دستور العلماء للأحمد نكري
|
التَّدَاخُل: (دريكديكر درآمدن) . وَفِي عرف الْحُكَمَاء نُفُوذ بعض الْأَشْيَاء فِي بعض بِحَيْثُ يتحدان فِي الْوَضع والحجم. وَبِعِبَارَة أُخْرَى دُخُول شَيْء فِي شَيْء آخر بِلَا زِيَادَة حجم وَمِقْدَار. والوضع الْإِشَارَة الحسية. ثمَّ التَّدَاخُل فِي الْجَوَاهِر بَاطِل عِنْدهم دون الْأَعْرَاض كَمَا بَين فِي كتب الْحِكْمَة.وَاعْلَم أَن مَذْهَبنَا التَّدَاخُل فِي الْأَسْبَاب فِي الْعِبَادَات والتداخل فِي الْأَحْكَام فِي الْعُقُوبَات حَتَّى لَو كرر آيَة السَّجْدَة فِي مجْلِس وَاحِد تجب سَجْدَة وَاحِدَة. وَلَو زنى مَرَّات يجب حد وَاحِد. وَفَائِدَته تظهر فِيمَا لَو زنى ثمَّ زنى فحد يحد ثَانِيًا. وَأما لَو تَلا آيَة السَّجْدَة فَسجدَ ثمَّ تَلا فِي ذَلِك الْمجْلس تِلْكَ الْآيَة لَا يجب كَذَا فِي الْكِفَايَة. والسر فِي اعْتِبَار التَّدَاخُل فِي الْأَسْبَاب فِي الْعِبَادَات والتداخل فِي الْأَحْكَام فِي الْعُقُوبَات دون الْعَكْس أَمْرَانِ.
الْأَمر الأول: أَن التَّدَاخُل فِي الْأَسْبَاب فِي الْعِبَادَات أنسب والتداخل فِي الْأَحْكَام فِي الْعُقُوبَات أليق لِأَن التَّدَاخُل فِي الْعِبَادَات إِذا اعْتبر فِي الْأَحْكَام يُفْضِي إِلَى عدم اتِّحَاد الحكم بِالنّظرِ إِلَى التَّدَاخُل وَالْأَحْكَام تَتَعَدَّد بِالنّظرِ إِلَى الْأَسْبَاب المتعددة لِأَن الْمَفْرُوض عدم التَّدَاخُل فِي الْأَسْبَاب فدارت الْأَحْكَام بَين الِاتِّحَاد والتعدد لَكِن يَنْبَغِي أَن تَتَعَدَّد احْتِيَاطًا فَقُلْنَا بالتداخل فِي الْأَسْبَاب لِئَلَّا يلْزم عدم الاحكام مَعَ وجود الْأَسْبَاب. والعقوبات مَتى دارت بَين الثُّبُوت والسقوط تسْقط فَقُلْنَا بالتداخل فِي الْأَحْكَام لِأَن التَّدَاخُل فِي الْأَحْكَام عِنْد عدم الْمَانِع أليق وأجدر إِذْ الْأَحْكَام أُمُور حكمِيَّة تثبت بِخِلَاف الْقيَاس لَا حَقِيقِيَّة فاعتبارها وَاحِدًا غير مستبعد عِنْد الْعقل بِخِلَاف الْأَسْبَاب فَإِنَّهَا أُمُور مُتعَدِّدَة حسا كتعدد الزِّنَا وَالسَّرِقَة. وَالْأَمر الثَّانِي: أَن الِاقْتِصَار على السَّجْدَة الْوَاحِدَة بعد وجوب أَكثر مِنْهَا لتَعَدد الْأَسْبَاب تقليل عبَادَة المعبود وَهُوَ غير مُنَاسِب للْعَبد الْمَخْلُوق لِلْعِبَادَةِ لقَوْله تَعَالَى: {{وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون}} . فاعتبرنا التَّدَاخُل فِي الْأَسْبَاب فِي الْعِبَادَات كَأَنَّهُ لم يُوجد إِلَّا سَبَب وَاحِد. والاقتصار على الْحَد الْوَاحِد بعد وجوب أَكثر مِنْهُ تقليل الْعقُوبَة وَهُوَ من بَاب الْكَرم وَالْعَفو اللَّائِق بجنابه تَعَالَى فاعتبرنا التَّدَاخُل فِي الْأَحْكَام فِي الْعُقُوبَات ليعلم كَمَال كرم الْكَرِيم وَتَمام عَفْو الْعَفو المنان. مَعَ كَثْرَة الذُّنُوب والعصيان. وتداخل العددين الْمُخْتَلِفين أَن يعد أَي يفني أقلهما الْأَكْثَر يَعْنِي أَنه إِذا ألْقى الْأَقَل من الْأَكْثَر مرَّتَيْنِ أَو أَكثر لم يبْق من الْأَكْثَر شَيْء كالثلاثة والستة فَإنَّك إِذا ألقيت الثَّلَاثَة من السِّتَّة مرَّتَيْنِ فنيت السِّتَّة بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَذَا إِذا ألقيتها من التِّسْعَة ثَلَاث مَرَّات انْتَفَت التِّسْعَة بالمرات الثَّلَاث. فهذان العددان يسميان بالمتداخلين اصْطِلَاحا وَالنِّسْبَة بَينهمَا نِسْبَة التَّدَاخُل. والاعتراض الْمَشْهُور هَا هُنَا مَذْكُور فِي التباين مَعَ الْجَواب. ثمَّ اعْلَم أَن المُرَاد من التَّدَاخُل فِي قَول أَرْبَاب التصريف أَن فضل يفضل وَكَاد يكَاد من بَاب التَّدَاخُل أَن فضل يفضل كَمَا جَاءَ من بَاب نصر جَاءَ أَيْضا من بَاب علم وَكَذَا كَاد يكَاد كَمَا جَاءَ من بَاب كرم جَاءَ من بَاب علم أَيْضا. فَأخذ الْمَاضِي من أَحدهمَا والمضارع من الآخر. والتداخل عِنْدهم لَيْسَ مَخْصُوصًا بالكلمتين لِأَنَّهُ جَاءَ فِي كلمة وَاحِدَة أَيْضا كَمَا قَالُوا إِن فعل بِكَسْر الْفَاء وَضم الْعين لم يجِئ فِي الِاسْم وَأما الحبك بِكَسْر الْفَاء وَضم الْعين فَمَحْمُول على التَّدَاخُل يَعْنِي أَنه مَشْهُور بالكسرتين أَو الضمتين. ثمَّ الْمُتَكَلّم لما تلفظ بِالْحَاء الْمَكْسُورَة من اللُّغَة الأولى غفل عَنْهَا وتلفظ بِالْبَاء المضمومة من اللُّغَة الثَّانِيَة. التدقيق: فِي اللُّغَة باريك نمودن. وَفِي الِاصْطِلَاح إِثْبَات الْمَسْأَلَة بِدَلِيل دَقِيق يصل النَّاظر إِلَيْهِ بدقة النّظر لدقة طَرِيقه ولاحتياجه إِلَى دَلِيل آخر. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
المتداخلة: والمترادفة فِي الْحَال وَمن أقسامها:
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
تداخل العددين: في الفرائض هو أن يعدَّ أقلهما الأكثر أي يفنيه مثل ثلاثة وتسعة.
|
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
التدَاخُلُ: تلاقي الشَّيْء الآخر بكليته حَتَّى يكفيهما مَكَان وَاحِد.
