نتائج البحث عن (تدليس الإسناد) 3 نتيجة

‫أ- لغة: التدليس لغة:‬
‫مر فى اصطلاح التدليس رقم(22).‬
‫ب- اصطلاحاً: لقد عرف علماء الحديث هذا النوع من التدليس بتعريفات مختلفة، سأذكر أشهرها، وهى:‬

‫1- تعريف الإمامين أبى الحسن بن القطان، والحافظ البزار، وهو: أن يروى الراوى عمن قد سمع منه ما لم يسمع من الراوى عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه (شرح ألفية العراقى، للعراقى: 1/18، وعزاه إلى الإمامين أبى الحسن بن القطان فى كتابه "بيان الوهم والإيهام"، والحافظ أبى بكر أحمد بن عمر بن عبدالخالق البزار، فى جزء له "فى معرفة من يترك حديثه أو يقبل" وفتح المغيث: 1/17، وعزاه إلى ابن القطان والبزار أيضاً).‬
‫2- تعريف ابن الصلاح، وهو: أن يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه (علوم الحديث: ص73، فجعل ابن الصلاح تدليس الإسناد قسمين، قسم اللقاء، وقسم المعاصرة).‬

‫3- تعريف الخطيب البغدادى، وهو: تدليس الحديث الذى لم يسمعه ممن دلسه عنه، بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه (الكفاية: ص357).‬

‫4- تعريف الحافظ ابن حجر، وهو: أن يروى الراوى عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه (النخبة وشرحها: ص45، وانظر نكت الحافظ ابن حجر: 2/623).‬
‫قلت: فقيد الحافظ ابن حجر التدليس بقسم اللقاء، وجعل قسم المعاصرة- من غير اللقاء- إرسالاً خفياً‬
‫قال الحافظ ابن حجر فى النخبة وشرحها: "والفرق بين المدلس والمرسل الخفى دقيق، حصل تحريره بما ذكرناه هنا، وهو أن التدليس يختص بمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفى، ومن أدخل فى تعريف التدليس المعاصرة- ولو بغير لقى- لزمه دخول المرسل الخفى فى تعريفه، والصواب التفرقة بينهما"
‫ويقصد الحافظ ابن حجر بـ "اللقاء": السماع قال السخاوى فى فتح المغيث: "وكنى شيخنا باللقاء عن السماع، لتصريح غير واحد من الأئمة فى تعريفه بالسماع" (فتح المغيث: 1/168- 17 )>‬

لتدليس الإسناد أسباب دفعت إليه أو أغراض دعت إليه:
السبب الأول: إرادة إخفاء الانقطاع وإيهام الإتصال، مع التخلص من ذكر راو مرغوب عن ذكره إما لطعن فيه أو لجهالته أو لصغره أو لنزول السند به أو لأية علة إخرى تجعله مرغوباً في الرواية عنه؛ فيدلسون ترويجاً لتلك الأحاديث بين الرواة وترغيباً لهم في سماعها منه طلباً للشهرة أو الإغراب أو لمعاني أخرى، كنصرة المذهب؛ وذلك بأن يسمع حديثاً من راو ضعيف أو متروك أو متهم أو وضاع يرويه بإسناد صحيح أو مقبول في الجملة فيدلسه ويروي الحديث عن شيخ ذلك الوضاع؛ ولهذا فإن هذا النوع من التدليس يكون أحياناً سبباً لإسقاط صاحبه وذلك إذا وجدت فيه شروط أخرى ليس هذا موضع تفصيل الكلام فيها.
السبب الثاني: إرادة إيهام العلو إما لترغيب الناس بتلك الرواية؛ فالرواة - كما هو معلوم - لهم من الحرص على سماع الأحاديث العالية ما ليس لهم مثله في الأحاديث النازلة؛ وإما للتشبع بذلك العلو المتوهَّم؛ وهذا لا يصح شرعاً قال ﷺ في الحديث الصحيح: (من تشبع بما لم يعط كان كلابس ثوبَي زور).
السبب الثالث: إرادة اختصار السند؛ فإن كثيراً من علماء التابعين كان يروي الأحاديث في معرض احتجاجه أو استشهاده أو استئناسه بها في فتوى أو خطبة أو موعظة أو تفسير آية أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فكان لا يحرص على سياقة السند كاملاً لأن المقام ليس مقام تحديث كما هو الشأن في أحاديث المحدثين الذين جاءوا بعد التابعين وكانوا يعقدون المجالس المختصة برواية الأحاديث وسردها بأسانيدها. فهؤلاء مقصدهم الأساس السند، وأولئك مقصدهم الأساس المتن؛ وكان يناسبهم في مثل تلك المقامات المذكورة الاختصار، ولذلك كثر في مروياتهم الإرسال، ولا تكاد تجد تابعياً من المكثرين إلا وفي أحاديثه مراسيل قليلة أو كثيرة.
ولهذا كان جماعة منهم إذا سئلوا عن أسانيد أحاديثهم التي أرسلوها أو دلسوها أحالوا على الثقات فلم يكن ذلك قادحاً؛ وفي (تاريخ ابن أبي خيثمة) عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسندْ لي، قال: إذا قلت: (قال عبد الله) فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا قلت: حدثني فلان فقد حدثني فلان.
السبب الرابع: نسيان الراوي أو شكه أو تردده فيمن حدثه؛ وذلك أن يشك الراوي في الذي حدثه ببعض الأحاديث عن شيخه فيدلسها ويرويها عن شيخه من غير أن يذكر الواسطة التي هي شيخه في ذلك الحديث بعينه.
ومن ذلك أن تختلط أحاديث المدلس عن شيخ معين له بأحاديثه عن راو آخر عن ذلك الشيخ نفسه فلا تسمح نفسه بتركها ولا بروايتها على الشك بل يرويها كلها عن شيخه من غير أن يذكر واسطة فيكون قد دلس وهذا في الحقيقة أقرب إلى الكذب منه إلى التدليس.
هو المراد بالتدليس عند الإطلاق، وهو أهم صوره وأشهرها وأكثرها وقوعاً.
وهو أن يروي غير الصحابي(1) عمن سمع منه في الجملة - أو عمن حصل له من اللقاء به ما يُظن معه حصول السماع(2) - ما لم يسمعه منه(3) من حديثه، حاذفاً الواسطة عمداً، قاصداً إيهام السماع بإحدى طرق الإيهام الآتي شرحها(4) ؛ وهي:
استعمال الصيغة المحتملة للسماع وعدمه ، وهي الصيغة الموهمة للسماع.
حذف الصيغة أصلاً.
إيهام التعاطف بين اسمين غير متعاطفين ، أو جملتين غير متعاطفتين، أي مع نية القطع بينهما.
القطع بين ركني جملة يظهر أنهما صيغة أداء المدلس واسم شيخه في ذلك الحديث ، مثل (حدثنا زيد قال عمرو ----).
وهذا بيان ذلك:
فصل:
الطريقة الأولى من طرق تدليس الإسناد:
وهي الأغلب الأشهر بين سائر طرق الإيهام(5)؛ وهي استعمال الصيغة المحتملة للسماع ولعدمه - وتسمى أيضاً الصيغة الموهمة للسماع، أو الصيغة الموهمة - مثل (قال) و (ذكر) و (حدث)؛ بدل الصيغة الصريحة في الانقطاع مثل (حُدِّثت) و (أًخْبرت) و(قيل لي) ونحوها.
والمدلس لا يستعمل عند إرادته التدليس صيغ الانقطاع هذه لأنه لا يتم بها مقصوده. وأيضاً لا يستعمل صيغ صريحة في السماع لأنه حينئذ يكون كاذباً لا مدلساً، والفرض هنا أنه ثقة.
الطريقة الثانية من طرق تدليس الإسناد:
حذف صيغة الأداء أصلاً كما فعله ابن عيينة مرة إذ قال: (عمرو بن دينار سمع جابراً رضي الله عنه)، ثم ساق الحديث وهو لم يسمعه من شيخه عمرو بن دينار ، بل سمعه عنه بواسطة(6).
وهذا الصنيع يليق به أن يسمى (التدليس بحذف الصيغة).
ومنه صنيع هشيم في حديثه الذي رواه عنه عبد الله بن أحمد في (العلل) (7) قال: (حدثني أبي قال حدثنا هشيم قال: إما المغيرة وإما الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: لم ير بأساً بمصافحة المرأة التي قد خلت من وراء الثوب؛ سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من مغيرة ولا من الحسن بن عبيد الله).
الطريقة الثالثة من طرق تدليس الإسناد:
التدليس بالعطف ؛ وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول من أنواع تدليس العطف: عطف اسم راو على اسم راو قبله مع نية القطع:
وهو كما قال ابن حجر في (النكت) (2/617): (أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه ، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر ، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه ، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضاً ؛ وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: (وفلان) ، أي: وحدث فلانٌ).
مثاله ما روى الحاكم في (معرفة علوم الحديث) (ص131) قال: (وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ، ففطن لذلك ، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حسين ومغيرة عن إبراهيم؛ فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً مما قلته، إنما قلت حدثني حصين، ومغيرة غير مسموع لي) ا.هـ.
ولكن هذه القصة ذكرها الحاكم بغير سند، ويظهر أنها لم تُرو مسندة، فعلى هذا لا تصح.
وقد قصر ابن حجر في (النكت) تدليس العطف على هذا النوع من أنواعه، فلم يذكر تحت هذا الاسم غيرَه.
النوع الثاني من أنواع تدليس العطف: عطف جملة سياق حديث على جملة سياق حديث قبله، أي عطف إسناد حذفت الصيغة من أوله على إسناد آخر لا حذف فيه:
ورد نحو ذلك فيما يظهر في صنيع هشيم في حديثه التالي:
قال عبد الله بن أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) (8): (حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال أخبرنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً)؛ ثم قال (9): (حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثل ذلك.
سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من عبيد الله)
.
فهشيم ساق حديثاً لشيخه الكلبي بقوله (حدثنا)، ثم عطف عليه حديثاً لشيخه عبيد الله ولكن لم يبدأه بأي صيغة؛ فهو أراد بهذا العطف عطف جملة على جملة، أي (وحدث عبيد الله) إلى آخره، لا عطف فاعل على فاعل، أعني لم يعطف عبيد الله على الكلبي.
النوع الثالث من أنواع تدليس العطف: أن ينفي السماع من الأول ثم يذكر الثاني من غير صيغة أداء ويوهم أنه سمع منه بخلاف الأول.
وقد ادعى بعضهم أن أبا إسحاق السبيعي فعله.
قال البخاري في (صحيحه) (10): حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: (أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ؛ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ).
قال الحاكم في (معرفة علوم الحديث) ص135: (قال علي: وكان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول: ليس أبو عبيدة حدثنا ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن النبي ﷺ في الاستنجاء بالأحجار الثلاثة، قال ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان، ولم يقل حدثني؛ فجاز الحديث وسار).
ولكن ابن حجر بين في (هدي الساري) أن هذا ليس بتدليس، وكذلك فعل في شرح الحديث في (الفتح) فقال (1/256-258):
(قوله {{ليس أبو عبيدة}} أي ابن عبد الله بن مسعود؛ وقوله (ذكره) أي لي (ولكن عبد الرحمن بن الأسود) أي هو الذي ذكره لي بدليل قوله في الرواية الآتية المعلقة (حدثني عبد الرحمن).
وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة.
ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق.
فمراد أبي إسحاق هنا بقوله (ليس أبو عبيدة ذكره) أي لست أرويه الآن عن أبي عبيدة وإنما أرويه عن عبد الرحمن -----.
قوله (وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يعني يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي عن أبي إسحاق وهو جده قال (حدثني عبد الرحمن) يعني بن الأسود بن يزيد بالإسناد المذكور أولاً.
وأراد البخاري بهذا التعليق الرد على من زعم أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر كما حُكِي ذلك عن سليمان الشاذكوني حيث قال: لم يسمع في التدليس بأخفى من هذا، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن، ولم يقل: ذكره لي، انتهى.
وقد استدل الإسماعيلي أيضاً على صحة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن يكون يحيى القطان رواه عن زهير فقال بعد أن أخرجه من طريقه: والقطان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان، أو بالتصريح من قوله؛ فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس). انتهى كلام ابن حجر.
الطريقة الرابعة من طرق تدليس الإسناد: تدليس القطع ، أي من غير عطف؛ وحقيقته الإضراب عن صيغة الأداء ، ثم استئناف سياق جديد محذوفة صيغته الأولى ، وهو في الحقيقة قطع بين الصيغة وفاعلها ، مع إيهام تلازمهما.
مثال ذلك ما كان يفعله عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي؛ من أنه كان يقول: (حدثنا) ، ثم يسكت ينوي القطع ، ثم يقول مثلاً: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ؛ فيذكر حديثاً لم يسمعه من هشام ؛ ويكون تقدير الكلام عنده ، أي في نفسه ، هو (حدَّث هشام عن أبيه ----) ؛ وذلك بعد أن يُضرِب عن جملته الأولى وهي (حدثنا) ويُعْرض عن إتمامها.
قال ابن سعد في (الطبقات) (7/291) في عمر هذا: (وكان يدلس تدليساً شديداً وكان يقول: " سمعتُ " و "حدثنا " ، ثم يسكت ثم يقول: "هشام بن عروة، الأعمش") ا.هـ.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر عمر بن علي فأثنى عليه خيراً، وقال: (كان يدلس، سمعته يقول: حجاج سمعته، يعني: حدثنا آخر، قال أبي: هكذا كان يدلس) ا.هـ من (تهذيب الكمال).
وهذا النص موجود في (سؤالات عبد الله بن أحمد لأبيه) (3/14) ولكن أخطأ المحقق في قراءة النص ففصل أول الكلام عن آخره؛ نبه عليه الشيخ عبد الله السعد في تقديمه لكتاب (منهج المتقدمين في التدليس) لناصر بن حمد الفهد(11).
تنبيهات:
الأول: التدليس منتفٍ عن الصحابة رضي الله عنهم بالكلية ؛ وقد حقق هذا المعنى العلامة المعلمي رحمه الله في (الأنوار الكاشفة) (ص159-161)(12):
الثاني: يظهر أن جمهور العلماء بالحديث قدماء ومتأخرين كانوا يفرقون بين الإرسال الخفي والتدليس(13) ، وأن قليلاً منهم كابن حبان والخليلي كانوا - بحسب ما يظهر - يسمون الإرسال الخفي تدليساً ، وهل كان هؤلاء يشترطون في تسميته تدليساً تعمد فاعله الإيهام أو لا يشترطون ؟ هذا ما ينبغي أن يحرر ؛ وعلى كل حال فالتحقيق أن الإرسال الخفي لا ينبغي أن يعد تدليساً إلا بشرط تعمد فاعله الإيهام ، وبهذا قد يجمع بين ما قد يظهر من تناقض بين عبارات بعض الأئمة في تعريف التدليس ، كالخطيب في (الكفاية).
الثالث: معنى التدليس منتفٍ عن تعليق المصنفين غير المدلسين الحديث عن شيوخهم، وقال ابن حجر في (نزهة النظر): (الصحيح في هذا [أي تعليق المصنفين عن شيوخهم] التفصيل، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضي به ، وإلا فتعليق). انتهى.
قلت: حاصل هذا الجواب أنه لا يعد بذاته تدليساً ولا يثبت وصف المصنف بالتدليس بمجرد هذا الصنيع.
والذي أراه هنا هو أنه إذا روى مصنفُ كتابٍ مسندٍ حديثاً وخصَّ رواياته المسندة المتصلة بصيغة صريحة في السماع مثل (أخبرنا) و(حدثنا) ، ثم نصب علامة على ما يعلقه عن شيوخه، أي ما يرويه عنهم - مما لم يسمعه منهم - بحذف الواسطة بينه وبينهم ، وكانت تلك العلامة هي أن تكون صيغة الأداء عنهم (قال) ، مثلاً، فهذا الصنيع ليس من التدليس في شيء، فهذه الصيغة (قال) من صيغ التعليق في ذلك الكتاب ، عن شيخ المصنف وعن غيره ، لا من صيغ الإسناد.
وذلك بخلاف من لم يضع علامة مميزة للتعاليق ، فهو تدليس. والله أعلم.
وانظر (أسباب تدليس الإسناد).
__________
(1) ويصح حذف هذا الاحتراز (غير الصحابي) ، اكتفاء بما يأتي من اشتراط قصد إيهام السماع، فالصحابة لا يقع منهم ذلك.
(2) أي ما يغلب على ظن تلامذته وغيرهم أنه سمع منه.
(3) من أسباب إيهام السماع كثرة رواية الراوي عمن عاصره أو لقيه ولم يسمع منه شيئاً ، من غير أن يبين أنه لم يسمع منه.
ولكن يقال هنا: لا شك أن مثل ذلك الإكثار يكون في الغالب مقتضياً للسؤال عنه والبحث فيه ، من قِبل طلاب الحديث وعلمائه ، فلن يخفى أمره عليهم.
(4) وهو بتعبير آخر: أن يروي الشيخ حديثاً فيسمعه بعض تلامذته عنه، لا منه، أي يسمعه بواسطة وليس من الشيخ مباشرة، ثم بعد ذلك يرويه عن ذلك الشيخ موهماً سماعه إياه منه بحذف الواسطة والتعبير بإحدى الطرق الموهمة للسماع.
وهذا النوع من التدليس فيه إخفاء الانقطاع؛ ويسمى أيضاً تدليس الإرسال.
وأطلق عليه بعض المعاصرين اسم تدليس الوصل، وهو يريد إيهام الوصل.
(5) أعني إيهام سماع الراوي الحديثَ ممن فوقه من شيوخه، خلافاً للواقع.
(6) قال ابن حجر في (النكت) (2/617): (وقد يدلسون بحذف الصيغ الموهمة فضلاً عن المصرحة ، كما كان ابن عيينة يقول: "عمرو بن دينار سمع جابراً رضي الله عنه" ، ونحو ذلك).
(7) وهم ابن حجر إذ مثَّل في (النكت) (2/617) لهذا النوع من التدليس بعمر بن عبيد الطنافسي بدل عمر بن علي المقدمي؛ فقال في شرح معنى تدليس القطع: (مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: (حدثنا)، ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها).
وهذا النص الذي نقله عن (الكامل) لابن عدي ليس موجوداً في المطبوع منه ؛ ويظهر أن الطنافسي لم يصفه بالتدليس أحد من العلماء قبل الحافظ ابن حجر في (النكت)،
قال الشيخ عبد الله السعد في التقديم المذكور: (وأما عمر بن عبيد الطنافسي فلا أعلم أن أحداً وصفه بالتدليس أصلاً، غير الحافظ بن حجر في (النكت) ولذلك لا أعلم أن أحداً ذكره في (طبقات المدلسين) حتى ابن حجر في (طبقاته) لم يذكره ، فهذا يدل على وهمه عندما وصفه بالتدليس ؛ والله أعلم). انتهى.
فابن حجر - كما يؤخذ من عبارة الشيخ، وكما هو الواقع - لم يصف الطنافسيَّ بالتدليس في (التهذيب) ولا (التقريب)، ولا في كتبه الأخرى المعروفة ، وإنما ذكر في (طبقات المدلسين) المقدميَّ فقال: (عمر بن علي المقدمي من أتباع التابعين ، ثقة مشهور ، كان شديد الغلو في التدليس ، وصفه بذلك أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد ؛ وقال ابن سعد: ثقة وكان يدلس تدليساً شديداً ، يقول: ثنا ، ثم يسكت ، ثم يقول: هشام بن عروة ، أو الأعمش ، أو غيرهما ؛ قلت: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع).
وقال في ترجمة عمر بن علي المقدمي من (التقريب): (ثقة وكان يدلس شديداً).
(8) فقال: (قال الخطيب في (الكفاية) (ص357): (تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه).
ومثال هذا أن قتادة كان سمع من أنس، ثم سمع من غيره عن أنس ما لم يسمعه هو من أنس، فربما روى بعض ذلك بقوله (قال أنس …) ونحو ذلك. ثم ذكر الخطيب (ص358) ما يؤخذ على المدلس، وهاك تلخيصه بتصرف:
أولاً: إيهامه السماع ممن لم يسمع منه.
ثانياً: إنما لم يبين لعلمه أن الواسطة غير مرضي.
ثالثاً: الأنفة من الرواية عمن حدثه.
رابعاً: إيهام علو الإسناد.
خامساً: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال.
أقول [القائل المعلمي]: هذه الأمور منتفية فيما كان يقع من الصحابة رضي الله عنهم من قول أحدهم فيما سمعه من صحابي آخر عن النبي ﷺ: "قال النبي ﷺ".
أما الأول: فلأن الإيهام إنما نشأ منذ عُني الناس بالإسناد، وذلك عقب حدوث الفتنة، وفي مقدمة "صحيح مسلم" عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم …)؛ فمن حينئذ التزم أهل العلم الإسناد فأصبح هو الغالب حتى استقر في النفوس، وصار المتبادر من قول من قد ثبت لقاؤه لحذيفة "قال حذيفة سمعت النبي ﷺ يقول … " أو نحو ذلك: أنه أسند، ومعنى الإسناد أنه ذكر من سمع منه، فيفهم من ذاك القول أنه سمع من حذيفة، فلو قال قائل مثل ذلك مع أنه لم يسمع ذاك الخبر من حذيفة وإنما سمعه ممن أخبر به عن حذيفة كان موهماً خلاف الواقع.
وهذا العرف لم يكن مستقراً في حق الصحابة، لا قبل الفتنة ولا بعدها، بل عُرفهم المعروف عنهم أنهم كانوا يأخذون من النبي ﷺ بلا واسطة، ويأخذ بعضهم بواسطة بعض، فإذا قال أحدهم: (قال النبي ﷺ …) كان محتملاً أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ، وأن يكون سمعه من صحابي آخر عن النبي ﷺ؛ فلم يكن في ذلك إيهام.
وأما الثاني فلم يكن ثم احتمال لأن يكون الواسطة غير مرضي، لأنهم لم يكن أحد منهم يرسل إلا ما سمعه من صحابي آخر - يثق به وثوقه بنفسه - عن النبي ﷺ؛ ولم يكن أحد منهم يرسل ما سمعه من صبي أو من مغفل أو قريب العهد بالإسلام أو من مغموص بالنفاق أو من تابعي.
وأما الثالث فلم يكن من شأنهم رضي الله عنهم.
وأما الرابع فتبع للأول.
وأما الخامس فلا ضرر في الاحتمال مع الوثوق بأنه إن كان هناك واسطة فهو صحابي آخر) انتهى كلام المعلمي رحمه الله.
وسبقه إلى نفي التدليس عن الصحابة بكلام جليل العلامة المحقق ابن رشيد السبتي رحمه الله في (السَّنَن الأبْيَن والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن) (ص63- 65) فقال:
(فإن قيل: قد وجد الإرسال من الصحابة رضي الله عنهم وممن بعدهم ممن يعلم أو يظن أنه لا يدلس عمن لقيه وسمع منه؟
قلنا: أما حال الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس فتحتمل وجوهاً:
منها أن يكونوا فعلوا ذلك اعتماداً على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أمن؛ يدل على ذلك ما قاله أنس بن مالك رضي الله عنه؛ ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في "
تاريخه" قال: نا موسى بن إسماعيل وهدبة قالا نا حماد بن سلمة عن حميد أن أنساً حدثهم بحديث عن رسول الله ﷺ فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فغضب غضباً شديداً وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعنا من رسول الله ﷺ؛ ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً، ولا يتهم بعضنا بعضاً.
قلت: ولذلك قبل جمهور المحدثين، بل جميع المتقدمين - وإنما خالف في ذلك بعض من تأصل من المحدثين المتأخرين - مراسل الصحابة رضي الله عنهم؛ وعلى القبول محققو الفقهاء والأصليين.
ومنها أن يكونوا أتوا بلفظ (قال)
أو (عن)؛ ولفظ (قال) أظهر إذ هو مهيع الكلام قبل أن يغلب العرف في استعمالهما للاتصال.
ومنها أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة مفهمة للإرسال مع تحقق سلامة أعراضهم وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين وأغراضهم.
ومنها أن يكونوا أتوا بلفظ مفهم لذلك فاختصره من بعدهم لثقة جميعهم ولعل قول كثير من التابعين عمن يروون عنه من الصحابة (ينمي الحديث إلى رسول الله ﷺ) أو (يبلغ به النبي عليه السلام) أو (يرفعه)، أو ما أشبه هذا من الألفاظ: عبارة عن ذلك.
وأما من سوى الصحابة فإنما فعل ذلك من فعله منهم بقرينة مفهمة للإرسال في ظنه وإلا عُدَّ مدلساً). انتهى.
(9) لقد ثبت أن أبا زرعة وأبا حاتم كانا لا يسميان الإرسال الخفي تدليساً. انظر (تهذيب التهذيب) (5/224-225و5/226) و(التنكيل) (2/89)؛ وانظر ما كتبه الدكتور خالد الدريس في كتابه (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع) (ص338-345).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت