نتائج البحث عن (زِنَى) 24 نتيجة

[زنى]الزِنَى يمدُّ ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز. قال تعالى: (ولا تَقْرَبوا الزِنى) . والمَدُّ لأهل نجد. قال الفرزدق. أَبا حاضرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ * ومَنْ يَشرب الخرطوم يصبح مسكراوقد زنى يَزْني. والنسبة إلى المقصور زِنَوِيٌّ، وإلى الممدود زِنائِيٌّ. وزَنَّاهُ تَزْنِيَةً، أي قال له يا زاني. وتسمّى القردة زَنَّاءَةً. وقولهم: هو لِزِنْيَةٍ وزَنْيةُ: نقيض قولك هو لِرِشْدَةٍ ورَشْدَةٍ. والمرأةُ تُزاني مُزاناةً وزناء أي تباغى.
(زنى)زنى وزناء أَتَى الْمَرْأَة من غير عقد شَرْعِي وَيُقَال زنى بِالْمَرْأَةِ فَهُوَ زَان (ج) زناة وَهِي زَانِيَة (ج) زوان
زَنى الزاني زِنَاء ووَلَدُ زِنْيَةٍ. وفي مَثَلٍ: " لا حُصْنُها حُصْنٌ ولا الزِّنَاءُ زِنَاءٌ ". والزِّنى يُقْصَرُ ويُمَدُّ. وخَرَجَتِ المَرْأةُ تُزَاني: أي تَلْتَمِسُ ذلك.والزَنْيَةُ: آخِرُ وَلَدِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ. وفي التَّرْقِيْصِ: وا بأبي زَنْيَةَ أمَه. وُيقال لبَني مابكِ بن ثَعْلَبَةَ: بَنُو الزنْيَةِ، والنِّسْبَةُ إليهم: زِنَوِي.
(زنى) - في الحديث: "أنّه قال لِبني مالِك بنِ ثَعْلبةَ: مَن أنتم؟ قالوا: بَنوُ الزِّنْية، قال: بل أنتمَ بَنوُ الرِّشْدَة، أحلاسُ الخيل" تُفتح الزاى وتكسر وهي كالعِجْزة: آخر وَلَد الرجل والمرأةِ ومالك الأصْغَر كانت تُرقِّصُه أمّه وتقول: وا بأبى زِنْيَة أمّه قال الشاعر:نحنُ بَني الزِّنْيةِ لا نَفِرُّحتى نرى جَمَاجماً تَخِرُّوأراد به نَفْيَهم عمّا يُوهِمهُ نَقِيضُ الرِّشدَةِ، وليسَت من الزِّنَا
جَخْزَنَى:
بعد الزاي المفتوحة نون، كذا قال أبو سعد، وألف مقصورة: قرية على ثلاثة فراسخ من سمرقند، ينسب إليها أعين بن جعفر بن الأشعث الجخزني السمرقندي الرجل الصالح، روى عن أبي
الحسن علي بن إسماعيل الخجندي، سمع منه أبو سعد كتاب الشافهات تصنيف علي بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي السمرقندي.
زنى1 زَنَى, aor. ـْ inf. n. زِنًى [often written زِنًا] and زِنَآءٌ, (S, Mgh, * Msb, K,) the latter an inf. n. of 3 (S, Mgh, Msb, K) also, (S, Mgh, K,) but said by some to be a dial. var. of the former, (Msb,) the former being of the dial. of the people of El-Hijáz, (Lh, S, Msb, TA,) and the latter of the dial. of Benoo-Temeem, (Lh, TA,) or of the people of Nejd, (S, Msb, TA,) He committed fornication or adultery; (El-Munáwee, Er-Rághib, TA;) بِهَا with her: (MA:) but accord. to El-Munáwee, [it seems to be properly a dial. var. of زَنَأَ as meaning he mounted; for he says that,] in the proper language of the Arabs, الزِّنَا signifies the mounting upon a thing; and in the language of the law it signifies the commission of the act first mentioned above: it is [thus] syn. with فَجَرَ: and in like manner one says of a woman [زَنَتْ]: (TA:) ↓ زنّى, inf. n. تَزْنِيَةٌ, also signifies the same: (TA:) and so does ↓ زانى, inf. n. مُزَانَاةٌ and زِنَآءٌ: (K:) one says of a woman, ↓ تُزَانِى, inf. n. مُزَانَاةٌ and زِنَآءٌ, meaning تُبَاغِى [i. e. She commits fornication or adultery; or prostitutes herself]. (S.) It is said in a prov., لَا حُصْنُهَا حُصْنٌ وَلَا الزِّنَآءُ زِنَآءٌ [Her continence is not continence, nor the fornication, or adultery, that she commits, fornication, or adultery]: applied to him who does not remain in one state, or condition; neither in good nor in evil: (Meyd:) or to him who refrains from doing good and then is excessive [therein], or from evil and then is excessive therein; not continuing to pursue one way. (TA.) [See also زَنْيَةٌ.]2 زنّاهُ, inf. n. تَزْنِيَةٌ, (S, Mgh, Msb, TA,) He said to him يَا زَانِى [O fornicator or adulterer]: (S, TA:) or he imputed to him الزِّنَا [i. e. fornication or adultery]; (Mgh, Msb, TA;) and so ↓ زاناهُ, accord. to the copies of the K; but in the M, ↓ ازناهُ, which, it is there said, has not been heard except in a trad. of the daughter of El-Hasan. (TA.) A2: See also 1.

A3: And see 2 in art. زنو.3 زَانَاهَا, inf. n. مُزَانَاةٌ and زِنَآءٌ, [He committed fornication or adultery with her.] (Mgh, Msb.) b2: See also 1, in two places.

A2: And see 2.4 أَزْنَىَ see 2.

زِنًى, often written زِنًا: see the next paragraph, in two places.

زَنْيَةٌ A single act of الزِّنَى [i. e. fornication or adultery]: (Msb, TA:) and ↓ زِنًى is [used in the same sense, (though properly an inf. n., not of un.,) as is shown by its being] dualized: they say زِنَيَانِ: (TA:) [but this is post-classical:] thus using the dual of زِنًى, the lawyers say, قَذَفَهُ بِزِنَيَيْنِ [He reproached him with two acts of fornication or adultery]: (Msb, TA:) but [in this instance, and] in the saying ↓ شَهِدَ عَلَى زِنَاءَيْنِ, [which is dual of زِنَآءٌ, properly an inf. n. like زِنًى,] or زِنَيَيْنِ, [He testified, or gave decisive information, respecting two acts of fornication or adultery,] the right word is زَنْيَتَيْنِ. (Mgh.) One says also, هُوَ ابْنُ زَنْيَةٍ, and sometimes ↓ زِنْيَةٍ, (K,) but the former is the more chaste, (Az, TA,) meaning ↓ ابْنُ زِنًى [i. e. He is a son of fornication or adultery]: (K:) or هُوَ وَلَدُ زَنْيَةٍ and ↓ زِنْيَةٍ, (Mgh, Msb,) and لِزَنْيَةٍ [هُوَ] and ↓ لِزِنْيَةٍ, (Mgh,) with fet-h and with kesr, [meaning as above, or وُلِدَ لِزَنْيَةٍ He is, or was, born of fornication or adultery,] contr. of وَلَدُ رِشْدَةٍ and لِرِشْدَةٍ, (Mgh,) or contr. of هُوَ لِرِشْدَةٍ: (Msb:) or ↓ هُوَ لِزِنْيَةٍ and لِزَنْيَةٍ, [He is the offspring of fornication or adultery,] contr. of لِرِشْدَةٍ and لِرَشْدَةٍ: (S:) accord. to Fr, one says, هُوَ لِغَيِّةٍ and لِزَنْيَةٍ and لِغَيْرِ رَشْدَةٍ, [all meaning the same, and] all with fet-h: accord. to Ks, however, one may say ↓ زِنْيَة and رِشْدَة, with kesr, but غَيَّة only with fet-h: (TA:) ISk says that زنية and غيّة are both with kesr and fet-h. (Msb.) زِنْيَةٌ [accord. to analogy signifies A mode, or manner, of fornication or adultery]. See the next preceding paragraph, in five places.

A2: Also The last of a man's children; (K;) like as فِجْرَةٌ signifies the “ last of a woman's children. ” (TA.) زِنَآءٌ [properly an inf. n., but having a dual assigned to it]: see an instance of its dual voce زَنْيَةٌ زِنَوِىٌّ [meaning Of, or relating to, fornication or adultery] is the rel. n. from زِنًى; (S, Msb;) the [radical] ى being changed into و because three ىs are deemed difficult of pronunciation: (Msb:) and the rel. n. from زِنَآءٌ [having the same meaning] is ↓ زِنَآئِىٌّ. (S.) زِنَائِىٌّ: see what next precedes.

زَنَّآءَةٌ an appellation applied to A female ape (قِرْدَةٌ). (S.) زَانٍ act. part. n. of زَنَى: [signifying Committing fornication or adultery: and also a fornicator or an adulterer:] (Msb:) fem. زَانِيَةٌ: (Kur xxiv. 2 and 3:) pl. masc. زُنَاةٌ, like قُضَاةٌ pl. of قَاضٍ: (Msb:) [and pl. fem. زَوَانٍ.] يَا زَانِى

said to a woman is correct as being [for يَا زَانِيَةُ, O fornicatress, or adulteress,] apocopated. (Mgh.) زَانِيَةٌ fem. of زَانٍ [q. v.] b2: Applied to a man, it has an intensive meaning [i. e. One much addicted to fornication or adultery]. (Mgh.)
  • زَنَى
زَنَى يَزْنِي زِنًى وزِناءً، بكسرهما: فَجَرَ.وزانَى مُزاناةً وزِناءً: بمعناهُ،وـ فلاناً: نَسَبَه إلى الزِنَا.وهو ابنُ زَنْيَةٍ،وقد يُكْسَرُ: ابنُ زِنًى.وبنُو زِنْيَةَ، بالكسر: حَيٌّ.والزِنْيَةُ: آخِرُ وَلَدِكَ.والزَّوانِي: ثَلاثُ قاراتٍ باليمامةِ.
ِّ (زَنَى)الزَّاءُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ لَا تَتَضَايَفُ، وَلَا قِيَاسَ فِيهَا لِوَاحِدَةٍ عَلَى أُخْرَى. فَالْأَوَّلُ الزِّنَى، مَعْرُوفٌ. وَيُقَالُ إِنَّهُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ. وَيُنْشَدُ لِلْفَرَزْدَقِ:

أَبَا حَاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ...وَمَنْ يَشْرَبِ الْخَمْرَ لَا بُدَّ يَسْكَرُوَيُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إِلَى زِنًى زِنَوِيٌّ، وَهُوَ لِزِنْيَةٍ وَزَنْيَةٍ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ. وَالْكَلِمَةُ الْأُخْرَى مَهْمُوزٌ. يُقَالُ زَنَأَتْ فِي الْجَبَلِ أَزْنَأَ زُنُوءًا وَزَنْأً. وَالثَّالِثَةُ: الزَّنَاءُ، وَهُوَ الْقَصِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ:

وَتُولِجُ فِي الظِّلِّ الزَّنَاءِ رُءُوسَهَا...وَتَحْسَِبُهَا هِيمًا وَهُنَّ صَحَائِحُ

وَقَالَ آخَرُ:

وَإِذَا قُذِفْتُ إِلَى زَنَاءٍ قَعْرُهَا...غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ مِنَ الْأَحْفَارِ

وَالرَّابِعَةُ: الزَّنَاءُ: الْحَاقِنُ بَوْلَهُ. «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ زَنَاءٌ» .
التَّعْرِيفُ:

1 - الزِّنَى: الْفُجُورُ (1) .
وَهَذِهِ لُغَةُ أَهْل الْحِجَازِ، وَبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: زَنَى زِنَاءً: وَيُقَال: زَانَى مُزَانَاةً، وَزِنَاءً بِمَعْنَاهُ.
وَشَرْعًا: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِتَعْرِيفَيْنِ: أَعَمُّ، وَأَخَصُّ. فَالأَْعَمُّ: يَشْمَل مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَمَا لاَ يُوجِبُهُ، وَهُوَ وَطْءُ الرَّجُل الْمَرْأَةَ فِي الْقُبُل فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ.
قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلزِّنَى فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ.
فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَخُصَّ اسْمَ الزِّنَى بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْهُ بَل هُوَ أَعَمُّ. وَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ مِنْهُ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ. وَلِذَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا
__________
(1) لسان العرب والقاموس المحيط والمصباح المنير مادة: (زنا) .

الْعَيْنِ النَّظَرُ. . . (1) الْحَدِيثُ. وَلَوْ وَطِئَ رَجُلٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ لاَ يُحَدُّ لِلزِّنَا، وَلاَ يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا، فَدَل عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ زِنًا وَإِنْ كَانَ لاَ يُحَدُّ بِهِ.
وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ الأَْخَصُّ لِلزِّنَى: هُوَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهُوَ " وَطْءُ مُكَلَّفٍ طَائِعٍ مُشْتَهَاةً حَالاً أَوْ مَاضِيًا فِي قُبُلٍ خَالٍ مِنْ مِلْكِهِ وَشُبْهَتِهِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ تَمْكِينُهَا ". وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهُ وَطْءُ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ فَرْجَ آدَمِيٍّ لاَ مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِلاَ شُبْهَةٍ تَعَمُّدًا.
وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِيلاَجُ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ مُشْتَهًى طَبْعًا بِلاَ شُبْهَةٍ.
وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهُ فِعْل الْفَاحِشَةِ فِي قُبُلٍ أَوْ فِي دُبُرٍ (2) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْوَطْءُ، وَالْجِمَاعُ:
2 - أَصْل الْوَطْءِ فِي اللُّغَةِ: الدَّوْسُ بِالْقَدَمِ،
__________
(1) حديث: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 11 / 26 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 2046 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(2) شرح فتح القدير 5 / 31، دار إحياء التراث العربي، حاشية ابن عابدين 3 / 141 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 313 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 143 دار إحياء التراث العربي، حاشية الجمل على المنهج 5 / 128 دار إحياء التراث العربي، مطالب أولي النهى 6 / 172 منشورات المكتب الإسلامي بدمشق 1961 م، المبدع في شرح المقنع 9 / 60 المكتب الإسلامي 1979 م، كشاف القناع 6 / 89 عالم الكتب 1983 م.

وَمِنْ مَعَانِيهِ النِّكَاحُ، يُقَال: وَطِئَ الْمَرْأَةَ يَطَؤُهَا أَيْ نَكَحَهَا وَجَامَعَهَا (1) . وَمَعْنَاهُ اصْطِلاَحًا: الْجِمَاعُ. (2)
فَكُلٌّ مِنَ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ أَعَمُّ مِنَ الزِّنَى، إِذْ قَدْ يَكُونُ مَعَ امْرَأَتِهِ فَيَكُونُ نِكَاحًا حَلاَلاً، وَمَعَ أَجْنَبِيَّةٍ فَيَكُونُ زِنًى حَرَامًا.
ب - اللِّوَاطُ:
3 - اللِّوَاطُ لُغَةً: إِتْيَانُ الذُّكُورِ فِي الدُّبُرِ، وَهُوَ عَمَل قَوْمِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. يُقَال: لاَطَ الرَّجُل لِوَاطًا وَلاَوَطَ، أَيْ عَمِل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ. (3)
وَاصْطِلاَحًا: إِدْخَال الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ ذَكَرٍ (4) . وَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.

ج - السِّحَاقُ:
4 - السِّحَاقُ وَالْمُسَاحَقَةُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا: فِعْل
__________
(1) لسان العرب والقاموس المحيط والمصباح المنير مادة: (وطأ) .
(2) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 526 دار المعرفة بيروت، والمغرب ص 488 دار الكتاب العربي.
(3) لسان العرب والقاموس المحيط مادة: (لوط) ، والمطلع 371 المكتب الإسلامي 1965 م، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني 409 دار المعرفة بيروت.
(4) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 313.

النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ، وَكَذَلِكَ فِعْل الْمَجْبُوبِ بِالْمَرْأَةِ يُسَمَّى سِحَاقًا. (1)
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الزِّنَى وَالسِّحَاقِ، أَنَّ السِّحَاقَ لاَ إِيلاَجَ فِيهِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
5 - الزِّنَى حَرَامٌ. وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ وَالْقَتْل. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِل عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (2) . وَقَال تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} . (3)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُول: وَلاَ تَزْنُوا. فَإِنَّ مَعْنَاهُ لاَ تَدْنُوا مِنَ الزِّنَى.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟ قَال: أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟
__________
(1) لسان العرب والقاموس المحيط مادة: (سحق) ، والمغرب 219 دار الكتاب العربي، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4 / 316.
(2) سورة الفرقان / 68 - 70.
(3) سورة الإسراء / 32.

قَال: أَنْ تَقْتُل وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ. (1)
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْمِلَل عَلَى تَحْرِيمِهِ. فَلَمْ يَحِل فِي مِلَّةٍ قَطُّ. وَلِذَا كَانَ حَدُّهُ أَشَدَّ الْحُدُودِ؛ لأَِنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الأَْعْرَاضِ وَالأَْنْسَابِ. وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ حِفْظُ النَّفْسِ وَالدِّينِ وَالنَّسَبِ وَالْعَقْل وَالْمَال (2) .

تَفَاوُتُ إِثْمِ الزِّنَى:
6 - يَتَفَاوَتُ إِثْمُ الزِّنَى وَيَعْظُمُ جُرْمُهُ بِحَسَبِ مَوَارِدِهِ. فَالزِّنَى بِذَاتِ الْمَحْرَمِ أَوْ بِذَاتِ الزَّوْجِ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مَنْ لاَ زَوْجَ لَهَا، إِذْ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ، وَإِفْسَادُ فِرَاشِهِ، وَتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ أَذَاهُ. فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْمًا وَجُرْمًا مِنَ الزِّنَى بِغَيْرِ ذَاتِ الْبَعْل وَالأَْجْنَبِيَّةِ. فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا جَارًا انْضَمَّ لَهُ سُوءُ الْجِوَارِ. وَإِيذَاءُ الْجَارِ بِأَعْلَى أَنْوَاعِ الأَْذَى، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَوَائِقِ، فَلَوْ كَانَ الْجَارُ أَخًا أَوْ قَرِيبًا مِنْ أَقَارِبِهِ انْضَمَّ لَهُ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ فَيَتَضَاعَفُ الإِْثْمُ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
__________
(1) حديث: " أي الذنب أعظم؟ " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 492 - ط السلفية) ومسلم (1 / 90 - ط الحلبي) .
(2) حاشية الجمل على المنهج 5 / 128 دار إحياء التراث العربي، المغني لابن قدامة 8 / 156 الرياض، مطالب أولي النهى 6 / 172 المكتب الإسلامي 1961 م، تفسير القرطبي 10 / 253 مطبعة دار الكتب 1962 م القاهرة.

قَال: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (1) . وَلاَ بَائِقَةَ أَعْظَمُ مِنَ الزِّنَى بِامْرَأَةِ الْجَارِ. فَإِنْ كَانَ الْجَارُ غَائِبًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَالْعِبَادَةِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْجِهَادِ، تَضَاعَفَ الإِْثْمُ حَتَّى إِنَّ الزَّانِيَ بِامْرَأَةِ الْغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ يُوقَفُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ.
قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلاَّ وَقَفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ فَمَا ظَنُّكُمْ؟ (2) أَيْ مَا ظَنُّكُمْ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ؟ قَدْ حَكَمَ فِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا شَاءَ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَحِمًا لَهُ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِهَا، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ الزَّانِي مُحْصَنًا كَانَ الإِْثْمُ أَعْظَمَ، فَإِنْ كَانَ شَيْخًا كَانَ أَعْظَمَ إِثْمًا وَعُقُوبَةً، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، أَوْ بَلَدٍ حَرَامٍ، أَوْ وَقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِ الإِْجَابَةِ تَضَاعَفَ الإِْثْمُ. (3)
__________
(1) حديث: " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ". أخرجه مسلم (1 / 68 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(2) حديث: " حرمة نساء المجاهدين على القاعدين " أخرجه مسلم (3 / 1508 - ط الحلبي) من حديث بريدة.
(3) مطالب أولي النهى 6 / 173، 174 المكتب الإسلامي بدمشق 1961 م.

أَرْكَانُ الزِّنَى:
7 - صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ رُكْنَ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ هُوَ الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ. فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَرُكْنُهُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَمُوَارَاةُ الْحَشَفَةِ؛ لأَِنَّ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الإِْيلاَجُ وَالْوَطْءُ. وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، حَيْثُ إِنَّهُمْ يُعَلِّقُونَ حَدَّ الزِّنَى عَلَى تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا عِنْدَ عَدَمِهَا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ تَغْيِيبٌ انْتَفَى الْحَدُّ. (1) وَالْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ هُوَ الَّذِي يَحْدُثُ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْوَاطِئِ - مِلْكِ يَمِينِهِ وَمِلْكِ نِكَاحِهِ - فَكُل وَطْءٍ حَدَثَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَهُوَ زِنًى يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ. أَمَّا إِذَا حَدَثَ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْوَاطِئِ فَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ زِنًى وَلَوْ كَانَ الْوَطْءُ مُحَرَّمًا، حَيْثُ إِنَّ التَّحْرِيمَ هُنَا لَيْسَ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَارِضٍ. كَوَطْءِ الرَّجُل زَوْجَتَهُ الْحَائِضَ أَوِ النُّفَسَاءَ. (2)
وَيُشْتَرَطُ تَعَمُّدُ الْوَطْءِ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَكِبَ الزَّانِي الْفِعْل وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَطَأُ امْرَأَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ تُمَكِّنَ الزَّانِيَةُ مِنْ نَفْسِهَا وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ يَطَؤُهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا. وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ حَدَّ عَلَى الْغَالِطِ
__________
(1)) الفتاوى الهندية 2 / 143 المطبعة الأميرية 1310 هـ، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 6 / 290 دار الفكر - 1978 م، شرح روض الطالب 4 / 125 المكتبة الإسلامية، كشاف القناع 6 / 95 عالم الكتب 1983 م.
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 141 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 313 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 144 دار إحياء التراث العربي.

وَالْجَاهِل وَالنَّاسِي (1) .

حَدُّ الزِّنَى:
8 - كَانَ الْحَبْسُ وَالإِْمْسَاكُ فِي الْبُيُوتِ أَوَّل عُقُوبَاتِ الزِّنَى فِي الإِْسْلاَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} . (2)
ثُمَّ إِنَّ الإِْجْمَاعَ قَدِ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ مَنْسُوخٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الأَْذَى هَل هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لاَ؟ فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَعَنْ مُجَاهِدٍ قَال: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا} (3) كَانَ فِي أَوَّل الأَْمْرِ فَنَسَخَتْهُمَا الآْيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ فَالأَْذَى وَالتَّعْبِيرُ بَاقٍ مَعَ الْجَلْدِ؛ لأَِنَّهُمَا لاَ يَتَعَارَضَانِ بَل يُحْمَلاَنِ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤَدَّبَا بِالتَّوْبِيخِ فَيُقَال لَهُمَا: فَجَرْتُمَا وَفَسَقْتُمَا، وَخَالَفْتُمَا أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَل. (4)
__________
(1) حاشية الدسوقي 4 / 313 دار الفكر، روضة الطالبين 10 / 93، 95 المكتب الإسلامي، كشاف القناع 6 / 96، 97 عالم الكتب 1983 م.
(2) سورة النساء / 15.
(3) سورة النساء / 16.
(4) تفسير القرطبي 5 / 82 وما بعدها مطبعة وزارة التربية، القاهرة 1958 م، أحكام القرآن لابن العربي 1 / 354 وما بعدها عيسى البابي الحلبي 1957 م، المغني لابن قدامة 8 / 156 الرياض.

وَالنَّاسِخُ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (1) . وَبِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (2) .
9 - وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْمُحْصَنِ الرَّجْمُ حَتَّى الْمَوْتِ رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فِي أَخْبَارٍ تُشْبِهُ التَّوَاتُرَ. وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَل عَلَيْهِ الْكِتَابَ. فَكَانَ مِمَّا أَنْزَل اللَّهُ آيَةَ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَال
__________
(1) سورة النور / 2.
(2) حديث: " خذوا عني، خذوا عني. . . " أخرجه مسلم (3 / 1316 - ط الحلبي) .

بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُول قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَل أَوِ الاِعْتِرَافُ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ يَقُول النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (1) . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ. لِمَا وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَال: أَجْلِدُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَرْجُمُهَا بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) . وَرِوَايَةُ الرَّجْمِ فَقَطْ هِيَ الْمَذْهَبُ.
10 - كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً مِائَةُ جَلْدَةٍ إِنْ كَانَ حُرًّا. وَأَمَّا الْعَبْدُ أَوِ الأَْمَةُ فَحَدُّهُمَا خَمْسُونَ جَلْدَةً سَوَاءٌ كَانَا بِكْرَيْنِ أَوْ ثَيِّبَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (3) .
__________
(1) حديث عمر: " إن الله بعث محمدا " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 144 - ط السلفية) والرواية الأخرى لمالك في الموطأ (4 / 145 - بشرح الزرقاني - نشر دار الفكر) .
(2) أثر: " علي بن أبي طالب حين جلد شراحة ". أخرجه أحمد (1 / 107 - ط الميمنية) ، وإسناده صحيح.
(3) سورة النساء / 25.

وَزَادَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) التَّغْرِيبَ عَامًا لِلْبِكْرِ الْحُرِّ الذَّكَرِ.
وَعَدَّى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّغْرِيبَ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا. كَمَا زَادَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمُ التَّغْرِيبَ نِصْفَ عَامٍ لِلْعَبْدِ. (1)
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَى تَعْرِيفِ الإِْحْصَانِ وَشُرُوطِهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْصَانٍ 2 / 200) .
كَمَا سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَى التَّغْرِيبِ وَأَحْكَامِهِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَغْرِيبٍ 13 / 46) .

شُرُوطُ حَدِّ الزِّنَى: أَوَّلاً: الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا:
1 - إِدْخَال الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا:
11 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الزِّنَى إِدْخَال الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي الْفَرَجِ. فَلَوْ لَمْ يُدْخِلْهَا أَصْلاً أَوْ أَدْخَل بَعْضَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لأَِنَّهُ لَيْسَ وَطْئًا. وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِْنْزَال وَلاَ الاِنْتِشَارُ عِنْدَ الإِْدْخَال. فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ سَوَاءٌ أَنْزَل أَمْ لاَ. انْتَشَرَ ذَكَرُهُ أَمْ لاَ. (2)
__________
(1) الفتاوى الهندية 2 / 149، حاشية ابن عابدين 3 / 145 - 146 وما بعدها دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 320 - 321 وما بعدها دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 146، 149 دار إحياء التراث العربي، القليوبي وعميرة 4 / 180 عيسى البابي الحلبي، وكشاف القناع 6 / 89 وما بعدها عالم الكتب 1983 م، المغني لابن قدامة 8 / 157 الرياض.
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 141 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 313 دار الفكر، نهاية المحتاج 7 / 422 مصطفى البابي الحلبي 1967 م، ومغني المحتاج 4 / 143 دار إحياء التراث العربي 1933 م، كشاف القناع 6 / 95 عالم الكتب 1983 م، مطالب أولي النهى 6 / 182 المكتب الإسلامي 1961 م.

2 - أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُكَلَّفًا {الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فِي حَدِّ الزِّنَا} :
(11 م) - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُكَلَّفًا أَيْ عَاقِلاً بَالِغًا. فَالْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ لاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا إِذَا زَنَيَا، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل أَوْ يُفِيقَ (1) .
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّائِمَةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى حَدِّ السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ إِذَا زَنَى (2) .
12 - وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَسْأَلَةٌ مَا لَوْ وَطِئَ الْعَاقِل الْبَالِغُ - الْمُكَلَّفُ - مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ الْوَاطِئَ مِنْ أَهْل وُجُوبِ الْحَدِّ؛ وَلأَِنَّ وُجُودَ
__________
(1) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . " أخرجه النسائي (6 / 62 - ط المكتبة التجارية) والحاكم (2 / 59 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 144 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 313 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 146 دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج 7 / 426 مصطفى البابي الحلبي 1967 م، كشاف القناع 6 / 96 عالم الكتب 1983 م، المغني لابن قدامة 8 / 194، 195 الرياض، تيسير التحرير 2 / 289 مصطفى البابي الحلبي 1350 هـ.

الْعُذْرِ مِنْ جَانِبِهَا لاَ يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لاَ يُوطَأُ مِثْلُهَا لاَ حَدَّ عَلَى وَاطِئَهَا. (1)

3 - أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ:
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّحْرِيمِ شَرْطٌ فِي حَدِّ الزِّنَى. فَإِنْ كَانَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِ الزِّنَى لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ أَوْ بُعْدِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ. وَلِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلاً زَنَى بِالْيَمَنِ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَى فَاجْلِدُوهُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْلَمُ فَعَلِّمُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ عَذَرَ رَجُلاً زَنَى بِالشَّامِ وَادَّعَى الْجَهْل بِتَحْرِيمِ الزِّنَى. وَكَذَا رُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا عَذَرَا جَارِيَةً زَنَتْ وَهِيَ أَعْجَمِيَّةً وَادَّعَتْ أَنَّهَا لاَ تَعْلَمُ
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 34 دار الكتاب العربي 1982 م، حاشية ابن عابدين 3 / 156، 157 دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 50 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 314، 315، دار الفكر، شرح روض الطالب 4 / 128 المكتبة الإسلامية، كشاف القناع 6 / 98 عالم الكتب 1983 م، مطالب أولي النهى 6 / 186 ط المكتب الإسلامي 1961 م.

التَّحْرِيمَ. وَلأَِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ.
وَقَدْ أَوْضَحَ ابْنُ عَابِدِينَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهُ لاَ تُقْبَل دَعْوَى الْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ إِلاَّ مِمَّنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَةُ ذَلِكَ، بِأَنْ نَشَأَ وَحْدَهُ فِي شَاهِقٍ، أَوْ بَيْنَ قَوْمٍ جُهَّالٍ مِثْلِهِ لاَ يَعْلَمُونَ تَحْرِيمَهُ، أَوْ يَعْتَقِدُونَ إِبَاحَتَهُ، إِذْ لاَ يُنْكَرُ وُجُودُ ذَلِكَ. فَمَنْ زَنَى وَهُوَ كَذَلِكَ فِي فَوْرِ دُخُولِهِ دَارَنَا لاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ، إِذِ التَّكْلِيفُ بِالأَْحْكَامِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِهَا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل قَوْل مَنِ اشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِالتَّحْرِيمِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ نَقْل الإِْجْمَاعِ بِخِلاَفِ مَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي دَارِ أَهْل الْحَرْبِ الْمُعْتَقِدِينَ حُرْمَتَهُ، ثُمَّ دَخَل دَارَنَا فَإِنَّهُ إِذَا زَنَى يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَل اعْتِذَارُهُ بِالْجَهْل.
وَلاَ يَسْقُطُ الْحَدُّ بِجَهْل الْعُقُوبَةِ إِذَا عُلِمَ التَّحْرِيمُ، (1) لِحَدِيثِ مَاعِزٍ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَال فِي أَثْنَاءِ رَجْمِهِ رُدُّونِي إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي غَرُّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ قَاتِلِي. (2)
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 142، دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 39، دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 316 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 146 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 97 عالم الكتب 1983 م.
(2) حديث ماعز في قصة رجمه وقوله: " ردوني. . . " أخرجه أبو داود (4 / 576 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن عبد الله وإسناده حسن.

انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ:
14 - مِنَ الشُّرُوطِ الْمُوجِبَةِ لِحَدِّ الزِّنَى وَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. (1)
وَقَدْ نَازَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالإِْرْسَال تَارَةً وَبِالْوَقْفِ تَارَةً أُخْرَى. قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَنَحْنُ نَقُول: إِنَّ الإِْرْسَال لاَ يَقْدَحُ، وَإِنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ؛ لأَِنَّ إِسْقَاطَ الْوَاجِبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِشُبْهَةٍ خِلاَفُ مُقْتَضَى الْعَقْل، بَل مُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثُّبُوتِ لاَ يَرْتَفِعُ بِشُبْهَةٍ فَحَيْثُ ذَكَرَهُ صَحَابِيٌّ حُمِل عَلَى الرَّفْعِ. وَأَيْضًا فِي إِجْمَاعِ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كِفَايَةٌ. وَلِذَا قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْعَمَل بِهِ. وَأَيْضًا تَلَقَّتْهُ الأُْمَّةُ بِالْقَبُول. وَفِي تَتَبُّعِ الْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ مَا يَقْطَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَال لِمَاعِزٍ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ (2) . كُل ذَلِكَ يُلَقِّنُهُ أَنْ يَقُول: نَعَمْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالزِّنَى، وَلَيْسَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ إِلاَّ كَوْنَهُ إِذَا قَالَهَا تُرِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ
__________
(1) حديث: " ادرأوا الحدود بالشبهات " أخرجه السمعاني كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص 30 - ط السعادة) ، ونقل السخاوي عن ابن حجر أنه قال: في سنده من لا يعرف.
(2) حديث: " لعلك قبلت؟ أو غمزت أو نظرت؟ " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 135 - ط السلفية) من حديث ابن عباس.

فَائِدَةَ. وَلَمْ يَقُل لِمَنِ اعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ، لَعَلَّهُ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَضَاعَتْ، وَنَحْوِهِ.
وَكَذَا قَال لِلْغَامِدِيَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ. وَكَذَا قَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِشُرَاحَةَ: لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْكِ وَأَنْتِ نَائِمَةٌ، لَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَكِ، لَعَل مَوْلاَكِ زَوَّجَكِ مِنْهُ وَأَنْتِ تَكْتُمِينَهُ.
فَالْحَاصِل مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَوْنُ الْحَدِّ يُحْتَال فِي دَرْئِهِ بِلاَ شَكٍّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الاِسْتِفْسَارَاتِ الْمُفِيدَةَ لِقَصْدِ الاِحْتِيَال لِلدَّرْءِ كُلَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لأَِنَّهُ كَانَ بَعْدَ صَرِيحِ الإِْقْرَارِ وَبِهِ الثُّبُوتُ. وَهَذَا هُوَ الْحَاصِل مِنْ هَذِهِ الآْثَارِ وَمِنْ قَوْلِهِ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. فَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَقْطُوعًا بِثُبُوتِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِ شَكًّا فِي ضَرُورِيٍّ فَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى قَائِلِهِ وَلاَ يُعَوَّل عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الاِخْتِلاَفُ أَحْيَانًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الشُّبُهَاتِ أَهِيَ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ بِهَا أَمْ لاَ. (1)
وَعَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ الشُّبْهَةَ بِأَنَّهَا مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ.
وَقَدْ قَسَّمَ كُلٌّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الشُّبْهَةَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ. تَفْصِيلُهَا فِيمَا يَلِي:

أ - أَنْوَاعُ الشُّبْهَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
15 - الشُّبْهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: شُبْهَةٌ فِي
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 32.

الْفِعْل، وَشُبْهَةٌ فِي الْمَحَل، وَشُبْهَةُ الْعَقْدِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى النَّوْعَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّالِثِ.

1 - الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْل:
16 - وَتُسَمَّى أَيْضًا: شُبْهَةُ الْمُشَابَهَةِ، وَشُبْهَةُ الاِشْتِبَاهِ.
وَهِيَ: أَنْ يُظَنَّ غَيْرُ الدَّلِيل دَلِيلاً. فَتَتَحَقَّقَ فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَقَطْ، أَيْ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحِل وَالْحُرْمَةُ، وَلاَ دَلِيل فِي السَّمْعِ يُفِيدُ الْحِل بَل ظَنُّ غَيْرِ الدَّلِيل دَلِيلاً، فَلاَ بُدَّ مِنَ الظَّنِّ، وَإِلاَّ فَلاَ شُبْهَةَ أَصْلاً، لِفَرْضِ أَنْ لاَ دَلِيل أَصْلاً لِتَثْبُتَ الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ ثَابِتًا لَمْ تَكُنْ شُبْهَةٌ أَصْلاً، وَلَيْسَتْ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ قَال: إِنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ حُدَّ.
ثُمَّ إِنَّ شُبْهَةَ الْفِعْل تَكُونُ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: ثَلاَثَةٍ مِنْهَا فِي الزَّوْجَاتِ، وَخَمْسَةٍ فِي الْجَوَارِي.
فَمَوَاضِعُ الزَّوْجَاتِ: مَا لَوْ وَطِئَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاَثًا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ الْبَائِنَ فِي الطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، أَوِ الْمُخْتَلِعَةَ.
وَمَوَاضِعُ الْجَوَارِي: هِيَ وَطْءُ جَارِيَةِ الأَْبِ أَوِ الأُْمِّ أَوِ الْجَدِّ أَوِ الْجَدَّةِ وَإِنْ عَلَوْا، وَوَطْءُ جَارِيَةِ الزَّوْجَةِ، وَوَطْءُ أُمِّ وَلَدِهِ الَّتِي أَعْتَقَهَا وَهِيَ فِي

الاِسْتِبْرَاءِ، وَالْعَبْدُ يَطَأُ جَارِيَةَ مَوْلاَهُ، وَالْمُرْتَهِنُ يَطَأُ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ عِنْدَهُ، وَكَذَا الْمُسْتَعِيرُ لِلرَّهْنِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهِنِ.
فَالْوَاطِئُ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ إِذَا ظَنَّ الْحِل يُعْذَرُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الْوَطْءَ حَصَل فِي مَوْضِعِ الاِشْتِبَاهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَقَال: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِل لِي، فَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى دَعْوَاهُ وَيُحَدُّ. وَلاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْل وَإِنِ ادَّعَاهُ؛ لأَِنَّ الْفِعْل تَمَحَّضَ زِنًى لِفَرْضِ أَنْ لاَ شُبْهَةَ مِلْكٍ هُنَا، إِلاَّ أَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِظَنِّهِ الْمَحَل، فَضْلاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَمْرٌ رَاجِعٌ إِلَى الْوَاطِئِ لاَ إِلَى الْمَحَل، فَكَأَنَّ الْمَحَل لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ حِلٍّ، فَلاَ يَثْبُتُ نَسَبٌ بِهَذَا الْوَطْءِ، وَكَذَا لاَ تَثْبُتُ بِهِ عِدَّةٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ عِدَّةَ مِنَ الزَّانِي.
وَقِيل: إِنَّ هَذَا غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاَثًا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُ وَطْءٌ فِي شُبْهَةِ الْعَقْدِ، فَيَكْفِي ذَلِكَ لإِِثْبَاتِ النَّسَبِ. وَأُلْحِقَتْ بِهَا الْمُطَلَّقَةُ بِعِوَضٍ، وَالْمُخْتَلِعَةُ.
وَثُبُوتُ النَّسَبِ هُنَا لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ، بَل بِاعْتِبَارِ الْعُلُوقِ السَّابِقِ عَلَى الطَّلاَقِ. وَلِذَا ذَكَرُوا أَنَّ نَسَبَ وَلَدِهَا يَثْبُتُ إِلَى أَقَل مِنْ سَنَتَيْنِ، وَلاَ يَثْبُتُ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ. وَيَجِبُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْل مَهْرُ الْمِثْل.

2 - الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَل: وَتُسَمَّى أَيْضًا الشُّبْهَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَشُبْهَةُ الْمِلْكِ:
17 - وَتَنْشَأُ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْحِل فِي الْمَحَل، فَتُصْبِحُ الْحُرْمَةُ الْقَائِمَةُ فِيهَا شُبْهَةً أَنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً، نَظَرًا إِلَى دَلِيل الْحِل، كَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (1) . فَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ لأَِجْل شُبْهَةٍ وُجِدَتْ فِي الْمَحَل وَإِنْ عَلِمَ حُرْمَتَهُ؛ لأَِنَّ الشُّبْهَةَ إِذَا كَانَتْ فِي الْمَوْطُوءَةِ يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ اسْمُ الزِّنَى فَامْتَنَعَ الْحَدُّ؛ لأَِنَّ الدَّلِيل الْمُثْبِتَ لِلْحِل قَائِمٌ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ إِثْبَاتِهِ لِمَانِعٍ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً.
وَالشُّبْهَةُ فِي الْمَحَل تَكُونُ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: وَاحِدٌ مِنْهَا فِي الزَّوْجَاتِ، وَالْبَاقِي فِي الْجَوَارِي.
فَمَوْضِعُ الزَّوْجَاتِ: وَطْءُ الْمُعْتَدَّةِ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ بِالْكِنَايَاتِ، فَلاَ يُحَدُّ، لاِخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كَوْنِهَا رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً.
وَمَوَاضِعُ الْجَوَارِي: هِيَ وَطْءُ الأَْبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَوَطْءُ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْل تَسْلِيمِهَا لِلْمُشْتَرِي، وَوَطْءُ الزَّوْجِ الْجَارِيَةَ الْمَجْعُولَةَ مَهْرًا قَبْل تَسْلِيمِهَا لِلزَّوْجَةِ حَيْثُ إِنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ لِلْمُشْتَرِي وَالزَّوْجَةِ، وَوَطْءُ الْجَارِيَةِ
__________
(1) حديث: " أنت ومالك لأبيك ". أخرجه ابن ماجه (2 / 769 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (2 / 25 - ط دار الجنان) .

الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْوَاطِئِ وَغَيْرِهِ، وَوَطْءُ الْمُرْتَهِنِ لِلْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ فِي رِوَايَةٍ لَيْسَتْ بِالْمُخْتَارَةِ. وَزَادَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: وَطْءَ جَارِيَةِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ، وَوَطْءَ جَارِيَةِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ، وَوَطْءَ جَارِيَةِ عَبْدِهِ الْمُكَاتَبِ، وَوَطْءَ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالَّتِي فِيهَا الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي. وَكَذَا وَطْءُ جَارِيَتِهِ الَّتِي هِيَ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ، وَجَارِيَتُهُ قَبْل الاِسْتِبْرَاءِ، وَوَطْءُ الزَّوْجَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ بِرِدَّتِهَا، أَوْ بِمُطَاوَعَتِهَا لاِبْنِهِ أَوْ جِمَاعِهِ أُمَّهَا ثُمَّ جَامَعَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا عَلَيْهِ حَرَامٌ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ بَعْضَ الأَْئِمَّةِ لَمْ يُحَرِّمْ بِهِ، فَاسْتُحْسِنَ أَنْ يَدْرَأَ بِذَلِكَ الْحَدِّ. قَال: وَالاِسْتِقْرَاءُ يُفِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ أَيْضًا، فَالاِقْتِصَارُ عَلَى السِّتَّةِ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ. فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ وَإِنْ قَال: عَلِمْتُ أَنَّهَا حَرَامٌ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ هُوَ الشُّبْهَةُ، وَهِيَ هَاهُنَا قَائِمَةٌ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ، وَلاَ اعْتِبَارَ بِمَعْرِفَتِهِ بِالْحُرْمَةِ وَعَدَمِهَا. وَيَثْبُتُ النَّسَبُ فِي شُبْهَةِ الْمَحَل إِذَا ادَّعَى الْوَلَدَ.

3 - شُبْهَةُ الْعَقْدِ:
18 - قَال بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَزُفَرُ.
وَهِيَ عِنْدَهُ تَثْبُتُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ النَّسَبِيَّةِ، أَوْ بِالرَّضَاعِ، أَوْ بِالْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِهِمَا، فَإِذَا وَطِئَ الشَّخْصُ إِحْدَى

مَحَارِمِهِ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْمَهْرُ وَيُعَاقَبُ عُقُوبَةً هِيَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ التَّعْزِيرِ سِيَاسَةً لاَ حَدًّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ وَلاَ تَعْزِيرَ. فَوُجُودُ الْعَقْدِ يَنْفِي الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَلاَلاً كَانَ الْعَقْدُ أَوْ حَرَامًا، مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، عَلِمَ الْوَاطِئُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ بِأَنَّ الأُْنْثَى مِنْ أَوْلاَدِ آدَمَ مَحَلٌّ لِهَذَا الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ مَحَل الْعَقْدِ مَا يَكُونُ قَابِلاً لِمَقْصُودِهِ الأَْصْلِيِّ، وَكُل أُنْثَى مِنْ أَوْلاَدِ آدَمَ قَابِلَةٌ لِمَقْصُودِ النِّكَاحِ وَهُوَ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُل. وَإِذَا كَانَتْ قَابِلَةً لِمَقْصُودِهِ كَانَتْ قَابِلَةً لِحُكْمِهِ، إِذِ الْحُكْمُ يَثْبُتُ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَقْصُودِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ فِي جَمِيعِ الأَْحْكَامِ، إِلاَّ أَنَّهُ تَقَاعَدَ عَنْ إِفَادَةِ الْحِل حَقِيقَةً لِمَكَانِ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ فِيهِنَّ بِالنَّصِّ فَيُورِثُ شُبْهَةً، إِذِ الشُّبْهَةُ مَا يُشْبِهُ الْحَقِيقَةَ لاَ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا.
وَالأُْنْثَى مِنْ أَوْلاَدِ آدَمَ مَحَلٌّ لِلْعَقْدِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَتْ أَوْلَى بِإِيرَاثِ الشُّبْهَةِ، وَكَوْنُهَا مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ لاَ يُنَافِي الشُّبْهَةَ "، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ وَهِيَ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَالنِّكَاحُ فِي إِفَادَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، لأَِنَّهُ شَرَعَ لَهُ بِخِلاَفِ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَكَانَ أَوْلَى فِي

إِفَادَةِ الشُّبْهَةِ؛ لأَِنَّ الشُّبْهَةَ تُشْبِهُ الْحَقِيقَةَ فَمَا كَانَ أَقْوَى فِي إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ كَانَ أَقْوَى فِي إِثْبَاتِ الشُّبْهَةِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّا لِذَلِكَ بِأَنَّ حُرْمَتَهُنَّ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَإِضَافَةُ الْعَقْدِ إِلَيْهِنَّ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الذُّكُورِ، لِكَوْنِهِ صَادَفَ غَيْرَ الْمَحَل فَيَلْغُو؛ لأَِنَّ مَحَل التَّصَرُّفِ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْحِل هُنَا، وَهِيَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فَيَكُونُ وَطْؤُهَا زِنًى حَقِيقَةً لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَالْحَقِّ فِيهَا. وَإِلَيْهِ الإِْشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} (1) وَالْفَاحِشَةُ هِيَ الزِّنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} (2) وَمُجَرَّدُ إِضَافَةِ الْعَقْدِ إِلَى غَيْرِ الْمَحَل لاَ عِبْرَةَ فِيهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ الْوَارِدَ عَلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا حَتَّى لاَ يُفِيدَ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا يُعْذَرُ بِالاِشْتِبَاهِ. وَمَحَل الْخِلاَفِ بَيْنَهُمْ فِي النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى التَّأْبِيدِ. أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ وَبِلاَ شُهُودٍ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ عِنْدَ الْكُل. فَالشُّبْهَةُ إِنَّمَا
__________
(1) سورة النساء / 22.
(2) سورة الإسراء / 32.

تَنْتَفِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَالْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (1) .

ب - أَنْوَاعُ الشُّبْهَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:
19 - قَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الشُّبْهَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ: شُبْهَةٍ فِي الْوَاطِئِ، وَشُبْهَةٍ فِي الْمَوْطُوءَةِ، وَشُبْهَةٍ فِي الطَّرِيقِ.
فَالشُّبْهَةُ فِي الْوَاطِئِ: كَاعْتِقَادِ أَنَّ هَذِهِ الأَْجْنَبِيَّةَ امْرَأَتُهُ، فَالاِعْتِقَادُ الَّذِي هُوَ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ وَغَيْرُ مُطَابِقٍ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُعْتَقِدٌ الإِْبَاحَةَ، وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ فِي اعْتِقَادِهِ يَقْتَضِي الْحَدَّ، فَحَصَل الاِشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ.
وَالشُّبْهَةُ فِي الْمَوْطُوءَةِ: كَالأَْمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إِذَا وَطِئَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ. فَمَا فِيهَا مِنْ نَصِيبِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ، وَمَا فِيهَا مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ يَقْتَضِي الْحَدَّ، فَحَصَل الاِشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ. وَالشُّبْهَةُ فِي الطَّرِيقِ: كَاخْتِلاَفِ الْعُلَمَاءِ فِي إِبَاحَةِ الْمَوْطُوءَةِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَنَحْوِهِ. فَإِنَّ قَوْل
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 150 وما بعدها دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 32 وما بعدها دار إحياء التراث العربي، تبيين الحقائق 3 / 175 وما بعدها دار المعرفة، الفتاوى الهندية 2 / 147 وما بعدها، المطبعة الأميرية 1310 هـ.

الْمُحَرِّمِ يَقْتَضِي الْحَدَّ، وَقَوْل الْمُبِيحِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ، فَحَصَل الاِشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ.
فَهَذِهِ الثَّلاَثُ هِيَ ضَابِطُ الشُّبْهَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُمْ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ. غَيْرَ أَنَّ لَهَا شَرْطًا وَهُوَ اعْتِقَادُ الْمُقْدِمِ عَلَى الْفِعْل مُقَارَنَةَ السَّبَبِ الْمُبِيحِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي حُصُول السَّبَبِ كَأَنْ يَطَأَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً يَعْتَقِدُ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ. وَضَابِطُ الشُّبْهَةِ الَّتِي لاَ تُعْتَبَرُ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ تَتَحَقَّقُ بِأَمْرَيْنِ: إِمَّا بِالْخُرُوجِ عَنِ الشُّبُهَاتِ الثَّلاَثِ الْمَذْكُورَةِ كَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ مَبْتُوتَةً ثَلاَثًا قَبْل زَوْجٍ، أَوْ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعِ أَوِ النَّسَبِ أَوْ ذَاتَ مَحْرَمٍ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، أَوْ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ كَأَنْ يَطَأَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا فَإِنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ لِعَدَمِ اعْتِقَادِ مُقَارَنَةِ الْعِلْمِ لِسَبَبِهِ. (1)

ج - أَنْوَاعُ الشُّبْهَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:
20 - الشُّبْهَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: شُبْهَةٍ فِي الْمَحَل، وَشُبْهَةٍ فِي الْفَاعِل، وَشُبْهَةٍ فِي الْجِهَةِ.
فَالشُّبْهَةُ فِي الْمَحَل، كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ الْحَائِضِ وَالصَّائِمَةِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَأَمَتِهِ قَبْل الاِسْتِبْرَاءِ، وَجَارِيَةِ وَلَدِهِ. فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، كَأُخْتِهِ
__________
(1) الفروق للقرافي 4 / 172، وتهذيب الفروق بهامشه 1 / 202 دار المعرفة.

مِنْهُمَا، أَوْ بِمُصَاهَرَةٍ كَمَوْطُوءَةِ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ، فَلاَ حَدَّ بِوَطْئِهَا فِي الأَْظْهَرِ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ. قَال الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمَحَل ذَلِكَ فِيمَنْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا كَأُخْتِهِ. أَمَّا مَنْ لاَ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا كَالأُْمِّ وَالْجَدَّةِ فَهُوَ زَانٍ قَطْعًا. وَكَذَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، أَوِ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوِ الْمَجُوسِيَّةَ وَالْوَثَنِيَّةَ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَسْلَمَتْ أَمَةُ ذِمِّيٍّ فَوَطِئَهَا قَبْل أَنْ تُبَاعَ. وَأَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْفَاعِل، فَمِثْل أَنْ يَجِدَ امْرَأَةً فِي فِرَاشِهِ فَيَطَؤُهَا ظَانًّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَلَوْ ظَنَّهَا جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ فَكَانَتْ غَيْرَهَا فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لأَِنَّهُ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَكَانَ عَلَيْهِ الاِمْتِنَاعُ. وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ مِنَ احْتِمَالَيْنِ. وَجَزَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِسُقُوطِهِ. وَيَدْخُل فِي شُبْهَةِ الْفَاعِل الْمُكْرَهُ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْجِهَةِ: فَهِيَ كُل طَرِيقٍ صَحَّحَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَبَاحَ الْوَطْءَ بِهَا فَلاَ حَدَّ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ نَظَرًا لاِخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ. فَلاَ حَدَّ فِي الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَبِلاَ شُهُودٍ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ. وَلاَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ كَمَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِشُبْهَةِ الْخِلاَفِ.
ثُمَّ إِنَّ مَحَل الْخِلاَفِ فِي النِّكَاحِ الْمَذْكُورِ أَنْ لاَ يُقَارِنَهُ حُكْمٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. فَإِنْ قَارَنَهُ

حُكْمٌ قَاضٍ بِبُطْلاَنِهِ حُدَّ قَطْعًا، أَوْ حُكْمٌ قَاضٍ بِصِحَّتِهِ لَمْ يُحَدَّ قَطْعًا.
وَقَدْ صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الضَّابِطَ فِي الشُّبْهَةِ قُوَّةُ الْمُدْرِكِ لاَ عَيْنُ الْخِلاَفِ. فَلَوْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ حُدَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ حِل ذَلِكَ.
وَصَرَّحَ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ مِنْ عَالِمٍ يُعْتَدُّ بِخِلاَفِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْهُ الْفَاعِل. (1)

د - الشُّبْهَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:
21 - لَمْ يُقَسِّمِ الْحَنَابِلَةُ الشُّبْهَةَ إِلَى أَنْوَاعٍ كَالْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا لَهَا أَمْثِلَةً فَقَالُوا: لاَ حَدَّ عَلَى الأَْبِ إِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ سَوَاءٌ وَطِئَهَا الاِبْنُ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّهُ وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ فِيهِ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي مِلْكِ وَلَدِهِ لِحَدِيثِ أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ. وَلاَ حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ لِوَلَدِهِ فِيهَا شِرْكٌ، أَوْ لِمُكَاتَبِهِ فِيهَا شِرْكٌ؛ لِلْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ، وَلاَ حَدَّ إِنْ وَطِئَ أَمَةً كُلَّهَا لِبَيْتِ الْمَال أَوْ بَعْضَهَا لِبَيْتِ الْمَال وَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ، لأَِنَّ لَهُ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَال. وَلاَ حَدَّ إِنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ دُبُرٍ؛ لأَِنَّ الْوَطْءَ قَدْ صَادَفَ مِلْكًا، وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً
__________
(1) روضة الطالبين 10 / 92 المكتب الإسلامي، شرح روض الطالب 4 / 126 المكتبة الإسلامية، مغني المحتاج 4 / 144، 145 دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج 7 / 424، 425 مصطفى البابي الحلبي 1967 م.

عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يُقَل لَهُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ. وَلَوْ دَعَا ضَرِيرٌ امْرَأَتَهُ فَأَجَابَتْهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا فَوَطِئَهَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ دَعَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا فَوَطِئَهَا يَظُنُّهَا الْمَدْعُوَّةَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَدْعُوَّةُ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةٌ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْذَرُ بِهَذَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَل رَجُلاً يَظُنُّهُ ابْنَهُ فَبَانَ أَجْنَبِيًّا. وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَجُوسِيَّةَ أَوِ الْوَثَنِيَّةَ أَوِ الْمُرْتَدَّةَ أَوِ الْمُعْتَدَّةَ، أَوِ الْمُزَوَّجَةَ، أَوْ فِي مُدَّةِ اسْتِبْرَائِهَا فَلاَ حَدَّ، لأَِنَّهَا مِلْكُهُ. وَإِنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مِلْكٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، أَوْ بِلاَ شُهُودٍ، وَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَنِكَاحِ الْمُحَلِّل، وَنِكَاحِ الأُْخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا، وَنَحْوِهَا، وَنِكَاحِ الْبَائِنِ مِنْهُ، وَنِكَاحِ خَامِسَةٍ فِي عِدَّةِ رَابِعَةٍ لَمْ تَبِنْ، وَنِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ، وَعَقْدِ الْفُضُولِيِّ وَلَوْ قَبْل الإِْجَازَةِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ أَمْ لاَ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ إِذَا اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ.
وَإِنْ جَهِل نِكَاحًا بَاطِلاً إِجْمَاعًا كَخَامِسَةٍ فَلاَ حَدَّ لِلْعُذْرِ، وَيُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا. أَمَّا إِذَا عَلِمَ بِبُطْلاَنِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَلاَ حَدَّ فِي الْوَطْءِ فِي شِرَاءٍ فَاسِدٍ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَوِ

اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ لِلشُّبْهَةِ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ بِإِقْبَاضِهِ الأَْمَةَ كَأَنَّهُ أَذِنَهُ فِي فِعْل مَا يَمْلِكُهُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَمِنْهُ الْوَطْءُ، أَمَّا قَبْل الْقَبْضِ فَيُحَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ. كَمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي وَطْءِ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ وَيَعْلَمُ انْتِقَال الْمِلْكِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ. (1)
5 - مِنْ شُرُوطِ حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُخْتَارًا:
22 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (2) . وَعَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً اسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ. (3) وَلأَِنَّ هَذَا شُبْهَةٌ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِهَا.
وَقَدْ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
__________
(1) كشاف القناع 6 / 96، 97 عالم الكتب 1983 م، مطالب أولي النهى 6 / 183، 184، المكتب الإسلامي 1961 م.
(2) حديث: " تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أخرجه الحاكم (2 / 198 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس وصححه، ووافقه الذهبي.
(3) حديث وائل: " أن امرأة استكرهت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه ابن أبي شيبة (9 / 550 - ط السلفية - بمبي) وعنه البيهقي (8 / 235 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، وأعله بالانقطاع في موضعين في سنده.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الرَّجُل إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى. فَذَهَبَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ وَالَّذِي بِهِ الْفَتْوَى وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى الرَّجُل الْمُكْرَهِ عَلَى الزِّنَى لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلِشُبْهَةِ الإِْكْرَاهِ.
وَذَهَبَ الأَْكْثَرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَطْءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالاِنْتِشَارِ الْحَادِثِ بِالاِخْتِيَارِ.
وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ إِكْرَاهِ السُّلْطَانِ وَإِكْرَاهِ غَيْرِهِ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ فِي إِكْرَاهِ السُّلْطَانِ؛ لأَِنَّ سَبَبَهُ الْمُلْجِئَ قَائِمٌ ظَاهِرًا، وَالاِنْتِشَارُ دَلِيلٌ مُتَرَدِّدٌ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لأَِنَّ الاِنْتِشَارَ قَدْ يَكُونُ طَبْعًا لاَ طَوْعًا، كَمَا فِي النَّائِمِ، فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ، لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ لاَ يَدُومُ إِلاَّ نَادِرًا لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الاِسْتِعَانَةِ بِالسُّلْطَانِ أَوْ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِنَفْسِهِ بِالسِّلاَحِ. وَالنَّادِرُ لاَ حُكْمَ لَهُ فَلاَ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ، بِخِلاَفِ السُّلْطَانِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِ وَلاَ الْخُرُوجُ بِالسِّلاَحِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا. وَالْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ. قَال مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ: وَهَذَا اخْتِلاَفُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، فَفِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لاَ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالسُّلْطَانِ،

وَفِي زَمَنِهِمَا ظَهَرَتِ الْقُوَّةُ لِكُل مُتَغَلِّبٍ فَيُفْتَى بِقَوْلِهِمَا. (1)
ثَانِيًا: الشُّرُوطُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا:
1 - اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ حَيَّةً:
23 - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَى أَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ حَيَّةً، فَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ عِنْدَهُمْ بِوَطْءِ الْمَيْتَةِ؛ لأَِنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا وَجَبَ لِلزَّجْرِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْفِرُ الطَّبْعُ عَنْهُ، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ بِحَدٍّ لِزَجْرِ الطَّبْعِ عَنْهُ. وَفِيهِ التَّعْزِيرُ عِنْدَهُمْ.
وَيُعَبِّرُ الشَّافِعِيَّةُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِالْفَرْجِ الْمُشْتَهَى طَبْعًا، وَهُوَ فَرْجُ الآْدَمِيِّ الْحَيِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ فَيَجِبُ عِنْدَهُمُ الْحَدُّ بِوَطْءِ الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي قُبُلِهَا أَوْ دُبُرِهَا. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجَ فَلاَ يُحَدُّ بِوَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمَيْتَةِ. وَاسْتَثْنَوْا كَذَلِكَ الْمَرْأَةَ إِذَا أَدْخَلَتْ ذَكَرَ مَيْتٍ غَيْرَ زَوْجٍ فِي فَرْجِهَا فَلاَ تُحَدُّ لِعَدَمِ اللَّذَّةِ (2) .
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 157 دار إحياء التراث العربي، فتح القدير 5 / 52 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 318 دار الفكر، نهاية المحتاج 7 / 425 مصطفى البابي الحلبي 1967 م، مغني المحتاج 4 / 145 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 97 عالم الكتب 1983 م، الإنصاف 10 / 182 مطبعة السنة المحمدية 1957 م.
(2) شرح فتح القدير 5 / 45 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 314 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 144، 145 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 98 عالم الكتب 1983 م.

كَوْنُ الْمَوْطُوءَةِ امْرَأَةً:
24 - اشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ امْرَأَةً. فَلاَ حَدَّ عِنْدَهُ فِيمَنْ عَمِل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ، وَلَوِ اعْتَادَ اللِّوَاطَةَ قَتَلَهُ الإِْمَامُ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مِحْصَنٍ سِيَاسَةً. أَمَّا الْحَدُّ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا فَلَيْسَ حُكْمًا لَهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِزِنًى وَلاَ فِي مَعْنَاهُ فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ حَدٌّ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ هَذَا الشَّرْطَ، فَذَهَبَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حَدَّ الزِّنَى عَلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ جَلْدًا إِنْ لَمْ يَكُنْ أُحْصِنَ، وَرَجْمًا إِنْ أُحْصِنَ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ حَدًّا أُحْصِنَا أَمْ لاَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْفَاعِل. أَمَّا الْمَفْعُول بِهِ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ؛ لأَِنَّ الْمَحَل لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ إِحْصَانٌ. (1)
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 43، والكفاية على الهداية بذيل الفتح 5 / 43 وما بعدها دار إحياء التراث العربي، وحاشية ابن عابدين 3 / 155، دار إحياء التراث العربي، وحاشية الدسوقي 4 / 314 - 320 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 144 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 94 عالم الكتب 1983 م.

وَطْءُ الْبَهِيمَةِ:
25 - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ أَتَى بَهِيمَةً لَكِنَّهُ يُعَزَّرُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ (1) . وَمِثْل هَذَا لاَ يَقُولُهُ إِلاَّ عَنْ تَوْقِيفٍ، وَلأَِنَّ الطَّبْعَ السَّلِيمَ يَأْبَاهُ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى زَجْرٍ بِحَدٍّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ: إِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَى وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ: بِأَنَّهُ يُقْتَل مُطْلَقًا مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ.
وَمِثْل وَطْءِ الْبَهِيمَةِ مَا لَوْ مَكَّنَتِ امْرَأَةٌ حَيَوَانًا مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى وَطِئَهَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا بَل تُعَزَّرُ.
وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) أَنَّهُ لاَ تُقْتَل الْبَهِيمَةُ، وَإِذَا قُتِلَتْ فَإِنَّهَا يَجُوزُ أَكْلُهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمَنَعَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَكْلَهَا. وَقَالاَ: تُذْبَحُ وَتُحْرَقُ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا حَيَّةً وَمَيِّتَةً.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْبَهِيمَةَ تُقْتَل سَوَاءٌ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ. وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَال: مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ
__________
(1) أثر ابن عباس: " من أتى بهيمة فلا حد عليه " أخرجه ابن أبي شيبة (10 / 5 - ط الدار السلفية - بمبي) .

فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ. (1) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّهَا تُذْبَحُ إِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً، وَصَرَّحُوا بِحُرْمَةِ أَكْلِهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَل. (2)
3 - كَوْنُ الْوَطْءِ فِي الْقُبُل:
26 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَى عَلَى مَنْ أَتَى امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا، لأَِنَّهُ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ كَالْقُبُل.
وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ الْحَدَّ بِالْفَاعِل فَقَطْ. أَمَّا الْمَفْعُول بِهَا فَإِنَّهَا تُجْلَدُ وَتُغَرَّبُ، مُحْصَنَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَحَل لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ إِحْصَانٌ.
وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي الْقُبُل فَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ عِنْدَهُ عَلَى مَنْ أَتَى امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ. أَمَّا إِتْيَانُ الرَّجُل زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَلاَ حَدَّ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَيُعَزَّرُ فَاعِلُهُ لاِرْتِكَابِهِ
__________
(1) حديث ابن عباس: " من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة ". أخرجه أحمد (1 / 269 - ط الميمنية) وصححه ابن عبد الهادي المقدسي في المحرر في الحديث (2 / 624 - ط دار المعرفة) .
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 155 دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 45، حاشية الدسوقي 4 / 316، مغني المحتاج 4 / 145، شرح روض الطالب 4 / 126 المكتبة الإسلامية، كشاف القناع 6 / 95، الإنصاف 10 / 178 مطبعة السنة المحمدية 1957 م.

مَعْصِيَةً. وَقَصَرَ الشَّافِعِيَّةُ التَّعْزِيرَ عَلَى مَا إِذَا تَكَرَّرَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فَلاَ تَعْزِيرَ فِيهِ. (1)
4 - كَوْنُ الْوَطْءِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ:
27 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ الزِّنَى فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوِ الْبَغْيِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ وَأَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ بِهَا حَدًّا ثُمَّ هَرَبَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَإِنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. (2)
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقَامَ عَلَى أَحَدٍ حَدٌّ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ.
وَلأَِنَّ الْوُجُوبَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ، وَلاَ قُدْرَةَ لِلإِْمَامِ عَلَيْهِ حَال كَوْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلاَ وُجُوبَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 155 دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 43 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 314 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 144 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 94 عالم الكتب 1983 م.
(2) حديث: " من زنى أو سرق في دار الحرب. . . " ذكره محمد بن الحسن الشيباني في كتاب السير (5 / 1852 - ط مطبعة شركة الإعلانات الشرقية) من حديث عطية بن قيس الكلابي مرفوعا بلفظ: " إذا هرب الرجل، وقد قتل أو زنى أو سرق إلى العدو ثم أخذ أمانا على نفسه، فإنه يقام

وَإِلاَّ عَرَى عَنِ الْفَائِدَةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الاِسْتِيفَاءُ لِيَحْصُل الزَّجْرُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَرَجَ وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِلإِْيجَابِ حَال وُجُودِهِ لَمْ يَنْقَلِبْ مُوجِبًا لَهُ حَال عَدَمِهِ.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا زَنَى فِي عَسْكَرٍ لأَِمِيرِهِ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحَدِّ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَى؛ لأَِنَّهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَالْقُدْرَةُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ خَرَجَ مِنَ الْعَسْكَرِ فَدَخَل دَارَ الْحَرْبِ فَزَنَى ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعَسْكَرِ فَإِنَّهُ لاَ يُقِيمُهُ، وَكَذَا لَوْ زَنَى فِي الْعَسْكَرِ وَالْعَسْكَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَيَّامِ الْمُحَارَبَةِ قَبْل الْفَتْحِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَهَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ، بِخِلاَفِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ أَوِ السَّرِيَّةِ لأَِنَّهُ إِنَّمَا فَوَّضَ لَهُمَا تَدْبِيرَ الْحَرْبِ لاَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلإِْمَامِ، وَوِلاَيَةُ الإِْمَامِ مُنْقَطِعَةٌ ثَمَّةَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً مِنْ نَحْوِ رِدَّةِ الْمَحْدُودِ وَالْتِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْغَزْوِ لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، لِمَا رَوَى جُنَادَةُ بْنُ أُمَيَّةَ قَال: كُنَّا مَعَ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ فِي الْبَحْرِ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ يُقَال لَهُ: مَصْدَرٌ، قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً، (1) فَقَال: قَدْ سَمِعْتُ
__________
(1) أي ناقة من إبل العجم.

رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: لاَ تُقْطَعُ الأَْيْدِي فِي السَّفَرِ (1) وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَقَطَعْتُهُ.
وَنَقَلُوا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَتَى رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعُمُومِ الآْيَاتِ وَالأَْخْبَارِ، وَإِنَّمَا أُخِّرَ لِعَارِضٍ، وَقَدْ زَال.
وَإِذَا أَتَى حَدًّا فِي الثُّغُورِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّهَا مِنْ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى زَجْرِ أَهْلِهَا كَالْحَاجَةِ إِلَى زَجْرِ غَيْرِهِمْ. (2)
5 - أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُسْلِمًا:
28 - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُسْلِمًا، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ طَائِعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَيُرَدُّ إِلَى أَهْل مِلَّتِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، وَتُحَدُّ الْمُسْلِمَةُ. وَإِنِ اسْتَكْرَهَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ عَلَى الزِّنَى قُتِل.
__________
(1) حديث بسر بن أرطأة: " لا تقطع الأيدي في السفر " أخرجه أبو داود (4 / 563 - 564 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، وقال ابن حجر عن إسناده: هذا إسناد قوي كذا في فيض القدير للمناوي (6 / 417 - ط المكتبة التجارية) .
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 156 دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 46، 47 دار إحياء التراث العربي، مغني المحتاج 4 / 150 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 88 عالم الكتب 1983 م، الإنصاف 10 / 169 السنة المحمدية 1957 م.

وَقَدْ وَافَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأُْخْرَى مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ فَقَطْ.
وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي: فَفِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: لاَ يُحَدُّ الْمُسْتَأْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَيُحَدُّ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ: يُحَدُّ الْجَمِيعُ. وَقَوْل مُحَمَّدٍ: لاَ يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. فَإِذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْلِمَةِ أَوِ الذِّمِّيَّةِ فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ دُونَ الْحَرْبِيِّ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ جَمِيعًا فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ، وَلاَ حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي قَوْل مُحَمَّدٍ، وَتَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ لأَِنَّهُ لَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ لاَ يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ، وَإِنْ زَنَى الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ بِالْحَرْبِيَّةِ الْمُسْتَأْمَنَةِ حُدَّ الرَّجُل فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُحَدَّانِ جَمِيعًا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِمَا بِالأَْحْكَامِ، وَيُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ لاِلْتِزَامِهِ بِالأَْحْكَامِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ رَجُلاً وَامْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ زَنَيَا (1) . وَكَانَا قَدْ أُحْصِنَا. قَال
__________
(1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم رجلا وامرأة من اليهود زنيا ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 166 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1326 - الحلبي) من حديث ابن عمر.

الرَّمْلِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ الْيَوْمَ لاَ يُحَدُّونَ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْمُسْتَأْمَنِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يُجَدَّدُ لَهُمْ عَهْدٌ، بَل يَجْرُونَ عَلَى ذِمَّةِ آبَائِهِمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ يُحَدُّونَ حَدَّ الزِّنَى، لأَِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا وَيَلْزَمُ الإِْمَامَ إِقَامَةُ الْحَدِّ فِي زِنَى بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ لاِلْتِزَامِهِمْ حُكْمَنَا. وَلاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عَلَى مُسْتَأْمَنٍ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حُكْمَنَا.
وَلأَِنَّ زِنَى الْمُسْتَأْمَنِ يَجِبُ بِهِ الْقَتْل لِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَلاَ يَجِبُ مَعَ الْقَتْل حَدٌّ سِوَاهُ. وَهَذَا إِذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ. أَمَّا إِذَا زَنَى الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. (1)
6 - أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل نَاطِقًا:
29 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل نَاطِقًا. فَلاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عِنْدَهُمْ عَلَى الأَْخْرَسِ مُطْلَقًا، حَتَّى وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ أَوْ إِشَارَةٍ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِالزِّنَى لاَ تُقْبَل لِلشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ هَذَا الشَّرْطَ فَيَجِبُ حَدُّ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 154، شرح فتح القدير 5 / 48، حاشية الدسوقي 4 / 313، القوانين الفقهية 382 شرح الزرقاني على خليل 8 / 75 دار الفكر 1978 م، شرح روض الطالب 4 / 127 المكتبة الإسلامية، مغني المحتاج 4 / 147، كشاف القناع 6 / 90، 91.

الزِّنَى عَلَى الأَْخْرَسِ إِذَا زَنَى (1) .

ثُبُوتُ الزِّنَى:
يَثْبُتُ الزِّنَى بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: بِالشَّهَادَةِ، وَالإِْقْرَارِ، وَالْقَرَائِنِ.

أ - الشَّهَادَةُ:
30 - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ الزِّنَى بِالشَّهَادَةِ، وَأَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ (2) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} (3) وقَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (4) وقَوْله تَعَالَى: {لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (5)
وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَال لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 141، جواهر الإكليل 2 / 132 دار المعرفة، التبصرة بهامش فتح العلي 2 / 40، 80 مصطفى البابي الحلبي 1958 م، مغني المحتاج 4 / 150، كشاف القناع 6 / 99.
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 142 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 319 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 149 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 100 عالم الكتب 1983 م، المغني لابن قدامة 8 / 198 الرياض.
(3) سورة النساء / 15.
(4) سورة النور / 4.
(5) سورة النور / 13.

امْرَأَتِي رَجُلاً أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ (1) .

وَيُشْتَرَطُ فِي الشُّهُودِ عَلَى الزِّنَى بِالإِْضَافَةِ إِلَى الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ لِلشَّهَادَةِ (الْمَذْكُورَةِ فِي مُصْطَلَحِ شَهَادَةٍ) أَنْ تَتَوَافَرَ فِيهِمْ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ الزِّنَى، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: الذُّكُورَةُ:
31 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي شُهُودِ الزِّنَى، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونُوا رِجَالاً كُلَّهُمْ، لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ.
وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الزِّنَى بِحَالٍ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الأَْرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ، وَيَقْتَضِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ بِأَرْبَعَةٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الأَْرْبَعَةَ إِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لاَ يُكْتَفَى بِهِمْ، وَأَنَّ أَقَل مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وَهَذَا خِلاَفُ النَّصِّ: {أَنْ تَضِل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى} (2) وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ مَدْخَل لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ. (3)
__________
(1) حديث أبي هريرة: " في سؤال سعد بن معاذ " أخرجه مسلم (2 / 1135 - ط الحلبي) .
(2) سورة البقرة / 282.
(3) حاشية ابن عابدين 3 / 142، وحاشية الدسوقي 4 / 319، ومغني المحتاج 4 / 149، 441، وكشاف القناع 4 / 149، والمغني 8 / 198، 199.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً:
32 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّنَى لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ؛ وَلأَِنَّ الزِّنَى مِنْ أَغْلَظِ الْفَوَاحِشِ فَغُلِّظَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ، وَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَمُلُوا أَرْبَعَةً حُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْمُلُوا فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (1) وَلأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَى. وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ، وَلِئَلاَّ يَتَّخِذَ صُورَةَ الشَّهَادَةِ ذَرِيعَةً إِلَى الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ.
وَعِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لاَ يُجْلَدُ الشُّهُودُ إِذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ عَنْ أَرْبَعَةٍ؛ لأَِنَّهُمْ جَاءُوا شَاهِدِينَ لاَ هَاتِكِينَ. (2)

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ:
33 - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى أَنْ تَكُونَ فِي
__________
(1) سورة النور / 4.
(2) حاشية ابن عابدين 3 / 142، والفتاوى الهندية 2 / 151، المطبعة الأميرية 1310 هـ، حاشية الدسوقي 4 / 319، 385، مغني المحتاج 4 / 149، 156، كشاف القناع 6 / 101، المغني 8 / 198 - 201.

مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ شَهِدَ بَعْضُ الأَْرْبَعَةِ فِي مَجْلِسٍ، وَبَعْضُهُمْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ. كَمَا اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَأْتِيَ الشُّهُودُ مُجْتَمِعِينَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعُوا خَارِجَ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ، أَمَّا لَوْ كَانُوا قُعُودًا فِي مَوْضِعِ الشُّهُودِ فَقَامَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَشَهِدَ، فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ بَعْدَ إِتْيَانِهِمْ مَحَل الْحَاكِمِ جَمِيعًا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وُجُوبًا لِيَسْأَل كُل وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا أَوْ بَعْضُهُمْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُدُّوا.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَابِلَةُ إِتْيَانَهُمْ مُجْتَمِعِينَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَأْتُوا مُتَفَرِّقِينَ لِقِصَّةِ الْمُغِيرَةِ، فَإِنَّهُمْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ، وَسُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنَّمَا حُدُّوا لِعَدَمِ كَمَالِهَا. عَلَى أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ مِنْ مَجْلِسِهِ فَهُمْ قَذَفَةٌ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلاَ صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَأْتِيَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَأَنْ تُؤَدَّى الشَّهَادَةُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَجْلِسٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ

شُهَدَاءَ} (1) . وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَجْلِسَ. وَقَال تَعَالَى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} . (2) وَلأَِنَّ كُل شَهَادَةٍ مَقْبُولَةٌ إِنِ اتَّفَقَتْ، تُقْبَل إِذَا افْتَرَقَتْ فِي مَجَالِسَ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ. (3)

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: تَفْصِيل الشَّهَادَةِ:
34 - يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى التَّفْصِيل، فَيَصِفُ الشُّهُودُ كَيْفِيَّةَ الزِّنَى، فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَاهُ مُغَيِّبًا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا، أَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا - إِنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا - فِي فَرْجِهَا كَالْمِيل فِي الْمُكْحُلَةِ، أَوِ الرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ، لأَِنَّهُ إِذَا اعْتَبَرَ التَّصْرِيحَ فِي الإِْقْرَارِ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّهَادَةِ أَوْلَى؛ وَلأَِنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ الشَّاهِدُ مَا لَيْسَ بِزِنًى زِنًى، فَاعْتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِهِ. كَمَا يُبَيِّنُ الشُّهُودُ كَيْفِيَّتَهُمَا مِنَ اضْطِجَاعٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ قِيَامٍ، أَوْ هُوَ فَوْقَهَا أَوْ تَحْتَهَا.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا سَأَلَهُمُ الْقَاضِي فَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمَا زَنَيَا، فَإِنَّهُ لاَ يَحُدُّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَلاَ الشُّهُودَ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ
__________
(1) سورة النور / 13.
(2) سورة النساء / 15.
(3) حاشية ابن عابدين 3 / 142، الفتاوى الهندية 2 / 152 المطبعة الأميرية 1310 هـ، حاشية الدسوقي 4 / 185، القليوبي وعميرة 4 / 324 ط عيسى البابي الحلبي، مغني المحتاج 4 / 149، كشاف القناع 6 / 100، المغني 8 / 200.

الْمَرْأَةِ، فَلَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لاَ يَعْرِفُونَهَا لَمْ يُحَدَّ؛ لاِحْتِمَال أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، بَل هُوَ الظَّاهِرُ.
كَمَا لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْبَلَدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَكَذَا تَعْيِينُ الْمَكَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، كَكَوْنِهَا فِي رُكْنِ الْبَيْتِ الشَّرْقِيِّ أَوِ الْغَرْبِيِّ، أَوْ وَسَطِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَكَانِ فِي الْبَيْتِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِيهِ حُدَّ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ لاِخْتِلاَفِ الْمَكَانِ حَقِيقَةً وَهُوَ قَوْل زُفَرَ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْل فِي زَاوِيَةٍ وَالاِنْتِهَاءُ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى بِالاِضْطِرَابِ، أَوْ لأَِنَّ الْوَاقِعَ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ فَيَحْسِبُهُ مَنْ فِي الْمُقَدَّمِ فِي الْمُقَدَّمِ، وَمَنْ فِي الْمُؤَخَّرِ فِي الْمُؤَخَّرِ فَيَشْهَدُ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ، أَمَّا فِي الْبَيْتِ الْكَبِيرِ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ.
وَلاَ بُدَّ أَيْضًا مِنْ تَعْيِينِ الزَّمَانِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمْ غَيْرَ مَا شَهِدَ بِهِ الآْخَرُ. فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّهُ زَنَى بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا يَوْمَ السَّبْتِ فَإِنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَكَذَا لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ فِيمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ

أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي سَاعَةٍ أُخْرَى. (1)

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَصَالَةُ الشَّهَادَةِ:
35 - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي شُهُودِ الزِّنَى الأَْصَالَةَ، فَلاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا شُبْهَةٌ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا اجْتِمَاعُ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْكَذِبِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ مَعَ احْتِمَال ذَلِكَ فِي شُهُودِ الأَْصْل، وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ لاَ يُوجَدُ فِي شُهُودِ الأَْصْل، وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ إِنَّمَا تُقْبَل لِلْحَاجَةِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِّ، لأَِنَّ سِتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ فَتَجُوزُ عِنْدَهُمُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى بِشَرْطِ أَنْ يَنْقُل عَنْ كُل شَاهِدٍ أَصِيلٍ شَاهِدَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُل الشَّاهِدَانِ عَنْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ أَوْ عَنْ شَاهِدَيْنِ،
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 143 دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير 5 / 61 وما بعدها دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية 2 / 152 المطبعة الأميرية 1310هـ، وحاشية الدسوقي 4 / 185 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 149 دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج 7 / 429 ط. مصطفى البابي الحلبي 1967 م، وكشاف القناع 6 / 101، 410، عالم الكتب 1983 م، والمغني 8 / 199 ط الرياض.

وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَيْنِ النَّاقِلَيْنِ أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا أَصِيلاً، فَيَجُوزُ فِي الزِّنَى أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، أَوْ يَشْهَدَ كُل اثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، أَوْ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ، أَوْ يَشْهَدَ ثَلاَثَةٌ عَلَى ثَلاَثَةٍ، وَيَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ الرَّابِعِ، وَإِذَا نَقَل اثْنَانِ عَنْ ثَلاَثَةٍ وَعَنِ الرَّابِعِ اثْنَانِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْمَاجِشُونِ؛ وَوَجْهُ عَدَمِ صِحَّتِهَا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْفَرْعُ إِلاَّ حَيْثُ تَصِحُّ شَهَادَةُ الأَْصْل لَوْ حَضَرَ، وَالرَّابِعُ الَّذِي نَقَل عَنْهُ الاِثْنَانِ الآْخَرَانِ لَوْ حَضَرَ مَا صَحَّتْ شَهَادَتُهُ مَعَ الاِثْنَيْنِ النَّاقِلَيْنِ عَنِ الثَّلاَثَةِ لِنَقْصِ الْعَدَدِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَيُحْتَمَل أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ؛ لأَِنَّ عَدَدَ الْفَرْعِ فِيهَا نَاقِصٌ عَنْ عَدَدِ الأَْصْل حَيْثُ نَقَل عَنِ الثَّلاَثَةِ اثْنَانِ فَقَطْ، وَالْفَرْعُ لاَ يَنْقُصُ عَنِ الأَْصْل لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَنِيَابَتِهِ مَنَابَهُ. كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّلْفِيقُ بَيْنَ شُهُودِ الأَْصْل وَالْفَرْعِ، كَأَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى رُؤْيَةِ الزِّنَى، وَيَنْقُل اثْنَانِ عَنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الاِثْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ (1) .

شَهَادَةُ الزَّوْجِ عَلَى الزِّنَى:
36 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 68 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 205 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 453 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 438 عالم الكتب 1983 م.

وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ قَبُول شَهَادَةِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَى لِلتُّهْمَةِ، إِذْ أَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهَا مُقِرٌّ بِعَدَاوَتِهِ؛ وَلأَِنَّهَا دَعْوَى خِيَانَتِهَا فِرَاشَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ التُّهْمَةَ مَا تُوجِبُ جَرَّ نَفْعٍ، وَالزَّوْجُ مُدْخِلٌ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ لُحُوقَ الْعَارِ وَخُلُوَّ الْفِرَاشِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلاَدٌ صِغَارٌ. (1)
وَانْظُرِ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَى الْقَدِيمِ، فِي مُصْطَلَحِ (حُدُودٍ ف 24) الْمَوْسُوعَةُ 17 / 137.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ مَسَائِل الشَّهَادَةِ كَرُجُوعِ الشُّهُودِ، وَظُهُورِ عَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشُّهُودِ، وَاخْتِلاَفِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ، وَتَعَارُضِ الشَّهَادَاتِ، وَأَثَرِ تَعَهُّدِ النَّظَرِ فِي قَبُول الشَّهَادَةِ، فَتَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٍ) .

ب - الإِْقْرَارُ:
37 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ الزِّنَى بِالإِْقْرَارِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارَيْهِمَا (2) . وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الإِْقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلاَ يُكْتَفَى
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 5 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 168 دار الفكر، روضة الطالبين 11 / 237 المكتب الإسلامي 1975 م، كشاف القناع 6 / 101 عالم الكتب 1983 م.
(2) حديث: " رجم ماعز والغامدية بإقراريهما ". أخرجه مسلم (3 / 1321 - 1322 - ط الحلبي) .

بِالإِْقْرَارِ مُرَّةً وَاحِدَةً، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ دُونَ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرُدَّهُ الْقَاضِي كُلَّمَا أَقَرَّ فَيَذْهَبَ حَيْثُ لاَ يَرَاهُ ثُمَّ يَجِيءَ فَيُقِرَّ، وَيَسْتَوِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ تَكُونَ الأَْقَارِيرُ الأَْرْبَعَةُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى الاِكْتِفَاءِ بِالإِْقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكْتَفَى مِنَ الْغَامِدِيَّةِ بِإِقْرَارِهَا مُرَّةً وَاحِدَةً.
وَيُشْتَرَطُ فِي الإِْقْرَارِ أَنْ يَكُونَ مُفَصِّلاً مُبَيِّنًا لِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ لِتَزُول التُّهْمَةُ وَالشُّبْهَةُ. (1) وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَاعِزٍ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ قَال: لاَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَنِكْتَهَا؟ لاَ يُكَنِّي فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَال: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَال: نَعَمْ، قَال: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَهَل تَدْرِي مَا الزِّنَى؟ قَال: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُل مِنَ امْرَأَتِهِ حَلاَلاً. (2)
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 4،8 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 318 دار الفكر، مغني المحتاج 4 / 150 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 98 عالم الكتب 1983 م، المغني لابن قدامة 8 / 191، 193 الرياض.
(2) حديث: " استجواب ماعز. . . " أخرج الرواية الأولى البخاري (الفتح 12 / 135 - ط السلفية) وأخرج الأخرى أبو داود (4 / 580 - تحقيق عزت عبيد دعاس) .

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حُدُودٍ) ف 26 الْمَوْسُوعَةُ 17 / 138، وَمُصْطَلَحَ: (إِقْرَارٍ) ف 12 وَمَا بَعْدَهَا، 6 / 49، وَانْظُرْ أَيْضًا الشُّبْهَةَ بِتَقَادُمِ الإِْقْرَارِ، وَالرُّجُوعَ فِي الإِْقْرَارِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِقْرَارٍ) ف 57 وَمَا بَعْدَهَا الْمَوْسُوعَةُ 6 / 71
الْبَيِّنَةُ عَلَى الإِْقْرَارِ:
38 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِالْبَيِّنَةِ - الشَّهَادَةِ - عَلَى الإِْقْرَارِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الإِْقْرَارِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ عَلَى الإِْقْرَارِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَلاَ يُحَدُّ، مِثْل الرُّجُوعِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالزِّنَى أَرْبَعًا، يَثْبُتُ الزِّنَى لِوُجُودِ الإِْقْرَارِ بِهِ أَرْبَعًا، وَلاَ يَثْبُتُ الإِْقْرَارُ بِالزِّنَى بِدُونِ أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الإِْقْرَارِ بِهِ مِنَ الرِّجَال. فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الإِْقْرَارَ، أَوْ صَدَّقَهُمْ دُونَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، لأَِنَّ إِنْكَارَهُ وَتَصْدِيقَهُ دُونَ أَرْبَعٍ رُجُوعٌ عَنْ إِقْرَارِهِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ مِنْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ. قَالُوا: لَوْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ بِالزِّنَى فَقَال: مَا أَقْرَرْتُ، أَوْ قَال بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِإِقْرَارِهِ: مَا أَقْرَرْتُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ

لاَ يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ؛ لأَِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ وَالْقَاضِي (1) .

ج - الْقَرَائِنُ:
39 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِعِلْمِ الإِْمَامِ وَالْقَاضِي، فَلاَ يُقِيمَانِهِ بِعِلْمِهِمَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ وَأَبُو ثَوْرٍ: إِلَى ثُبُوتِهِ بِعِلْمِهِ. وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ) ف 28 الْمَوْسُوعَةُ 17 / 139
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِظُهُورِ الْحَمْل وَاللِّعَانِ وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:

1 - ظُهُورُ الْحَمْل:
40 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِظُهُورِ الْحَمْل فِي امْرَأَةٍ لاَ زَوْجَ لَهَا وَأَنْكَرَتِ الزِّنَى؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إِلَى عُمَرَ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ وَقَدْ حَمَلَتْ، وَسَأَلَهَا عُمَرُ،
__________
(1) الفتاوى الهندية 2 / 143 المطبعة الأميرية 1310هـ، وحاشية الدسوقي 4 / 318 دار الفكر، وروضة الطالبين 10 / 96 المكتب الإسلامي، كشاف القناع 6 / 99 عالم الكتب.

فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ وَقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ وَأَنَا نَائِمَةٌ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ حَتَّى نَزَعَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: إِذَا كَانَ فِي الْحَدِّ " لَعَل " " وَعَسَى " فَهُوَ مُعَطَّلٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا تُسْأَل، وَلاَ يَجِبُ سُؤَالُهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِظُهُورِ حَمْل امْرَأَةٍ لاَ زَوْجَ لَهَا، فَتُحَدُّ وَلاَ يُقْبَل دَعْوَاهَا الْغَصْبَ عَلَى ذَلِكَ بِلاَ قَرِينَةٍ تَشْهَدُ لَهَا بِذَلِكَ، أَمَّا مَعَ قَرِينَةٍ تُصَدِّقُهَا فَتُقْبَل دَعْوَاهَا وَلاَ تُحَدُّ، كَأَنْ تَأْتِيَ مُسْتَغِيثَةً مِنْهُ، أَوْ تَأْتِيَ الْبِكْرُ تَدَّعِي عَقِبَ الْوَطْءِ، وَكَذَا لاَ تُقْبَل دَعْوَاهَا أَنَّ هَذَا الْحَمْل مِنْ مَنِيٍّ شَرِبَهُ فَرْجُهَا فِي الْحَمَّامِ، وَلاَ مِنْ وَطْءِ جِنِّيٍّ إِلاَّ لِقَرِينَةٍ مِثْل كَوْنِهَا عَذْرَاءَ وَهِيَ مِنْ أَهْل الْعِفَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجِ زَوْجٌ يُلْحَقُ بِهِ الْحَمْل فَيَخْرُجُ الْمَجْبُوبُ وَالصَّغِيرُ، أَوْ أَتَتْ بِهِ كَامِلاً لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ فَتُحَدُّ. وَمِثْل الْمَرْأَةِ الَّتِي لاَ زَوْجَ لَهَا الأَْمَةُ الَّتِي أَنْكَرَ سَيِّدُهَا وَطْأَهَا فَتُحَدُّ (1) .

2 - اللِّعَانُ:
41 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِ حَدِّ
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 4 دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي 4 / 319 دار الفكر، شرح روض الطالب 4 / 130 المكتبة الإسلامية، مطالب أولي النهى 6 / 193 المكتب الإسلامي 1961 م، المغني لابن قدامة 8 / 210 مكتبة الرياض.

الزِّنَى بِاللِّعَانِ إِذَا لاَعَنَ الزَّوْجُ وَامْتَنَعَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهُ، فَيَثْبُتُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَى حِينَئِذٍ وَتُحَدُّ، أَمَّا إِذَا لاَعَنَتْ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ اللِّعَانِ لاَ حَدَّ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ زِنَاهَا لَمْ يَثْبُتْ؛ وَلأَِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَيَحْبِسُهَا الْحَاكِمُ حَتَّى تُلاَعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ (1) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (لِعَانٍ) .

إِقَامَةُ حَدِّ الزِّنَى:
1 - مَنْ يُقِيمُ حَدَّ الزِّنَى:
42 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقِيمُ حَدَّ الزِّنَى عَلَى الْحُرِّ إِلاَّ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ) ف 36 الْمَوْسُوعَةُ 17 / 144
2 - عَلاَنِيَةُ الْحَدِّ:
43 - اسْتَحَبَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدُّ الزِّنَى بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ. قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحُدُودِ الزَّجْرُ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالْحُضُورِ.
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 516 المطبعة الأميرية 1310هـ، وحاشية الدسوقي 2 / 466 دار الفكر، والقوانين الفقهية 270 دار العلم للملايين 1979 م، ونهاية المحتاج 7 / 123 مصطفى البابي الحلبي، وكشاف القناع 5 / 400 عالم الكتب 1983 م.

وَأَوْجَبَ الْحَنَابِلَةُ حُضُورَ طَائِفَةٍ لِيَشْهَدُوا حَدَّ الزِّنَى (1) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (2) .

3 - كَيْفِيَّةُ إِقَامِهِ الْحَدِّ:
44 - سَبَقَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ وَالأَْعْضَاءِ الَّتِي لاَ تُجْلَدُ، وَبَيَانُ إِذَا كَانَ الْمَحْدُودُ مَرِيضًا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ ضَعِيفًا لاَ يَحْتَمِل الْجَلْدَ (3) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَلْدٍ) ف 12 الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ 15 / 247
كَمَا أَنَّ تَفْصِيل كَيْفِيَّةِ الرَّجْمِ فِي مُصْطَلَحِ: (رَجْمٍ) ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنْ تَكُونَ الْحِجَارَةُ فِي الرَّجْمِ مُتَوَسِّطَةً كَالْكَفِّ - تَمْلأَُ الْكَفَّ - فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَمَ بِصَخَرَاتٍ تُذَفِّفُهُ (أَيْ تُجْهِزُ عَلَيْهِ فَوْرًا) فَيَفُوتُ التَّنْكِيل الْمَقْصُودُ، وَلاَ بِحَصَيَاتٍ خَفِيفَةٍ لِئَلاَّ يَطُول تَعْذِيبُهُ، قَال
__________
(1)) بدائع الصنائع 7 / 60، 61 دار الكتاب العربي 1982 م الفتاوى الهندية 2 / 146 المطبعة الأميرية 1310هـ، ومواهب الجليل 6 / 297 دار الفكر، والقوانين الفقهية 385 دار العلم للملايين 1979 م، وروضة الطالبين 10 / 99 المكتب الإسلامي، وشرح روض الطالب 4 / 133 المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع 6 / 84 عالم الكتب 1983 م، والمغني 8 / 170 مكتبة الرياض.
(2)) سورة النور / 2.
(3) حاشية ابن عابدين 3 / 148 دار إحياء التراث العربي، والفتاوى الهندية 3 / 147 المطبعة الأميرية 1310 هـ، ومغني المحتاج 4 / 154 دار إحياء التراث العربي، وكشاف القناع 6 / 82 عالم الكتب 1983 م.

الْمَالِكِيَّةُ: وَيَخُصُّ بِالرَّجْمِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي هِيَ مَقَاتِل مِنَ الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى مَا فَوْقُ، وَيُتَّقَى الْوَجْهُ وَالْفَرْجُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنْ يَتَّقِيَ الرَّاجِمُ الْوَجْهَ لِشَرَفِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوفِ الرَّاجِمِينَ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُصَفُّوا عِنْدَ الرَّجْمِ كَصُفُوفِ الصَّلاَةِ، كُلَّمَا رَجَمَ قَوْمٌ تَأَخَّرُوا وَتَقَدَّمَ غَيْرُهُمْ فَرَجَمُوا. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ أَنْ يَدُورَ النَّاسُ حَوْل الْمَرْجُومِ مِنْ كُل جَانِبٍ كَالدَّائِرَةِ إِنْ كَانَ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى تَمْكِينِهِ مِنَ الْهَرَبِ، وَلاَ يُسَنُّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ زِنَاهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ لاِحْتِمَال أَنْ يَهْرُبَ فَيُتْرَكَ وَلاَ يُتَمَّمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُحِيطُ النَّاسُ بِهِ (1) .

مُسْقِطَاتُ حَدِّ الزِّنَى:
45 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ حَدِّ الزِّنَى بِالشُّبْهَةِ، إِذِ الْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (2) . وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَى الشُّبْهَةِ ف 14
__________
(1)) الفتاوى الهندية 2 / 146 المطبعة الأميرية 1310 هـ حاشية الدسوقي 4 / 320 دار الفكر، القوانين الفقهية 385 دار العلم للملايين 1979 م، روضة الطالبين 10 / 99 المكتب الإسلامي، مغني المحتاج 4 / 153 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 84، 90 عالم الكتب 1983 م.
(2) الحديث تقدم تخريجه فقرة (14) .

كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ حَدِّ الزِّنَى بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ إِذَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِالإِْقْرَارِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ ف 14) الْمَوْسُوعَةُ 17 / 134
كَمَا يَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَى بِرُجُوعِ الشُّهُودِ الأَْرْبَعَةِ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٍ) .
46 - وَيَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَى أَيْضًا بِتَكْذِيبِ أَحَدِ الزَّانِيَيْنِ لِلآْخَرِ لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَى مِنْهُمَا، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنِ الْمُكَذِّبِ فَقَطْ دُونَ الْمُقِرِّ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ مُؤَاخَذَةً بِإِقْرَارِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَكَذَّبَتْهُ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْمُقِرِّ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَيْضًا لَوْ سَكَتَتْ، أَوْ لَمْ تُسْأَل عَنْ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ الْحَدِّ عَنِ الْمُقِرِّ أَيْضًا، لاِنْتِفَاءِ الْحَدِّ عَنِ الْمُنْكِرِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلنَّفْيِ عَنْهُ، فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، لأَِنَّ الزِّنَى فِعْلٌ وَاحِدٌ يَتِمُّ بِهِمَا. فَإِذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ تَعَدَّتْ إِلَى طَرَفَيْهِ لأَِنَّهُ مَا أُطْلِقَ، بَل أَقَرَّ بِالزِّنَى بِمَنْ دَرَأَ الشَّرْعُ الْحَدَّ عَنْهُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَطْلَقَ وَقَال: زَنَيْتُ، فَإِنَّهُ لاَ مُوجِبَ شَرْعًا يَدْفَعُهُ (1) .
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 157 دار إحياء التراث العربي، وشرح روض الطالب 4 / 132 المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع 6 / 99 عالم الكتب 1983 م.

وَبَقَاءُ الْبَكَارَةِ مُسْقِطٌ لِحَدِّ الزِّنَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَإِذَا شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا عَذْرَاءُ لَمْ تُحَدَّ بِشُبْهَةِ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، حَيْثُ إِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا لَمْ تُوطَأْ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ تَكْفِي شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِعُذْرَتِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَوْ رَجُلاَنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (1) .

47 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ الزَّوْجِيَّةَ، كَأَنْ يُقِرَّ الرَّجُل أَنَّهُ زَنَى بِفُلاَنَةَ حَتَّى كَانَ إِقْرَارُهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَقَالَتْ هِيَ: بَل تَزَوَّجَنِي، أَوْ أَقَرَّتْ هِيَ كَذَلِكَ بِالزِّنَى مَعَ فُلاَنٍ، وَقَال الرَّجُل: بَل تَزَوَّجْتُهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تَحْتَمِل الصِّدْقَ وَهُوَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً. ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْبَيِّنَةِ حِينَئِذٍ عَلَى النِّكَاحِ. فَلَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: زَنَيْتُ مَعَ هَذَا الرَّجُل، فَأَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَكَذَّبَتْهُ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ، أَمَّا حَدُّهَا فَظَاهِرٌ لإِِقْرَارِهَا بِالزِّنَى، وَأَمَّا حَدُّهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُوَافِقْهُ عَلَى النِّكَاحِ وَالأَْصْل عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ. قَال
__________
(1)) شرح فتح القدير 5 / 65 دار إحياء التراث العربي، وحاشية الدسوقي 4 / 319 دار الفكر، ومغني المحتاج 4 / 151 دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع 6 / 101 عالم الكتب 1983 م.

الدُّسُوقِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ وَلَوْ حَصَل فُشُوٌّ، وَمِثْلُهُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى الرَّجُل وَطْءَ امْرَأَةٍ وَأَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَلَمَّا طُلِبَتْ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ قَالاَ: عَقَدْنَا النِّكَاحَ وَلَمْ نُشْهِدْ وَنَحْنُ نُشْهِدُ الآْنَ - وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَحْصُل فُشُوٌّ يَقُومُ مَقَامَ الإِْشْهَادِ - فَإِنَّ الزَّوْجَيْنِ يُحَدَّانِ لِدُخُولِهِمَا بِلاَ إِشْهَادٍ.
وَكَذَا لَوْ وُجِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي بَيْتٍ أَوْ طَرِيقٍ - وَالْحَال أَنَّهُمَا غَيْرُ طَارِئَيْنِ - وَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ وَالإِْشْهَادَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لاَ بَيِّنَةَ لَهُمَا بِذَلِكَ وَلاَ فُشُوَّ يَقُومُ مَقَامَهَا، فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ لِلْوَطْءِ، فَإِنْ حَصَل فُشُوٌّ أَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ، قُبِل قَوْلُهُمَا وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا لَمْ يَدَّعِيَا شَيْئًا مُخَالِفًا لِلْعُرْفِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَى عَلَى الْمُقِرِّ فَقَطْ دُونَ مَنِ ادَّعَى الزَّوْجِيَّةَ فَلاَ يُحَدُّ؛ لأَِنَّ دَعْوَاهُ ذَلِكَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ؛ وَلاِحْتِمَال صِدْقِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَرْفُوعًا ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ (1) فَإِذَا أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ زَنَى
__________
(1)) حديث عائشة: " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم " أخرجه الترمذي (4 / 33 - الحلبي) وضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير (4 / 56 - ط شركة الطباعة الفنية) .

بِهَا مُطَاوَعَةً عَالِمَةً بِتَحْرِيمِهِ حُدَّتْ وَحْدَهَا، وَلاَ مَهْرَ لَهَا مُؤَاخَذَةً لَهَا بِإِقْرَارِهَا.
وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْمُقِرِّ أَيْضًا. فَلَوْ قَال: زَنَيْتُ بِفُلاَنَةَ، فَقَالَتْ: كَانَ تَزَوَّجَنِي، صَارَ مُقِرًّا بِالزِّنَى وَقَاذِفًا لَهَا، فَيَلْزَمُهُ حَدُّ الزِّنَى وَحَدُّ الْقَذْفِ (1) .
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اعْتِرَاضَ مِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ مِلْكِ الْيَمِينِ مُسْقِطٌ لِحَدِّ الزِّنَى، بِأَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ بِجَارِيَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا - وَهِيَ إِحْدَى ثَلاَثِ رِوَايَاتٍ عَنْهُ - وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ بُضْعَ الْمَرْأَةِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ فِي حَقِّ الاِسْتِمَاعِ، فَحَصَل الاِسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ فَيَصِيرُ شُبْهَةً، كَالسَّارِقِ إِذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ الْحَدُّ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَطْءَ حَصَل زِنًى مَحْضًا لِمُصَادَفَتِهِ مَحَلًّا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ فَحَصَل مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَالْعَارِضُ وَهُوَ الْمِلْكُ لاَ يَصْلُحُ مُسْقِطًا لاِقْتِصَارِهِ عَلَى حَالَةِ ثُبُوتِهِ؛ لأَِنَّهُ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ
__________
(1) شرح فتح القدير 5 / 53، حاشية الدسوقي 4 / 324، شرح الزرقاني على مختصر خليل 8 / 85 دار الفكر 1978 م، ومواهب الجليل 6 / 297، دار الفكر 1978 م، وشرح روض الطالب 4 / 132 المكتبة الإسلامية، ومطالب أولي النهى 6 / 185 المكتب الإسلامي 1961 م، وكشاف القناع 6 / 99 عالم الكتب 1983 م.

وَالشِّرَاءِ، وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ لِلْحَال، فَلاَ يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ الثَّابِتُ بِهِ إِلَى وَقْتِ وُجُودِ الْوَطْءِ، فَبَقِيَ الْوَطْءُ خَالِيًا عَنِ الْمِلْكِ فَبَقِيَ زِنًى مَحْضًا لِلْحَدِّ، بِخِلاَفِ السَّارِقِ إِذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ لأَِنَّ هُنَاكَ وُجِدَ الْمُسْقِطُ وَهُوَ بُطْلاَنُ وِلاَيَةِ الْخُصُومَةِ؛ لأَِنَّ الْخُصُومَةَ هُنَاكَ شَرْطٌ، وَقَدْ خَرَجَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا بِمِلْكِ الْمَسْرُوقِ، لِذَلِكَ افْتَرَقَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ أَنَّ اعْتِرَاضَ الشِّرَاءِ يُسْقِطُ وَاعْتِرَاضَ النِّكَاحِ لاَ يُسْقِطُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ الْبُضْعَ لاَ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ، بِدَلِيل أَنَّهَا إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لَهَا، وَالْعُقْرُ بَدَل الْبُضْعِ، وَالْبَدَل إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ كَانَ لَهُ الْمُبْدَل فَلَمْ يَحْصُل اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ مِنْ مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ فَلاَ يُورِثُ شُبْهَةً، وَبُضْعُ الأَْمَةِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى بِالشِّرَاءِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لِلْمَوْلَى فَحَصَل الاِسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ فَيُورِثُ شُبْهَةً، فَصَارَ كَالسَّارِقِ إِذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْل الإِْمْضَاءِ (1) .

48 - كَمَا يَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَى فِي الرَّجْمِ خَاصَّةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ بِمَوْتِ الشُّهُودِ أَوْ غَيْبَتِهِمْ أَوْ مَرَضِهِمْ
__________
(1)) بدائع الصنائع 7 / 62 دار الكتاب العربي 1982 م، وحاشية ابن عابدين 3 / 145، 156 دار إحياء التراث العربي.

بَعْدَ الشَّهَادَةِ أَوْ قَطْعِ أَيْدِيهِمْ؛ لأَِنَّ الْبِدَايَةَ بِالشُّهُودِ شَرْطُ جَوَازِ الإِْقَامَةِ وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ، فَسَقَطَ الْحَدُّ ضَرُورَةً (1) . وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ ف 38) الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ 17 / 145

  • وَلَدُ الزِّنَى
التَّعْرِيفُ:
1 - يَتَرَكَّبُ الْمُصْطَلَحُ مِنْ مُضَافٍ وَمُضَافٍ إِلَيْهِ،هُمَا: وَلَدٌ، وَالزِّنَى.
فَالْوَلَدُ فِي اللُّغَةِ: الْمَوْلُودُ، يُقَال لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَوْلاَدٍ وَوِلْدَةٍ وَوَإِلْدَةٍ وَوُلْدٍ. (1) وَيُطْلَقُ الْوَلَدُ عَلَى وَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ نَزَل مَجَازًا، كَمَا يُطْلَقُ الْوَلَدُ مَجَازًا أَيْضًا عَلَى الْوَلَدِ مِنَ الرَّضَاعِ.
(ر: ابْن ف 1، ابْنُ الاِبْنِ ف 1) وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْوَلَدِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (2)
وَالزِّنَى فِي اللُّغَةِ: الْفُجُورُ. (3) وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: وَطْءُ
الرَّجُل الْمَرْأَةَ فِي الْقُبُل فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ. (4) (ر: إِرْث ف 125) وَالْمَقْصُودُ مِنْ وَلَدِ الزِّنَى هُوَ: الْوَلَدُ الَّذِي تَأْتِي بِهِ أُمُّهُ مِنْ سِفَاحٍ لاَ مِنْ نِكَاحٍ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - وَلَدُ اللِّعَانِ:
2 - وَلَدُ اللِّعَانِ هُوَ: الْوَلَدُ الَّذِي نَفَى الزَّوْجُ نَسَبَهُ مِنْهُ بَعْدَ مُلاَعَنَتِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ. (5) وَالصِّلَةُ بَيْنَ وَلَدِ اللِّعَانِ وَوَلَدِ الزِّنَى: انْقِطَاعُ نَسَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الأَْبِ، إِلاَّ أَنَّ الأَْوَّل مُنْقَطِعٌ نَسَبُهُ عَنِ الأَْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مِنْهُ بِخِلاَفِ الثَّانِي.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (لِعَان ف25 - 30.)
ب - اللَّقِيطُ:
3 - اللَّقِيطُ: اسْمٌ لِحَيٍّ مَوْلُودٍ طَرَحَهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنَ الْعَيْلَةِ، أَوْ فِرَارًا مِنْ تُهْمَةِ الرِّيبَةِ. (6) وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَوَلَدِ الزِّنَى: انْقِطَاعُ نَسَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الأَْبِ، إِلاَّ أَنَّ الأَْوَّل مَجْهُول الأُْمِّ أَيْضًا بِخِلاَفِ الثَّانِي.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوَلَدِ الزِّنَى:
لِوَلَدِ الزِّنَى أَحْكَامٌ يَتَّفِقُ فِي بَعْضِهَا مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلاَدِ، وَيَخْتَلِفُ فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ عَنْهُمْ، كَمَا يَلِي:
أ - دِينُ وَلَدِ الزِّنَى:
4 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ يَتَّبِعُ خَيْرَ الأَْبَوَيْنِ دِينًا، وَيُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِالأَْبَوَيْنِ إِخْرَاجَ وَلَدِ الزِّنَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَرَأَيْتُ فِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الشَّلَبِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ قَال: وَاقِعَةُ الْفَتْوَى فِي زَمَانِنَا مُسْلِمٌ زَنَى بِنَصْرَانِيَّةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَهَل يَكُونُ مُسْلِمًا؟ أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِهِ، وَبَعْضُهُمْ بِإِسْلاَمِهِ، وَذُكِرَ أَنَّ السُّبْكِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَطَعَ نَسَبَ وَلَدِ الزِّنَى، وَبِنْتُهُ مِنَ الزِّنَى تَحِل لَهُ عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا؟ ، وَأَفْتَى قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَنْبَلِيُّ بِإِسْلاَمِهِ أَيْضًا، ثُمَّ قَال: وَتَوَقَّفْتُ عَنِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ النَّسَبِ عَنْ أَبِيهِ حَتَّى لاَ يَرِثَهُ، فَقَدْ صَرَّحُوا عِنْدَنَا بِأَنَّ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَى لاَ تَحِل لَهُ، وَبِأَنَّهُ لاَ يَدْفَعُ زَكَاتَهُ لاِبْنِهِ مِنَ الزِّنَى، وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ، وَالَّذِي يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوا الأَْحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ احْتِيَاطًا نَظَرًا لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ مُعَلِّقًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ: يَظْهَرُ لِيَ الْحُكْمُ بِالإِْسْلاَمِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ (7) ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ جَعَل اتِّفَاقَهُمَا نَاقِلاً لَهُ عَنِ الْفِطْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا بَقِيَ عَلَى أَصْل الْفِطْرَةِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجُوسِيًا وَالآْخِرُ كِتَابِيًا فَهُوَ كِتَابِيٌّ، وَهُنَا لَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ مُتَّفِقَانِ فَيَبْقَى عَلَى الْفِطْرَةِ، وَلأَِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ إِلْحَاقَهُ بِالْمُسْلِمِ مِنْهُمَا أَوْ بِالْكِتَابِيِّ أَنْفَعُ لَهُ، وَلاَ شْكَ أَنَّ النَّظَرَ لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ أَنْفَعُ لَهُ، وَأَيْضًا حَيْثُ نَظَرُوا لِلْجُزْئِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِل احْتِيَاطًا، فَلْيُنْظَرْ إِلَيْهَا هُنَا احْتِيَاطًا أَيْضًا، فَإِنَّ الاِحْتِيَاطَ بِالدِّينِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ الْكُفْرَ أَقْبَحُ الْقَبِيحِ، فَلاَ يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِهِ عَلَى شَخْصٍ بِدُونِ أَمْرٍ صَرِيحٍ، وَلأَِنَّهُمْ قَالُوا فِي حُرْمَةِ بِنْتِهِ مِنَ الزِّنَى: إِنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ النِّسْبَةَ إِلَى الزَّانِي لِمَا فِيهَا مِنْ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، فَلَمْ تَثْبُتِ النَّفَقَةُ وَالإِْرْثُ لِذَلِكَ، وَهُنَا لاَ يَنْفِي النِّسْبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لأَِنَّ الْحَقَائِقَ لاَ مَرَدَّ لَهَا، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لاَ بُدَ مِنَ النِّسْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. (8)
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: فَلَوْ وَطِئَ مُسْلِمٌ كَافِرَةً بِالزِّنَى، فَهَل يَلْحَقُ الْوَلَدُ الْمُسْلِمَ فِي الإِْسْلاَمِ، أَوْ يَلْحَقُ الْكَافِرَةَ؟ ذَهَبُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ إِلَى الأَْوَّل، وَاعْتَمَدَ الرَّمْلِيُّ تَبَعًا لِوَالِدِهِ الثَّانِي لأَِنَّهُ مَقْطُوعُ النَّسَبِ عَنْهُ. (9)
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: فِي أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ وَلَدُهَا مُسْلِمٌ، لأَِنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَهَذَا لَيْسَ مَعَهُ إِلاَّ أُمَّهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْوَلَدِ حَالٌ يُحْتَمَل أَنْ يَقَرَّ فِيهَا عَلَى دِينٍ لاَ يَقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُرَدُّ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ. (10)
ب - أَذَانُ وَلَدِ الزِّنَى:
5 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ وَلَدِ الزِّنَى مُؤَذِّنًا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَذَانُ وَلَدِ الزِّنَى، لِحُصُول الْمَقْصُودِ بِهِ وَهُوَ الإِْعْلاَنُ لَكِنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الْجَهْل، وَلأَِنَّ الأَْذَانَ ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ فَيُخْتَارُ لَهُ مَنْ يَكُونُ مُحْتَرَمًا فِي النَّاسِ مُتَبَرَّكًا بِهِ (11) لِحَدِيثِ: لِيُؤَذِّنَ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلِيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ (12) .
ج - إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَى لِلْمُصَلِّين
6 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِمَامَةِ وَلَدِ الزِّنَى:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَرَاهَتِهَا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: تُكْرَهُ إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَى إِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَحَقُّ بِالإِْمَامَةِ مِنْهُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُعَلِّمُهُ، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْل، وَإِنْ تَقَدَّمَ جَازَ، (13) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: صَلُّوا خَلْفَ كُل بَرٍّ وَفَاجِرٍ (14) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُجْعَل إِمَامًا رَاتِبًا كُلٌّ مِنَ الْخَصِيِّ أَوِ الْمَأْبُونِ أَوِ الأَْقْلَفِ أَوْ وَلَدِ الزِّنَى أَوْ مَجْهُول الْحَال. (15)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ الأَْفْقَهُ أَوِ الأَْقْرَأُ أَوِ الأَْوْرَعُ صَبِيًّا أَوْ مُسَافِرًا قَاصِرًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ وَلَدَ الزِّنَى أَوْ مَجْهُول الأَْبِ فَضِدُّهُ أَوْلَى. . . وَأَطْلَقَ
جَمَاعَةٌ أَنَّ إِمَامَةَ وَلَدِ الزِّنَى وَمَنْ لاَ يُعْرَفُ أَبُوهُ مَكْرُوهَةٌ. (16)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ إِمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَى إِذَا سَلِمَ دِينُهُ قَال عَطَاءٌ: لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا وَبِهِ قَال سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَإِسْحَاقُ (17) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ (18) وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى ( {{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}} ) (19) وَقَال تَعَالَى: ( {{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}} ) (20) .
(ر: إِمَامَة ف24) .
د - دَفْعُ الزَّكَاةِ لاِبْنِهِ مِنَ الزِّنَى:
7 - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَدْفَعُ زَكَاتَهُ لاِبْنِهِ مِنَ الزِّنَى نَظَرًا لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا. (21)
هـ - زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى:
8 - جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْوَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الأَْقْرَبُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى عَلَى أُمِّهِ. (22)
و الْعَقِيقَةُ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى:
9 - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ أَنْ يَعُقَّ عَنْهُ، وَمِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ فَرْعِهِ الأُْمُّ فِي وَلَدِ الزِّنَى فَهُوَ فِي نَفَقَتِهَا، فَيُنْدَبُ لَهَا الْعَقُّ عَنْهُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارُهُ الْمُفْضِي لِظُهُورِ الْعَارِ. (23)
ز - دُخُول وَلَدِ الزِّنَى فِي الْوَقْفِ عَلَى الْيَتِيمِ:
10 - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَشْمَل الْوَقْفَ عَلَى الْيَتَامَى وَلَدَ الزِّنَى، لأَِنَّ لِلْيَتِيمِ انْكِسَارًا يَدْخُل عَلَى الْقَلْبِ بِفَقْدِ الأَْبِ. (24)
ح - تَحْرِيمُ النِّكَاحِ:
11 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ بَيْنَ وَلَدِ الزِّنَى وَأُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ تَبَعًا لِثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهَا. (25)
وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بَيْنَ الزَّانِي وَبِنْتِهِ مِنَ الزِّنَى وَلَهُمْ رَأْيَانِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهَا مِنَ الأَْوْلاَدِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ، وَذَلِكَ لِلْجُزْئِيَّةِ. (26)
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَتَحْرُمُ عَلَى الأَْبِ بَنَاتُهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( {{وَبَنَاتُكُمْ}} . . . .) (27) سَوَاءٌ كَانَتْ بِنْتَهُ مِنَ النِّكَاحِ أَوْ مِنَ السِّفَاحِ لِعُمُومِ النَّصِّ، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَلأَِنَّ بِنْتَ الإِْنْسَانِ اسْمٌ لأُِنْثَى مَخْلُوقَةٍ مِنْ مَائِهِ حَقِيقَةً، وَالْكَلاَمُ فِيهِ، فَكَانَتْ بِنْتَهُ حَقِيقَةً، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الإِْضَافَةُ شَرْعًا إِلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، وَهَذَا لاَ يَنْفِي النِّسْبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لأَِنَّ الْحَقَائِقَ لاَ مَرَدَّ لَهَا، وَهَكَذَا نَقُول فِي الإِْرْثِ وَالنَّفَقَةِ، إِنَّ النِّسْبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ ثَابِتَةٌ إِلاَّ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ هُنَاكَ ثُبُوتَ النَّسَبِ شَرْعًا لِجَرَيَانِ الإِْرْثِ وَالنَّفَقَةِ لِمَعْنًى.
وَأَوْضَحَ ابْنُ عَابِدِينَ كَوْنَهَا مِنْ زِنًى بِقَوْلِهِ: كَأَنْ تَكُونَ بِكْرًا فَيَطَأُهَا ثُمَّ يَحْبِسُهَا حَتَّى تَلِدَ، أَوْ يَطَأُهَا
فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَحْبِسُهَا حَتَّى تَلِدَ، وَإِلاَّ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الْوَلَدُ، لِعَدَمِ ثُبُوتِ أَنَّهُ مِنْ مَائِهِ. (28) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَعَلَى أُصُولِهِ. (29) وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل نِكَاحُ بِنْتِهِ مِنَ الزِّنَى. . لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ( {{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}} ) (30) وَهَذِهِ بِنْتُهُ، فَإِنَّهَا أُنْثَى مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ هَذِهِ حَقِيقَةٌ لاَ تَخْتَلِفُ بِالْحَل وَالْحُرْمَةِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي امْرَأَةِ هِلاَل بْنِ أُمَيَّةَ: "
أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ - يَعْنِي وَلَدَهَا - عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ " (31) يَعْنِي الزَّانِي لأَِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لاَ تَخْتَلِفُ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ فَأَشْبَهَتِ الْمَخْلُوقَةُ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ، وَلأَِنَّهَا بِضْعَةٌ مِنْهُ فَلَمْ تَحِل لَهُ كَبِنْتِهِ مِنَ النِّكَاحِ، وَتَخَلُّفُ بَعْضُ الأَْحْكَامِ لاَ يَنْفِي كَوْنَهَا بِنْتًا كَمَا لَوْ تَخَلَّفَ لِرِقٍّ أَوِ اخْتِلاَقِ دِينٍ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا: فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا مِنْهُ مِثْل أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَحْفَظُهَا حَتَّى تَضَعَ، أَوْ مِثْل أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فَتَأْتِيَ بِوَلَدٍ لاَ يُعْلَمُ هَل هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؟ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِمْ. وَالثَّانِي: أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِهِمْ، فَتَحْرُمُ عَلَى الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا وَتَحْرُمُ عَلَى أَوْلاَدِهِمْ لأَِنَّهَا أُخْتُ بَعْضِهِمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهَا الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمْ حَلَّتْ لأَِوْلاَدِ الْبَاقِينَ وَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ مِمَّنْ وَطِئَ أُمَّهَا لأَِنَّهَا فِي مَعْنَى رَبِيبَتِهِ. (32)
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بَيْنَ الزَّانِي وَبِنْتِهِ مِنَ الزِّنَى وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ مَائِهِ، قَالُوا: وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ مَاءِ زِنَاهُ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَزْنِيُّ بِهَا مُطَاوَعَةً أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ تَحَقَّقَ أَنَّهَا مِنْ مَائِهِ أَمْ لاَ، تَحِل لَهُ لأَِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ، إِذْ لاَ حُرْمَةَ لِمَاءِ الزِّنَى بِدَلِيل انْتِفَاءِ سَائِرِ أَحْكَامِ النِّسَبِ مِنْ إِرْثٍ وَغَيْرِهِ عَنْهَا فَلاَ تَتَبَعَّضُ الأَْحْكَامُ، فَإِنَّ مَنْعَ الإِْرْثِ بِإِجْمَاعٍ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. (33) وَقِيل: تَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَعَلَى الأَْوَّل يُكْرَهُ نِكَاحُهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْكَرَاهَةِ، فَقِيل:
لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ، قَال السُّبْكِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيل لاِحْتِمَال كَوْنِهَا مِنْهُ، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهَا مِنْهُ حَرُمَتْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمُ الرُّويَانِيُّ. (34) هَذَا مَا لَمْ يَكُنِ الزَّانِي مَجْنُونًا عِنْدَ الزِّنَى، فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَالتَّحْرِيمُ، كَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ زِنًى فِي الْحُكْمِ. (35) 12 - كَمَا اخْتَلَفُوا فِي زَوَاجِ الزَّانِي مِنْ حَلِيلَةِ وَلَدِهِ مِنَ الزِّنَى عَلَى رَأْيَيْنِ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل حَلِيلَةُ الأَْبِ وَالاِبْنِ مِنَ الزِّنَا لِدُخُولِهِنَّ فِي عُمُومِ الآْيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي التَّحْرِيمِ. (36)
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالرَّحِيبَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل زَوْجَةُ ابْنِهِ مِنَ الزِّنَا. لأَِنَّهُ يُنْسَبُ لأُِمِّهِ فَزَوْجَتُهُ أَجْنَبِيَّةٌ مِنَ الزَّانِي، وَكَذَلِكَ لاَ يَحْرُمُ عَلَى وَلَدِ الزِّنَى زَوْجَةُ أَبِيهِ الزَّانِي لأَِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ. (37)
ط - حُرْمَةُ وَلَدِ الزِّنَا عَلَى أُصُول وَفُرُوعِ الزَّانِي وَحَوَاشِيهِ:
13 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ وَلَدِ الزِّنَى مِنَ الزَّانِي بِأُمِّهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى وَلَدِ الزِّنَى أُصُول الزَّانِي وَفُرُوعُهُ، لِلْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمْ، أَمَّا غَيْرُ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ، كَأَعْمَامِ الزَّانِي وَأَخْوَالِهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَخَوَاتِهِ، كَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَنْجَبَتْ بِنْتًا، فَهَل تَحْرُمُ هَذِهِ الْبِنْتُ عَلَى أَخِي الزَّانِي أَوْ عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ. .؟ .
قَال الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: حَرُمَ عَلَى الْمُتَزَوِّجِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى نِكَاحُ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ عَلاَ أَوْ نَزَل، وَبِنْتُ أَخِيهِ، وَأُخْتِهِ، وَبِنْتُهَا، وَلَوْ مِنْ زِنًى، وَعَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ. .، قَال ابْنُ عَابِدِينَ مُعَلِّقًا عَلَى قَوْل الْحَصْكَفِيِّ "
وَلَوْ مِنْ زِنًى " تَعْمِيمٌ بِالنَّظَرِ إِلَى كُل مَا قَبْلَهُ، أَيْ لاَ فَرْقَ فِي أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الزِّنَى أَوْ لاَ، وَكَذَا إِذَا كَانَ لَهُ أَخٌ مِنَ الزِّنَى لَهُ بِنْتٌ مِنَ النِّكَاحِ، أَوْ أَخٌ مِنَ النِّكَاحِ لَهُ بِنْتٌ مِنَ الزِّنَى، وَعَلَى قِيَاسِهِ قَوْلُهُ: وَبِنْتُهَا وَعَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ، أَيْ أُخْتُهُ مِنَ النِّكَاحِ لَهَا بِنْتٌ مِنَ الزِّنَى، أَوْ أُخْتُهُ مِنَ الزِّنَى لَهَا بِنْتٌ مِنَ النِّكَاحِ، أَوْ أُخْتُهُ مِنَ الزِّنَى لَهَا بِنْتٌ مِنَ الزِّنَى، وَكَذَا أَبُوهُ مِنَ النِّكَاحِ لَهُ أُخْتٌ مِنَ الزِّنَى، أَوْ أَبُوهُ مِنَ الزِّنَى لَهُ أُخْتٌ مِنَ
النِّكَاحِ، أَوْ أَبُوهُ مِنَ الزِّنَى لَهُ أُخْتٌ مِنَ الزِّنَى، وَكَذَا أَمُّهُ كَذَلِكَ وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ، أَنَّ الْبِنْتَ مِنَ الزِّنَى لاَ تَحْرُمُ عَلَى عَمِّ الزَّانِي وَخَالِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهَا مِنَ الزَّانِي حَتَّى يَظْهَرَ فِيهَا حُكْمُ الْقَرَابَةِ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ عَلَى آبَاءِ الزَّانِي وَأَوْلاَدِهِ فَلاِعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلاَ جُزْئِيَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمِّ وَالْخَال، وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ هُنَاكَ عَنِ التَّجْنِيسِ. (38)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَحَرُمَ عَلَى الشَّخْصِ أُصُولُهُ، وَهُوَ كُل مَنْ عَلَيْهِ وِلاَدَةٌ وَإِنْ عَلاَ وَفُصُولُهُ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلَوْ خُلِقَتِ الْفُصُول مِنْ مَائِهِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْعَقْدِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ شُبْهَةٍ، فَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِنْتًا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَإِنْ حَمَلَتْ مِنْهُ بِذَكَرٍ حَرُمَ عَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ تَزَوُّجِ بِنْتِهِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ تَزَوُّجَ فَرُوعِ أَبِيهِ مِنَ الزِّنَى وَأُصُولِهِ. (39)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَتَحْرُمُ أُخْتُهُ مِنَ الزِّنَى وَبِنْتُ ابْنِهِ مِنَ الزِّنَى وَبِنْتُ بِنْتِهِ مِنَ الزِّنَى وَإِنْ نَزَلَتْ، وَبِنْتُ أَخِيهِ مِنَ الزِّنَى وَبِنْتُ أُخْتِهِ مِنَ الزِّنَى وَكَذَا عَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ مِنَ الزِّنَى. (40)
ي - كَفَاءَةُ وَلَدِ الزِّنَى:
14 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَالْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ. .
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَلَدُ الزِّنَى قَدْ قِيل: إِنَّهُ كُفُؤٌ لِذَاتِ نَسَبٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى يَنْكِحُ وَيُنْكَحُ إِلَيْهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحِبَّ ذَلِكَ، لأَِنَّ الْمَرْأَةَ تَتَضَرَّرُ بِهِ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى وَلَدِهَا، وَلَيْسَ هُوَ كُفْؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ بِغَيْرِ إِشْكَالٍ (41) وَقَال الْمَحَلِّيُّ: وَيُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِخِلاَفِ الْفَاسِقَةِ، نَسِيبَةٌ بِخِلاَفِ بِنْتِ الزِّنَى. (42)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (كَفَاءَة ف16) .
ك - النَّسَبُ:
15 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ أُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ.
أَمَّا نَسَبُهُ مِنَ الزَّانِي: فَالْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ
وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ)
يَرَوْنَ عَدَمَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (43) . وَلأَِنَّهُ لاَ يَلْحَقُ بِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ بِحَالٍ.
وَقَال الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: يَلْحَقُ الْوَاطِئَ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَرِثُهُ، وَقَال إِبْرَاهِيمُ: يَلْحَقُهُ إِذَا جُلِدَ الْحَدَّ أَوْ مَلَكَ الْمَوْطُوءَةَ، وَقَال إِسْحَاقُ: يَلْحَقُهُ، وَذَكَرَ عَنْ عُرْوَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ نَحْوَهُ. (44) (ر: إِرْث ف 125)
ل - التَّحْرِيمُ بِالرِّضَاعِ بِلَبَنِ الزِّنَى
16 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا زَنَتْ فَوَلَدَتْ فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهَا طِفْلاً أَوْ طِفْلَةً، كَانَ الرَّضِيعُ وَلَدًا لَهَا رَضَاعًا، لأَِنَّهُ رَضَعَ لَبَنَهَا حَقِيقَةً، وَالْوَلَدُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا، فَحَرُمَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ.
أَمَّا تَحْرِيمُ هَذَا الرَّضِيعِ عَلَى الزَّانِي بِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى آرَاءٍ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الأَْوْجَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ بِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى التَّحْرِيمِ بِهِ. (45)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رَضَاع ف 24) .
م - إِرْثُ وَلَدِ الزِّنَى:
17 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الزِّنَى الإِْرْثَ مِنْ أُمِّهِ وَأَقَارِبِهَا، وَعَلَى أَنَّهُمْ يَرِثُونَهُ أَيْضًا بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَعَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ.
أَمَّا إِرْثُهُ مِنَ الزَّانِي وَأَقَارِبِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ، لاِنْقِطَاعِ نَسَبِهِ عَنْهُمْ، وَهُوَ سَبَبُ الإِْرْثِ.
وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِذَا زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَأَنْجَبَتْ طِفْلاً ثُمَّ تَزَوَّجَ الزَّانِي مِنَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَأَنْجَبَتْ طِفْلاً ثَانِيًا، كَانَ الطِّفْلاَنِ أَخَوَيْنِ لأُِمٍّ، وَتَوَارَثَا عَلَى ذَلِكَ. (46)
وَقَال الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: يَلْحَقُ ابْنُ الزِّنَى الْوَاطِئَ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَرِثُهُ. (47)
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِرِث ف125) .
ن - اسْتِقْضَاءُ وَلَدِ الزِّنَى:
18 - اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَوْلِيَةِ وَلَدِ الزِّنَى الْقَضَاءَ، فَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: قَال سَحْنُونُ: لاَ بَأْسَ بِوِلاَيَةِ وَلَدِ الزِّنَى، وَلاَ يَحْكُمُ فِي حَدِّ الزِّنَى.
وَقَال الْبَاجِي: الأَْظْهَرُ مَنْعُهُ، لأَِنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ وَطَهَارَةِ أَحْوَالٍ فَلاَ يَلِيهَا وَلَدُ الزِّنَا، كَالإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ. (48)
س - شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى:
19 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ، هَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ الآْيَاتِ الْكَرِيمَةِ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُول الشَّهَادَةِ
فِي غَيْرِ الزِّنَى، كَالْقَتْل، وَمَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْل قُبِلَتْ فِي الزِّنَى، وَلأَِنَّ جِنَايَةَ أَبَوَيْهِ لاَ تُوجِبُ قَدْحًا فِي الْعَدَالَةِ. (49)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ الزِّنَى وَأَمَّا فِي الزِّنَى فَإِنَّهَا لاَ تُقْبَل وَكَذَا فِي مُتَعَلِّقَاتِ الزِّنَى كَقَذْفٍ وَلِعَانٍ وَإِنْ كَانَ عَدْلاً لأَِنَّ ابْنَ الزِّنَى يُتَّهَمُ فِي الرَّغْبَةِ عَلَى مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي كَوْنِهِ ابْنَ زِنًى مِثْلَهُ. (50)
حُكْمُ شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى لأَِبِيهِ مِنَ الزِّنَى:
20 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَى عَلَى الزَّانِي بِأُمِّهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَذَلِكَ لِثُبُوتِ أَنَّهُ فَرْعُهُ حَقِيقَةً بِدَلِيل ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بَيْنَهُمَا. (51) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل شَهَادَةُ الْوَلَدِ لأَِبِيهِ مِنْ زِنًى وَرَضَاعٍ وَعَكْسِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الإِْنْفَاقِ وَالصِّلَةِ وَعِتْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ. (52)
- 13 -
ع - قَذْفُ وَلَدِ الزِّنَى:
21 - مَنْ قَذَفَ وَلَدَ الزِّنَى فِي نَفْسِهِ كَأَنْ يَقُول لَهُ يَا زَانٍ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ إِذَا تَوَافَرَتْ فِي الْمَقْذُوفِ شُرُوطُ الإِْحْصَانِ.
(ر: إِحْصَان ف 15 19، وَقَذْف ف 14)
ف - قَتْل الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ مِنَ الزِّنَى:
22 - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَالِدَ يُقْتَل بِوَلَدِهِ مِنَ الزِّنَى.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَالِدَ لاَ يُقْتَل بِقَتْل وَلَدِهِ مِنَ الزِّنَى. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرًا لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ صَرَّحُوا بِأَنَّ الزَّانِيَ لاَ تَحِل لَهُ بِنْتُهُ مِنَ الزِّنَا. وَلاَ يَدْفَعُ زَكَاتَهُ لاِبْنِهِ مِنَ الزِّنَى وَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ. (53)
__________
(1) المصباح المنير، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
(2) بدائع الصنائع 2 257، وقليوبي وعميرة 3 140 ـ 241.
(3) لسان العرب، والقاموس المحيط.
(4) فتح القدير 5 31.
(5) المبسوط للسرخسي 1 209، وأنيس الفقهاء ص 188.
(6) المبسوط 10 209.
(7) حديث: "
كل مولود يولد على الفطرة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 3 246 ط السلفية) ومسلم (4 2047 - 2048 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
(8) ابن عابدين 2 394.
(9) نهاية المحتاج والشبراملسي عليه 6 272 ط دار الفكر 5 453 ط المكتبة الإسلامية، ومغني المحتاج 2 423.
(10) المغني لابن قدامة 5 749 - 750.
(11) المبسوط 1 137 - 138 والبدائع 1 150، ومواهب الجليل 1 451.
(12) حديث: "
ليؤذن لكم خياركم. . . . " أخرجه أبو داود (1 396 ـ ط حمص) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وذكر الزيلعي في نصب الراية (1 279 ط المجلس العلمي) أن فيه راوياً قال عنه أبوحاتم: منكر الحديث.
(13) تبيين الحقائق 1 134، واللباب 1 81، والدر المختار 1 377 - 378.
(14) حديث: "
صلوا خلف كل بر وفاجر " أخرجه الدارقطني من حديث مكحول عن أبي هريرة (2 57 ط الفنية المتحدة) وأعله الدارقطني بالانقطاع بين مكحول وأبي هريرة.
(15) جواهر الإكليل 1 78 - 79.
(16) مغني المحتاج 1 243.
(17) المغني 2 230.
(18) حديث: "
يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " أخرجه مسلم (1 465 ط الحلبي) . من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(19) سورة النجم 38.
(20) سورة الحجرات 13.
(21) ابن عابدين 2 394 و 63.
(22) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج 3 311.
(23) حاشية الجمل 5 263.
(24) مطالب أولي النهى 4 361، 362.
(25) القليوبي وعميرة 3 241، ومغني المحتاج 3 175، وتفسير القرطبي 5 106، والشرح الصغير 2 402، والمغني لابن قدامة 6 568، وبدائع الصنائع 2 256.
(26) المغني 6 578 ـ579، والبدائع 2 257، وابن عابدين 2 277، والدسوقي 2 450، ومغني المحتاج 3 175.
(27) سورة النساء 23.
(28) البدائع 2 257، وابن عابدين 2 277.
(29) الشرح الكبير 2 250.
(30) سورة النساء 23.
(31) حديث ابن عباس: "
ابصروها فإن جاءت به. . " أخرجه البخاري (الفتح 9 449 ـ ط السلفية) ومسلم (2 1134 ـ ط الحلبي) .
(32) المغني 6 578 ـ 579.
(33) قليوبي وعميرة 3 241.
(34) مغني المحتاج 3 175، 178.
(35) القليوبي وعميرة 3 241.
(36) الفتاوى الهندية 1 274، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 251، وكشاف القناع 5 73.
(37) مطالب أولي النهى 5 91، وأسنى المطالب 3 150، وحاشية الدسوقي 2 251.
(38) ابن عابدين 2 277.
(39) الشرح الكبير 2 250.
(40) كشاف القناع 5 73، والمغني 6 576.
(41) كشاف القناع 5 68.
(42) المحلي على المنهاج في هامش حاشيتي القليوبي وعميرة عليه 3 207.
(43) حديث: "
الولد للفراش وللعاهر الحجر " أخرجه البخاري (فتح الباري 12 127 ط السلفية) ومسلم (2 1081 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(44) تبيين الحقائق 6 241، والمدونة 8 54 ط الساسي، والشرح الصغير 3 540، والقليوبي وعميرة 3 241، والمغني 6 266.
(45) ابن عابدين 2 279، و411 - 412، والدسوقي 2 250، والمغني 7 245 و544، ومغني المحتاج 3 175.
(46) ابن عابدين 5 495، و 2 592، والجوهرة النيرة 2 393.
(47) المغني 6 266.
(48) مواهب الجليل 6 103، والمنتقى للباجي 5 184.
(49) المغني 9 196، وتبيين الحقائق 4 226، وابن عابدين 2 394، وروضة الطالبين 11 245.
(50) الدسوقي 4 173. والمغني9 196.
(51) ابن عابدين 2 394.
(52) كشاف القناع 6 428، الفروع 6 584.
(53) الإنصاف 9 474، وحاشية ابن عابدين 2 394.
1 - حد الزنى
• * حكم الزنى:.
• * أضرار الزنى:.
• * سبل الوقاية من الزنى:.
• * زنى الجوارح:.
• * عقوبة الزاني:.
• * يشترط لوجوب الحد في الزنى ثلاثة شروط:.
• * حكم من زنى بذات محرم:.
• * عمل قوم لوط:.
• * حكم عمل قوم لوط:.
* حكم الزنى:
الزنى محرم، وهو من أعظم الجرائم، وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وهو يتفاوت في الشناعة والقبح، فالزنى بذات زوج، والزنى بذات المحرم، والزنى بحليلة الجار من أعظم أنواعه.
* أضرار الزنى:
مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وحفظ الحرمات، والزنى يجمع خلال الشر كلها، ويفتح على العبد أبواباً من المعاصي، ويولِّد الأمراض النفسية والقلبية، ويورث الفقر والمسكنة، ونفور العباد من الزناة، وسقوطهم من أعينهم، ويولد سيماء الفساد في وجه فاعله، ووحشته من الناس.
وللزنى عقوبة شديدة، فعقوبته في الدنيا: الحد الصارم بالرجم للمحصن، والجلد والتغريب لغير المحصن، وعقوبته في الآخرة إن لم يتب: الوعيد الشديد، حيث يُحشر الزناة والزواني عراة في تنور في نار جهنم.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان/68 - 70).
* المحصن:
هو من وطئ زوجته في قبلها بنكاح صحيح وهما حران مكلفان.
* سبل الوقاية من الزنى:
نظم الإسلام بالنكاح الشرعي أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية وحفظ النسل، ومَنَعَ أي تصرف في غير هذا الطريق المشروع فأمر بالحجاب، وغض البصر، ونهى عن ضرب النساء بالأرجل، والتبرج، والاختلاط، وإبداء الزينة، وخلو الرجل بالأجنبية، أو مصافحتها، كما نهى عن سفر المرأة بغير محرم، وذلك كله لئلا يقع كل من الرجل والمرأة في فاحشة الزنى.
* زنى الجوارح:
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْلُ زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)). متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6243)، ومسلم برقم (2657)، واللفظ له.

يشترط لوجوب الحد في الزنى ثلاثة شروط

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* يشترط لوجوب الحد في الزنى ثلاثة شروط:
1 - تغييب حشفة أصلية كلها في قُبل امرأة حية.
2 - انتفاء الشبهة، فلا حد على من وطئ امرأة ظنها زوجته ونحوه.
3 - ثبوت الزنى:
1 - إما بالإقرار: بأن يُقر به من عُرف بالعقل مرة واحدة، ويقر به أربع مرات من كان متهماً في ضعف عقله، وفي كليهما يصرح بحقيقة الوطء، ويستمر على إقراره إلى إقامة الحد عليه.
2 - وإما بالشهادة: بأن يشهد عليه بالزنى أربعة رجال عدول مسلمين.
* يقام حد الزنى على الزاني مسلماً كان أو كافراً؛ لأنه حد ترتب على الزنى فوجب على الكافر كوجوب القود في القتل والقطع في السرقة.
* إذا زنى المحصن بغير المحصنة، فلكلٍّ حده من رجم، أو جلد وتغريب.
* إذا زنى الحر بأمة وعكسه بأن زنت حرة بعبد فلكل واحد حكمه في الحد.
* يقام الحد على الزاني إذا كان مكلفاً، مختاراً، عالماً بالتحريم، بعد ثبوته عند الحاكم بإقرار أو شهادة، مع انتفاء الشبهة.
* لا يحفر للمرجوم في الزنى رجلاً كان أو امرأة، لكن المرأة تُشد عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف.
* أيما امرأة حبلت من الزنى، أو اعترفت به فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن ثبت حد الزنى بشهادة أربعة شهود فهم أول من يرجم، ثم الإمام، ثم الناس.
* الجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس بعذر، أما الجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام فهذا عذر، فمن يعلم أن الزنى حرام ولا يعلم أن حده الرجم أو الجلد فهذا لا يعذر بجهله، بل يقام عليه الحد وهكذا.
* إذا زنى رجل وهو متزوج فلا تحرم عليه زوجته، وكذا لو زنت المرأة لا تحرم على زوجها، لكنهما ارتكبا إثماً عظيماً، فعليهما التوبة والاستغفار.
1 - قال الله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الإسراء/32).
2 - عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله ندَّاً وهو خَلَقَك)) قال: قلت له إن ذلك لعظيم، قال قلت ثم أيّ؟ قال: ((ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك)) قلت ثم أيّ؟ قال: ((ثم أن تزاني حليلة جارك)). متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6811)، ومسلم برقم (86)، واللفظ له.
* حكم من زنى بذات محرم:
من زنى بذات محرم كأخته وبنته وامرأة أبيه ونحوهم وهو عالم بتحريم ذلك وجب قتله.
عن البراء رضي الله عنه قال: أصبت عمي ومعه رايةٌ فقلت أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله. أخرجه الترمذي والنسائي (¬1).
¬_________
(¬1) صحيح، أخرجه الترمذي برقم (1362)، صحيح سنن الترمذي رقم (1098). وأخرجه النسائي برقم (3332)، وهذا لفظه، صحيح سنن النسائي رقم (3124).

عامر بن عبد اله بن يحيى أبو اليمان الهوزنى

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

عن أبي أمامة.
ما علمت له راويا سوى صفوان بن عمرو.
وثقه ابن حبان.

هشام بن عبد الملك [د س ق] أبو التقى اليزنى

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

حمصي مشهور.
له عن إسماعيل بن عياض يسيرا، وعن بقية وطائفة.
وعنه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن جوصا، وأبو عروبة.
قال أبو حاتم: كان متقنا في الحديث.
وقال النسائي: ثقة.
وروى أبو عبيد عن أبي داود: ضعيف.
قلت: مات سنة إحدى وخمسين ومائتين.
أما: - هشام بن عبد الملك [ع] الطيالسي الحافظ، أبو الوليد - فحجة
وفاقا.
قال أحمد [بن حنبل] () : أبو الوليد اليوم شيخ الإسلام، ما أقدم عليه اليوم أحدا.
وقال ابن وارة: حدثنا أبو الوليد، وما أرانى أدركت مثله.
وقال أبو حاتم: إمام فقيه، عاقل ثقة /، حافظ، ما رأيت في يده كتاباً قط.
[] قيل: مات في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين عن أربع وتسعين سنة.
عامر ( [بن عبد الله.
لينه ابن القطان، أرسل حديثاً]
)
.
لغة: الفجور، قال الجوهري: الزنى: يمد، ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد، وأنشد ابن سيده:
أما الزناء فإني لست قاربه... والمال بيني وبين الخمر نصفان
وشرعا:
- عرّفه الحنفية بتعريفين (أعم، وأخص) :
فالأعم: يشمل ما يوجب الحد وما لا يوجبه، وهو: وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهه.
قال الكمال بن الهمام: لا شك في أنه تعريف للزنى في اللغة والشرع، فإن الشرع لم يخص اسم الزنى بما يوجب الحد منه، بل هو أعم، والموجب للحد منه بعض أنواعه، ولذا قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر.» الحديث.
[البخاري 8/ 67، 156] ولو وطئ رجل جارية ابنه لا يحد الزنا، ولا يحد قاذفه بالزنا، فدل على أن فعله زنا وإن كان لا يحد به.
- والمعنى الشرعي الأخص للزنى: وهو ما يوجب الحد: «وطء مكلف طائع مشتهاة حالا أو ماضيا في قبل خال من ملكه وشبهته في دار الإسلام، أو تمكينه من ذلك، أو تمكينها».
- وعرّفه المالكية: بأنه وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه بلا شبهة تعمدا.- وعند الشافعية: إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعا بلا شبهة.
قال ابن عرفة في «حدوده» : «الزنى الشامل للواط: تغييب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة عمدا».
وقيل في حده: إنه إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرما شرعا، فيخرج عنه إتيان المرأة المرأة وإتيان البهيمة ويدخل فيه اللواط.
- وعرّفه الحنابلة: بأنه فعل الفاحشة في قبل أو في دبر.
«المغني لابن باطيش 1/ 659، والمطلع ص 371، والروض المربع ص 488، والتعريفات ص 101، وفتح الرحيم 3/ 50، وشرح حدود ابن عرفة ص 636، والموسوعة الفقهية 24/ 18».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت