نتائج البحث عن (بُطْلاَنٌ) 16 نتيجة

البطلان:[في الانكليزية] Lie ،Falsehood [ في الفرنسية] Mensonge ،faussete بالضم وسكون الطاء المهملة خلاف الحق كذا في الصراح وسيجيء مفصلا. وعند الفقهاء من الحنفية هو كون الفعل بحيث لا يوصل إلى المقصود الدنيوي أصلا، وذلك الفعل يسمّى باطلا. ولذا قالوا الباطل ما لا يكون مشروعا بأصله ولا بوصفه. وعند الشافعية أعمّ من ذلك لأنه يشتمل الفساد أيضا، فإنّهم يسمّون ما ليس بصحيح باطلا ويقولون بترادف الباطل والفاسد.ويجيء كل ذلك مستوفى في لفظ الصحة ولفظ الفساد. والباطل عند الصوفية عبارة عما سوى الحق كما في كشف اللغات وغيره.
بطلان الهضم:[في الانكليزية] Indigestion [ في الفرنسية] Indigestion عندهم هو أن لا يستمرئ الطعام في المعدة أصلا.

بُطْلَانه أظهر من أَن يخفى

دستور العلماء للأحمد نكري

بُطْلَانه أظهر من أَن يخفى: مَشْهُور فِي كَلَامهم والاعتراض فِيهِ أشهر.تَقْرِيره أَنه لَا بُد من اشْتِرَاك الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ فِي أصل الْفِعْل فَيلْزم أَن يكون الْخَفي ظَاهر أَو هَذَا غير ظَاهر كَمَا لَا يخفى. وَالْجَوَاب أَن الْمَعْنى أَن بُطْلَانه أظهر من مَفْهُوم الخفاء الظَّاهِر على كل وَاحِد أَو بُطْلَانه أظهر من كل مخفي فَلَا خَفَاء فِي بُطْلَانه من وَجه وَإِلَّا لَكَانَ أظهر من نَفسه. وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء أَن كلمة (من) فِي قَوْلهم أظهر من أَن يخفى وَأكْثر من أَن يُحْصى مُتَعَلق بالتباعد المضمن وَالْمَقْصُود أَنه أظهر بِحَيْثُ لَا يطرؤه الخفاء وَأكْثر بِحَيْثُ لَا يضبطه الإحصاء.
الْبطلَان: فِي الْعِبَادَات عدم سُقُوط الْقَضَاء بِالْفِعْلِ وَفِي عُقُود الْمُعَامَلَات تخلف الْأَحْكَام عَنْهَا وخروجها عَن كَونهَا أسبابا مفيدة للْأَحْكَام على مُقَابلَة الصِّحَّة.
  • البطلان
البُطلان: عند الحنفية هو كون الفعل بحيث لا يُوصل إلى المقصود الدنيوي ويسمى ذلك الفعلُ باطلاً، والبطلان في العبادة: عدمُ سقوط القضاء بالفعل، وفي المعاملات: تخلُّف الأحكام عنها وخروجُها عن كونها مفيدةً على مقابلة الصحة.

بيان الاستدلال، على بطلان مجتلي السباق والنضال

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

بيان الاستدلال، على بطلان مجتلي السباق والنضال
لشمس الدين: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية الحنبلي.
المتوفى: سنة 751، إحدى وخمسين وسبعمائة.

‫عقيدة النصارى - بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫إن دعوى الصلب والفداء مناقضة في الحقيقة للشرع والعقل، فمما يبين ذلك ويدل على بطلان دعواهم- إضافة لما سبق- أن يقال لهم:‬
‫1 - إن آدم عليه السلام الذي يزعمون أن الصلب والفداء كان لأجل خطيئته قد تاب من خطيئته بقوله عزَّ وجلَّ: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:122. وقد قبل الله توبته. كما أنه عوقب عليه السلام بإخراجه من الجنة وتأثر أبناؤه بالعقوبة، وإن لم يكونوا مقصودين بها.‬
‫كما أورد اليهود في كتابهم أن الله قال لآدم: (لأنك يوم تأكل من الشجرة موتا تموت) سفر التكوين (2/ 17). وقد وقع هذا لآدم بعد الأكل من الشجرة بإخراجه وزوجته من الجنة إلى الأرض ثم موتهم فيها، فقد عوقبا بذلك، كما ينص اليهود على إخراجهما من الجنة إلى الأرض التي فيها الكد والتعب. فمن أين أتى النصارى بفرية خطيئة آدم، وأحيوها هذا الإحياء، وألبسوها هذا اللبوس؟!!!‬
‫2 - إن ما وقع من آدم عليه السلام هو أكله من الشجرة بإغواء الشيطان له، وهذا ذنب منه في حقِّ الله عزَّ وجلَّ الذي نهاه عن الأكل منها، فالذنب بهذا لم يكن يلزم للتكفير عنه أن ينزل الرب جل وعلا ليصلب على الصليب، بعد أن يُهان ويُذل من أجل أن يرضي نفسه، بل الأمر يكفي فيه قبول التوبة ومغفرة الذنب فقط، وهذا الذي وقع كما نص على ذلك القرآن الكريم.‬
‫3 - أن ما وقع من آدم عليه السلام يعتبر يسيرا بالنسبة لما فعله كثير من أبنائه من سب الله عزَّ وجلَّ والاستهزاء به، وعبادة غيره جلَّ وعلا، والإفساد في الأرض بالقتل، ونشر الفساد والفتن، وقتل أنبيائه ومحاربة أوليائه إلى غير ذلك، فهذه أعظم بكثير من خطيئة آدم عليه السلام. فعلى كلام النصارى أن الله لابد أن ينزل كل وقت ليصلب حتى يجمع بين عدله ورحمته في زعمهم.‬
‫4 - إن صلب المسيح الذي هو الله في زعمهم- تعالى الله عن قولهم- قد تمَّ بلا فائدة تذكر، فإن خطيئة آدم ليست على بال بنيه ولا تقض مضاجعهم إنما ما يقلق الإنسان ويخيفه ذنوبه وجرائمه، وهذه لا تدخل في كفارة المسيح في زعمهم.‬
‫5 - إن الأنبياء السابقين ليس فيهم من ذكر خطيئة آدم، وسأل الله أن يغفرها له، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى.‬
‫6 - إن الأنبياء السابقين والدعاة والصالحين قبل المسيح بناء على كلامهم هذا, كانوا يدعون إلى ضلالة، وقد أخطؤوا الطريق إذ لم يرشدوا الناس إلى حقيقة تلك الخطيئة، ويوعوهم بخطورتها، كما يفهمها النصارى.‬
‫7 - إن الأنبياء السابقين وعباد الله الصالحين كلهم هالكون إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة؛ لأنه لا يتم تكفيرها إلا عن طريق المسيح المصلوب في زعم النصارى.‬
‫8 - إن بين آدم وعيسى عليهما السلام زمناً طويلاً، فمعنى ذلك أن الله بقي متحيراً كل هذه المدة إلى أن اهتدى إلى الوسيلة التي يعقد المصالحة فيها بين الناس ونفسه.‬
‫9 - إن الخطيئة وقعت من آدم عليه السلام فلا تنتقل إلى أبنائه، ولا يستحقون هم العقوبة عليها؛ لأنه لا أحد يعاقب بذنب غيره، بل هذا ينافي قواعد العدل، وقد نصَّ الله عزَّ وجلَّ على هذا في القرآن الكريم بقوله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:38. وكذلك ورد في التوراة (لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل). سفر التثنية (24/ 16).‬
‫10 - هل من العدل أن يعاقب غير المذنب؟ والمسيح في زعم النصارى ابن الله، فهو ليس من جنس بني آدم، فكيف يعاقب بدلاً عن آدم وذريته ودعواهم أنه تقمص الجسد البشري لا يزيل هذه الحقيقة؛ لأنه ليس من جنس البشر حسب كلامهم.‬

‫11 - أن المسيح في زعم النصارى ابن الله، فأين الرحمة التي جعلت الله في زعمهم يشفق على عبيده وخلقه، ويترك ابنه للعذاب والبلاء والإهانة واللعن والموتة الشنيعة؟!‬
‫12 - في زعم النصارى أن المسيح هو ابن الله وهو الله، وأن المصلوب المهان الملعون- تعالى الله عن قولهم، وتقدَّس- هو الله جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه، فهل يوجد كفر أعظم من هذا، وافتراء على الله أكبر من هذا؟ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:139.‬
‫13 - هل يليق أو يعقل أن ينزل الله جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه من عليائه وعرشه، ويسمح لأبغض أعدائه إليه اليهود قتلة الأنبياء، والرومان الوثنين أن يهينوه ويعذبوه ويصلبوه؟ ثم هو يفعل هذا؟ لماذا؟ لأجل أن يرضي نفسه؟ لأجل من؟ من أجل عبيده؟‬
‫هذا مما لا يمكن أن يقال ويقبل بحال من الأحوال، بل يجب أن يستعاذ بالله من الشيطان الرجيم عند مرور مثل هذا الخاطر والوسواس، ويقال: سبحانك هذا بهتان عظيم!‬
‫14 - حسب عقيدة الفداء لدى النصارى يكون أعظم الناس برًّا وفضلاً على النصارى والبشرية عموماً اليهود والرومان والواشي بالمسيح؛ لأنهم الذين تحقق على أيديهم في زعم النصارى الهدف الأسمى الذي جاء من أجله المسيح، وهو الموت على الصليب.‬
‫15 - إن جميع تحركات المسيح ودعوته وفق اعتقاد النصارى في الصلب والفداء لم تكن إلا تمثيلاً أحسن المسيح أداء الدور فيه، مما جعل اليهود يغضبون عليه، فيعلقونه على الصليب.‬
‫16 - بناء على دعوى النصارى في أن المسيح فدى البشر بدمه، فمعنى ذلك أنه لا حاجة إلى الإيمان به واعتقاد صلبه وألوهيته وما إلى ذلك؛ لأن الخطيئة قد ارتفعت عن جميع البشر ببذله نفسه، مثل من كان عليه دين فجاء أحد من الناس فقضى ذلك الدين عنه، فالمطالبة تسقط عنه بمجرد القضاء، وهذا ما لا يقول به النصارى مخالفين في ذلك دليل العقل.‬
‫17 - إن دعوى النصارى بأن الصلب وقع على الجسد البشري الذي حمل الخطيئة، وأن هذا الجسد مات. دعوى تنقضها وتبطلها قصة قيامة المسيح عندهم، فلو كان تجسد لأجل تحمل الخطيئة، فالواجب أن يفني ذلك الجسد بعد حلول العقوبة عليه.‬
‫18 - إن دعوى أن المسيح قام من قبره ولمسوه وتأكدوا منه، ثم ارتفع إلى السماء تنقض دعوى أنه ابن الله وأنه تجسد بالصورة البشرية؛ لأن الدور الذي تجسد من أجله قد أدَّاه وانتهى، ثم إن الجسد البشري لا حاجة إليه حيث يذهب المسيح في زعمهم عن يمين أبيه، وهذا من أوضح القضايا لو كانوا يعقلون.‬
‫بعد هذا كله من حق الإنسان أن يتساءل: هل النصارى على درجة كبيرة من الذكاء والخبث الشيطاني الذي جعلهم يُغلِّفون بغضهم لله عزَّ وجلَّ، وبغضهم للمسيح عليه السلام بهذه الدعاوى الكاذبة التي يظهرونها، ويُصرون على التمسك بها بدون أدنى دليل عقلي أو شرعي، زاعمين أنهم يعبرون بذلك عن شدة حبهم لله عزَّ وجلَّ وشدة حبهم للمسيح أيضاً؟!‬
‫أم أنهم على درجة شديدة من الغباء والحمق الغالي الذي جعلهم لا يميزون بين ما هو ثناء وحب حقيقي، وبين ما هو طعن وسخرية وبغض وأحقاد تنفث على الله عزَّ وجلَّ وعلى نبيه المسيح عليه السلام؟‬
‫وصدق الله القائل: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8.‬
‫وفي ختام الكلام على هذه العقيدة الباطلة لابد من الإشارة إلى أن الديانة النصرانية كلها تقوم على مسألة الصلب، وأن الدعوة إلى النصرانية تقوم عليها، إذ ليس في النصرانية أي عامل جذب يمكن أن يجذب الناس إليها، وليس فيها ما يمكن أن يتحدث فيه، ويقدم للناس سوى هذه القضية التي يركزون عليها تركيزاً شديداً، وهي مسألة: الصلب والفداء، وذلك بإيحائهم للناس أنهم هالكون مردودة عليهم أعمالهم مغضوب عليهم منذ ولادتهم وقبل أن يولدوا، مما يجعل الإنسان الجاهل بحقيقة الأمر يحس بثقل عظيم على كاهله من تلك الرزية والخطيئة التي لم يكن له دور فيها، ثم إنهم بعد أن يوقعوا الإنسان فريسة الشعور بالذنب والخطيئة، وتأنيب الضمير، والخوف من الهلكة، يفتحون له باب الرجاء بالمسيح المصلوب، فيزينون له ذلك العمل العظيم الذي قام به المسيح لأجل الناس، ويدعونه إلى الإيمان به، فإذا كان ممن لم يتنور عقله بنور الهداية الربانية ونور الإسلام يجد أن هذه هي الفرصة العظيمة التي يتخلص بها، وما علم المسكين أن الأمر كله دعوى كاذبة وخطة خبيثة للإيقاع به وأمثاله.‬
‫¤ دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية لسعود بن عبد العزيز الخلف – ص 327‬

التَّعْرِيفُ:
1 - الْبُطْلاَنُ لُغَةً: الضَّيَاعُ وَالْخُسْرَانُ، أَوْ سُقُوطُ الْحُكْمِ. يُقَال: بَطَل الشَّيْءُ يَبْطُل بَطَلاً وَبُطْلاَنًا بِمَعْنَى: ذَهَبَ ضَيَاعًا وَخُسْرَانًا، أَوْ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْحُبُوطُ. (1)
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ.
فَفِي الْعِبَادَاتِ: الْبُطْلاَنُ: عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعِبَادَةِ حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ. كَمَا لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ. (2)
وَالْبُطْلاَنُ فِي الْمُعَامَلاَتِ يَخْتَلِفُ فِيهَا تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ تَقَعَ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ، وَيَنْشَأُ عَنِ الْبُطْلاَنِ تَخَلُّفُ الأَْحْكَامِ كُلِّهَا عَنِ التَّصَرُّفَاتِ، وَخُرُوجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَسْبَابًا مُفِيدَةً لِتِلْكَ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَبُطْلاَنُ الْمُعَامَلَةِ لاَ يُوَصِّل إِلَى الْمَقْصُودِ الدُّنْيَوِيِّ أَصْلاً؛
__________
(1) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (بطل) ، والتلويح على التوضيح 1 / 215.
(2) جمع الجوامع 1 / 105، ودستور العلماء 1 / 251، وكشف الأسرار 1 / 258.

لأَِنَّ آثَارَهَا لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. (1)
وَتَعْرِيفُ الْبُطْلاَنِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ تَعْرِيفُ الْفَسَادِ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ: أَنْ تَقَعَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ أَوْ بِهِمَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَسَادُ:
2 - الْفَسَادُ: مُرَادِفٌ لِلْبُطْلاَنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فَكُلٌّ مِنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْل الَّذِي يُخَالِفُ وُقُوعُهُ الشَّرْعَ، وَلاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الآْثَارُ، وَلاَ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي بَعْضِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يَأْتِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ، كَالْحَجِّ وَالْعَارِيَّةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ (2) وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَالْفَسَادُ يُبَايِنُ الْبُطْلاَنَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعَامَلاَتِ، فَالْبُطْلاَنُ عِنْدَهُمْ: مُخَالَفَةُ الْفِعْل لِلشَّرْعِ لِخَلَلٍ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَوْ شَرْطٍ
__________
(1) كشف الأسرار 1 / 258، 259 والمستصفى للغزالي 2 / 25، والأسنوي على البيضاوي1 / 58، والبدخشي 1 / 57، والتلويح على التوضيح2 / 123، وكشاف اصطلاحات الفنون 1 / 148 ودرر الحكام الكتاب الأول ص94 مادة: 110، وحاشية ابن عابدين 2 / 97 ومنح الجليل 2 / 550، وجمع الجوامع1 / 105.
(2) جمع الجوامع 1 / 105، والمنثور في القواعد للزركشي 3 / 7، وأشباه السيوطي ص 312، والقواعد والفوائد الأصولية ص 110.

مِنْ شَرَائِطِ انْعِقَادِهِ.
أَمَّا الْفَسَادُ فَهُوَ: مُخَالَفَةُ الْفِعْل لِلشَّرْعِ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ، وَلَوْ مَعَ مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ فِي أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِ انْعِقَادِهِ. (1)

ب - الصِّحَّةُ:
3 - الصِّحَّةُ فِي اللُّغَةِ. بِمَعْنَى: السَّلاَمَةِ فَالصَّحِيحُ ضِدُّ الْمَرِيضِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: وُقُوعُ الْفِعْل مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ بِاسْتِجْمَاعِ الأَْرْكَانِ وَالشُّرُوطِ. وَأَثَرُهُ فِي الْمُعَامَلاَتِ: تَرَتُّبُ ثَمَرَةِ التَّصَرُّفِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ، كَحِل الاِنْتِفَاعِ فِي الْبَيْعِ، وَالاِسْتِمْتَاعِ فِي النِّكَاحِ.
وَأَثَرُهُ فِي الْعِبَادَاتِ هُوَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ بِفِعْل الْعِبَادَةِ. (2)

ج - الاِنْعِقَادُ:
4 - الاِنْعِقَادُ: يَشْمَل الصِّحَّةَ، وَيَشْمَل الْفَسَادَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَهُوَ ارْتِبَاطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ شَرْعًا. أَوْ هُوَ: تَعَلُّقُ كُلٍّ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول بِالآْخَرِ
__________
(1) التلويح على التوضيح 2 / 132، ودرر الحكام 1 / 93 م 108، والأحكام للآمدي 1 / 67 - 68، وكشف الأسرار 1 / 258، والبدخشي 1 / 57 - 58، وجمع الجوامع 1 / 100 - 101.
(2) التلويح على التوضيح 1 / 93، 219، 2 / 123، وكشف الأسرار 1 / 259، 270، 271، وابن عابدين 2 / 97، 5 / 273، وشرح المجلة للأتاسي ص 74، والذخيرة ص 62، وإعلام الموقعين 3 / 110 - 111.

عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي مُتَعَلَّقِهِمَا.
فَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ مُنْعَقِدٌ بِأَصْلِهِ، وَلَكِنَّهُ فَاسِدٌ بِوَصْفِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَالاِنْعِقَادُ ضِدُّ الْبُطْلاَنِ. (1)

عَدَمُ التَّلاَزُمِ بَيْنَ بُطْلاَنِ التَّصَرُّفِ فِي الدُّنْيَا وَبُطْلاَنِ أَثَرِهِ فِي الآْخِرَةِ:
5 - لاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ أَوْ بُطْلاَنِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ بُطْلاَنِ أَثَرِهِ فِي الآْخِرَةِ، فَقَدْ يَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ فِي الدُّنْيَا، لاِسْتِكْمَالِهِ الأَْرْكَانَ وَالشُّرُوطَ الْمَطْلُوبَةَ شَرْعًا، لَكِنِ اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ مَا يُبْطِل ثَمَرَتَهُ فِي الآْخِرَةِ، فَلاَ يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ، بَل قَدْ يَلْزَمُهُ الإِْثْمُ، وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ (2) وَقَدْ يَصِحُّ الْعَمَل وَيَسْتَحِقُّ عَامِلُهُ الثَّوَابَ، وَلَكِنْ يُتْبِعُهُ صَاحِبُهُ عَمَلاً يُبْطِلُهُ، فَالْمَنُّ وَالأَْذَى يُبْطِل أَجْرَ
__________
(1) التلويح على التوضيح 2 / 123، ودرر الحكام 1 / 92 م 104، وفتح القدير 5 / 456 ط دار إحياء التراث، وحاشية ابن عابدين 4 / 7، والمنثور في القواعد 2 / 303.
(2) حديث: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. . . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 9 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1515 - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

الصَّدَقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى} (1) وَقَال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} . (2)
6 - وَيُوَضِّحُ الشَّاطِبِيُّ ذَلِكَ فَيَقُول: (3) يُرَادُ بِالْبُطْلاَنِ إِطْلاَقَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَل عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا نَقُول فِي الْعِبَادَاتِ: إِنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ وَلاَ مُبَرِّئَةٍ لِلذِّمَّةِ وَلاَ مُسْقِطَةٍ لِلْقَضَاءِ، فَهِيَ بَاطِلَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا قَصَدَ الشَّارِعُ فِيهَا. وَقَدْ تَكُونُ بَاطِلَةً لِخَلَلٍ فِي بَعْضِ أَرْكَانِهَا أَوْ شُرُوطِهَا، كَكَوْنِهَا نَاقِصَةً رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً.
وَنَقُول أَيْضًا فِي الْعَادَاتِ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ، بِمَعْنَى عَدَمِ حُصُول فَوَائِدِهَا بِهَا شَرْعًا، مِنْ حُصُول إِمْلاَكٍ وَاسْتِبَاحَةِ فُرُوجٍ وَانْتِفَاعٍ بِالْمَطْلُوبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِالْبُطْلاَنِ عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَل عَلَيْهِ فِي الآْخِرَةِ، وَهُوَ الثَّوَابُ. فَتَكُونُ الْعِبَادَةُ بَاطِلَةً بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا جَزَاءٌ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مُطَابِقَةٍ لِمُقْتَضَى الأَْمْرِ بِهَا،
__________
(1) سورة البقرة / 64 م.
(2) سورة محمد / 33.
(3) الموافقات للشاطبي 1 / 292، والمنح 1 / 89.

كَالْمُتَعَبِّدِ رِئَاءَ النَّاسِ، فَهِيَ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ (1) وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ، وَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ أَيْضًا، كَالْمُتَصَدِّقِ بِالصَّدَقَةِ يُتْبِعُهَا بِالْمَنِّ وَالأَْذَى، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} . (2)

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلإِْقْدَامِ عَلَى تَصَرُّفٍ بَاطِلٍ مَعَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ:
7 - الإِْقْدَامُ عَلَى فِعْلٍ بَاطِلٍ - مَعَ الْعِلْمِ بِبُطْلاَنِهِ - حَرَامٌ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهُ؛ لاِرْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ بِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوعَ؛ لأَِنَّ الْبُطْلاَنَ وَصْفٌ لِلْفِعْل الَّذِي يَقَعُ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ بِدُونِ طَهَارَةٍ، وَالأَْكْل فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَمْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلاَتِ، كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ، وَكَالاِسْتِئْجَارِ عَلَى النَّوْحِ، وَكَرَهْنِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ، وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ، أَمْ كَانَ فِي النِّكَاحِ،
__________
(1) عدم إجزاء العبادة لأجل الرياء أمر مختلف فيه، ففي ابن عابدين 5 / 273، أن من صلى رياء وسمعة تجوز صلاته في الحكم (الدنيوي) لوجود الشرائط والأركان، ولكن لا يستحق الثواب، قال الفقيه أبو الليث في النوازل: قال بعض مشايخنا: الرياء لا يدخل في شيء من الفرائض،
و (2) سورة البقرة / 264.

كَنِكَاحِ الأُْمِّ وَالْبِنْتِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَل الْفَاسِدَ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ بَعْضَ الأَْحْكَامِ - كَإِفَادَتِهِ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ مَثَلاً - إِلاَّ أَنَّ الإِْقْدَامَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَيَجِبُ فَسْخُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى دَفْعًا لِلْفَسَادِ؛ لأَِنَّ فِعْلَهُ مَعْصِيَةٌ، فَعَلَى الْعَاقِدِ التَّوْبَةُ مِنْهُ بِفَسْخِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُكْمِ الإِْقْدَامِ عَلَى التَّصَرُّفِ الْبَاطِل حَالَةُ الضَّرُورَةِ، كَالْمُضْطَرِّ يَشْتَرِي الْمَيْتَةَ. (1)
هَذَا فِيمَنْ يُقْدِمُ عَلَى الْبَاطِل مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلاَنِهِ.

8 - وَأَمَّا الإِْقْدَامُ عَلَى التَّصَرُّفِ الْبَاطِل مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ، فَهَذَا يَشْمَل النَّاسِيَ وَالْجَاهِل. وَالأَْصْل بِالنِّسْبَةِ لِلْجَاهِل: (2) أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، فَمَنْ بَاعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ فِي
__________
(1) جمع الجوامع 1 / 105، 106، 107، والتلويح على التوضيح 1 / 216 - 221، والموافقات للشاطبي 2 / 333 - 337، وابن عابدين 4 / 5، 99، وبدائع الصنائع 5 / 300، 301، 305، 4 / 190، والمستصفى للغزالي 2 / 25 - 30، وكشف الأسرار 1 / 257 - 261، وروضة الناظر ص 113 ومغني المحتاج 2 / 30، ونهاية المحتاج 3 / 429، والمنثور في القواعد للزركشي 1 / 352 - 355، وأشباه السيوطي ص 312، والمغني 5 / 550، ومنتهى الإرادات 2 / 232، وجواهر الإكليل 2 / 78، 145، والدسوقي 3 / 54.
(2) الفروق للقرافي 2 / 148 الفرق 93، والذخيرة 1 / 133.

الْبَيْعِ، وَمَنْ آجَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ فِي الإِْجَارَةِ، وَمَنْ صَلَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصَّلاَةِ، وَهَكَذَا فِي كُل مَا يُرِيدُ الإِْقْدَامَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (1) فَلاَ يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَهُ، فَيَكُونُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَاجِبًا فِي كُل مَسْأَلَةٍ، وَتَرْكُ التَّعَلُّمِ مَعْصِيَةٌ يُؤَاخَذُ بِهَا.
أَمَّا الْمُؤَاخَذَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفِ الَّذِي وَقَعَ بَاطِلاً مَعَ الْجَهْل، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ: أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ تَسَامَحَ فِي جَهَالاَتٍ فِي الشَّرِيعَةِ، فَعَفَا عَنْ مُرْتَكِبِهَا، وَأَخَذَ بِجَهَالاَتٍ، فَلَمْ يَعْفُ عَنْ مُرْتَكِبِهَا. (2) وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ (جَهْلٌ، نِسْيَانٌ) .

الإِْنْكَارُ عَلَى مَنْ فَعَل الْبَاطِل:
9 - إِنْ كَانَ الْفِعْل مُتَّفَقًا عَلَى بُطْلاَنِهِ، فَإِنْكَارُهُ وَاجِبٌ عَلَى مُسْلِمٍ. أَمَّا إِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَلاَ إِنْكَارَ فِيهِ.
قَال الزَّرْكَشِيُّ: الإِْنْكَارُ مِنَ الْمُنْكِرِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلاَ إِنْكَارَ فِيهِ؛ لأَِنَّ كُل مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ
__________
(1) سورة الإسراء / 36.
(2) الفروق للقرافي 2 / 149، 150، 151، والمنثور 2 / 15، 3 / 218، 315، والأشباه لابن نجيم ص 302، والأشباه للسيوطي ص 207، 220 ط عيسى الحلبي.

وَلاَ نَعْلَمُهُ، وَلَمْ يَزَل الْخِلاَفُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي الْفُرُوعِ، وَلاَ يُنْكِرُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ أَمْرًا مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا خَالَفَ نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْفَاعِل لاَ يَرَى تَحْرِيمَهُ، فَإِنْ كَانَ يَرَاهُ فَالأَْصَحُّ الإِْنْكَارُ. (1)
وَفِي كُل ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (إِنْكَار، أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، اجْتِهَاد، تَقْلِيد، اخْتِلاَف، إِفْتَاء، رُخْصَة) .

الاِخْتِلاَفُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ:
10 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ فِي التَّصَرُّفَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ مَعَ تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا، أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا، أَمْ كَانَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، كَالْعَقْدِ عَلَى إِحْدَى الْمَحَارِمِ، أَمْ كَانَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَالشِّرَاءِ بِالْخَمْرِ، وَالْبَيْعِ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا، فَكُلٌّ مِنَ الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ يُوصَفُ بِهِ الْفِعْل الَّذِي يَقَعُ عَلَى خِلاَفِ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ، وَمِنْ أَجْل هَذِهِ
__________
(1) المنثور في القواعد للزركشي2 / 127 - 128، 140، ورفع الملام في مجموع الفتاوى 19 / 278 وما بعدها، والذخيرة ص 133، 139 - 141، وفتح العلي المالك 1 / 60 - 65، والتقرير والتحبير 3 / 349، وإرشاد الفحول ص 271، والموافقات للشاطبي 4 / 133، 140 - 147.

الْمُخَالَفَةِ لَمْ يَعْتَبِرْهُ، وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ أَيَّ أَثَرٍ مِنَ الآْثَارِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِعْل الصَّحِيحِ.
فَالْجُمْهُورُ يُطْلِقُونَهُمَا، وَيُرِيدُونَ بِهِمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَهُوَ: وُقُوعُ الْفِعْل عَلَى خِلاَفِ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الْخِلاَفُ رَاجِعًا إِلَى فَوَاتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْفِعْل، أَمْ رَاجِعًا إِلَى فَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ. (1)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ - عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - يُوَافِقُونَ الْجُمْهُورَ فِي أَنَّ الْبُطْلاَنَ وَالْفَسَادَ مُتَرَادِفَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعَامَلاَتِ، فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَيَجْعَلُونَ لِلْفَسَادِ مَعْنًى يُخَالِفُ مَعْنَى الْبُطْلاَنِ، وَيَقُومُ هَذَا التَّفْرِيقُ عَلَى أَسَاسِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَصْل الْعَقْدِ وَوَصْفِهِ.
فَأَصْل الْعَقْدِ هُوَ أَرْكَانُهُ وَشَرَائِطُ انْعِقَادِهِ، مِنْ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدِ وَمَحَلِّيَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِمَا، كَالإِْيجَابِ وَالْقَبُول. . . وَهَكَذَا.
أَمَّا وَصْفُ الْعَقْدِ، فَهِيَ شُرُوطُ الصِّحَّةِ، وَهِيَ الْعَنَاصِرُ الْمُكَمِّلَةُ لِلْعَقْدِ، كَخُلُوِّهِ عَنِ الرِّبَا، وَعَنْ شَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَعَنِ الْغَرَرِ وَالضَّرَرِ. وَعَلَى هَذَا الأَْسَاسِ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا حَصَل خَلَلٌ فِي أَصْل الْعَقْدِ - بِأَنْ تَخَلَّفَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، أَوْ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِهِ - كَانَ الْعَقْدُ
__________
(1) حاشية الدسوقي 3 / 54، ونهاية المحتاج 3 / 429، وشرح منتهى الإرادات 2 / 422.

بَاطِلاً، وَلاَ وُجُودَ لَهُ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَيُّ أَثَرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ لأَِنَّهُ لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ إِلاَّ مِنَ الأَْهْل فِي الْمَحَل، وَيَكُونُ الْعَقْدُ فَائِتَ الْمَعْنَى مِنْ كُل وَجْهٍ مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ فَحَسْبُ، إِمَّا لاِنْعِدَامِ مَحَل التَّصَرُّفِ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، أَوْ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الْمُتَصَرِّفِ كَالْبَيْعِ الصَّادِرِ مِنَ الْمَجْنُونِ أَوِ الصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل.
أَمَّا إِذَا كَانَ أَصْل الْعَقْدِ سَالِمًا مِنَ الْخَلَل، وَحَصَل خَلَلٌ فِي الْوَصْفِ، بِأَنِ اشْتَمَل الْعَقْدُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، أَوْ رِبًا، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا لاَ بَاطِلاً، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الآْثَارِ دُونَ بَعْضٍ. (1)
11 - وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ، يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلاَفِ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ فِي أَثَرِ النَّهْيِ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْعَمَل اللاَّزِمَةِ لَهُ، كَالنَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ. فَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَقْتَضِي بُطْلاَنَ كُلٍّ مِنَ الْوَصْفِ وَالأَْصْل، كَأَثَرِ النَّهْيِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى ذَاتِ الْفِعْل وَحَقِيقَتِهِ، وَيُطْلِقُونَ عَلَى الْفِعْل الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِوَصْفٍ لاَزِمٍ لَهُ اسْمَ الْفَاسِدِ أَوِ الْبَاطِل، وَلاَ يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ أَيَّ أَثَرٍ مِنَ الآْثَارِ
__________
(1) الأشباه لابن نجيم 337، ابن عابدين 4 / 99، وبدائع الصنائع 5 / 299، وما بعدها، والزيلعي 4 / 63، وكشف الأسرار 1 / 259.

الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ، وَلِهَذَا كَانَ الْبَيْعُ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا، أَوْ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، أَوْ نَحْوِ هَذَا مِنْ قَبِيل الْبَاطِل عِنْدَهُمْ أَوِ الْفَاسِدِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَقْتَضِي بُطْلاَنَ الْوَصْفِ فَقَطْ، أَمَّا أَصْل الْعَمَل فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ بِخِلاَفِ النَّهْيِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى ذَاتِ الْفِعْل وَحَقِيقَتِهِ، وَيُطْلِقُونَ عَلَى الْفِعْل الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِوَصْفٍ لاَزِمٍ لَهُ اسْمَ الْفَاسِدِ لاَ الْبَاطِل، وَيُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ بَعْضَ الآْثَارِ دُونَ بَعْضٍ، وَلِهَذَا كَانَ الْبَيْعُ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا، أَوْ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ قَبِيل الْفَاسِدِ عِنْدَهُمْ، لاَ مِنْ قَبِيل الْبَاطِل.
12 - وَقَدِ اسْتَدَل كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، أَهَمُّهَا مَا يَأْتِي:
أَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ (1) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْعَمَل مَتَى خَالَفَ أَمْرَ الشَّارِعِ صَارَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي نَظَرِهِ، فَلاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأَْحْكَامُ الَّتِي يَقْصِدُهَا مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمُخَالَفَةُ رَاجِعَةً إِلَى ذَاتِ الْعَمَل وَحَقِيقَتِهِ، أَمْ إِلَى وَصْفٍ مِنَ الأَْوْصَافِ اللاَّزِمَةِ لَهُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إِلَى أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ وَضَعَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ أَسْبَابًا لأَِحْكَامٍ
__________
(1) حديث: " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 301 ـ ط السلفية) ومسلم (3 / 1343 ـ ط الحلبي) .

تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَإِذَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا لِوَصْفٍ مِنَ الأَْوْصَافِ اللاَّزِمَةِ لَهُ، كَانَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا بُطْلاَنَ هَذَا الْوَصْفِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِ، فَيَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُ هَذَا الْوَصْفِ مُخِلًّا بِحَقِيقَةِ التَّصَرُّفِ الْمَوْصُوفِ بِهِ، بَقِيَتْ حَقِيقَتُهُ قَائِمَةً، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُقْتَضَاهُ. فَإِذَا كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ بَيْعًا مَثَلاً، وَوُجِدَتْ حَقِيقَتُهُ بِوُجُودِ رُكْنِهِ وَمَحَلِّهِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ بِهِ نَظَرًا لِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَوَجَبَ فَسْخُهُ نَظَرًا لِوُجُودِ الْوَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ مُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ، وَإِعْطَاءُ كُلٍّ مِنْهَا حُكْمَهُ اللاَّئِقَ بِهِ. إِلاَّ أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الاِمْتِثَال وَالطَّاعَةَ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا إِلاَّ إِذَا لَمْ تَحْصُل فِيهَا مُخَالَفَةٌ مَا، لاَ فِي الأَْصْل وَلاَ فِي الْوَصْفِ، كَانَتْ مُخَالَفَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ فِيهَا مُقْتَضِيَةً لِلْفَسَادِ وَالْبُطْلاَنِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةُ رَاجِعَةً إِلَى ذَاتِ الْعِبَادَةِ، أَمْ إِلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا اللاَّزِمَةِ. (1)
بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ الْجُمْهُورَ وَإِنْ كَانُوا لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل - عَلَى مَا جَاءَ فِي قَوَاعِدِهِمُ الْعَامَّةِ - إِلاَّ أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ وُجُودُ الْخِلاَفِ فِي
__________
(1) جمع الجوامع 1 / 105، المستصفى للغزالي 2 / 26، 27، وروضة الناظر ص 113، والمنثور في القواعد 3 / 313، وكشف الأسرار 1 / 258، 259، والتلويح على التوضيح 1 / 216 وما بعدها، وأصول السرخسي 1 / 85، وما بعدها ومسلم الثبوت وشرح فواتح الرحموت1 / 403.

كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ نُصُوصِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ، أَوْ لِلتَّفْرِقَةِ فِي مَسَائِل الدَّلِيل كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كُل بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ.

تَجَزُّؤُ الْبُطْلاَنِ:
13 - الْمُرَادُ بِتَجَزُّؤِ الْبُطْلاَنِ: أَنْ يَشْمَل التَّصَرُّفَ عَلَى مَا يَجُوزُ وَمَا لاَ يَجُوزُ، فَيَكُونُ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ بَاطِلاً.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا يُسَمَّى بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لاَ يَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَأَهَمُّ الصُّوَرِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْبَيْعِ وَهِيَ.
14 - عَقْدُ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ بَاطِلاً، كَبَيْعِ الْعَصِيرِ وَالْخَمْرِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيْتَةِ، فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - عَدَا ابْنِ الْقَصَّارِ مِنْهُمْ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ (وَادَّعَى فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ.
وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَتَى بَطَل الْعَقْدُ فِي الْبَعْضِ بَطَل فِي الْكُل؛ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ غَيْرُ مُتَجَزِّئَةٍ، أَوْ لِتَغْلِيبِ الْحَرَامِ عَلَى الْحَلاَل عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، أَوْ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ.

وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ - قَالُوا: وَهُوَ الأَْظْهَرُ -
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَقَوْل ابْنِ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَجْزِئَةُ الصَّفْقَةِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِيمَا يَجُوزُ، وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الإِْبْطَال فِي الْكُل لِبُطْلاَنِ أَحَدِهِمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ تَصْحِيحِ الْكُل لِصِحَّةِ أَحَدِهِمَا، فَيَبْقَيَانِ عَلَى حُكْمِهِمَا، وَيَصِحُّ فِيمَا يَجُوزُ وَيَبْطُل فِيمَا لاَ يَجُوزُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ عُيِّنَ ابْتِدَاءً لِكُل شِقٍّ حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نُعْتَبَرُ الصَّفْقَةُ صَفْقَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، تَجُوزُ فِيهِمَا التَّجْزِئَةُ، فَتَصِحُّ وَاحِدَةٌ، وَتَبْطُل الأُْخْرَى.
وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ فِي شِقٍّ مِنْهُ صَحِيحًا، وَفِي الشِّقِّ الآْخَرِ مَوْقُوفًا، كَالْجَمْعِ بَيْنَ مَا يَمْلِكُهُ وَمَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، وَبَيْعِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِيهِمَا وَيَلْزَمُ فِي مِلْكِهِ، وَيَقِفُ اللاَّزِمُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى إِجَازَتِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ عَدَا زُفَرَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً، وَجَوَازِ ذَلِكَ بَقَاءً. وَعِنْدَ زُفَرَ: يَبْطُل الْجَمِيعُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْمَجْمُوعُ لاَ يَتَجَزَّأُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَجْرِي الْخِلاَفُ السَّابِقُ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ فِي الأَْصَحِّ.
15 - كَذَلِكَ تَجْرِي التَّجْزِئَةُ فِي النِّكَاحِ، فَلَوْ جُمِعَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَيْنَ مَنْ تَحِل وَمَنْ لاَ تَحِل، كَمُسْلِمَةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، صَحَّ نِكَاحُ الْحَلاَل اتِّفَاقًا، وَبَطَل فِي مَنْ لاَ تَحِل.

أَمَّا لَوْ جُمِعَ بَيْنَ خَمْسٍ، أَوْ بَيْنَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَبْطُل فِي الْكُل؛ لأَِنَّ الْمُحَرَّمَ الْجَمْعُ، لاَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ إِحْدَاهُمَا فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَجْرِي خِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا لَوْ جُمِعَ بَيْنَ أَمَةٍ وَحُرَّةٍ مَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَبْطُل فِيهِمَا، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَحَّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ، وَبَطَل نِكَاحُ الأَْمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (1)
وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ عُقُودِ الْمُعَامَلاَتِ كَالإِْجَارَةِ وَغَيْرِهَا كَالْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ عَقَدَ الْفُقَهَاءُ فَصْلاً لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِنْ تَصَرُّفَاتٍ. انْظُرْ (تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ) .

بُطْلاَنُ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ بُطْلاَنَ مَا فِي ضِمْنِهِ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ:
16 - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ: (2) إِذَا بَطَل الشَّيْءُ بَطَل مَا فِي ضِمْنِهِ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِذَا بَطَل الْمُتَضَمِّنُ (بِالْكَسْرِ) بَطَل الْمُتَضَمَّنُ (بِالْفَتْحِ)
__________
(1) الأشباه لابن نجيم 113، 114، والبدائع 5 / 145، وابن عابدين 4 / 104، والاختيار 2 / 22، وجواهر الإكليل 2 / 6، والقوانين الفقهية ص 172، والدسوقي 2 / 266، والأشباه للسيوطي / 120، 121، 122، والمنثور في القواعد1 / 382، ونهاية المحتاج 3 / 461، وروضة الطالبين 3 / 410، والمغني 4 / 261، 6 / 583، ومنتهى الإرادات 2 / 153.
(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم / 391 نشر دار ومكتبة الهلال بيروت.

وَأَوْرَدَ لِذَلِكَ عِدَّةَ أَمْثِلَةٍ مِنْهَا:
أ - لَوْ قَال: بِعْتُكَ دَمِي بِأَلْفٍ، فَقَتَلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنَ الإِْذْنِ بِقَتْلِهِ.
ب - التَّعَاطِي ضِمْنَ عَقْدٍ فَاسِدٍ أَوْ بَاطِلٍ لاَ يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ. (1)
ج - لَوْ أَبْرَأَهُ أَوْ أَقَرَّ لَهُ ضِمْنَ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَسَدَ الإِْبْرَاءُ.
د - لَوْ جَدَّدَ النِّكَاحَ لِمَنْكُوحَتِهِ بِمَهْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ الثَّانِي لَمْ يَصِحَّ، فَلَمْ يَلْزَمْ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنَ الْمَهْرِ.
إِلاَّ أَنَّ أَغْلَبَ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ تُجْرِي الْقَاعِدَةَ عَلَى الْفَسَادِ لاَ عَلَى الْبُطْلاَنِ؛ لأَِنَّ الْبَاطِل مَعْدُومٌ شَرْعًا أَصْلاً وَوَصْفًا، وَالْمَعْدُومُ لاَ يَتَضَمَّنُ شَيْئًا، أَمَّا الْفَاسِدُ فَهُوَ فَائِتُ الْوَصْفِ دُونَ الأَْصْل، فَلَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا بِأَصْلِهِ فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ مُتَضَمَّنًا، فَإِنْ فَسَدَ الْمُتَضَمِّنُ فَسَدَ الْمُتَضَمَّنُ. (2)
17 - هَذَا وَالْمَذَاهِبُ الأُْخْرَى - وَهِيَ الَّتِي لاَ
__________
(1) المقصود بالتعاطي هنا تسليم المعقود عليه، فلو اتفق شخص مع صانع على أن يصنع له شيئا، ولم يحدد أجلا للتسليم، كان العقد فاسدا، ومن ثم فلا يترتب على التسليم بعد ذلك أثرـ يراجع شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 592.
(2) حاشية ابن عابدين 4 / 39، 40، وحاشية الشلبي على الزيلعي 4 / 12، وفتح القدير وهوامشه 5 / 490 نشر دار إحياء التراث العربي، والبحر الرائق 5 / 327، والاختيار 2 / 7، والبدائع 5 / 173.

تُفَرِّقُ بَيْنَ الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ - تَسِيرُ عَلَى هَذَا النَّهْجِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا. فَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: الْفَاسِدُ مِنَ الْعُقُودِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلإِْذْنِ، إِذَا صَدَرَتْ مِنَ الْمَأْذُونِ، صَحَّتْ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ إِذَا أَفْسَدْنَاهَا فَتَصَرُّفُ الْوَكِيل، صَحَّ لِوُجُودِ الإِْذْنِ، وَالْوَكِيل بِالْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ عِوَضٍ فَاسِدٍ لِلْوَكِيل، فَالإِْذْنُ صَحِيحٌ وَالْعِوَضُ فَاسِدٌ. (1)
وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: (2) الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ لاَ يَمْنَعُ فَسَادُهَا نُفُوذَ الْمُتَصَرِّفِ فِيهَا بِالإِْذْنِ. ثُمَّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الإِْذْنِ فِي الْبَيْعِ - وَهُوَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ - وَبَيْنَ الإِْذْنِ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، فَيَقُول: الْبَيْعُ وُضِعَ لِنَقْل الْمِلْكِ لاَ لِلإِْذْنِ، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ تُسْتَفَادُ مِنَ الْمِلْكِ لاَ مِنَ الإِْذْنِ، بِخِلاَفِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلإِْذْنِ.
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (3) إِذَا تَصَرَّفَ الْعَامِل فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ؛ لأَِنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا بَطَل الْعَقْدُ بَقِيَ الإِْذْنُ، فَمَلَكَ بِهِ التَّصَرُّفَ.
وَقَوَاعِدُ الْمَالِكِيَّةِ لاَ تَأْبَى ذَلِكَ. (4)
__________
(1) المنثور في القواعد 3 / 15، 2 / 409، ونهاية المحتاج 5 / 228، 229، والجمل 3 / 517، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 119 ط مصطفى الحلبي.
(2) القواعد لابن رجب / 64، 65، 66.
(3) المغني 5 / 72.
(4) الكافي لابن عبد البر 2 / 777.

هَذِهِ هِيَ قَاعِدَةُ التَّضَمُّنِ. لَكِنْ هُنَاكَ قَاعِدَةٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بِهَا، وَهِيَ: إِذَا سَقَطَ الأَْصْل سَقَطَ الْفَرْعُ، وَمِنْهَا: التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ، وَقَدْ مَثَّل الْفُقَهَاءُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ أَبْرَأَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ مِنَ الدَّيْنِ، فَكَمَا أَنَّهُ يَبْرَأُ الْمَدِينُ يَبْرَأُ مِنْهُ الْكَفِيل أَيْضًا؛ لأَِنَّ الْمَدِينَ فِي الدَّيْنِ أَصْلٌ، وَالْكَفِيل فَرْعٌ. (1)

تَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْبَاطِل:
18 - تَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْبَاطِل يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِصُورَتَيْنِ:
الأُْولَى: إِذَا ارْتَفَعَ مَا يُبْطِل الْعَقْدَ فَهَل يَنْقَلِبُ صَحِيحًا
الثَّانِيَةُ: أَنْ تُؤَدِّيَ صِيغَةُ الْعَقْدِ الْبَاطِل إِلَى مَعْنَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ.
19 - أَمَّا الصُّورَةُ الأُْولَى: فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ لاَ يَصِيرُ الْعَقْدُ الْبَاطِل صَحِيحًا عِنْدَهُمْ إِذَا ارْتَفَعَ مَا يُبْطِلُهُ. وَعَلَى ذَلِكَ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ فِي الْحِنْطَةِ، وَالزَّيْتِ فِي الزَّيْتُونِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالْبَذْرِ فِي الْبِطِّيخِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ، حَتَّى لَوْ سُلِّمَ اللَّبَنُ أَوِ الدَّقِيقُ أَوِ الْعَصِيرُ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ
__________
(1) أشباه ابن نجيم / 121، ودرر الحكام 1 / 85 م 50، وأشباه السيوطي / 132 ط عيسى الحلبي، الدسوقي 3 / 336، وكشاف القناع 3 / 387.

كَالْمَعْدُومِ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ أَصْلاً، فَلاَ يَحْتَمِل التَّصْحِيحَ. (1)
أَمَّا الْجُمْهُورُ (وَهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل) فَالْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَالْحَنَفِيَّةِ، لاَ يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ الْبَاطِل صَحِيحًا بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ.
فَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ حَذَفَ الْعَاقِدَانِ الْمُفْسِدَ لِلْعَقْدِ، وَلَوْ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ، لَمْ يَنْقَلِبِ الْعَقْدُ صَحِيحًا؛ إِذْ لاَ عِبْرَةَ بِالْفَاسِدِ. (2)
وَفِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: الْفَاسِدُ لاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنَّهُمْ يُوَافِقُونَ الْجُمْهُورَ فِي هَذَا الْحُكْمِ، إِلاَّ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطٍ لاَ يُؤَدِّي إِلَى الإِْخْلاَل بِشَيْءٍ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا إِذَا أُسْقِطَ الشَّرْطُ، وَذَلِكَ كَبَيْعِ الثُّنْيَا، وَهُوَ أَنْ يَبْتَاعَ السِّلْعَةَ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ مَتَى رَدَّ الثَّمَنَ فَالسِّلْعَةُ لَهُ، وَكَالْبَيْعِ بِشَرْطِ السَّلَفِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ عِنْدَهُمْ يَكُونُ فَاسِدًا، لَكِنَّهُ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا إِنْ حُذِفَ الشَّرْطُ. (3)
__________
(1) ابن عابدين 4 / 108، 113، والزيلعي 4 / 74ـ 50، وفتح القدير 6 / 52 نشر دار إحياء التراث، والبدائع 5 / 139.
(2) نهاية المحتاج 3 / 434، 435، وروضة الطالبين 3 / 410، ومغني المحتاج 2 / 40، وحاشية الجمل 3 / 84، 85.
(3) المغني 4 / 259 ط الرياض، وشرح منتهى الإرادات 2 / 250، ومنح الجليل 2 / 570، 571، 572، وينظر مع ذلك الموافقات للشاطبي 1 / 294، 295.

أَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ تَحَوُّل الْعَقْدِ الْبَاطِل إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ، فَيَكَادُ الْفُقَهَاءُ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ تَحْوِيل الْعَقْدِ الْبَاطِل إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ - لِتَوَفُّرِ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ فِيهِ - صَحَّ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصِّحَّةُ عَنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ عَنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ؛ نَظَرًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي قَاعِدَةِ: هَل الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا. (1)
21 - وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا يَأْتِي:
الْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ شَخْصٌ إِلَى آخَرَ مَالَهُ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَيَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ، وَيُسَمَّى الْقَائِمُ بِالتِّجَارَةِ مُضَارِبًا، فَلَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُضَارِبِ لَمْ يَكُنْ مُضَارَبَةً، وَلَكِنْ يَكُونُ قَرْضًا، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ بَقِيَ مُضَارَبَةً لَكَانَ بَاطِلاً؛ لأَِنَّ الْمُضَارِبَ لاَ يَمْلِكُ رَأْسَ مَال الْمُضَارَبَةِ حَتَّى يَكُونَ الرِّبْحُ كُلُّهُ لَهُ، فَجُعِل قَرْضًا؛ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، لِيَصِحَّ الْعَقْدُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِرَبِّ الْمَال، اعْتُبِرَ
__________
(1) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1 / 18، 19مادة (3) ، والأشباه لابن نجيم ص 207، والأشباه للسيوطي ص 184، وما بعدها ط عيسى الحلبي، والمنثور في القواعد 2 / 371، وإعلام الموقعين 3 / 95 نشر دار الجيل، والقواعد لابن رجب ص 49، والاختيار 3 / 49.

الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِبْضَاعًا، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْمُضَارِبُ وَكِيلاً مُتَبَرِّعًا لِصَاحِبِ الْمَال. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَصَحَّحُوا الْوَكَالَةَ إِذَا عُقِدَتْ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، وَالْحَوَالَةَ إِذَا عُقِدَتْ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى، حَيْثُ قَالُوا: إِنْ أَحَال مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ رَجُلاً عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مَدِينٍ لَهُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّصَرُّفُ حَوَالَةً، بَل وَكَالَةً تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا، وَإِنْ أَحَال مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَاحِبَ الدَّيْنِ عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لَمْ يُجْعَل هَذَا التَّصَرُّفُ حَوَالَةً، بَل اقْتِرَاضًا،
وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَحَالَهُ لاَ دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ اعْتُبِرَ وَكَالَةً فِي الاِقْتِرَاضِ.
وَفِي الْفِقْهِ الشَّافِعِيِّ: إِذَا وَهَبَ شَخْصٌ لآِخَرَ شَيْئًا بِشَرْطِ الثَّوَابِ، اعْتُبِرَ هَذَا التَّصَرُّفُ بَيْعًا بِالثَّمَنِ لاَ هِبَةً، فِي أَصَحِّ الأَْقْوَال. (1)

الْبَاطِل لاَ يَصِيرُ صَحِيحًا بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ:
22 - التَّصَرُّفَاتُ الْبَاطِلَةُ لاَ تَنْقَلِبُ صَحِيحَةً بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِنَفَاذِ التَّصَرُّفَاتِ
__________
(1) الاختيار 3 / 20، الشرح الصغير، وبلغة السالك 2 / 249، (طبع الحلبي) ، والمغني 4 / 57، 5 / 35، ومنتهى الإرادات 2 / 328، 259، والمنثور في القواعد2 / 373، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 184.

الْبَاطِلَةِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ وَعَوْدَتِهِ يُعْتَبَرُ قَائِمًا فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، وَلاَ يَحِل لأَِحَدٍ الاِنْتِفَاعُ بِحَقِّ غَيْرِهِ نَتِيجَةَ تَصَرُّفٍ بَاطِلٍ مَا دَامَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ. فَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لاَ يُحِل حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلاً.
هَذَا هُوَ الأَْصْل، وَالْقُضَاةُ إِنَّمَا يَقْضُونَ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ أَدِلَّةٍ وَحُجَجٍ يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَحْكَامَهُمْ، وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ. (1)
وَلِذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْهُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِمَا أَسْمَعُ، وَأَظُنُّهُ صَادِقًا، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. (2)
23 - وَمُضِيِّ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ عَلَى أَيِّ تَصَرُّفٍ، مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ أَحَدٍ إِلَى الْقَضَاءِ بِدَعْوَى بُطْلاَنِ هَذَا التَّصَرُّفِ، رُبَّمَا يَعْنِي صِحَّةَ هَذَا التَّصَرُّفِ أَوْ رِضَى صَاحِبِ الْحَقِّ بِهِ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَ عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِهَا بِحَسَبِ الأَْحْوَال، وَبِحَسَبِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَبِحَسَبِ الْقَرَابَةِ وَعَدَمِهَا، وَمُدَّةِ
__________
(1) التبصرة بهامش فتح العلي المالك 1 / 75، نشر دار المعرفة، والمهذب 2 / 343، والمغني 9 / 59.
(2) حديث: " إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر. . . " أخرجه البخاري (الفتح 13 / 157 ـ ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1337 ـ ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

الْحِيَازَةِ، لَكِنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ سَمَاعَ الدَّعْوَى لاَ أَثَرَ لَهُ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ، إِنْ كَانَ بَاطِلاً. يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ: (1) الْحَقُّ لاَ يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ، قَذْفًا أَوْ قِصَاصًا أَوْ لِعَانًا أَوْ حَقًّا لِلْعَبْدِ.
وَيَقُول: (2) يَنْفُذُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِي الْمَسَائِل الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، إِلاَّ فِي مَسَائِل مِنْهَا: لَوْ قَضَى بِبُطْلاَنِ الْحَقِّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، أَوْ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، أَوْ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ بِالتَّقَادُمِ.
وَفِي التَّكْمِلَةِ لاِبْنِ عَابِدِينَ: مِنَ الْقَضَاءِ الْبَاطِل: الْقَضَاءُ بِسُقُوطِ الْحَقِّ بِمُضِيِّ سِنِينَ. ثُمَّ يَقُول. عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ مُضِيِّ ثَلاَثِينَ سَنَةً، أَوْ بَعْدَ الاِطِّلاَعِ عَلَى التَّصَرُّفِ، لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى بُطْلاَنِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مَنْعٍ لِلْقَضَاءِ عَنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى، مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ يَلْزَمُهُ. (3)
وَفِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: تُقْبَل الشَّهَادَةُ بِحَدٍّ قَدِيمٍ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَِنَّهَا شَهَادَةٌ بِحَقٍّ، فَجَازَتْ مَعَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ. (4)
وَالْمَالِكِيَّةُ - وَإِنْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ لِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى حِيَازَةَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ مُدَّةً تَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ - إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ
__________
(1) الأشباه لابن نجيم ص 222.
(2) الأشباه لابن نجيم ص 232.
(3) التكملة لابن عابدين 1 / 346، 347.
(4) منتهى الإرادات 3 / 536.

الْمُدَّعِي حَاضِرًا مُدَّةَ حِيَازَةِ الْغَيْرِ، وَيَرَاهُ يَقُومُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَالتَّصَرُّفِ وَهُوَ سَاكِتٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ يُنَازِعُهُ فَإِنَّ الْحِيَازَةَ لاَ تُفِيدُ شَيْئًا مَهْمَا طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَفِي فَتْحِ الْعَلِيِّ لِمَالِكٍ: (1) رَجُلٌ اسْتَوْلَى عَلَى أَرْضٍ بَعْدَ مَوْتِ أَهْلِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، مَعَ وُجُودِ وَرَثَتِهِمْ، وَبَنَاهَا وَنَازَعَهُ الْوَرَثَةُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْعِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ بَلْدَتِهِمْ، فَهَل لاَ تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا؟ أُجِيبَ: نَعَمْ. لاَ تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا. . . سَمِعَ يَحْيَى مِنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ عُرِفَ بِغَصْبِ أَمْوَال النَّاسِ لاَ يَنْتَفِعُ بِحِيَازَتِهِ مَال غَيْرِهِ فِي وَجْهِهِ، فَلاَ يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ، وَإِنْ طَال بِيَدِهِ أَعْوَامًا إِنْ أَقَرَّ بِأَصْل الْمِلْكِ لِمُدَّعِيهِ، أَوْ قَامَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ. قَال ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لاَ خِلاَفَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْحِيَازَةَ لاَ تُوجِبُ الْمِلْكَ، وَإِنَّمَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ تُوجِبُ تَصْدِيقَ غَيْرِ الْغَاصِبِ فِيمَا ادَّعَاهُ مَنْ تَصِيرُ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ مَال أَحَدٍ، وَهُوَ حَاضِرٌ لاَ يَطْلُبُهُ وَلاَ يَدَّعِيهِ، إِلاَّ وَقَدْ صَارَ إِلَى حَائِزَةٍ إِذَا حَازَهُ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَنَحْوَهَا.
وَتُنْظَرُ تَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ فِي (دَعْوَى. تَقَادُم. حِيَازَة) .
وَبِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ: فَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مَنْ بَطَلَتْ عِبَادَتُهُ، فَإِنَّ ذِمَّتَهُ تَظَل مَشْغُولَةً بِهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا.
__________
(1) فتح العلي المالك 2 / 321 نشر دار المعرفة.

آثَارُ الْبُطْلاَنِ:
تَخْتَلِفُ آثَارُ الْبُطْلاَنِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفَاتِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلاً - بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ:
24 - بُطْلاَنُ الْعِبَادَاتِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عِدَّةُ آثَارٍ مِنْهَا:
أ - اسْتِمْرَارُ انْشِغَال الذِّمَّةِ بِالْعِبَادَةِ (1) إِلَى أَنْ
- تُؤَدَّى إِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُحَدَّدٌ كَالزَّكَاةِ، وَعَبَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِيهَا بِالإِْعَادَةِ (2)
- أَوْ تُقْضَى، إِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ لاَ يَتَّسِعُ وَقْتُهَا لِمِثْلِهَا كَرَمَضَانَ.
- أَوْ تُعَادُ، إِنْ كَانَ وَقْتُهَا يَتَّسِعُ لِغَيْرِهَا مَعَهَا كَالصَّلاَةِ. فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ كَانَتْ قَضَاءً (3)
أَوْ يُؤْتَى بِالْبَدَل، كَالظُّهْرِ لِمَنْ بَطَلَتْ جُمُعَتُهُ. (4)
ب - الْعُقُوبَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ كَالْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الإِْفْطَارَ فِي رَمَضَانَ. (5)
__________
(1) دستور العلماء 1 / 251، وجمع الجوامع 1 / 105، وكشف الأسرار 1 / 258.
(2) البطلان في الزكاة مقصود به عدم الإجزاء، كعدم النية التي هي شرط فيها. فواتح الرحموت1 / 86، والمستصفى 1 / 94، 95، وبدائع الصنائع 2 / 40ـ 43، والهداية 1 / 114.
(3) التلويح 1 / 161، وما بعدها، وجمع الجوامع 1 / 109ـ 118، والبدخشي 1 / 64.
(4) المغني 2 / 332، وجواهر الإكليل 1 / 97.
(5) البدائع 2 / 98، 103، والفواكه الدواني 1 / 363، 365، والمهذب 1 / 190، ومنتهى الإردات 1 / 451

ج - وُجُوبُ الاِنْقِطَاعِ عَنِ الْمُضِيِّ فِي الصَّلاَةِ إِذَا بَطَلَتْ لاَ فِي الصِّيَامِ وَالْحَجِّ؛ إِذْ يَجِبُ الإِْمْسَاكُ فِي الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ، وَالْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ، مَعَ الْقَضَاءِ فِيهِمَا. (1)
د - حَقُّ اسْتِرْدَادِ الزَّكَاةِ إِذَا أُعْطِيَتْ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ. (2)
وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ.

ثَانِيًا: أَثَرُ الْبُطْلاَنِ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
25 - الْعَقْدُ الْبَاطِل فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ لاَ وُجُودَ لَهُ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، فَلَيْسَ لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ، وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ عَدَمٌ، وَالْعَدَمُ لاَ يُنْتِجُ أَثَرًا. (3)
وَهُوَ مَنْقُوضٌ مِنْ أَسَاسِهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ لِحُكْمِ حَاكِمٍ لِنَقْضِهِ. (4)
وَلاَ تَلْحَقُهُ الإِْجَازَةُ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلاً فَهُوَ مَعْدُومٌ، وَالإِْجَازَةُ لاَ تَلْحَقُ الْمَعْدُومَ؛ لأَِنَّهُ مُتَلاَشٍ. (5)
__________
(1) البدائع 2 / 102، 103، 218، وجواهر الإكليل 1 / 192، والمنصور 3 / 19، 18، ومنتهى الإرادات 2 / 31.
(2) البدائع 2 / 40ـ 43، جواهر الإكليل 1 / 140، 141، والمهذب 1 / 182، نيل المآرب 1 / 266.
(3) بدائع الصنائع 5 / 305، ابن عابدين 5 / 28، وحاشية الدسوقي 3 / 54، منتهى الإرادات 2 / 190.
(4) الدسوقي 3 / 71، والمغني 6 / 666.
(5) ابن عابدين 4 / 7، والبدائع 4 / 177، 5 / 271، ومنح الجليل 2 / 572، كشاف القناع 3 / 157، وقليوبي 2 / 160.

وَلاَ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ الْبَاطِل مَا يُمْلَكُ بِغَيْرِهِ، وَإِذَا حَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمٌ يَجِبُ الرَّدُّ.
فَفِي الْبَيْعِ الْبَاطِل لاَ يَنْتَقِل الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَلِذَا يَجِبُ الرَّدُّ.
يَقُول ابْنُ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ - وَهِيَ الْبَاطِلَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - إِذَا وَقَعَتْ وَلَمْ تَفُتْ، حُكْمُهَا الرَّدُّ، أَيْ أَنْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَيَرُدَّ الْمُشْتَرِي الْمُثَمَّنَ. (1) وَلاَ يَمْلِكُ الْمُصَالِحُ مَا صَالَحَ بِهِ فِي الصُّلْحِ الْبَاطِل، وَيَرْجِعُ الدَّافِعُ بِمَا دَفَعَ (2) . (3)
وَلاَ يَمْلِكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ فِي الْهِبَةِ الْبَاطِلَةِ. (4)
وَلاَ يَمْلِكُ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَ الْمَرْهُونِ فِي الرَّهْنِ الْبَاطِل. (5)
وَلاَ يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ حُرِّيَّتَهُ فِي الْكِتَابَةِ الْبَاطِلَةِ. (6)
وَفِي الإِْجَارَةِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَحَلًّا
__________
(1) البدائع 5 / 305، وأشباه ابن نجيم ص 337، وبداية المجتهد 2 / 193، ونهاية المحتاج 3 / 364، ومنتهى الإرادات 2 / 190.
(2) أشباه ابن نجيم / 337، وجواهر الإكليل 2 / 103، والمغني 4 / 550 ومنتهى الإرادات2 / 264.
(3) أشباه ابن نجيم / 337، وجواهر الإكليل 2 / 103، والمغني 4 / 550 ومنتهى الإرادات2 / 264.
(4) الدسوقي 4 / 98، 99، والمهذب 1 / 455، ومنتهى الإرادات 2 / 519.
(5) أشباه ابن نجيم ص 337، وجواهر الإكليل 2 / 80، والمغني 4 / 440.
(6) أشباه ابن نجيم / 338، والبدائع 4 / 137، ونهاية المحتاج 8 / 396، والقواعد والفوائد الأصولية / 111.

لِلإِْجَارَةِ، لاَ تُمْلَكُ الأُْجْرَةُ وَيَجِبُ رَدُّهَا؛ لأَِنَّ أَخْذَهَا حَرَامٌ، وَتُعْتَبَرُ مِنْ أَكْل الأَْمْوَال بِالْبَاطِل. (1)
وَلاَ يُمْلَكُ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْبُضْعِ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي النِّكَاحِ الْبَاطِل. (2)
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُل الْعُقُودِ الْبَاطِلَةِ عَلَى وَجْهِ الإِْجْمَال، مَعَ تَفْصِيلاَتٍ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا. لَكِنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ الْبَاطِل كَصُورَةٍ قَدْ يُنْتِجُ أَثَرًا، وَذَلِكَ إِذَا حَدَثَ فِيهِ تَسْلِيمٌ وَامْتَنَعَ الرَّدُّ لِلْفَوَاتِ، فَهَل يَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ أَوْ لاَ يَكُونُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الضَّمَانُ:
26 - رَغْمَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُفَرِّقُونَ فِي قَوَاعِدِهِمُ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ إِلاَّ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الأَْحْكَامِ نَجِدُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا.
وَالضَّمَانُ مِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
فِي قَاعِدَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ كُل عَقْدٍ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ، وَإِنِ اقْتَضَى صَحِيحُهُ عَدَمَ الضَّمَانِ كَالْقِرَاضِ فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ.
لَكِنَّ عَدَمَ اقْتِضَاءِ الضَّمَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ
__________
(1) أشباه ابن نجيم ص 337، ومنتهى الإرادات 2 / 359، ومنح الجليل 3 / 778، وقليوبي 3 / 86.
(2) المغني 6 / 456، والبدائع 2 / 335، ومنح الجليل2 / 9.

الْقَبْضُ صَحِيحًا، بِأَنْ كَانَ الإِْذْنُ فِي قَبْضِهِ صَادِرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَيَكُونُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحًا، وَحِينَئِذٍ فَلاَ ضَمَانَ مَعَ فَسَادِ الْقَبْضِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِذْنٌ أَصْلاً، أَوْ صَدَرَ وَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، أَوْ فِي ظِل الإِْكْرَاهِ، فَإِنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بَاطِلاً، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الضَّمَانُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ صَحِيحُهُ لاَ ضَمَانَ فِيهِ، أَمْ كَانَ فِيهِ الضَّمَانُ.
جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: فَاسِدُ كُل عَقْدٍ صَدَرَ مِنْ رَشِيدٍ كَصَحِيحِهِ، فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِنِ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالإِْعَارَةِ فَفَاسِدُهُ أَوْلَى.
وَإِنِ اقْتَضَى صَحِيحُهُ عَدَمَ الضَّمَانِ كَالرَّهْنِ، وَالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ، وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ لاَ يَقْتَضِي الضَّمَانَ. (1)
وَمِثْل ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَل وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ. (2)
27 - وَاعْتِبَارُ عَدَمِ الضَّمَانِ مَعَ الْبُطْلاَنِ فِي عُقُودِ التَّصَرُّفَاتِ وَالأَْمَانَاتِ لِوُجُودِ الإِْذْنِ الصَّادِرِ مِنْ أَهْلِهِ، وَالضَّمَانِ إِنْ كَانَ الإِْذْنُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، هُوَ
__________
(1) نهاية المحتاج 5 / 228، 229، 4 / 274، 275، والجمل على المنهج 3 / 517، وأشباه السيوطي / 309 ط عيسى الحلبي، وأسنى المطالب 4 / 479، وشرح منتهى الإرادات 2 / 326، والمغني 4 / 425 و 5 / 73، والقواعد لابن رجب / 67 و 153
(2) الجمل على شرح المنهج 3 / 291.

أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، مَعَ الاِخْتِلاَفِ فِيمَنْ يُعْتَبَرُ أَهْلاً لِلإِْذْنِ، وَمَنْ لاَ يُعْتَبَرُ كَالسَّفِيهِ، وَمَعَ الاِخْتِلاَفِ أَيْضًا فِي الْعُقُودِ الْمَضْمُونَةِ فِي صَحِيحِهَا، أَوْ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ. (1)
وَيَعْتَبِرُ أَبُو حَنِيفَةَ الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِل إِذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي أَمَانَةً، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ هَلَكَ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا بَطَل بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَهُوَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي، وَالْقَائِلُونَ بِالضَّمَانِ يُعَلِّلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ أَدْنَى مِنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ. (2)
وَيُفَرِّقُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ بَيْنَ مَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ التَّمَلُّكِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا، وَمَا قُبِضَ عَلَى جِهَةِ الأَْمَانَةِ فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ.
جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: كُل مَبِيعٍ فَاسِدٍ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ قَبْضًا مُسْتَمِرًّا بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ فَضَمَانُهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ؛ لأَِنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمَلُّكِ، لاَ عَلَى جِهَةِ الأَْمَانَةِ. (3)
وَمِثْل ذَلِكَ فِي الشَّرِكَةِ: لَوِ اشْتَرَكَ مَنْ لاَ يُعْتَبَرُ
__________
(1) القواعد والفوائد الأصولية ص 112، والهداية 4 / 134، وأشباه ابن نجيم ص 337، وجامع أحكام الصغار 1 / 172، والبدائع 5 / 173، وفتح القدير والعناية والكفاية عليه 5 / 490، وابن عابدين 4 / 40.
(2) ابن عابدين 4 / 105، البدائع 5 / 305، وينظر جامع الفصوليين2 / 81.
(3) الفواكه الدواني2 / 129.

إِذْنُهُ، كَصَبِيٍّ غَيْرِ مَأْذُونٍ أَوْ سَفِيهٍ، فَلاَ ضَمَانَ. (1)
أَثَرُ الْبُطْلاَنِ فِي النِّكَاحِ:
28 - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ، وَيُتَابِعُهُمُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ النِّكَاحِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ عِنْدَهُمْ. إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُعَبِّرُونَ عَنِ النِّكَاحِ غَيْرِ الصَّحِيحِ بِالْبَاطِل أَحْيَانًا، وَبِالْفَاسِدِ أَحْيَانًا أُخْرَى. وَيُرِيدُونَ بِهِمَا مَا قَابَل الصَّحِيحَ.
لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِالْفَاسِدِ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَالنِّكَاحِ بِدُونِ شُهُودٍ، حَيْثُ يُجِيزُ الْمَالِكِيَّةُ الْعَقْدَ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ الإِْشْهَادَ قَبْل الدُّخُول، وَيُجِيزُهُ أَيْضًا أَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ. وَكَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَالنِّكَاحِ بِدُونِ وَلِيٍّ، حَيْثُ يُجِيزُهُمَا الْحَنَفِيَّةُ. وَكَنِكَاحِ الشِّغَارِ يُصَحِّحُهُ الْحَنَفِيَّةُ وَيُلْغُونَ الشَّرْطَ، وَيُوجِبُونَ مَهْرَ الْمِثْل لِكُلٍّ مِنَ الْمَرْأَتَيْنِ.
وَيَقْصِدُونَ بِالْبَاطِل: مَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ، أَوِ الْمُتَزَوِّجَةِ مِنَ الْغَيْرِ، أَوِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا، أَوْ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ. (2)
__________
(1) الدسوقي 3 / 348.
(2) بدائع الصنائع 2 / 335، وفتح القدير 4 / 147، وابن عابدين 2 / 350، 351، 607، 608، وحاشية الدسوقي 2 / 241 - 248، وجواهر الإكليل 1 / 285، ومنح الجليل 2 / 49ـ 52، ونهاية المحتاج 6 / 220، والمهذب 2 / 36، 63، ومغني المحتاج 3 / 147، 148، المغني 6 / 454ـ 456، ومنتهى الإرادات 3 / 82، 83، 217.

وَالنِّكَاحُ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدُ وَاجِبُ الْفَسْخِ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ، وَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْفَسَادِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إِلاَّ إِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ، فَلاَ يُنْقَضُ حُكْمُهُ.
وَالتَّفْرِيقُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ لَيْسَ طَلاَقًا بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ أَوْ مُتَارَكَةٌ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَفِي اعْتِبَارِ التَّفْرِيقِ طَلاَقًا أَمْ لاَ اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ. (1) ر: (طَلاَق - فُرْقَة - فَسْخ) .
وَلاَ حُكْمَ لِلنِّكَاحِ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدِ قَبْل الدُّخُول فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا سَيُعْرَفُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً؛ لاِنْعِدَامِ مِلْكِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ بِالْعَقْدِ الْبَاطِل أَوِ الْفَاسِدِ.
أَمَّا بَعْدَ الدُّخُول فَيَتَعَلَّقُ بِالْفَاسِدِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ؛ لاِعْتِبَارِهِ مُنْعَقِدًا ضَرُورَةً فِي حَقِّ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ. (2) وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ أَهَمِّ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ:
__________
(1) ابن عابدين 2 / 315، والفتاوى الهندية 1 / 279، 330، والبدائع 2 / 263، والفواكه الدواني 2 / 35، والقوانين الفقهية ص 140، والمهذب 2 / 36، 47، وروضة الطالبين7 / 51، ومنتهى الإرادات 3 / 84، والمغني 6 / 450.
(2) بدائع الصنائع 2 / 335.

الْمَهْرُ:
29 - لاَ يُسْتَحَقُّ الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُطْلَقًا - سَوَاءٌ اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ أَمْ لاَ - إِذَا حَصَل التَّفْرِيقُ قَبْل الدُّخُول بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ، أَوْ قَبْل الْخَلْوَةِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (1)
هَذَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْمَسَائِل الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا نِصْفُ الْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ سَبَبَ الْفَسَادِ إِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ خَلَلاً فِي الْمَهْرِ، كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، فَفِيهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ بِالطَّلاَقِ، وَجَمِيعُهُ بِالْمَوْتِ.
وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِوُقُوعِ صَدَاقِهِ أَقَل مِنَ الصَّدَاقِ الشَّرْعِيِّ، وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ إِتْمَامِهِ (وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِنِكَاحِ الدِّرْهَمَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا أَقَل مِنَ الصَّدَاقِ الشَّرْعِيِّ) فَفِيهِ نِصْفُ الدِّرْهَمَيْنِ بِفَسْخِهِ قَبْل الدُّخُول. (2)
وَمِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ قَبْل الدُّخُول رَضَاعًا مُحَرَّمًا بِلاَ بَيِّنَةٍ، وَكَذَّبَتْهُ الزَّوْجَةُ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (3)
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 335، وفتح القدير 3 / 243، والفتاوى الهندية 1 / 330، والدسوقي 2 / 240، والمنثور في القواعد 3 / 9، منتهى الإرادات 3 / 83، والمغني 6 / 455.
(2) جواهر الإكليل 1 / 285، ومنح الجليل 2 / 35.
(3) جواهر الإكليل 1 / 285، المغني 7 / 560، ومنتهى الإرادات 3 / 243.

النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُطْلَقًا بِالدُّخُول (أَيْ بِالْوَطْءِ) لَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَل بِهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (1) جَعَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْل فِيمَا لَهُ حُكْمُ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَعَلَّقَهُ بِالدُّخُول، فَدَل أَنَّ وُجُوبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْخَلْوَةِ. قَال فِي مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: نَصًّا لِمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا. (2)
إِلاَّ أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ ذَكَرَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ الْخَلْوَةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لاَ يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ وَلَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ قَال: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ، فَيَتَقَرَّرُ بِهِ الْمَهْرُ كَالصَّحِيحِ، وَالأَْوَّل أَوْلَى. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُتَلَذَّذَ بِهَا مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ تُعَوَّضُ وُجُوبًا بِالاِجْتِهَادِ، سَوَاءٌ أَكَانَ النِّكَاحُ مُخْتَلَفًا فِيهِ أَمْ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ. (3)
__________
(1) حديث: " أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها. . " أخرجه أبو داود (2 / 566 ـ ط عزت عبيد دعاس) وأحمد (6 / 47 ـ ط الميمنية) وحسنه الترمذي (3 / 408 ـ ط الحلبي) .
(2) حديث: " فلها المهر بما استحل من فرجها. . . " تقدم تخريجه آنفا.
(3) بدائع الصنائع 2 / 335، وفتح القدير 3 / 243، وابن عابدين 2 / 350، 351، وحاشية الدسوقي 2 / 240، 241، 317، جواهر الإكليل 1 / 285، ومنح الجليل 2 / 35، 51، 52، والمهذب 2 / 36، 63، وروضة الطالبين 7 / 42، 51 ونهاية المحتاج 6 / 220، المنثور 3 / 9، ومنتهى الإرادات 3 / 83، ونيل المآرب 2 / 200، المغني 6 / 727.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْمَهْرِ، هَل هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْل؟ .
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرِ زُفَرَ - لَهَا الأَْقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنَ الْمُسَمَّى. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى - كَنِكَاحِ الشِّغَارِ - فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَهَا الْمُسَمَّى فِي الْفَاسِدِ وَمَهْرُ الْمِثْل فِي الْبَاطِل. (1)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي (مَهْر، صَدَاق، نِكَاح) .

ب - الْعِدَّةُ وَالنَّسَبُ:
30 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، كَالنِّكَاحِ بِدُونِ شُهُودٍ، أَوْ بِدُونِ وَلِيٍّ، وَكَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ، وَنِكَاحِ الشِّغَارِ. وَيَزِيدُ الْحَنَابِلَةُ ثُبُوتَهُمَا بِالْخَلْوَةِ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَشْبَهَ الصَّحِيحَ.
وَيَتَّفِقُونَ كَذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ بِالْوَطْءِ كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ، وَزَوْجَةِ الْغَيْرِ وَالْمَحَارِمِ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ، بِأَنْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِالْحُرْمَةِ
__________
(1) المراجع السابقة.

؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ كُل نِكَاحٍ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ فَالْوَلَدُ لاَحِقٌ بِالْوَاطِئِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْحَدَّ، بِأَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، فَلاَ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ حَيْثُ وَجَبَ الْحَدُّ فَلاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ يَثْبُتُ النَّسَبُ لأَِنَّ الْعَقْدَ شُبْهَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الشُّبْهَةَ تَنْتَفِي إِذَا كَانَ النِّكَاحُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَالْمَنْكُوحَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، كَالأُْمِّ وَالأُْخْتِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ عِنْدَهُمَا فِي الْمُحَرَّمَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي بَابِ الْمَهْرِ عَنِ الْعَيْنِيِّ وَمَجْمَعِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لَهُمَا، إِلاَّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ لِشُبْهَةٍ حُكْمِيَّةٍ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ. هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْقَائِلِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ وَتُسَمَّى اسْتِبْرَاءً،
وَلاَ يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ. (1)
__________
(1) البدائع 2 / 335، 7 / 35، 36، ابن عابدين 2 / 350، 351، 352، 607، 608، 3 / 153، 154، وفتح القدير 3 / 243ـ 245 و 4 / 147 و 5 / 40ـ42، والفتاوى الهندية 1 / 279، 280، والزيلعي 2 / 153، وحاشية الدسوقي2 / 219، 471، 475، وجواهر الإكليل 1 / 386، ومنح الجليل2 / 375، 381، القوانين الفقهية لابن جزي ص 140، ونهاية المحتاج7 / 119، 120، 168، وشرح روض الطالب 3 / 121، 150، وروضة الطالبين7 / 42، 51، 10 / 94، ومغني المحتاج 3 / 147، 148، والمهذب 2 / 146، 151، 269، والوجيز 2 / 11، وأشباه السيوطي ص 507، والمنثور في القواعد 3 / 329، والمغني 6 / 455، 456، 577، 7 / 450، 484، منتهى الإرادات 3 / 216، 217.

هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْعِدَّةِ وَهَل تُعْتَبَرُ وَقْتَ التَّفْرِيقِ أَوْ مِنْ آخَرِ الْوَطَآتِ.
وَهَل تَتَدَاخَل الْعِدَدُ أَوْ لاَ تَتَدَاخَل، بَل تُسْتَأْنَفُ.
وَهَل يُعْتَبَرُ النَّسَبُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُول أَوْ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ.
وَهَل تَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الْبَاطِل حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ أَوْ لاَ تَثْبُتُ. وَهَل يَثْبُتُ بِهِ الإِْرْثُ أَوْ لاَ يَثْبُتُ؟
فَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا.

استشكال النص لا يعني بطلانه

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

بعض عبارات العلامة المعلمي رحمه الله ، فقد قال في (الأنوار الكاشفة) (ص223): (واعلم أن الناس تختلف مداركُهم وأفهامُهم وآراؤهم، ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية، لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثيرٌ من الناس ، وقد أُلفت في ذلك كتب؛ وكذلك استشكل كثير من الناس كثيراً من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مر.
وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يعني بطلانه.
ووجود النصوص التي يُستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً، وإنما هو أمر مقصود شرعاً ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور وييسر للعلماء أبواباً من الجهاد العلمي يرفعهم الله به درجات)
؛ وانظر (مُشكل الحديث).
22 - البطلان
لغةَ: فساد الشىء وسقوط حكمه كما فى الوسيط (1).

واصطلاحًا: عدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه (2).

والفساد والبطلان عند غير الحنفية لفظان مترادفان معناهما واحد، يقابلان الصحة، سواء أكان ذلك فى العبادات أم فى المعاملات.

فهما فى العبادات عبارة عن: عدم ترتب الأثر عليها، أو عدم سقوط القضاء، أو عدم موافقة الأمر، وفى المعاملات عبارة عن عدم ترتب الأثر عليها.

أما عند الحنفية، فالفساد والبطلان متغايران، لأنهم يعرفون الباطل بأنه: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد بأنه: ما شرع بأصله دون وصفه.

وقد مثل الحنفية للباطل فى المعاملات: ببيع الملاقيح، أى: الأجنّة فى بطون أمهاتها، فإنه بيع غيرمشروع أصلا، لأنه فقد أحد أركانه وهو المبيع المعقود عليه إذ الحمل معدوم حكما، ولا يقدر على تسليمه فكان بيعا غيرمشروع ولا يعتد به ولا يترتب عليه أثره.

ومثلوا للباطل فى العبادات: بصوم الحائض وصلاتها فهما غير مشروعين ويوجبان الإثم. ومثال الفاسد عندهم فى المعاملات: الريا فمن حيث كونه بيعًا مشروع، ولكنه غيرمشروع باعتبار ما اشتمل عليه من وصف كالزيادة في أحد العوضين مثلا، وفيه يعتد بالبيع ويترتب عليه الملك ولا يعتد بالوصف فترد الزيادة على صاحبها.

ومثاله فى العبادات: صوم يوم النحر، فمن حيث كونه صومًا مشروع، ولكنه غيرمشروع لوقوعه يوم النحر.

والباطل عندهم لا يعتد به أصلا، أما الفاسد فإنه يترتب عليه آثاره مع إزالة الوصف غير المشروع، ولا عبرة بهذا الفرق عند الجمهور، وإن كانوا قد خالفوا هذه

القاعدة فى عدة مواضع.

أ. د/ على جمعة محمد
1 - المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية 1/ 1 6، مادة (بطل) الطبعة الثانية 1392 هـ- 1972م.
2 - أصول الفقه للصنعانى. تحقيق حسين السياغى ود/ حسن الأهول ص 0 4 مؤسسة الرسالة ط أولى 6 0 4 1 هـ- 986 1 م.
__________
المراجع
1 - قواطع الأدلة في الأصول لابن. السمعانى تحقيق د/ محمد حسن هيتو 1/ 1 4 مؤسسة الرسالة ط أولى 1417هـ- 1966 م.
2 - البحر المحيط للزركشى تحقيق لجنة من علماء الأزهر 2/ 24 وما بعدها دار الكتبى ط اولى 1414 هـ- 1994م.
3 - التمهيد فى تخريج الفروع على الأصول للإسنوى تحقيق د/محمد حسن هيتو59 مؤسسة الرسالة ط ثانية 1 0 4 1 هـ- 981 1 م.
4 - شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلى تحقيق د/محمد الزحيلى ود/ نزيه حماد 1/ 463، جامعة الملك عبد العزيز 1400هـ - 0 98 1 م

بيان الاستدلال على بطلان مجتلي السباق والنضال

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

بيان الاستدلال، على بطلان مجتلي السباق والنضال
لشمس الدين: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية الحنبلي.
المتوفى: سنة 751، إحدى وخمسين وسبعمائة.

كتاب: المعاد الروحاني وبطلانه فضلا عن الجسماني

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

كتاب: المعاد الروحاني، وبطلانه، فضلا عن الجسماني
لبندقليس الحكيم.
كان في عصر: داود - عليه السلام -.
لغة: الفساد.
وقيل: الضياع والخسران أو سقوط الحكم، يقال: «بطل الشيء يبطل بطلا وبطلانا» بمعنى: ذهب ضياعا وخسرانا، أو سقط حكمه، ومن معانيه: الحبوط.
اصطلاحا: يختلف تبعا للعبادات والمعاملات.
ففي العبادات: البطلان: عدم اعتبار العبادة حتى كأنها لم تكن، كما لو صلّى بغير وضوء.
والبطلان: في المعاملات يختلف فيها تعريف الحنفية عن غيرهم. فهو عند الحنفية: ينشأ عن البطلان تخلف الأحكام كلها عن التصرفات، وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة لتلك الأحكام التي تترتب عليها، فبطلان المعاملة لا يوصل إلى المقصود الدنيوي أصلا، لأن آثارها لا تترتب عليها.
وتعريف البطلان عند غير الحنفية: هو تعريف الفساد بعينه، وهو أن تقع المعاملة على وجه غير مشروع بأصله أو بوصفه أو بهما.
«المصباح المنير (بطل) ص 20، والتلويح على التوضيح 1/ 215، وجمع الجوامع (عطار) 1/ 105، ودستور العلماء 1/ 251، وكشف الأسرار 1/ 258، ولب الأصول مختصر جمع الجوامع ص 16، والموسوعة الفقهية 8/ 106».

عَدَمُ تَرَتُّبِ الأَثَرِ المَقْصُودِ مِنَ القَوْلِ أَوْ الفِعْلِ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الشَّرْعَ.
Nullity: Nullity and voidness of a statement or action because it does not comply with Shari‘ah (Islamic law).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت