربا وأعمال الرهونات، وإن ظلوا يقومون بدور تجاري أيضاً. وبالتدريج، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية في تحويل مدخراتهم إلى النوع السائل الذي يَسهُل حمله من بلد إلى بلد، وتَحوَّل اليهودي إلى مبادلة النقد ثم إلى إقراضه بالفائدة العالية، أي أنه وجد نفسه خارج النشاط الزراعي ثم خارج النشاط التجاري فتَحوَّل من تاجر إلى مراب، وتَحوَّل اليهود ككل من جماعة وظيفية وسيطة تقوم بدور الوساطة بين طبقات المجتمع إلى جماعة وسيطة عميلة تقوم بدور الوساطة ولكنها في الوقت نفسه أداة في يد الطبقة الحاكمة أولاً وقبل كل شيء. ولكن معدلات النمو لم تكن متساوية في أوربا، فلم تكن البنية الاقتصادية لشرق أوربا تشبه البنية الاقتصادية لغربها مع بداية العصور الوسطى. ولذا، رحبت النخبة الإقطاعية الحاكمة في بولندا وليتوانيا في أواخر القرن الثالث عشر بالعناصر التجارية، مثل اليهود والأرمن والتجار الألمان، لتطوير القطاع التجاري الدولي والمحلي فيها، دون اللجوء إلى بورجوازية محلية لها جذور في المجتمع ولها قاعدة جماهيرية فيه قد تطالب بقدر من الاستقلال بعد أن يقوى ساعدها، وقد تطالب بالمشاركة في صنع القرار وتُصرُّ على تَبنِّي سياسة تهدف إلى حماية الصناعة والتجارة المحلية، الأمر الذي قد يُضرُّ بمصالح كبار الملاك الإقطاعيين الذين كانوا يُصدِّرون محاصيلهم إلى الغرب ويحتكرون التجارة في بعض السلع الحيوية. ومن ثم، وجد النبلاء الإقطاعيون البولنديون في التجار اليهود ضالتهم المنشودة لأنهم أكثر العناصر بُعداً وغربة عن البيئة، وبالتالي يمكنهم القيام بالنشاط التجاري والمالي والصناعي دون تشكيل أي خطر على انفتاح الاقتصاد الإقطاعي البولندي، فأصبحوا أداة هذا الإقطاع. وقد ظهر في بولندا يهود الأرندا الذين لعبوا دوراً أساسياً في تصدير المحاصيل البولندية إلى أوربا، ولاسيما إبَّان حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648 (. وقد اضطلع يهود الأرندا بأنشطة مالية وصناعية أخرى مثل تحصيل الضرائب واحتكار تجارة الملح، وساهموا بذلك في ملء خزائن النبلاء وفي ضرب البورجوازية المحلية. وبعد سقوط التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها وانسحاب التجار اليهود منها، ظهر عنصر جديد هو يهود إسبانيا والبرتغال من المارانو السفارد الذين طُردوا من شبه جزيرة أيبريا مع نهاية القرن الخامس عشر وانتشروا في أوربا والدولة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي. وكان يهود المارانو يمتلكون الخبرات اللازمة ورأس المال اللازم للأعمال المالية الكبرى، وهو ما جعلهم يمولون كثيراً من الشركات الاستعمارية الجديدة وعمليات الاستيطان والاستثمار في العالم الجديد. فاستقروا في البرازيل واشتركوا في تجارة السكر والرقيق والمنسوجات حيث استفادوا بعلاقاتهم بالحكومة البرتغالية التي كانت تملك مستعمرات في أفريقيا مثلت مصدراً جيداً للعبيد. وشهد منتصف القرن السابع عشر الميلادي ذروة تطوُّر الدور الاقتصادي للجماعات اليهودية في أوربا والعالم، حيث اكتملت حلقة ما يمكن تسميته «التجارة الدولية اليهودية» ووصلت إلى قمتها وأصبحت عالمية بشكل لم يسبق له مثيل. وكان يهود المارانو هم حلقة الوصل الأساسية في هذه التجارة، فتركزوا في المدن الأوربية الكبرى، خصوصاً في تلك البلاد التي يتبعها إمبراطوريات مثل هولندا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال، حيث احتفظ المارانو بعلاقتهم مع أقاربهم الذين لم يُطرَدوا من شبه جزيرة أيبريا. وبذلك أصبحوا يلعبون دوراً أساسياً في تجارة الأطلسي والعالم الجديد. كما تركز المارانو في هامبورج وبوردو وبايون، وظهر من بينهم (ومن صفوف الإشكناز) يهود البلاط الذين لعبوا دوراً أساسياً في تجارة الإمارات الألمانية ووسط أوربا بشكل عام. وكانت تساعد هذا المركز الأوربي قاعدة ضخمة من صغار التجار اليهود وتجار العملة، حيث كان يهود الأرندا الإشكناز في بولندا، الذين امتدت نشاطهم من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، يشكلون أحد أجنحتهم المهمة. أما الجناح الآخر، فتَمثَّل في يهود الدولة العثمانية الذين تمركزوا في موانئ البحر الأبيض المتوسط. بل وكان للمارانو - كما أشرنا - قاعدة في المغرب وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي المستعمرات الهولندية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية في العالم الجديد. وهكذا اكتملت هذه الحلقة التجارية الدولية الضخمة. ومع أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بدأ يهود الإشكناز انتشارهم مرة أخرى في أنحاء العالم إلى أن أصبحوا أغلبية يهود العالم. ويُلاحَظ أن عودة اليهود إلى دول غرب أوربا، في القرن السابع عشر الميلادي، كانت عودة إلى دول لها مشروعها الرأسمالي الاستعماري الضخم المتكامل. ولكن، رغم أنهم كانوا يمثلون عنصراً تجارياً نشطاً، إلا أنهم لم يشكلوا عنصراً مستقلاً يمثل تجارة يهودية ملتصقة بالإقطاع، بل أصبحوا تجاراً يدينون باليهودية ويشكلون جزءاً من كلٍّ غربي لا يتحكمون فيه ولا يشكلون فعالية مستقلة داخله، حتى وإن تمتعوا بقدر من الاستقلال، لأنه في النهاية قَدْر صغير لا يؤثر على الاتجاه العام للرأسماليات التي ينتمون إليها. وقد ظلت التجارة اليهودية الهامشية قائمة في وسط أوربا وشرقها بدرجة أكبر حتى عصر الإعتاق (في القرن الثامن عشر) ، فظهرت بورجوازيات محلية في ألمانيا ثم بولندا أخذت تزاحم التجار اليهود وتطردهم. وقد تدهور وضع التجار اليهود، خصوصاً في بولندا بعد تقسيمها وبعد تَدنِّي وضع اليهود الاقتصادي فيها. ومن هنا ظهرت مسألة يهودية في كل من هذه البلاد. وكان للتجارة اليهودية دائماً بُعد سلبي أو مظلم، فقد كانت تجارة هامشية طفيلية " تعيش على تَخلُّف المجتمع " على حد قول ماركس، وتتسلل دائماً إلى الشقوق الناجمة عن التخلف، وإلى الأطراف التي تحفّ بها المخاطر ولا تجد من يعمل فيها، ولذا نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية اشتغلوا بتجارات مشينة مثل: تجارة الرقيق والمشروبات الكحولية والرقيق الأبيض، وهي جميعاً تجارات كريهة للنفس البشرية. فكانت تجارة المشروبات الكحولية في شرق أوربا من النشاطات التجارية الأساسية بينهم، وكانت مشكلة السكْر مشكلة أساسية تواجه الفلاحين والأقنان في شرق أوربا، وهو ما زاد سخط الجماهير عليهم. كما أن احتكار أعضاء الجماعات اليهودية لبعض السلع الأساسية، مثل الملح (لحساب النبلاء الإقطاعيين) ، جعلهم في حالة احتكاك وتوتر دائمين مع الفلاحين وكل عملائهم، رغم أن أرباح تجارة الكحول والملح كانت تَصبُّ أساساً في خزائن النبلاء ولم يكن اليهود سوى وسطاء فيها. ومنذ عام 1880، ومع تدهور دورهم التجاري، اشتغل بعض أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الرقيق الأبيض، فكانوا يُصدِّرون الفتيات اليهوديات من منطقة الاستيطان عبر جاليشيا إلى العالم الجديد، خصوصاً إلى الأرجنتين. وقد وصل نشاط تجار الرقيق الأبيض من اليهود إلى مصر والهند والصين أيضاً. كما أدَّى التدني التدريجي لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، وتضييق الخناق عليهم، إلى اشتغالهم بأنواع من التجارة غير المشروعة مثل تهريب السلع دون دفع جمارك عليها. وساعدهم في ذلك تَوفُّر شبكة الاتصالات الضخمة لديهم، وتَحدُّثهم باللغة اليديشية التي لم يكن يفهمها سواهم. وكانت مثل هذه النشاطات مسئولة عن ظهور الصورة السلبية التي أشاعها عن اليهود المعادون لهم، وعمموها بعد عزلها عن الظروف الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهورها، بحيث تحوَّلت هذه الصورة إلى نموذج يُعبِّر عن الطبيعة الأزلية لليهود! وقد حاربت مختلف الحكومات بقايا التجارة اليهودية وعزلتها، وحاولت دمج أعضاء الجماعات اليهودية عن طريق تحويلهم إلى عناصر اقتصادية منتجة، إلى أن قضت الثورات الشيوعية والإبادة النازية لبعض يهود الغرب على البقية الباقية من التجارة اليهودية الشرعية وغير الشرعية. ويُلاحَظ أنه لا يوجد أثر للتجارة اليهودية في الولايات المتحدة، إذ أن اليهود هاجروا مع ملايين المهاجرين إلى مجتمع تجاري علماني نفعي يحكم على الأعضاء بمقدار مدى نفعهم ومدى إسهامهم الاقتصادي في مجتمعهم. ومع هذا، تركت التجارة اليهودية أثرها في يهود روسيا السوفيتية حيث تواجدت أعداد كبيرة منهم في قطاع تجارة التجزئة والسوق السوداء. أما في الولايات المتحدة، فيظهر أثر الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود في تَركُّز رأس المال اليهودي في الصناعات القريبة من المستهلكين، مثل السينما والملابس، وفي بُعدهم عن الصناعات الثقيلة التي تتطلب استثماراً بعيد المدى وتنطوي على مخاطر كبيرة. ولكن ميراث التجارة اليهودية آخذ في الزوال تماماً. وقد ترك اشتغال يهود العالم الغربي بالتجارة والأعمال المالية أثره العميق فيهم، إذ يُعَدُّ اشتغالهم بالتجارة سبباً في «استمرارهم» واحتفاظهم بنوع من الاستقلال العرْقي والقومي، وهذه سمة أساسية في الجماعات الوظيفية. والتجارة اليهودية التي تفترض انعزال التاجر عن مجتمعه هي الأساس الاقتصادي للجيتو ولكثير من التصورات الدينية والفكرية التي يُقال لها «قومية» والتي تتحدث عن «الشعب اليهودي» و «الشعب المختار» الذي يُوجَد على هامش التاريخ أو ربما خارجه، شأنها شأن التاجر اليهودي. والتجارة اليهودية مسئولة عن تحديد صورة اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. فاليهودي يظهر على أنه التاجر والمموِّل الشره والرجعي المحافظ في آن واحد. وربما يعود هذا إلى أن التجارة اليهودية نشاط شبه رأسمالي ولكنها تجارة مرتبطة بالنظام الإقطاعي، ولذلك فهي شيء مُبهَم يَصعُب تصنيفه. بل ويُقال إن الفلاحين كانوا ينظرون إلى التجارة اليهودية باعتبارها ضرباً من السحر، نظراً لطبيعتها الهامشية والطفيلية. فالنبيل الإقطاعي والفلاح يعملان بالزراعة، ولا غرابة إذا ظهرت ثمرة جهدهما، لأنهما يقومان بجهد في تحويل مادة ما (الأرض) إلى شيء آخر (الثمرة) من خلال الجهد الإنساني، أما اليهودي فكان لا يملك سوى رأسماله الذي يقوم بتحريكه (شراء السلع وبيعها) فيراكم الثروات دون جهد أو عمل دون أن ينتج شيئاً ملموساً وكأنه ساحر يخرج الأرنب من القبعة بتحريكها. والفكر الصهيوني ذو بُعد تجاري واضح، فهرتزل والصهاينة يتحدثون باستمرار وجدية عن شراء حائط المبكى بل وعن شراء فلسطين ذاتها. وانطلاقاً من التصور التجاري نفسه، لا يزال الإسرائيليون يتحدثون عن دفع تعويضات للفلسطينيين نظير أن يبحثوا لأنفسهم عن وطن آخر، كما تُقدِّم الحركة الصهيونية ما يشبه الرشوة لليهود السوفييت ليهاجروا إلى الأرض المقدَّسة. وأخيراً، فإننا نميل إلى تسمية الدولة الصهيونية بالدولة الوظيفية، فهي تلعب دوراً يشبه في كثير من النواحي دور التجارة اليهودية في أوربا. كما أن الدولة الصهيونية هامشية ترتبط مصالحها بمصالح الإمبريالية الغربية مثل ارتباط التجار اليهود بالطبقات الحاكمة التي كانت تستخدمهم أداة لضرب القوى الوطنية المحلية. الراذانية Radhanites «الراذانية» جماعة من التجار اليهود، وورد اسمهم في صيغتين: الراذانية عن ابن خرداذبه والرادانية عند ابن فقيه. ويُقال إن الاسم مُشتق من كلمة «ردن» الفارسية بمعنى «عرف الطريق» . وهناك من يذهب إلى أنه من الكلمة «رادنوس» اللاتينية (نهر الرون) . ويختلف الباحثون في أصلهم فيقول البعض إنهم من جنوب فرنسا، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنهم أصلاً من العراق. وقد وصف ابن خردازبه في كتابه المسالك والممالك نشاطهم في المجال التجاري، قائلاً إنهم يتكلمون «العربية والفارسية والرومية [اليونانية] والإفرنجية [لغة الفرنجة أي الفرنسية القديمة] والأندلسية [الإسبانية] والصقلية [اللغات السلافية] » . وهم يسافرون من الغرب إلى الشرق براً أو بحراً، من فرنسا إلى السند والهند والصين ثم يعودون حاملين من الصين المسك والعود والكافور. وهم في رحلتهم هذه يسلكون عدة طرق. يجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف. وقد استمر نشاط التجار الراذانية حتى القرن التاسع الميلادي حين سيطرت المدن/الدول الإيطالية على التجارة الدولية. جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض) Jewish Financial Functional Group (Usury and Money Lending) «الجماعة الوظيفية المالية» هي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بوظائف مالية مختلفة مثل الربا وجمع الضرائب. ويُفرِّق علم الاقتصاد الحديث والمؤرخون الاقتصاديون في الغرب بين الربا والإقراض بفائدة. ففي الإطار الربوي يتم الإقراض لسد حاجة أو لدفع ضريبة أو جزية أو لبناء قصر أو كنيسة أو لتجريد حملة عسكرية. والقرض الربوي لا يصبُّ في أية عملية إنتاجية، كما أن سعر الفائدة يكون عالياً جداً وغير محدَّد، وغالباً ما يُحدَّد في ضوء مدى حاجة المدين إلى القرض. أما الإقراض بفائدة، فقد عُرِّف بأنه إقراض مبلغ من المال بهدف استثماره في شراء البضائع أو في مشروع صناعي لتحقيق ربح، والقرض هنا يصبُّ في العملية الإنتاجية وعادة ما يتم تحديد نسبة فائدة معقولة. لكن هذه التفرقة لم تكن معروفة أو معمولاً بها في العصور القديمة حتى الثورة الصناعية في الغرب. ولذلك، فسوف نستخدم مصطلح «الربا» للإشارة إلى عملية الإقراض بفائدة أياً كان الهدف وأياً كان سعر الفائدة، خصوصاً وأن الإقراض اليهودي كان في معظمه ربوياً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. وقد ارتبطت صورة اليهودي بشخصية المرابي في العقل الغربي وعَبْر التاريخ الغربي، وهي الصورة التي خلدها شكسبير بشخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. وقد فسر المعادون لليهودية اشتغال اليهود بالربا، مثلما فسروا اشتغالهم بالتجارة، على أنه جزء من طبيعتهم الأزلية ونزوعهم الأبدي نحو امتصاص دم الآخرين، في حين فسره المؤرخون الصهاينة بأنه وظيفة فُرضت على اليهود فرضاً باعتبارهم ضحايا أزليين لذئاب الأغيار. وليس لهذين التفسيرين أية علاقة بالواقع المتعيِّن للجماعات اليهودية. فقد كان العبرانيون، حين ظهروا لأول مرة في التاريخ، بدواً رُحَّلاً لا يتعاملون بالنقود، ولذا لم يكن هناك مجال للإقراض أو الاقتراض. ولم يكن اقتصاد المملكة العبرانية المتحدة متقدماً بما فيه الكفاية ليتطلب السيولة النقدية اللازمة لعمليات الاستثمار أو حتى لشراء السلع التَرفَيِّة، حيث كان الاقتصاد الداخلي بدائياً مبنياً على المقايضة والتبادل. أما الإنشاءات المعمارية التي قامت بها الدولة، فتم تمويلها من خلال التجارة الدولية التي احتكرتها. واشتغل العبرانيون المُهجَّرون إلى بابل بالزراعة، ولكن أعداداً منهم بدأت تقطن المدينة حيث اشتغلوا بالتجارة الدولية والمحلية، وظهرت بيوتات مالية تجارية ـ مثل بيت موراشو ـ كانت تُقدِّم القروض نظير فوائد. ويبدو أن بعض يهود الإسكندرية اشتغلوا بأعمال الربا، فيَذكُر يوسيفوس أن كبير الموظفين (ألبارخ) الإسكندري أقرض الملك أجريبا مبلغاً من المال. ولكن حالة يهود الإسكندرية كانت الاستثناء وليست القاعدة، ولذا لا نجد حتى القرن الرابع الميلادي أي هجوم على اليهود باعتبارهم مرابين. ومع القرن السادس الميلادي، بدأ اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا في الإمبراطورية الفرنجية. كما ظهر مرابون يهود في العالم الإسلامي، ولكنهم لم يحتكروا هذه المهنة إذ اشتغل بها أعضاء الأقليات العرْقية والدينية الأخرى كما اشتغل بها بعض أعضاء الأغلبية. ولم تتركز أغلبية اليهود في هذه المهنة بل كانوا يعملون في معظم الحرف والمهن الأخرى. وبدأ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي في مهنة الربا ابتداءً من القرن العاشر الميلادي. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة، تُساق عدة أسباب ربما كان أهمها اضطرار اليهود إلى اعتزال التجارة الدولية والمحلية، وظهور المدن/الدول الإيطالية، وحروب الفرنجة، وتشكيل نقابات الحرَفيين. ومن ثم اضطر اليهود إلى تحويل ممتلكاتهم إلى رأسمال سائل يَسهُل حمله، وإلى الاشتغال بأعمال الصيرفة واستبدال العملة ثم الربا. وقد شجعت على هذه العملية عدة أسباب أخرى أهمها: 1 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في التشكيل الحضاري الغربي. والجماعة الوسيطة هي التي تضطلع بوظائف (مثل الاتجار والإقراض بالربا) لا يقبل أعضاء المجتمع القيام بها بسبب ارتباطهم بأواصر قرابة أو صداقة أو جيرة تجعل دخولهم في علاقات موضوعية باردة محايدة أمراً عسيراً. ومن هنا كان من المنطقي أن يعمل أعضاء الجماعة اليهودية الوسيطة، الذين يقومون بمهنة التجارة، بالربا حينما تضطرهم الظروف إلى تغيير وظيفتهم. 2 ـ ولعل التنظيم الجامد للمجتمع الإقطاعي الغربي لعب دوراً أساسياً في هذا المضمار، فلم يكن أمام التاجر اليهودي الذي كانت تُغلَق أمامه فرص التجارة بدائل كثيرة مطروحة، إذ لم يكن بمقدوره أن يعمل في الزراعة أو القتال أو في كثير من الحرف الأخرى، خصوصاً بعد تشكيل نقابات الحرفيين التي كانت تُعَد أكثر القطاعات عداء لليهود. 3 ـ تُحرِّم الكنيسة الربا على المسيحيين حيث صدرت عدة قرارات في هذا الشأن. وكان أولها قرار اتُخذ في مجمع نيقيا في عام 325 ثم في مجمع أورليان في عام 538، ولكن هذه القرارات كانت تُحرِّم الربا على رجال الدين لا على جميع المسيحيين، إلى أن صدر قرار شارلمان عام 789. ووصل التحريم قمته في المجمع اللاتراني الثالث عام 1179 حيث شمل التحريم كل المسيحيين ( «إن الذين يجهرون بالربا لا يُقبَلون في العشاء الرباني وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يُدفَنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صلواتهم» ) . أما اليهودية فلم تُحرِّمه، ولكنها حرَّمت إقراض اليهودي لأخيه اليهودي بالربا، فقد جاء في سفر التثنية (23/19 - 20) «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يُقرَض بربا للأجنبي. تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها» ومن المعروف أن الجماعات الوظيفية تتبنى مقاييس أخلاقية مزدوجة، مقاييس تنطبق على عضو الجماعة وأخرى تنطبق على أعضاء المجتمع المضيف. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن الفقه الديني اليهودي لم يتقبل بسهولة مسألة الإقراض بربا وقد قال راشي في القرن الحادي عشر الميلادي «إن كل من يقرض أجنبياً بفائدة سيهلك» وقد أصبح التحريم أقل حدة في القرن الحادى عشر الميلادي عندما أصدر أحد الحاخامات فتوى مفادها أن اليهودي ينبغي عليه ألا يقرض الأغيار بربا، حين يكون بوسعه أن يكسب رزقه بطريقة أخرى. كما أصدر الحاخام أليعازر بن ناثان (من ألمانيا) فتوى مماثلة جاء فيها: «حينما لا يملك اليهود حقولاً أو كروماً يمكنهم العيش من ريعها، يصبح إقراض المال بربا ضرورياً لكسب رزقهم ومسموحاً به» . وقد جاء في المشناه «بإمكان الإنسان أن يُقرض ويقترض بربا من الكفار» . ولكن وردت إلى جانب ذلك تحفظات بحيث لا تصبح المسألة مطلقة، فأورد التلمود اقتباساً من المزمور 15 الذي جاء فيه «فضته لا يعطيها بالربا» ، كما جاء في سفر الأمثال (28/8) ما يبيِّن أن الإقراض بالربا ليس مُحرَّماً ولكنه مع هذا مكروه، ثم ذُكر أن الإقراض بالربا مباح إذا كانت الفائدة ضرورية لحياة الإنسان وليس الهدف منها الحصول على الثروة والترف. 4 ـ تزامنت عملية تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة مع ظهور حاجة ماسة إلى المال السائل اللازم لتجريد حملات حروب الفرنجة ولبناء الكاتدرائيات والكنائس. بل وبدأت تظهر في أوربا، بسبب التحولات الاقتصادية العميقة التي كانت تخوضها آنذاك، حاجة ماسة إلى اقتراض النقود، لا لسد الحاجة الشخصية وإنما للاستثمار التجاري، أي أن عملية الاقتراض بدأت تصبح مسألة أساسية للنظام الاقتصادي. وفي القرن الحادي عشر الميلادي، تصاعدت وتيرة تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة واشتغالهم بالربا. وبعد عدة عقود، كان معظم السكان في أوربا المسيحية، في غربها ووسطها، مدينين لليهود الذين أصبحوا مالكين لقرى ومدن بل بعض الأماكن المسيحية المقدَّسة مثل الأضرحة والمزارات. وقد احتكر اليهود عملية الإقراض نظير فائدة عالية بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين، وأصبح الربا هو مصدر حياة معظم يهود أوربا. وأصبحت كلمتا «مرابي» و «يهودي» مترادفتين مع نهاية القرن الثالث عشر الميلادي. وقد مارس المرابون اليهود نشاطهم في إنجلترا مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. أما في فرنسا، فقد مارسوا نشاطهم في فترات مختلفة من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. واكتسب أعضاء الجماعات اليهودية أهميتهم في ألمانيا، بوصفهم مرابين، من القرن الثالث عشر الميلادي حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ثم امتد نشاطهم بعد ذلك إلى بولندا واستمر حتى القرن التاسع عشر الميلادي. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل أعضاء الجماعات اليهودية تحولوا عن التجارة، إذ ظل هناك يهود يعملون بها حتى القرن الخامس عشر الميلادي بل وحتى بعد ذلك التاريخ، خصوصاً في الدول السلافية. كما أن من المعروف أن التجارة اليهودية وصلت قمة ازدهارها في القرن السابع عشر الميلادي أيام يهود البلاط. وقد كُسر احتكار أعضاء الجماعات اليهودية للربا مع ظهور جماعات من المرابين المسيحيين مثل جماعات فرسان المعبد الألمانية، واللومبارد في إيطاليا، والكوهارسين في فرنسا. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت متورطة في عمليات الإقراض بالربا وكانت تلتف حول التحريم الذي أصدرته بأن تقوم بإقراض المال المطلوب للمدين الذي يقدم كضمان قطعة أرض تقوم الكنيسة باستثمارها لحسابها وتستولى على ريعها الذي يشكل الفائدة إلى حين استرداد القرض الأصلي. كما ساندت الكنيسة كثيراً من جماعات المرابين. وقد منح البابا إنوسنت الرابع في عام 1248 لقب «أبناء الكنيسة الرومانية المميَّزين» للمرابين المسيحيين. ومع هذا، كان ارتباط كلمة «المرابي» بكلمة «اليهودي» من القوة حتى أن إحدى القصائد الألمانية تشير إلى «اليهود المسيحيين» أي «المرابين المسيحيين» . وكانت كلمة «لومبارد» أيضاً مرادفة لكلمة «مرابي» ، ولذا يُوجَد نص فرنسي (1315) يشير إلى «اللومبارد واليهود والمرابين الآخرين» . وقد احتدمت المنافسة في بداية الأمر بين أعضاء الجماعات اليهودية من جهة، واللومبارد والكوهارسين من جهة أخرى. فهؤلاء المرابون كانوا يشغلون المكانة نفسها ويضطلعون بالوظيفة نفسها ويتمتعون بالمزايا نفسها وتنزل بهم الكوارث نفسها، فقامت صراعات بينهم لهذا السبب. وحينما اضطهد هنري الثالث ملك إنجلترا الكوهارسين في عام 1251 وزج ببعضهم في السجن (وفرَّ البعض الآخر) ، عم الفرح أعضاء الجماعة اليهودية. ولكن بعد عامين، حينما قام لويس التاسع بطرد اليهود، استولى الكوهارسين على بيوتهم وممتلكاتهم بحماس غير عادي. وكانت المواثيق تعامل أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم من المرابين على قدم المساواة، وكانوا أحياناً يُطرَدون جميعاً كما حدث عام 1427 في برن (سويسرا) . ومع ذلك لم يقوَ المرابون اليهود على الاستمرار في المنافسة، إذ تمتَّع المرابون المسيحيون بمساندة حكوماتهم التي كانوا يوفرون لها قدراً كبيراً من الأمن اللازم للعمليات المالية. ولكن الأهم من هذا أن جماعات اللومبارد أو الكوهارسين كانت لديهم شبكة اتصال ضخمة، وكان بوسعهم تدبير قروض ضخمة لم يكن بمقدور اليهود تدبيرها. ومع تراجع الكنيسة باعتبارها أحد المنافسين، وتأييدها اللومبارد وغيرهم، ومع تزايد ابتزاز الأمراء لأقنان البلاط، أي المرابين اليهود، سقط الربا اليهودي مع نهاية العصور الوسطى ولم تعد لرأس المال اليهودي أهمية كبرى، كما لم يعد هناك رأسمال يهودي ضخم عند وقوع الثورة التجارية. وبينما كان المرابي اليهودي في البداية يُقرض الملوك والأباطرة ثم كبار النبلاء الإقطاعيين، فإنه راح يُقرض صغار النبلاء والفرسان ثم بعد ذلك الحرفيين والفلاحين والفقراء. وبدلاً من وجوده بجوار الطبقة الحاكمة، انسحب إلى الهامش حيث لم يَعُد اليهود يشكلون الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة. وهبط اليهودي من مرتبة الصيرفي إلى المرابي الذي يُقرض مبالغ صغيرة لمدة قصيرة بفائدة عالية وبضمان رهونات بسيطة مثل درع أو قطعة حلي أو بعض الملابس. ولعل ماحدث في مدينة ريجنزبرج في ألمانيا مثل جيد على هذا التدهور التدريجي التاريخي، فحتى عام 1250 كانت بلدية المدينة هي أهم مدين لليهود، وحتى عام 1400 كان أهم المدينين هم النبلاء ورجال الدين. أما بعد ذلك التاريخ، فقد احتل الفرسان ومواطنو المدن والحرفيون هذا المكان. وفي القرن الثالث عشر الميلادي، كان القرويون في جنوب فرنسا يُشكلون 65% من المقترضين حيث اقترضوا 43% من المبالغ، وكان سكان المدينة يشكلون 30% من عملاء المرابين اليهود حيث اقترضوا 41%، وكان الفرسان والنبلاء يمثلون 2% واقترضوا 9%، ورجال الدين 1% واقترضوا 5%. ولم يكن النمط مختلفاً في إنجلترا، حيث تخصص المرابي اليهودي في إقراض الطبقات الفقيرة التي يقترض أعضاؤها أموالاً ثم يجدون بعد ذلك في الغالب صعوبة بالغة في تسديد الديون. وقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته على عكس تصورات المعادين لليهود. ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلاً خاصاً حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا. فكان المرابي يصبح شريكاً موصياً أو شريكاً يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيباً من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئاً من ماله إذا لم يربح، وهذا هو ما تفعله بعض البنوك الإسرائيلية الآن لتتمكن من إقراض الإسرائيليين دون الإخلال بالقواعد الدينية. وكان المرابي يلعب دوراً اقتصادياً أساسياً في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أوكاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره. وعلى سبيل المثال، ساعد هارون (من لنكولن في إنجلترا) في القرن الثاني عشر الميلادي في بناء ما لا يقل عن تسع كاتدرائيات. كما موَّل المرابون اليهود بعض حملات حروب الفرنجة. والربا اليهودي، شأنه شأن التجارة اليهودية، كان عملية هامشية غير منتجة. فالمرابي برغم أهميته لا يلعب دوراً متعيِّناً واضحاً في العملية الإنتاجية، إذ إن أساس فائض القيمة في النظام الإقطاعي هو نمط الإنتاج الإقطاعي ذاته الذي ينتج قيمة استهلاكية وحسب دون الاهتمام بالقيمة التبادلية. وكان الأمير الإقطاعي والفلاح يشتركان في الإنتاج، أما المرابي فيظل خارج العملية أو على هامشها. ومن هنا، فإن الإقراض الربوي، شأنه شأن التجارة البدائية، لا يلعب دوراً في العملية الإنتاجية لأنه إقراض من أجل الاستهلاك أو نشاطات أخرى تقع خارج نطاق العملية الإنتاجية، على عكس الإقراض الرأسمالي الذي يُوظَّف في العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الإقراض هو أحد أسس عملية الإنتاج الرأسمالي. ولا شك في أن هذه الهامشية جعلت عناصر المجتمع تنظر إلى اليهودي على أنه شخصية طفيلية لا تبدع ولا تنتج، ولكنها تستولي على عائد الإنتاج. بل كان البعض يرون أن الربا، مثله مثل التجارة البدائية، يُعَدُّ شكلاً من أشكال السحر، إذ ينتج المرابي الثروة عن طريق تحريك أمواله لا عن طريق أي جهد إبداعي متعيِّن. لكن المرابي اليهودي لم يكن سوى أداة في عملية اقتصادية ضخمة إذ كان يَعُدُّ من أقنان البلاط، أي ملكية خاصة للملك يبيعهم متى شاء. وكانت أموال المرابي تئول إلى الملك من الناحية القانونية، ولكنه كان من الناحية الفعلية يتركها لأولاد المرابي حتى يستمروا في وظيفتهم. وكان الأمير أو الملك يبيع لليهود المواثيق التي تحميهم، وتحدد حقوقهم وتؤكدها، وتضمن لهم الأمن اللازم للاستمرار في العمليات المالية. وهذه حقوق لم يكن يتمتع بمثلها سكان المدن أو عامة الشعب. وكانت عملية بيع المواثيق هذه تضمن أن تصب ثمرة العملية الربوية بأسرها في خزانة الملك الذي كان يُسمَّى «شيخ المرابين» . أما اليهود فلم يكونوا سوى الوسيط الذي يلعب دور الإسفنجة، فهم يمتصون ثروة الشعب التي يعتصرها الحاكم فيما بعد عن طريق منح المواثيق لأعضاء الجماعة اليهودية وفرض الضرائب علىهم. وقد كان اليهود أكبر مصدر دخل للملك في إنجلترا، حيث كانوا يشكلون حوالي 12% من كل مصادر دخله. وفي بعض الإمارات المسيحية، في إسبانيا مثلاً، كانوا يشكلون نسبة أكبر من ذلك. وقد اضطر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الاعتماد الكامل على الملك أو الأمير الإقطاعي لحمايتهم من غضب الجماهير وفتكها، وكان هو بدوره يفضلهم في مرحلة من المراحل على غيرهم من المرابين نظراً لعجزهم وانفصالهم عن المجتمع ولعدم وجود قاعدة بشرية تدعمهم وتساندهم، وهو ما جعل منهم جماعة وظيفية وسيطة مثالية. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نميِّز بين الجماعة الوظيفية الوسيطة والجماعة الوظيفية الوسيطة العميلة. فالجماعة الوسيطة، رغم قربها من الطبقة الحاكمة، تؤدي خدمة لكل طبقات المجتمع. أما الجماعة العميلة، فهي أداة في يد الحاكم يستخدمها لصالحه ضد بقية طبقات المجتمع. وعلى هذا، كان التاجر اليهودي وسيطاً، أما المرابي اليهودي فكان عميلاً. ولكل هذا، كان الملك يبذل قصارى جهده ليمنع المرابين من اعتناق المسيحية إذ أن هذا يشكل إضعافاً وتبديداً للأداة التي يستخدمها. وكان المرابي الذي يَتنصَّر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن يتمتع بثمرة الرذيلة (أو هكذا كان التبرير والادعاء) . كما كان الملك يمنع اليهود من العمل في أي وظيفة أخرى، وكانت المواثيق التي تُمنَح لهم تمنع المسيحيين من الاشتغال بالربا. وقد طُرد طبيب ألماني مسيحي من مدينته لأنه تعدى على الحقوق والاختصاصات التجارية والمالية لليهود بأن اسثمر أمواله في الربا من خلال صديق يهودي له. وكان الملك يلجأ عند عجزه عن تسديد ديونه، إلى منح المرابي اليهودي حق جَمْع الضرائب من الفلاحين. ولكنه كان يلقي بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشاً للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد. ولعل هذا هو السبب في أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يراكموا قط رأسمالاً كافياً ولم يتحولوا قط إلى طبقة حاكمة، بل كانوا يعملون دائماً من خلال السلطة الحاكمة وفي خدمتها. ورغم أن المرابي اليهودي كان مجرد أداة، إلا أنه أصبح محط كراهية معظم أعضاء المجتمع وطبقاته، بما في ذلك المستفيدون منه. فقد كانوا يرون الربا شراً لابد منه، ولكنه شر أكيد، حيث تُعَدُّ كراهية المرابي أمراً متأصلاً في المجتمعات البشرية. وكان لفظ «سكتور sector» يُطلَق على كل من المرابي والقاتل في الإمبراطورية الرومانية. وربما يُعزَى توجيه تهمة الدم لليهود والقول بأنهم يطبخون عجين عيد الفصح بدم طفل مسيحي إلى اشتغالهم بمهنة الربا، فهم يمتصون دم ضحاياهم مجازاً. وليس من الصعب على الوجدان الشعبي أن يضع ما هو مجازي مقام الحقيقة الواقعة. وثمة أسباب متباينة جعلت المرابي اليهودي محط كراهية شديدة من كثير من الطبقات. فبالنسبة للطبقات الفقيرة، كان المرابي هو أداة الاستغلال المباشرة حيث كان يحتك بهم بشكل دائم، فضلاً عن أنهم كثيراً ما كانوا يخفقون في تسديد ديونهم فيفقدون مصدر رزقهم ذاته سواء كان هذا المصدر قطعة الأرض أو الآلات التي يعملون بها أو ملابسهم ذاتها. أما كبار النبلاء، فكانوا يرون في اليهودي قوة مالية ضخمة تساند الملك في صراعه معهم، كما أن المرابي اليهودي كان يعوق محاولتهم الاستيلاء على أراضي صغار البارونات الذين كان المرابي اليهودي يقرضهم فيحققون البقاء والاستمرار. وكان سكان المدن يرون في المرابي اليهودي غريماً لهم، وأداة في يد الحاكم الإقطاعي يستخدمها لقمعهم ولإعاقة تطورهم، خصوصاً أنه كان يتمتع بمزايا لا يتمتعون بها. ثم كان هناك عداء الكنيسة لهم، وهو عداء له بطبيعة الحال جذوره الدينية العقائدية وإن كان قد اكتسب بعداً اقتصادياً أيضاً لأن الكنيسة كما أسلفنا كانت تقوم هي ذاتها بالإقراض وتساند جماعات من المرابين. ومن أكبر مصادر الكراهية، ارتفاع سعر الفائدة عن معدلها المفترض وهو 12.5%. لكن المرابي لم يكن يتمتع في العصور الوسطى بضمانات كافية، بل كان معرضاً باستمرار لخسارة أمواله وفقدان حياته. كما لم يكن في مقدور المرابين على الدوام أن يلزموا مدينيهم بالوفاء بالتزاماتهم عن طريق الالتجاء إلى القانون، فكانوا دائماً مهدَّدين بالطرد. ويضاف إلى ذلك أن القانون المسيحي في العصور الوسطى، بتحريمه الربا، قد اضطر المرابين إلى ابتداع حيل قانونية عديدة من بينها وجود وسيط بين الدائن والمدين، الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة سعر الفائدة. فوصلت الفائدة في إنجلترا إلى ما بين 43 و86% وفي النمسا (في عام 1244) إلى 173% وفي بروفانس (فرنسا) إلى 300%. ومن الصعب على من يقترض بمثل هذه الفائدة أن يسدد ديونه. ولذا، كانت عملية الإقراض والتسديد تنتهي بتوجيه تهمة السرقة إلى المرابي، وهي كذلك بشكل من الأشكال. ومما كان يدعم شكوك الناس في المرابي أن المواثيق التي كانت تُمنَح للمرابين اليهود تجعل من حقهم الاستيلاء على الأشياء المرهونة حين يعجز أصحابها عن تسديد القرض والتصرف فيها حتى لو اكتُشف أنها مسروقة، وكان هذا يتناقض مع القانون والأعراف الألمانية. ومن هنا، تصورت الجماهير أن المواثيق التي تُمنح لليهود تحابيهم وأنها بمنزلة ستار لتغطية عمليات السرقة الفعلية. وكان اليهودي يسقط ضحية الثورات الشعبية لأنه قريب ومتاح ومباح باعتباره عضواً في جماعة وظيفية، على خلاف الملك الموجود في قصره خلف حراسه، والذي يشكل الهجوم عليه لا مجرد مظاهرة شعبية وإنما ثورة هائلة. ويُلاحَظ في الهجمات الشعبية على المرابين أنها لم تستهدفهم باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم مرابين. ومن هنا كانت الجماهير لا تميِّز بين اليهود أو اللومبارد والكوهارسين أو غيرهم من المرابين مثل أعضاء العصبة الهانسية في إنجلترا (حوالي عام 1381) . وحينما كانت الجماهير تطلب طرد المرابين، فإنها لم تكن تخص المرابين اليهود وحدهم بهذا الطلب بل كان يتم طرد وملاحقة كل المرابين. وحينما كان المرابون اليهود يُطردون «إلى الأبد» من مدينة أو مقاطعة ويحل محلهم مرابون لومبارد أو كوهارسين، كانت الجماهير تكتشف أن المرابين الجدد ليسوا أفضل من اليهود الأشرار. بل تذكر المصادر أن متوسط معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه اليهود كان أقل في العادة من المعدل الذي كان يتقاضاه اللومبارد والكوهارسين، ربما بسبب ضعف مركزهم. ولكن هناك حالات، كما حدث في بوهيميا في نهاية القرن الخامس عشر، تقاضى فيها اليهود ضعف معدل الفائدة الذي كان يتقاضاه المرابي غير اليهودي، وذلك حتى يمكنهم تسديد الضرائب المفروضة عليهم. وكثيراً ما كانت المدن التي تطرد اليهود تطلب عودتهم من جديد، وترحب بهم، وتعتبرهم منقذين، لتقوم بطردهم مرة أخرى بعد فترة. وفي الفترة من 1300 إلى 1500 طُرد اليهود مائة وخمسين مرة من أماكن في جنوب ووسط أوربا، ولكن ورغم ذلك، لم تخل هذه المنطقة منهم في أية لحظة تاريخية. وقد ترك اشتغال الجماعات اليهودية بالربا أعمق الأثر عليهم، فقد جعلهم جماعة هامشية مكروهة من المجتمع، بغيضة لدى معظم طبقاته. وكرد فعل لمشاعر الكراهية ضدهم ولهامشيِّتهم، نمت في صفوفهم أفكار مثل الشعب المختار الذي لا علاقة له بالتاريخ أو الجغرافيا، فضلاً عن النزوع إلى تقسيم العالم إلى «يهود أبرار» و «أغيار أشرار» ، وهذه هي التربة التي نمت فيها الصهيونية فيما بعد. وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية يرون أن الاشتغال بالربا وسيلة من وسائل الانتقام من الأغيار، وطريقة لتوسيع الهوة بين اليهود وغيرهم. وبالتالي لم يَعُد الربا مجرد مهنة أو مصدر للدخل وإنما أمراً مرغوباً فيه في حد ذاته، وتَحوَّل من مجرد وظيفة إلى فعل رمزي ذي مضمون نفسي مُحدَّد. وهذه طريقة إنسانية مألوفة يبرر بها الإنسان ما يقوم به من أعمال بغيضة تتنافى مع إنسانيته، بل إن بعض المفكرين الدينيين وصف الاشتغال بالربا بأنه طريقة مثالية لتحقيق أرباح سريعة دون إنفاق وقت طويل بما يتيح لليهودي التفرغ لأسمى أهداف حياته، أي دراسة التوراة. وقد فسر بعض الحاخامات ازدهار الدراسات التلمودية في ألمانيا، والدينية على وجه العموم، بأن اليهود كانوا يعملون فيها بالربا أكثر من أي بلد آخر. ومن جهة أخرى، ترك اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا أو الإقراض الربوي أثراً عميقاً في هيكلهم الوظيفي، فلم تظهر بينهم طبقة رأسمالية، ولم يحصلوا على قوة سياسية حقيقية بل تزايد ارتباطهم بالمجتمع الإقطاعي واعتمادهم الكامل على القوة السياسية الحاكمة. كما اشتغلوا بحرَف مرتبطة بأعمال الرهونات، مثل إصلاح الملابس المُستعمَلة وتسويقها وإصلاح الدروع والمجوهرات. وكان من شأن هذا كله أن يؤثر في التطور الاقتصادي اللاحق للجماعات اليهودية في أوربا. ويرتبط نظام الأرندا بالإقراض الربوي داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا، فقد كان المرابي اليهودي يقوم بإقراض النبيل الإقطاعي البولندي بضمان ريع ضيعته ثم يتعاقد النبيل مع اليهودي لإدارة الضيعة، فكان هذاالأخير يلجأ إلى قمع واستغلال الفلاحين الأوكرانيين حتى يسترد قرضه. والواقع أن نظام الأرندا هو أهم مؤسسة في التاريخ الاقتصادي للجماعات اليهودية في الغرب، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار التطورات اللاحقة وظهور الدولة الصهيونية التي تدخل في علاقة مع الولايات المتحدة من ناحية والعرب من ناحية أخرى، تشبه في كثير من الوجوه علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالنبلاء البولنديين والفلاحين الأوكرانيين. غير أن وضع أعضاء الجماعات اليهودية تدهور، كما أسلفنا، في معظم أنحاء أوربا، فاشتغلوا بأعمال الرهونات. ولكن، مع القرن السابع عشر الميلادي وظهور يهود المارانو السفارد الذين اشتغلوا أيضاً بإقراض الدولة والملكيات المطلقة وتوفير المال اللازم للوفاء باحتياجاتهم، بدأت طبيعة الربا اليهودي في التغير. فالأمراء الذين يقترضون من يهود البلاط كانوا ينفقون جزءاً من تلك الأموال في الترف والحروب، ولكنهم كانوا ينفقون الجزء الآخر في تطوير الصناعات في إماراتهم وفي تحديثها. وبذلك نكون قد بدأنا في دخول العصر الحديث. وقد وجد رأس المال اليهودي طريقه إلى النظام المصرفي الحديث، ولكنه أصبح في أوربا الغربية جزءاً صغيراً من كلٍّ أكبر، بحيث لا يمكن الحديث عن رأسمال يهودي مستقل. وكان الوضع في ألمانيا مختلفاً حيث تَركَّز اليهود في أهم ثلاثة مصارف بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن النازية قضت على هذا الهيكل الاقتصادي. جماعة وسيطة Middleman Group » الجماعة الوسيطة «هي الجماعة الوظيفية التجارية أو المالية التي تضطلع بدور التجارة والإقراض بالربا وبدور الالتزام. التجارة اليهودية Jewish Trade انظر: «جماعة وظيفية يهودية تجارية « الربا اليهودي Jweish Usury انظر: «جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض) « الضرائب التي يدفعها أعضاء الجماعات اليهودية Taxes Paid by Members of Jewish Communities علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالضرائب لها وجهان مترابطان تمام الترابط: فهم من جهة دافعو ضرائب، ومن جهة أخرى محصلو ضرائب. وقد خلَّفت علاقة الجماعات اليهودية بالضرائب، سواء في دفعها أو جمعها، أثراً عميقاً فيهم، وسنتناول في هذا المدخل الجماعات اليهودية من منظور الضرائب المفروضة على أعضائها. لم يتمتع العبرانيون باستقلال سياسي إلا لفترات قصيرة للغاية، ولذلك كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون دائماً أقلية صغيرة داخل تشكيل إمبراطوري أو حضاري ضخم. وكانت الضرائب دائماً أكبر مصدر للريع بالنسبة للإمبراطوريات في العصور القديمة أو في العصور الوسطى في الغرب، أو في العصر الإسلامي الأول (الأموي والعباسي) أو في العصر الإسلامي الثاني (العثماني) ، أي حتى الثورة الصناعية. وكانت الضرائب تُفرَض في كثير من الأحيان على الجماعة اليهودية ككل، لا على أعضائها كل على حدة شأنها في هذا شأن معظم الأقليات والجماعات الأخرى. ويبدو أن إطار السلطة الذاتية للجماعات المحكومة كان أنجع الطرق لضمان تَدفُّق الريع الضرائبي، فكانت الجماعة اليهودية، وغيرها من الجماعات، تتمتع باستقلال ذاتي في الأمور الدينية والتربوية والقضائية. وكانت قيادتها تتمتع بسلطات خاصة، فكانت، في كثير من الأحيان، هي التي تحدِّد الضرائب وتقوم بجمعها من أعضاء الجماعة، بل أصبحت هذه المهمة أهم وظائفها. ولذا، حاولت السلطة الحاكمة دائماً أن تُقوِّي قبضة القيادات اليهودية وتحقق لها مركزاً متميِّزاً داخل الجماعة، لتضمن ولاءها لها ولتصبح أداة طيعة في يدها. ومن ثم، كانت قيادات الجماعة تُعفَى من الضرائب عادةً، وكان أمير اليهود (الناسى) ، ورأس الجالوت (المَنْفَى) ، وكثير من الحاخامات، يُعْفَون من الضرائب، بل وكان يُسمَح لهم بفرض ضريبة خاصة لتمويل منصبهم ذاته. وكثيراً ما كان الحاخامات يحصلون على معاشهم من خلال ضريبة خاصة تُفرَض لهذا الغرض. وكان الهدف من هذا هو تحويل هذه القيادات إلى أداة في يد السلطة الحاكمة وموظفين عندها بحيث يمكنها من خلالهم اعتصار الجماعة اليهودية. وكانت الضرائب تُفرَض على الجماعة اليهودية أحياناً لا كوسيلة لاعتصار أعضائها وحسب وإنما لاعتصار الجماهير الشعبية، وبذلك لم يكن أعضاء الجماعة سوى الإسفنجة التي يتم امتصاص هذه الجماهير عن طريقها. فكان الحاكم على سبيل المثال يفرض ضريبة عالية على أعضاء الجماعة اليهودية، ويمنحهم نظير ذلك مزايا وحقوقاً خاصة تُيسِّر لهم عملية استغلال الجماهير، كأن يسمح لهم بتحصيل فائدة عالية على القروض أو يصرح لهم بحرية الحركة من مدينة لأخرى دون أن تتصدى لهم السلطات الإقطاعية المختلفة. وقد يسَّر هذا على كل من التاجر والمرابي اليهودي إدارة أعمالهما وجعلهما أكثر كفاءة من نظرائهما المسيحيين. وكلما تزايد السخط الشعبي، كان يتزايد اعتماد هؤلاء المرابين اليهود على السلطة الحاكمة التي كانت تزيد من اعتصارهم عن طريق فرض ضرائب جديدة عليهم أو تسلمهم للجماهير فتمتص السخط الشعبي وتصادر أموال اليهود وتطردهم، ثم تستدعيهم مرة أخرى لتبيع لهم من جديد المزايا والمواثيق والحماية، أي أن جَمْع الضرائب ودفعها ساهم في عملية حوسلة اليهود. لكن العناصر السابقة لم تتحقق في كل زمان ومكان، فتعرُّجات التاريخ وتركيبيته تتحدى أي نسق منظم وأية سمات عامة، وهذا لا يقلل من دلالة وفاعلية النموذج التفسيري. وإذا انتقلنا الآن إلى العرض التاريخي، يمكننا القول بأن العبرانيين، حتى انتهاء عصر القضاة، لم يعرفوا نظاماً ضريبياً بسبب أسلوب حياتهم القَبَلي وبساطته. بل إن الدولة العبرانية المتحدة ذاتها، إبَّان حكم داود، كانت أقرب إلى اتحاد القبائل، ولذا لم تُفرَض أية ضرائب في عهده. ومع حكم سليمان، بدأت الدولة تصل إلى قدر من التركيب والمركزية، وظهرت طبقة حاكمة تضم داخلها قطاعات كهنوتية وأخرى عسكرية وثالثة إدارية، كما بدأت حركة تشييد مبان حكومية من أهمها بناء الهيكل. وقد تطلَّب كل ذلك تمويلاً وهو ما أدَّى إلى فرض الضرائب، ففُرضت ضريبة الشيقل حيث كان على كل عبراني بالغ أن يدفع للهيكل نصف شيقل (ويتناول التلمود في أحد كتبه الأحكام الخاصة بالشيقل) . كما كانت تُقدَّم للهيكل هدايا وضرائب عينية. ومنذ هذه اللحظة التاريخية، بدأت الضرائب تلعب دوراً مهماً في حياة العبرانيين، ومن المعروف أن من أسباب انقسام الدولة العبرانية المتحدة شكوى قبائل الشمال من فداحة الضرائب التي فرضها سليمان. وبطبيعة الحال، استمرت المملكتان العبرانيتان، الشمالية والجنوبية، في تحصيل الضرائب. وثمة إشارة في العهد القديم إلى أن الملك العبراني كان يأخذ عُشر إنتاج الحقول، وكان من حقه أن يُجنِّد بعض الرجال والنساء ليعملوا خَدَماً له، حسب نظام السخرة السائد في الشرق الأدنى القديم والذى طبقه سليمان إبَّان حكمه. كما فرض ملوك المملكتين ضرائب خاصة أثناء الحروب وحينما تعيَّن عليهم دفع جزية للآشوريين أو البابليين. واستمر هذا الوضع قائماً إلى أن اجتاح الأشوريون ثم البابليون المملكتين وهجَّروا بعض عناصرها إلى بلاد الرافدين. حيث شهدت هذه الفترة تحوُّلاً مهماً، تمثَّل في بداية تحوُّل العبرانيين إلى جماعة وظيفية. وقد ظهر بيت موراشو في بابل، فكانت شركتهم تقوم بجباية الضرائب عما تنتجه الأرض من محصولات زراعية، كما كانت تستوفي بنفسها الضرائب المفروضة على الطرق العامة وقنوات الري لقاء الإفادة منها. وبعد صدور مرسوم قورش وعودة بعض اليهود، دخل أعضاء الجماعات النمط الأساسي الذي أشرنا إليه من قبل، وهو أنهم أصبحوا جماعة تُفرَض عليها ضرائب جماعية وتتمتع باستقلال ذاتي لتسهيل عملية جَمْع الضرائب، وقد ترأس هذه الجماعة الكهنة الذين أُعفوا من الضرائب. وقد أصبح الهيكل هو المركز الأساسي للجماعة (ولم تَعُد مؤسسة الملكية تزاحمه) ، فكان يجمع ضريبة نصف الشيقل ويحصل على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير. وفي مرحلة لاحقة، قبل سقوط الهيكل، كان يجمع ما يُسمَّى بالشيقل المقدَّس ويساوي ضعف الشيقل العادي وهو عبارة عن جزية سنوية يدفعها يهود فلسطين والعالم وتُنقَل إلى الهيكل (مركز العبادة القربانية) . وكان الصدوقيون هم الذين يحصِّلون هذه الضرائب ويحصلون على هذه الهدايا وعلى جزء كبير من القرابين، وهو ما حوَّلهم إلى أرستقراطية كهنوتية ثرية. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الضرائب مصدر الشقاق الأساسي بين الأرستقراطية اليهودية (المندمجة في الثقافة الإمبراطورية، فارسية كانت أم هيلينية) من جهة، والجماهير اليهودية المتشبعة بالثقافة المحلية (الآرامية) ، ومنهم فقراء رجال الدين، من جهة أخرى. وقد اهتم اليونانيون بالريع الضريبي، فكانوا يفرضون ضرائب متنوعة على اليهود وغيرهم، بل وضريبة على الزيجات أحياناً. كما أسسوا شبكة ضخمة منظمة لتحصيل الضرائب عمادها أعضاء الطبقات الثرية المحلية. وكان الملتزمون اليهود يحاولون قدر استطاعتهم، مثلما هو الحال دائماً مع البشر، أن يحصلوا ضرائب أكثر من المفروضة لأنهم كانوا يحصلون على الفرق بين ما ينبغي عليهم تسديده لخزانة الدولة وما يحصِّلونه بالفعل. وكانت هذه الجماعة الوظيفية المالية، التي ارتبطت مصالحها بمصالح الدولة الهيلينية (البطلمية أو السلوقية) ، متأغرقة تماماً من الناحية الثقافية، الأمر الذي زاد الهوة بينها وبين الجماهير. وكان السبب الأساسي للتمردات اليهودية المتتالية هو الضرائب المتزايدة. ويُلاحَظ أن اليهود في الدولة البطلمية عملوا كملتزمي ضرائب ليس إزاء أعضاء الجماعة اليهودية وحسب وإنما على مستوى المجتمع ككل، فقد قاموا بتحصيل المكوس الجمركية (وهي مهن مالية ولا شك، يرى البعض أنها كانت قتالية أيضاً، إذ كان المحصلون يُطلَق عليهم اسم «حراس النيل» ) . كما اشتركوا في تحصيل الضرائب على الأسماك والكروم والنخيل والمراعي بل وعلى صناعة الأحذية وهي نشاطات اقتصادية عامة. وكان كبير الموظفين (ألبارخ) ، وهو منصب استمر حتى الدولة البيزنطية، هو المسئول عن جَمْع الجمارك على السفن. ويبدو أنه كان من أهم المناصب الإدارية المالية، وكان لمن يشغل هذا المنصب مكانة قيادية. ومع تَزايُد أزمة السلوقيين نتيجة حروبهم مع البطالمة، ونتيجة تَصاعُد الضغوط الرومانية، وبعد هزيمتهم على يد الرومان، كان عليهم دفع تعويض ضخم لهم، وهو ما اضطر الملوك السلوقيين إلى البحث عن مصادر جديدة للريع، فتعاونوا مع أثرياء المجتمع اليهودي، خصوصاً فئة ملتزمي الضرائب الذين تنافسوا على رفع الضرائب إرضاءً للسلطة السلوقية. ويبدو أن الضرائب تحت حكم الأسرتين اليهوديتين، الحشمونية التي تمتعت بشيء من الاستقلال، والهيرودية التي حكمت باسم روما، لم تكن أخف وطأة، كما هو واضح في التمردات التي حدثت بين جماهير الشعب. وبعد أن ضُمت فلسطين للدولة الرومانية، عُيِّن لها حاكم روماني برتبة بريفكتوس، وكان يُشار له أيضاً باسم «بروكرياتور» والتي تعني حرفياً «الوكيل المالي» أو «محصل الضرائب» ، وذلك باعتبار أن تحصيل الضرائب هو النشاط المالي الأكبر لكل موظفي الإمبراطورية. وفي مصر، ألغى يوليوس قيصر نظام جمع الضرائب البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي لليهود، وخصوصاً أن اليهود أصبح عليهم (رغم عضويتهم في البوليتيوما) أن يدفعوا ضريبة رؤوس كاملة، الأمر الذي كان يعني مساواتهم النسبية بالمصريين وفقدان غالبيتهم لمكانتهم المتميِّزة، باستثناء كبار الأثرياء الذين أصبحوا مواطنين رومانيين. كما تزايدت الضرائب عليهم، الأمر الذي كان أحد أسباب التمرد اليهودي الأول الذي انتهى بتحطيم الهيكل. وبعد هذا التمرد، فرض الرومان أول ضريبة مقصورة على اليهود وهي الفيسكوس جواديكوس، أي الضريبة اليهودية، وهي عبارة عن الشيقل الذي كان يدفعه اليهود من قبل للهيكل، واستمرت الإمبراطورية الرومانية في تحصيله وإرساله لمعبد جوبيتر كابيتولينوس. وبعد انتشار المسيحية والإسلام في الشرق الغربي، لم يتغيَّر وضع أعضاء الجماعات اليهودية كثيراً من منظور الضرائب، إذ أنهم كانوا يدفعون للمسلمين ما كان يدفعه أهل الذمة نظير الإعفاء من الخدمة العسكرية. أما في العالم الغربي، فقد تغيرت أحوال أعضاء الجماعات اليهودية بالتدريج، ولم يَعُد الاختلاف بينهم وبين أعضاء المجتمع مجرد ضريبة أو ضريبتين يدفعونهما للنظام الحاكم، فمع تآكل البقية الباقية من القانون الروماني أصبح أعضاء الجماعة اليهودية حسب العرف الألماني «غرباء» ، وهو ما كان يعني وضعهم تحت الحماية الملكية لأنهم أصبحوا ملْكية خاصة للملك أو الإمبراطور، أي أن أعضاء الجماعة أصبحوا أداة من أدوات الإنتاج ومصدراً من مصادر الريع. وقد كُرِّس هذا الوضع تماماً بعد حروب الفرنجة في نهاية القرن الحادي عشر (1096) وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية إما فعلاً (أو اسماً وفعلاً) أقنان بلاط يشترون المواثيق والمزايا والحماية من الحاكم. وكانت الضرائب المفروضة عليهم تُعَدُّ مصدراً أساسياً مباشراً للريع الذي كان يُحصِّله الحاكم، أو وسيلة غير مباشرة لجمع الضرائب، وكان ذلك يتم من خلال الإقراض بالربا. فكان الحاكم يرفع الضريبة على اليهودي ويجعلها على سبيل المثال 11%، مقابل 10% للتاجر المسيحي، ثم يمنحه حقوقاً مقابل ذلك مثل حق رفع سعر الفائدة على الأموال. ولذا، نجد أن خُمْس دخل الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة كان مصدره اليهود، رغم أن عددهم كان لا يزيد عن 1% من عدد السكان قبل القرن الرابع عشر. وفي القرن الثالث عشر، حصلت الحكومة الإنجليزية على 13% من دخلها من الضرائب التي فرضتها على اليهود رغم أن عددهم كان يتراوح بين 4 آلاف و15 ألفاً في كل إنجلترا. وقد أصبح حق فرض الضرائب على اليهود، باعتباره مصدراً من أهم مصادر الريع، محل صراع بين الإمبراطور والنبلاء. وقد فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية مجموعة متنوعة من الضرائب من بينها ضريبة الرؤوس (وهي استمرار للفيسكوس جودايكوس) التي بُعثت في ألمانيا عام 1342 تحت اسم «أُبفربفينج Opferpfennig» وتعني «ضريبة المليم» ثم أصبحت تُسمَّى «لايب تسول leibzoll» ، أي «ضريبة الجسد» ، و «يودين تسول Judenzoll» ، أي «ضريبة اليهودي» . وبعد أن حل الأمراء محل الحكم الإمبراطوري (القرن السادس عشر) في فَرْض الضرائب على اليهود، أصبحت الضريبة تُسمَّى «نقود حماية اليهود» . وكان على اليهودي الذي ينتقل من بلد إلى آخر أن يدفع رسم المرور ورسماً للإقامة المؤقتة. ومن الضرائب الأخرى، ضريبة «يودين جلايت Judengeleit» ، أي «المرور الآمن» ، وهي ضريبة كانت تُفرَض على اليهود الذين يودون الانتقال من مكان إلى آخر، فكان يدفعها اليهود الأجانب العابرون، وكانت الضريبة تعطيهم الحق في التعاملات المالية. وكانت تُفرَض ضرائب على اللحم والذبح الشرعي وعلى شموع السبت، وفُرضت أحياناً ضريبة على الطعام كانت تُسمَّى «ضريبة السلة» . وفُرضت ضريبة تُسمَّى «ضريبة الفم» كان الهدف منها استبعاد اليهود غير النافعين الذين يأكلون ولا ينتجون. وفي العصر الحديث، ظلت الضرائب إشكالية أساسية في حياة الجماعات اليهودية. فاختفت الأشكال المختلفة للإدارة الذاتية، وتكفلت الدولة المركزية التي يتبعها جهاز إداري مركزي قوي بتقدير الضرائب وجمعها، وأُلغيت بالتدريج الضرائب المفروضة على أعضاء الجماعات اليهودية. وفي محاولة للحد من الانفجار السكاني، كانت تُفرَض أحياناً ضرائب على طعام اليهود الشرعي وشموع السبت والزواج، وذلك لجعل هذه الشعائر مُكلِّفة. وكان عدد كبير من اليهود يتهربون من الضرائب ويقومون بتهريب البضائع للتهرب من الجمارك. فوقفت الدول الحديثة ضد هذا الوضع وحاولت تصفيته. وكان من بين إجراءات المنع، عدم استخدام اليديشية في المعاملات التجارية، ومطالبة اليهود بإضافة اسم العائلة لأسمائهم إذ كان أعضاء الجماعة اليهودية يكتفون بتسمية الفرد باسمه واسم أبيه بدون اسم العائلة، الأمر الذي كان يعني وجود عدد كبير من الأشخاص باسم واحد، مما يُسهِّل عملية التهريب. وقد ارتبط النظام الضريبي بمدى نفع اليهود، فكانت العناصر النافعة من ذوي المهن التي تحددها الدولة تُعفَى من الضرائب بل وتمنح امتيازات ضريبية خاصة. أما العناصر غير النافعة، فكانت تُفرَض عليها ضرائب تهدف إلى تشجيعها على الخروج والهجرة. ولكن، مع تَصاعُد معدلات التحديث في الغرب وفي داخل الجماعات اليهودية، ألغت الدولة الحديثة بالتدريج الضرائب الخاصة، ومنها البدلية العسكرية، وتم توحيد النظام الضريبي. وتقوم المنظمة الصهيونية العالمية والدولة الصهيونية بفرض ضرائب منظورة وغير منظورة على أعضاء الجماعات. فسندات إسرائيل والاشتراكات التي تُدفَع والتبرعات التي يتم جمعها من خلال حملات مسعورة جميعها نقود تُدفَع اسماً عن طيب خاطر ولكنها تُدفَع من الناحية الفعلية خوفاً من الفضيحة. ولذلك أشار آرثر هرتزبرج إلى اليهود المؤيدين لإسرائيل بوصفهم «يهود النفقة» ، أي اليهود الذين يدفعون تبرعات تشبه النفقة التي يدفعها الزوج السابق لمطلقته لا حباً فيها وإنما خوفاً منها. كما أشار إلى ما سماه «يهودية دفتر الشيكات» وهي يهودية أولئك اليهود الذين ينصرفون عن ممارسة شعائر دينهم ويحاولون تخفيف الإحساس بالذنب عن طريق دفع التبرعات للدولة الصهيونية. وقد بدأت حركات السلام داخل إسرائيل تُكوِّن جماعات في الخارج مهمتها جمع التبرعات لها خارج نطاق النداء اليهودي الموحَّد والنداء الإسرائيلي الموحَّد، وهي مؤسسات جمع الضرائب/التبرعات للمؤسسة الصهيونية. ويمكننا القول بأن علاقة الإمبريالية الغربية بالدولة الصهيونية علاقة شبيهة بعلاقات الأباطرة بأعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية. فالإمبريالية الغربية تمنح العديد من التسهيلات والمزايا للدولة الصهيونية، مثل الدعم المالي والعسكري، والمعاهدات والمواثيق، نظير ضريبة يدفعها المستوطنون الصهاينة وهي القتال. والضريبة قد تكون دموية بعض الشيء، ولكن لها مردودها الريعي، وهو فرض السكون والسلام الغربي على المنطقة وضمان تَدفُّق الطاقة الرخيصة ودوران الدول العربية في فلك النظام الاقتصادي العالمي! أعضاء الجماعات اليهودية كمحصلي ضرائب Members of Jewish Communities as Tax Collectors عمل كثير من أعضاء الجماعات اليهودية محصلي ضرائب. ففي عهد شارلمان، عمل أعضاء الجماعة ملتزمي ضرائب، وأُعفوا من الضرائب والمكوس المفروضة على المسافرين. وقد اضطلعوا بالمهمة نفسها في إنجلترا وألمانيا. كما أشرف أعضاء الجماعة على جمع الضرائب في إسبانيا المسيحية، وحينما طُردوا منها واجه النظام الجديد مشكلة البحث عن ملتزمي ضرائب بدلاً منهم. وكان أعضاء الجماعة يضطلعون بكثير من الوظائف المرتبطة بالضرائب في الدولة العثمانية سواء، باعتبارهم محصلي أو مفتشي ضرائب أو موظفي جمارك أو ملتزمين. وكانت غالبية العاملين في الضرائب في الدولة العثمانية من اليهود، كما أن الإيصالات كانت تُكتَب أحياناً بحروف عبرية. ومن المعروف أنه عندما ذهب شبتاي تسفي إلى مصر، ساعده المموِّل روفائيل يوسف شلبي (من حلب) الذي كان من كبار ملتزمي الضرائب في مصر آنذاك. ولكن بولندا تظل دائماً أهم المناطق بسبب حجم الجماعة اليهودية فيها وبسبب علاقة دورهم فيها بالتطورات اللاحقة في تواريخ الجماعة اليهودية في العصر الحديث. وكانت الضرائب في بولندا تُفرَض من قبل الحكومة على الجماعة اليهودية ككل. ولتحصيلها، كان القهال يقوم بفرض مجموعة من الضرائب على أعضاء الجماعة، فكانت هناك ضريبة ملْكية وضريبة رؤوس وضريبة القهال لتمويل الجهاز التنفيذي والإداري والتعليمي والقضائي للقهال. ومع تدهور وضع القهال، أصبحت هذه الضريبة تُفرَض على الطعام وأُطلق عليها ضرائب السلة. وكان يُباع امتياز تحصيلها في مزاد عام، وهو ما كان يعني تزايد الضرائب عاماً بعد عام. ولأن المهمة الأساسية للقهال هي جَمْع الضرائب، باعتباره مؤسسة الإدارة الذاتية، فقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة في بادئ الأمر ثم كل مؤسسات القهال عندما بدأ الريع يتناقص. وقد اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا بوظيفة جمع الضرائب من خلال نظام الأرندا، إذ كان اليهود يدفعون إيجار الضيعة للنبيل البولندي مقدماً ثم يقومون بتحصيل ريعها، وكانت الضرائب المختلفة تشكل جزءاً مهماً من هذا الريع. وكلما كان النبلاء البولنديون يزدادون حاجة إلى النقود، كان على اليهود أن يدفعوا إيجاراً أعلى ويحصلوا على المزيد من الضرائب من الفلاحين والأقنان. بل كان الملتزمون اليهود يحققون مزيداً من الأرباح ويرفعون الضرائب أحياناً دون علم النبيل الإقطاعي، كما كانوا يعاملون الفلاحين والأقنان بقسوة بالغة لتحصيل هذه الضرائب. ومن أهم هذه الضرائب ضريبة مفتاح الكنيسة، وكان على الفلاحين الأوكرانيين الأرثوذكس دفعها للمموِّل اليهودي ليدفعها للإقطاعي البولندي الكاثوليكي إن أرادوا أداء الصلاة. وكانت هناك ضريبة أخرى على الرداء الكهنوتي للقس كان عليه أن يدفعها إن أراد إقامة إحدى الشعائر. وقد أدَّى اضطلاع أعضاء الجماعة بهذه المهمة إلى تَزايُد كراهية الجماهير لهم، فاضطروا إلى الإقامة في الشتتلات داخل الريف بعيداً عن المراكز التلمودية في المدن. وكانت هذه العناصر سبباً في اقتلاع أعضاء الجماعة اليهودية وتآكل اليهودية الحاخامية. وفي وسط أوربا، كان يهود البلاط مصدر دخل كبير للأمراء الألمان والحكام (من حيث هم دافعو ضرائب) . كما قاموا بتنظيم الإطار الإداري للنظام الضريبي في كثير من الدول التي تواجدوا فيها، وعملوا كملتزمي ضرائب. ومع ظهور الدولة الحديثة، قامت بجمع الضرائب وصدرت قوانين تمنع أعضاء الجماعات اليهودية من الاشتغال بالالتزام، باعتباره وظيفة طفيلية غير منتجة. المتعهدون العسكريون Army Contractors and Suppliers » المتعهدون العسكريون» هم المموِّلون من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين كانوا يزودون الجيوش المتحاربة بالسلاح والعتاد العسكري الذي تحتاج إليه، وكذلك بالجراية اللازمة، وقد كانت وظيفة ذات أهمية حيوية لكثير من الدويلات التي لم تكن قد طورت بيروقراطيات متخصصة تتولى هذه المهمة ولم يكن عندها لا رأس المال ولا الاتصالات الدولية اللازمة لإنجاز هذه المهمة. وقد اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بهذه الوظيفة في إسبانيا المسيحية، ومن أهمهم يهودا ديلا كفالريا الذي زود ملك أراجون بالسلاح اللازم لحروبه عام 1276 ضد المسلمين في بالنسيا. وقام الأخوان رفايا بتمويل الملك بدرو الثالث ملك أراجون (1276 ـ 1285) في حروبه ضد نبلاء قشطالة. كما قام إسحق أبرابانيل بتزويد فرديناند وإيزابيلا بالسلاح في الفترة من عام 1489 إلى عام 1492، بينما قام أبراهام سنيور بتوفير السلاح اللازم للقوات الإسبانية التي قامت بتصفية الجيب الإسلامي الأخير في غرناطة. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يعملون أيضاً في صناعة السلاح في هذه الفترة ذاتها. ولذا، فقد عارض بعض أعضاء المجلس الاستشاري لملك البرتغال قرار طردهم حتى لا تقع أسرار المهنة في يد العثمانيين إن استقر اليهود المطرودون في أملاك الدولة العثمانية، ويُقال إنهم ساهموا بالفعل في تطوير الأسلحة النارية فيها. واشترك اليهود في تجارة السلاح في وسط أوربا في القرن السادس عشر، ففي ألمانيا سُمح لإسحق ماير بالاستقرار في هالبرشتات في عام 1537 ليُزوِّد أحد الأديرة بالأسلحة. وحصل يوسف جيرشون من الإمبراطور على ميثاق يقضي بحمايته، وحدَّد الميثاق نشاطاته في توريد السلاح. ومن المعروف أن يهود المارانو (البرتغاليون في أمستردام) اضطلعوا بالوظيفة نفسها، فزودوا جيوش هولندا وإنجلترا والمغرب بالسلاح. ويبدو أن المتعهدين العسكريين اليهود اغتنموا فرصة الحروب الأهلية في المغرب في القرن السابع عشر وزودوا كل الأطراف المتحاربة بالسلاح. وقام يهود البلاط المتعهدون بتزويد حكومات وسط أوربا بكل اللوازم العسكرية من الخيول والجراية والزي العسكري الرسمي والأسلحة. وقد يسرت هذه المهمة، ليهود البلاط ولكل الجماعات اليهودية، الشبكة العالمية الضخمة التي كانت تضم يهود الأرندا في شرق أوربا وصغار التجار المتجولين بل والمتسولين اليهود المنتشرين في كل أرجاء أوربا. كما كانت الشبكة تضم تجار الدولة العثمانية. وكان بوسع هذه الشبكة أن تزود أي جيش بكل ما يريده من جراية ومعادن نفيسة وأموال، ولذا ساد الاعتقاد آنذاك بأن كل المتعهدين العسكريين يهود وأن كل اليهود متعهدون عسكريون (وقد روج النازيون هذه المقولة فيما بعد في دعايتهم ضد اليهود باعتبارهم مستفيدين من مآسي الآخرين) . ومن أهم عائلات يهود البلاط التي اضطلعت بهذه الوظيفة عائلات أوبنهايمر وجومبيريز وفيرتايمر ومايير وهيرشيل. ومما زاد من أهمية المتعهدين العسكريين اليهود ظهور الدولة المركزية المطلقة بحكامها المطلقين، والتي أسست جيوشاً مركزية لتوسيع نفوذها، ولفرض هيمنتها على مناطق جديدة، ولتشديد قبضتها على السوق المحلية. وقد لعب المتعهدون اليهود دوراً مماثلاً في إنجلترا في القرن السابع عشر. فكان أهم المتعهدين العسكريين في عصر كرومويل هو أبراهام إسرائيل كارفاجال الذي اشترك مع خمسة تجار آخرين في تزويد الجيش البريطاني بالقمح عام 1649. وقد تَمكَّن وليام أوف أورانج من أن يبحر إلى إنجلترا عام 1688 بعد أن حصل على قرض بدون فوائد من أحد الممولين اليهود وهو فرانسيسكو لوبيزسوسو (من لاهاي) . وقام فرانسيسكو دي كورفا وإسحق برييرا بتزويد الحملة بالعتاد العسكري. وكان وليام دي مدينا هو المتعهد العسكري لدوق مارلبورو. أما في أيرلندا، فقد قامت شركة ماكادو وبرييرا بتزويد جيوش دوق شومبرج بالجراية والسلاح. وقام المتعهدون العسكريون اليهود بالمهمة نفسها في فرنسا. فقد سُمح لعدد من الأسر اليهودية بالاستقرار في ميتز عام 1567 شريطة أن يتعهدوا بتزويد القوات الفرنسية بما تحتاج إليه. وكان لبعض الأسر اليهودية الفرنسية دور ملحوظ في المجال نفسه إبان الحكم المطلق لملك فرنسا لويس الرابع عشر. فكان يعقوب ويرمز هو المتعهد العسكري الأساسي في عصره، وهو دور اضطلع به هرز سرفبي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وكان هذا المتعهد من الأهمية بمكان، حتى أنه استُثنى، حين تَقرَّر عام 1776 إنهاء نظام المتعهدين العسكريين، واستمر في ممارسة نشاطه في الألزاس واللورين. وفي أواخر القرن الثامن عشر، اضطلع بهذه الوظيفة موسى بلين (في ميتز) ، وموسى أليعازر لايفمان كالمر (في هانوفر) . ومن أهم المتعهدين العسكريين أبراهام جراديس الذي زود الجيوش الفرنسية بما كانت في حاجة إليه من عتاد وجراية إبَّان حرب الأعوام السبعة (1756ـ 1763) . كما اشترك معه كلٌّ من روفائيل منديس وبنيامين جراديس، وبعض مُلاَّك السفن اليهود، في تنظيم عملية إبحار السفن الفرنسية من أوربا إلى كندا. وقد أعطى فريدريك الأكبر إبان هذه الحرب عدداً من العقود للمتعهدين العسكريين من أعضاء الجماعة اليهودية، والذين أدوا عملهم بكفاءة عالية وحصلوا على كثير من المزايا وراكموا الثروات. وبدأ بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية في الاقتراض منهم وازداد الاختلاط بين الأرستقراطية وأثرياء اليهود، وكان هذا أحد الأسباب التي أدَّت إلى ما يُسمَّى» صالونات النساء اليهوديات. « ولعب بعض أعضاء الجماعة اليهودية دوراً بارزاً في تزويد الجيوش الإنجليزية التي أُرسلت إلى المستعمرات بالسلاح والجراية. فزود ماتياس بوش قوات بنسلفانيا في المستعمرات الأمريكية بالسلاح في حربها ضد الفرنسيين. وقامت أسرة فرانكس، التي كان لها فروع في كل من لندن ونيويورك، بتزويد الجيش البريطاني في المستعمرات الأمريكية. وبعد الاستقلال، زودت أسرة شيفتول (من جورجيا) الجيش الأمريكي بالسلاح. واستمرت بعض الأسر اليهودية في القيام بهذا الدور إبَّان الحرب الأهلية، فزود المتعهدون اليهود الجيشين المتحاربين، الشمالي والجنوبي، بالجراية والأزياء العسكرية اللازمة. وقد اضطلع بعض المتعهدين اليهود بالدور نفسه في الدولة العثمانية، ولذلك كانت تربطهم علاقة وثيقة بالإنكشارية. أما في روسيا (في القرن التاسع عشر) ، فقد قام المتعهدون اليهود بتزويد الجيش بالجراية وبالمساهمة في بناء التحصينات العسكرية والطرق والسكك الحديدية. وقد انتهى دور المتعهدين العسكريين اليهود تماماً مع ظهور الدولة القومية الحديثة التي كانت تتبعها بيروقراطيات متخصصة تقوم بتزويد الجيش بكل ما يلزم من جراية وعتاد. ونحن لا نعرف الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تجارة السلاح في الوقت الحاضر، وإن كان من المعروف أن إسرائيل تلعب دوراً مهماً فيها، وبخاصة في مجال توريد السلاح للدول الفاشية والعنصرية التي تود الحكومات الغربية مساندتها ولكنها تخشى الرأي العام داخل بلادها وخارجها. ومن ثم تتولى إسرائيل هذه الوظيفة نيابة عنها، فكانت تقوم مثلاً بتزويد حكومة جنوب أفريقيا العنصرية بالأسلحة، بما في ذلك المواد والمعلومات اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية، وبذا تعيد إسرائيل إنتاج أحد الأدوار الوظيفية لبعض الجماعات اليهودية في العالم الغربي. ومما لا شك فيه أن اضطلاع بعض أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الوظيفة دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود في ذهن الكثيرين. وكما أسلفنا، فقد استغل النازيون هذه الحقيقة التاريخية لتوثيق ادعاءاتهم. ولكن مما يجدر ذكره أن اليهود، مهما بلغت درجة تَورُّطهم في تجارة السلاح، لم يكونوا قط مسئولين عنها، فما حدث هو ظهور حاجة لدى بعض المجتمعات الغربية إلى السلاح والعتاد الحربي والجراية اللازمة لتجريد حملات عسكرية كبيرة ومتكررة نتيجة ظهور الدولة المركزية المطلقة. ولكن هذه المجتمعات لم تكن تملك الإمكانات المادية أو الإدارية للوفاء بهذه الحاجة، ومن ثم نشأت ثغرة كان لا يمكن أن يملأها سوى عنصر وظيفي واحد مثل اليهود الذين كانوا يضطلعون بدور الجماعة الوظيفية المالية. وهذا ما لم يذكره النازيون. والواقع أن رؤيتهم للأمور، تماماً مثل رؤية الصهاينة وكل العنصريين، تجتزئ من الواقع عنصراً ـ أو بعض العناصر ـ وتجعله النقطة المرجعية الوحيدة ثم تُوظِّفه في تبرير أي فعل تقوم به، مع إهمال كامل لكل عناصر الصورة التاريخية المركبة. جاك بافيا (؟ -1687) Jack Pavia تاجر ماس يهودي من أصل ماراني (برتغالي) ، وهو مؤسس الجماعة اليهودية في إقليم مدراس بالهند. وُلد لعائلة يهودية عاشت في هولندا، وهاجر إلى إنجلترا ليصبح من أوائل اليهود الذين استوطنوا بها بعد أن أُعيد فتح باب الاستيطان اليهودي في إنجلترا. اهتم بعملية استغلال مناجم الماس في جولكوندا فسافر إلى الهند وأسَّس تجارة له بها، واشتغل في تصدير الماس إلى إنجلترا واستيراد المرجان عن طريق أفراد أسرته في لندن. وفي عام 1683، نجح في الحصول على أذون من شركة الهند الشرقية تسمح باستيطان اليهود في مدراس وسافر إلى هناك عام 1684. وأثناء وجوده بها، نجح في إقناع حاكم الإقليم بتأسيس ميلشيا من الأوربيين. وقام بافيا بتمويل الخيل والسلاح على نفقته الخاصة كعضو في هذه الميليشيا التي ضمت أيضاً عدداً آخر من اليهود، وقد عُيِّن بافيا قبل عدة أيام من وفاته نائباً لملك بريطانيا في مدراس مدى الحياة. وتعود أهمية بافيا إلى ما يلي: 1 ـ تُبيِّن سيرة حياته ذلك الدور الحيوي الذي لعبه يهود المارانو في التشكيل الاستعماري الاستيطاني للغرب. 2 ـ كما تُبيِّن سيرة حياته الدور الريادي الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في هذه العملية. 3 ـ تُعَدُّ حياة بافيا نموذجاً جيداً لكيفية تَحوُّل جماعة وظيفية وسيطة إلى جماعة عسكرية، أو لتداخل الدورين المالي والقتالي للجماعات الوظيفية. ومن ثم، فإن تَطوُّره الشخصي يشبه تَطوُّر الجماعات اليهودية في الغرب، تلك الجماعات التي كانت جماعات وظيفية مالية في أوربا ثم تحوَّلت إلى جماعة وظيفية في فلسطين. الأرندا والإقطاع الاستيطاني Arenda and Settler Feudalism «أرندا» كلمة بولندية تعني حرفياً «أجرة» تُدفَع مقابل استئجار. وهي، كمصطلح، تُستخدَم للإشارة إلى استئجار ممتلكات ثابتة، مثل الأرض والطواحين والفنادق الصغيرة ومصانع الجعة ومعامل تقطير الكحول، أو إلى امتيازات أو حقوق خاصة مثل تحصيل الجمارك والضرائب. وقد تم تَبنِّي المصطلح بالمنطوق والمعنى المذكور في اليديشية والعبرية. وكان يُشار إلى المستأجر نفسه، خصوصاً الصغير، على أنه «أرندا» ، كما كان يُقال له «الأرنداتور» . وكان المصطلح ذائع الانتشار ويصف واحداً من أهم جوانب الاقتصاد البولندي الليتواني في أواخر العصور الوسطى. وقد ارتبط يهود بولندا بنظام الأرندا من بدايته. فهم، كجماعة وظيفية وسيطة عميلة، كانوا مهيأين للاضطلاع بهذا الدور، خصوصاً أن المؤسسة اليهودية الأرثوذكسية أحلت عمليات الإقراض بالربا بين اليهود من خلال التحلِّة، وهو ما سهَّل لأي يهودي أن يُموِّل يهودياً آخر ويقرضه بربا، الأمر الذي وفر الاعتمادات اللازمة للاستثمارات. وكان الارتباط بين أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وهذا النظام من العمق بحيث أن كلمة «أرنداتور» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» . وكان يُشار إلى الأرندا، في بداية الأمر، بمصطلح «الأرندا الكبرى» أو «الأرندا الملَكَية» أو «الأرندا الحكومية» . ويشير هذا المصطلح إلى استئجار الاحتكارات العامة والعوائد العامة. وكانت أول أرندا كبرى حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية هو حق تحصيل بعض العوائد الملكية، أو حق إدارة مؤسسات ملكية مثل دار صك النقود ومناجم الملح والجمارك أو جمع الضرائب. وقد انتشر المستأجرون اليهود من المشتغلين بالأرندا في المقاطعات الشرقية من بولندا في القرن الخامس عشر. أما في غرب بولندا، حيث كان يتوفر للنبلاء البولنديين (شلاختا) رأسمال كبير، فقد مُنع اليهود من استئجار حق تحصيل العوائد الملكية باعتبار أن هذه عملية مربحة. ومع ازدياد نفوذ النبلاء، اتخذ البرلمان البولندي (سييم) قراراً عام 1538 بمنع اليهود من استئجار العوائد والمؤسسات الملكية. وقد اتخذ مجلس البلاد الأربعة قراراً مماثلاً حتى يقلل من الاحتكاك بين اليهود والنبلاء. ولكن القرار لم ينجح في وقف نشاط الأرندا بين اليهود، فاستمر المموِّلون اليهود في استئجار كثير من المزايا الملكية مثل الجمارك والضرائب على الخدمات، خصوصاً مطاحن الدقيق وبحيرات الأسماك، وفي إنتاج وتسويق المشروبات الكحولية. كما كان بعض أعضاء الجماعة اليهودية يستأجرون ضياعاً بأكملها. بل ظلوا، حتى منتصف القرن السادس عشر، أهم مستأجري حق جمع الضرائب في المحطات المخصصة لذلك في ليتوانيا وروسيا البيضاء، كما كان هناك يهود أرندا في جاليشيا. وكان جامعو الضرائب (من اليهود وغير اليهود) يستخدمون أكثر الطرق قسوة للحصول على العائد، وكثيراً ما كانوا يُحصِّلون ضرائب أكثر من المقررة. وكان من حق جامع الضرائب أن يفتش العربات التي تمر من خلال البوابات وأن يُصادر العربات التي تحاول التهرب من استخدام الطريق العام. وقد حَدَث صراع بين النبلاء الليتوانيين واليهود، فأصدر البرلمان الليتواني (سييم) قراراً بقصر حق الأرندا على النبلاء. ولكن اليهود تحدوا هذا القرار، كما أصدر المجلس الليتواني (وهو يقابل مجلس البلاد الأربعة) قراراً يتحدى هذا القرار. وقد اشتغل عدد كبير منهم بالأرندا من الباطن، عن طريق كفيل مسيحي، حينما لم تكن تسنح لهم فرصة الاشتغال بها بشكل مباشر. ولكن، حدثت عدة تطورات أدَّت إلى ظهور الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية التي تختلف في كثير من الوجوه عن الأرندا الكبرى أو الحكومية أو الملكية. ولعل العنصر الأساسي والحاسم في ظهور الأرندا الزراعية هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الاسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة. ونتيجة عملية الضم هذه، وقع تحت تصرف النبلاء البولنديين مساحات ضخمة من الأراضي كانت في حاجة إلى رأس مال ضخم لاستثماره لإدارتها ولمد الطرق اللازمة لذلك. وقد تزامن هذا مع تَزايُد الصادرات الزراعية لبولندا إلى غرب أوربا (بسبب الانفجار السكاني وحرب الثلاثين عاماً) ، فأصبحت بولندا في الفترة 1577 ـ 1654 مصدراً أساسياً للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى الشرق الأوسط من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب. كما أخذت بولندا تُصدِّر محصولات زراعية أخرى. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواداً عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والماشية. ومع تزايد الصادرات الزراعية، حَدَث تَطوُّر في الصناعات الغذائية، وهو ما أدَّى إلى صَبْغ الزراعة في بولندا بصبغة تجارية. هذه هي الأرضية الاقتصادية المادية لظهور الأرندا الإقطاعية الاستيطانية. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ما حدث. فثمة عناصر خاصة بالتركيب الطبقي للشلاختا ورؤيتهم لأعضاء الجماعات اليهودية ووضع اليهود كجماعات وظيفية ساهمت (كلها مجتمعة أو بدرجات متفاوتة) في تشكيل هذه الظاهرة ودفعها من عالم الإمكانية إلى عالم الوجود المتحقق: 1 ـ أول هذه العناصر هو أن النبلاء البولنديين لم يكن لديهم الكفاءات أو رأس المال أو الرغبة في إدارة هذه الضياع البعيدة. 2 ـ كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، خاضعين لقوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم والمزايا الطبقية ماداموا لا يعملون بالتجارة. وكان اشتغالهم بالتجارة يعني، في واقع الأمر، فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يُوجَد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة. 3 ـ كان يتعيَّن على النبلاء أيضاً البقاء في وارسو بالقرب من مراكز السلطة حيث تتم عملية صنع القرار السياسي والعسكري بسبب طبيعة النظام السياسي البولندي كملكية جمهورية، وحفاظاً على المكانة السياسية والتمتع بمظاهر الأبهة الأرستقراطية. 4 ـ كانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، وبخاصة مع تزايد فقر بولندا، فكانوا يقترضون من المرابين اليهود مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاتهم بضمان ضياعهم وغلتها وعوائدها وريعها. 5 ـ تزامن كل هذا مع تزايد تضييق المدن الملكية الخناق على أعضاء الجماعات اليهودية وممارسة التمييز ضدهم. 6 ـ شهدت الفترة من 1539 - 1549 تَزايُد التقارب بين النبلاء وأعضاء الجماعات اليهودية الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. فكان اليهود إذا طردتهم إحدى المدن الملكية انتقلوا منها إلى مدن النبلاء أو إلى الشتتلات داخل ضياع النيلاء. 7 ـ كان لدى اليهود كل ما يلزم عملية الاستثمار في ضياع النبلاء من الخبرة التجارية والإدارية ورأس المال. كما كانوا مادة بشرية حركية، ولم يكن لديهم أي مانع من الانتقال إلى أوكرانيا ليكونوا ممثلين للنبلاء البولنديين. 8 ـ ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، أن يطالبوا بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية. 9 ـ كان النبلاء البولنديون ينظرون إلى أعضاء الجماعة اليهودية كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تستخدم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى يزيد من ريع الأراضي الزراعية. لكل هذا، ظهرت الأرندا الزراعية الإقطاعية الاستيطانية وتشكلت علاقة تعاقدية نفعية بين الشلاختا من جهة واليهود كجماعة استيطانية من جهة أخرى. ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد الجماعات اليهودية على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر، وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم. ونحن نصف نظام الأرندا الزراعي (غير المَلَكي) بأنه «إقطاع استيطاني» لنميِّزه عن أشكال الإقطاع السائدة في أوربا آنذاك. فالنظام الإقطاعي يتسم ولا شك بالاستغلال الطبقي، شأنه في هذا شأن النظم الاقتصادية الدنيوية (فهذه هي إحدى سمات البشر) . ولكن نظام الأرندا في أوكرانيا اكتسب أبعاداً استغلالية متطرفة تفوق كثيراً الإقطاع العادي. فالعلاقات السائدة في أوكرانيا كانت ولا شك علاقات إقطاعية بين النبلاء البولنديين (والليتوانيين) من جهة، والفلاحين والأقنان الأوكرانيين من جهة أخرى، وذلك فيما يختص بملكية الأراضي وتوزيع غلتها. ولكنه كان إقطاعاً اقتصادياً (مجرداً) بلا علاقات اجتماعية إقطاعية (متعيِّنة) . فالإقطاع التقليدي (في أوربا وفي غيرها من البلاد) يفترض وجود ثقافة مشتركة بين النبيل والقن، كما يفترض أن النبيل عادةً ما يوجد في ضيعته يديرها بنفسه ويدخل في علاقة مباشرة مع فلاحيه. ولذا، لم تكن علاقة النبيل الإقطاعي بأرضه علاقة تجارية خارجية موضوعية برانية وحسب وإنما كانت ذات جانب جواني يأخذ شكل الالتزام بمسئولياته كنبيل إقطاعي بكل ما تقتضيه النبالة وتفترضه وتفرضه من أعباء. وكانت هذه الروابط الإقطاعية المتعيِّنة تخفف إلى حدٍّ ما من حدة الاستغلال الاقتصادي. أما في حالة النبيل الإقطاعي البولندي، فهذه الشروط لم تكن متوفرة البتة، فهو كان دائماً غائباً عن ضيعته، ولم تكن له أية علاقة مباشرة معها أو مع فلاحيها، وكان يمثله عنصر بشري استيطاني غريب يمثل همزة الوصل بينه وبين فلاحيه. وكان اهتمامه بضيعته اهتماماً مالياً (تجارياً) ضيقاً، حيث كانت تمثل مصدراً للدخل وحسب (وليست مظهراً من مظاهر الأبهة الإقطاعية والمكانة الأرستقراطية والحسب والنسب) فهو لا يتحدث لغتهم الأوكرانية ولا ينتمي إلى كنيستهم الأرثوذكسية. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وفي خارجها، وإلى تَحوُّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن تُوجَد قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان. وما بين النبلاء البولنديين الكاثوليك والأقنان الأوكرانيين الأرثوذكس كان يقف الملتزم (الأرنداتور) اليهودي، أداة الأول في سحق الثاني. وبذلك تشكلت واحدة من أهم الجماعات الوظيفية المالية الاستيطانية شبه القتالية. وكانت العلاقة بين النبيل ووكيله اليهودي عادةً ما تأخذ شكل قرض يحصل عليه النبيل من اليهودي للوفاء باحتياجاته بضمان ريع ضيعته (التي يديرها اليهودي) أو أي عوائد أخرى مثل عوائد قطع الأخشاب ونقل البضائع وغير ذلك من النشاطات الحرفية والتجارية. وكان المموِّلون اليهود يستأجرون أحياناً مناطق ومدناً بأكملها ولعدة سنوات. ففي عام 1598، قام أحد أثرياء اليهود باستئجار جملة الأراضي التي يمتلكها مجموعة من النبلاء بلغت مساحتها مئات الأميال المربعة، وكان يدفع إيجاراً ضخماً لها. وكان كثير من يهود الأرندا يؤجرون الضياع من الباطن لصغار الممولين اليهود أو يرسلون في طلب أقارب لهم من بولندا ليقوموا بإدارة الضياع نيابة عنهم. وكان الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب والفراء ودبغ الجلود والصباغة وصناعة الزجاج وصنع الصابون (وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية العنصر الإثني السائد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في مثل هذه القطاعات الاقتصادية) . كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم يكن من الممكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم هم الذين كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فكانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. كذلك كان أعضاء الجماعة اليهودية تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع الترفية. ونظراً لغياب النبيل الإقطاعي، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، تسانده في ذلك القوة العسكرية البولندية التي تضمن بقاءه واستمراره في عملية اعتصار الأقنان الأوكرانيين من كل ثمرات عملهم. وبعد الانتهاء من هذه العملية، كان الأرنداتور يُبقي حصته من الريع ويرسل الباقي إلى النبيل. ولكن كثيراً ما كان الوكيل اليهودي يقوم بتحصيل ضرائب من الأقنان والفلاحين بما يزيد على حقه. وقد كانت جماعة يهود الأرندا تتسم بكثير من الخيلاء والقسوة (كما تقول الموسوعة العالمية اليهودية) . وكان يهود الأرندا لا يقومون بأية مهام قتالية بل كانوا جماعة وظيفية متحوسلة تقوم باستغلال الجماهير لحساب الحاكم (شأنهم شأن المماليك في المراحل الأولى من تاريخهم قبل تَحوُّلهم إلى نخبة حاكمة) ؛ وكان رأس المال الربوي والخبرة الإدارية يحلان محل السيف كأداة للاستغلال. ومع هذا، لم يكن البُعد العسكري مُفتقَداً تماماً. وقد ترجم الإقطاع الاستيطاني نفسه في ظاهرة الشتتل والمعبد/القلعة، فقد قام النبلاء بتشييد العديد من المدن الصغيرة كانت الواحدة منها تُسمَّى «شتتل» ويعيش فيها الملتزمون اليهود وأسرهم وأتباعهم في حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح. ولذا، نص القانون على أنه: «يجب على كل رب عائلة يهودية أن يحتفظ ببنادق بعدد الذكور في بيته وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود» . كما كانت المعابد اليهودية تأخذ شكل قلاع تُوجَد في حوائطها كوات حتى يمكن أن تخرج منها فوهات البنادق والمدافع. ويتضح مدى تحوُّل اليهود إلى مادة استيطانية شبه قتالية في تحولهم هم أنفسهم إلى موضوع للصراع بين القوى الشعبية الفلاحية الأوكرانية المنتفضة من جهة والقوى الاستغلالية البولندية من جهة أخرى. فحينما حقق بوجدان شميلنكي (الزعيم الفلاحي الأوكراني) انتصاراً على البولنديين عام 1649، نصت المعاهدة المبرمة بين الطرفين على عدم السماح لليهود بالاستيطان في أوكرانيا إذ أن وجودهم فيها كان علامة على الهيمنة البولندية فهم أداته الطيعة. ولكن حينما ألحقت القوات البولندية الهزيمة بقوات شميلنكي عام 1651، اضطر إلى الاعتراف بحق اليهود في الاستيطان في ضياع الملك والشلاختا. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نسمي يهود الأرندا «المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية» . وقد كانت هذه الشتتلات تضم المعبد/القلعة (وهو معبد يهودي كان مُصمَّماً بحيث يمكن استخدامه كحصن وقلعة عسكرية، كما كانت تُقام فيه أيضاً الصلاة والدراسة) . وكانت حوائط المعبد/القلعة سميكة للغاية، كما أن المتاريس كانت مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق. وقد أصبح أعضاء الجماعة اليهودية، بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية، محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم كثيراً. وقد أصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا. وكان مسرح نظام الأرندا هو أوكرانيا التي أصبحت النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس (الذين يتحدثون الأوكرانية) والتجار اليهود (الذين يتحدثون اليديشية) غير المنتمين لهذا أو ذاك والذين يشكلون الوسيط التجاري والإداري والمالي بين الطرفين (إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن) . ويُلاحَظ أن التقسيم الطبقي كان أيضاً تقسيماً عرْقياً وإثنياً ودينياً. ولم يكن نشاط الأرندا مقصوراً على أوكرانيا وبولندا بل أصبح جزءاً من شبكة تجارة دولية. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين البولنديين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقد قاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقد نشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، وبين يهود الأرندا إبان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها (وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تُسهِّل اتصالاتهم وتجعل منهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية) . وقد ارتبط مصير أعضاء الجماعة اليهودية تماماً بمصير الأرندا (الزراعي الإقطاعي الاستيطاني البولندي) والقوة العسكرية البولندية التي كانت تسانده. وقد كان لنظام الأرندا الإقطاعي الاستيطاني أعمق الأثر في تَطوُّر تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا، وهو ما أثر بدوره في تاريخ الجماعات اليهودية في غرب أوربا وأعطى المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة: 1 ـ وجد اليهود أنفسهم بين مطرقة النبلاء وسندان الفلاحين. وقد كان اليهودي هو ممثل الإقطاع البولندي الشره وأداة الاستغلال المباشرة الواضحة، إذ تم حوسلته تماماً من قبل النبلاء. وكانت شراهة النبلاء الإقطاعيين تزداد سنة بعد سنة، فكانوا يزيدون من قيمة الإيجار، وكان على الوكيل اليهودي أن يزيد بدوره من الضرائب والإيجارات التي يحصلها من الفلاحين. ولكن يهود الأرندا كانوا يعيشون بين الفلاحين في أوكرانيا، بينما كان النبيل الإقطاعي يعيش في ضيعته أو قصره في بولندا. 2 ـ حدث ليهود بولندا، نتيجة نظام الأرندا، تطوران متناقضان: أ) انعزل يهود الريف عن المراكز التلمودية في المدن الكبرى، واكتسبوا ثقافة الفلاحين السلافيين المتخلفة، وتشبعوا بالفلكلور الريفي بما في ذلك العقائد الشعبية المسيحية، الأمر الذي أضعف هويتهم اليهودية. وكانت هذه تربة خصبة لنشوء الحركات المشيحانية. ويُلاحَظ أن الحركتين الحسيدية والفرانكية نشأتا في منطقة بودوليا، وانتشرتا بين يهود أوكرانيا أسرع من انتشارها بين بقية يهود شرق أوربا. ب) في الوقت نفسه، ونظراً لتزايد عددهم، كان اليهود يوجدون لا على هيئة أقلية صغيرة تعيش داخل الجيتو في إحدى المدن المسيحية وإنما على هيئة مدن صغيرة (شتتلات) تضم تجمعات بشرية يشكل اليهود فيها نسبة مئوية كبيرة بل الأغلبية العظمى أحياناً، ومن هنا تكلست هويتهم وانعزلت واحتفظ اليهود برطانتهم الألمانية (اليديشية) . وقد ساهم الانفجار السكاني الذي حدث بينهم في تعميق هذا الاتجاه. 3 ـ زادت الأرندا من تَشوُّه البناء الطبقي ليهود بولندا بحيث تركزوا في تجارة الخمور التي أصبحت مشكلة أساسية في الريف البولندي (ثم الروسي بعد ذلك) . 4 ـ وبعد تَشوُّه البناء الوظيفي والعزلة وتزايد الأعداد، ضُمَ هذا الجزء من بولندا إلى روسيا، فوجدت روسيا عندها هذه الكثافة البشرية التي تتحدث اليديشية وتؤمن بالحسيدية وتتاجر في الخمور، وهي كتلة كانت مكروهة من السكان المحليين. وكانت البيروقراطية الروسية جاهلة باليهود وبكيفية التعامل معهم، ذلك لأنه كان مُحرَّماً عليهم دخول الإمبراطورية حتى نهاية القرن الثامن عشر. 5 ـ كان الوضع الطبقي المميَّز لليهود داخل البناء الاستيطاني للإقطاع يعني أنهم ليسوا عنصراً من التشكيل الحضاري البولندي. ولذا، حينما نشأت حركات ثورية مثل انتفاضة شميلنكي في أوكرانيا ثم الحركة القومية في بولندا، كان اليهود يقفون خارجها امتداداً لوضعهم الطبقي الهامشي والطفيلي. فهم لم يكونوا مستغلين فقط، مثل النبيل الإقطاعي الفرنسي أو التاجر الإنجليزي، وإنما كانوا غرباء أيضاً فسقطوا مع سقوط نظام الإقطاع الاستيطاني البولندي. وقد أضفت كل هذه العناصر على المسألة اليهودية في شرق أوربا ملامحها الخاصة. 6 ـ لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي حتى عام 1550. وكان يهود أوربا كافة مُركَّزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا حتى أنه، في القرن السابع عشر، كان هناك مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طُردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. وقد أخذ غزو يهود بولندا في الزيادة ابتداءً من القرن السادس عشر حتى أن أغلبية يهود العالم كانت في بداية القرن العشرين من نسل يهود بولندا (بل يُقال إن كل يهود العالم الغربي من أصل بولندي باعتبار أن العناصر اليهودية المحلية تم صهرها تماماً في الأغلبية (. 7 ـ كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التجارة والاستيطان والقتال جزء أساسي من التجربة التاريخية للغالبية العظمى من الجماعات اليهودية في الغرب، وأنهم دخلوا العصر الحديث وعندهم قابلية (تبادل اختياري) للاشتراك في العمليات الاستيطانية القتالية. وفي هذه التربة الخصبة، ظهر جوزيف فرانك اليهودي البولندي المُتنصِّر الذي طالب بتسليح اليهود وتأسيس دولة مستقلة لهم. كما ظهر الحل الصهيوني للمسألة اليهودية المبني على تصديرها باعتبار أن اليهود عنصر استيطاني غريب (ومن المعروف أن معظم قيادات الصهيونية الاستيطانية من أصل بولندي روسي (. ويمكن القول بأن الأرندا الإقطاعية الاستيطانية تُكمل الحلقة المفقودة بين تجربة يهود الغرب والتجربة الصهيونية. فالعلاقة الثلاثية (النبلاء البولنديون ـ الوسطاء اليهود المستوطنون ـ أقنان أوكرانيا) تشبه كثيراً العلاقة الثلاثية السائدة في الشرق الأوسط (الإمبريالية الأمريكية ـ الوسطاء الصهاينة المستوطنون - عرب فلسطين) . والعنصر اليهودي في كلتا الحالتين عنصر استيطاني نافع يتم الحفاظ عليه بمقدار نفعه وليست له أهمية في حد ذاته. وما حدث، بشيء من التبسيط، هو أن المماليك التجارية الاستيطانية شبه القتالية في أوكرانيا تحوَّلت إلى مماليك استيطانية قتالية شبه تجارية في فلسطين بعد تأسيس الدولة المملوكية الصهيونية، وهي دولة ذات قيمة إستراتيجية عسكرية بالنسبة للغرب (بالدرجة الأولى) وذات أهمية تجارية اقتصادية (بالدرجة الثانية) .ومع ظهور النظام العالمي الجديد، قد تتراجع الوظيفة العسكرية القتالية لتشغل المرتبة الثانية بينما تشغل الوظيفة التجارية الاقتصادية الدرجة الأولى، ولذلك سيتطابق وضع الدولة الصهيونية مع يهود الأرندا إذ ستصبح دولة وظيفية تجارية شبه قتالية. ونحن، بهذا، نكون قد اكتشفنا استمرارية تاريخية ونمطاً متكرراً داخل التاريخ الغربي الحقيقي، وليس استمرارية ميتافيزيقية داخل التاريخ اليهودي الوهمي. الخمور (النبيذ والكحول) والاتجار فيها Wine and Liquor Trade «تجارة الخمور والنبيذ» هي تجارة عادةً ما تضطلع بها جماعة وظيفية، ربما لأن الخمر تُذهب الوعي وترتبط في كثير من العقائد بالمقدَّس والغيب، أي أن الخمر مرتبطة بمنطقة وجدانية تقع خارج نطاق المألوف والعادي والروتيني، ومن هنا تظهر ضرورة اللجوء إلى جماعة وظيفية محايدة، ليس في مقدورها أن تُوظِّف لحظة غياب الوعي هذه لصالحها (بسبب عجزها) ، تماماً مثل الحلاق الذي تُسلِّم له رأسك ليقص الشعر، ويمكنه أن يقطع رأسك ويسلم من العقوبة إن كانت تسانده مجموعة من البشر لها سلطة. والشيء نفسه ينطبق على الماشطة التي تدخل البيوت وتعرف أخص خصائص النساء، وهو ما يجعلها مستودعاً لكثير من الأسرار التي يمكن أن تُستخدَم ضد من قالها. ولذا، فلابد لمن يقوم بمثل هذه الوظائف أن يكون محايّداً مجرَّداً من السلطة تحت رحمة المجتمع تماماً، حتى لا يسيطر عليه. ويبدو أن التحريم التلمودي الخاص بتناول خمور الأغيار جعل أعضاء الجماعات اليهودية مضطرين إلى أن يكون لهم كرومهم ومصانع الخمور الخاصة بهم. ولكن، مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي في الغرب، كانت كل مزارع الكروم المملوكة لليهود قد تمت تصفيتها مع انسحابهم التدريجي من مهنة الزراعة. ولكن اتجارهم في النبيذ والمشروبات الكحولية استمر حتى أصبحت هذه المهنة إحدى المهن أو الوظائف اليهودية الأساسية في شرق أوربا وألمانيا. ومع بداية القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، كان إنتاج المشروبات الكحولية وبيعها في بولندا وليتوانيا عملاً أساسياً يمتهنه أعضاء الجماعات اليهودية ومصدراً من أهم مصادر الدخل بالنسبة لهم، كما أصبح هذا العمل مهنة أساسية في بوهيميا والمجر. وقد ازداد ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الخمور نتيجة لنظام الأرندا. فرغم أن الخمور كانت تمثل الترف الأساسي في حياة الفلاحين، إلا أنهم كانوا ممنوعين من تقطيرها، إذ أن هذا الحق كان مقصوراً على النبلاء البولنديين، وكان تأجير هذا الحق مصدراً أساسياً للريع الذي يحصل عليه النبيل من مستأجر الامتياز (الأرنداتور) . فكان اليهود يستأجرون معامل التخمير والتقطير والحانات، والتي كانت مرتبطة بنظام الأرندا في بولندا وأوكرانيا وروسيا البيضاء. وقد أصبح اليهودي (صاحب الحانة) شخصية أساسية في الريف الأوكراني وفي المدن الصغيرة. وكان اليهود يحتكرون ـ تقريباً ـ إنتاج وبيع المشروبات الكحولية. وكانت نسبة عالية منهم تعمل في هذه التجارة حتى بلغت، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، 15% من مجموع يهود المدن و85% من يهود الريف. وقد تسبَّب اشتغال اليهود بهذه التجارة في نشوء كثير من التوترات بينهم وبين بقية السكان. كما كان الفلاحون السلاف يفرطون في الشرب، وهو ما كان يزيد من أرباح اليهود، خصوصاً أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا لا يشربون بهذا الإفراط. وكان أعداء اليهود بين طبقات المجتمع الأخرى يلقون اللوم على اليهود، مع أن الإفراط في الشرب كان ظاهرة اجتماعية صاحبت تَدنِّي الأوضاع الاقتصادية والثقافية في شرق أوربا والذي لم يكن اليهود مسئولين عنه بل ضحية له. وكانت الطبقات الحاكمة في شرق أوربا (روسيا وبولندا) ترى أن اليهودي هو سر بلاء الريف وبلاء سكانه، ولذا كانوا يرون أن إصلاح حال الفلاحين لن يتأتى إلا بطرد اليهود من صناعة الخمور. ومع تدهور الاقتصاد البولندي ابتداءً من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت العناصر التجارية المسيحية تتجه إلى الهيمنة على تجارة النبيذ والكحوليات المربحة بين السكان. وكلما ازداد إفقار المدن وإفقار سكانها، كانت المطالبة بتأميم تجارة الخمور تزداد ضراوة. وأصبح استبعاد اليهود من هذه التجارة مطلباً أساسياً تطرحه الطبقة الوسطى البولندية، ثم أصبح هذا جزءاً من سياسة كثير من الدول المطلقة المستنيرة. وقد بدأت حركة استبعاد أعضاء الجماعات اليهودية من صناعة الخمور في بولندا وامتدت إلى روسيا واستمرت فيها. ونصت براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني على ضرورة طرد اليهود من صناعة الخمور خلال عامين. ومع تفاقم مشكلة سُكْر الفلاحين، ازدادت ضراوة التشريعات ضد اشتغال اليهود بتجارة الخمور. ولكن كل هذه التشريعات لم تفلح، إذ أن إدمان الفلاحين السلاف للخمر كان نتاج ظروف حضارية واجتماعية مُركَّبة لم يكن اليهود مسئولين عنها، وإن كانوا قد استفادوا منها. ولم تُحسَم المسألة نهائياً إلا مع ظهور نظم اشتراكية في روسيا وبولندا أممَّت كل وسائل الإنتاج، ومنها صناعة الخمور، وأوجدت فرصاً بديلة لليهود. ويبدو أن تقاليد الاشتغال بإنتاج النبيذ وتسويقه استمرت على يد المستوطنين الصهاينة في فلسطين، إذ زرعوا كثيراً من الكروم وقاموا بتقطير الخمور. وقد قامت مدرسة مكفيه إسرائيل الزراعية بزراعة أول أشجار كروم أوربية، وأسست أول قبو خمور على الطريقة الأوربية. وكان البارون إدموند دي روتشيلد مهتماً بزراعة الكروم في فلسطين مؤملاً أن تتحوَّل إلى أحد الأسس الاقتصادية للقرية اليهودية في فلسطين، وقد قام ببناء أقبية كبيرة للخمور. ولكن التجربة لم تنجح، مثلها مثل كثير من التجارب الاستيطانية الأخرى. الإعلان Advertising لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً للغاية في صناعة الإعلان، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث ارتبطت هذه الصناعة بآليات المجتمعات الرأسمالية الحديثة. ويُعتبَر رجال صناعة الإعلان من اليهود من أهم العناصر المسئولة عن تَطوُّر مؤسسة الإعلان الحديثة وعن اتساع نشاطها وتَطوُّر أسلوب عملها. والواقع أن التبادل التجاري في المجتمعات التقليدية لا يعرف ظاهرة الإعلان، إذ كان النشاط الاقتصادي محكوماً بمجموعة من القيم الدينية والأخلاقية التي لا تسمح بالتنافس الشديد ولا بمحاولة التأثير على الزبائن واصطيادهم. ومع هذا، كان كثير من التجار في كثير من بلدان العالم الغربي يجأرون بالشكوى من التجار اليهود بسبب ملاحقتهم الزبائن أمام المحال التجارية وفي الطرقات وحتى في منازلهم. ولعل هذا يعود إلى أن التاجر اليهودي لم يكن ملتزماً بالقيم المسيحية مثل الثمن العادل والمحبة. كما أن أعضاء المجتمع المضيف، في علاقتهم به كعضو في جماعة وظيفية، هم مجرد شيء يشكل مصدراً للربح. وتزايدت أهمية الإعلانات في التجارة مع تزايد علمنة المجتمع وتزايد حدة المنافسة التجارية. لكن النقلة النوعية حدثت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن حقَّقت الثورة الصناعية توسعاً في الإنتاج، وبعد نمو طبقة وسطى من المستهلكين شكلت السوق الأساسية للمنتجات والسلع الاستهلاكية المختلفة، حيث أصبحت الإعلانات جزءاً لا يتجزأ من آليات السوق. وقد كان أعضاء الجماعات اليهودية من العناصر الرائدة في قطاع الإعلان نتيجة ميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية تمتلك خبرات تجارية ومالية مهمة أهلتهم لدخول مجالات كانت لا تزال تُعَدُّ جديدة وغير مألوفة وبالتالي تتميَّز بقدر كبير من المخاطرة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن فهم ارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بصناعة الإعلان من خلال ارتباطهم بتجارة التجزئة والصحافة اللتين كانتا أيضاً من الأنشطة الجديدة التي صاحبت نمو المجتمعات الصناعية الرأسمالية، وهي أنشطة احتل فيها أيضاً أعضاء الجماعات اليهودية مكان الريادة. وبالتالي اكتسبت صناعة الإعلان أهمية كبيرة لتسويق منتجات مؤسسات التجزئة التجارية الجديدة، في حين شكلت الصحافة الأداة الرئيسية للإعلان عن هذه المنتجات. ويُعتبَر الأمريكي اليهودي ألبرت لاسكر أباً لصناعة الإعلان الحديثة حيث عمل على تحويل مهمة وكالة الإعلان، من مجرد وسيط بين المؤسسات التجارية التي كانت تضع برنامج الإعلانات لمنتجاتها من ناحية والصحافة وأجهزة الإعلام من ناحية أخرى، لتصبح الجهة الرئيسة المسئولة عن رسم وتخطيط ونشر الإعلانات الخاصة بمنتجات هذه المؤسسات. وقد انضم لاسكر عام 1898 إلى وكالة إعلان لورد وتوماس في شيكاغو، وأصبح عام 1904 (وعمره 24 سنة) شريكاً بها، ثم أصبح مالكها الوحيد عام 1912. وقد نجح لاسكر خلال ثلاثة عقود في تحويلها إلى واحدة من أهم وكالات الإعلان في الولايات المتحدة. ويُعتبَر ميلتون بيو Biow المسئول عن تطوير وكالة الإعلان الحديثة لتلبية احتياجات عالم التجارة والأعمال الحديثة. كما أسس إحدى أهم كبريات وكالات الإعلان في الولايات المتحدة والعالم. ويُعَدُّ أول من استخدم الراديو والتليفزيون لتقديم الفقرات الإعلانية القصيرة. وتُعتبَر وكالة جراي للإعلان، التي أسسها لورانس فالنستاين، من أهم مؤسسات الإعلان التي أوجدت فكرة خَلْق الطلب على السلعة قبل طرحها في الأسواق. كما ابتكرت وكالة إعلان أخرى هي وكالة دوتل داين وبرنبارخ التي تأسست في عام 1949 أسلوباً جديداً في الإعلان يعتمد على تَبنِّي نبرة هادئة تميل إلى التواضع في تقديم الإعلانات وهو أسلوب تبنته كثير من وكالات الإعلان الأخرى. وابتكرت وكالة أخرى، وهي وكالة نورمان كرايج وكومل، أسلوباً جديداً في الإعلان أطلقت عليه اسم «الإعلان العاطفي» ، وهو أسلوب يهدف إلى خَلْق نوع من التماثل والاندماج العاطفي عند المتلقي تجاه السلعة موضوع الإعلان. وكل هذه أساليب تميل إلى اللعب على الجوانب النفسية والعاطفية والحسية لدى المستهلك باعتباره مجرد هدف يتم توظيفه. ومن الجدير بالذكر أن عالم النفس المعروف إرنست ديختر من أهم الشخصيات اليهودية الأمريكية التي كانت لها مساهمات مهمة في صناعة الإعلان والذي أسس معهد بحوث الدوافع. وفي إنجلترا، لم يصل أعضاء الجماعة اليهودية إلى مواقع بارزة في صناعة الإعلان إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم تَنمُ صناعة الإعلان في أوربا إلا بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن شهدت وسائل الاتصال نمواً وتوسعاً كبيرين، إلا أن مشاركة أعضاء الجماعات اليهودية فيها انتهت مع مجئ النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية. أما بعد الحرب، فكان لاتساع وامتداد نشاط وكالات الإعلان الأمريكية والبريطانية إلى أوربا دور في أن يصبح لرجال الإعلان من اليهود شأن بارز في صناعة الإعلان الأوربية. ويجب التنبه إلى أن اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في قطاع الإعلانات لا يجعل منه نشاطاً اقتصادياً يهودياً، فهو أولاً وأخيراً جزء لا يتجزأ من آليات السوق بكل وحشيته وعدم اكتراثه بالقيم الإنسانية والأخلاقية، ومحاولته توظيف الدوافع الإنسانية، خصوصاً الدافع الجنسي، في محاولة بيع السلع. وقد ظهر قطاع الإعلانات وتَطوَّر بظهور وتَطوُّر الاقتصاد الحديث، خصوصاً الرأسمالي. ويمكن القول بأن قطاع الإعلان كان سيظهر ويتطور سواء كان هناك يهود أم لا، تماماً كما ظهر وتَطوَّر في اليابان والهند وهي بلاد لا تُوجَد فيها أقليات يهودية تُذكر. ومع هذا، يمكن القول بأن وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذا القطاع بشكل ملحوظ لا يمكن تفسيره إلا على أساس انتمائهم إلى أقلية تشكل جماعة وظيفية، أي أن يهوديتهم تفسر تزايد عددهم داخل هذا القطاع الاقتصادي ولكنها لا تفسر وجود هذا القطاع وتطوره وآلياته. وهذا، على كلٍّ، هو النمط المهم في كثير من الظواهر في العالم الغربي ابتداءً من الرأسمالية والاستعمار وانتهاءً بالطلاق والإباحية والشذوذ الجنسي. تجارة الرقيق Slave Trade «تجارة الرقيق» هي تجارة تقوم بها عادةً جماعة وظيفية مالية. وتُحرِّم اليهودية على اليهودي استعباد اليهودي مدة تزيد على ستة أعوام، ولكنها لا تُحرِّم استعباد غير اليهود أو الاتجار فيهم. ويُقال إن العبرانيين القدامى كانوا عبيداً في مصر، وهو قول غير دقيق. فبرغم أن الاقتصاد المصري كان متقدماً، فإنه كان يعتمد أساساً على السخرة، مع عدم استبعاد أن تكون جماعة غريبة مثل العبرانيين قد تحوَّلت إلى عبيد وبخاصة بعد انحسار حكم الهكسوس: حُماتهم. ولم يكن العبرانيون، عند هجرتهم من مصر وتغلغلهم في كنعان وسكناهم فيها (في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد) ، على مستوى اقتصادي وحضاري متقدم، ولذا لم تكن لديهم حاجة إلى العبيد. ومن هنا حديث العهد القديم الدائم عن إبادة سكان القرى والمدن التي كان يجتاحها العبرانيون. ولم تكن المملكة العبرانية المتحدة، هي الأخرى، في حاجة إلى العبيد بسبب بساطة اقتصادها، فقد سدت حاجتها من العبيد عن طريق استعباد العبرانيين الذين فشلوا في أداء ديونهم. ولم يختلف الوضع كثيراً في المملكة الشمالية أو المملكة الجنوبية. ولا يُعرف عن العبرانيين أنهم اشتغلوا بتجارة الرقيق أو أنهم كانوا يستعبدون أعضاءً من الشعوب المجاورة. كما أنهم لم يتحولوا إلى عبيد. ولكن هناك إشارة إلى أن بعض فراعنة مصر كانوا يتبادلون مع المملكتين العبرانيتين الأحصنة المصرية بالمقاتلين اليهود، وأن هؤلاء العبيد هم الذين تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية قتالية في جزيرة إلفنتاين. وكان التهجير الآشوري والبابلي عملية نقل كتلة بشرية من مكان إلى آخر ولكنها لم تحوِّل المهجَّرين إلى عبيد، بل إن بعضهم أصبح من كبار المموِّلين. ولا تختلف الصورة في عصر الإمبراطوريات الفارسية واليونانية (السلوقية والبطلمية) ثم الرومانية. لكن الصورة تختلف في العصور الوسطى في أوربا. فنظراً لفقر أوربا الشديد، كان الرقيق أحد السلع القليلة التي يمكنها توريدها إلى الإمبراطورية البيزنطية والعالم الإسلامي حتى يمكنها استيراد البضائع منها. أي أن توريد العبيد كان نوعاً من أنواع تصحيح ميزان المدفوعات. ولذا، كانت تجارة الرقيق جزءاً أساسياً من التجارة الدولية. ولكن المصدر الأساسي للعبيد كان هو بلاد السلاف الوثنية المشتق اسمها من كلمة «سكلافوس scelavus» من لاتينية العصور الوسطى أي عبد (ومن هنا اسمهم العربي «الصقالبة» ) ، إذ كانت الدول المسيحية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسيحيين كما كانت الدولة الإسلامية تُحرِّم الاتجار في العبيد المسلمين. وكانت قوافل اليهود تنتقل لأخذ العبيد من السلاف لنقلهم وبيعهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية مهيئين أكثر من أي قطاع آخر في المجتمع للاضطلاع بهذه الوظيفة، فقد كانوا جماعة وظيفية وسيطة يمكنها أن تعيش بين الفراغات وأن تدير مثل هذه التجارة المشينة التي لا يمكن أن يقوم أعضاء المجتمع بإدارتها. كما أن كونهم يهوداً قد زودهم بالحماية في حركتهم الدائبة بين العالمين المسيحي والإسلامي وكان بوسعهم أن يبيعوا عبيداً مسيحيين في العالم الإسلامي وعبيداً مسلمين في العالم المسيحي. ويذكر ابن خرداذبة أن العبيد كانوا من أهم السلع التي يحملها التجار الراذانية. وقد عملت أعداد كبيرة من التجار اليهود في تجارة الرقيق منذ العصور الوسطى حتى القرن الخامس عشر الميلادي، وهذا أمر طبيعي، فتجارة الرقيق كانت جزءاً من التجارة الدولية. وقد مُنح هؤلاء التجار المواثيق التي تحميهم وتحمي سلعهم. وكان من الممنوع تعميد العبد لأن هذا يعني فقدان التاجر اليهودي سلعته. وكان هذا مصدر احتكاك شديد بين التجار اليهود والكنيسة، بل بين هؤلاء التجار ومعظم طبقات العالم الغربي المسيحي في العصر الوسيط. وبعد الثورة التجارية، ظهرت تجارة الرقيق - المرتبطة بالنظام الاقتصادي التجاري الجديد - والتي تطلبت إمكانات مادية ضخمة من سفن إلى جنود وحاميات في المستعمرات تحتاج إليها عملية اصطياد العبيد من أفريقيا وتوريدهم إلى المستوطنات في العالم الجديد. وقد انضم بعض كبار المموِّلين اليهود إلى هذه التجارة ولعبوا دوراً نشطاً، فامتلك يهود المارانو (السفارد) العبيد، خصوصاً في مستعمرات الكاريبي، وقاموا بالاتجار فيهم. ومما يسر لهم عملهم هذا، شبكة الاتصالات اليهودية الضخمة في تلك الآونة، فقد كان للمارانو قواعد في البرتغال وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي العالم الجديد وفي هولندا ومستعمراتها، كما كانت لهم ركائز في الدولة العثمانية وغيرها من الدول. وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية من كبار تجار العبيد في المستعمرات الهولندية في الأمريكتين، فكانوا يعملون بهذه المهنة في البرازيل الهولندية (1630 ـ 1654) ، كما عمل بعضهم بها في القرن الثامن عشر الميلادي في العالم الجديد. فاشتركوا في التجارة المثلثة أي شحن البضائع الأوربية، مثل الأسلحة والبارود والمشروبات الروحية (الجن) والحلي الرخيصة، إلى الساحل الأفريقي، وتحميل هذه السفن بالعبيد الذين كانوا يباعون في المزارع الأمريكية وفي جزر الكاريبي، ثم تعبئة هذه السفن بالمنتجات الاستوائية كالسكر والنيلة والتبغ والقهوة وغيرها من السلع لنقلها إلى أوربا. وكان يوجد مثلث آخر يبدأ في نيو إنجلاند في الولايات المتحدة حيث تُحمَّل السفن بشراب الروم وتتجه إلى أفريقيا حيث يباع الروم وتُحمَّل بالعبيد وتتجه لجزر الكاريبي لتُحمَّل بعسل قصب السكر الأسود الذي يُصنَّع منه الروم. وتظهر أسماء تجار يهود بين تجار العبيد في كوراساو، فيرد اسم مانويل ألفاريس كوريا باعتباره تاجر عبيد نشيطاً اشتغل بهذه المهنة عدة سنوات وعمل وسيطاً عام 1699 بين شركة الهند الغربية الهولندية والشركة البرتغالية، وذلك لنقل العبيد من أفريقيا إلى المكسيك عبر كوراساو حيث كانت تتم مبادلة العبيد بالعسل الأسود الذي يُصدَّر إلى نيو إنجلند ليُستخرَج منه الروم لبيعه في أفريقيا. ومن أهم التجار في أمريكا الشمالية: ديفيد فرانكس وآرون لوبيز وجيكوب رودريجيز. وفي جامايكا، ترد أسماء ديفيد هنريك وهيمان ليفي وألكسندر ليندو الذين كانوا من كبار تجار العبيد هناك في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وكان أعضاء أسرة جراديس اليهودية المقيمة في بوردو نشطاء في تجارة العبيد بالمستعمرات الفرنسية في العالم الجديد مثل سانتو دومينجو. وكان هناك بعض اليهود من أصحاب المزراع الكبيرة في جزر الهند، وبالتالي فقد كانوا يمتلكون العبيد الذين تعتمد الزراعة عليهم هناك. ومن أهم التجارب الاستيطانية اليهودية تجربة سورينام حيث أسس أعضاء الجماعة اليهودية في بريزدنتس أيلاند ما يشبه الدويلة المستقلة التي كانت تعتمد على العبيد المستَجْلَبين من أفريقيا في الزراعة. ولم يكن موقف أعضاء الجماعة اليهودية في الجنوب الأمريكي (في الولايات المتحدة) يختلف عن موقف بقية الأمريكيين من مؤسسة الرقيق، فقد امتلك اليهود فيها العبيد. وبلغت نسبة أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يمتلكون العبيد 25%، وهي نسبة لا تختلف عن نسبة البيض حسب إحصاء 1860. وكان هناك بين مُلاَّك المزارع القليل من أعضاء الجماعة اليهودية. أما معاملة يهود الجنوب الأمريكي للعبيد، فلم تختلف عن معاملة المسيحيين لهم. كما أن نسبة عدد العبيد، الذين كان يعتقهم أعضاء الجماعة اليهودية، لم تكن تختلف عن النسبة بين المسيحيين، غير أن أعضاء الجماعة اليهودية اشتغلوا بسائر الأعمال التنفيذية الخاصة بتيسير النظام العبودي. ويُلاحَظ أن العبيد والمُحرَّرين من العبيد السود كانوا يتعاملون بنسبة أعلى مع التجار اليهود، نظراً لأن هؤلاء كانوا يفتحون محالهم يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي كان بإمكانهم أن يتسوقوا فيه. وفيما يتعلق بمؤسسات تجارة الرقيق، فقد اشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية، شأنهم شأن كل سكان الجنوب، فعملوا بالمزايدات وتقديم الائتمانات وإنجاز الأعمال التجارية في سوق الرقيق. ويبدو أن نسبة المشتغلين بتسيير تجارة الرقيق منهم كانت أعلى من نسبة المشتغلين بها بين المسيحيين، نظراً لتَركُّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. ولم يقتصر اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية على المؤسسات الخاصة بإدارة تجارة الرقيق، بل تعاملوا في سلعته البشرية الأساسية، أي الرقيق. فكان لابد لمن يمتلك رقيقاً أن يتاجر فيه بيعاً وشراءً، لأن الرقيق كان سلعة ثمينة. ومع هذا، لم يكن يوجد يهودي واحد بين كبار التجار. والواقع أن رأس المال المُركَّز في أيدي ممولين يهود كان ضئيلاً بالنسبة إلى رأس مال العمالقة من المسيحيين البيض. ففي ريتشموند، كان هناك ثلاثة تجار يهود من بين سبعين تاجراً، وفي تشارلستون كان يوجد أربعة تجار يهود بين أربعة وأربعين، وفي ممفيس تاجر واحد بين اثنى عشر تاجراً. وبرغم الانخفاض المطلق في عددهم، فإن نسبة وجودهم في تجارة الرقيق كانت عالية للغاية، إذ كانوا يشكلون نحو 8% من التجار في المتوسط. وكانت نسبة اليهود إلى عدد السكان، في الجنوب وفي الولايات المتحدة، ضئيلة للغاية لأن عصر الهجرة اليهودية من شرق أوربا، الذي أتى بالكثافة السكانية، لم يكن قد بدأ بعد. وعلى أية حال، لم تتجاوز نسبة اليهود في الولايات المتحدة في ذلك الوقت نصفاً في المائة. ولعل عدم وجود اليهود في هذا القطاع بنسبة كثيفة كان انعكاساً لوضعهم داخل الاقتصاد الأمريكي، فهم دائماً على مقربة من المستهلك، بعيدون عن الصناعة الثقيلة وعن المراحل الأولى من الإنتاج، وقد كان الرقيق جزءاً من المراحل الأولى للإنتاج الزراعي في الجنوب. ولم يكن هناك رفض يهودي لتجارة الرقيق، إذ كان جيكوب لفين رئيس الجماعة اليهودية في ساوث كارولينا وإسرائيل جونز رئيس الجماعة في موبيل (ألاباما) من تجار العبيد في عام 1850. وقد استمر التجار اليهود مشاركين في تجارة الرقيق حتى نهاية الحرب الأهلية الأمريكية. وقد أبقى بعض اليهود البيض محظيات سوداوات وعاشروهن جنسياً، وهذا يعني وجود يهود سود. ولكن من الصعب تحديد عددهم، خصوصاً أن المؤسسات الدينية اليهودية كانت ترفض السماح للسود بالانتماء إليها. كما أن الأسياد اليهود لم يلقنوا عبيدهم الديانة اليهودية. ومع هذا، يدَّعي العبرانيون السود أنهم من نسل هؤلاء. وأثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، لم يكن لأعضاء الجماعة اليهودية موقف مستقل عن المناطق الجغرافية التي كانوا يعيشون فيها، فتَبنَّى يهود الشمال موقفاً رافضاً لتجارة الرقيق، وتَبنَّى يهود الجنوب موقفاً مؤيداً لها، بينما تَبنَّى كثير من يهود الولايات الوسط المجاورة للولايات الجنوبية موقفاً محايداً. ومع هذا، لم يلعب أعضاء الجماعة اليهودية بشكلٍّ عام دوراً ملحوظاً في حركة تحرير العبيد أو التحريض ضدها، أو في حركة تهريب العبيد من الجنوب إلى الشمال. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إشكالية التطبيع
التطبيع Normalization «التطبيع» هو تغيير ظاهرة ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض «طبيعياً» . ولكن كلمة «طبيعة» كلمة لها عدة معان. وقد استخدمنا هذه الكلمة بمعنى «الطبيعة/المادة» ، والتطبيع في هذه الحالة يعني إعادة صياغة الإنسان حسب معايير مستمدة من عالم الطبيعة/المادة بحيث تصبح الظاهرة الإنسانية في بساطة وواحدية الظاهرة الطبيعية/المادية. ولكن كلمة «طبيعي» يمكن أن تعني «مألوف» و «عادي» ، ومن ثم فإن التطبيع هو إزالة ما يعده المطبَّع شاذاً، ولا يتفق مع المألوف والعادي و «الطبيعي» . وقد ظهر المصطلح لأول مرة في المعجم الصهيوني للإشارة إلى يهود المنفى (العالم) الذين يعدهم الصهاينة شخصيات طفيلية شاذة منغمسة في الأعمال الفكرية وفي الغش التجاري، ويعملون في أعمال هامشية مثل الربا وأعمال مشينة مثل البغاء. وقد طرحت الصهيونية نفسها على أنها الحركة السياسية والاجتماعية التي ستقوم بتطبيع اليهود، أي إعادة صياغتهم بحيث يصبحون شعباً مثل كل الشعوب (انظر الباب المعنون «مسألة الحدودية والهامشية» ، وانظر أيضاً المداخل التالية: «إصلاح اليهود واليهودية» ـ «نفع اليهود» ـ «تطبيع الشخصية اليهودية» ) . ومع إنشاء الدولة الصهيونية اختفى المصطلح تقريباً من المعجم الصهيوني بسبب حاجة الدولة الصهيونية الماسة لدعم يهود العالم لها. ولكن المصطلح عاود الظهور مرة أخرى في أواخر السبعينيات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد. ولكنه طُبِّق هذه المرة على العلاقات المصرية الإسرائيلية، إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات بين البلدين، أي جعلها علاقات طبيعية عادية، مثل تلك التي تنشأ بين أي بلدين. وقد قاوم الشعب المصري هذا التطبيع. الشذوذ البنيوي Structural Abnormality إذا كانت بنية الظاهرة هي مجموعة العلاقات المتشابكة التي تكوِّن هذه الظاهرة وتمنحها صفاتها الأساسية ومنحناها الخاص الذي يميزها عن غيرها من الظواهر، فإن الشذوذ البنيوي هو حالة لصيقة ببنية هذه الظاهرة، أي بتركيبها الجوهري. وإصلاح هذا الشذوذ يعني تغيير بنية هذا الشيء تماماً. ونحن نذهب إلى أن السمة الأساسية للدولة الصهيونية أنها تجمُّع استيطاني إحلالي يوظِّف الديباجات اليهودية، وأن نقطة انطلاقه هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة، التي تذهب، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى أن اليهود شعباً عضوياً يعيش في الغرب ولا ينتمي إليه، ولذا يجب أن يوطَّن في أرض أجداده، أي فلسطين، التي يجب أن تفرغ ممن قد يتصادف وجوده فيها من البشر. وقد ترجمت هذه الصيغة إلى الشعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". التطبيع السياسي والاقتصادي Political and Economic Normalization «التطبيع السياسي والاقتصادي» هو إعادة صياغة العلاقة بين بلدين بحيث تصبح علاقات طبيعية. وتصر إسرائيل على أن التطبيع السياسي والاقتصادي بينها وبين الدول العربية هو شرط أساسي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكن يوجد خلل أساسي في المفهوم وفي المحاولة، فالتطبيع السياسي والاقتصادي يجب أن يتم بين بلدين طبيعيين، وهو الأمر الذي لا يتوافر في الجيب الاستيطاني الصهيوني بسبب شذوذه البنيوي. فالدولة الصهيونية لا تزال تجمُّعاً استيطانياً وليس دولة للمواطنين الذين يعيشون داخل حدودها. ويعطي قانون العودة الحق ليهود العالم في "العودة" إلى فلسطين المحتلة باعتبارها وطن أجدادهم بعد أن تركوها منذ ألفي عام، وينكر هذا الحق على الفلسطيني الذي اضطر لمغادرة فلسطين منذ بضعة أعوام. كما يتبدى الشذوذ البنيوي في علاقة الدولة الصهيونية بالمنظمة الصهيونية وبالوكالة اليهودية، فهي علاقة شاذة ليس لها نظير في الدول الأخرى. وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بعضوية مشروطة بهيئة الأمم المتحدة، وشرط قبولها في المنظمة الدولية هو إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهو الأمر الذي لا توجد أية مؤشرات على احتمال تنفيذه في المستقبل القريب. ويتبدى شذوذ إسرائيل البنيوي بشكل واضح في علاقتها بالفلسطينيين ومحاولتها الدائبة أن تحاصرهم مجازياً وفعلياً، وأن تفتت وجودهم القومي وأن تضرب عليهم بيد من حديد وأن تستغلهم باعتبارهم مادة بشرية وسوقاً للسلع. كما يتبدى في علاقتها بالعالم العربي الذي تراه باعتباره "المنطقة"، أي مجرد مكان لا تاريخ له ولا اتجاه، ولذا فهي تعتبره سوقاً للسلع ومصدراً للمواد الخام والعمالة الرخيصة وحسب، وتطرح السوق الشرق أوسطية بديلاً للسوق العربية المشتركة. لكل هذا تصبح محاولة التطبيع مع الفلسطينيين ومع الدول العربية محاولة يائسة ترتطم ببنية الكيان الصهيوني الشاذة غير الطبيعية التي تتبدى في سلوكه الشاذ غير الطبيعي. التطبيع المعرفي Epistemological Normalization «التطبيع المعرفي» هو محاول إضفاء صبغة طبيعية على ظاهرة لها خصوصيتها وتفردها وشذوذها بحيث تبدو هذه الظاهرة وكأنها تنتمي إلى نمط عام متكرر هي في واقع الأمر لا تنتمي له، ومن ثم يتم إدراكها وتخيُّلها ورصدها داخل هذا الإطار. ونحن نذهب إلى أن الخطاب السياسي العربي في تحليله للظاهرة الصهيونية قد سقط في محظورين: 1 ـ المغالاة في التخصيص إلى درجة الأيقنة وهي سمة يتسم بها الخطاب المعادي لليهود الذي يرى أن اليهود مصدر كل شرور العالم، وأن الدولة الصهيونية تعبير عن المؤامرة الصهيونية الأزلية. وهذا الخطاب يخرج بالظاهرة الصهيونية من عالم الظواهر الإنسانية ويدخل بها عالم الظواهر الشيطانية، ومن ثم فلا حل لها. 2 ـ المغالاة في التعميم وإسقاط كل سمات الخصوصية، وهي سمة يتسم بها الخطاب الذي يصف نفسه بأنه «علمي» و «موضوعي» ، والذي يذهب إلى أن الدولة الصهيونية هي دولة مثل أي دولة أخرى، ومن ثم يصبح الحديث عن الدولة الصهيونية حديثاً عاماً عن "قوة العدو العسكرية والاقتصادية" دون أي اهتمام بالمنحنى الخاص للظاهرة الصهيونية. وقد أدَّت المغالاة في التعميم، باسم العلمنة والموضوعية، إلى تطبيع النظام السياسي الإسرائيلي، أي محاولة دراسته باعتباره كياناً سياسياً طبيعياً عادياً بحيث تُستخدَم نفس المقولات التحليلية العامة التي تُستخدَم في دراسة النظم السياسية في العالم الغربي، وكأن الكيان السياسي الإسرائيلي لا يختلف في أساسياته عن أي كيان سياسي آخر. فيتم الحديث عن نظام الحزبين في الديموقراطية الإسرائيلية، وعن أن كلاًّ من إنجلترا وإسرائيل لا يوجد فيهما دستور؛ أو أن النظام السياسي الإسرائيلي يتبع النمط الأنجلو أمريكي (الثنائي) لا النمط الأوربي الأكثر تعددية؛ وأن النقابات العمالية قوية في إسرائيل، كما هو الحال في أوربا وليس كما هو الحال في الولايات المتحدة. وعلماء السياسة العرب الذين يتبنون مثل هذه الرؤية يُخطئون مرتين: من الناحية المعرفية ومن الناحية الأخلاقية. فمن الناحية المعرفية، يمكن القول بأن وصفهم للظاهرة الصهيونية ليس ذا مقدرة تفسيرية عالية، فهو غير قادر على تفسير ظاهرة مثل المنظمة الصهيونية أو دور الوكالة اليهودية التي تساعد سكان الدولة الصهيونية من اليهود، وتستبعد العرب، فهذه المؤسسة ليس لها نظير في أية «ديموقراطية» أخرى. كما أنه غير قادر على تفسير قانون العودة، ولا ضخامة الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه العالم الغربي للجيب الصهيوني. كما أنهم يُخطئون من الناحية النضالية والأخلاقية: إذ كيف يمكن الحديث عن ديموقراطية تستند إلى حادثة اغتصاب أرض وذبح بعض سكانها وطرد البعض الآخر واستبعاد لمن تبقى من العملية السياسية نفسها؟ والفشل الإدراكي المعرفي التفسيري هنا هو نفسه الفشل النضالي الأخلاقي، إذ أن التطبيع يخفي عن الأنظار (وعن الضمير) الظروف الخاصة بالكيان الصهيوني ككيان استيطاني إحلالي، كما يخفي حقيقة أن استيطانية الكيان الصهيوني وإحلاليته واعتماده الكامل على الدعم الغربي هو القانون الأساسي الذي يحكم ديناميته ومساره في الماضي والحاضر. فهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تُفسِّر عدم وجود دستور حتى الآن في إسرائيل، وتُفسِّر أهمية قانون العودة ومركزيته. وهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تجعلنا نكتشف أن الأحزاب الإسرائيلية ليست في أساسها أحزاباً وإنما مؤسسات استيطانية استيعابية تضطلع بوظائف لا تضطلع بها الأحزاب السياسية في الدول الأخرى ويتم تمويلها عن طريق المنظمة الصهيونية "العالمية". وهذه الاستيطانية الإحلالية هي التي تُفسِّر ضخامة الدعم الإمبريالي لإسرائيل ودور إسرائيل كدولة وظيفية. وظاهرة مثل الكيبوتسات (المزارع الجماعية) وظواهر أخرى مثل عسكرة المجتمع الإسرائيلي، والطبيعة الاستيطانية الإحلالية للدولة الصهيونية، واعتماد وجودها واستمرارها على الولايات المتحدة بشكل تام، وإدراك الصهاينة لهذا الواقع بدرجات متفاوتة هو الذي يحدِّد سلوكهم وحربهم وسلمهم، وما ينكرونه علينا وما قد يُقررون منحنا إياه. وإسقاط هذه الأبعاد الخاصة يجعل عملية التطبيع المعرفية المنهجية عملية تسويغ وتبرير غير واعية للوجود الصهيوني وإضفاء درجة من الشرعية عليه. وسنحاول في مداخل هذا المجلد أن نتناول خصوصية الظاهرة الصهيونية وأن نبيِّن البُعد الصهيوني أو «صهيونية» الظواهر الإسرائيلية المختلفة. تطبيع المصطلح Normalization of Terminology حاول الخطاب السياسي العربي أن يتعامل مع الظاهرة الصهيونية في تفردها وعموميتها، فهي كانت بالفعل ظاهرة جديدة كل الجدة على الشعب العربي سواء في فلسطين أن خارجها: أن تأتي كتلة بشرية، تحت رايات الاستعمار البريطاني وتدريجياً تبدأ في احتلال الأرض إما بالقوة العسكرية أو من خلال شراء الأراضي إما مباشرةً من بعض كبار الملاك أو بشكل غير مباشر من خلال وسطاء ثم تتحول الكتلة البشرية الغازية، بين يوم وليلة، إلى دولة تستولي على جزء كبير من فلسطين ثم تقوم بطرد السكان الأصليين، يساندها في ذلك العالم الغربي بأسره. ورغم أن التجربة الصهيونية الاستيطانية تجربة فريدة في كثير من جوانبها إلا أن هناك جوانب منها مشتركة مع ظواهر أخرى، فهي جزء من الغزوة الاستعمارية التي أخذت شكل استعمار عسكري مباشر في بعض البلدان العربية. فهناك التجربة المصرية والسودانية والعراقية واليمنية مع الاستعمار البريطاني، والتجربة السورية واللبنانية والمغربية والتونسية مع الاستعمار الفرنسي، والتجربة الليبية والصومالية مع الاستعمار الإيطالي. كما أخذت الغزوة الاستعمارية شكل الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر. كما يُلاحَظ أن الاستعمار الإنجليزي أخذ شكل الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في جنوب السودان، حيث قام بنقل (ترانسفير) السودانيين المسلمين حتى يجعل الجنوب خالياً من العرب (بالألمانية: أراب راين Arabrein) وفي محاولة الخطاب العربي وصف الغزوة الصهيونية في خصوصيتها وعموميتها، كان أول مصطلح استُخدم هو «إسرائيل المزعومة» ، وهو مصطلح ليس له أية مقدرة تفسيرية، وكان تعبيراً عن عدم التصديق العربي لما حدث. وظهرت مصطلحات مماثلة أخرى مثل «شذاذ الأفاق» . وهو مصطلح استُخدم في فلسطين للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة، يحاول التهوين بشكل مبالغ فيه من ظاهرة الغزو الصهيوني، وإن كان قد نجح في رصد ظاهرة عدم التجذر التي تسم المجتمعات الاستيطانية. ولكن مع منتصف الخمسينيات بدأ الحديث عن إسرائيل باعتبارها "مخلب القط" للاستعمار الغربي (وهو مصطلح استمر فيما بعد في عبارة "إسرائيل كحاملة طائرات") ، وباعتبارها "قاعدة الاستعمار الغربي". وهي مصطلحات تقترب إلى حدٍّ ما من الطبيعة الوظيفية للظاهرة الصهيونية. ولا يزال الخطاب العربي يتأرجح في محاولته تسمية دولة إسرائيل فهي أحياناً «الدولة الصهيونية» وأحياناً أخرى «الدولة اليهودية» ، وهناك من يشير إليها أحياناً باعتبارها «الدولة العبرية» . ونحن لا نستخدم اصطلاح «الدولة اليهودية» (إلا إذا اضطرنا السياق لذلك) لأن ليس له قيمة تصنيفية أو تفسيرية، إذ لا يمكن تفسير سلوك إسرائيل استناداً إلى التوراة والتلمود. كما لا نستخدم مصطلح «الدولة العبرية» لأنه لا دلالة له، ولأنه يحاول تطبيع الدولة الصهيونية إذ أنه يفترض وجود ثقافة عبرية وهوية عبرية ذات مصالح قومية محددة، وهو أمر خلافي إلى حدٍّ كبير. فالدولة الصهيونية لا تزال تدَّعي أنها دولة كل يهود العالم، وهي ولا شك مجتمع مهاجرين غير مستقر ولم تتحدد هويته بعد. وهي لا تزال تشغل الأرض الفلسطينية وترفض عودة الفلسطينيين. ومن ثم فنحن نشير لإسرائيل باعتبارها «الدولة الصهيونية» ، و «الصهيونية» هنا تعني «الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني» . كما نشير لها بأنها «الدولة الوظيفية» أو «الدولة الصهيونية الوظيفية» ! وهناك بعض المصطلحات مثل: «فلسطين المحتلة» ـ «التجمُّع الصهيوني» ـ «الكيان الصهيوني» ذات مقدرة تفسيرية عالية لأنها لا تعكس الإدراك العربي للظاهرة الصهيونية وحسب، وإنما تقترب إلى حدٍّ كبير من بنية الكيان الصهيوني. فلسطين المحتلة Occupied Palestine «فلسطين المحتلة» مصطلح يتواتر في الخطاب السياسي العربي يؤكد أن وضع فلسطين لم يتقرر بعد وأنها لم تصبح بعد إسرائيل بشكل نهائي، وأن الأمور لم يتم تسويتها وتطبعها، وأن فلسطين في نهاية الأمر ليست "أرضاً بلا شعب" كما كان الزعم. لكل هذا فنحن نرى أن مصطلح «فلسطين المحتلة» مصطلح منفتح يترك الباب مفتوحاً أمام الجهاد والاجتهاد، ولا يقبل الأمر الواقع والوضع القائم (المبني على الظلم) باعتباره نهائياً. وبعد عام 1967 تشير كثير من الأدبيات العربية إلى «فلسطين المحتلة عام 1948» مقابل «فلسطين المحتلة بعد عام 1948» . وكثير من الصهاينة يدركون هذا البُعد في الخطاب العربي. وقد صرح مناحم بيجين وغيره أنه لو كانت «إسرائيل» هي «فلسطين» ، لفقدت الصهيونية صفتها باعتبارها حركة تحرُّر وطني للشعب اليهودي وأصبحت عملية استعمار واغتصاب. وعلى كلٍّ قررت الدولة الصهيونية ألا تغلق باب الاجتهاد تماماً ولذا فهي لم تحدد حدودها حتى الآن، وهي مستمرة بكل إصرار في إقامة المستوطنات للصهاينة والمعازل للفلسطينيين، أي أنها بمعنى من المعاني رفضت تطبيع ذاتها، مما يعني أن الحلبة لا تزال مفتوحة لكل أشكال الحوار الأخرى بما في ذلك الحوار المسلح، ومن ثم فإسقاط مثل هذا المصطلح هو سقوط في عملية التطبيع المعرفي والمصطلحي. التجمع الصهيوني Zionist Aggregate «التجمُّع الصهيوني» مصطلح يُستخدَم في الخطاب التحليلي العربي للإشارة إلى الدولة الصهيونية التي تشير إلى نفسها أحياناً بأنها «الدولة اليهودية» . والمصطلح يحاول أن يؤكد حقيقة أن إسرائيل لا تشكل مجتمعاً عادياً متماسكاً متجانساً يتسم بقدر معقول من الوحدة، وإنما هو مجرد تجمُّع من مجموعات بشرية، تتصارع فيما بينها إلا في مواجهة عدو خارجي (فهي أقرب إلى التركيب الجيولوجي التراكمي) . والإشارة إلى الدولة الصهيونية باعتبارها "تجمعاً" لا يشكل سباً لها أو تقليلاً من شأنها وإنما هو محاولة جادة للتعرف على السمات الأساسية لهذا الكيان الغريب الذي له صفاته الخاصة (وأحياناً الفريدة) . الكيان الصهيوني Zionist Entity «الكيان الصهيوني» مصطلح يُستخدَم في الخطاب السياسي العربي للإشارة إلى الدولة الصهيونية. وهو مصطلح له مقدرة تفسيرية عالية لأنه منفتح، فهو لا يقبل القول بأن ما أُسِّس على أرض فلسطين هو مجتمع يهودي متجانس تحكمه دولة عادية، وإنما هو كيان كائن لم تتحدد صفاته بعد، أي أن المصطلح هنا يؤكد الشذوذ البنيوي لهذا الكيان الذي غُرس في فلسطين المحتلة غرساً وفُرض عليها فرضاً. ولأنه كيان مشتول لا جذور له فإنه يمكن أن "يُنفَض" كما يُنفَض الغبار (ومن هنا كان مصطلح «الانتفاضة» ) . واستخدام كلمة «كيان» ، شأنها شأن عبارة «فلسطين المحتلة» و «تجمُّع» لا تتضمن أيَّ شكل من أشكال السب أو القدح، وإنما هو محاولة جادة للابتعاد عن القوالب اللفظية الجاهزة التي تسقط في العموميات وتتجاهل المنحنى الخاص للظاهرة وتقوم بالتطبيع المعرفي للظاهرة الصهيونية. واستخدام هذه المصطلحات لا يعني أن «الكيان الصهيوني» أقل قوة أو بطشاً أو تواجداً من الناحية العسكرية من «الدولة الصهيونية» ، فجماعات المغول التي اكتسحت العالم الإسلامي وأسقطت الخلافة وهدَّدت العالم المسيحي، لم يكن تشكل دولة ولا حتى قبائل رعوية في بقعة محددة، وإنما، كما يبدو، كانت فائضاً سكانياً ضخماً قذفت به سهوب منغوليا الشاسعة عبر موجات متكررة، فاكتسحت الصين والهند ثم العالم الإسلامي. وكان هذا الفائض يتسم ببراعة عسكرية فائقة ومقدرة على إدارة الحرب النفسية وكان يحمل رغبة صادقة في تحطيم الحضارة الإنسانية باعتبارها تعبيراً عن شكل من أشكال الانحلال. والكيان الصهيوني هو أيضاً شيء فريد، فائض بشري أرسلته أوربا إلى فلسطين، بعد أن قامت بتسليحه ودعمه وتغطيته عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. وأوربا تشكيل حضاري أحرز تقدماً تكنولوجياً ضخماً تملك ناصيته المستوطنون الصهاينة، كما تملَّكوا ناصية أساليب الإدارة المتقدمة التي طوروها. ولكن كل هذا لا يجعلهم مجتمعاً أو دولة "عادية"، ومن هنا استخدام مصطلح مثل «تجمُّع» أو «كيان» . المشروع الصهيوني Zionist Project «المشروع الصهيوني» عبارة تتردد في الخطاب السياسي العربي يُقصد منها أحياناً المخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين وطرد أهلها أو الهيمنة عليهم (ويُقصد منها أحياناً أخرى المؤامرة اليهودية التي لا تنتهي) . ويمكن القول بأن المشروع الصهيوني هو النموذج المثالي الصهيوني (ما ينبغي أن يكون) . وتتبدى من خلال هذا المشروع كل سمات الشذوذ البنيوي التي اتضحت فيما بعد من خلال الأداء الصهيوني. فالمشروع يتحقَّق في الزمان والمكان، الأمر الذي يعني أن التناقُض بين ما ينبغي أن يكون وما يتحقَّق بالفعل يأخذ في الظهور. ومع هذا يردد كثير من العرب أن المشروع الصهيوني خطة محكمة آخذة في التحقُّق بحذافيرها، وأن هرتزل على سبيل المثال تنبأ بأن الدولة الصهيونية ستُقام بعد خمسين عاماً وأن نبوءته قد تحققت بالفعل. وما يغفل عنه الكثيرون أن عدد النبؤات الصهيونية الذي لم يتحقق يفوق كثيراً عدد ما تحقَّق. فقد تنبأ هرتزل عام 1904 أن ألمانيا هي التي ستأخذ الدولة الصهيونية تحت جناحيها، أي قبل أن تأخذ الدولة النازية أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا تحت جناحيها (على طريقتها الجهنمية الخاصة) بثلاثين عاماً. وقد تنبأ بن جوريون بأنه بعد إنشاء الدولة بسنتين أو ثلاثة ستستسلم كل الدول العربية وستوقِّع معاهدات سلام مع الدولة الصهيونية وأن الفلسطينيين العرب سيتركون أراضيهم بحثاً عن الثروة في بقية العالم العربي. ولكن الأهم من هذا كله هو التناقضات العميقة التي ظهرت والتي زادت من الشذوذ البنيوي للكيان الصهيوني. فقد خطط الصهاينة على سبيل المثال لتأسيس دولة يهودية خالصة كان من المفروض أن يهرع لها كل يهود العالم أو غالبيتهم، وكان المفروض أن تكون هذه الدولة دولة مستقلة تعتمد على نفسها وتشفي اليهود من طفيليتهم. وغني عن القول أن شيئاً من هذا لم يحدث وأن أعضاء الجماعات اليهودية لا يزالوا في أوطانهم الأصلية الحقيقية، فهم ليسوا شعباً بلا أرض، يتساءلون عن يهودية الدولة اليهودية، والأسوأ من هذا أن العرب لا يزالون يقاومون هذا الكيان الصهيوني ومشروعه فيفتحونه ويكشفون شذوذه البنيوي ويؤكدون أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب. السمات الأساسية للمشروع الصهيوني Main Traits of the Zionist Project تتضح السمات الأساسية للمشروع الصهيوني في عدة حقائق سنبينها على النحو التالي: 1 ـ ظهرت الفكرة الصهيونية في أوربا في القرن التاسع عشر، وهو عصر الاستعمار الأوربي القومي للقوميات الأخرى، وقد استمد كثيراً من مبرراته من الأفكار القائمة على التمييز العنصري، وتلك الخاصة بتفوق الرجل الأبيض، وغيرها من الأفكار المثيلة الرائجة آنذاك. 2 ـ انطلقت فكرة قيام كيان يهودي، ثم تحوَّل إلى صهيوني، من قبَل الزعامات الأوربية قبل أن تتحول إلى تنظيم لليهود والصهاينة: أ) فقد أعلن نابليون عام 1799 عن استعداده للسماح لليهود بإعادة بناء الهيكل في القدس إذا ساعدوه في حربه مع بريطانيا العظمى من أجل السيادة على الشرق الأدنى والطريق إلى الهند. ب) وأعلن بسمارك عن رغبته في إنشاء كيان يهودي حول نهر الفرات لحماية مشروع خط الملاحة الألماني التجاري الذي فكرت ألمانيا آنذاك في إنشائه لتخرج من دائرة احتكار بريطانيا للطرق التجارية المؤدية إلى الشرق الأقصى. جـ) في عام 1837 طلب بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا من سفيره في استنبول الاتصال بيهود الشرق الأدنى ليطلبوا حماية بريطانيا لتتمكن من تحقيق وجود لها على غرار الوجود الذي حققته فرنسا في الشرق الأدنى تحت شعار حماية المسيحيين الكاثوليك وذاك الذي حققته روسيا القيصرية أيضاً تحت شعار حماية المسيحيين الأرثوذكس. د) بعد قيام الحركة الصهيونية بتشجيع ألماني بريطاني جرى صراع حول الاستقطاب إلى أن نجحت بريطانيا في احتواء الحركة الصهيونية وإبعاد النفوذ الألماني، بوصول وايزمان وبن جوريون إلى موقع القيادة الأول. هـ) صدر وعد بلفور من بريطانيا، إلا أن صياغته وصدوره كان جهداً بريطانياً أمريكياً مشتركاً. و) تأخرت أمريكا في توقيع موافقتها على صك الانتداب الفرنسي والبريطاني على فلسطين والأردن وسوريا ولبنان مدة سنتين، ولم توقعه إلا بعد أن حصلت من بريطانيا وفرنسا على حقوق اقتصادية متساوية معهما في الشرق العربي. ز) مع أن صك الانتداب على غير فلسطين نص على تمكين الشعوب ذات العلاقة من الوصول إلى مرحلة الاستقلال الوطني، إلا أن صك الانتداب على فلسطين تضمن (في المادة الثالثة منه) على تهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة كيان يهودي فيها. ح) منذ قيام الكيان الصهيوني والمؤسسة المحورية فيه هي المؤسسة العسكرية، ودور القوة العسكرية الصهيونية فيه هو حماية مصالح الاستعمار في المنطقة (عدوان السويس 1956) ثم تحولت إلى قاعدة عسكرية أمريكية، فضلاً عن كونها أكبر القواعد العسكرية فاعلية بسبب موقعها الجغرافي وبسبب الدعم العسكري الأمريكي غير المحدود لبناء قوتها العسكرية، كما أنها من أقل القواعد العسكرية كلفة (450 ألف جندي في حالة التعبئة، تكلف أمريكا حوالي خمس مليارات دولار فقط سنوياً) . ط) أصبح الكيان الصهيوني العسكري جزءاً أساسياً من إستراتيجية حلف الأطلسي في إستراتيجية المواجهة مع الاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأدنى، وتحولت ذلك وبأهدافها الخاصة (إسرائيل الكبرى) إلى مركز مؤثر حاد، مضاد للسلام المجتمعي والإقليمي في المنطقة. ومركز جذب للصراع بين الدول الكبرى بما يهدد السلام العالمي. 3 ـ الفكرة الصهيونية منذ أن قامت وكما عرفها المفكرون الصهاينة هي: أ) إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات كهدف إستراتيجي يتم تنفيذه على مراحل. ب) تنفيذ هذه الفكرة بالحرب العدوانية التوسعية الاستيطانية وضخ سكان المنطقة إلى الخارج بالإرهاب وضخ يهود العالم إلى الدولة بالإكراه. جـ) عدم وضع دستور بالمعنى التقليدي لدولة الكيان الصهيوني والاكتفاء بمجموعة قوانين أساسية وذلك لتفادي وضع حدود للدولة، تقيد العمل من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى. 4 ـ يقوم الكيان الصهيوني في إطار فلسفته المجتمعية على أكثر حالات التمييز العنصري والديني والطائفي والعرْقي، حدة عبر التاريخ: أ) فهناك تمييز بين اليهود اللاساميين (الأوربيين والأمريكان والروس) القدامى والجدد. ب) وهناك تمييز بين اليهود اللاساميين واليهود الساميين (العرب) لمصلحة اليهود اللاساميين. جـ) وهناك تمييز أكثر حدة في الحقوق والواجبات بين اليهود وغير اليهود وبخاصة العرب (الساميون) المسلمون والمسيحيون من الفلسطينيين (السكان الأصليين للبلاد) . د) وتفسر الصهيونية خطر السماح للفلسطينيين المسلمين والمسيحيين بالعودة إلى وطنهم، بأن هذه العودة تؤدي إلى الإخلال بصفاء المجتمع اليهودي. 5 ـ قامت إسرائيل كدولة صهيونية من خلال ما يُسمَّى بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار الجمعية العمومية المتحدة في نوفمبر عام 1947 بتقسيم فلسطين، مع أن هذا القرار يتناقض مع المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، لأنه صادر إرادة شعب فلسطين وحقه في تقرير مصيره، فضلاً عن أن تهجير تجمعات بشرية إلى وطن يسكنه شعبه رغم إرادة هذا الشعب، ثم إعطاء هؤلاء المهاجرين حق سلب جزء من الوطن، عمل يتناقض مع الحقوق الطبيعية للشعوب التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان. 6 ـ دولة إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بفعل الغير ووفق شروط تفصيلية تناولت حتى مبادئ الدستور ونصت على عدم المساس بالحقوق السياسية والمدنية والثقافية والدينية والاقتصادية لغير اليهود في القسم المخصص لليهود في فلسطين. 7 ـ إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي وضع على قبول عضويتها في الأمم المتحدة شروط حددها بروتوكول لوزان الذي وقعته حكومة إسرائيل. وأهم هذه الشروط قيام إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين بما في ذلك شروط قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل وقرار حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم، والتعويض لمن لا يرغب في العودة منهم. ولكن إسرائيل ترفض حتى الآن تنفيذ أي قرار من قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك ما يتصل بحدودها وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وبيوتهم وممتلكاتهم فيها، وهو ما يجعل عضويتها في الأمم المتحدة باطلة وغير شرعية. 8 ـ ترفض إسرائيل عملياً الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على غير اليهود، كما ترفض الالتزام بالمواثيق الدولية ومنها اتفاقيات جنيف في كيفية التعامل مع شعب الأراضي المحتلة. ولا توجد دولة في الأمم المتحدة، صدرت بحقها قرارات إدانة في هذا المجال ومجال رفضها الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وقراراتها كما صدر بحق دولة إسرائيل، بما في ذلك ما يتصل بانتهاكاتها سيادة دول المنطقة وانتهاكاتها اتفاقيات الهدنة. (لبنان ـ السعودية ـ سوريا، مصر ـ العراق ـ الأردن (. 9 ـ لم يعلن القادة الصهاينة قبل قيام دولة إسرائيل موافقتهم على قرار التقسيم ورفضوه كما رفضه شعب فلسطين، ولكنهم في الاجتماع الذي عُقد في تل أبيب في ديسمبر عام 1947 قرروا عدم إعلان رفضهم له أو موافقتهم عليه، والعمل على تنفيذه كمرحلة أولى من مراحل العمل من أجل تحقيق الاستيلاء على كل فلسطين كقاعدة انطلاق باتجاه تحقيق إسرائيل الكبرى كهدف نهائي جغرافياً. 10 ـ إن التجمُّع البشري الذي يتألف منه الكيان الصهيوني لم يصل إلى مستوى المجتمع المتكامل للأسباب التالية: · الإجماع الصهيونى · الاعتدال والتطرف: المنظورالصهيونى. الإجماع الصهيوني Zionist Consensus «الإجماع» في عالم السياسة هو الاتفاق بين النخبة والغالبية الساحقة من الشعب بشأن عدد من المسلمات الفلسفية والأخلاقية والسياسية. و «الإجماع الصهيوني» هو اتفاق داخل الدولة الصهيونية بين التيارات والاتجاهات والأحزاب الصهيونية التي تضم الغالبية الساحقة من المستوطنين الصهاينة بشأن الأمن وحدود الدولة والعلاقة مع الفلسطينيين ومع يهود العالم ودول العالم، وبخاصة دول العالم الغربي وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي ترعى الكيان الصهيوني. وقد تظهر اختلافات بشأن الوسائل والنهج، ولكنها لا تنصرف قط إلى المسلمات النهائية. (والعقد الاجتماعي الذي يستند إليه التجمُّع الصهيوني هو نفسه هذا الإجماع، وهو الذي يشكل المرجعية النهائية لكل الأحزاب والتيارات الصهيونية) . وقد اهتزت معظم هذه المسلمات، نقول "اهتزت" ولا نقول "زالت". إذ أنه رغم الاهتزاز هذا، الذي فرضه الواقع المقاوم على المستوطنين الصهاينة فرضاً، تظل غالبيتهم الساحقة تدور في إطار الإجماع الصهيوني، الذي يمكن تلخيصه فيما يلي: 1 - اليهود شعب واحد، طليعته هم المستوطنون الصهاينة، وفلسطين هي أرض الميعاد أو إرتس يسرائيل (وطن اليهود القومي) وليست فلسطين، وطن أهلها. وحدود إرتس يسرائيل مراوغة مطاطة لا يمكن تحديدها في الوقت الحاضر، إذ لابد أن تتوسع إسرائيل لتصل لحدودها "التاريخية" (التي ورد ذكرها في التوراة!) . وعلى يهود العالم أن يهاجرو إلى إرتس يسرائيل وأن يلتفوا حول دولتهم الصهيونية القومية ويقوموا بدعمها مالياً وسياسياً فهي المركز وهم الهامش. هذه الدولة يجب أن تكون دولة يهودية خالصة (دولة اليهود ودولة يهودية في آن واحد) تجسِّد الرؤى اليهودية، وبإمكان اليهودي أن يحقِّق فيها ذاته وهويته. ولكن الدولة الصهيونية بدأت تدرك أن اليهود ليسوا شعباً واحداً (كما كان يدَّعي الصهاينة قبل عام 1948) . وسؤال من هو اليهودي لا يزال سؤالاً ملحاً، يطرح نفسه على الدولة الصهيونية وعلى قاطنيها من المستوطنين الصهاينة. كما أدرك الصهاينة أن فلسطين، من خلال مقاومة أهلها، لم تعد لقمة مستساغة أو مطية سهلة أو مجالاً مفتوحاً للتوسع الصهيوني. ولم تَعُد الدولة الصهيونية تطلب من يهود العالم الغربي الهجرة إليها ولم تَعُد تتبع الأسلوب العقائدي العدواني الذي كانت تتبعه في الماضي. ومن هنا كف الحديث عن الشعارات القديمة مثل «جمع المنفيين» و «غزو الجاليات» و «تصفية الدياسبورا» و «إسرائيل الكبرى حدودياً» ، وبدأ، بدلاً من ذلك، الحديث عن «الصهيونية التكنولوجية» أو «الإلكترونية» (أي التي تساهم في بناء "الوطن القومي اليهودي" من خلال التكنولوجيا والإلكترونيات) ، كما يتحدث الصهاينة الآن عن «صهيونية الدياسبورا» و «إسرائيل العظمى اقتصادياً» المهيمنة على المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج، أي أن الحركة الصهيونية قد قبلت بأمر واقع مفاده أن اليهود ليسوا شعباً واحداً وأن إسرائيل ليست وطنهم الوحيد وأن يهود المنفى لهم حق البقاء فيه، ومن هنا قبول الصهيونية التوطينية، والتنازل عن الأهداف القصوى للصهيونية الاستيطانية المطالبة بـ «تصفية الدياسبورا» ، ومن هنا أيضاً محاولة توظيف يهود «المنفى» في منفاهم، أي أوطانهم. 2 - وجود الفلسطينيين في وطنهم فلسطين - حسب التصوُّر الصهيوني - أمر عرضي زائل، ومن ثم لابد من التخلص منهم بشكل ما (لتأسيس الدولة اليهودية المقصورة على اليهود) . وانطلاقاً من كل هذا يصبح من "حق" الدولة الصهيونية أن "تدافع" عن نفسها وعن حقوقها المطلقة بكل ضراوة من خلال "جيش الدفاع الإسرائيلي" ضد "إرهاب" السكان الأصليين، أي الفلسطينيين ممن يرفضون الإذعان للرؤية الصهيونية. وقد تتفاوت مفاهيم السلام بين حزب صهيوني يميني وآخر صهيوني يساري ولكن في التحليل الأخير نجد أن مفهوم الأمن لدى الأحزاب الصهيونية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يشير إلى مضمون واحد. وينظر الصهاينة إلى القضية الفلسطينية باعتبارها «قضية أخلاقية» وحسب، ومن ثم يجب عدم الحديث عن "عودة" الفلسطينيين إلى ديارهم ("إعادة توطينهم" في المصطلح العربي) ، وإنما يجب الحديث عن "منح تعويضات" مالية للمتضررين منهم. أما المتبقون فيُستوعَبون في أماكن وجودهم (أي في البلدان العربية المختلفة، وبخاصة سوريا ولبنان) . ومع هذا أدرك الصهاينة صعوبة التخلص من الفلسطينيين ومن وجودهم "العرضي الزائل". ولذا يحاول الصهاينة الآن قبول الأمر السكاني الواقع مع الاتجاه نحو تقليل الاحتكاك بالفلسطينيين ومحاصرتهم عبر إقامة كيان خاص بهم، لأنهم يهددون شرعية الوجود الصهيوني ذاته. ولكن الحديث عن "محاصرة السكان" هو نفسه دليل على الفشل الصهيوني في إنشاء الدولة الصهيونية الخالصة، وفي حماية المزاعم الصهيونية التي تحدتها الانتفاضة المباركة. وقد تحوَّل النظام الاستيطاني الصهيوني عن الإحلال وأصبح نظاماً مبنياً على التفرقة العنصرية (الأبارتهايد) . 3 - سياسة الأمر الواقع هي السياسة الوحيدة التي يمكن اتباعها مع العرب، فالأمر الواقع هو الذي يغيِّر الواقع [العربي] ويفرض واقعاً) صهيونياً] جديداً عليه ويمكن تحقيق السلام وبالشروط الصهيونية من خلاله. وقد أثبتت الانتفاضة و"الحزام الأمني" في لبنان عدم جدوى الأمر الواقع وعبثيته واستحالة فرض السلام بالشروط الصهيونية. ولذا نجد أن الإجماع الصهيوني قد اهتز بشأن غزوات إسرائيل العسكرية "دفاعاً" عن نفسها (والتي تفرض الأمر الواقع والسلام بالشروط الصهيونية من خلالها) ، فلا يوجد إجماع بشأن حرب لبنان، ولا يكف بعض أعضاء النخبة عن الحديث عن ضرورة الانسحاب من طرف واحد (وإن ظل الإجماع الصهيوني بشأن قمع الانتفاضة، لأنها تتحدى شرعية الوجود الصهيوني ذاتها) . كل هذا يعني في واقع الأمر أن الإجماع الصهيوني يهتز في حالة قيام العرب بالمقاومة. 4 - لا يمكن تفكيك المستوطنات القائمة بالفعل، فتفكيك المستوطنات يضرب في صميم الشرعية الصهيونية، ولابد من الحفاظ عليها بشكل أو بآخر، والدولة الصهيونية تضم الضفة الغربية، وحدودها هي نهر الأردن. ولكن، هل يجب أن تكون هذه المستوطنات متصلة بطرق برية أم أنفاق تحت الأرض، أم تظل منفصلة؟ وهل هي مستوطنات أمنية مؤقتة أم دائمة؟ كل هذه أمور ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها بين أعضاء حزب العمل وحزب الليكود. إذ يرى أعضاء الليكود أن حدود إسرائيل هي نهر الأردن بالفعل وأن الوجود الإسرائيلي هناك وجود دائم، أما العماليون فمستعدون "للخروج" من هذه الأرض (من الناحية النظرية على الأقل) للحفاظ على يهودية الدولة الصهيونية فيما يُسمَّى «الصهيونية السكانية» . فضم الضفة الغربية بمن عليها سيجهز على الطابع اليهودي للدولة الصهيونية. وكل هذه الاختلافات السابقة إن هي إلا امتداد للاختلافات التي نشأت من البداية، بين التيارات الصهيونية المختلفة. ولكن مع هذا نجد أن أمراً جوهرياً مثل الاستيطان، حجر الزاوية في الإجماع الصهيوني، قد يصبح هو الآخر موضع خلاف. فمع تزايد مشاعر العداء بين مستوطني عام 1948 (وراء الخط الأخضر) ومستوطني الضفة والقطاع، بسبب حجم الإنفاق الاقتصادي والعسكري العالي الذي ليس له عائد واضح، ظهرت أصوات كثيرة تصف هذا الاستيطان بأنه "مكلف"، أو "مترف"، أو كصنبور الماء المفتوح، وطالب البعض، من منظور صهيوني، بوقفه أو فكه أو تجميده، وبخاصة بعد أن أصبح الاستيطان «مكيف الهواء» وأصبح على الجيش حماية المستوطنين (بعد أن كانوا يشكلون طليعته العسكرية (. 5 - القدس هي العاصمة الموحدة والأزلية للدولة الصهيونية (وليست موضوعاً للمساومة) وبإمكان الفلسطينيين أن يأخذوا مكاناً خارج القدس وليسمونه ما يشاءون الـ Quds على سبيل المثال، وهذه (مع الأسف) ليست مجرد نكتة سياسية وإنما حقيقة صهيونية. 6 - الكيان الفلسطيني الذي سينشأ (في الضفة والقطاع) كيان سياسي منقوص السيادة، منزوع السلاح وبدون جيش. ويشبَّه الكيان الفلسطيني ببورتوريكو وأندورا (والأولى دولة حرة، تابعة للولايات المتحدة، لسكانها حق التصويت، دون أن يحملوا الجنسية الأمريكية، أما الثانية، فتخضع لنظام حكم تحت سيادة فرنسا وأسقف من إسبانيا [فهي تقع بين البلدين] ) . أما ماذا تُسمَّى هذه الدولة (هل هي «حكم ذاتي» أم «دولة فلسطينية مستقلة» ؟) فهذه مسألة ثانوية يمكن الاختلاف بشأنها. 7 - يذهب الإجماع الصهيوني - رغم كل ديباجات الاستقلال الصهيوني والاعتماد على الذات ورفض الجوييم - إلى أنه دون الدعم الغربي، وبخاصة الأمريكي، للمستوطن الصهيوني لن يُقدر له البقاء والاستمرار، وأن هذا المستوطن الصهيوني هو أساساً دولة وظيفية أُسست للاضطلاع بوظيفة أساسية، هي الدفاع عن المصالح الغربية، وأن الغرب قد تبنى المشروع الصهيوني وضمن له البقاء والاستمرار كي يدافع عن مصالح الغرب في المنطقة، ودون أداء الدولة الصهيونية لوظيفتها، لن يكون هناك دعماً. ولعل العنصر الوحيد الذي لم يهتز هو إدراك الصهاينة أن الدعم الأمريكي أمر حيوي وأساسي للبقاء والاستمرار الصهيونيين، أي أن كل الثوابت قد اهتزت وظهرت عليها التشققات والتغيرات إلا هذا العنصر، ومن هنا تسميتنا له "بالثابت الثابت". أما عناصر الإجماع الأخرى فقد ظهر أنها متغيرات خاضعة للتفاوض. الاعتدال والتطرف: المنظور الصهيوني Moderation and Extremism: Zionist Perspective «الاعتدال» من «عدل» أي «سوى بين الشيئين» . و «الاعتدال السياسي» هو أن يأخذ المرء موقفاً ينزع نحو المهادنة وتقديم التنازلات في سبيل تحقيق قدر من العدل والسلام. و «التطرف» ، على خلاف «الاعتدال» ، هو «تجاوز حد الاعتدال» . وهو على زنة «تفعُّل» من «طرف» . و «الطرف» هو «حافة الشيء» . و «التطرف» ، في المصطلح السياسي، هو أن يتمسك المرء بموقفه وبالحد الأقصى لا يحيد عنه ولا يقبل تقديم أية تنازلات ولا يتهاون بغض النظر عن الأوضاع والملابسات المحيطة بالموقف. ومصطلحا «الاعتدال» و «التطرف» شائعان في الخطاب السياسي، فيوصف إنسان بأنه «متطرف» وآخر بأنه «معتدل» حسب ما يتخذانه من مواقف. ولكن ما يغيب عن الكثيرين أن التطرف والاعتدال يُقاسان بالنسبة إلى مرجعية ما كامنة، فما هو متطرف من وجهة نظر ما قد يكون اعتدالاً من وجهة نظر أخرى، وكل شيء يعتمد على المرجعية. وما يفوت من يستخدمون مثل هذه المصطلحات أن أسباب الصراع (في المجال السياسي والاقتصادي) ليس لها علاقة كبيرة بما يُسمَّى «العُقد النفسية والتاريخية» ، وإنما هي في العادة أسباب بنيوية، لصيقة بالعلاقات التي توجد في الواقع. وطالما ظلت البنية الشاذة ظل الصراع، أي أن القضية ليس لها علاقة كبيرة، في كثير من الأحوال، مع الحالة النفسية أو مع مدى استعداد أحد أطراف الصراع لإظهار الاعتدال والتسامح. ولذا فنحن نذهب إلى أن مصطلحي «الاعتدال» و «التطرف» ليس لهما مقدرة تفسيرية عالية في مجال السياسة والاقتصاد. والأمر لا يختلف كثيراً في الصراع العربي/الصهيوني، فسبب الصراع هو الشذوذ البنيوي للكيان الصهيوني الاستيطاني الإحلالي، الذي تأسس على الظلم، وتم تحقيقه من خلال الإرهاب والقمع، وطالما ظلت البنية الصهيونية الشاذة، ظل الصراع العربي الصهيوني. ومع هذا تم استخدام المصطلحين بطريقة فيها قدر كبير من السيولة وعدم التحدد. وهذا يعود إلى أن المرجعية الصهيونية والحد الأقصى الصهيوني والمسلمات النهائية (تأسيس الدولة اليهوديةالخالصة، الخالية من العرب) أخفيت تماماً عن الأنظار، وأن شعارات مثل "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" و"إرتس يسرائيل التي تمتد من النيل إلى الفرات" أو "على ضفتي الأردن" و"تجميع المنفيين في إرتس يسرائيل" و"نفي (أي تصفية) الدياسبورا" قد تم إخفائها عن طريق استخدام الخطاب الصهيوني المراوغ، الآلية الصهيونية لإخفاء المرجعية. ولهذا نجد أن ما يوصف بالتطرف يوماً يوصف بالاعتدال يوماً آخر وهكذا، إلى أن اقترب "الاعتدال الصهيوني" من المسلمات الصهيوني النهائية والحد الأقصى الصهيوني. فبعد إعلان وعد بلفور عام 1917 كان الصهاينة الذين يطالبون بإنشاء دولة صهيونية يعدون "متطرفين" لأن الحد الأقصى المعلن آنذاك هو "وطن قومي" وحسب. ولكن هؤلاء المتطرفون أصبحوا معتدلين في الأربعينيات حينما أصبح الشعار الرسمي للحركة الصهيونية هو إنشاء دولة صهيونية وقبول قرار التقسيم والعيش مع العرب في سلام! ومن ثم كان الحديث عن كامل أرض إسرائيل وطرد العرب هو عين التطرف الصهيوني. ولكن بعد أن قضمت إسرائيل أراض تتجاوز حدود الأرض المعطاة لها بمقتضى قرار التقسيم وبعد أن تم طرد العرب، أصبح الاعتدال الصهيوني هو تجاوز قرار التقسيم والقبول بالأمر الواقع والتمسك بحدود 1948 وببقاء الفلسطينيين خارج ديارهم. وبعد حرب 1967 كان التطرف الصهيوني هو التمسك بكل أو بعض الأراضي المحتلة بعد عام 1967 وبإقامة المستوطنات فيها. وبالتدريج، تغيَّر مثل هذا الموقف الأخير، وأصبح الاعتدال هو قبول الأمر الواقع وتجميد المستوطنات مع الاستمرار في تسمينها (أي توسيعها) . وينطبق الموقف نفسه على العرب بطبيعة الحال، فالمعتدل، من وجهة النظر الصهيونية، هو الذي يقبل الموقف الصهيوني المعتدل ويتغيَّر بتغيُّره. فالعربي الذي كان يقبل استيطان الصهاينة دون إنشاء دولة كان يُعدُّ (منذ عام 1917 وحتى الأربعينيات) معتدلاً، ولكنه أصبح متطرفاً بعد ذلك التاريخ. ومن كان يقبل إنشاء الدولة اليهودية وقرار التقسيم عام 1948 كان يُعدُّ عربياً معتدلاً، ولكن بعد إنشاء الدولة، أصبح مثل هذا الشخص متطرفاً. وظل الأمر كذلك حتى عام 1967 حين أصبح الاعتدال العربي هو الرضوخ لحدود إسرائيل بعد عام 1967 وأصبح تطبيق قرار 242 أو حتى إنقاص المستوطنات في الضفة الغربية هو عين التطرف العربي. ومما يجدر ملاحظته أن الحفاظ على أمن إسرائيل هو دائماً الحجة التي تُساق لتحديد مفهومي الاعتدال والتطرف، وأن مواصفات هذا الأمن تحدده الدولة الصهيونية دائماً. ويُلاحَظ، في جميع الأحوال، غياب مفهوم العدل والتآكل التدريجي لمفهوم المقاومة إلى أن أصبح أي شكل من أشكال «المقاومة» شكلاً من أشكال التطرف والإرهاب. وقد تَسلَّل المصطلحان بمرجعيتهما الصهيونية إلى الخطاب السياسي العربي وأصبح يُشار إلى «العمليات الفدائية» بأنها «عمليات انتحارية» . ويمكننا أن نقول إن المرجعية النهائية للعقل الصهيوني هي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (دولة وظيفية يقيمها الغرب ويدعمها ويضمن لها البقاء وتقوم هي على خدمة مصالحه وتجنيد يهود العالم وراءها) . وهي صيغة استعمارية استيطانية تنفي العرب وتُسقط فكرة العدل تماماً وتستند إلى القوة الذاتية للصهاينة وإلى الدعم الإمبريالي الغربي. هذا هو الأساس وما عدا ذلك تفاصيل وآليات وديباجات. فحدود الدولة وحجم الاستيطان وكثافته كلها آليات وتفاصيل خاضعة للاعتبارات الإستراتيجية الغربية وللملابسات الخاصة المحيطة بالدولة الاستيطانية والعملية الاستيطانية. ولكن، ورغم وجود هذه المرجعية الثابتة للعقل الصهيوني، فإن موقف الصهاينة على مستوى الممارسة اليومية يتباين بين «الاعتدال» و «التطرف» فهو ليس موقفاً واحداً ثابتاً لا يتغيَّر. ولتفسير هذه الظاهرة، وحتى يمكننا أن نتوصل إلى نموذج تفسيري معقول. فلابد أن نشير ابتداءً إلى أن ثمة انفصالاً بين إدراك الإنسان لواقعه وبين استجابته لهذا الواقع وسلوكه فيه. فاستجابة الفرد لواقعه لا تحددها فقط مكوِّنات هذا الواقع المادية (مثل موازين القوى على سبيل المثال) وإنما يحددها أيضاً مركب هائل من العوامل النفسية والعصبية والتاريخية والثقافية وإدراك الآخر. ولهذا السبب، قد يكون من المفيد أن نرسم مخططاً متكاملاً لطيف الإدراك الصهيوني (الذاتي) في علاقته بموازين القوى (الموضوعية) . وقد بيَّنا في مدخل آخر (انظر: «الإدراك الصهيوني للعرب» ) أن الصهاينة يدركون العرب من خلال أربعة أنماط أساسية: العربي الحقيقي ـ العربي ممثلاً للأغيار ـ العربي الهامشي ـ العربي الغائب. ويمكن أن نرى كيف تساهم القوة في تقويض نمط إدراكي ما أو تدعيمه. 1 ـ في حالة اتجاه موازين القوى لصالح العرب وضد صالح الصهاينة، فإن هذه الموازين تدعم الإدراك الواقعي عند الصهاينة، إذ يكتشف المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية لن تحقق لهم الأمن الذي يريدونه ولا الرفاهية التي يبغونها، ومن ثم تظهر على شاشة وجدانهم صورة العربي الحقيقي. وتساهم عملية إعادة صياغة الإدراك في تبديد الأوهام الأيديولوجية. وقد يؤدي هذا، في ظروف معينة، إلى ظهور برنامج سياسي يعكس الواقع، أي أن ميل موازين القوى لصالح العرب يؤدي إلى ترشيد العقل الصهيوني. 2 ـ في حالة اتجاه موازين القوى لصالح الصهاينة وضد صالح العرب، فإن هذه الموازين ستدعم الإدراك الصهيوني المتحيز. وسيرى المستوطنون أن البنية الاستيطانية/الإحلالية قد حققت لهم الأمن الذي يبغونه ومستوى معيشياً مرتفعاً. وسيساهم ذلك في تحويل الواقع التاريخي إلى شيء هامشي باهت، ويظهر على شاشة وجدانهم صورة العربي الهامشي ثم الغائب، ويتدعم البرنامج السياسي الصهيوني بوصفه مرشداً للتعامل مع الواقع. ويمكن أن نفسِّر التطرف والاعتدال الصهيونيين في ضوء الاحتمالين السابقين. فإن ظل العربي الحقيقي ساكناً دون أن يتحدى الرؤية أو موازين القوى، أصبح من الممكن قبوله كشخصية متخلفة هامشية غائبة، ويصبح من الممكن إظهار التسامح تجاهه، بل منحه بعض الحقوق مثل "الحكم الذاتي" (وهنا تكمن المفارقة) . أما إذ بدأ العربي الحقيقي في التحرك لتأكيد حقوقه ورفض الهامشية المفروضة عليه وتحدي الرؤية الصهيونية وحاول تغيير موازين القوة لصالحه، فإنه يصبح مصدر خطر حقيقي ويصبح من الضروري ضربه لتهشيمه وتهميشه ويصبح التسامح مرفوضاً. نحن نعيش في عالم يؤمن بالحواس الخمس وبكل ما يُقاس، ولا يعترف بالحق أو الخير أو العدل. ولتوصيل مثل هذه القيم غير المحسوسة للعدو، لابد من الضغط على حواسه الخمس حتى يعرف أن العربي الحقيقي ليس مجرد صورة باهتة في وجدانه يمكنه تغييبها وإنما هو قوة واقعية يمكن أن تسبب له خسارة فادحة إن هو تجاهلها أو حاول تهميشها وتهشيمها. ولعل هذا هو القصور الأساسي في محاولات التوصل للسلام حسب الشروط الصهيونية. فقد ظن مهندسو هذه الاتفاقيات أنهم عن طريق رفع رايات السلام والاعتدال والحديث الهادئ على مائدة المفاوضات سيُغيِّرون صورة العربي في وعي العالم ويهدئون روع الصهاينة ويقنعونهم بأنهم معتدلون وراغبون في السلام، وأن هذا سيخلق دينامية تفرض على الحكومة الإسرائيلية أن تصل إلى اتفاق عادل أو شبه عادل. ولكن الذي حدث هو عكس ذلك تماماً. فكلما ازداد الاعتدال العربي زاد التطرف الصهيوني وزاد التمسك بالمستوطنات وبكل شبر من الأرض المحتلة. والعكس بالعكس، فكلما زاد التطرف العربى، أي المقاومة والحوار المسلح، ازداد الصهاينة رشداً واستعداداً لتَقبُّل فكرة السلام الذي يستند إلى العدل، بدلاً من السلام حسب الشروط الصهيونية، أي الاستسلام الكامل. الحوار والحوار النقدي والحوار المسلح Dialogue, Critical Dialogue and Armed Dialogue «الحوار» مصطلح يعني حرفياً حديث يجري بين شخصين. وهو ترجمة لكلمة «ديالوج» dialogue» » المكونة من مقطعين «ديا» «dia» وتعني «اثنين» ، أما «لوج» logue» » فهي من الفعل اللاتيني «لوكور» loquor» » والتي تعني «يتحدث» . فهو حديث بين اثنين (على عكس المونولوج فهو حديث شخص واحد [مونو] مع نفسه) . وكلمة «حوار» تفترض شكلاً من أشكال الندية والمساواة. ويلجأ الصهاينة إلى الدعوة إلى "الحوار" و"التفاوض وجهاً لوجه" و"الابتعاد عن عقد التاريخ وحساسيات الهوية". ومثل هذه الدعوة للحوار دون تحديد المنطلقات والأطر هي في واقع الأمر دعوة لمحو الذاكرة والتخلي عن القيم والتعري الكامل. وفي غياب الندية فإن ما يحسم الحوار هو السلاح، أي أنها دعوة للتطبيع من الجانب العربي دون أن يقوم الجانب الصهيوني بإزالة استيطانيته الإحلالية، التي تسبب شذوذه البنيوي. ولكي يكون الحوار مثمراً لابد أن يبدأ من التاريخ والقيم ومن الواقع المركب الذي نعيشه، فالبشر ليسوا مثل الفئران عقولهم صفحة بيضاء، فنحن كلنا نحمل عبء الذاكرة والتاريخ والأخلاق وهذا ما يجعلنا بشراً، ونحن جميعاً نعيش في الواقع وندركه من خلال تجربتنا المتعينة. ولذا في أي حوار مع الآخر الصهيوني لابد أن نبدأ بتعريف المشكلة لا أن ننساها أو نتناساها، ولابد أن نتذكر أن هناك كياناً استيطانياً إحلالياً وكتلة بشرية غازية وأن ثمة «مسألة فلسطينية» متمثلة في شعب فَقَد أرضه ولم يفقد ذاكرته، ولذا فهو متمسك بها، يناضل من أجلها، أي أن الحوار لابد أن يبدأ بالاعتراف بشذوذ إسرائيل البنيوي وشرعية المقاومة وفحوى التاريخ وبالوجود الفلسطيني. ولابد أن يبدأ الحوار من تقرير الإطار القيمي وأن العدل هو الذي يجب أن يسود وأن العنصرية شيء بغيض، ومن ثم لابد أن يتوجه الحوار لقضية الظلم الذي حاق بالفلسطينيين والتمييز العنصري الذي يلاحقهم في فلسطين المحتلة قبل وبعد عام 1967. ويجب أن ندرك أن الحوار أنواع، فهناك الحوار بين طرفين يتفقان في المنطلقات والأطر المرجعية والمبادئ، والهدف من الحوار في هذه الحالة هو تحويل هذا التفاهم العام إلى إجراءات محددة، وهذا هو أسهل أنواع الحوار، ويمكن أن يتم بشكل سلمي. لكن إن كان الطرفين غير متفقين في المنطلقات ولا الأطر ولا المبادئ، فيمكن في هذه الحالة إجراء ما يُسمَّى «حواراً نقدياً» ، وهو حوار يمكن أن يتم على مائدة المفاوضات وعبر وسائل الإعلام حيث يحاول كل طرف أن يبيِّن للطرف الآخر وجهة نظره وعدالتها ويبيِّن عنصرية الآخر ولاعقلانيته. ولكن إن كان هناك حوار بين طرفين غير متفقين في المنطلقات والآراء والأطر المرجعية وكان أحد الطرفين نسبياً يرفض أي مطلقات أخلاقية ومرجعية ويجعل من نفسه مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، فإن قيام أي حوار أمراً مستحيلاً. وتسوء الأمور إن كان الطرف الذي نصَّب من نفسه المرجعية النهائية المطلقة مسلح برؤية نيتشوية داروينية، تنطلق من المبدأ القائل بأن البقاء للأصلح بمعنى الأقوى، وأن ما يحسم الأمور هو القوة العسكرية وسياسات الأمر الواقع التي تستند إلى الغزو العسكري. ومع هذا يمكن أن ينشأ نوع من الحوار نسميه «الحوار المسلح» ، حين يقوم الطرف الذي وقع عليه الظلم بالمقاومة، فهو من خلال مقاومته وإلحاق الأذى بالآخر الظالم، يبدأ هذا الآخر في إدراك أن رؤيته للواقع ليست بالضرورة مطلقة ولا نهائية، فتنفتح كوة من الرشد الإنساني في سُحب الظلم الكثيفة ويبدأ الآخر الظالم في إدراك الظلم الذي وقع على ضحيته ومن ثم قد يُعدِّل موقفه. وهذا يتطلب رصداً ذكياً ومستمراً من جانب الضحية المقاوم، حتى يدرك أن اللحظة قد حانت للدخول في التفاوض مع الآخر الظالم. هذا لا يعني التوقف عن المقاومة، لأنه لو جرى الحوار دون المقاومة المسلحة فإن هذا الآخر، حبيس حواسه الخمسة ورؤيته الداروينية، قد يرى الرغبة في التفاوض باعتبارها مؤشراً على استعداد الضحية للاستسلام للذبح مرة أخرى. وقد أدرك الفيتناميون هذا الوضع، فدخلوا في حوار مسلح مع الأمريكيين انتهى بالطرفين إلي مائدة المفاوضات، ولكن لم يتوقف الفيتناميون عن القتال إلا بعد انتهاء المفاوضات. وقد كان هناك حوار مسلح حقيقي بين المستوطنين الصهاينة والفلسطينيين أثناء الانتفاضة توقف مع اتفاقية أوسلو وإن كان استؤنف بشكل أقل حدة بعدها. أما في جنوب لبنان فالحوار المسلح لا يزال قائماً، حتى أن بعض القادة العسكريين الإسرائيليين يطالبون بالانسحاب من طرف واحد. الصهيونية كغزو عسكري واقتصادي وسياسي للعالم العربى Zionism as a Military, Economic, and Political Invasion of the Arab World المشروع الصهيوني والإجماع الصهيوني ينطلقان من الصيغة الصهيونية الشاملة المهوَّدة التي تفترض أن الجماعات اليهودية شعباً له علاقة عضوية بأرض فلسطين، وأن علاقة شعب فلسطين بأرض أجداده هي علاقة عرضية واهية هامشية تبرر عملية إبادتهم وطردهم (شعب يهودي بلا أرض لأرض بلا شعب فلسطيني) . ومثل هذا المشروع لا يمكن تنفيذه إلا بحد السلاح وعن طريق الإرهاب. وقد تناولنا هذا الجانب بشيء من التفصيل في الأبواب المعنونة «الإرهاب الصهيوني قبل عام 1948» و «الإرهاب الصهيوني بعد عام 1948» ، وفي كثير من المداخل الأخرى. ولكن الصهيونية ليست غزواً عسكرياً تقليدياً للمنطقة، وإنما هي استعمار استيطاني إحلالي يأخذ شكل دولة وظيفية (انظر الأبواب المعنونة: «إشكالية الدولة الصهيونية الوظيفية» ـ «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ـ «الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ) . وقد بدأ كثير من المحللين العرب يتحدثون عن «التحدي الحضاري الإسرائيلي» كما لو كانت إسرائيل كياناً عادياً طبيعياً، يشكل تحدياً حضارياً، شأنها في هذا شأن إنجلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي ينافي الحقيقة إلى حدٍّ كبير. التحدي الحضاري الإسرائيلي Israeli Cultural Challenge «التحدي الحضاري الإسرائيلي» عبارة دخلت الخطاب السياسي العربي، ومفادها أن التجمُّع الصهيوني يُمثِّل كياناً حضارياً مستقلاً متفوقاً على الكيان الحضاري العربي، وأن هزيمة العرب العسكرية هي نتيجة تخلُّفهم الحضاري، وأن العرب لو حذوا حذو الصهاينة لحققوا الانتصار عليهم. والتحدي الحضاري هو عملية تغطي كل جوانب الحياة حيث يطرح الآخر رؤية للحياة وأسلوباً لتنظيمها يحققان نجاحاً على جميع المستويات ويحققان كل إمكانيات الإنسان كإنسان، فالتحدي الحضاري ليس مجري إنجاز تكنولوجي أو تفوُّق عسكري وإلا اضطررنا للقول بتفوق التتار على العرب لأنهم عبروا نهر دجلة على كوبري من المخطوطات العربية، ولقلنا بتفوق البرابرة على الرومان لأنهم نجحوا في غزو روما وتحطيم منجزاتها الحضارية. ولكن من الصعب قبول مثل هذا المعيار لأنه معيار أحادي يتجاهل الوجود الإنساني المُركَّب، ولأن التفوق العسكري في نهاية الأمر ليس هو التفوق الحضاري. وقد تحوَّل هذا العنصر الوحيد إلى المعيار الأوحد بتأثير الحضارة الغربية ذات الرؤية الداروينية الصريحة، التي منحته مركزية لا يستحقها. وإذا نظرنا إلى التجمُّع الاستيطاني الصهيوني الذي يمثل التحدي الحضاري ـ حسب رؤية البعض ـ لوجدنا بالفعل تجمعاً قد حقق تفوقاً عسكرياً لا يمكن إنكاره. ولكنه تفوُّق لم يحرزه بإمكانياته الذاتية وإنما بسبب الدعم العسكري الغربي. بل إن التجمُّع الصهيوني ككل لا يعتمد على موارده الطبيعية أو الإنسانية وإنما يعتمد على الدعم المستمر من الولايات المتحدة والدول الغربية ويهود الغرب. ومن ثم فمحاولة محاكاة هذا المجتمع محاولة فاشلة، مصيرها الإخفاق. وهذا التجمُّع الصهيوني هو مجتمع ذو توجُّه عسكري واضح، تهيمن عليه المؤسسة العسكرية التي ليس لها أي وجود ملحوظ لا بسبب غيابها وإنما بسبب حضورها الكامل العضوي في كل مؤسسات التجمُّع الصهيوني. وهذا التجمُّع الاستيطاني الإحلالي، شأنه شأن كل الجيوب الاستيطانية الإحلالية، مبني على الحد الأقصى من العنف الموجَّه ضد الآخرين وضد الذات. فهو مبني على أكذوبة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) ، وهي أكذوبة لم يَعُد يصدقها حتى الصهاينة أنفسهم. وهو يحاول أن يكتسب شرعية وجوده إما من خلال قصص ومفاهيم توراتية (لا يؤمن بها معظم المستوطنين الصهاينة ذوي التوجُّه العلماني الشامل) أو مفاهيم جيتوية حلولية عضوية لا تختلف كثيراً عن الأساطير النازية العرْقية ولكنه يكتسب شرعية وجوده، في واقع الأمر، بالطريقة الغربية المألوفة، أي بقوة السلاح. وهذا التجمُّع لا توجد فيه حضارة متجانسة، فكل مستوطن أحضر معه من وطنه الأصلي خطاباً حضارياً مختلفاً، وادَّعت الدولة الصهيونية أنها ستمزج الجميع في بوتقة يهودية عبرانية جديدة ليخرج منها مواطن جديد. وما حدث هو أن الخطاب الحضاري الجديد المزعوم لم يتشكل، وظهر بدلاً منه واقع حضاري غير متجانس، وأصبح الخطاب الحضاري المهيمن هو خطاب الراعي الإمبريالي، أي الخطاب الأمريكي. باختصار شديد التجمُّع الصهيوني ليس مجتمعاً، وإنما هو "تجمع" يتسم بالشذوذ البنيوي، غُرس في المنطقة بمساعدة القوة العسكرية الغربية ومن خلال دعمها الاقتصادي والسياسي والعسكري ليقوم بدور عسكري لصالح الحضارة الغربية. ومن ثم فهو يشكل تحدياً عسكرياً وحسب، لا تحدياً حضارياً، بل إنه تحدٍّ عسكري جعلنا ننحرف عن الاستجابة للتحدي الحضاري الأصلي الذي طرحته علينا الحضارة الغربية الحديثة، وهو كيف نؤسس مجتمعاً حديثاً في إطار منظوماتنا القيمية والحضارية؟ ولعلنا لا ندَّعي حين نقول إن التحدي الحضاري للأمة التي أنتجت ابن خلدون والمتبني والغزالي وابن رشد ينبغي أن يأتي من شعب أو حضارة أنتجت أرسطو وماركس وألا يهبط إلى مستوى بناء حضاري متخلف تسيطر عليه الأفكار الجيتوية ويتزعمه بن جوريون الذي يتصور أنه يحدد سياسة بلاده الخارجية وتحركات جيوشه حسب رؤى العهد القديم وأقوال التلمود وأساطير الأولين، بشرط أن يكونوا من اليهود. الصهيونية كغزو ثقافي للعالم العربى Zionsim as a Cultural Invasion of the Arab World يجب أن يُفهَم خطر الغزو الثقافي الصهيوني للمنطقة العربية بمعنى أوسع لا يقتصر على خطره على الفكر العربي، أي الثقافة بالمعنى الضيق، بل يشمل أيضاً الخطر الذي يواجهه نمط الحياة والسلوك والقيم والعقائد وطبيعة الولاء ... إلخ. والخطر الثقافي، بهذا المعنى الواسع، لا يعني الخطر الذي يمثله غزو حضارة أو ثقافة متنوعة لحضارة ضعيفة أو دنيا، وإنما يعني تهديد ثقافة لثقافة أخرى بالاضمحلال أو الزوال لمجرد أن الأولى يحملها شعب متفوق عسكرياً أو تكنولوجياً دون أن تكون ثقافته بالضرورة أكثر استحقاقاً للبقاء أو أشد جدارة. والتاريخ يعرف هذين النوعين من الغزو الثقافي. إن هذا الخطر يشترط لتَحقُّقه ابتداءً، وقبل كل شيء، هزيمة نفسية من جانب العرب، وسيادة الاعتقاد لديهم بأن سبب التفوق العسكري الذي أحرزته إسرائيل عليهم هو تفوُّق قيمي وأخلاقي وحضاري وثقافي، ومن ثم يظهر بين العرب من المفكرين والكُتَّاب من يصدقه عدد متزايد من العرب يدعون إلى احتذاء إسرائيل ليس فقط في تطبيق التكنولوجيا الحديثة بل وفيما يتعدى ذلك كالإشارة إلى أسلوبهم في التنظيم والإدارة وإلى نظامهم السياسي وعلاقاتهم وقيمهم الاجتماعية ونمط سلوكهم. وقد بدأت مثل هذه الدعوة تعبِّر عن نفسها بأساليب مختلفة، على استحياء أولاً في أعقاب هزيمة العرب عام 1967 ثم زادت جرأة في أعقاب زيارة رئيس مصر السابق للقدس عام 1977 وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. ومن الكُتَّاب العرب من يعبِّر عن نفس الموقف بطريقة غير مباشرة عن طريق التأكيد على أن تكرار هزائم العرب في مواجهة إسرائيل إنما يرجع إلى تَخلُّفهم عن السير في ركاب الحضارة الغربية بينما لحقت إسرائيل بها، دون أن يميِّز التمييز الكافي بين الجوانب الإنسانية البحتة في التقدم الغربي والجوانب الثقافية التي تمثل إفرازاً خاصاً لثقافة بعينها. وبصرف النظر عن توالي هزائم العرب العسكرية على يد إسرائيل منذ عام 1948، فإن الخطر الثقافي الصهيوني قد أتيحت له الآن قناة جديدة تتمثل في قبول مصر الانفتاح الاقتصادي والثقافي على إسرائيل منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. فالسلع الإسرائيلية سوف تحمل في طياتها نمطاً للاستغلال وأسلوباً للحياة لم يختره المصري أو العربي بمحض إرادته أو بمقتضى تطوُّره الاقتصادي والاجتماعي الطبيعي. وسوف يتكرر، عن طريق إسرائيل، غزو أنماط الاستهلاك الغربية للمنطقة العربية، كما سوف يؤدي التعاون بين مصر وإسرائيل في مجالات الإعلام (إذا قُدِّر له أن يصل إلى المدى الذي تأمله إسرائيل) إلى طبع وسائل الإعلام المصرية، ثم العربية، بالطابع التجاري الاستهلاكي الذي يكرس تغريب الحياة الاجتماعية. ومن أشد الأخطار التي يمثلها هذا الغزو، تهديده للمشروع الحضاري العربي الذي شرعت مصر في قيادته في الستينيات ولم تتمه، والذي يقوم على اعتبار الوطن العربي وحدة سياسية وثقافية، وكان يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تبلور موقف حضاري مستقل للعرب. ذلك أن من المستحيل أن نتصور أن يتم تكامل بين بلد عربي أو مجموعة من الدول العربية وإسرائيل مع وجود تكامل اقتصادي وسياسي بين الدول العربية إلا إن كان هذا التكامل الأخير في خدمة المصالح الاقتصادية والسياسية للدول الصناعية أو لإسرائيل نفسها. إن ما ترتب على استعمار بريطانيا أو فرنسا في القرن الماضي، لدول صغيرة مجزأة في غربي أفريقيا مثلاً، من تكامل دولة كغانا أو نيجيريا مع الاقتصاد البريطاني، ودولة كساحل العاج أو غينيا مع الاقتصاد الفرنسي، كان ذلك وحده كافياً لعزل كل من هذه الدول عن الأخرى ولمنع قيام أي تكامل اقتصادي بين هذه الدول حتى الخاضع منها لنفس الدولة الغربية. كذلك، فإن الانفتاح الثقافي لإحدى الدول العربية، كمصر، على إسرائيل، من شأنه أن يخلق عقبات تتراكم في وجه التكامل الثقافي العربي، كالانحسار التدريجي للتوجه العربي للتعليم، أو كالإهمال المتعمد لتعليم اللغة العربية والتاريخ العربي، بل لقواعد الدين تحت شعار الانفتاح على العالم المتحضر ومجاراة متطلبات العصر. وليس مثال دول المغرب العربي الثلاث بعيداً عنا بما ترتَّب على إخضاعها لتكامل اقتصادي وثقافي مع فرنسا من صعوبات أمام العودة بهذه البلاد إلى التكامل مع بقية الدول العربية أو حتى فيما بينها. وإذا قُدِّر لمثل هذا الاتجاه أن ينجح، فإن أقل الاحتمالات سوءً أن يطرح العرب في النهاية أية محاولة لتقديم أية مساهمة فريدة في الحضارة الإنسانية، وأن يتحولوا إلى مقلدين ولو تعدَّى التقليد ميدان الاستهلاك إلى ميدان الانفتاح، وكذلك أن يفقد العرب إلى الأبد الفرصة التي مازالت متاحة لهم لاستلهام تراثهم الحي في بناء نمط جديد للحياة يقوم على فلسفة ونظرة متميزة إلى الإله والكون والطبيعة والعلاقات الاجتماعية وعلاقة الفرد بالدولة والمدينة بالريف وإلى ابتداع مدارس خاصة بهم في العلوم الاجتماعية والتنظيم الاقتصادي ونمط الإنتاج والتقدم المادي. أما القول بأن إسرائيل ليست إلا بلداً صغيراً لا يمكن أن تشكِّل خطراً ثقافياً أو اقتصادياً على المنطقة العربية بالعدد الكبير لسكانها، فإنه قول يكفي لإهماله أن نتذكر كيف حكمت إنجلترا في القرن الماضي، وهي الجزيرة الصغيرة، إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، وأثرت تأثيراً بالغاً في التوجه الثقافي للدول الخاضعة لها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
المضمون الطبقي للصهيونية
Class Content of Zionism قضية المضمون الطبقي للصهيونية قضية مركبة ومتشابكة إلى أقصى حد، ومعظم التعاريف المطروحة تفتقر إلى إدراك الكل وتهمل كثيراً من المعطيات وتركز على الأجزاء. وقد بيَّنا في مداخل أخرى (انظر: «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» ـ «الصهيونية ذات الديباجة المسيحية» ـ «صهيونية غير اليهود العلمانية» ) أن ثمة صيغة صهيونية أساسية تبنتها بعض الأوساط التجارية البروتستانتية في أوربا (وخصوصاً في إنجلترا) وأضفت عليها ديباجات مسيحية ثم تبنتها الأوساط الاستعمارية الغربية (وخصوصاً أيضاً في إنجلترا) ، واستخدمت ديباجات علمانية نفعية، وأضافت بعض عناصر جديدة لها، فتحوَّلت إلى الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. ويبدو أن مثقفي يهود شرق أوربا من البورجوازيين الصغار الذين لم تُتَح أمامهم فرصة للحراك الاجتماعي اكتشفوها من خلال كتابات الصهاينة غير اليهود. وقد هيأتهم تجربتهم التاريخية الخاصة مع التحديث المتعثر في بلادهم لتبنِّي هذه الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كفلسفة سياسية وتطويرها وتهويدها. ولعلهم قد توصَّلوا هم أنفسهم إلى بعض جوانب هذه الصيغة دون أي تأثير خارجي، وذلك انطلاقاً من تجربتهم في شرق أوربا، ومما لا شك فيه أن صهيونية غير اليهود كان لها أعمق الأثر فيهم وفي تفكيرهم وتَوجُّههم. ومن الصعب القول بأن هذه الفئة أو تلك، وهذه الطبقة أو تلك، هي المسئولة عن تكوين الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة أو نشرها، فكلهم اشتركوا في ذلك، وبالتالي فإن من الصعب تحديد مضمونها الطبقي بالشكل المباشر المألوف. وإذا كانت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة نفسها تتسم بعدم التحدُّد، فإن الممارسة الصهيونية لا تختلف عنها كثيراً في هذا المضمار. فقد لجأ مثقفو شرق أوربا إلى الاستعمار الغربي ليساعدهم على تحويل الفكرة إلى مشروع. وتم نوع من أنواع الاتفاق بين الطرفين (العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم) تعهدت الحركة الصهيونية بمقتضاه بنقل الفائض اليهودي إلى فلسطين، وهي عملية نقل أو ترانسفير تُفقد أعضاء هذا الفائض مضمونهم الطبقي القديم وتكسبهم مضموناً جديداً. فالعامل الثوري من روسيا، والبقال المحافظ من بولندا، والرأسمالي الليبرالي من ألمانيا حينما يتم نقلهم إلى فلسطين تحت رعاية الإمبريالية، يصبحون جميعاً أداة في يد الاستعمار رغم حديث الأول عن الثورة الحمراء والثاني عن الإصلاح الاجتماعي والثالث عن الحرية والإخاء والمساواة. وحينما طُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة على أعضاء الجماعات اليهودية، لم يتم تعديلها بأي شكل جوهري وإنما أضيفت لها عدة ديباجات يهودية متنوعة هدفها مساعدة المادة البشرية على استبطان الصيغة، الأمر الذي جعلها صيغة مراوغة ازداد مضمونها الطبقي والسياسي غموضاً وهلامية. وقد أشرنا إلى وجود صهيونيتين مختلفتين متناقضتين: إحداهما توطينية والأخرى استيطانية، تقومان بتجنيد أعضاء الجماعات اليهودية للمشاركة في التوطين أو الاستيطان، ولكلٍّ ديباجاتها. فقامت الصهيونية التوطينية بتجنيد يهود الغرب المندمجين، وضمنهم الأثرياء وأعضاء الطبقة الوسطى والفقراء، وقامت أيضاً بتجنيد أي فائض بشري في شرق أوربا سواء كانوا عمالاً أو فلاحين أو بورجوازيين صغاراً. ثم فرضت الصهيونية بعد إنشاء الدولة مضمونها الصهيوني العام على يهود البلاد العربية الذين يضمون عناصر قبلية وعمالاً وفلاحين ومثقفين ومموِّلين كباراً. وهي تقوم الآن بتجنيد يهود الولايات المتحدة بكل طبقاتهم، كلٌّ حسب هواه، لأغراض صهيونية مختلفة. والهجرات الصهيونية المختلفة تبيِّن غياب البُعد الطبقي المحدَّد، فأعضاء الهجرة الثانية يختلفون عن أعضاء الهجرة الثالثة ويختلف أعضاء كل الهجرات الإشكنازية عن أعضاء الهجرات من البلاد العربية. وبوصول يهود الاتحاد السوفيتي (من دولة اشتراكية غربية أصبحت بغير تَوجُّه عقائدي واضح) ويهود الفلاشاه (من دولة إثيوبيا ذات الطابع القَبَلي) ، يصبح تحديد المضمون الطبقي بالطريقة المألوفة أمراً مستحيلاً. وغني عن القول أن المضمون الطبقي للصهيونية قد ازداد ترهلاً وهلامية عبر السنين واكتسب لوناً يهودياً فاقعاً، وخصوصاً بعد ظهور الصهيونية الحلولية العضوية وصهيونية عصر ما بعد الحداثة، وازداد ضبابية بعد ظهور الصراعات الإثنية بين الإشكناز من جهة والسفارد واليهود العرب من جهة أخرى، وبعد انقسام النظام الحزبي الإسرائيلي على أساس إثني وديني، وانضمام اليهود الشرقيين الفقراء الساخطين إلى حزب الليكود الإشكنازي الذي يمثل، فيما يمثل، أصحاب رؤوس الأموال! ويمكن القول بأن حركيات التجمُّع الصهيوني تجعل تبلوُر تشكيل طبقي محدد داخله أمراً عسيراً لأنه تجمُّع مهاجرين (ونازحين) ، ولأنه في نهاية الأمر تجمُّع مغروس في المنطقة يعتمد على التمويل الخارجي الذي يُضعف بنيته الطبقية. ولكن انعدام المضمون الطبقي أو ترهله أو تنوعه أو فشله في التبلور والتشكل (الأمر الذي يجعل التصنيف بالطريقة المألوفة صعباً بل ومستحيلاً) لا يعني استحالة تصنيف دولة إسرائيل وطبيعة بنائها الاجتماعي وتَوجُّهها السياسي أو الإستراتيجي، كما أنه لا يعني أن إسرائيل ثمرة الميثاق الذي تم عقده بين الرب وشعبه، كما يتوهم الصهاينة العضويون أو كما يدَّعون، ولا يعني أن الدولة الصهيونية قد تم تأسيسها لتبيع وتشتري في السوق الشرق أوسطية كما يدَّعي صهاينة عصر ما بعد الحداثة. ولعل الأساس التصنيفي للدولة الصهيونية لا يوجد في مضمونها الطبقي وإنما في كونها امتداداً لوضع أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية كجماعة وظيفية، وفي كونها دولة وظيفية مملوكية عميلة. الدولة الصهيونية الوظيفية The Functional Zionist State ترجع المسألة اليهودية في أوربا إلى عدة أسباب من أهمها ـ في تصوُّرنا ـ وضع الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية باعتبارها جماعات وظيفية لم يَعُد لها دور تلعبه، وهو الأمر الذي يُفسِّر ظهور كل من المسألة اليهودية والصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي طُرحت باعتبارها حلاًّ لها. وهو حل يفترض أن الجماعات اليهودية عنصر حركي عضوي مستقل بذاته غير متجذر في الحضارة الغربية، يستحق البقاء داخلها إن كان نافعاً يلعب الوظيفة الموكلة إليه، فإن انتهى هذا النفع وجب التخلص منه (عن طريق نقله خارجها) . والواقع أن عملية النقل تحل المشكلة لأنها تتضمن خلق وظيفة جديدة له. وهذا هو الإطار الذي يدور في نطاقه وعد (أو عقد أو ميثاق) بلفور، أهم حدث في تاريخ الصهيونية، فهو يطرح حلاًّ لمسألة الجماعة الوظيفية اليهودية التي لم يَعُد لها نفع داخل الحضارة الغربية وأصبح أعضاؤها فائضاً بشرياً يهودياً لا وظيفة له. وقد أدرك الفكر الصهيوني بين اليهود (بشكل جنيني) وضع الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية، فأشار هرتزل وبنسكر إلى اليهود كأشباح وطفيليين، ووصفهم نوردو (وهتلر من بعده) بأنهم مثل البكتريا. وكل هذه الصور المجازية هي محاولة لوصف هذا الكيان الذي يوجد في المجتمع دون أن يكون منه، يتحرك فيه دون أن يضرب فيه جذوراً، وهو كيان أساسي لإتمام كثير من العمليات دون أن يكون جزءاً من الجسم الاجتماعي نفسه. وحديث هرتزل عن اليهود باعتبارهم "أقلية أزلية"، وكذلك حديث بوروخوف عن "الهرم الإنتاجي المقلوب"، هو في صميمه حديث عن الجماعات الوظيفية دون استخدام المصطلح بطبيعة الحال. وقد قام الصهاينة من اليهود (وخصوصاً الصهاينة العماليون) بتهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة وتقديم قراءة "يهودية" للحقيقة التاريخية التي تستند إليها (أي اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعات الوظيفية) . فوصفوا وضع اليهود الوظيفي بأنه مرض لابد من علاجه، فاليهود حسب هذا التصور شعب عضوي متكامل (شعب مثل كل الشعوب في الصيغة العلمانية، وشعب مقدَّس في الصيغة الدينية) وقد تَبعثَّر هذا الشعب فيما بعد وتَشتَّت وتَحوَّل إلى شعب في المنفى: جماعات متناثرة ذات وظيفة محدَّدة. هذه الوظيفة هي الاقتراض والربا في المنظومة الصهيونية العمالية، وهي وظيفة الشعب الشاهد في المنظومة الصهيونية الدينية (المسيحية أو اليهودية) . وقد نجم عن ذلك تَشوُّه هذا الشعب. ويأخذ هذا التشوه شكل الهرم الإنتاجي اليهودي المُشوَّه أو المقلوب في المنظومة العمالية حيث يُفترَض أن اليهود، حينما كانوا شعباً، كان لهم هرمهم الإنتاجي السوي، بحيث يشغلون كل درجات الهرم الإنتاجي. ولكنهم، بتشتُّتهم، أصبحوا يتركزون في قمة الهرم وحسب (أما الإثنيون فيرون أن مصدر التشوه فشل الشعب في الحفاظ على هويته الإثنية الدينية أو الإثنية العلمانية) . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يطرح الصهاينة أمنية أن تتحول هذه الجماعات الوظيفية إلى شعب مرة أخرى. وهذا ما عبَّر عنه هرتزل بحديثه عن تحويل اليهود من طبقة إلى أمة، وما عبَّر عنه بوروخوف بقوله إن اليهود سيصبحون شعباً تشغل طبقاته قمة الهرم ووسطه وقاعدته، فيقف الهرم على قاعدته لا على رأسه، وما عبَّر عنه كوك بقوله إن الوحي الإلهي (والدائرة الحلولية) لا تكتمل إلا بعودة الشعب اليهودي إلى أرضه. ولكن كل هذا لا يتم إلا بحصول اليهود على أرض مستقلة يؤسسون فيها دولة قومية. وتأسيس دولة إسرائيل، من ثم، هو تحقيق لهذه الرؤية. هذا هو التصوُّر الصهيوني أو الديباجة الصهيونية. ولكن ما حدث بالفعل هو أن التشكيل الاستعماري الغربي قد جَمَع بعض «المنفيين» الذين هم في واقع الأمر أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية التي فَقَدت وظائفها وتحوَّلت إلى فائض بشري، وهي جماعات كانت تضطلع بمهام عديدة من أهمها الأعمال المالية (التجارية والربوية) في مجتمعات مختلفة. وقد قام هذا التشكيل الاستعماري بنقل أعضاء هذا الفائض إلى فلسطين وتحويله إلى جماعة وظيفية واحدة تأخذ شكل دولة تضطلع بدور أساسي: الاستيطان والقتال. وهو دور نَصفه بـ «الدور المملوكي» ، فالمماليك جماعة وظيفية تم استيرداها إلى الشرق العربي للاضطلاع بدور القتال. ويمكن هنا أن نطرح سؤلاً: لمَ لجأ الغرب إلى آلية الدولة الوظيفية لتحقيق أهدافه، وذلك بدلاً من الآلية الأكثر شيوعاً، أي آلية الجماعة الوظيفية؟ ولمَ لمْ يُوطِّن الاستعمار الغربي اليهود في فلسطين ليقوموا بدور الجماعة الوظيفية القتالية التي تعمل تحت إشرافه ولصالحه بشكل مباشر كما فعل الفرس والهيلينيون من قبل حيث وظفوا الجماعات اليهودية بهذا الشكل؟ هناك مركب من الأسباب لتفسير هذه الظاهرة، ولعل أهمها هو طبيعة المجتمعات في العصر الحديث حيث تغلغلت فيها مُثُل الديموقراطية والعدالة الاجتماعية وهي مجتمعات تربطها وسائل الاتصال الحديثة (من صحافة وتليفزيون ووسائل مواصلات واتصال) تجعل الاحتفاظ بطبقة منعزلة حضارياً، ومتميِّزة وظيفياً وطبقياً، أمراً عسيراً، بل مستحيلاً. ولكن إذا شكلت هذه الطبقة دولة قومية مستقلة، فيمكنها حينذاك أن تحتفظ بعزلتها وتَميُّزها بسهولة ويُسر، كما يمكن تسويغ وجودها وحقها في البقاء باللجوء إلى ديباجة حديثة، ويصبح الاستعمار الاستيطاني «حركة تَحرُّر وطني» ، ويتخذ اغتصاب فلسطين اسم «إعلان استقلال إسرائيل» ، ويصبح الدور القتالي «دفاعاً مشروعاً عن النفس» ، وتتخذ قوات الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية اسم «جيش الدفاع الإسرائيلي» ، وتصبح العزلة هي «الهوية» ، وتصبح لغة المحاربين لا التركية أو الشركسية (كما هو الحال مع المماليك) وإنما العبرية، وهي لغة أهم كتب العالم الغربي المقدَّسة. ويعيش أعضاء الجماعة الوظيفية القتالية لا في جيتو خاص بهم أو ثكنات عسكرية مقصورة عليهم وإنما داخل الدولة/ الشتتل/القلعة، ويستمرون في تعميق هويتهم (أي عزلتهم) وفي القتل والقتال نظير المال والمكافآت الاقتصادية وغير الاقتصادية السخية، متخفين خلف أكثر الديباجات رقياً وحداثة. لكل هذا، لجأ العالم الغربي لصيغة الدولة الوظيفية الاستيطانية القتالية (المملوكية) وذلك بدلاً من الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية. وهذا هو الترجمة الدقيقة للشعار الصهيوني: تحويل اليهود من طبقة (أي جماعة وظيفية) إلى أمة (أي دولة وظيفية) . ويذهب المفكرون الصهاينة إلى أن حل المسألة اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي مسألة مستحيلة، ولذا طُرحت الصهيونية باعتبارها العقيدة التي حاولت أن تُحقِّق لليهود من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي ما فشلوا في تحقيقه من خلال التشكيل الحضاري الغربي. ولكن الدارس المدقق سيكتشف أن ما حدث هو في الواقع إعادة إنتاج للنمط نفسه: المجتمع الغربي المضيف الذي يحوسل الجماعة اليهودية ويُوظِّفها لصالحه ويدعمها بمقدار نفعها. فالدولة الصهيونية، رغم حداثة شكلها، إن هي إلا إعادة إنتاج لواحد من أكثر أشكال التنظيم الاجتماعي تخلفاً وكموناً وتواتراً في الحضارة الغربية. ويمكننا أن نطرح السؤال التالي: لماذا تم تجنيد أعضاء الجماعات اليهودية لتأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية، دون غيرهم من الأقليات؟ لا يمكن القول بأن المجتمع يفرض على الجماعة الوظيفية وضعها الوظيفي، كما لا يمكن القول بأن هذا الوضع الوظيفي من اختيار الجماعة الوظيفية. فظهور الجماعة الوظيفية واضطلاعها بدورها يعود لظروف عديدة مركبة، إذ تنشأ حاجة لجماعة غريبة تضطلع بوظيفة يرى مجتمع ما أنه غير قادر على أدائها، إما لأنها مشينة أو لأنها متميِّزة جداً أو لأنه لا يملك لا المادة البشرية ولا الخبرة لأدائها. وعادةً ما تُوجَد مادة بشرية مناسبة (إما خارج المجتمع أو داخله) لأداء مثل هذه الوظيفة. وما حدث في حالة الدولة الصهيونية الوظيفية في فلسطين هو عملية مماثلة: 1 ـ نشأت حاجة داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي لتأسيس جيب استيطاني قتالي مملوكي يُشكِّل قاعدة للاستعمار الغربي في فلسطين، وبخاصة مع تَوقُّع سقوط الدولة العثمانية، التي كانت فلسطين تقع في وسطها في مكان يبلغ الغاية في الأهمية من الناحية الإستراتيجية. 2 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية مرشحين لأن يلعبوا دور المادة البشرية التي تفي بهذه الحاجة للأسباب التالية: أ) النزوع "الصهيوني" نحو نقل اليهود إلى فلسطين، نزوع متأصل في الحضارة الغربية، إذ أن هذه الحضارة كانت تنظر لليهود باعتبارهم وسيلة لا غاية، وباعتبارهم شعباً عضوياً لا ينتمي للحضارة الغربية. ب) في أواخر القرن التاسع عشر، كانت الغالبية الساحقة من يهود أوربا من نسل يهود بولندا الذين كانوا يعملون داخل نظام الأرندا الذي سميناه «الاقطاع الاستيطاني» ، فكانوا يُشكِّلون عنصراً استيطانياً يقوم بجمع الضرائب واستغلال الفلاحين الأوكرانيين لصالح طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) وفي حماية القوة العسكرية البولندية (ولذا فقد سميناهم «المماليك المالية» ، فهم مماليك لا يحملون سيفاً وإنما يحملون رأس المال الربوي) . ومع بدايات القرن التاسع عشر، ومع تَزايُد هيمنة الدولة القومية المركزية، فَقَد أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية دورهم وتحولوا إلى فائض بشري يهودي بدأ يهدد الأمن الاجتماعي في كثير من دول أوربا الشرقية، وبدأ يتدفَّق على دول أوربا الغربية والولايات المتحدة فيهدِّد الأمن الاجتماعي فيها أيضاً (أو هكذا تصوَّر كثير من أعضاء النخبة الحاكمة وأعضاء الجماعات اليهودية المندمجون في الغرب) . جـ) كان اليهود، باعتبارهم شعباً عضوياً، حسب التصوُّر الغربي، مرتبطين بشكل عضوي بفلسطين. وكانت كل دولة تُصدر وعُودَها البلفورية، كما كان لكل دولة مشروعها الصهيوني الخاص الذي يرى اليهود باعتبارهم المادة البشرية المناسبة. ففكَّر بسمارك في توطين اليهود في منطقة حدودية محاذية لخط بغداد ـ برلين ليصبحوا جماعة وظيفية تصطدم بالسكان وتعتمد على ألمانيا لحمايتها. بل نجد الفاشيين تحت حكم موسوليني والنازيين تحت حكم هتلر كان لهم أكثر من مشروع. وبطبيعة الحال، كان هناك المشاريع الإنجليزية والفرنسية المختلفة. وقد رفضت المادة البشرية اليهودية في بداية الأمر فكرة الدولة الوظيفية. ومع تَعثُّر التحديث، طرحت مسألة يهود شرق أوربا نفسها على أوربا، وبدأت أعداد من اليهود تفكر في الانتقال. وبدأ تهويد الصيغة الشاملة، وهو ما جعل بإمكان أعضاء الجماعات اليهودية استبطانها. ثم ظهر هرتزل الذي طوَّر الخطاب الصهيوني المراوغ والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية. وقد أفرز هذا في نهاية الأمر المنظمة الصهيونية التي وقَّعت العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم والذي تم بمقتضاه تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية التي هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية التي تحركت في إطاره الجماعات اليهودية في الغرب. ومفهوم الدولة الصهيونية الوظيفية له قيمة تفسيرية عالية، ونحن نرى أن كثيراً من الدارسين قد أخفقوا نسبياً في فهم آليات الدولة الصهيونية وحركياتها لأنهم تصوَّروا أنها دولة مثل كل الدول الأخرى خاضعة للقوانين نفسها، بينما هي في واقع الأمر خاضعة لقوانين الجماعات الوظيفية. ويظهر هذا الخلل في حديث الماركسيين مثلاً عن تصعيد التناقض الطبقي داخل إسرائيل لتصبح أكثر ثورية، وفي حديث الليبراليين عن الضغط على إسرائيل (من خلال المساعدات وغيرها) لتصبح أكثر ديموقراطية، وذلك بهدف إرغامها على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم. وهذا أمر يتنافى مع بنية الدولة الصهيونية نفسها ومع قانون وجودها، فسياسات إسرائيل الأمنية، ونمط إنفاقها، وطريقة تمويلها، وبنيتها الطبقية، وأساليبها الإدارية، لا يمكن فهمها إلا في إطار الدعم الأمريكي الذي يُقدَّم لإسرائيل بمقدار اضطلاعها بوظيفتها القتالية التي أُسِّست الدولة من أجلها في بادئ الأمر، وقد نُقل اليهود من الغرب واقتلع العرب من بلادهم للسبب نفسه. والواقع أن أية اتجاهات نحو الديموقراطية والإخاء الثوري قد تؤدي إلى الاعتراف بالفلسطينيين وبحقوقهم، لابد أن تُهدِّد الدولة الوظيفية الصهيونية من جذورها إذ أنها ستفقدها وظيفتها القتالية، أي ما يُسمَّى بقيمتها الإستراتيجية، وهي السلعة الأساسية التي تنتجها وتبيعها للغرب، وهي مصدر نَفْعها الذي يبرر وجودها واستمرار دعمها. ومن هنا، فإن فكرة السلام مع العرب تَصدُر عن المقدمات نفسها التي أدَّت إلى الصراع والقتال والعزلة مثل الزعم بأن هناك شعباً يهودياً له تراث يهودي وهوية يهودية وحقوق يهودية، وأن الدولة اليهودية ليست ثمرة التشكيل الاستعماري الغربي وإنما هي تعبير عن ذلك التراث وتلك الهوية، وأن استيطان الصهاينة في فلسطين ليس استعماراً استيطانياً إحلالياً وإنما عودة لاستعادة الحقوق اليهودية. فالسلام المقترح لا يخل بالبنية الصراعية الأساسية الشاملة بأية حال. ولكن، مع تطوُّر الأوضاع في العالم العربي، ومع تزايد استعداد النخب الحاكمة للانخراط في سلك النظام العالمي الجديد والخضوع للهيمنة الغربية الأمريكية، ليس من المستبعد تحقيق السلام بعض الوقت مع الدولة الوظيفية الصهيونية، إذ أن النظم العربية من خلال نخبها الحاكمة، ستصبح هي نفسها دولاً أو أنظمة وظيفية، تقوم بدور الوسيط الوظيفي بين النظام العالمي الجديد وشعوبها المستضعفة. كما أنه مع تصاعد خوف هذه النظم من الصحوة الشعبية الإسلامية، ومع تحوُّل دور إسرائيل من دولة وظيفية تضرب القومية العربية إلى دولة وظيفية تضرب الصحوة الإسلامية، ستزداد الرقعة المشتركة بين هذه النظم الوظيفية والدولة الوظيفية، ومن ثم سيمكن تحقيق السلام المبني على تَماثُل الوظيفة. ويُلاحَظ أن الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها قد تضم جماعات وظيفية، ومن أهم هذه الجماعات الآن عرب الأراضي المحتلة الذين بدأوا يستولون على قطاعات بأسرها كقطاع المباني كما يعملون في المطاعم إما كجرسونات أو عمال نظافة. كما أنهم بدأوا يتغلغلون في القطاع الزراعي ذاته. ويبدو أن كثيراً من اليهود الشرقيين يقومون بدور الجماعة الوظيفية (الوسيطة) بين العرب والدولة الصهيونية، فكثير من مقاولي العمال يأتون من صفوفهم، ويمكن القول أن الدولة الصهيونية الوظيفية تحاول أن تجعل من السلطة الفلسطينية دولة وظيفية تعمل لصالح إسرائيل. الدولة الصهيونية الوظيفية: التعاقدية والنفع والحياد The Functional Zionist State: Contractualization, Utilitiy, and Neutrality تتسم الدولة الصهيونية الوظيفية بكل سمات الجماعة الوظيفية، وأول هذه الصفات هي التعاقدية والنفع والحياد. 1 ـ الوظيفة القتالية والعائد الإستراتيجي: من أهم وظائف الدولة الصهيونية الوظيفية أنها تقوم بالأعمال المشينة التي لا تستطيع الدول الغربية الاضطلاع بها نظراً لكونها دولاً "ليبرالية" و"ديموقراطية" تود الحفاظ على صورتها المشرقة أمام الرأي العام العالمي وأمام جماهيرها بقدر المستطاع فتكل إلى الدولة الصهيونية مثل هذه الأعمال. ومن هذه الوظائف تزويد دول أمريكا اللاتينية العسكرية بالسلاح، والتعاون مع جنوب أفريقيا في كثير من المجالات، ومنها السلاح النووي، والقيام ببعض أعمال المخابرات والتجسس، والسماح للولايات المتحدة بإنشاء إذاعة فيها موجَّهة للاتحاد السوفيتي (سابقاً) . كما تقوم الدولة الصهيونية بتوفير الجو الملائم والتسهيلات اللازمة للترفيه عن الجنود الأمريكيين. ويبدو أن الدولة الصهيونية الآن أصبحت مصدراً لكثير من المرتزقة في العالم، كما يبدو أنها بدأت في تصدير البغايا لبلدان غربية مثل هولندا (أمستردام) وألمانيا (فرانكفورت ( وكانت أهم وظائف الدولة الصهيونية على الإطلاق، حتى عهد قريب، هو الوظيفة القتالية (لا التجارية أو المالية) فعائد الدولة الوظيفية الأساسي عائد إستراتيجي، والسلعة أو الخدمة الأساسية الشاملة التي تنتجها هي القتال: القتال مقابل المال، أي أنها وظيفة مملوكية بالدرجة الأولى. وفيما عدا ذلك، فإنها ديباجات اعتذارية وتفاصيل فرعية. وقد تنبَّه أصدقاء الصهيونية وأعداؤها على السواء إلى طبيعة هذه العلاقة وطبيعة هذه الوظيفة منذ البداية، فتم الدفاع عن المشروع الصهيوني والترويج له من هذا المنظور، كما تم الهجوم عليه وشجبه من هذا المنطلق. فعلى سبيل المثال، صرح ماكس نوردو، في خطاب له في لندن (في 16 يونيه 1920) بأنه يرى أن الدولة الصهيونية ستكون بلداً تحت وصاية بريطانيا العظمى وأن اليهود سيقفون حراساً على طول الطريق الذي تحفّ به المخاطر ويمتد عبر الشرقين الأدنى والأوسط حتى حدود الهند. وكان حاييم وايزمان كثير الإلحاح في تأكيد أهمية الجيب الاستيطاني الصهيوني الإستراتيجية (لا الاقتصادية) ، فهذا الجيب سيشكل، حسب رأيه، «بلجيكا آسيوية» ، أي خط دفاع أول لإنجلترا ولا سيما فيما يتعلق بقناة السويس. وفي خطاب كتبه إسرائيل زانجويل (في 3 أكتوبر 1914) بيَّن أن من البدهي أن إنجلترا في حاجة إلى فلسطين لحماية مصالحها. وأما حنه أرنت، فقد أكدت أن الصهيونية بطرحها نفسها «حركة قومية» باعت نفسها منذ البداية للقيام بالوظيفة القتالية الاستيطانية، فشعار الدولة اليهودية كان يعني في واقع الأمر أن اليهود ينوون التستر وراء القومية وأنهم سيقدمون أنفسهم باعتبار أنهم «مجال نفوذ» إستراتيجي لأية قوة كبرى تدفع الثمن. وقد عرض ناحوم جولدمان القضية بشكل دقيق جداً عام 1947 في خطاب له ألقاه في مونتريال بكندا قال فيه: "إن الدولة الصهيونية سوف تُؤسَّس في فلسطين، لا لاعتبارات دينية أو اقتصادية بل لأن فلسطين هي ملتقى الطرق بين أوربا وآسيا وأفريقيا، ولأنها مركز القوة السياسية العالمية الحقيقي والمركز العسكري الإستراتيجي للسيطرة على العالم". ومعنى هذا أن الدولة الصهيونية لن تنتج سلعاً بعينها ولن تُقدِّم فرصاً للاستثمار أو سوقاً لتصريف السلع ولن تكون مصدراً للمواد الخام والمحاصيل الزراعية، وإنما سيتم تأسيسها لأنها ستقدم شيئاً مختلفاً ومغايراً وثميناً: دوراً إستراتيجياً يؤمِّن سيطرة الغرب على العالم، وهو دور سيكون له دون شك مردود اقتصادي، ولكنه غير مباشر. ولا تختلف المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية ماتزبن، أي البوصلة، في وصفها وضع إسرائيل عن وصف جولدمان أو حنه أرنت، حيث ترى المنظمة، في تحليل لها صدر في الستينيات، أن الدور الذي تضطلع به الدولة الصهيونية لم يطرأ عليه أي تغيير، فهي لا تزال تشكل قاعدة لقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، قوة موجهة ضد العرب لخدمة المصالح الإمبريالية الإستراتيجية. وقد بيَّن ب. سبير (في علْ همشمار بتاريخ 29 أبريل 1986) أن إسرائيل قد جعلت جيشها "الذراع المستقبلية المحتملة للولايات المتحدة"، فهي خدمة حربية كامنة جاهزة على أهبة الاستعداد لتأدية الخدمات في أي وقت. 2 ـ الجدوى الاقتصادية للدولة الوظيفية: من المعروف أن على أعضاء الجماعة الوظيفية القيام بوظيفة ما هي في جوهرها استغلال الجماهير لصالح النخبة الحاكمة. فتقوم الجماعة بتحصيل الضرائب من الجماهير أو امتصاص فائض القيمة منها من خلال الإقراض بالربا أو التخصص في بيع سلع معينة (مثل الملح والخمور) يحتكرها الحاكم لحسابه. وكان أعضاء الجماعة الوظيفية يحققون بذلك أرباحاً عالية، ولكنهم بعد ذلك كان عليهم دفع ضرائب باهظة للحاكم. ولذا، فقد كانت معظم الأرباح تصب مرة أخرى في خزائنه، أي أن أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية كانوا في واقع الأمر من أهم مصادر الربح للنخب الحاكمة في الغرب في العصور الوسطى. والدولة الوظيفية الصهيونية لا تقوم، مثل الجماعة الوظيفية اليهودية، بتحصيل الضرائب مباشرةً، ولكنها مع هذا تُحقِّق ريعاً عالياً للدولة الراعية لأنها تقوم بضرب تلك النظم القومية العربية التي تحاول رفع سعر المواد الخام أو حتى التحكم في بيعها وفي أسعارها أو التي تختط طريقاً تنموياً أو تتبنى سياسة داخلية وخارجية تهدد المصالح الغربية بالخطر. أما الضريبة التي يدفعها أعضاء الدولة الوظيفية الصهيونية، فهي حالة الحرب الدائمة التي يعيشونها بسبب الدور الذي يضطلعون به. ومهما يكن الأمر، فقد أدرك الصهاينة هذه الوظيفة، كما أدركوا أنهم كلما زاد ما يحققونه من ربح لراعيهم من خلال أدائهم مهام وظيفتهم زادت فرص استمرار الدعم وفرص البقاء. ومن هنا كان تأكيدهم المستمر وإلحاحهم الدائم على الجدوى الاقتصادية للوظيفة التي يؤديها التجمُّع الصهيوني وعلى مقدار النفع الذي سيعود على الراعي والمموِّل (الإمبريالي) ، تماماً مثلما يفعل أي شخص رشيد مع أية سلعة تُباع وتُشتَرى. وبالفعل، نجد أنه، في وقت كان فيه المشروع الصهيوني لا يزال في إطار النظرية والأُمنية، كان الزعماء الصهاينة يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن تمويل مثل هذا المشروع الاستيطاني الصهيوني مسألة مربحة للدولة التي ستستثمر فيه. وقد أدرك هرتزل ـ بمكره ودهائه ـ أن ثورة الفلاحين المصريين ستجعل مصر مكلفة جداً كقاعدة عسكرية بالنسبة لإنجلترا، ولذا فقد أشار إلى أن المشروع الصهيوني، بتكاليفه الزهيدة، شيء مغر. واستخدم وايزمان الصورة المجازية التجارية التعاقدية نفسها حين كتب لتشرشل قائلاً: "إن السياسة الصهيونية في فلسطين ليست على الإطلاق تبديداً للموارد، وإنما هي التأمين الضروري الذي نعطيه لك بسعر أرخص من أن يحلم به أي فرد آخر". وأفاض وايزمان في شرح وجهة نظره، مبيناً أن الاستعمار البريطاني، بتأييده المنظمة الصهيونية، قد وضع ثقته في مجموعة مستعدة لتَحمُّل قدر كبير من المسئولية المادية عن الاستعمار. وإذا تبيَّن أن تكاليف الحامية البريطانية ستكون مرتفعة، عندئذ يمكن تنظيم وتسليح المستعمرين اليهود. ثم يتساءل وايزمان بشيء من الخطابية وبكثير من التوتر: "هل تمت أية عملية استعمارية أخرى تحت ظروف مواتية أكثر من هذه: أن تجد الحكومة البريطانية أمامها منظمة لها دخل كبير ولديها استعداد لأن تضطلع بجزء من مسئولياتها التي تكلفها الكثير؟ ". إن الصوت هنا صوت بائع متجول يجيد الإعلان عن السلعة، حتى لو كانت كيانه ووجوده. ولا يختلف صوت يعقوب ميريدور وزير التخطيط والتنسيق الاقتصادي (1982 ـ 1984) كثيراً، ففي حديث له لإذاعة الجيش الأمريكي ركَّز على مدى رخص وانخفاض ثمن إسرائيل كقاعدة للمصالح الأمريكية. وقد بيَّن الوزير الإسرائيلي أن إسرائيل تحل محل عشرة من حاملات الطائرات، وقدَّم الوزير الإسرائيلي كشف حساب بسيط جاء فيه أن تكلفة بناء الحاملات العشر هذه تبلغ 50 بليون دولار. ثم أضاف الوزير، وهو الخبير بالأمور الاقتصادية، أنه لو دفعت الولايات المتحدة فائدة قدرها 10% على تكاليف تشييد هذه الحاملات (وقد كان الوزير متسامحاً مع الولايات المتحدة فلم يذكر تكلفة الجنود الذين ستحملهم حاملات الطائرات أو الحرج السياسي الذي سيسببه وجود مثل هذه القوات) ، لو دفعت الولايات المتحدة مثل هذه الفائدة لبلغت خمسة بلايين دولار. وحيث إن المعونة الأمريكية لا تصل بأية حال إلى هذا القدر، فقد اختتم ميريدور حديثه بملحوظة فكاهية ولكنها في الوقت نفسه بالغة الدلالة، إذ قال: "أين إذن بقية المبلغ؟ ". ويبدو أن هذا هو الخط الإعلامي الإسرائيلي في مواجهة الأمريكيين، ففي العام نفسه بيَّن أريل شارون أن الخدمات التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة تفوق في قيمتها ما تقدمه الولايات المتحدة من معونات لإسرائيل. ثم قال بشكل شبه جديّ ما قاله ميريدور بشكل فكاهي: "إن الولايات المتحدة لا تزال مدينة لنا بسبعين ملياراً من الدولارات". وتَرد الفكرة نفسها، كما يرد كشف حساب مماثل، في مقال لشلومو ماعوز المحرر الاقتصادي للجيروساليم بوست بعنوان «صفقة إستراتيجية» حين أشار إلى أن الإسرائيليين يعرفون جيداً أن مساعدة الولايات المتحدة للدولة الصهيونية هي في جوهرها مساعدة لخدمة مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية. فالولايات المتحدة تدفع سنوياً 130 بليون دولار لقواتها في حلف شمال الأطلنطي و40 بليوناً للوفاء بالتزاماتها في المحيط الهادي. وبالتالي، فإن مساعداتها العسكرية والمدنية لإسرائيل صغيرة بشكل مضحك، إذا ما قُورنت بالمبالغ الآنفة الذكر، وخصوصاً إذا ما تم النظر إلى مثل هذه المساعدات باعتبارها استثماراً لحماية مصالح أمريكا في المنطقة. هذا هو المفهوم الغربي لإسرائيل. فالمدافعون عنها في الولايات المتحدة لا يلجأون أبداً إلى الحديث عن المغانم الاقتصادية الثانوية أو المغارم الاقتصادية التافهة وإنما يشيرون دائماً إلى الحليف الذي يمكن التعويل عليه والمغانم الإستراتيجية الأساسية الشاملة الهائلة. وقد عبَّرت مجلة الإيكونومست (في 20 يوليه 1985) عن موقف هؤلاء بقولها: إذا كان بإمكان أمريكا أن تدفع 30 بليون دولار كل عام ضمن تكاليف حلف الأطلنطي (لتحقيق أهداف إستراتيجية) ، فإن من المؤكد أن إسرائيل، وهي المخفر الأمامي والقاعدة المحتملة، تستحق مبلغاً تافهاً (نحو 4 بلايين دولار آنذاك) . وقد لخص سبير كل الموضوعات والصور المجازية السابقة فقال إن الزعماء الإسرائيليين مضطرون دائماً لأن يذكِّروا القيادة الأمريكية في واشنطن بمقدار تكلفة وجود الجيش الأمريكي في غرب أوربا بالمقارنة بتلك الهبات الممنوحة لإسرائيل. وقد بيَّن سبير أن الجيش الإسرائيلي ليس خدمة حربية كامنة وحسب، وإنما هو أيضاً خدمة رخيصة، بل إنها أرخص من أي خيار عسكري آخر محتمل لأمريكا في المنطقة. وحسبما جاء في مقاله، يوافق البنتاجون على هذا الرأي، ولذا لا يبدي خبراؤه أي تأفف إزاء الحساب الذي يقدمه الإسرائيليون، حتى أن هناك من يرى أنه رخيص نسبياً، الأمر الذي يدل على أن نبوءات الزعماء الصهاينة وحساباتهم، بشأن الجيب الصهيوني الوظيفي، كانت تتسم بالدقة، وأن السلعة الصهيونية مربحة ولا شك، وأن العقد النفعي الذي وُقِّع بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية بشأن يهود العالم لا يزال نافذاً حتى الآن وأن عائده لا يزال مرتفعاً. 3 ـ التعاقدية بين رؤية الذات ورؤية الآخر: إن ارتباط الإنسان بوطنه ارتباط قد تُفسَّر بعض جوانبه على أُسس اقتصادية، ولكن لا يمكن ردُّه برمته إلى الدوافع الاقتصادية وحسب، فهو ارتباط لا يمكن تفسيره إلا على أُسس أكثر تركيباً. ولكن عضو الجماعة الوظيفية إنسان اقتصادي بالدرجة الأولى حبيس تجربته التي حولته إلى أداة اقتصادية، ولذا فهو يدرك الجنس البشري من خلال تجربته، ويُسقط دوافعه على دوافع الآخرين، ولذا فهو يفشل تماماً في إدراك عمق الرابطة بين الإنسان ووطنه. ولذا، نجد أن الفكر الصهيوني يدور في نطاق رؤية تعاقدية وظيفية نفعية ضيقة سواء في رؤيته لليهود أو في رؤيته للآخر، إذ أن الصهاينة يرون أن العالم بأسره إن هو إلا سوق تُباع فيها الأشياء وتُشتَرى، وضمن ذلك ما يُسمَّى «الوطن القومي» . ويبدو أنه في المراحل الأولى للحركة الصهيونية ساد تصوُّر بين المفكرين الصهاينة مفاده أن الحصول على هذا الوطن يمكن أن يتم من خلال عملية تجارية رشيدة من خلال المقايضة والمساومة والسعر المغري. وكان هرتزل يتصور أن الحركة الصهيونية، مُمثّلة الشعب اليهودي، ستقوم بشراء العريش أو أوغندا، أو حائط المبكى وفلسطين من أصحابها. فالأرض هنا ليست وطناً وإنما عقار، وعلاقة الإنسان بها ليست علاقة انتماء وكيان وإنما هي علاقة نفعية تعاقدية تشبه علاقة الجماعة الوظيفية بالمجتمع المضيف. وحينما نشر هرتزل كتابه دولة اليهود، اتهمه بعض اليهود بأنه تقاضى مبلغاً ضخماً من شركة أراض بريطانية كانت تود القيام بأعمال تجارية في فلسطين فتم تفسير الحلم القومي على أنه مشروع تجاري. وعلَّق هو على هذا الاتهام بقوله: "إن اليهود لا يصدقون أن أي شخص يمكن أن يتصرف مدفوعاً باقتناع أخلاقي". وكان هرتزل يتصوَّر، في واقع الأمر، أن العالم حانوت أو سوق كبيرة، فحينما ذهب لمقابلة جوزيف تشامبرلين (وزير المستعمرات البريطاني) ليطلب منه قطعة أرض ليقيم عليها وطناً، كان يتخيل أن الإمبراطورية الإنجليزية مثل دكان كبير للعاديات التي لا يعرف مالكها عدد السلع فيها على وجه الدقة، وتخيل هرتزل نفسه زبوناً يطلب سلعة اسمها «مكان تجمُّع الشعب اليهودي» ويحاول مع صاحب الدكان أن يبحث له عن مثل هذا المكان/السلعة في بضاعته. ولكن هرتزل كان ينوي المتاجرة في عدة بلاد حتى يكسب إحداها في نهاية الأمر ومجاناً (فالطفيلية إحدى سمات الجماعة الوظيفية في آخر مراحل تطورها) . وعلى سبيل المثال، حاول هرتزل أن يحصل على امتياز شركة أراض في موزمبيق من الحكومة البرتغالية دون أن يدفع فلساً واحداً، وذلك بأن يَعد بسداد الديون ويدفع ضريبة فيما بعد. ثم يوضح هرتزل للقارئ نواياه: "على أني أريد موزمبيق هذه للمتاجرة عليها فقط وآخذ بدلاً منها جزيرة سيناء مع مياه النيل صيفاً وشتاءً، وربما قبرص أيضاً دون ثمن"، فالمسألة كلها تَبادُل وتَعاقُد وعلاقات موضوعية رشيدة. ويؤمن هرتزل بأن الدولة اليهودية نفسها سلعة مربحة ناجحة، فهو يوضح أن الجمعية اليهودية ستعمل مع السلطات الموجودة في الأرض، وتحت إشراف القوى الأوربية: "وإذا وافقوا على الخطة فإن هذه السلطات ستستفيد بالمقابل، وسندفع قسطاً من دَينها العام ونتبنى إقامة مشاريع نحن أيضاً في حاجة إليها، كما سنقوم بأشياء أخرى كثيرة. ستكون فكرة خَلْق دولة يهودية مفيدة للأراضي المجاورة، لأن استثمار قطعة أرض ضيقة يرفع قيمة المناطق التي تجاورها". والرؤية الصهيونية التعاقدية التي تضع لكل شيء سعراً مهما سمت مرتبته، تفترض أن فلسطين (هي الأخرى) سلعة، بل سلعة غير رائجة لا يود أحد شراءها سوى المعتوهين من اليهود. ويُقِّدر هرتزل أن ثمن فلسطين الحقيقي، هو مليونان من الجنيهات فقط (حيث إن العائد السنوي منها عام 1896 كان ـ حسب تصوُّره وحساباته الحقيقية أو الوهمية ـ حوالي 80 ألف جنيه) . ولعله أخذ في الاعتبار سعر الفائدة والتمويل. وقد وافق كثير من الصهاينة على هذا الثمن الواقعي أو التجاري. إلا أن السمسار السياسي يعرف أن الثمن التجاري يختلف عما يجب أن يُدفَع حين يحين وقت البيع والشراء، وهو لهذا السبب يرفع السعر إلى عشرين مليون جنيه تركي دفعة واحدة، يُدفَع منها مليونان لتركيا والباقي لدائنيها. بل إن هرتزل على ما يبدو كان يحاول الحصول على فلسطين بالمجان مثل أي سمسار غشاش من أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الذين تفوقوا في الغش التجاري. فقد ذهب إلى السلطان عبد الحميد خاوي الوفاض، ودوَّن في مذكراته أنه لو عُرضت عليه فلسطين الغالية نظير سعر مخفض لشعر بالحرج، لأنه لا يحمل معه كل المبلغ. إن كل ما يريده من السلطان هو وعد ببيع فلسطين له، وهذا الوعد سيكون له بمنزلة السلة التي يستخدمها المتسولون لجمع التبرعات. وإن لم ينجح التسول، فإن هرتزل لن تُعجزه الحيلة، فهو يقرر أن يقبل الصفقة على أن يطلب بعض الامتيازات من تركيا (مثل احتكار الكهرباء) حتى يتسنى له الدفع بيسر. إن هذا التصوُّر التجاري التعاقدي للوطن القومي اليهودي ليس مقصوراً بأية حال على هرتزل، فموسى هس يؤكد أنه لا توجد أية قوة أوربية تفكر في مَنْع اليهود من شراء أرض أجدادهم ثانيةً. وهو يتصوَّر أن تركيا سترد لهم وطنهم نظير حفنة من الذهب. وتصوُّر ليلينبلوم لفكرة شراء الوطن ليس مغايراً لفكرة هس: "على رجالنا الأغنياء أن يبدأوا بشراء العقارات في تلك الأرض، ولو ببعض ما يملكون من ثروة، وما دام هؤلاء لا يرغبون في تَرْك أراضيهم التي يسكنونها الآن، فليشتر كل منهم قطعة أرض في أرض إسرائيل ببعض من مالهم حيث تُعطَى هذه الأراضي لمن يستغلها على أساس اتفاقية بشأن العائد (أو الربح) مع الشاري". ويرى بنسكر هو الآخر أن حل المسألة اليهودية يتلخص في تأسيس شركة مساهمة لشراء قطعة أرض تتسع لعدة ملايين من اليهود يسكنون فيها مع مرور الزمن. وهذا التصور التجاري لكل أراضي آسيا وأفريقيا لم يكن أمراً غريباً على العقل الغربي الاستعماري في القرن التاسع عشر الذي كان يرى العالم بأسره حيزاً للاستغلال وأرضاً تُوظَّف بطريقة مربحة (من خلال شركات ذات براءة في معظم الأحيان) . ولا يزال التصوُّر الوظيفي التجاري التعاقدي قائماً حتى الآن، فحينما يتحدث وايزمان عن فائدة الدولة الصهيونية للإمبريالية، ويقدم حساب التكاليف، وحينما تقدِّم الحركة الصهيونية الحوافز المادية والرشاوى ليهود المنفى ليهاجروا إلى أرض فلسطين (وكأن الوطن ملكية عقارية) ، وحينما يحاولون شراء حائط المبكى، وحينما يعرضون تعويض الفلسطينيين عن وطنهم وتقديم المساعدة المالية لهم شريطة أن يتنازلوا عن حق العودة، فإنهم يؤكدون أن هذه الرؤية التجارية التعاقدية السطحية لا تزال لها قوتها في بعض الأوساط الصهيونية. ويمكن القول بأن الصهيونية النفعية تعبير آخر عن هذا الاتجاه. الدولة الصهيونية الوظيفية: الحوسلة The Functional Zionist State: Instrumentalization الدولة الوظيفية هي دولة تتم حوسلتها لصالح الدول الراعية الإمبريالية، ولكن يبدو أن الحوسلة في حالة الحركة الصهيونية لن تتوقف عند الدولة الوظيفية، بل ستمتد لتشمل كل المادة البشرية اليهودية أينما كانت. وفي اجتماع بين هرتزل وفيكتور عمانوئيل الثالث، ملك إيطاليا، أشار الزعيم الصهيوني إلى أن نابليون دعا إلى عودة اليهود إلى فلسطين ليؤسسوا وطناً قومياً، ولكن ملك إيطاليا بيَّن له أن ما كان يريده في الواقع هو أن يجعل اليهود المشتتين في جميع أنحاء العالم عملاء له. وقد اضطر هرتزل إلى الموافقة على ما يقول، وقد اعترف بأن تشامبرلين، وزير الخارجية البريطاني، كانت لديه أيضاً أفكار مماثلة. وكان هرتزل يرى أنه إذا وافقت إنجلترا على مشروعه الصهيوني، فإنها ستحصل، «في ضربة واحدة» ، على عشرة ملايين تابع (عميل) سري في جميع أنحاء العالم يتسمون بالإخلاص والنشاط، وبإشارة واحدة سيضع كل واحد منهم نفسه في خدمة الدولة التي تقدم لهم العون. "إن إنجلترا ستحصل على عشرة ملايين عميل يضعون أنفسهم في خدمة جلالتها ونفوذها". ثم أضاف هرتزل، مستخدماً الصورة المجازية التجارية التعاقدية الشائعة في الأدبيات الصهيونية، "ثمة أشياء ذات قيمة عالية تكون من نصيب الشخص الذي يحصل عليها في وقت لم تكن قد عُرفت قيمتها الحقيقية العالية بعد". وأعرب الزعيم الصهيوني عن أمله في أن تدرك إنجلترا مدى القيمة والفائدة التي ستعود عليها من وراء كسبها الشعب اليهودي، أي أن هرتزل مدرك تماماً لوظيفة الدولة اليهودية والشعب اليهودي ومدى نفعه وإمكانية حوسلته. والخطة الصهيونية الخاصة بتسخير الشعب اليهودي جزء أساسي من العقيدة الصهيونية. ففي عام 1920، عبَّر ماكس نوردو عن تفهُّمه العميق للدوافع التي حركت رجال السياسة البريطانيين الذين كانت تواجههم مشكلة التوازنات الدولية. وبعد القيام بحساباتهم تَوصَّل هؤلاء الساسة إلى أن اليهود يُعتبَرون في الحقيقة "مصدر قوة" وربما "مصدر نفع" أيضاً لبريطانيا وحلفائها، ومن ثم عرضت عليهم فلسطين. ويُلاحَظ أن كل الكُتَّاب السابقين ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها «رقعة» أو «مساحة» أو «مكاناً تابعاً» أو «بلداً» تحت الوصاية (فهي مكان تم نزع القداسة عنه وتمت حوسلته تماماً حتى أصبح موضوعاً محضاً) . وهم يعتبرون المستوطنين الصهاينة حراساً و"خدمة عسكرية جاهزة": جماعة من المماليك أو المرتزقة على أهبة الاستعداد دائماً. والمملوك أداة ووسيلة، وليس إرادة وقيمة. وسواء كانت الإشارات للمكان أو كانت للإنسان، فإن جوهر الصور المجازية جميعاً هو التبعية الكاملة للغرب، والتحوسل الكامل لحسابه، وتحويل المكان والإنسان إلى أداة منعزلة عن المحيط الحضاري الشرقي ( «ذراع مستقبلية» ) . وقد مزج هرتزل، مؤسس الصهيونية، كل العناصر في تعبيره المجازي الشهير حين قال: "سنقيم هناك [في آسيا] جزءاً من حائط لحماية أوربا يكون حصناً منيعاً للحضارة [الغربية] في وجه الهمجية"، فقد مزج الإنسان والمكان بحيث أصبحا حائطاً غربياً في مواجهة الشرق. (يُلاحَظ أن كلمة «إسرائيل» في العبرية كلمة متعددة المعاني متنوعة الدلالات وتشير للأرض والشعب تماماً كما فعل هرتزل (. ولا يزال إدراك الإسرائيليين لدورهم (وإدراك العالم الغربي له) يدور في هذا الإطار. وكثير من الصور المجازية التي يستخدمها المستوطنون الصهاينة في وصف الدور الموكل إليهم يبين إدراكهم لعملية الحوسلة الوظيفية هذه. فقد استخدمت جريدة هآرتس صورة مجازية درامية لوصف الدور الذي تم إسناده إلى الدولة اليهودية (في مقال في سبتمبر 1951) بعنوان "نحن وعاهرة المواني" جاء فيه أن "إسرائيل تم تعيينها لتقوم بدور الحارس الذي يمكن الاعتماد عليه في معاقبة دولة واحدة أو أكثر من جيرانها العرب الذين قد يتجاوز سلوكهم تجاه الغرب الحدود المسموح بها". والصورة المجازية السابقة (إسرائيل كحارس أجير يشبه العاهرة) تلمس ـ على ما يبدو ـ وتراً حساساً في الذات الصهيونية الإسرائيلية، إذ تَكشَّف أخيراً من خلال وثائق وزارة الخارجية البريطانية لعام 1956 الخاصة بحرب السويس أنه، أثناء المباحثات السرية التي جرت بين إنجلترا والدولة الصهيونية ومهدت للعدوان الثلاثي على مصر، تم الاتفاق على أن تقوم إسرائيل بمهاجمة مصر. وبعد وصولها إلى قناة السويس، تقوم إنجلترا وفرنسا بالتدخل ثم تصدران أمراً إلى الطرفين المصري والإسرائيلي بالانسحاب عدة كيلو مترات من حدود القناة، وبذا يتم تبرير الغزو الفرنسي والإنجليزي أمام الرأي العام العالمي باعتباره عملية محايدة تهدف إلى حماية الملاحة في القناة. وقد ضمنت الدولتان أمن إسرائيل وزودتاها بالغطاء الجوي المطلوب (وهذه أمور معروفة لا تحتاج إلى توثيق) . ولكن يبدو أن المندوب الإنجليزي في هذه المفاوضات السرية بالغ قليلاً في الأمر وطلب أن تقوم القوات الإنجليزية بإلحاق بعض الإصابات الطفيفة، ولكن الفعلية، بالقوات الإسرائيلية لرفضها الانسحاب أو لتباطؤها فيه حتى يتم حبك المسرحية. وهنا ثارت ثائرة بن جوريون واستخدم صورة مجازية شبيهة بالصورة المجازية التي استخدمتها هآرتس لوصف العلاقة بين إسرائيل والدول الغربية إذ قال: إنجلترا تشبه النبيل الإقطاعي الذي يرغب في معاشرة إحدى الخادمات جنسياً على أن يتم ذلك في الخفاء وحسب، أي في المطبخ مثلاً لا في حجرة النوم. ومن الواضح أن بن جوريون لم يرفض الدور الإستراتيجي الموكل إليه (الخادمة الحسناء) ، ولكنه كان يطمع في أن يتم اللقاء بين الخادمة والسيد في مكان لائق (الحديقة أو غرفة النوم على سبيل المثال) ، يتفق مع مكانة الشعب اليهودي وكرامة دولته اليهودية الوظيفية. ومن الصور المجازية المتواترة الأخرى، صورة إسرائيل باعتبارها كلب حراسة. فقد وصف البروفسير يشعياهو ليبوفيتس في حديث له في صحيفة لوموند بتاريخ 8 مارس 1974 إسرائيل بأنها "عميل للولايات المتحدة" ووصف الإسرائيليين بأنهم "كلاب حراسة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ويتعلق بقاؤنا بقدرتنا على القيام بهذه المهمة ". وقد طوَّر الصحفي الإسرائيلي عاموس كينان هذه الصورة المجازية المثيرة من عالم الحيوان وجعلها أكثر حدة وإثارة إذ وصف إسرائيل بأنها "كلب حراسة رأسه في واشنطن وذيله في القدس"، وهي كلب حراسة قوي لكنه يحتاج إلى حماية. ويفضل العرب استخدام «مخلب القط» كصورة مجازية لوصف الدولة الوظيفية. وهي صورة مجازية مألوفة وشائعة فَقَدت كثيراً من قوتها بسبب تكرارها بشكل ممل، وإن كانت معبِّرة تماماً. والصورة المجازية السابقة (الحارس، والعاهرة، والخادمة الحسناء الطيعة، وكلب الحراسة، ومخلب القط) سواء أقبلناها لجدتها أم رفضناها لحدتها، تؤكد أن أهمية إسرائيل من وجهتي النظر الغربية والصهيونية لا تكمن في عائدها الاقتصادي وإنما في دورها الإستراتيجي إذ أن كل الصور المجازية تفترض وجود دور يُؤدَّى وثمن يُدفَع، لا عائد اقتصادي يُحصَّل. ولكن كل الصور المجازية السابقة،، اللائق منها وغير اللائق، هي في الواقع مستمدة من القرن التاسع عشر قبل تفجُّر الثورة التكنولوجية وتزايد معدلات نمو الصناعات الحربية وتنوعها. ولذا، كان تطَوُّر الصورة المجازية بشكل يتفق مع روح العصر في أواخر القرن العشرين حتمياً (والواقع أن إحدى السمات الأساسية الشاملة للدولة الوظيفية الصهيونية مقدرتها على تغيير وظيفتها بما يتفق مع متطلبات الدولة الراعية) . وهذا ما أنجزه يعقوب ميريدور في حديثه للإذاعة التابعة للجيش الأمريكي، فقد بيَّن أنه لولا وجود إسرائيل كقاعدة ومنطقة نفوذ وحليف للولايات المتحدة لاضطرت الأخيرة إلى بناء عشر من حاملات الطائرات. وهو بذلك يكون قد أحلّ صورة إسرائيل المجازية كحاملة طائرات أمريكية محل الصور المجازية الغامضة أو الفاضحة السابقة. وترد الصورة المجازية نفسها، وبشكل أكثر تبلوراً، في مقال الصحفي الإسرائيلي سبير والمعنون «مجتمع يتغذى على الهبات الخارجية» إذ قال الكاتب: "إن الأمريكيين يدفعون لنا لأنهم يريدون أن تكون لهم دولة تابعة مجهزة بأفضل الأسلحة والجنود". وقد وصف سبير هذه الدولة بأنها حاملة طائرات عليها أربعة ملايين نسمة في موقع إستراتيجي فريد من نوعه قريب من الاتحاد السوفيتي وقريب من أوربا الشرقية وقريب من حقول النفط. إسرائيل إذن «حاملة طائرات» ، أي أنها وظيفة تُؤدَّى أو دور يُلعَب وأداة تُستخدَم أو ثروة إستراتيجية تضم أربعة ملايين مقاتل. ولا شك في أن صورة «الحاملة» المجازية أكثر دقة ودلالة من سابقاتها لأنها لا تتحدث عن دور الدولة الصهيونية أو وظيفتها بشكل عام، وإنما تعرِّف ـ وبدقة بالغة ـ طبيعته الإستراتيجية كدولة عميلة توجد في منطقة حدودية قريبة من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) وأوربا الشرقية وحقول النفط، وليس لها عائد اقتصادي مباشر. وتؤكد الصورة المجازية حركية هذه الدولة النافعة الثمينة وإمكانية نَقْل جنودها من مكان حدودي إلى مكان حدودي آخر. ولكن الصورة المجازية تُظهر في الوقت نفسه أنه يمكن الاستغناء عنها، فالأجزاء الآلية الحركية ليست عضوية ولا ثابتة. وتنفي الصورة المجازية عن إسرائيل أيَّ دور اقتصادي مباشر. ولعل الاتفاق الإستراتيجي الذي تم توقيعه بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1984 هو تَحقُّق آخر لهذا الإدراك لطبيعة دور الدولة إسرائيل وعلاقتها بالعالم الغربي. التحالف الإستراتيجي الأمريكي/ الإسرائيلي Israeli-American Strategic Alliance لا شك في أن القوى الاستعمارية هي التي تبنَّت المشروع الصهيوني وتكفَّلت برعايته ووفرت له كل أسباب النجاح. وحتى الحرب العالمية الثانية كانت أوربا القاعدة المركزية للنشاط الصهيوني، وكانت بريطانيا الدولة العظمى التي تقود عملية إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين. أما بعد التحولات التي أخذت تتبلور مع الحرب العالمية الثانية، فإن النشاط الصهيوني سارع في الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية مركز القوة الجديد في الغرب، فكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها في 15 مايو 1948. وقد أيَّدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة موقف إسرائيل من الصراع العربي الإسرائيلي، باستثناء فترة العدوان الثلاثي سنة 1956. ولكن الدعم العسكري والاقتصادي ظل متواضعاً حتى منتصف الستينيات، حيث كانت إسرائيل تعتمد على التعويضات الألمانية من الناحية الاقتصادية، وعلى السلاح الفرنسي من الناحية العسكرية. وبدأ التبدُّل النوعي في العلاقة بين الطرفين مع تولي لندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة في وقت أصبح من الواضح فيه أنها وريثة الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وزعيمة العالم الغربي في عالم ما بعد الاستعمار. وبذلك انطوت حقبة كاملة من السياسة التي تميَّزت بالتوازن النسبي أحياناً أو الانحياز المحدود المقتصر على مؤسسة الرئاسة كما في ولاية ترومان، وبدأت حقبة مختلفة مع جونسون اتسمت بالانحياز الجارف إلى إسرائيل على جميع المستويات الرئاسية والحكومية وبخاصة بعد حرب 1967، حيث أصبحت الولايات المتحدة المورِّد الأساسي للسلاح لإسرائيل. وفي عهد الرئيس رونالد ريجان قطعت هذه العلاقة مسافة أخرى على طريق التنسيق الإستراتيجي المتكامل، حيث تم توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي لسنة 1981. وبعد أسابيع من توقيعها أعلنت إسرائيل ضم مرتفعات الجولان السورية. وبعد عام، على وجه التحديد، في يونيه 1982، قامت إسرائيل باجتياح جنوب لبنان ثم انضمت عام 1983 إلى مبادرة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية (SAI) بتوقيع اتفاقية إستراتيجية أخرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حصلت إسرائيل بموجبها على مكاسب جديدة وفُتحت أمامها آفاق جديدة من التعاون والمساعدات الأمريكية. فلقد تكفَّلت الولايات المتحدة، في هذه الاتفاقية، بأن تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بشراء ما قيمته 200 مليون دولار سنوياً من إسرائيل، كما سمحت للشركات الإسرائيلية بدخول المناقصات التي تجريها وزارة الدفاع الأمريكية من أجل الحصول على عقود صنع السلاح. كذلك حصلت إسرائيل على تعهُّد أمريكي بمدها بالمعلومات التي تحصل الولايات المتحدة عليها في الشرق الأوسط عن طريق الأقمار الصناعية. وفي عام 1985 وقَّعت الحكومتان اتفاقية تم بمقتضاها إلغاء التعريفة الجمركية بينهما، أي قبل سبع سنوات من إبرامها اتفاقية مماثلة مع جارتيها كندا والمكسيك. واستمرت إدارة الرئيسين بوش وكلينتون في دعم إسرائيل (باستثناء موقف بوش بتجميد ضمانات القروض لإسرائيل) . وفي مطلع عام 1986 تم التوصل إلى عدد من الاتفاقات الأمنية والعسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ويستند التحالف الإستراتيجي الأمريكي /الإسرائيلي إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المميزة التي يمكن أن توفرها إسرائيل للولايات المتحدة باعتبارها رصيداً إستراتيجياً، وهي تتمثل في: * الموقع الجغرافي: إسرائيل قاعدة انطلاق مثالية للقوات الأمريكية إذا هُدِّدت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهو منطقة مهمة من الناحية الجيوبوليتيكية بسبب ما يحويه من نفط ورؤوس أموال وأسواق. ومن المعروف أن نقل قوة لها شأنها إلى هذه المنطقة يستغرق عدة أشهر، أما مع وجود إسرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلا إلى بضعة أيام. * البنَى التحتية والمواصلات والاتصالات: تستطيع القوات الأمريكية استخدام القواعد الجوية والبحرية والبرية الإسرائيلية إما لهدف عسكري مباشر أو عمليات الإسناد أو كقواعد وسيطة. * البحث والتطوير والاستخبارات: يمكن أن تستفيد القوات الأمريكية من الخبرات الحية للتجربة العسكرية الإسرائيلية ومن المعلومات التي تجمعها إسرائيل عن المنطقة. * القدرة الدفاعية: يمكن استخدام القدرات العسكرية الإسرائيلية لحماية قوة تدخُّل أمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصاً أن سلاح الجو الإسرائيلي يسيطر على المجال الجوي. وأنشطة البحث والتطوير الإسرائيلية نفسها مفيدة للولايات المتحدة الأمريكية بسبب التكامل الوثيق بين المخترعين الإسرائيليين والشركات الأمريكية (وكما قال جورج كيجان، رئيس استخبارات سلاح الجو الأمريكي سابقاً، إن مساهمة إسرائيل تساوي ألف دولار لكل دولار معونة قدمناها لها) . وإمكانيات إسرائيل في الاستخبار السياسي ضخمة جداً، فكثير من الإسرائيليين جاءوا من مختلف دول المنطقة وذلك يعطيهم معرفة أفضل باللغات، وغير ذلك من العوامل التي لا غنى عنها لأي تحليل أفضل، وتأويل أمثل للمعلومات التي يتم جمعها من المنطقة. وإذا أردنا استخدام مصطلحنا يمكننا القول بأن الدولة الصهيونية هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية والتجارية والجاسوسية. وإذا أضفنا عمليات الترفيه عن الجنود الأمريكيين في الموانئ الإسرائيلية، فإننا بذلك نضم قطاع اللذة إلى قائمة الوظائف، فهي عملية توظيف شاملة يستفيد منها الفريقان. يترتب على هذه العناصر تحقيق وحدة المصالح الإسرائيلية الأمريكية، وخصوصية علاقتهما وتفرُّدها، باعتبار إسرائيل موقعاً أمريكياً متقدماً في منطقة الشرق الأوسط. وفكرة أن إسرائيل رصيد إستراتيجي للولايات المتحدة لا تنفصل عن الصراع العربي الإسرائيلي، فالخبرات والقدرات السابقة لم تكتسبها إسرائيل إلا بانغماسها في ذلك الصراع، كما أن تصاعد الصراع واحتدامه أدى إلى زيادة الروابط العسكرية والإستراتيجية بين البلدين. المعونات الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية Foreign Aid to the Functional Zionist State «المعونات الخارجية» مصطلح شامل لا يضم فقط المساعدات الإنمائية وإنما يضم أيضاً المعونة العسكرية والمعونة الإنسانية التي تدفعها دولة (أو منظمة دولية) لدولة أخرى. والمعونات الخارجية هي إحدى أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة المانحة. والمشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يهدف إلى تأسيس دولة وظيفية تجمع بعض يهود العالم وتقوم على خدمة المصالح الغربية في المنطقة مشروع تم تنفيذه برعاية الدول الغربية ودعمها السياسي والاقتصادي. فقد حصلت الحركة الصهيونية على العون السياسي والمادي منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى قبل أن تتحوَّل إلى منظمة لها شبكتها الضخمة الممتدة التي تمارس الضغط السياسي وتجمع التبرعات من الحكومات والأفراد، كانت المعونات قد بدأت تصب بالفعل في فلسطين لتمويل جماعات المستوطنين اليهود التابعين لمنظمات شبه صهيونية كانت بمنزلة الإرهاصات الأولى للحركة الصهيونية. والتمويل الخارجي جزء أساسي من تكوين الحركة الصهيونية، ويمكن القول بأن الأثرياء اليهود، ومن بعدهم الدول الغربية (التي احتضنت المشروع الصهيوني بعد أن تحوَّل من مجرد جمعيات وإرهاصات إلى منظمة عالمية) ، لا ينظرون إلى المُستوطَن الصهيوني باعتباره استثماراً اقتصادياً، وإنما باعتباره استثماراً سياسياً له أهمية إستراتيجية قصوى. ولذا اتسمت تدفقات المعونات على الحركة الصهيونية وعلى الدولة الصهيونية بدرجة عالية من التسييس والارتباط بطبيعة المشروع الصهيوني. والواقع أن أيَّ باحث في الاقتصاد الإسرائيلي لابد أن يلاحظ محورية الدور الذي تلعبه المعونات الخارجية وتدفقات البشر ورؤوس الأموال على إسرائيل بشكل لا مثيل له في أية دولة من دول العالم، سواء من حيث حجمها ودرجة اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي عليها، أو من حيث درجة تسييسها وارتباطها بطبيعة المشروع الصهيوني. والدولة الصهيونية في حالة حرب دائمة تلتهم جزءاً كبيراً من ميزانية الدفاع والأمن وهو ما يُشكِّل استنزافاً اقتصادياً دائماً. كما أن عملية بناء المستوطنات تتطلب ميزانيات ضخمة. وبناء المستوطنات، شأنه شأن نشاطات "اقتصادية" أخرى، لا يخضع بالضرورة لمقاييس الجدوى الاقتصادية الصارمة، إنما يخضع لمتطلبات الاستيطان وهو ما يسبب إرهاقاً مالياً. والاقتصاد الإسرائيلي صغير الحجم - بمعيار عدد السكان - لا يشكل قاعدة كافية لاستيعاب ناتج الكثير من المشروعات الإنتاجية عند حجمها الأمثل، وهو ما يعني أن الإنتاج في مثل هذا الاقتصاد ليس اقتصادياً (بالمعنى الفني للمصطلح) ، الأمر الذي يقتضي تخصيص مبالغ كبيرة لدعم المشروعات وإعانتها، وقد بلغت نسبة الإعانات للمشروعات الصناعية في بعض السنوات 40% من قيمة الناتج الصناعي. ويمكن القول بأن النموذج الاقتصادي الإسرائيلي يرجع أساساً إلى نجاح صيغة الصهيونية العمالية (الاستيطانية) ، التي تبنتها إسرائيل منذ نشأتها، في ضمان تَدفُّق البشر ورؤوس الأموال إليها. وقد ارتبطت فترات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي أساساً بتدفقات البشر - عبر حركات هجرة البحر والأموال (أو العمل ورأس المال بالتعبير الاقتصادي) - على إسرائيل، حيث يرى أحد الباحثين الإسرائيليين أن 75% من النمو الذي حققه الاقتصاد الإسرائيلي في الفترة من 1954 - 1972 تم بفضل المعدلات المرتفعة التي نمت بها عوامل الإنتاج (رأس المال والعمل) و25% منه فقط بسبب التحسن في الكفاءة الإنتاجية، الأمر الذي يفسر نجاح إسرائيل في تنفيذ استثمارات ضخمة رغم أن معدل الإدخار المحلي كان بالسالب في أغلب الفترات (حتى في الفترات التي كان الاقتصاد الإسرائيلي فيها ينمو بشكل سريع إذ كان الإدخار القومي سالباً، ومع هذا كان معدل الإدخار الخاص مرتفعاً، لكنه لم يكن كافياً لتغطية العجز في ميزانية الحكومة) ، وقد كانت المساعدات الخارجية الوسيلة الأساسية لسد الفجوة بين الإدخار والاستثمار، وهي التي مكَّنت إسرائيل من تحقيق مستوى معيشي مرتفع رغم معدلات زيادة السكان المرتفعة. وقد ساهمت المعونات ولا شك في حل مشاكل التجمُّع الصهيوني الاقتصادية وحمته طيلة هذه الفترة من جميع الهزات. والأكثر من هذا أن هذه المعونات غطت تكاليف الحروب الإسرائيلية الكثيرة والغارات التي لا تنتهي. وبالتالي قُدِّر للعقيدة الصهيونية أن تستمر لأن الإسرائيليين لا يدفعون بتاتاً ثمن العدوانية أو التوسعية الصهيونية. كما موَّلت هذه المعونات عملية الاستيطان باهظة التكاليف، وحقَّقت للإسرائيليين مستوىً معيشياً مرتفعاً كان له أكبر الأثر في تشجيع الهجرة من الخارج وبخاصة من الاتحاد السوفيتي. وحينما يتحدث الدارسون عن «المعونات الخارجية» فهم يتحدثون عن معونات من مختلف الدول الغربية ومن يهود العالم الغربي. ولكن قبل الخوض في هذا الموضوع لابد من الاعتراف أنه سيكون هناك قدر من الاختلافات الواضحة بين التقديرات المختلفة لحجم المعونة الغربية (وبخاصة الأمريكية) للدولة الصهيونية. ولعل هذا يعود إلى طريقة تقديرها وإلى أن قدراً كبيراً من السرية والتعمية المتعمدة يحيط بحجم المعونات. وقد اعتمدت إسرائيل في البداية على التعويضات الضخمة التي تلقتها من ألمانيا اعتباراً من عام 1953 (بواقع 750 - 900 مليون دولار سنوياً) وحتى نهاية الستينيات، والتي بلغت مليار دولار كتعويضات مباشرة للحكومة الإسرائيلية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لكل يهود العالم، ومنهم ضحايا النظام النازي في الحرب العالمية الثانية (التي بدأت وانتهت قبل قيام دولة إسرائيل!) ، كما اعتمدت على المعونات العسكرية الألمانية خلال الخمسينيات والستينيات، وهي المساعدات التي قامت ألمانيا بموجبها بتمويل شراء إسرائيل لأسلحة أمريكية (مثال: في عام 1963 قامت ألمانيا بتقديم 60 مليون دولار لتمويل شراء صفقة دبابات أمريكية الصنع لإسرائيل) . وقد بلغت التعويضات الألمانية للأفراد ما بين 700 - 900 مليون دولار سنوياً. وتصل بعض التقديرات إلى أن حجم المعونة الألمانية تتراوح بين 60 - 80 بليون دولار. فقد صرح وزير الخارجية أمام المؤتمر اليهودي (8/5/1997) أن ألمانيا دفعت لإسرائيل تعويضات تصل إلى 97 مليون مارك (6 بليون دولار) وأنها ستستمر في دفع التعويضات لمدة 34 سنة أخرى حتى تصل عام 2030 مبلغ 940 بليون مارك (80 بليون دولار) ، مع العلم بأن مجموع ما تلقته ألمانيا من مشروع مارشال هو 15 بليون دولار! ولكن الدعم الحقيقي جاء من الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها صاحبة لقب «الراعي الإمبريالي» بامتياز. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل؛ وذلك بعد مضي دقائق على إعلان قيامها في 15 مايو 1948. وبعد أسابيع منحتها قرضاً قيمته 100 مليون دولار. وكان الدعم العسكري والدعم الاقتصادي منذ الخمسينيات حتى منتصف الستينيات متواضعين، ذلك أن إسرائيل كانت من الناحية الاقتصادية تعتمد على التعويضات الألمانية كما أسلفنا؛ وبدأ التبدل النوعي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد حرب 1967 مباشرةً في عهد الرئيس ليندون جونسون. وفي الأيام الأولى لحرب 1973، أقامت الولايات المتحدة جسراً جوياً بينها وبين إسرائيل، إذ نقلت إلى إسرائيل في أيام قليلة 22 ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عن خسائرها التي مُنيت بها. وقد تطوَّرت المساعدات الأمريكية لإسرائيل وتصاعدت خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، وحدثت القفزة الكبيرة بعد حرب 1973 حتى وصلت إلى 3 مليار دولار تقريباً سنوياً طبقاً للإحصاءات الأمريكية الرسمية منها 1.8 مساعدات عسكرية، 1.2 مساعدات اقتصادية. وقد أخذ طابع المساعدات منذ الثمانينات يتحوَّل إلى المنح بدلاً من القروض. تطور المساعدات الأمريكية لإسرائيل (مليون دولار) : السنة / المجموع / القروض / المنح 1949 - 1950 / 852.9 / 339.3 / 313.6 1960 - 1969 / 834.8 / 801.9 / 32.9 1970 / 93.6 / 80.7 / 12.9 1972 / 480.9 / 424.9 / 56.0 1974 / 2.646.3 / 1.055.0 / 1.591.3 1978 / 1.822.6 / 772.2 / 1.050.4 1982 / 2.245.5 / 874.0 / 1.371.5 1984 / 2.628.5 / 851.9 / 1.776.6 1986 / 3.800.0 / --- / 3.800.0 1988 / 3.050.0 / --- / 3.050.0 1990 / 3.452.0 / --- / 3.452.0 1991 / 2.935.0 / --- / 2.935.0 المصدر: حتى سنة 1988: Rabie (1988) .p.59. أما سنتا 1990 و 1991، فمن: Government Finance Statistics Yearbook (1992) .p.306. غير أن الأرقام السابقة - على ضخامتها - لا تكشف سوى جزء من الواقع، إذ أن المبالغ الفعلية التي تحصل عليها إسرائيل أكبر من الرقم الرسمي المعلن بكثير، لتصل إلى ما يتراوح بين 5.5 مليار دولار و6.5 مليار دولار كما يتبين من خلال استعراض التقديرين الآتيين: ففي تقدير ذا واشنطن ربورت أُنْ ميدل إيست أفيرز The Washington Report on Middle East Affairs تم تقدير حجم المعونة عام 1993 بـ 6.321 مليار دولار أو 17 مليون دولار يومياً، منها 2 مليار دولار سنوياً منذ عام 1993 ولمدة خمس سنوات هي ضمانات قروض بقيمة 10 مليار دولار، وذلك لكون إسرائيل غير مُلزمة بسداد القروض للولايات المتحدة سواء من خلال إمكانية تنازُل الكونجرس، أو بسبب تعديل كرانستون الذي يشترط عدم خفض مستحقات الدفع السنوية لإسرائيل، ويُلزم الحكومة الأمريكية بأن لا يقل حجم المكون الاقتصادي من المعونة التي تقدمها لإسرائيل عن إجمالي أقساط وفوائد الديون المستحقة على إسرائيل للولايات المتحدة سنوياً، أي أن الولايات المتحدة قد ألزمت نفسها بسداد ما سبق أن اقترضته الحكومة الإسرائيلية أو ما يمكن أن تقترضه في المستقبل من الولايات المتحدة. ويبيِّن الجدول الآتي المعونة الأمريكية لإسرائيل عام 1993 بالمليار دولار: 3.000 من ميزانية المساعدات الأجنبية. 1.271 مساعدات أخرى من الميزانية ومن خارجها. 0.050 فوائد قروض إسرائيلية. 2.000 ضمانات قروض. 6.321 المجموع وحسب بعض التقديرات، يصل إجمالي ما تحصل عليه إسرائيل في ميزانية 1996 من معونة مبلغ خمسة مليار وخمسمائة وخمسة ملايين وثلاثمائة ألف دولار (5.505.300) ، أي أن ما تحصل عليه إسرائيل يعادل تقريباً ضعف ما تظهره الأرقام الخاصة ببرنامج المعونة الأمريكية الخارجية لإسرائيل وهي 3 مليارات دولار منها 1.2 مليار دولار تحت بند المعونة الاقتصادية أو بعبارة أدق تحت بند "صندوق الدعم الاقتصادي Ecormic Support Fund" و1.8 مليار دولار تحت بند المعونة العسكرية أو بعبارة أدق تحت بند "مبيعات السلاح الخارجية Foreign Military Sales". أما عن مصادر تلك الفجوة بين حجم المعونة الرسمية المعلن وبين ما تحصل عليه إسرائيل فعلاً فهو ما يلي: 1 - المعونات المدرجة ضمن ميزانيات عدد من الوزارات أو الوكالات الفيدرالية مثل وزارات الخارجية والدفاع والتجارة، ومصلحة الهجرة والجنسية ... إلخ، فميزانية الدفاع خصَّصت مبلغ 242.3 مليون دولار عام 1996 لتطوير عدد من نظم التسليح لم تظهر في برنامج المعونة. 2 - التيسيرات الهائلة التي تحصل إسرائيل بموجبها على حصتها من برنامج المعونة، كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تحصل على المعونة الاقتصادية نقداً ومرة واحدة وهو ما يرفع عن كاهلها أعباء مصاريف بنكية تصل إلى 60 مليون دولار، ولأنها مستثناه من قانون استخدام أموال المعونة العسكرية لشراء معدات عسكرية أمريكية، بل إن لها الحق في استخدامها في شراء معدات مُصنَّعة في إسرائيل. 3 - التسهيلات الائتمانية والقروض وهي من حيث المضمون أقرب إلى المنحة منها إلى القرض. وقد حصلت إسرائيل على استثناءات كثيرة من شروط المعونة، من أهمها الاستثناءات الخاصة باستخدام إسرائيل أموال المعونة في شراء منتجات غير أمريكية وبخاصة في مجال التصنيع العسكري. كما تعمد إسرائيل إلى خرق العديد من القوانين الأمريكية إذا تصادمت مع مصالحها مثل خَرْق القانون الذي يحظُر نَقْل التكنولوجيا الأمريكية بدون إذن الإدارة الأمريكية إلى طرف ثالث. بل إن عملية الخرق هذه قد تجد تشجيعاً من الإدارة الأمريكية. ففي عام 1993، قرر الكونجرس خصم واحد دولار من المعونة مقابل كل دولار تستخدمه إسرائيل في بناء المستوطنات في غزة والضفة، واعترفت إسرائيل بأنها أنفقت بالفعل 437 مليون دولار على المستوطنات وهو ما كان يعني خصم القيمة نفسها من المعونة، فقررت إدارة الرئيس كلينتون تزويد إسرائيل بـ 500 مليون دولار إضافية مقابل ذلك الخصم، وهو ما يعني زيادة 63 مليون دولار على المعونة لم تكن لتستلمها لو أطاعت رغبة الكونجرس. ويشير أحد التقديرات إلى أن إجمالي ما حصلت عليه إسرائيل من معونة أمريكية حتى عام 1996 يبلغ 78 مليار دولار، منها ما يزيد على 55 مليار دولار منحة لا تُرد. بينما ترفع بعض التقديرات الأخرى مبلغ المعونة الفعلية إلى أعلى من هذا بكثير. ولا تكشف هذه الأرقام بطبيعة الحال عن حجم المساعدات غير الحكومية التي تتلقاها إسرائيل من أفراد ومؤسسات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أصبحت منذ منتصف السبعينيات ثاني أكبر مصدر لتدفُّق رؤوس الأموال الخارجية على إسرائيل بعد الحكومة الأمريكية. ففي الولايات المتحدة توجد حوالي 200 مؤسسة تعمل في مجال جمع التبرعات لإسرائيل، من أشهرها مؤسسة النداء اليهودي المتحد، ومنظمة سندات دولة إسرائيل. وتشير بعض التقديرات إلى أن المساعدات التي حصلت عليها إسرائيل من مصادر غير حكومية في الفترة من 1948 إلى 1986 قد بلغت 24.5 مليار دولار موزعة على النحو التالي: 6.5 مليار مساعدات أفراد و11 مليار مساعدات مؤسسات و7 مليارات قيمة سندات دولة إسرائيل. وقد صبت هذه المعونات في تجمُّع بشري يبلغ عدد سكانه أقل من خمسة ملايين. وقد قدَّر أحد الدارسين أن الولايات المتحدة منحت إسرائيل ما يقرب من عشرة بلايين دولار سنوياً في الفترة الأخيرة، وأنها أعطت كل مواطن إسرائيلي مبلغ ألف دولار كل عام منذ إنشاء دولة إسرائيل، وهذا المبلغ يفوق كثيراً معدل دخل كثير من مواطني العالم الثالث. وحالياً تبلغ حصة الفرد الإسرائيلي من المساعدات حوالي 1600 - 2000 دولار سنوياً دون حساب عوائد الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والعسكري والسياسي. وطبقاً للتقديرات السابقة فإن مجمل المعونات الأمريكية الرسمية يصل إلى 78 مليار دولار، ومجمل المعونات الأمريكية غير الرسمية يصل إلى 24.5 مليار دولار، أي أن المعونات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية تزيد عن مائة مليار دولار. ويمكن القول بناءً على تقديرات أخرى لا تختلف كثيراً عن التقدير السابق مباشرةً أن مجموع المساعدات الأمريكية لإسرائيل إضافة إلى التعويضات الألمانية والجباية اليهودية منذ عام 1949 وحتى عام 1996 ما يزيد عن 179.4 مليار دولار، موزعة بين 79.6 مليار دولار مساعدات حكومية أمريكية متنوعة، 60 مليار دولار تعويضات ألمانية، 19.4 مليار دولار جباية يهودية، 23.4 مليار دولار أصول أجنبية في إسرائيل. وحتى إذا استبعدنا الأصول الأجنبية الموجودة في إسرائيل على اعتبار أنها قد توطنت فيها لاعتبارات اقتصادية (وهو أمر غير صحيح لأنها كانت دائماً دولة في حالة حرب أو توتر ولا تغري أي مستثمر بتوطين الاستثمارات فيها) فإن المساعدات الخارجية المعروفة التي تلقتها إسرائيل منذ إنشائها عام 1948 وحتى عام 1996 قد بلغت نحو 156 مليار دولار بالأسعار الجارية على مدى سنوات تلقي إسرائيل لها، وهي توازي ما يزيد عن 450 مليار دولار من دولارات الوقت الراهن. وهناك مساعدات تحصل عليها إسرائيل في ظروف معينة مثل ما حصلت عليه عند التوقيع على معاهدة كامب ديفيد 1979 لتعويض ما فقدته، فحصلت على: بناء مطارين في النقب يعمل في كل منهما سربان أثناء العمليات بواسطة سلاح المهندسين الأمريكي، وتعزيز البنية الأساسية لقواعد بحرية وإنشاءات عسكرية ومراكز تدريب وثكنات، والحصول على معدات وأسلحة لتحديث قواتها، وبناء مدارس عسكرية، وبناء مخزنين في كل قاعدة جوية في النقب بهما قطع الغيار اللازمة، وهي تعمل بطريقة أوتوماتيكية بحيث يكفي 3 أشخاص لتشغيل وإدارة كل مخزن، وقد تكلفت هذه الإنشاءات والمعدات ما يقرب من3.2 مليار دولار، والغريب أن كل معدات سلاح المهندسين التي قامت ببناء هذه الأبنية أعطيت منحة لإسرائيل. علاوة على ذلك فإنه لا يمكن حصر المساعدات غير المنظورة التي تُعطَى للكيان الصهيوني، مثل هجرة العلماء إليها، فمثلاً يُقال إن معظم أعضاء قسم رسم الخرائط في الجيش البولندي هاجروا إلى إسرائيل بعد عام 1967، كما أن كثيراً من العلماء اليهود يجرون تجاربهم في معامل جامعاتهم في الولايات المتحدة، ثم يعطون نتائجها لإسرائيل. وهذا شكل من أشكال المعونات يصعب - إن لم يستحيل - حسابه. ويمكن رصد أنواع أخرى من المساعدات غير المباشرة. ففي مجال الصناعات الحربية تسهم الولايات المتحدة في مشروع إنتاج الصاروخ "حيتس أو السهم" الإسرائيلي المضاد للصواريخ رغم تكرار فشله (وكذلك الحال مع الطائرة لافي من قبل) . وفي مجال نقل التكنولوجيا نجد أنه رغم أن الولايات المتحدة تفرض قيوداً صارمة على عملية النقل هذه إلا أنها لا تُطبَّق على إسرائيل، التي تستخدم في صناعاتها الحربية معدات تكنولوجية أمريكية. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن 36% من الصادرات الإسرائيلية تحتوي على نظم أمريكية، ولذلك فإنه لو طُبِّقت القيود الصارمة على تصدير التكنولوجيا التي في حوزة إسرائيل لدولة ثالثة لأصيبت صادراتها بضربة قاسية. وهناك نوع آخر من المساعدات غير المباشرة وهو فتح الأسواق الأمريكية للصادرات الإسرائيلية، وكذلك ما يُعرف بـ «الأسواق المتروكة» ، وهي أسواق لا تستطيع الولايات المتحدة التورط فيها بطريقة مباشرة مراعاةً لمصالحها العليا، الأمر الذي يجعلها تلجأ إلى إسرائيل لملئها مؤقتاً مثل أسواق ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية أو أسواق بعض النظم العنصرية مثل نظام جنوب أفريقيا السابق. ولهذه المعونات آثار سلبية عديدة، فالتضخم المفرط ناجم في جزء كبير منه عن التدفق المسيَّس لرؤوس الأموال الذي بلغ في منتصف الثمانينيات معدلات فلكية (536% عام 1984) ، والخفض المستمر في قيمة الشيكل (اضطرت الحكومة في النهاية لإلغائه واستبدال الشيكل الجديد به حيث أصبح كل شيكل جديد يساوي 100 شيكل إسرائيلي) ساهم في تدهور قدرته الشرائية ودفع العديد من الاقتصاديين الإسرائيليين إلى المطالبة بدولرة الاقتصاد الإسرائيلي. وأوشك النظام المالي الإسرائيلي على الانهيار لولا تدخُّل الولايات المتحدة وقيامها بمد إسرائيل بمساعدة طارئة بلغت 1.5 مليار دولار مكَّنت الحكومة الإسرائيلية من تثبيت سعر الشيكل ووفرت عليها عبء الاستدانة من أسواق المال العالمية. وقد أصبحت إسرائيل نتيجة هذا الدعم المستمر بلداً كل ما فيه مموَّل أو مُدعَم من الخارج: حمام السباحة في النادي، معمل قسم الطفيليات في الجامعة، مشروعات إعانة الفقراء، المتحف الذي يذهب المواطن لزيارته، بل حتى البرامج الإذاعية التي يسمعها. وبطبيعة الحال الجيش الذي يدافع عنه، والوجبة التي يتناولها. إن مثل هذا الوضع يقوض دعائم الأخلاقيات الاجتماعية وأي إحساس بالعزة القومية. والصهيونية تستمد شرعيتها أمام اليهود من ادعائها أنها حولتهم إلى شعب له كرامته القومية مثل كل الشعوب. وقد بدأت الحكومة الأمريكية تتدخل في السياسات الداخلية للمستوطن الصهيوني وبخاصة الشئون الاقتصادية والعسكرية، وأصبحت هذه السياسات يتم تقريرها على أمل أن تحوز إعجاب واشنطن. وهذه قضية تثير قلقاً عميقاً داخل المُستوطَن الصهيوني. وكما قال ييجال يادين: "إن المعونة الأمريكية تشكل الخطر الأساسي على مستقبلنا الروحي". ولكن لا يوجد حل ولو نظري لهذه المشكلة في الوقت الحاضر على الأقل. والمعونات الخارجية أدت إلى ظهور بعض الظواهر الفريدة في المجتمع الإسرائيلي. فالمعونات الألمانية - على سبيل المثال - خلقت بشكل فجائي فوري طبقة من الإسرائيليين الأثرياء (من أصل أوربي) تمكنوا من الانتقال من الأحياء الفقيرة إلى أحياء أكثر ثراء، وغيَّروا أسلوب حياتهم بشكل كامل. هذه النقود السهلة (كما يسمونها) ، أي النقود التي لم يكدَّ أحد من أجلها، تُعرِّض المجتمع لهزات اجتماعية وتُولِّد فيه التوترات. ونتيجة المعونات ازداد عدد كليات الطب في إسرائيل بشكل غير طبيعي في بلد يوجد فيه فائض كبير من الأطباء الأمر الذي يتسبب في هجرة العديد منهم. وقد لخص أحد الرأسماليين الإسرائيليين أثر المعونات السلبي في المجتمع الإسرائيلي بقوله: "إنه قد يضطر لإغلاق مصنعه لو زادت المنح الخارجية لإسرائيل، إذ أنها ستوزَّع على العمال الذين يمكنهم بذلك تحقيق دخل لا بأس به دون الحاجة للعمل"، أي أن المعونة تحوِّل اليهود إلى شعب طفيلي غير منتج مرة أخرى. ونتيجة انسحاب اليهود من الأعمال الإنتاجية دخلت العمالة العربية كل مجالات الحياة وضمنها الكيبوتس الذي يستفيد منها بسبب انخفاض تكلفتها. وبدأت الأعمال الضرورية في الزراعة والبناء والمصانع تنتقل تدريجياً إلى أيدي العرب، وهناك فروع كاملة أو جزء كبير منها لم يَعُد موجوداً بين أيدي عمال يهود. وفي أعقاب احتدام أزمة نموذج الصهيونية العمالية منذ منتصف الثمانينيات وظهور الدعوة لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، تعالت الأصوات منادية بضرورة إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على المساعدات الخارجية، وداعية إلى ضرورة تَوجُّه إسرائيل نحو جذب رؤوس أموال غير مسيَّسة عن طريق توفير مناخ استثماري أفضل لضمان تدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات في حوافظ الأوراق المالية، عن طريق ما يُعرف بالوعاء الاستثماري للدولة أو صندوق الدولة (بالإنجليزية: كانتري فاند country fund) الذي يتم تسجيله كشركة قابضة في إحدى البورصات ثم يقوم بإصدار أوراق مالية يتم تداولها في البورصات العالمية، على أن يقوم هذا الصندوق باستثمار حصيلة بيع الأوراق المالية في مجموعة من الشركات الإسرائيلية سواء عن طريق شراء أسهم وسندات هذه الشركات أو عن طريق الاستثمار المباشر (وهو ما تم بالفعل منذ عام 1992 إذ تم إنشاء ما يُعرف بصندوق إسرائيل الأول) . وتبلورت هذه الاتجاهات بشكل احتفالي خلال الزيارة الأولى التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة عقب توليه الحكم. فقد شهدت هذه الزيارة - ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل - إعلان رئيس وزراء إسرائيلي عن استعداده لبحث خفض المعونة الأمريكية لإسرائيل بدعوى أن الاقتصاد الإسرائيلي وصل لمرحلة من التطور تغنيه عن المساعدات الخارجية! ونجاح إسرائيل في الاستغناء عن المساعدات الخارجية (التي مثَّلت - إلى جانب موجات الهجرة لإسرائيل - إحدى دعامتين قام عليهما نموذج الصهيونية العمالية) يمكن أن يُعَد مؤشراً بالغ الدلالة على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوز أزماته، وإمكانية نجاح التطبيع، على الأقل على المستوى الدولي. وفي أعقاب احتدام أزمة نموذج الصهيونية العمالية منذ منتصف الثمانينيات وظهور الدعوة لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي، تعالت الأصوات منادية بضرورة إعادة النظر في اعتماد إسرائيل على المساعدات الخارجية، وداعية إلى ضرورة تَوجُّه إسرائيل نحو جذب رؤوس أموال غير مسيَّسة عن طريق توفير مناخ استثماري أفضل لضمان تدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل سواء في شكل استثمارات أجنبية مباشرة أو استثمارات في حوافظ الأوراق المالية، عن طريق ما يُعرف بالوعاء الاستثماري للدولة أو صندوق الدولة (بالإنجليزية: كانتري فاند country fund) الذي يتم تسجيله كشركة قابضة في إحدى البورصات ثم يقوم بإصدار أوراق مالية يتم تداولها في البورصات العالمية، على أن يقوم هذا الصندوق باستثمار حصيلة بيع الأوراق المالية في مجموعة من الشركات الإسرائيلية سواء عن طريق شراء أسهم وسندات هذه الشركات أو عن طريق الاستثمار المباشر (وهو ما تم بالفعل منذ عام 1992 إذ تم إنشاء ما يُعرف بصندوق إسرائيل الأول) . وتبلورت هذه الاتجاهات بشكل احتفالي خلال الزيارة الأولى التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة عقب توليه الحكم. فقد شهدت هذه الزيارة ـ ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل ـ إعلان رئيس وزراء إسرائيلي عن استعداده لبحث خفض المعونة الأمريكية لإسرائيل بدعوى أن الاقتصاد الإسرائيلي وصل لمرحلة من التطور تغنيه عن المساعدات الخارجية! ونجاح إسرائيل في الاستغناء عن المساعدات الخارجية (التي مثَّلت ـ إلى جانب موجات الهجرة لإسرائيل ـ إحدى دعامتين قام عليهما نموذج الصهيونية العمالية) يمكن أن يُعَد مؤشراً بالغ الدلالة على قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تجاوز أزماته، وإمكانية نجاح التطبيع، على الأقل على المستوى الدولي. غير أن تأمل واقع الاقتصاد الإسرائيلي، والبرنامج الاقتصادي للحكومة الحالية بشكل دقيق، يثير العديد من الشكوك حول مصداقية المبادرة التي تقدَّم بها نتنياهو. فبرنامج الحكومة الانكماشي لا يحتمل أيَّ خفض في إيرادات الدولة، إذ أن تراجع المعونات الخارجية سيضعف الأثر المرجو لخفض النفقات على عجز الموازنة. بالإضافة إلى أن عدداً من توجهات الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم (كالتوجه نحو التوسع في الاستيطان مثلاً) يحتاج إلى مصادر تمويلية إضافية. وتؤكد هذه الشكوك أن نتنياهو نفسه عاد وأوضح ـ بعد 3 أيام فقط من خطابه أمام الكونجرس ـ أنه لا يرغب في خفض المعونة الأمريكية خلال العامين الماليين القادمين، موضحاً الفرق بين المساعدات العسكرية التي تعطيها إسرائيل أولوية كبرى، وبين المعونة الاقتصادية التي يمكن خفضها تدريجياً. فالمعونة الاقتصادية تُستخدَم لسداد ديون إسرائيل لدى الولايات المتحدة، كما أن تعديل كرانستون يُلزم الولايات المتحدة بأن تقدِّم الولايات المتحدة معونة اقتصادية سنوية لإسرائيل قيمتها أكبر من إجمالي الديون المستحقة عليها للولايات المتحدة، بالإضافة إلى قدرة إسرائيل على الحصول على مستوى المعونة نفسه بوسائل وأساليب أخرى. وحقيقة السياسة الإسرائيلية تكمن في رفع شعار الاستغناء عن المعونة الأمريكية مع استمرار الحصول عليها سراً، بهدف تخفيف الحرج عن اللوبي الصهيوني عندما يجري نقاش علني حول خفض برنامج المعونة الخارجية الأمريكي، وللإيحاء بأن إسرائيل قوة اقتصادية تعتمد على نفسها اعتماداً تاماً. وعلى أية حال فإن التشكيك في مصداقية مبادرة نتنياهو لخفض المعونة لا ينفي اتجاهاً أمريكياً لخفض المعونات لجميع دول العالم. فالميزانية الأمريكية تعاني من ضغوط متزايدة يرجع جزء أساسي منها إلى أن المعونات الأمريكية لكل من إسرائيل ومصر لم يصبها التخفيض كما أصاب غيرها، الأمر الذي يعني أن اقتراح نتنياهو ـ بغض النظر عن مصداقيته بالنسبة لأوضاع الاقتصاد الإسرائيلي ـ يمثل ضرورة حيوية للميزانية الأمريكية، وهو ما يدعم الآراء القائلة بأن خفض المساعدات الخارجية آت لا محالة بعد انتهاء العامين الماليين القادمين. وهنا تبرُز أهمية القنوات الأخرى ـ بخلاف المعونة الرسمية ـ لتدفُّق رؤوس الأموال على إسرائيل، والتي توفر في الوقت الحالي أكثر قليلاً من نصف المبالغ التي تحصل عليها إسرائيل من الحكومة الأمريكية (ناهيك عما تحصل عليه من تبرعات من جهات غير حكومية) ، والتي يمكن أن تُستخدَم لتعويض أيِّ خفض في المعونة الرسمية. والدلالة التي يمكن استخلاصها هنا بالغة الخطورة، إذ أن الاعتماد الإسرائيلي سيتحول من موارد مؤقتة بطبيعتها ـ نظراً لخضوعها ولو شكلياً للمراجعة الدورية من قبَل المؤسسة المانحة ـ إلى موارد غير ظاهرة وغير خاضعة للمراجعة الدورية، ومن ثم تُعَد من الناحية العملية أكثر ثباتاً، الأمر الذي قد يشير إلى أن الاعتماد الإسرائيلي على المعونة الأمريكية يزداد تجذراً ـ بدلاً من أن ينخفض كما ينادي أنصار التطبيع ـ بحيث ينتقل إلى الاعتماد على موارد دائمة لا مؤقتة، وهو ما يطرح أزمة الاقتصاد الإسرائيلي بشكل أعمق، إذ أن المعونة أصبحت جزءاً من هيكل هذا الاقتصاد. كما أن زيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية يشير إلى فشل الجهود الرامية لتطبيع الاقتصاد الإسرائيلي على المستوى الدولي. فإذا أضفنا إلى ذلك الصعوبات التي تواجه التطبيع محلياً وإقليمياً، فيمكننا أن ندرك عُمْق الأزمة التي يمر بها هذا الاقتصاد، وأن هذه الوظيفية والتبعية ستظل من صفاته البنيوية. الدولة الصهيونية الوظيفية: العجز والعزلة والغربة The Functional Zionist State: Powerlessness, Isolation, and Alienation يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية، خصوصاً تلك التي تضطلع بوظيفة قتالية، بالعزلة عن غالبية أعضاء المجتمعات المضيفة والالتصاق الشديد بالنخبة والعجز الشديد فليست لها قاعدة شعبية، ومن ثم فهي لا تملك إرادة مستقلة. والدولة الصهيونية إعادة إنتاج لهذا النمط ولنبدأ بإشكالية العجز. 1 ـ العجز: أ) الحاجة للدولة الراعية: لابد أن تتبع الجماعة الوظيفية راعياً يحميها ويكفل لها أمنها ومستواها المعيشي المتميِّز نظير أن تقوم هي على خدمته ورعاية مصالحه ضد أعدائه. وقد بدأ هرتزل نشاطه الدبلوماسي المحموم بحثاً عن دولة راعية لمشروعه الصهيوني الخاص بتحويل الفائض البشري اليهودي إلى دولة وظيفية، فتوجَّه إلى سيسل رودس والرئيس تيودور روزفلت وملك إنجلترا وقيصر روسيا وقيصر ألمانيا (بل إلى السلطان العثماني، ظناً منه أن السلطان سيحتاج إلى العنصر اليهودي الاستيطاني القتالي في فلسطين لدعم الإمبراطورية) . وكان هرتزل يتخيل أحياناً أن الدولة الوظيفية ستكون عميلاً لكل دول أوربا، أي للمشروع الاستعماري الغربي ككل، كما تذبذب بعض الوقت بين ألمانيا وإنجلترا، ولكنه أدرك في نهاية الأمر أن الاستعمار الإنجليزي أكثر ثباتاً واستقراراً وأن الإنجليز هم أول من اعترف بضرورة التوسع الاستعماري في العالم الحديث وأن حاجتهم للدولة الوظيفية واضحة. وتم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنطقة الصهيونية بشأن يهود الغرب في إطار هذا التفاهم، إذ تقوم إنجلترا بمقتضاه بنقل المادة البشرية اليهودية وتأسيس دولة يتم توظيفهم من خلالها ليقوموا هم من ناحيتهم بالدفاع عن مصالح الدولة الراعية، فالعلاقة إذن بين الطرفين واضحة نفعية تعاقدية موضوعية واضحة. ورغم توقيع العقد مع إنجلترا، فإن الأمر لم يخل من صراعات وتوترات. وقد ذكرنا من قبل أن هرتزل ظل يتذبذب بين ألمانيا وإنجلترا، وأنه حسم الأمر في النهاية وقرَّر أن يبذل معظم جهوده الدبلوماسية مع إنجلترا (دون أن يحطم جسوره مع أي من الدول الأخرى) . وقد كان مشروع شرق أفريقيا أول ثمار التعاون بين الحركة الصهيونية وإنجلترا. وقد عارض دعاة الاستعمار الألماني، ومعظمهم بطبيعة الحال من الألمان، مشروع شرق أفريقيا، لا لإصرارهم على فلسطين وإنما خشية أن يؤدي نجاح مثل هذا المشروع إلى تحطيم علاقاتهم بالإمبريالية الألمانية. وكان الصهاينة الألمان يحاولون أن يبينوا مدى نفع المادة البشرية اليهودية للمشروع الاستعماري الألماني، فأخبر بودنهايمر وكيل وزارة الخارجية الألمانية: "أن وضع يهود الشرق [شرق أوربا] في موقف العارف بالجميل تجاه الإمبراطورية الألمانية لهو أمر ذو مغزى سياسي أكيد. إن فتح الشرق [أي فلسطين] لليهود قد يصبح وسيلة يمكن عن طريقها تحويل عنصر قادر على التحدث بالألمانية من روسيا وبولندا إلى هذا الاتجاه، بحيث يمكن توظيفه لصالح ألمانيا". وقد بذل الصهاينة الألمان قصارى جهدهم في تجنيد يهود شرق أوربا وراء القوات الألمانية الغازية في الحرب العالمية الأولى. ولكن مجرى الأحداث تغيَّر، وانتصرت الإمبراطورية البريطانية، وتجاهل وايزمان والصهاينة في إنجلترا صهاينة ألمانيا، وحصلوا على وعد بلفور. وظلت إنجلترا، الراعية الأساسية الشاملة للجيب الصهيوني، تُوظِّف الدولة الوظيفية لحسابها ولحساب الحضارة الغربية. وحينما بدأت الولايات المتحدة قيادة التشكيل الاستعماري الغربي، تراجع الدور الإنجليزي وأصبحت الولايات المتحدة راعية الجيب الوظيفي الإسرائيلي ومظلته الواقية. ب) دعم الدولة الراعية للدولة الوظيفية: تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة الوظيفية حتى يمكنها الاستمرار في أداء وظيفتها بكفاءة، تماماً كما كان ملوك وأباطرة أوربا يرعون أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية. وقد تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أن أصبحت الدولة الوظيفية معتمدة تماماً عليها بطريقة لم يسبق لها مثيل. والواقع أن تاريخ تَزايُد هذا الدعم هو أيضاً تاريخ دولة إسرائيل الوظيفية. وقد لاحَظ الصحفي الإسرائيلي ب. سبير اعتماد إسرائيل التام على الهبات الخارجية، فأشار إلى أنه "لا توجد دولة في العالم يتم دفع كل ما ينقصها من عملة صعبة من قبَل مواطني الدول الأخرى"، وأن الإسرائيليين هم "أكبر زبائن المساعدات المجانية في العالم". وقد أدَّت هذه المساعدات إلى اعتماد الدولة الوظيفية على الولايات المتحدة لضمان استمرارها وبقائها إذ أصبح التمويل الخارجي المصدر الأساسي للدخل بالنسبة لأعضاء الدولة الوظيفية، وأصبح دخلهم غير مرتبط بإنتاجيتهم أو عرَق جبينهم أو عملهم وإنما بالدور الإستراتيجي الذي يضطلع به التجمع ككل، وبالدولار الذي يُدفَع له أجراً عن هذا الدور. لكل هذا، يرى خبراء الاقتصاد في بنك إسرائيل، في محاولتهم تقييم الأداء الاقتصادي الإسرائيلي والتنبؤ بمساره الاقتصادي، أن أهم حدث في هذا المجال في السنوات الأخيرة ليس التحولات الاجتماعية وظهور طبقة من المستهلكين تتمتع بالتبرعات المجانية وترتدي جلداً سميكاً من عدم الاكتراث الاجتماعي، وليس انخفاض إنتاجية الإسرائيليين أو ارتفاعها أو حجم الاستيراد أو التصدير، أو الميزان التجاري أو غيرها من المعايير المستخدمة في تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات الأخرى، فأهم حدث هو "زيادة المساعدات الأمريكية إلى إسرائيل [أهم مصادر الدخل الثابت] من حوالي 10% إلى حوالي 20% من الناتج". وعلى كلٍّ، بيَّن سبير أن مصطلحات مثل «العجز التجاري» وخلافه غير ذات موضوع، لأن الإسرائيليين يحصلون من الخارج على تحويلات من جانب واحد "أي على هبات لا حاجة إلى سدادها، كقيمة العجز المتراكم خلال ثلاث سنوات في ميزان مدفوعاتنا". جـ (افتقاد السيادة: هذه المساعدات السخية تضمن للمستوطنين الصهاينة الاستمرار، ولكنها في الوقت نفسه تقوِّض استقلالهم وسيادتهم (تماماً كما كان يحدث مع أعضاء الجماعات الوظيفية الذين كانوا يتمتعون بالدخل المرتفع والمكانة المتميِّزة ولكنهم كانوا يعتمدون اعتماداً كاملاً على الراعي أو الحاكم) . ويساهم التطور السريع الذي تشهده صناعة السلاح وزيادة نفقات التسليح في تَزايُد اعتماد المستوطنين الصهاينة على دولة إمبريالية متقدمة. ولذا، فإن إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة أو صنع القرار تزداد عمقاً (مع أن أحد الأسباب الرئيسية لتأسيس الدولة الصهيونية ـ من منظور الفكر الصهيوني ـ هو حل هذه الإشكالية بين الجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية تخدم الطبقة الحاكمة دون أن تشاركها في صنع القرار) . ويظهر افتقاد السلطة وعدم المشاركة في القرار في الدور غير العادي الذي يلعبه في الوقت الحاضر وزير الخارجية الأمريكي في توجيه السياسة الاقتصادية الإسرائيلية. فهو ـ على حد قول الصحفي الإسرائيلي شموئيل شنيتسر في مقال له بعنوان «كم بقى لنا من الاستقلال» ـ يقوم بتحديد الأهداف وسبل العمل، ويلعب دور المشرف الدائم على تنفيذ التعليمات المكتوبة التي يقوم بنقلها إلى وزراء المالية الإسرائيليين. وقد بيَّن سبير أن تغيير وزراء المالية الإسرائيليين وكَبْح التضخم النقدي، كلها أمور ثانوية بالقياس إلى القرار الأمريكي الخاص بحجم المعونة الأمريكية، فقد اشترت أمريكا بأموالها الحق الأخلاقي في عملية الإشراف التي تقوم بها إذ أن من يقدم الأموال هو صاحب صلاحية الحسم. ويقرر شنيتسر أن السياسات الاجتماعية للمجتمع الصهيوني وعلاقاته الدولية، وكذلك إنفاقه الأمني، كلها أمور أصبحت تقريباً تقع خارج نطاق القرار الإسرائيلي المستقل. فوزير الخارجية الأمريكي يعمل منطلقاً من صالح بلاده لا من واقع الأهداف الصهيونية، وحينما تدفع بلاده الهبات فإنه يريدها أن تُنفَق لأغراض الطيران أي لأغراض القتال، فهو غير معنِّي بالأهداف الصهيونية التي من بينها أن إسرائيل دولة مهاجرين يجب أن تقوم بزيادة خدمات الرفاه لمواطنيها، وهو لا يدرك أن سياسات إسرائيل الاقتصادية لها خصوصيتها الصهيونية الاستيطانية. فالبطالة التي تؤخذ كظاهرة طبيعية في أمريكا ستشجع ظاهرة النزوح من إسرائيل، الأمر الذي يهدد أمنها. ولكن هذه كلها أمور صهيونية لا تعني وزير الخارجية الأمريكية كثيراً. إن الأمر قد وصل في إسرائيل إلى حد أن العقد الاجتماعي هناك قد أصبح مؤسَّساً على حقيقة الهبات الأمريكية الضخمة، فالإسرائيليون لم يَعُد بوسعهم العمل بموجب حاجاتهم وتطلعاتهم الصهيونية. وحينما يتفاوض العمال مع أرباب الصناعات، فإن كل ما يمكن إحرازه من خلال إجراء مفاوضات مع ممثلي العاملين ومع أرباب العمل هو إيجاد أساس من الاتفاق القومي لتنفيذ السياسة التي يمليها وزير الخارجية الأمريكي. ولكن ما نسيه شنيتسر أن وزير الخارجية الأمريكي هو المعادل الأمريكي الحديث لبلفور، وأن العقد الاجتماعي الإسرائيلي الجديد هو امتداد لعقد بلفور القديم وترجمة متعينة له في ظروف الثمانينيات. وأصبح افتقاد إسرائيل لحرية القرار يظهر، وبشكل أكثر وضوحاً، في علاقات إسرائيل الدولية التي لا يمكن تفسيرها أو فهمها إلا من منظور التبعية الإسرائيلية للولايات المتحدة. فقد كانت علاقة الدولة الصهيونية مع جنوب أفريقيا تُسقط شرعيتها أمام الدول الأفريقية التي تشكل مجالاً للانتشار الإسرائيلي في مواجهة الرفض العربي. كما أن علاقاتها مع الدول الفاشية المختلفة التي تضطهد الجماعات اليهودية وغيرها من الأقليات والطبقات (مثل النظام العسكري السابق في الأرجنتين) تُسقط شرعيتها كدولة يهودية تشكل ملجأ ليهود العالم. وكذلك فإن قيامها بتزويد السلفادور بالسلاح يُسقط شرعيتها كدولة ديموقراطية صغيرة تدافع عن مُثُل المساواة والعدالة. وتتدعم الصورة السلبية التي تقوض كل أساطير الشرعية الإسرائيلية الصهيونية حينما تقف إسرائيل إلى جانب كل إجراء سياسي أمريكي في العالم مهما كان متطرفاً ويستحق الانتقاد. لا يمكن تفسير كل ذلك أو فهمه من منظور مصلحة إسرائيل أو رغبتها في البقاء، وإنما يمكن تفسيره وفهمه في إطار دورها الإستراتيجي كدولة وظيفية تخدم مصالح الولايات المتحدة. كما أن ميزانيات إسرائيل العسكرية لا يمكن تفسيرها هي الأخرى إلا في الإطار نفسه. وقد قام سبير بتحليل ما سماه «استهلاك إسرائيل الأمني» مقابل الاستهلاك الفردي، فأشار إلى أن احتياطي رأس مال إسرائيل العسكري (أي إجمالي شبكات الأسلحة والذخيرة والعتاد والأرضية وما شابه) ازداد من 21.5 مليار دولار إلى 54.5 مليار دولار. هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها في إطار احتياجات إسرائيل الأمنية وحدها وإنما يمكن شرحها بالعودة إلى حلقة أوسع؛ فالإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية ـ كما يقول الكاتب الإسرائيلي ـ لا تحددها متطلبات إسرائيل الأمنية الذاتية الحقيقية وإنما تحددها الاحتياجات الأمنية والعسكرية الدولية للمموِّل الموجود في واشنطن ومانهاتن. ولكن الصهاينة باعوا أنفسهم منذ البداية، كما قالت حنه أرنت، واشترت الولايات المتحدة بأموالها الحق الأخلاقي في التحكم في إسرائيل، وهكذا فإن بوسعها أن تتدخل وتُسدي لإسرائيل النصح بشأن أشياء تتعلق بالسيادة القومية. فعلى سبيل المثال، حينما قرَّرت المؤسسة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة أنها لا يمكن أن تسمح لأحد (حتى إسرائيل) بأن يتقاسم معها سوق الطائرات، صدرت الأوامر للدولة الصهيونية بأن تُوقف إنتاج طائرة اللافي، رغم حاجة الاقتصاد الصهيوني لها (للإبقاء على المستوطنين ذوي المؤهلات العالية) . وكان على الدولة أن تخضع. وعلى كلٍّ، لم يكن بمقدور إسرائيل أن تنتج هذه الطائرة بدون دعم المموِّل. كما أن المموِّل الأمريكي كان بإمكانه أن يتدخل ليمنع ترقية ضابط كبير (العقيد أفيعام سيلع) في سلاح الجو الإسرائيلي بسبب دوره في حادثة بولارد. وكان يمكنه أيضاً أن يطلب من عميلته (إسرائيل) أثناء حرب الخليج أن تلزم قواتها ثكناتها (حتى لا تسبِّب له حرجاً أمام حلفائه العرب) وسُمِّي هذا "ضبط النفس". ولا يملك الحارس الذي ارتضى هذا الدور إلا الخضوع والتكيف، فأقصى ما يطمح إليه هو أن ينعم برضى وليّ نعمته وأن يحصل على قسط وافر من أمواله. وقد وصف شلومو ماعوز الطبيعة المذلة للدور الوظيفي المملوكي الذي تلعبه إسرائيل (دون أن يستخدم المصطلح بطبيعة الحال) وضرورة أن يتلوَّن المملوك بطريقة تُرضي المالك، فقال إن واشنطن كانت تفضل بيريز على بيجن (كقائد للمماليك) لأن الأخير لا يزال عنده بقية من التبجح القومي. أما بيريز فمَرن متفاهم يرى أن ذاته القومية ليست على درجة كبيرة من الأهمية، وهو لهذا السبب نفسه لا يشعر بأي حرج في طلب المساعدات. وقد يرفض الأمريكان إعطاءه كل ما يريده في الوقت الحاضر، ولكنهم مع هذا يفهمون جيداً مضمون رسائله. ولعل هذا هو السرّ في عودة رابين وبيريز إلى الحكم حين حان وقت المفاوضات. والعلاقة بين المالك والمملوك ليست دائماً علاقة منسجمة فقد يشوبها أحياناً شيء من التوتر. فالمملوك قد يزمجر أحياناً من ثقل المهام الموكلة إليه. وكثيراً ما يضنّ المالك على المملوك، ولكنه مع هذا يريد مزيداً من القتال، وأحياناً تمارس الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لتخفض مستوى معيشتها. فتحتج إسرائيل كما جاء على لسان ماعوز الذي قال إن مثل هذا الخفض سيضعف أداء الدولة الصهيونية. فعبء ميزانية الدفاع الذي يثقل كاهل الإسرائيليين ـ حتى مع المساعدة الأمريكية ـ هو أكبر عبء في العالم. وفي هذا ظلم وأيُّ ظلم، إذ أن المملوك لا يمكنه أن يستمر في أداء دوره القتالي بكفاءة إلا بعد أن ينال مالاً كافياً. ولكن المستوطنين الصهاينة، الذين تركوا بلادهم وأممهم ليحققوا الهوية المستقلة، كما عرَّفها الصهاينة، والذين يطمحون إلى أن يصبح اليهود متحكمين في مصيرهم لأول مرة منذ سقوط الهيكل الثاني، ويرون أنهم قادرين على وضع نهاية لعجز اليهود وعدم مشاركتهم في السلطة أو صنع القرار، هؤلاء المستوطنون الصهاينة تكمن مشكلتهم في أنهم حبيسو دورهم المملوكي الوظيفي الاستيطاني ولا يملكون منه فكاكاً. فعجزهم الاقتصادي يتزايد على مر الأيام، وبالتالي، يزداد اعتمادهم على الهبات الحكومية الأمريكية. وقد أصبح حجم هذه المساعدات من الضخامة بحيث تتضاءل بجواره المساعدات التي يرسلها يهود العالم. وبالتالي، يتناقص استقلالهم "اليهودي" المزعوم ويتآكل تَحكُّمهم في مصيرهم ويزداد تورُّطهم ويتعمق مأزقهم إلى أن وصل بهم الأمر إلى حد أنهم لم يبق لهم من السيادة القومية سوى رموزها اليهودية الصارخة، دون أيِّ مضمون حقيقي، حتى أصبحوا مرة أخرى مثل الجماعات اليهودية الوظيفية (مثل يهود الأرندا ومثل أقنان البلاط بل مثل كبار المرابين وصغارهم) أداة استغلال تابعة لصانع القرار (غير اليهودي) لا تشارك البتة في صنع القرار نفسه، الأمر الذي يطرح مشكلة عدم المشاركة في السلطة مرة أخرى وبحدة. بل إن الأمور قد ازدادت سوءاً عن ذي قبل، إذ أن المجتمع الإسرائيلي لم يصبح فقط مجتمعاً تابعاً لا يشارك في صنع القرار وإنما أصبح متسولاً. وقد استخدم سبير صورة الشحاذ المجازية عدة مرات في مقاله ليصف المجتمع الإسرائيلي على أنه "مجتمع يمدُّ يده لاستجداء الكرماء"؛ مجتمعاً "يأكل وجبات مجانية" وتعتمد قائمة طعامه على الزيت الذي يقطر من الخارج. وقد استخدم شنيتسر الصورة المجازية نفسها عندما تحدَّث عن المجتمع الإسرائيلي باعتباره مجتمعاً يعتمد على مائدة الولايات المتحدة، كما قال عنه زيفا ياريف إنه "مجتمع يُنفِّذ بكل خضوع رغبة من يقدِّم له الخبز". لقد أصبح المماليك الاستيطانية، إذن، شنورير (متسولين) يعيشون على الحالوقة (أي الصدقة ( ولكن إذا كان المتسول التقليدي يمدُّ يده في إطار ديني، يعد المتصدقين بالثواب وجنات النعيم، فإن الشحاذ الإسرائيلي سميك الجلد كل همه أن يستهلك المساعدات ويأخذ دون خجل ودون أن تعلو خدوده أية حمرة. وهو لن يحرم نفسه من المأكل والملذات ما دام هناك شخص آخر يقوم بتسديد الحساب، إنه يأخذ بكلتا يديه من صحن المساعدات، وبدلاً من أن يطلب للمحسن جنات النعيم، فإنه يَعد بإطلاق ألسنة الجحيم على المجتمعات المستهدفة. والمجتمع الإسرائيلي ليس شحاذاً وحسب، وإنما هو مجتمع يشبه الطفل الذي يرضع المليارات من الدولارات، وهو يشبه المدمن أيضاً فهو يستسلم للمعونات كمن يستسلم للمخدر. وكل هذه الصور المجازية (التي وردت في كتابات إسرائيلية) تنطوي على عنصر فقدان الإرادة وانعدام القوة والتحوسل. وقيام الولايات المتحدة بتمويل الدولة الوظيفية بشكل مكثف هو الذي يجعل هذه الجماهير تخضع في نهاية الأمر لدورها المملوكي الاستيطاني القتالي، فحينما تتدفق الأموال تبهت كل الصراعات الاجتماعية والطبقية والإثنية (وقد تتفكك وتختفي) ، خصوصاً أن الدولة الوظيفية الصهيونية لا تقودها طبقة مستغلة أجنبية أو محلية وإنما نخبة حاكمة ليس لها مصالح طبقية مستقلة. وهي تدير المجتمع من خلال جهاز الدولة الذي يتكون من مجموعة من المؤسسات الجماعية مثل الهستدروت والكيبوتس والوكالة اليهودية، وبالتالي فإنها تقوم بتوزيع العائد المالي للوظيفة القتالية (الدعم الإمبريالي) على كل المستوطنين بكل طبقاتهم بشكل قد لا يتسم بالمساواة الكاملة، ولكنه، مع هذا، يكفل الحفاظ على الأمن الاجتماعي الداخلي وعلى استمرار جماهير الدولة الوظيفية في قبول الاستمرار في وظيفتهم، القتال في سبيل المال. وقد لخص شنيتسر الموقف بقوله إن العلاقة مع الولايات المتحدة تشبه "المصيدة التي لا يمكن التخلص منها"، أي لا مفر ولا اختيار (إين بريرا) . ولكن العلاقة بين الغرب (ممثلاً في الولايات المتحدة) والدولة الوظيفية (إسرائيل) علاقة تعاقدية "فلا يوجد عطاء دون أخذ" على حد قول سبير. والدولة الوظيفية الصهيونية، كما يعرف الاستعمار وكما يعرف المماليك الاستيطانية، لا أهمية لها في حد ذاتها ولا قيمة، فهي تكتسب قيمتها (أو نفعها) من خلال الدور الذي تلعبه أو الوظيفة التي تؤديها. والمستوطنون، أي العنصر البشري الذي تم توظيفه، يعرفون تماماً أن الهبات ستستمر في التدفق إن اضطلعت دولتهم الوظيفية بالدور الذي أُسِّست من أجله. د) الاستقلال النسبي للدولة الوظيفية: ورغم هذا الاعتماد الكلي على الدولة الراعية، تتمتع الدولة الوظيفية الصهيونية بقدر من الاستقلال النسبي، وقد يبدو هذا لأول وهلة وكأنه تناقض. ولكن التناقض سيختفي تماماً إن تَذكَّرنا أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يشكل جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الاستعمار الغربي وإنما هو مجرد آلة في يد الغرب. ومن المُلاحَظ أن كل الدول والجيوب الاستيطانية تعتمد على إحدى الدول الغربية، في المراحل الأولية من تطوُّرها. ويُحدِّد مدى هذا الاعتماد ومدته والشكل الذي يأخذه، مجموعة من الظروف التاريخية والسياسية. فبعض الجيوب الاستيطانية مثل أنجولا والجزائر تظل منفتحة تماماً على الوطن الأم، وتحتفظ بروابط قوية بل وعضوية معه، وتستمد إحساسها بهويتها منه، ولذا فإن كل ما يقرره الوطن الأم يكون بمنزلة القانون الذي يجب أن يُنفَّذ. ذلك لأن الجيب الاستيطاني، في هذه الحالة، مهما بلغ من قوة واستقلالية، لا يعدو أن يكون جزءاً عضوياً من الوطن المستعمر. وإذا تعارضت المصالح بين الوطن والجيب الاستيطاني، لسبب أو آخر، وثبت أن الأخير مُكلِّف ومُعوِّق، فإنه يتم تصفيته ويتم إعادة المستوطنين إلى أرضهم الأصلية التي نزحوا عنها، ويتم حسم الصراع لصالح الدولة الأم. ومن ناحية أخرى، توجد بعض الجيوب الاستيطانية التي تحصل على درجة من الحكم الذاتي والاستقلال النسبي عن الدولة الغربية التي ترعاها. ويستولي المستوطنون، إن عاجلاً أو آجلاً، على السلطة، ويقيمون دولة خاصة بهم، مقصورة عليهم، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة ودولة جنوب أفريقيا العنصرية. وكان المخطط الصهيوني يهدف إلى أن تكون الدولة الصهيونية الوظيفية من النمط المستقل. وحين سأل الاستعماري البريطاني سير سيسل روديس الزعيم الصهيوني وايزمان عن سبب اعتراضه على وجود سيطرة فرنسية محضة على الدولة الصهيونية، رد الأخير قائلاً: إن الفرنسيين ليسوا كالإنجليز، إذ أنهم يتدخلون دائماً في شئون السكان (أي المستوطنين) ويحاولون أن يفرضوا عليهم الروح الفرنسية. وقد قام الصهاينة بطرد الفلسطينيين فعلاً، وأنشأوا دولتهم الصهيونية المستقلة. ولكن التطورات التاريخية أظهرت أن الجيب الصهيوني لا يندرج تحت أي نوع من أنواع الاستيطان المألوفة، فهو يعتمد على قوة غربية عظمى اعتماداً كاملاً، ولكنه في الوقت نفسه يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال، ومثل هذا الوضع الشاذ يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل خاصة بالصهيونية وحدها. فالمستوطنون الصهاينة لم ينشأوا في دولة أوربية واحدة يدينون لها وحدها بالولاء، وتقدم هي لهم بدورها الحماية أو المأوى في حالة تصفية الجيب الاستيطاني. فالصهاينة، على عكس سكان المستوطنات الآخرين، ليس لهم وطن أم، وإنما لهم زوجة أب فحسب (إن أردنا استخدام الصورة المجازية نفسها) مستعدة للتعاون معهم ولكن في حدود. فالعلاقة بين المستوطنين الصهاينة والدولة الغربية التي ترعاهم تستند إلى المصلحة المشتركة، فهي علاقة تعاقدية نفعية وليست نتاج روابط حضارية عميقة أو عضوية. ولذا، فإن الجيب الصهيوني لا يتمتع بالحماية الدائمة من جانب دولة واحدة وإنما يتمتع بالحماية المؤقتة من جانب عدد من الدول (الواحدة تلو الأخرى) . ولعل هذا يُفسِّر سبب انتقال القيادة الصهيونية من مركز جذب إلى آخر. ولكن، وبسبب هذا الوضع نفسه، حقق الجيب الاستيطاني قدراً كبيراً من الاستقلال يفوق كثيراً درجة الاستقلال التي تتمتع بها الجيوب الأخرى. هذا الإيقاع المركب من الجذب والتنافر، من الحكم الذاتي والاعتماد المذل، ومن التحالف مع الدولة الحامية والصراع معها، هو الذي ميَّز العلاقات الصهيونية الغربية منذ البداية. وقد حاول كل جانب أن يستغل الآخر، وأن يحدِّد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساساً. فالصهاينة لم يتمكنوا من اكتساب موطئ قدم في الأرض الفلسطينية إلا من خلال وعد بلفور والانتداب البريطاني وبصفة خاصة مؤسساته السياسية والعسكرية الذي فتح بوابات فلسطين على مصراعيها أمام الهجرة اليهودية. ولم يشدد المستوطنون الصهاينة قبضتهم على الأرض، ولم يتزايد عددهم، إلا بعد تعاونهم الكامل مع حكومة الانتداب. وعندما زادت المقاومة العربية في فلسطين، عام 1930 وبعده، قامت بريطانيا بحماية الصهاينة بشكل علني وسري. وقد وصف بن جوريون موقف حكومة الانتداب والحكومة البريطانية أثناء هذه الفترة العصيبة بأنه أكبر نجاح سياسي منذ صدور وعد بلفور. وقد بيَّن أحد مراسلي هآرتس، في مقال له عن التوازن العسكري في فلسطين، أن قوة الصهاينة بعد ثورة عام 1936 كانت تستند إلى التأييد القوي الذي تلقوه من جانب الحكومة والجيش البريطاني في فلسطين، وهو الأمر الذي أدَّى في نهاية الأمر إلى الانتصار الصهيوني عام 1948، أي أن الراعي الإمبريالي لعب دوره كاملاً تجاه الجماعة الوظيفية الاستيطانية حتى تحولت إلى دولة وظيفية استيطانية. ولكن العلاقة بين الاستعمار البريطاني والجيش الوظيفي الاستيطاني ساءت تحت ضغط عوامل جديدة في الموقف من بينها الضغوط التي مارستها الحكومات العربية الصديقة على الحكومة البريطانية، وتَصاعُد المقاومة الفلسطينية، إلى جانب زيادة المخاوف البريطانية من احتمال تَغلغُل عملاء الجستابو بين صفوف المهاجرين اليهود. وقد ساد الاعتقاد في ذلك الحين (وتأكد فيما بعد) بأن النازين مدوا يد العون للهجرة الصهيونية (الهجرة غير الشرعية) ، وأنهم قرَّروا استغلالها كوسيلة لخلق مشاكل للبريطانيين في الشرق الأوسط (ومن الشائع أن تغيِّر الجماعة الوظيفية من ولائها من راع إلى آخر، فالحامية اليهودية في جزيرة إلفنتاين مثلاً كانت جماعة وظيفية قتالية زرعها فراعنة مصر هناك، ولكنها غيَّرت ولاءها مع الغزو الفارسي وأصبحت موالية للغزاة الفرس ضد المصريين) . وهذه العوامل الجديدة أدَّت إلى خلق التناقض بين الجماعة الصهيونية الاستيطانية الوظيفية وحكومة الانتداب، ومن ثم أصدرت الحكومة البريطانية عدداً من القوانين والكتب البيضاء التي تُظهر تَفهُّماً لمطالب العرب، وتم إحياء بعض المفاهيم الأساسية الشاملة ـ التي طالما تجاهلها البريطانيون ـ مثل الطاقة الاستيعابية لفلسطين. وقد كان التناقض بين الحكومة البريطانية والجيب الصهيوني يأخذ أشكالاً حادة ومتطرفة أحياناً كما ظهر في حالة نسف فندق الملك داود. بيد أن الصراع بين الطرفين تم احتواؤه، وقد حاول جابوتنسكي أن يبرر مناهضته المزعومة لبريطانيا (في خطاب أرسله إلى ليوبولد إمري عام 1935) فأكد أنه، على الرغم من النقد الذي يوجِّهه إلى بريطانيا، لا يزال يُكّن لها الولاء والامتنان، وطالما ظل وعد بلفور قائماً، فهو يؤيد إنجلترا سواء أكانت على صواب أم كانت على خطأ. وكان بن جوريون مستعداً لأن يُقسم، حتى أثناء الفترة التي توترت فيها العلاقات بين إنجلترا والجيب الصهيوني، أن دولة اليهود الوظيفية في فلسطين ستقوم بحماية المصالح البريطانية. وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، عادت العلاقات مع بريطانيا إلى سابق عهدها، وأصدرت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية الإعلان الثلاثي لضمان إسرائيل. وقد وصل التعاون مع الإمبريالية الغربية، وخصوصاً بريطانيا، إلى ذروة جديدة مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولكن هذه العلاقات الطيبة لم تَدْم طويلاً؛ ففرنسا، في عهد ديجول على نحو الخصوص، اتخذت موقفاً أقل ممالأة لإسرائيل عن ذي قبل، وتبعتها إنجلترا وإن كان ذلك بدرجة أقل. ويُعقِّد الموقف تَمتُّع يهود العالم بدرجة من الاستقلال النسبي وإن كانوا يشكلون في الوقت نفسه جزءاً من كيان أكبر يخضعون لقوانينه وتوجيهاته. فالأمريكيون اليهود يمدون إسرائيل بالمساعدات المالية والسياسية بحماس شديد، ولكن مثل هذه المساندة ستستمر ما دامت هناك مصالح مشتركة أساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويلعب الصهاينة التوطينيون دوراً مزدوجاً، فهم يقومون بالضغط على الولايات المتحدة لتحصل إسرائيل على درجة من الحرية والاستقلال أكثر من أية دولة أخرى تابعة، ولكن هؤلاء التوطينيين كثيراً ما يجدون أنفسهم مضطرين في مرحلة ما (وهنا تكمن سخرية الموقف) إلى أن يمارسوا الضغط على إسرائيل عندما تقرر الولايات المتحدة أنه ينبغي على إسرائيل أن تغيِّر سياستها بطريقة تتمشى مع المصالح الدولية الأمريكية. إن تاريخ الصهيونية مليء بالتوترات، ليس بين الصهيونية ويهود العالم فحسب ولكن بين الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كذلك. ومهما يكن الأمر، فإن علاقة الشد والجذب تُبيِّن مدى تعاقدية العلاقة ونفعيتها وموضوعيتها ومدى تَحوسُل الدولة الوظيفية التي يُنظَر لها بشكل محايد نفعي كدور يُلعَب ووظيفة تُؤدَّى. 2 ـ العزلة والغربة: العزلة هي سبب ونتيجة في آن واحد لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أن المُرتزق المقاتل الذي يُنكِّل بالجماهير ويُستخدَم أداةً لقمعها لابد أن يكون معزولاً عنها. ويجب هنا تأكيد أن عزلته ليست أمراً عرضياً يمكن للعنصر القتالي تَجاوُزه بعد مرحلة زمنية معيَّنة، وإنما هي جزء جوهري وعضوي لا يتجزأ من وظيفته، فالمرتزق لا يمكنه أداء وظيفته على أكمل وجه إن لم يكن معزولاً عن الجماهير التي يقوم بالتنكيل بها، إذ أن الدخول في علاقة إنسانية مع أعضاء المجتمع تجعل قيام عضو الجماعة الوظيفية القتالية بذبحهم عسيراً، فالإنسان لا يذبح في غالب الأحيان إلا الغريب المباح، أما القريب (الذي يقع داخل دائرة القداسة) فمن الصعب قتله. ولذا، فقد حرصت الطبقات الحاكمة دائماً على أن تكون العناصر القتالية (وخصوصاً التي تُستخدَم في المواقع الأمنية) عناصر مستوردة من خارج المجتمع، ضعيفة الانتماء له، هويتها مرتبطة بالوطن الأصلي الذي جاءوا منه وأرض الميعاد التي سيعودون إليها أو الجماعة الوظيفية الغريبة التي ينتمون إليها، فهي الوطن الوحيد الذي يعرفونه والكيان الذي يدينون له (ولراعيه) بالولاء. والتميز الإثني لأعضاء الجماعة الوظيفية يفرض عليها عزلة لا يمكنها الفكاك منها، إذ تصبح هذه الإثنية التي هي مصدر عزلتها، هي نفسها مصدر هويتها وكينونتها وأساس وظيفتها وسرّ كفاءتها وضمان استمرارها وبقائها. ولذا، كانت الطبقات الحاكمة تصر على أن يحتفظ العنصر القتالي الوافد بهويته الإثنية الخالصة، حتى تظل آليات العزلة والغربة ومقومات الكفاءة القتالية كامنة في أعضاء الجماعة الوظيفية، ومن هنا كان استيراد المماليك ضرورياً، ومن هنا أيضاً كان أبناؤهم، ممن وُلدوا في مصر ونشأوا فيها، لا يُجندون في صفوف النخبة العسكرية التي ينتمي إليها آباؤهم. هذا هو سبب العزلة. ولكن عضو الجماعة الوظيفية يصبح محط كراهية الجماهير فتزداد عزلته عنها ويزداد التصاقاً بالطبقة الحاكمة، واعتماداً عليها (لدعمه وحمايته وبقائه واستمراره) ومن ثم تتصاعد شراسته تجاه الجماهير. ولهذا، كان نقل العنصر البشري اليهودي من الغرب إلى فلسطين محتماً ليتم توظيفه داخل الدولة الوظيفية الصهيونية، ومن هنا إصرار الدولة الراعية التي قامت بحوسلة اليهود، وكذلك الزعماء الصهاينة، على الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية، فهذه الخاصية هي ضمان عزلتها، كما أن عزلتها هي ضمان ولائها للغرب وشراستها تجاه العرب. وقد تم إنجاز ذلك أساساً من خلال الفكرة المحورية في الحضارة الغربية (وفي التراث الحلولي اليهودي) ، فكرة اليهود كشعب عضوي منبوذ، فهو شعب عضوي يرتبط عضوياً بأرض فلسطين، ولذا فهو يخرج من أوربا. ولكن، كيف يمكن توظيف هذا الشعب في خدمة الحضارة الغربية؟ سنجد أن هذا الشعب الذي طردته أوربا سيتحول بعد وصوله إلى فلسطين إلى شعب غربي يدور في إطار الحضارة الغربية ويرفع لواءها ويدافع عن مصالحها. ولا يجد الصهاينة والمستعمرون أية غضاضة في استخدام كل من الديباجة اليهودية (الحلولية العضوية) الخالصة والديباجة الغربية. فالأولى مناسبة للصهاينة الإثنيين (العلمانيين والدينيين) والثانية مناسبة للعواصم الغربية والصهاينة التوطينيين والعلمانيين الذين لا تهمهم الإثنية. فالمستوطنون الصهاينة هم يهود خُلَّص، يُوطَّنون في فلسطين حيث سيؤسسون دولة هي حصن للهوية اليهودية ضد الاندماج في الأغيار. ولكنهم هم أيضاً، في الوقت نفسه، حصن للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية. ويحّل المؤرخ الإسرائيلي تالمون المشكلة بأن يقرِّر أن ما يُسمَّى «الحضارة اليهودية» جزء من التشكيل الحضاري الغربي. وهذا الإحساس بالانتماء للغرب أو للحضارة اليهودية أو للحضارة اليهودية الغربية، يجعل وجود إسرائيل في الشرق الأوسط مسألة عرضية غير مرتبطة بجذورها الحضارية وإنما بوظيفتها القتالية. فجذور المستوطنين الصهاينة تضرب في الغرب (وطنهم الأصلي) وفي الحضارة اليهودية، أما وظيفتهم فهي الدفاع عن الغرب في الشرق. فالمُستوطَن الصهيوني يوجد في الشرق العربي ولكنه ليس منه، شأنه في هذا شأن أية جماعة قتالية استيطانية. وهذا الإحساس يُذكِّر اليهودي بأنه منقول من مكان لآخر، وأنه ينتمي إلى حضارة أخرى، وأن دولته هي دولة الشتتل المشتولة. وقد تحوَّلت الدولة الصهيونية بالفعل إلى دولة جيتو أو شتتل تحاول الحفاظ على هويتها اليهودية أي عزلتها الكاملة؛ سكانها من اليهود الملحدين ذوي الديباجات الليبرالية أو الإثنية العلمانية أو من اليهود الملتحين المؤمنين ذوي الديباجات الإثنية الدينية. ويتحدث الجميع العبرية ويصرون على انتمائهم الغربي أو اليهودي في الصحراء العربية، فهم حصن (جيتو) للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية (أي الجماهير المستغَلة) . ولا يهم في هذا المضمار إن كانت الدولة الوظيفية دولة تحافظ على قداسة حائط المبكى أم أنها هي نفسها تقف حائطاً منيعاً أمام زحف الهمجية الشرقية، فما يهم أن تظل هذه الدولة معزولة منبوذة. ومن هذا المنظور، يمكننا أن نرى العلاقة العضوية بين إحلالية الاستعمار الصهيوني وعزلته السكانية من جهة، ووظيفته القتالية الإستراتيجية من جهة أخرى. فالدولة الوظيفية الصهيونية لم يكن أمامها مفر من أن تطرد العنصر العربي وتُحلّ محله العنصر اليهودي، ذلك أن وجود العنصر العربي (المحلى) داخل القاعدة الغربية كان من الممكن أن يُولِّد حركيات وتناقضات اجتماعية تُضعف مقدرته القتالية وقد تعدِّل مساره، بل قد تحوِّله إلى مجرد دولة أخرى قد تدخل التحالف الغربي وقد تخرج منه. أما الدولة اليهودية (الغربية) الخالصة، فهي بمعزل عن مثل هذه التوترات والديناميات، الأمر الذي يضمن استمرارها في أداء وظيفتها. وقبل أن ننتقل إلى النقطة التالية قد يكون من المفيد ذكر العناصر التالية المرتبطة تماماً بالعزلة الوظيفية: 1 ـ لم تكن الجماعات اليهودية الوظيفية المالية جزءاً من البناء الاجتماعي، ولذا فإنها لم تساهم في بناء الرأسمالية الرشيدة إذ ظلت رأسماليتها رأسمالية منبوذة تماماً مثل الجماعة الوظيفية. وهذا أيضاً هو البناء الاقتصادي للدولة الصهيونية، فهي غير مرتبطة بالاقتصاد القومي الجديد الذي يظهر في الشرق العربي لارتباطها بالاقتصاد الغربي الذي تدور في إطاره. كما أنها تعتمد اعتماداً اقتصادياً كاملاً على المعونات التي تتلقاها من العالم الغربي. ومن هنا محاولة إنشاء السوق الشرق أوسطية بديلاً عن السوق العربية المشتركة. 2 ـ وقد كان المرابي اليهودي لا يستغل الفلاحين فحسب، وإنما كان يهدد الأساس المادي لوجودهم أيضاً، إذ كان ينزع ملكية الفلاحين بعد دورة الإقراض الطويلة. والاستعمار الصهيوني في علاقته بالفلسطينيين، بدأ أولاً بنزع ملكيتهم وتحطيم مجتمعهم والأشكال الإنتاجية التي يستندون إليها، ثم أخذ في استغلالهم بعد عام 1967 باعتبارهم عمالة رخيصة متنقلة، أي أنه يستغلهم دون استيعابهم ودون الدخول معهم في علاقة اقتصادية متكاملة. كما أن الدولة الصهيونية دولة حديثة، ومع هذا فإنها لا تساهم في عملية التحديث، وهي دولة صناعية تُوقف التصنيع (في الضفة الغربية) ، ودولة متقدمة تقف ضد التقدم، ودولة منتجة لا ترى نفسها داخل إطار من التكامل الاقتصادي بل تحاول وقفه. وعلى أية حال، فإن هذا هو الهدف من غرسها في المنطقة، تماماً كما كانت النخب الحاكمة في الغرب تستخدم أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية المالية في ضرب البورجوازيات المحلية. 3 ـ إحساس أعضاء التجمع الصهيوني بعدم الأمن (الذي يشبه إحساس أعضاء الجماعات الوظيفية المالية) هو ما يزيد تماسكهم الداخلي وتَقبُّلهم لقيادتهم التي تقوم بدور الوسيط بينهم وبين الممول الإمبريالي والتي تقوم بتوزيع الغنائم. الدولة الصهيونية الوظيفية: بعض السمات الأخرى The Functional Zionist State: Some Other Traits توجد أربعة سمات أخرى تتسم بها كل من الجماعة الوظيفية والدولة الوظيفية نوجزها فيما يلي: 1 ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية الوهمية: تتسم الجماعة الوظيفية (نظراً لرؤيتها الحلولية الكمونية) بانفصالها عن الزمان والمكان. وهذا ما حدث للدولة الوظيفية الصهيونية، فهي ترى نفسها في الشرق الأوسط ولكنها ليست منه، وفلسطين، هذا المكان الذي يقطنه الفلسطينيون، يتجرد من مكانيته المتعيِّنة ليصبح مفهوماً تلمودياً أي إرتس يسرائيل، أي أنها تنفصل عن حركيات تاريخ المسلمين والعرب والمنطقة، وتصبح تعبيراً عن تاريخ يهودي عالمي. ولذا فالدولة الصهيونية الوظيفية تُنكر التاريخ العربي بل تنكر تواريخ الجماعات اليهودية، فكما أن فلسطين تتحول إلى أرض ويتحول الفلسطينيون إلى لا شعب (فهي أرض بلا شعب) ، يتحول اليهود أيضاً إلى شعب، يعيش في اللامكان فهو شعب بلا أرض! هذه الدولة الصهيونية تُصر على يهوديتها، وعلى عزلتها كدولة يهودية، فهذه اليهودية هي أساس وظيفيتها، وحلوليتها هي أساس إحلاليتها. ولكن من المعروف أن الدولة الصهيونية ليس لها هوية يهودية، وإنما لها عدة هويات متداخلة مُستمدة من المجتمعات التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية قبل استقرارهم في فلسطين. كما أن هذه الدولة خاضعة لعملية أمركة واسعة وعلى جميع المستويات، باعتبارها دولة تابعة تعيش في الشرق؛ واحة للديموقراطية الغربية! ونظراً لارتباط الهوية بالوظيفة، فهي تُغيِّر الهوية مع تَغيُّر الوظيفة. ولذا فنحن نتوقع أن تخفض الدولة الصهيونية لونها اليهودي قليلاً، حتى تستطيع أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في إطار السلم الذي فرضه النظام العالمي الجديد على المنطقة. كما أن الحركة الصهيونية التي تصر على الهوية اليهودية هي نفسها التي تدعو إلى تطبيع اليهود ليصبحوا شعباً مثل كل الشعوب، وإلى دَمْج الدولة الصهيونية في المجتمع الدولي لتصبح مثل كل الدول. 2 ـ ازدواج المعايير والحكم بمقياسين (الأنا المقدَّس ضد الآخر المباح: ( تتبنى الجماعة الوظيفية معايير مزدوجة في الحكم على الذات وعلى الآخر. وتتضح هذه السمة بشكل جلي في الفكر الصهيوني في الفصل الحاد بين اليهود وغير اليهود، وفي بنية قوانين الدولة الصهيونية وفي نظرية الحقوق الصهيونية. فالفكر الصهيوني يُعطي اليهود الحقوق كافة مثل حق العودة إلى وطن يزعمون أنهم تركوه من آلاف السنين. وفي الوقت نفسه، فإنه ينكر الحق نفسه على الفلسطينيين الذين تركوا الوطن نفسه منذ بضع سنوات ويقفون على بواباته يريدون دخوله، ويقاتلون من أجله. وتعرض الدولة الصهيونية دفع تعويضات "للاجئين" الفلسطينيين لتوطينهم خارج فلسطين، في الوقت الذي تدفع فيه رشاوي للمهاجرين اليهود حتى يستوطنوا في فلسطين. كما يتضح ازدواج المعايير في موقف الإعلام الصهيوني، فحينما تقوم الطائرات الإسرائيلية بتدمير مخيمات الفلسطينيين وتقتل المئات، فإن هذا الإعلام قد لا يذكر هذه الواقعة، وإن ذكرها فإن ذلك يتم بطريقة إحصائية محايدة (عدد القتلى ومكان الحادث ونسبة التخريب) ، أما إن قُتل جندي أو مُستوطَن إسرائيلي، فإن هذا الإعلام نفسه يولول ويذكر اسم القتيل ومكان قتله والأثر الذي أحدثه قتله في أهله ... إلخ، وذلك باعتبار أن الفلسطيني مباح أما الإسرائيلي فمقدَّس وقتله حرام. 3 ـ الحركية: يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية بالحركية والمقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر ومن راع لآخر. ولعله لا يمكن القول بأن دولة ما تتمتع بحركية عالية. ومع هذا، فيمكننا الإشارة إلى أن التجمع الصهيوني هو تجمُّع مهاجرين ونازحين وجماعة بشرية تم نقلها، وأن بنيته السكانية لم تستقر بعد بين الهجرة والنزوح. كما أن كثيراً من العمليات التي تقوم بها هذه الدولة مثل توريد السلاح للنظم الدكتاتورية العسكرية في أمريكا اللاتينية أو عمليات التجسس والإرهاب تتسم بهذه الحركية. وهى دولة لا يهمها القانون الدولى ولا النظام الدولى. ومقدرة الدولة الصهيونية على تغيير وظيفتها أو لونها ينم عن هذه الحركية. فالحركة الصهيونية اتجهت إلى كل القوى الاستعمارية للبحث عن راع: إنجلترا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا ـ إيطاليا. واقترحت عدة مواقع لإنشاء الدولة الصهيونية: شبه جزيرة سيناء ـ منطقة العريش ـ جزء من قبرص ـ ليبيا ـ شرق أفريقيا ـ فلسطين. ولعل تشبيه إسرائيل بأنها حاملة طائرات هو تشبيه دقيق يبلور هذه الصفة الحركية في الدولة الوظيفية. وتظهر هذه الحركية نفسها في استعداد الدول الصهيونية لتغيير دورها كي تلبي احتياجات الدولة الراعية. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الدولة الوظيفية اليهودية تدرك أن دورها الإستراتيجي القتالي قد أصبح تقريباً غير ذي موضوع بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وظهور النظام العالمي الجديد وبعد أن اهتز دورها القتالي التقليدي في حرب الخليج حيث طُلب منها ألا تحارب وأن تمارس ما يُسمَّى «ضبط النفس» حتى لا تسبب مشكلة لقوى التحالف. ولذا، بدأت الدولة الوظيفية الصهيونية في تغيير نفسها حتى يمكنها الاضطلاع بوظيفتها الجديدة وهي التصدي للإسلام والمسلمين، ولذا فإننا نجد أنها تخفف من ديباجاتها اليهودية ليظهر وجهها العلماني المستنير، وبذلك يمكنها التحالف مع البورجوازيات العربية العلمانية التي تم تغريبها ضد القوى الشعبية الإسلامية. 4 ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية (: تؤمن الجماعات الوظيفية برؤية حلولية عضوية ثنائية صلبة تُقسِّم العالم إلى الأنا المقدَّس (عضو الجماعة الوظيفية) ضد الآخر المباح (عضو مجتمع الأغلبية) . ويرتبط بهذا إحساس مزدوج بالحرية الكاملة والحتمية الكاملة. والدولة الصهيونية الوظيفية تسيطر عليها رؤية حلولية عضوية مماثلة لرؤية الجماعة الوظيفية للكون فقد حَوَّلت الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها إلى المطلق اليهودي الأكبر (موضع الحلول الإلهي) الذي ينبغي على اليهود أن يلتفوا حوله، بل يضحوا بأنفسهم من أجله. وقد بدأ كثير من اليهود يظنون أن الدولة اليهودية هي المعبد الأكبر وأن رئيس وزرائها هو الحاخام الأكبر وأنها العجل الذهبي الذي يعبدونه من دون الإله (تمركز حول الذات) . ويظهر مركب الشعب المختار في الخطاب الصهيوني الإثني الديني، خصوصاً في الصهيونية العضوية الحلولية، ولكنه يظهر أيضاً في الخطاب العمالي بدرجات أقل وضوحاً. والدولة الصهيونية الوظيفية وصفها بن جوريون بأنها نور الأمم، مشعل القيم الأخلاقية والحضارية، لأنها تعبير عن إرادة الشعب اليهودي، هذا الشعب الذي يتسم بالتماسك العضوي نتيجة كونه موضع الحلول الإلهي. ويظهر الاستقطاب في الإحساس بالحرية المفرطة والحتمية المطلقة، فسكان المُستوطَن الصهيوني يشعرون بحريتهم المفرطة فجيشهم يعربد داخل وخارج لبنان، وسلاحهم الجوي يطير من المحيط إلى الخليج، وهم يستولون على الأرض التي يشعرون أنها لهم. ولكنهم في الوقت نفسه يسيطر عليهم إحساس عميق بالجبرية إذ يشعرون بأنه قد حكم عليهم بالدخول في الحرب المرة تلو الأخرى. ويصل هذا الإيمان بالقضاء والقدر والمصير المحتوم إلى ذروته في أسطورة شمشون وماساده الانتحارية حيث يموت اليهود على مذبح الدولة الوظيفية المقدَّسة ويدرك الجميع أن لا اختيار: إين بريرا. الدولة المملوكية The Mamluke State في محاولتنا تصنيف الدولة الصهيونية الوظيفية وتعريف هويتها، استخدمنا مصطلح «الدولة المملوكية» ، وهو في تصوُّرنا مصطلح له قيمة تفسيرية تصنيفية عالية على المستويين التاريخي والبنيوي. أما من الناحية التاريخية، فقد أشرنا من قبل إلى أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية من يهود الأرندا في أوكرانيا (وغيرهم من أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية) باعتبارهم «مماليك مالية» ، وقد بيَّنا نقط التشابه التي دعتنا إلى استخدام المصطلح. ونحن نذهب إلى أن كل ما أنجزه المشروع الصهيوني هو تجنيد المماليك المالية ثم نقلهم بمعونة الدول الغربية إلى الشرق العربي حيث تحولوا إلى مماليك قتالية داخل إطار الدولة الوظيفية. وأصبحت الوظيفة المالية إما ثانوية أو غير مباشرة، فهي دولة وظيفية قتالية يمكن أن نسميها «دولة مملوكية» . ويمكننا أن نجد جوانب مملوكية عديدة للدولة الصهيونية، فعسكرة المجتمع الصهيوني ليست إلا تعبير عن هذه الظاهرة. كما أن الأموال الطائلة التي تصب فيه تعبير آخر عن الظاهرة نفسها، والإسرائيليون يعرفون جيداً أن هذه الأموال تُدفَع لهم لا حباً في التراث اليهودي أو لاهتمام العالم الغربي بهم (وهو العالم الذي نبذهم على أية حال) وإنما نظراً لاضطلاعهم بوظيفة محددة. وعزلة التجمُّع الصهيوني عن المنطقة العربية، وعلاقة العداء بينه وبين كل المجتمعات المحيطة به، وإحساسه بالغربة وإصراره عليها في الوقت نفسه، ومركب الشعب المختار، وتَميُّع البناء الاجتماعي والطبقي في المُستوطَن الصهيوني، كل هذه السمات تجمع بين الدولة الصهيونية والجماعات الوظيفية ومنها المماليك. بل إن طريقة التنشئة في الكيبوتس، هذه المؤسسة الزراعية العسكرية، هي الطريقة الحديثة لتنشئة المماليك الاستيطانية، وهي الطريقة المبتكرة لتحويل الفائض البشري اليهودي إلى مادة قتالية مملوكية نافعة. فالتنشئة في الكيبوتس تستبعد الملكية الفردية والحياة الخاصة وتتسم في بعض جوانبها بالتقشف، كما أن لها أبعاداً وأهدافاً عسكرية واضحة. ولكن أعضاء الكيبوتسات، مع هذا، يتمتعون بمستوى معيشي مرتفع بل ومترف، يفوق كثيراً مستوى بقية السكان، وهم كذلك على مستوى ثقافي رفيع. كما أن الكيبوتسات تُعَد من أهم مؤسسات الضغط التي تشارك في صنع القرار السياسي، بل تتحكم في بعض جوانبه. وهذا المزج بين الجماعية والعسكرية من جهة، والترف والثقافة من جهة أخرى، يُذكِّرنا ولا شك بالساموراي، فالكلمة تعني «الخادم» وتعني أيضاً «البوشي» أو «المحارب الأرستقراطي» . وقد كان المماليك أيضاً خدماً ولكنهم كانوا كذلك حكاماً وصناع قرار. وكان المملوك يتمتع بثروته أثناء حياته ولكنها كانت تُصادَر بعد موته. ولكن طبيعة الكيبوتس المملوكية تخبئها ديباجات حديثة بحيث تُفسَّر الجماعية الكيبوتسية على أنها اشتراكية، وإدارة الأرض الفلسطينية المسروقة على أنها شكل من أشكال الديموقراطية المتطرفة. وقد تحدث أحد أعضاء الكنيست عما سماه عام «الخصب اليهودي» وطالب النساء الإسرائيليات بزيادة الإنجاب في هذا العام. وقد وصفت بعض النساء الإسرائيليات هذا التصريح بأنه محاولة لتحويلهن إلى «آلة الإنجاب اليهودي» ، فهي محاولة لحوسلتهم ليصبحن آلة حديثة لولادة المزيد من المقاتلين للمحافظة على الدور المملوكي (السلعة الأساسية الشاملة وأهم مصادر الدخل بعد أن نضب معين الفائض البشري) . ويمكن القول بأن هناك شيئاً من التجاوز فيما قمنا به حين قارنا علاقة التجمع الصهيوني بالمجتمعات العربية المجاورة له بعلاقة المماليك بالمجتمعات نفسها ووحدنا بينهما. وقد يكون تشبيه يهود الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط بيهود الأرندا في أوكرانيا فيه شيء من عدم الدقة. ولكن التطابق الكامل تكرار لا يوجد إلا في عالم الرياضة والهندسة والسحر. أما في عالم الإنسان، فأبعاد أية ظاهرة اجتماعية تاريخية متعددة ومركبة، وبعضها غير معروف إلا بصفة تقريبية وحسب، وتختلف الظواهر نفسها باختلاف الزمان والمكان. ولذا فإننا نقنع، في تصنيفنا للظواهر الإنسانية، بالبحث عن بعض مواطن التماثل الجوهرية ولا نطمح فيها إلى التطابق الكامل إلا إذا كنا ماديين، نرى الواقع البشري كذرات وأرقام. والمصطلح الذي صغناه، رغم كل هذه التحفظات، يصف في كثير من الدقة طبيعة علاقة التجمُّع الصهيوني بكل من الإمبريالية (مصدر المال) والدول العربية المجاورة (موضع القتال) ، بل يُفسِّر لنا طبيعة علاقته مع نفسه وسر إصراره على هويته المزعومة وانتمائه الغربي وعزلته الدائمة. ومن الحقائق التاريخية التي تدعو إلى شيء من التأمل، لطرافتها إن لم يكن أيضاً لدلالتها، أنه مثلما حاول الفرنجة أن ينشئوا تحالفاً مع المغول لسحق العالم العربي الإسلامي، كانت هناك محاولة لعقد اتفاق بين الجماعة الوظيفية القتالية التي حكمت مصر والشام (أي المماليك) والجماعة اليهودية الوظيفية المالية في أوربا. فبين عامي 1771 و1773، حينما كانت روسيا متحالفة مع المملوك علي بك الكبير، والي مصر الذي تمرَّد على الدولة العثمانية، حاول بعض ضباط الأسطول الروسي، الذي كان راسياً في ليجورن، أن يدعموا حكمه عن طريق تأسيس دولة يهودية في القدس تابعة له متحالفة معه، أي دولة صهيونية مملوكية من الناحية البنيوية والفعلية. وهكذا كان من الممكن أن يقوم الحليفان، المماليك العسكرية في مصر والمماليك اليهودية المالية الغربية، بالقضاء على النفوذ العثماني في المنطقة تحت رعاية روسيا القيصرية، التي كانت تغازل آنذاك فكرة أن يكون لها مشروع استعماري في الشرق الأوسط! إن هذه واقعة تاريخية طريفة ودالة، ومع هذا فإننا لا نؤسس وجهة نظرنا مستخدمين هذه الواقعة كأحد الدلائل أو الشواهد، إذ أن أطروحتنا تَصدُر عن نموذج تفسيري أساسي هو الجماعة الوظيفية المالية أو القتالية والاستيطانية ولَّدنا منه أو استنبطنا منه العلاقة بين دور الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية من جهة ودور المماليك في الشرق العربي من جهة أخرى، ومن ثم تحدثنا عن الدور المملوكي لكل من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية. |
المعجم الفلسفي (بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية)
|
في الفرنسية/ fonctionnelle Psychologie
في الانكليزية/ Psychology Functional علم النفس الوظيفي هو العلم الذي يدرس الظواهر النفسية من جهة تعلقها بالمجموع النفسي، أو بالكل المؤلف من البدن والبيئة، بحيث تكون كل ظاهرة من هذه الظواهر استجابة لحاجة من الحاجات، وبحيث تؤدي هذه الاستجابات المختلفة إلىتحقيق التكيف بين الكائن الحي وبيئته. وعلم النفس الوظيفي مختلف عن علم النفس البنيوي ( Psychologie structurale) الذي يقتصر فيه على تحليل الأفاعيل النفسية للكشف عن العناصر الداخلة في تركيبها. |
|
في الفرنسية/ Fonction
في الانكليزية/ Function في اللاتينية/ Functio 1 - الوظيفة في اللغة ما يقدر من عمل أو طعام أو رزق أو غير ذلك في زمن معين، وتطلق ايضا على العهد والشرط. 2 - والوظيفة عند الفلاسفة هي العمل الخاص الذي يقوم به الشيء أو الفرد في مجموعة مرتبطة الاجزاء ومتضامنة، كوظيفة الزافرة في فن البناء، ووظيفة الكبد في علم الفيسيولوجيا، ووظيفة التخيّل في علم النفس، ووظيفة النقد في علم الاقتصاد، ووظيفة المعلم في الدولة. 3 - وتطلق الوظيفة في علم الحياة على مجموع الخواص الضرورية لبقاء الكائن الحي، كوظائف التغذي، ووظائف الحركة، ووظائف التوليد. 4 - وتطلق في علم النفس على جملة من الاسباب والعمليات الموجهة إلىهدف واحد. كوظائف الادراك والانفعال، والتخيل، الخ. 5 - وتطلق في علم الاجتماع على الاعمال، أو المهن، أو الخدمات الضرورية لحفظ بقاء المجتمع، ولهذه الوظائف الاجتماعية قسمان، وهما: الوظائف الخاصة التي يمارسها الافراد بانفسهم، والوظائف العامة التي تمارسها الدولة. كوظائف الأمن، والدفاع، والقضاء، وغيرها. 6 - والوظيفي ( Fonctionnel) هو المنسوب إلىالوظيفة، تقول: علم النفس الوظيفي، وهو الذي يبحث في العمليات الذهنية من جهة ما هي وسائل لغايات معينة، والتربية الوظيفية هي التي تجعل ممارسة الوظيفة ضرورية لتنميتها. 7 - والوظيفية (- Fonctionnalis me) احدى نظريات علم الجمال وهي القول ان جمال الأثر الفني يرجع إلىمنفعته. |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
- بكسر الظاء- لغة: ما يقدر من عمل، أو طعام، أو رزق وغير ذلك، والجمع: الوظائف.
واصطلاحا: قال القونوى: هي ما يقدر للإنسان في كل يوم من طعام أو رزق. - وعرّفها على حيدر: بأنها الراتب المخصص الذي يعطى من غلة الوقف، فما أعطى شهريّا سمى «حاكمية»، وما أعطى سنويّا سمى «عطاء». - وخراج الوظيفة: هو الضريبة المقدرة على الأرض مطلقا. «المصباح المنير (وظف) ص 255، ومعجم المصطلحات الاقتصادية ص 351». - وخراج الوظيفة: هو الضريبة المقدرة على الأرض مطلقا. «المصباح المنير (وظف) ص 255، ومعجم المصطلحات الاقتصادية ص 351». |