|
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّدَاخُل فِي اللُّغَةِ: تَشَابُهُ الأُْمُورِ وَالْتِبَاسُهَا وَدُخُول بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. (1) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: دُخُول شَيْءٍ فِي شَيْءٍ آخَرَ بِلاَ زِيَادَةِ حَجْمٍ وَمِقْدَارٍ. وَتَدَاخُل الْعَدَدَيْنِ أَنْ يَعُدَّ أَقَلُّهُمَا الأَْكْثَرَ، أَيْ يُفْنِيهِ، مِثْل ثَلاَثَةٍ وَتِسْعَةٍ (2) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الاِنْدِرَاجُ: 2 - الاِنْدِرَاجُ مَصْدَرُ انْدَرَجَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِرَاضُ. وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى دُخُول أَمْرٍ فِي أَمْرٍ آخَرَ أَعَمَّ مِنْهُ، كَالْحَدَثِ الأَْصْغَرِ مَعَ الْجَنَابَةِ فِي الطَّهَارَةِ (3) . __________ (1) الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: " دخل " (2) التعريفات للجرجاني / 76 ط دار الكتاب العربي (3) المنثور 1 / 271 ط الأولى ب - التَّبَايُنُ: 3 - مَعْنَى التَّبَايُنِ فِي اللُّغَةِ: التَّهَاجُرُ وَالتَّبَاعُدُ. (1) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عِبَارَةٌ عَمَّا إِذَا نُسِبَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ إِلَى الآْخَرِ لَمْ يَصْدُقْ أَحَدُهُمَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا صَدَقَ عَلَيْهِ الآْخَرُ، فَإِنْ لَمْ يَتَصَادَقَا عَلَى شَيْءٍ أَصْلاً فَبَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ الْكُلِّيُّ، وَإِنْ صَدَقَا فِي الْجُمْلَةِ فَبَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ الْجُزْئِيُّ. كَالْحَيَوَانِ وَالأَْبْيَضِ وَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ مِنْ وَجْهٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّدَاخُل وَاضِحٌ، إِذِ التَّدَاخُل إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْمُتَشَابِهَةِ وَالْمُتَقَارِبَةِ، أَمَّا التَّبَايُنُ فَيَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْمُتَفَاوِتَةِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا. (2) ج - التَّمَاثُل: 4 - التَّمَاثُل: مَصْدَرُ تَمَاثَل، وَمَادَّةُ مِثْل فِي اللُّغَةِ تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّبَهِ، وَبِمَعْنَى نَفْسِ الشَّيْءِ وَذَاتِهِ وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ التَّمَاثُل بِمَعْنَى التَّسَاوِي، كَمَا فِي تَمَاثُل الْعَدَدَيْنِ فِي مَسَائِل الإِْرْثِ (3) . __________ (1) الصحاح والقاموس مادة: " بين " (2) التعريفات للجرجاني ص 72 ط دار الكتاب العربي (3) المصباح واللسان مادة: " مثل "، والاختيار 5 / 122 ط دار المعرفة، والزرقاني 8 / 220 ط الفكر، ومغني المحتاج 3 / 33 - 34 ط الحلبي د - التَّوَافُقُ: 5 - مَعْنَى التَّوَافُقِ فِي اللُّغَةِ: الاِتِّفَاقُ وَالتَّظَاهُرُ. (1) وَتَوَافُقُ الْعَدَدَيْنِ: أَلاَّ يَعُدَّ أَقَلُّهُمَا الأَْكْثَرَ، وَلَكِنْ يَعُدُّهُمَا عَدَدٌ ثَالِثٌ، كَالثَّمَانِيَةِ مَعَ الْعِشْرِينَ، يَعُدُّهُمَا أَرْبَعَةٌ، فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ بِالرُّبْعِ؛ لأَِنَّ الْعَدَدَ الْعَادَّ مُخْرِجٌ لِجُزْءِ الْوَفْقِ (2) . مَحَل التَّدَاخُل: 6 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّدَاخُل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأَْسْبَابِ: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأَْحْكَامِ. وَالأَْلْيَقُ بِالْعِبَادَاتِ الأَْوَّل، وَبِالْعُقُوبَاتِ الثَّانِي، وَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْعِنَايَةِ: أَنَّ التَّدَاخُل فِي الْعِبَادَاتِ إِذَا كَانَ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ كَانَتِ الأَْسْبَابُ بَاقِيَةً عَلَى تَعَدُّدِهَا، فَيَلْزَمُ وُجُودُ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْعِبَادَةِ بِدُونِ الْعِبَادَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ الاِحْتِيَاطِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الاِحْتِيَاطُ، فَقُلْنَا بِتَدَاخُل الأَْسْبَابِ فِيهَا لِيَكُونَ جَمِيعُهَا بِمَنْزِلَةِ سَبَبٍ وَاحِدٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ إِذَا وُجِدَ دَلِيل الْجَمْعِ وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا، بَل فِي دَرْئِهَا احْتِيَاطٌ فَيُجْعَل التَّدَاخُل فِي الْحُكْمِ؛ لِيَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْمُوجِبِ مُضَافًا إِلَى __________ (1) القاموس مادة: " وفق " (2) التعريفات للجرجاني ص 95 ط دار الكتاب العربي، وحاشية قليوبي 3 / 153 ط الحلبي عَفْوِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِسُبُوغِ الْعَفْوِ وَكَمَال الْكَرَمِ. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَلاَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ فَسَجَدَهَا، ثُمَّ تَلاَهَا فِيهِ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ أَوَّلاً؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّدَاخُل فِي السَّبَبِ لَكَانَتِ التِّلاَوَةُ الَّتِي بَعْدَ السَّجْدَةِ سَبَبًا، وَحُكْمُهُ قَدْ تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ. وَأَمَّا فِي الْعُقُوبَاتِ: فَإِنَّهُ لَوْ زَنَى، ثُمَّ زَنَى ثَانِيَةً قَبْل أَنْ يُحَدَّ الأُْولَى، فَإِنَّ عَلَيْهِ حَدًّا وَاحِدًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ زَنَى فَحُدَّ، ثُمَّ زَنَى فَإِنَّهُ يُحَدُّ ثَانِيًا. (1) وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفُرُوقِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّدَاخُل مَحَلُّهُ الأَْسْبَابُ لاَ الأَْحْكَامُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الطِّهَارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ وَالأَْمْوَال. بَل ذَكَرَ أَنَّ الْحُدُودَ الْمُتَمَاثِلَةَ إِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهَا كَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ تَمَاثَلَتْ كَالزِّنَى مِرَارًا وَالسَّرِقَةِ مِرَارًا وَالشُّرْبِ مِرَارًا قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَوْلَى الأَْسْبَابِ بِالتَّدَاخُل؛ لأَِنَّ تَكَرُّرَهَا مُهْلِكٌ. (2) وَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي الطِّهَارَاتِ وَكَفَّارَةِ الصِّيَامِ، فِيمَا لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْجِمَاعُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَبْل __________ (1) العناية مع فتح القدير ونتائج الأفكار 1 / 390 ط الأميرية، والبحر الرائق 2 / 135 ط العلمية (2) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون 2 / 29 - 30 ط دار المعرفة التَّكْفِيرِ، وَفِي الْحُدُودِ إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَجْنَاسٍ أَنَّ التَّدَاخُل عِنْدَهُمْ أَيْضًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْسْبَابِ دُونَ الأَْحْكَامِ. (1) هَذَا وَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ التَّدَاخُل إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْحْكَامِ دُونَ الأَْسْبَابِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالإِْتْلاَفَاتِ. (2) آثَارُ التَّدَاخُل الْفِقْهِيَّةِ وَمَوَاطِنُهُ: 7 - ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ التَّدَاخُل وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ، وَهِيَ الطِّهَارَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالْحُدُودُ وَالأَْمْوَال. (3) وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّهُ يَدْخُل فِي ضُرُوبٍ، وَهِيَ: الْعِبَادَاتُ وَالْعُقُوبَاتُ وَالإِْتْلاَفَاتُ. (4) وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا، دَخَل أَحَدُهُمَا فِي الآْخَرِ غَالِبًا، كَالْحَدَثِ مَعَ الْجَنَابَةِ. (5) __________ (1) كشاف القناع 1 / 156 و 2 / 326 و 6 / 85 - 87 ط النصر، والمغني 8 / 213 ط الرياض، والإنصاف 3 / 320 ط النصر، والكافي 1 / 61 ط المكتب الإسلامي، ومنتهى الإرادات 1 / 32 ط العروبة (2) المنثور 1 / 269 - 277 ط الأولى (3) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون 2 / 29 - 30 ط دار المعرفة (4) المنثور للزركشي 1 / 269 - 277 ط الأولى (5) الأشباه والنظائر للسيوطي / 126 ط العلمية، والأشباه والنظائر لابن نجيم / 132 ط الهلال هَذَا وَالتَّدَاخُل يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَالْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْعِدَدِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ وَالدِّيَاتِ، وَالْحُدُودِ وَالْجِزْيَةِ، وَفِي حِسَابِ الْمَوَارِيثِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: - أَوَّلاً - الطِّهَارَاتُ: 8 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْغُسْل: الْوُضُوءَ قَبْلَهُ، لأَِنَّهُ صِفَةُ غُسْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَنَصُّ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَل مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِل يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِل فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ وَيُدْخِل أَصَابِعَهُ فِي أُصُول الشَّعْرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَل رِجْلَيْهِ (1) . هَذَا عَنْ تَحْصِيل السُّنَّةِ. أَمَّا الأَْجْزَاءُ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الطِّهَارَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل إِذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهُمَا الْمُخْتَلِفَةُ كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوِ الْمُتَمَاثِلَةُ كَالْجَنَابَتَيْنِ، وَالْمُلاَمَسَتَيْنِ، فَإِنَّ تِلْكَ الأَْسْبَابَ تَتَدَاخَل، فَيَكْفِي فِي الْجَنَابَتَيْنِ، أَوْ فِي __________ (1) حديث: " كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 360 - ط السلفية) ومسلم (1 / 253 - ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوْ فِي الْجَنَابَةِ وَالْمُلاَمَسَةِ غُسْلٌ وَاحِدٌ، لاَ يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى وُضُوءٍ؛ لاِنْدِرَاجِ سَبَبِهِ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْل. (1) وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ فِي الْعِبَادَاتِ، إِنْ كَانَا فِي وَاجِبٍ وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْقَصْدِ، تَدَاخَلاَ، كَغُسْل الْحَيْضِ مَعَ الْجَنَابَةِ، فَإِذَا أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، كَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ (2) . هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي تَدَاخُل الْوُضُوءِ وَالْغُسْل إِذَا وَجَبَا عَلَيْهِ - كَمَا لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ - أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، انْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَوَّلِهَا، وَاتَّفَقُوا مَعَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْبَاقِي. أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدِ انْفَرَدُوا فِيهِ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ اخْتَارَهُ: أَنَّهُ يَكْفِيهِ الْغُسْل، نَوَى الْوُضُوءَ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، غَسَل الأَْعْضَاءَ مُرَتَّبَةً أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُمَا طَهَارَتَانِ، فَتَدَاخَلَتَا. (3) وَالثَّانِي، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْل؛ لأَِنَّهُمَا __________ (1) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون 2 / 29 ط دار المعرفة، والأشباه لابن نجيم / 132 ط الهلال (2) المنثور 1 / 269 ط الأولى (3) نهاية المحتاج 1 / 213، 214 ط المكتبة الإسلامية، وتحفة المحتاج 1 / 286 ط دار صادر، وحاشية قليوبي 1 / 68 ط دار المعرفة، والمنثور 1 / 269 ط الأولى، والمهذب 1 / 39 ط دار المعرفة حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَمْ يَدْخُل أَحَدُهُمَا فِي الآْخَرِ كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، فَإِنْ نَوَى الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْل أَوْ عَكْسَهُ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا نَوَى. (1) الثَّالِثُ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ: أَنَّهُ يَأْتِي بِخَصَائِصِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ يَتَوَضَّأَ مُرَتَّبًا، ثُمَّ يَغْسِل سَائِرَ الْبَدَنِ؛ لأَِنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْغُسْل وَمُخْتَلِفَانِ فِي التَّرْتِيبِ، فَمَا اتَّفَقَا فِيهِ تَدَاخَلاَ، وَمَا اخْتَلَفَا فِيهِ لَمْ يَتَدَاخَلاَ. (2) الرَّابِعُ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: أَنَّهُمَا يَتَدَاخَلاَنِ فِي الأَْفْعَال دُونَ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَجَانِسَتَانِ صُغْرَى وَكُبْرَى، فَدَخَلَتِ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى فِي الأَْفْعَال دُونَ النِّيَّةِ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (3) . هَذَا، وَجَاءَ فِي الإِْنْصَافِ عَنِ الدَّيْنَوَرِيِّ فِي وَجْهٍ حَكَاهُ: أَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ فَلاَ __________ (1) المهذب 1 / 39 ط. دار المعرفة، والكافي 1 / 61 ط المكتب الإسلامي، ومنتهى الإرادات 1 / 32 ط العروبة، والإنصاف 1 / 259 ط التراث (2) المهذب 1 / 39 ط. دار المعرفة، والإنصاف 1 / 259 ط التراث (3) المهذب 1 / 39 ط دار المعرفة، والمجموع 2 / 194 - 195 ط السلفية، والإنصاف 1 / 259 ط التراث، وكشاف القناع 1 / 156 ط النصر تَدَاخُل، وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ، أَوْ أَجْنَبَ ثُمَّ أَحْدَثَ يَكْفِيهِ الْغُسْل عَلَى الأَْصَحِّ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لِمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الأَْوَّل. (1) ثَانِيًا: التَّدَاخُل فِي الصَّلاَةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أ - تَدَاخُل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلاَةِ الْفَرْضِ: 9 - ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ، وَالْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ: أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَدْخُل فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبِهِمَا، فَإِنَّ سَبَبَ التَّحِيَّةِ هُوَ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَسَبَبُ الظُّهْرِ مَثَلاً هُوَ الزَّوَال، فَيَقُومُ سَبَبُ الزَّوَال مَقَامَ سَبَبِ الدُّخُول، فَيَكْتَفِي بِهِ. وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ التَّدَاخُل فِي الْعِبَادَاتِ إِنْ كَانَ فِي مَسْنُونٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَسْنُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُول، دَخَل تَحْتَهُ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ صَلاَةِ الْفَرْضِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَدْخُل فِي الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ. (2) ب - تَدَاخُل سُجُودِ السَّهْوِ: 10 - جَاءَ صَرِيحًا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ - مِنْ __________ (1) الإنصاف 1 / 259 (2) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون 2 / 29 ط دار المعرفة، والأشباه لابن نجيم / 132 ط. الهلال، والمنثور 1 / 269 - 270 ط الأولى، وكشاف القناع 1 / 324 و 2 / 46 كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ - فِيمَنْ تَكَرَّرَ سَهْوُهُ بِحَيْثُ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَرْكِ جَمِيعِ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ سَجْدَتَانِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةً أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ، أَوْ نَسِيَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ أَوِ التَّشَهُّدَيْنِ. وَجَاءَ فِي الْمَنْثُورِ وَالأَْشْبَاهِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ جُبْرَانَاتِ الصَّلاَةِ تَتَدَاخَل لاِتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ تَعَدَّدَ سَجْدَتَانِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِسُجُودِ السَّهْوِ إِرْغَامُ أَنْفِ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ حَصَل بِالسَّجْدَتَيْنِ آخِرَ الصَّلاَةِ، بِخِلاَفِ جُبْرَانَاتِ الإِْحْرَامِ فَلاَ تَتَدَاخَل؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ جَبْرُ النُّسُكِ وَهُوَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالتَّعَدُّدِ. (1) وَقَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: إِذَا سَهَا سَهْوَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ، لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَكَذَلِكَ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلاً لأَِحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَا. __________ (1) ابن عابدين 1 / 497 ط بولاق، والمدونة 1 / 138 ط. دار صادر، والمنثور 1 / 270 ط. الأولى، والأشباه للسيوطي / 126 ط العلمية وَالثَّانِي: يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ، قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودَانِ، أَحَدُهُمَا قَبْل السَّلاَمِ، وَالآْخَرُ بَعْدَهُ سَجَدَهُمَا فِي مَحَلَّيْهِمَا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِكُل سَهْوٍ سَجْدَتَانِ (1) . وَهَذَانِ سَهْوَانِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَجْدَتَانِ؛ وَلأَِنَّ كُل سَهْوٍ يَقْتَضِي سُجُودًا، وَإِنَّمَا تَدَاخَلاَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لاِتِّفَاقِهِمَا، وَهَذَانِ مُخْتَلِفَانِ. (2) ج - التَّدَاخُل فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ: 11 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ سَجْدَةَ التِّلاَوَةِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُل دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَالتَّدَاخُل فِيهَا تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَتَنُوبُ الْوَاحِدَةُ عَمَّا قَبْلَهَا وَعَمَّا بَعْدَهَا، وَلاَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا إِلاَّ بِاخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ أَوِ اخْتِلاَفِ التِّلاَوَةِ (أَيِ الآْيَةِ) أَوِ السَّمَاعِ، فَمَنْ تَلاَ آيَةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَدَاءُ السَّجْدَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الأُْولَى أَوْلَى. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَنْزِل بِالْوَحْيِ فَيَقْرَأُ آيَةَ السَّجْدَةِ __________ (1) حديث: " لكل سهو سجدتان ". أخرجه أبو داود (1 / 1038 - ط تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ثوبان، وأصله في صحيح مسلم (1 / 402 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود (2) المغني 2 / 39 - 40 ط الرياض عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْمَعُ وَيَتَلَقَّنُ، ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لاَ يَسْجُدُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً (1) . وَإِنْ تَلاَهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ فَسَجَدَ، ثُمَّ دَخَل فِي الصَّلاَةِ فَتَلاَهَا فِيهَا، سَجَدَ أُخْرَى. وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ أَوَّلاً كَفَتْهُ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّ الصَّلاَتِيَّةَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهَا، فَتَسْتَتْبِعُ غَيْرَهَا وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ. وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فِي الصَّلاَةِ سَقَطَتَا فِي الأَْصَحِّ. (2) وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ تَكْرِيرُ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، إِنْ كَرَّرَ حِزْبًا فِيهِ سَجْدَةً، وَلاَ تَكْفِيهِ السَّجْدَةُ الأُْولَى؛ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلسُّجُودِ، بِاسْتِثْنَاءِ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَقَطْ عِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ، خِلاَفًا لأََصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَائِلَيْنِ بِعَدَمِ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا وَلاَ فِي أَوَّل مَرَّةٍ. وَمَحَل الْخِلاَفِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ إِذَا حَصَل التَّكْرِيرُ لِحِزْبٍ فِيهِ سَجْدَةٌ، وَأَمَّا قَارِئُ __________ (1) حديث: " كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ. . . " يدل على ذلك حديث البخاري عن ابن عباس " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه ". فهذا شامل للآيات التي فيها سجدات وقد كان يسجد فيها سجدة واح (فتح الباري 1 / 29) (2) ابن عابدين 1 / 520، 521 ط. بولاق، بدائع الصنائع 1 / 181 ط. الجمالية، وتبيين الحقائق 1 / 207 ط. دار المعرفة، والبحر الرائق 2 / 135، 136 ط. العلمية، والاختيار 1 / 76 ط. دار المعرفة الْقُرْآنِ بِتَمَامِهِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ جَمِيعَ سَجَدَاتِهِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ وَفِي الصَّلاَةِ، حَتَّى لَوْ قَرَأَهُ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعَلِّمًا أَمْ مُتَعَلِّمًا اتِّفَاقًا. (1) وَجَاءَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا قَرَأَ آيَاتِ السَّجَدَاتِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، سَجَدَ لِكُل وَاحِدَةٍ، وَمِثْل ذَلِكَ قِرَاءَتُهُ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي مَجْلِسَيْنِ. فَلَوْ كَرَّرَ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْمَرَّةِ الأُْولَى كَفَاهُ سُجُودٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَجَدَ لِلأُْولَى فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا يَسْجُدُ مَرَّةً أُخْرَى لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ، وَالثَّانِي تَكْفِيهِ الأُْولَى، وَالثَّالِثُ إِنْ طَال الْفَصْل سَجَدَ أُخْرَى، وَإِلاَّ فَتَكْفِيهِ الأُْولَى. وَلَوْ كَرَّرَ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ فَكَالْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَكَالْمَجْلِسَيْنِ. وَلَوْ قَرَأَ مَرَّةً فِي الصَّلاَةِ، وَمَرَّةً خَارِجَهَا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ وَسَجَدَ لِلأُْولَى، فَلَمْ يَرَ النَّوَوِيُّ فِيهِ نَصًّا لِلأَْصْحَابِ، وَإِطْلاَقُهُمْ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلاَفِ فِيهِ. (2) __________ (1) جواهر الإكليل 1 / 73 ط دار المعرفة، والدسوقي 1 / 311 ط الفكر، والزرقاني 1 / 277، 278 ط الفكر، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل 2 / 65، 66 ط النجاح (2) روضة الطالبين 1 / 320 - 321 ط. المكتب الإسلامي، وحاشية قليوبي 1 / 208 ط. الحلبي، ونهاية المحتاج 2 / 97 ط المكتبة الإسلامية وَتَذْكُرُ كُتُبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا أَنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ التِّلاَوَةِ، حَتَّى فِي طَوَافٍ مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَجْهَيْنِ فِي إِعَادَةِ سُجُودِ مَنْ قَرَأَ بَعْدَ سُجُودِهِ، وَكَذَا يَتَوَجَّهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إِنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ. وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قَرَأَ سَجْدَةً فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْحَال مَرَّةً أُخْرَى، لاَ لأَِجْل السُّجُودِ، فَهَل يُعِيدُ السُّجُودَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَال الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: إِنْ سَجَدَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ ثُمَّ صَلَّى فَقَرَأَهَا فِيهَا أَعَادَ السُّجُودَ، وَإِنْ سَجَدَ فِي صَلاَةٍ ثُمَّ قَرَأَهَا فِي غَيْرِ صَلاَةٍ لَمْ يَسْجُدْ. وَقَال: إِذَا قَرَأَ سَجْدَةً فِي رَكْعَةٍ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَقِيل يُعِيدُ السُّجُودَ، وَقِيل لاَ. (1) ثَالِثًا: تَدَاخُل صَوْمِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الاِعْتِكَافِ: 12 - مِنَ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ صَوْمَ الاِعْتِكَافِ يَدْخُل فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ سَبَبٌ لِتَوَجُّهِ الأَْمْرِ بِالصَّوْمِ، وَرُؤْيَةُ هِلاَل رَمَضَانَ هِيَ سَبَبُ تَوَجُّهِ الأَْمْرِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، فَيَدْخُل السَّبَبُ الَّذِي هُوَ الاِعْتِكَافُ فِي __________ (1) كشاف القناع 1 / 449 ط. النصر، ومنتهى الإرادات 1 / 103 دار العروبة، والإنصاف 2 / 195، 196 ط التراث السَّبَبِ الآْخَرِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الْهِلاَل فَيَكْتَفِي بِهِ وَيَتَدَاخَل الاِعْتِكَافُ وَرُؤْيَةُ الْهِلاَل. (1) رَابِعًا: تَدَاخُل الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِلْقَارِنِ: 13 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالإِْمَامُ أَحْمَدَ فِيمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَطُوفُ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَيَسْعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَال عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ. . . (2) . الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا؛ وَلأَِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا دَخَلَتْ أَفْعَال الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى كَالطَّهَارَتَيْنِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا نَاسِكٌ يَكْفِيهِ حَلْقٌ وَاحِدٌ وَرَمْيٌ وَاحِدٌ، فَكَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ كَالْفَرْدِ. __________ (1) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون 2 / 29 ط دار المعرفة (2) حديث: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 494 - ط السلفية) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَمْ تُشْتَهَرْ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَال الشَّعْبِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (1) وَتَمَامُهُمَا أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالِهِمَا عَلَى الْكَمَال بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَارِنِ وَغَيْرِهِ. وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ (2) وَلأَِنَّهُمَا نُسُكَانِ، فَكَانَ لَهُمَا طَوَافَانِ، كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ. وَأَثَرُ هَذَا الْخِلاَفِ يَظْهَرُ فِي الْقَارِنِ إِذَا قَتَل صَيْدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالتَّدَاخُل. (3) __________ (1) سورة البقرة / 196 (2) حديث: " من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان. . . " ورد من فعله صلى الله عليه وسلم ولم يرد من قوله، أخرجه الدارقطني في سننه (2 / 258 - ط شركة الطباعة الفنية) وقال: لم يروه عن الحكم - يعني ابن عتيبة - غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث (3) مسلم الثبوت 2 / 48 ط. الأميرية، وابن عابدين 2 / 192 ط المصرية، والخرشي 2 / 309 ط دار صادر، والدسوقي 2 / 28 ط. الفكر، وجواهر الإكليل 1 / 171 ط دار المعرفة، والقرطبي 2 / 369 ط دار الكتب، وروضة الطالبين 3 / 44 ط المكتب الإسلامي، والمنثور للزركشي 1 / 272 ط الأولى، وفتح الباري 3 / 493، 494 ط، الرياض، وكشاف القناع 2 / 412 ط النصر، والمغني 3 / 465، 466 ط الرياض خَامِسًا: تَدَاخُل الْفِدْيَةِ: 14 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَتَدَاخَل. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ قَلَّمَ أَظَافِرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، وَهِيَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَلاَ يُزَادُ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَ قَلَّمَهَا فِي مَجَالِسَ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُل كَكَفَّارَةِ الْفِطْرِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجِبُ لِكُل يَدٍ دَمٌ، وَلِكُل رِجْلٍ دَمٌ إِذَا تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي الْفِدْيَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُل بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي آيَةِ السَّجْدَةِ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْضَاءَ مُتَبَايِنَةٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الْجِنَايَةُ - وَهِيَ تَقْلِيمُ الأَْظَافِرِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ - جِنَايَةً وَاحِدَةً فِي الْمَعْنَى لاِتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الرِّفْقُ. (1) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِمِثْل ذَلِكَ فِيمَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، وَجَامَعَ بَعْدَهُ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ فِدْيَةَ الْمُقَدِّمَةِ تَدْخُل فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ جَزَاءً عَنِ الْجِمَاعِ. (2) وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ فِيمَنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، بِأَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً فِي أَصَحِّ __________ (1) تبيين الحقائق 2 / 55 ط دار المعرفة، والاختيار 1 / 162 ط، دار المعرفة (2) حاشية قليوبي 2 / 137 ط. الحلبي، والمنثور 1 / 272 ط الأولى، ونهاية المحتاج 3 / 329 ط المكتبة الإسلامية الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَيْضًا؛ لأَِنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: إِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا مُنْفَرِدًا. وَكَذَا لَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً. (1) وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَدَاخُل الْفِدْيَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا أَرْبَعَ صُوَرٍ تَتَّحِدُ فِيهَا الْفِدْيَةُ وَهِيَ أَنْ يَظُنَّ الْفَاعِل الإِْبَاحَةَ: أ - بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ فَيَفْعَل أُمُورًا كُلٌّ مِنْهَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ. ب - أَوْ يَتَعَدَّدُ مُوجِبُهَا مِنْ لُبْسٍ وَتَطَيُّبٍ وَقَلْمِ أَظْفَارٍ وَقَتْل دَوَابَّ بِفَوْرٍ. ج - أَوْ يَتَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْفِعْل الأَْوَّل أَوْ إِرَادَتُهُ نَوَى تَكْرَارَ الْفِعْل الْمُوجِبِ لَهَا. د - أَوْ يَتَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّكْرَارَ عِنْدَ الْفِعْل الأَْوَّل مِنْهُمَا، لَكِنَّهُ قَدَّمَ مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ، كَتَقْدِيمِهِ لُبْسَ الثَّوْبِ عَلَى لُبْسِ السَّرَاوِيل. (2) وَتَفْصِيلُهُ فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ __________ (1) الإنصاف 3 / 458، 459 ط التراث، وكشاف القناع 2 / 423 ط النصر (2) الدسوقي 2 / 65، 66 ط الفكر، وجواهر الإكليل 1 / 191 ط. دار المعرفة سَادِسًا: تَدَاخُل الْكَفَّارَاتِ: أ - تَدَاخُلُهَا فِي إِفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ: 15 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْجِمَاعُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ؛ لأَِنَّ الْفِعْل الثَّانِيَ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْل فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ فِي رَمَضَانَيْنِ، وَلَمْ يُكَفِّرْ لِلأَْوَّل، فَذَهَبَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ تَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْل اسْتِيفَائِهَا، فَتَتَدَاخَل كَالْحَدِّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِلْفَتْوَى وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ أَيْضًا الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْوَاحِدَةَ لاَ تُجْزِئُهُ، بَل عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ؛ لأَِنَّ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَإِذَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ لَمْ تَتَدَاخَل كَالْعُمْرَتَيْنِ وَالْحَجَّتَيْنِ، (1) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كَفَّارَةٌ) . ب - تَدَاخُل الْكَفَّارَاتِ فِي الأَْيْمَانِ: 16 - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَحَنِثَ __________ (1) ابن عابدين 2 / 110 ط بولاق، الفروق للقرافي 2 / 29، الفرق السابع والخمسون ط دار المعرفة، والأشباه والنظائر للسيوطي 127 ط العلمية. وحاشية قليوبي 2 / 71 ط الحلبي، والمهذب للشيرازي 1 / 191 ط دار المعرفة، والإنصاف 3 / 319 ط التراث، وكشاف القناع 6 / 232 ط النصر، والمغني 3 / 132، 133 ط. الرياض فِيهَا وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا أُخْرَى وَحَنِثَ فِيهَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، وَلاَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ الأُْولَى عَنْ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا وَحَنِثَ فِيهَا. ثُمَّ أَرَادَ التَّكْفِيرَ، هَل تَتَدَاخَل الْكَفَّارَاتُ فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ أَوْ لاَ تَتَدَاخَل فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِكُل يَمِينٍ كَفَّارَةٌ؟ تَتَدَاخَل الْكَفَّارَاتُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدِ الأَْقْوَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَتَدَاخَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلاَ الشَّافِعِيَّةِ، (1) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ. سَابِعًا: تَدَاخُل الْعِدَّتَيْنِ: 17 - مَعْنَى التَّدَاخُل فِي الْعِدَدِ: أَنْ تَبْتَدِئَ الْمَرْأَةُ عِدَّةً جَدِيدَةً وَتَنْدَرِجَ بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الأُْولَى فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالْعِدَّتَانِ إِمَّا أَنْ تَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَذَلِكَ أَيْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَزِمَهَا عِدَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَتَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمَا تَتَدَاخَلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاِتِّحَادِهِمَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَصْدِ. مِثَال ذَلِكَ: مَا لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَوَطِئَهَا، وَقَال: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِل لِي. أَوْ طَلَّقَهَا بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، فَوَطِئَهَا فِي __________ (1) الموسوعة الفقهية 7 / 300 نشر وزارة الأوقاف الكويتية الْعِدَّةِ، فَإِنَّ الْعِدَّتَيْنِ تَتَدَاخَلاَنِ، فَتَعْتَدُّ ثَلاَثَةَ أَقْرَاءٍ ابْتِدَاءً مِنَ الْوَطْءِ الْوَاقِعِ فِي الْعِدَّةِ، وَيَنْدَرِجُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ الأُْولَى فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَتَا لِرَجُلَيْنِ فَإِنَّهُمَا تَتَدَاخَلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ التَّعَرُّفُ عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ، وَقَدْ حَصَل بِالْوَاحِدَةِ فَتَتَدَاخَلاَنِ. وَمِثَالُهُ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَهَاتَانِ عِدَّتَانِ مِنْ رَجُلَيْنِ وَمِنْ جِنْسَيْنِ. وَمِثَال الْعِدَّتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَمِنْ رَجُلَيْنِ: الْمُطَلَّقَةُ إِذَا تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَوَطِئَهَا الثَّانِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، تَتَدَاخَلاَنِ وَتَعْتَدُّ مِنْ بَدْءِ التَّفْرِيقِ، وَيَنْدَرِجُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ الأُْولَى فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ والْحَنَابِلَةِ فَلاَ تَتَدَاخَلاَنِ؛ لأَِنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لآِدَمِيَّيْنِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلاَ كَالدَّيْنَيْنِ؛ وَلأَِنَّ الْعِدَّةَ احْتِبَاسٌ يَسْتَحِقُّهُ الرِّجَال عَلَى النِّسَاءِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمُعْتَدَّةُ فِي احْتِبَاسِ رَجُلَيْنِ كَاحْتِبَاسِ الزَّوْجَةِ. وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْعِدَّتَانِ فِي الْجِنْسِ، وَكَانَتَا لِرَجُلَيْنِ، فَإِنَّهُمَا تَتَدَاخَلاَنِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَجَلٌ، وَالآْجَال تَتَدَاخَل. وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ مَقْصُودٌ لِلآْدَمِيِّ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِلأَْوَّل لِسَبْقِهِ، ثُمَّ تَعْتَدَّ لِلثَّانِي، وَلاَ تَتَقَدَّمُ عِدَّةُ الثَّانِي عَلَى عِدَّةِ الأَْوَّل إِلاَّ بِالْحَمْل. وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ تَدَاخَلَتَا أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ. وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا عَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي الْجِنْسِ. (1) وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ لَخَصَّ ابْنُ جُزَيٍّ مَذْهَبَهُمْ فِي تَدَاخُل الْعِدَدِ بِقَوْلِهِ: فُرُوعٌ فِي تَدَاخُل الْعِدَّتَيْنِ: (الْفَرْعُ الأَْوَّل) مَنْ طَلُقَتْ طَلاَقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ انْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ يَهْدِمُ عِدَّةَ الرَّجْعِيِّ بِخِلاَفِ الْبَائِنِ. (الْفَرْعُ الثَّانِي) إِنْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الطَّلاَقِ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ تَهْدِمُ الْعِدَّةَ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً فِي الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ بَانَتِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً ثَانِيَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الْمَسِيسِ بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا الأُْولَى، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُول اسْتَأْنَفَتْ مِنَ الطَّلاَقِ الثَّانِي. __________ (1) الأشباه لابن نجيم ص 134 ط الهلال، وابن عابدين 2 / 608، 609 ط بولاق، وتبيين الحقائق 3 / 31 ط دار المعرفة، وفتح القدير 3 / 283، 284 ط الأميرية، والأشباه والنظائر للسيوطي / 128 ط العلمية، وحاشية قليوبي 4 / 46، 47 ط الحلبي، وروضة الطالبين 8 / 384 - 394 ط المكتب الإسلامي، والمهذب للشيرازي 2 / 151 - 153 ط دار المعرفة، والمنثور للزركشي 1 / 276، 277 ط الأولى، ونهاية المحتاج 7 / 132 - 135 ط المكتب الإسلامي، والكافي 3 / 316 - 320 ط المكتب الإسلامي، وكشاف القناع 2 / 425 - 428 ط النصر، والمغني 7 / 482 ط الرياض (الْفَرْعُ الثَّالِثُ) إِذَا تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا مِنَ الطَّلاَقِ، فَدَخَل بِهَا الثَّانِي، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَْوَّل، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الثَّانِي، وَقِيل: تَعْتَدُّ مِنَ الثَّانِي وَتُجْزِيهَا عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَالْوَضْعُ يُجْزِي عَنِ الْعِدَّتَيْنِ اتِّفَاقًا. (1) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ) . ثَامِنًا: تَدَاخُل الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ: 18 - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ إِذَا تَعَدَّدَتْ، كَمَا لَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَإِنَّهَا لاَ تَتَدَاخَل إِلاَّ فِي حَالَةِ اجْتِمَاعِ جِنَايَتَيْنِ عَلَى وَاحِدٍ، وَلَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا بُرْءٌ، وَصُوَرُهَا سِتَّ عَشْرَةَ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَطَعَ ثُمَّ قَتَل، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا عَمْدَيْنِ أَوْ خَطَأَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالآْخَرُ خَطَأً، وَكُلٌّ مِنَ الأَْرْبَعَةِ إِمَّا عَلَى وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، وَكُلٌّ مِنَ الثَّمَانِيَةِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي قَبْل الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ. (2) __________ (1) القوانين الفقهية لابن جزي ص 157، والدسوقي 2 / 499 ط الفكر، والزرقاني 4 / 235 ط الفكر، وجواهر الإكليل 1 / 398 ط دار المعرفة، والخرشي 4 / 172 - 175 ط دار صادر، ومواهب الجليل 4 / 176 - 178 ط النجاح (2) الأشباه والنظائر لابن نجيم / 134 ط الهلال وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الطَّرَفِ تَنْدَرِجُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، أَيْ فِي الْقِصَاصِ، إِنْ تَعَمَّدَهَا الْجَانِي، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّرَفُ لِلْمَقْتُول أَمْ لِغَيْرِهِ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ عَمْدًا، وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ عَمْدًا، فَيُقْتَل فَقَطْ وَلاَ يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنْ أَطْرَافِهِ وَلاَ تُفْقَأُ عَيْنُهُ، إِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْجَانِي بِجِنَايَتِهِ عَلَى الطَّرَفِ مُثْلَةً - أَيْ تَمْثِيلاً وَتَشْوِيهًا - فَإِنْ قَصَدَهَا فَلاَ يَنْدَرِجُ الطَّرَفُ فِي الْقَتْل، فَيُقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ، ثُمَّ يُقْتَل. أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْجَانِي الْجِنَايَةَ عَلَى الطَّرَفِ، فَإِنَّهَا لاَ تَنْدَرِجُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ يُقْتَل بِهِ، وَدِيَةُ الْيَدِ عَلَى عَاقِلَتِهِ. (1) وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ إِذَا اتَّفَقَتَا فِي الْعَمْدِ أَوِ الْخَطَأِ، وَكَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ بَعْدَ انْدِمَال الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ وَجَبَتْ دِيَةُ الطَّرَفِ بِلاَ خِلاَفٍ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ قَبْل انْدِمَال الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: دُخُول الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، بِحَيْثُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ مَا يَجِبُ فِي النَّفْسِ كَالسِّرَايَةِ. وَثَانِيهِمَا: عَدَمُ التَّدَاخُل بَيْنَ الْجِنَايَتَيْنِ، خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَبِهِ قَال الإِْصْطَخْرِيُّ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. __________ (1) جواهر الإكليل 2 / 265 ط دار المعرفة أَمَّا إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَمْدًا وَالأُْخْرَى خَطَأً، وَقُلْنَا بِالتَّدَاخُل عِنْدَ الاِتِّفَاقِ، فَهُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا التَّدَاخُل أَيْضًا. وَأَصَحُّهُمَا: لاَ، لاِخْتِلاَفِهِمَا (1) . والْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: التَّدَاخُل فِي الْقِصَاصِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلاً، ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْل انْدِمَال جُرْحِهِ، وَاخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِلاَّ ضَرْبُ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ. لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ (2) ، وَلَيْسَ لَهُ جُرْحُهُ أَوْ قَطْعُ طَرَفِهِ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيِ النَّفْسِ، فَدَخَل الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ كَالدِّيَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَل بِالْجَانِي مِثْلَمَا فَعَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (3) أَمَّا إِذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ، أَوْ صَارَ الأَْمْرُ إِلَى الدِّيَةِ لِكَوْنِ الْفِعْل خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّهُ قُتِل قَبْل اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ، فَدَخَل أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ (4) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ) . __________ (1) روضة الطالبين 9 / 307 ط المكتب الإسلامي (2) حديث: " لا قود إلا بالسيف " أخرجه ابن ماجه (2 / 889 - ط الحلبي) وقال ابن حجر في التلخيص (4 / 19 - ط شركة الطباعة الفنية) : إسناده ضعيف (3) سورة النحل / 126 (4) المغني 7 / 685، 686 ط الرياض تَاسِعًا: تَدَاخُل الدِّيَاتِ: 19 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الدِّيَاتِ قَدْ تَتَدَاخَل، فَيَدْخُل الأَْدْنَى مِنْهَا فِي الأَْعْلَى، وَمِنْ ذَلِكَ دُخُول دِيَةِ الأَْعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، وَدُخُول أَرْشِ الْمُوضِحَةِ الْمُذْهِبَةِ لِلْعَقْل فِي دِيَةِ الْعَقْل، وَدُخُول حُكُومَةِ الثَّدْيِ فِي دِيَةِ الْحَلَمَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفُرُوعِ. (1) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَةٌ) . عَاشِرًا: تَدَاخُل الْحُدُودِ: 20 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ - كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ - إِذَا اتَّفَقَتْ فِي الْجِنْسِ وَالْمُوجِبِ أَيِ الْحَدِّ فَإِنَّهَا تَتَدَاخَل، فَمَنْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ لِلزِّنَى الْمُتَكَرِّرِ، وَآخَرُ لِلسَّرِقَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ. وَآخَرُ لِلشُّرْبِ الْمُتَكَرِّرِ؛ لأَِنَّ مَا تَكَرَّرَ مِنْ هَذِهِ الأَْفْعَال هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا سَبَقَهُ، فَدَخَل تَحْتَهُ. وَمِثْل ذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ إِذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا، أَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ اتِّفَاقًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ __________ (1) ابن عابدين 5 / 374 ط المصرية، وتبيين الحقائق 6 / 135 ط دار المعرفة، والفروق للقرافي 2 / 30 ط دار المعرفة، وروضة الطالبين 9 / 285 و 306 - 307 ط المكتب الإسلامي، والمهذب 2 / 192 ط دار المعرفة، والمغني 8 / 38 ط الرياض قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَاتٍ، أَوْ خَصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَذْفٍ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ صَدَرَ مِنْهُ أَحَدُ هَذِهِ الأَْفْعَال مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنَّهُ يُحَدُّ ثَانِيًا، وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ الْفِعْل الَّذِي سَبَقَهُ، وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى عَدَمِ التَّدَاخُل بَيْنَ هَذِهِ الأَْفْعَال عِنْدَ اخْتِلاَفِهَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، فَمَنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ حُدَّ لِكُل فِعْلٍ مِنْ هَذِهِ الأَْفْعَال؛ لاِخْتِلاَفِهَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، فَلاَ تَتَدَاخَل. أَمَّا إِذَا اتَّحَدَتْ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَاخْتَلَفَتْ فِي الْجِنْسِ، كَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ مَثَلاً، فَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَتَتَدَاخَل؛ لاِتِّفَاقِهَا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، وَهُوَ الْحَدُّ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَذْفِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَفِي الشُّرْبِ أَيْضًا مِثْلُهُ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا سَقَطَ عَنْهُ الآْخَرُ. وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ إِلاَّ وَاحِدًا فَقَطْ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ شَرِبَ أَوْ قَذَفَ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِمَا ضُرِبَ لَهُ عَمَّا ثَبَتَ. وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَهُمْ - أَيِ الْمَالِكِيَّةِ - مَا لَوْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ الْقَتْل، فَإِنْ كَانَ فِيهَا الْقَتْل، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا كَانَتْ حُدُودٌ فِيهَا قَتْلٌ إِلاَّ أَحَاطَ الْقَتْل بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَقَدْ حَصَل. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ حَدَّ الْقَذْفِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي الْقَتْل، بَل لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيفَائِهِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لاَ يَكْتَفُونَ بِالْقَتْل، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّدَاخُل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَل يُقَدِّمُونَ الأَْخَفَّ ثُمَّ الأَْخَفَّ، فَمَنْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، وَشَرِبَ وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ، أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الْوَاجِبَةُ فِيهَا بِتَقْدِيمِ الأَْخَفِّ ثُمَّ الأَْخَفِّ. (1) الْحَادِيَ عَشَرَ: تَدَاخُل الْجِزْيَةِ: 21 - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَتَدَاخَل كَمَا إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الذِّمِّيِّ جِزْيَةُ عَامَيْنِ، فَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلاَّ جِزْيَةُ عَامٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً لِلَّهِ تَعَالَى تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ عَلَى وَجْهِ الإِْذْلاَل. وَالْعُقُوبَاتُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا اجْتَمَعَتْ، وَكَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تَدَاخَلَتْ __________ (1) الأشباه لابن نجيم / 133 ط الهلال، والاختيار 4 / 96 - 97 ط دار المعرفة، وفتح القدير مع العناية 4 / 208 - 209 ط الأميرية. وجواهر الإكليل 2 / 294 ط دار المعرفة، والخرشي 8 / 103 ط دار صادر، الدسوقي 4 / 347 - 348 ط الفكر، والفروق للقرافي 2 / 30 الفرق السابع والخمسون ط دار المعرفة، والأشباه للسيوطي / 126 ط العلمية، وروضة الطالبين 10 / 166 ط المكتب الإسلامي، والمنثور 1 / 270 - 271 ط الأولى، وكشاف القناع 6 / 85 - 86 ط النصر، والمغني 8 / 213 - 214 ط الرياض كَالْحُدُودِ؛ وَلأَِنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلاً عَنِ الْقَتْل فِي حَقِّهِمْ وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَل لاَ فِي الْمَاضِي؛ لأَِنَّ الْقَتْل إِنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَال، لاَ لِحِرَابٍ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَل لأَِنَّ الْمَاضِيَ وَقَعَتِ الْغُنْيَةُ عَنْهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَتَدَاخَل، وَلاَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَالدُّيُونِ. وَأَمَّا خَرَاجُ الأَْرْضِ فَقِيل عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، وَقِيل لاَ تَدَاخُل فِيهِ بِالاِتِّفَاقِ. (1) وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَدَاخُل الْجِزْيَةِ، وَلَكِنْ يُفْهَمُ التَّدَاخُل مِنْ قَوْل أَبِي الْوَلِيدِ ابْنِ رُشْدٍ: وَمَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِفِرَارِهِ بِهَا أُخِذَتْ مِنْهُ لِمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ لِعُسْرِهِ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ، وَلاَ يُطَالَبُ بِهَا بَعْدَ غِنَاهُ. (2) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِزْيَةٌ) . __________ (1) فتح القدير 4 / 376، 377 ط الأميرية، وتبيين الحقائق 3 / 279 ط دار المعرفة، وابن عابدين 3 / 270 ط بولاق، والاختيار 4 / 139 ط دار المعرفة، وروضة الطالبين 10 / 312 ط المكتب الإسلامي، والمغني 8 / 512 ط الرياض (2) الدسوقي 2 / 202 ط الفكر، والحطاب 3 / 382، وجواهر الإكليل 1 / 267 ط دار المعرفة، والخرشي 3 / 145، 146 ط دار صادر الثَّانِي عَشَرَ: تَدَاخُل الْعَدَدَيْنِ فِي حِسَابِ الْمَوَارِيثِ: 22 - الْعَدَدَانِ فِي حِسَابِ الْمَوَارِيثِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُتَمَاثِلَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ. وَفِي حَال اخْتِلاَفِهِمَا إِمَّا أَنْ يَفْنَى الأَْكْثَرُ بِالأَْقَل، وَإِمَّا أَنْ يُفْنِيَهُمَا عَدَدٌ ثَالِثٌ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يُفْنِيَهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ لَيْسَ بِعَدَدٍ، بَل هُوَ مَبْدَؤُهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. وَقَدْ وَقَعَ التَّدَاخُل فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهَا، وَهُوَ مَا إِذَا اخْتَلَفَا وَفَنِيَ الأَْكْثَرُ بِالأَْقَل عِنْدَ إِسْقَاطِهِ مِنَ الأَْكْثَرِ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْهُمَا، فَيُقَال حِينَئِذٍ: إِنَّهُمَا مُتَدَاخِلاَنِ، كَثَلاَثَةٍ مَعَ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَإِنَّ السِّتَّةَ تَفْنَى بِإِسْقَاطِ الثَّلاَثَةِ مَرَّتَيْنِ، وَالتِّسْعَةَ بِإِسْقَاطِهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ بِإِسْقَاطِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ لأَِنَّهَا خُمُسُهَا، وَسُمِّيَا مُتَدَاخِلَيْنِ لِدُخُول الأَْقَل فِي الأَْكْثَرِ. وَحُكْمُ الأَْعْدَادِ الْمُتَدَاخِلَةِ: أَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالأَْكْبَرِ وَيُجْعَل أَصْل الْمَسْأَلَةِ. أَمَّا فِي الأَْقْسَامِ الأُْخْرَى، وَهِيَ الأَْوَّل وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ، فَلاَ تَدَاخُل بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْعَدَدَيْنِ إِنْ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ - كَمَا فِي الْقِسْمِ الأَْوَّل - فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا، فَيُجْعَل أَصْلاً لِلْمَسْأَلَةِ كَالثَّلاَثَةِ وَالثَّلاَثَةِ مَخْرَجَيِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ إِذَا سُلِّطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ أَفْنَاهُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ، وَلاَ يُفْنِيهِمَا إِلاَّ عَدَدٌ ثَالِثٌ - وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ - فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ، وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا أَيْضًا؛ لأَِنَّ الإِْفْنَاءَ حَصَل بِغَيْرِهِمَا، كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، لأَِنَّك إِذَا سَلَّطْتَ الأَْرْبَعَةَ عَلَى السِّتَّةِ يَبْقَى مِنْهُمَا اثْنَانِ، سَلِّطْهُمَا عَلَى الأَْرْبَعَةِ مَرَّتَيْنِ تَفْنَى بِهِمَا، فَقَدْ حَصَل الإِْفْنَاءُ بِاثْنَيْنِ وَهُوَ عَدَدٌ غَيْرُ الأَْرْبَعَةِ وَالسِّتَّةِ، فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ بِجُزْءِ الاِثْنَيْنِ وَهُوَ النِّصْفُ. وَحُكْمُ الْمُتَوَافِقَيْنِ: أَنْ تَضْرِبَ وَفْقَ أَحَدِهِمَا فِي كَامِل الآْخَرِ، وَالْحَاصِل أَصْل الْمَسْأَلَةِ. وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ لاَ يَفْنَى أَكْثَرُهُمَا بِأَقَلِّهِمَا وَلاَ بِعَدَدٍ ثَالِثٍ، بِأَنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلاَّ الْوَاحِدُ كَمَا فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا أَيْضًا كَثَلاَثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ، لأَِنَّك إِذَا أَسْقَطْتَ الثَّلاَثَةَ مِنَ الأَْرْبَعَةِ يَبْقَى وَاحِدٌ، فَإِذَا سَلَّطْتَهُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَنِيَتْ بِهِ. وَحُكْمُ الْمُتَبَايِنَيْنِ أَنَّكَ تَضْرِبُ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ فِي الآْخَرِ. (1) وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ حِسَابِ الْفَرَائِضِ، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِرْثٌ) . __________ (1) الاختيار 5 / 122 - 124 ط دار المعرفة، وتبيين الحقائق 6 / 245 ط دار المعرفة، والزرقاني 8 / 220 ط الفكر، والدسوقي 4 / 476 وما بعدها ط الفكر، وجواهر الإكليل 2 / 334، 355 ط دار المعرفة، ومغني المحتاج 3 / 33 - 34 ط الحلبي، ونهاية المحتاج 6 / 35 ط المكتبة الإسلامية، وحاشية قليوبي 3 / 153 - 154 ط الحلبي، وحاشية الجمل على المنهج 4 / 35 ط الميمنية، وروضة الطالبين 6 / 69 - 73 ط المكتب الإسلامي، والكافي 2 / 539 ط المكتب الإسلامي |
موسوعة النحو والصرف والإعراب
|
هو، في الصرف، اختلاط الحركات بين لهجتين في كلمة أو في باب فعل. |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية