تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة
قيل: كانت وقعة القادسية في أوّلها، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مائتان، وقيل: عشرون ومائة رجل. قَالَ خليفة: فيها فُتِحت الأهواز ثُمَّ كفروا، فحدّثني الوليد بْن هشام، عَنْ أبيه، عَنْ جدّه قَالَ: سار المغيرة بن شعبة إلى الأهواز فصالحه البيروان على ألفي ألف درهم وثماني مائة ألف دِرهم، ثُمَّ غزاهم الأشعري بعده. وقال الطبري: فيها دخل المسلمون مدينة بهرشير وافتتحوا المدائن، فهرب منها يزدجرد بْن شَهْرَيار. فلما نزل سعد بن أبي وقاص بهرشير - وهي المدينة التي فيها منزل كِسْرَى - طلب السُّفُنَ ليعبر بالنّاس إلى المدينة الْقُصْوَى، فلم يقدر على شيءٍ منها، وجدهم قد ضمُّوا السفن، فبقي أيّامًا حتى أتاه أعلاجٌ فدُّلوه على مخاضة، فأبى، ثُمَّ إنه عزم له أن يقتحم دِجلة، فاقتحمها المسلمون وهي زائدة ترمي بالزَّبَد، ففجِئ أهل فارس أمرٌ لم يكن لهم في حساب، فقاتلوا ساعةً ثمّ انهزموا وتركوا جُمهور أموالهم، واستولى المسلمون على ذلك كلّه، ثُمَّ أتوا إلى القصر الأبيض، وبه قوم قد تحصّنوا ثُمَّ صالحوا. وقيل: إنّ الفرس لمّا رأوا اقتحام المُسْلِمين الماء تحيَّروا، وقالوا: واللِه مَا نقاتل الإنس ولا نقاتل إلا الجن، فانهزموا. ونزل سعد القصر الأبيض، واتّخذ الإيوان مُصَلَّى، وإنّ فيه لتماثيل -[93]- جَصٍّ فما حرَّكها. ولما انتهى إلى مكان كِسْرى أخذ يقرأ: {{كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}} {{وَزُرُوعٍ}} الآية. قالوا: وأتمّ سعد الصلاة يومَ دخلها، وذلك أنَّه أراد المقام بها، وكانت أول جُمعة جُمِعت بالعراق، وذلك في صفر سنة ست عشرة. قَالَ الطبري: قسَّم سعدٌ الفيء بعدما خمسه، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفًا، وكلّ الجيش كانوا فرسانًا. وقسّم سعدٌ دور المدائن بين النَّاس وأُوطِنوها، وجمع سعدٌ الْخُمْسَ وأدخل فيه كل شيءٍ من ثياب كِسْرى وحُلِيِّه وسيفه، وَقَالَ للمُسْلِمين: هل لكم أن تطيب أنفُسُكم عَنْ أربعة أخماس هذا القِطْف فنبعثَ به إلى عُمَر، فيضعه حيث يرى ويقع من أهل المدينة موقعًا؟ قالوا: نعم، فبعثه على هيئته، وكان ستين ذراعًا في ستين ذراعا بساطًا واحدًا مقدار جَرِيب، فيه طُرُق كالصُّورَ، وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدّرّ، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرضُ كالمُبْقِلَة بالنبات في الربيع من الحرير على قصبات الذهب، ونوّاره بالذهب والفضة ونحوه، فقطّعه عُمَر وقسّمه بين النَّاس، فأصاب عليًّا قطعةٌ منه فباعها بعشرين ألفًا. واستولى المسلمون في ثلاثة أعوامٍ على كرسيّ مملكة كِسْرى، وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلي أُمَّيْ بلادهما. وغنم المسلمون غنائم لم يُسمع بمثلها قطّ من الذهب والجوهر والحرير والرقيق والمدائن والقصور، فسبحان الله العظيم الفتّاح. وكان لكِسْرى وقيْصر ومن قبلهما من الملوك في دولتهم دهرٌ طويل؛ فأمّا الأكاسرة والفرس وهم المجوس فملكوا العراق والعجم نحوًا من خمسمائة سنة، فأوّل ملوكهم دارا، وطال عُمرُهُ، فيقال: إنّه بقي في المُلْك مائتي سنة، وعدّة ملوكهم خمسة وعشرون نفسًا، منهم امرأتان، وكان آخر القوم يزدجرد الذي هلك في زمن عثمان. وممّن ملك منهم ذو الأكتاف سابور، عقِد له بالأمر وهو في بطن أمّه، لأن أباه مات وهذا حمْل، فَقَالَ الكهان: هذا يملك الأرض، فوُضِع التّاجُ على بطن الأمّ، وكُتِب منه إلى -[94]- الآفاق وهو بعد جنين، وهذا شيءٌ لم يُسْمع بمثله قطّ، وإنّما لُقِّب بذي الأكتاف لأنه كان ينزع أكتافَ مَن غضب عليه، وهو الَّذِي بنى الإيوان الأعظم وَبَنَى نَيْسَابُور وبنى سجستان. ومن متأخري ملوكهم أنوشروان، وكان حازما عاقلا، كان له اثنتا عشرة ألف امرأةٍ وسريَّة، وخمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحدًا، ووُلد نبيُّنا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم في زمانه، ثم مات أنوشروان وقت مَوْت عبد المطلب، ولما استولى الصحابة على الإيوان أحرقوا ستره، فطلع منه ألف ألف مثقال ذهبًا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الكوفي، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْمُرَادِيُّ الْجَمَلِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَعَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَالْعَيْزَارُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلٍ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ الْقَاضِي، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ الْجَزَرِيُّ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا كَتَبَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ السَّلُولِيِّ تَقْلِيدًا بِوِلايَةِ إِفْرِيقِيَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ جُرَيْجٍ بِطَنْجَةَ، وَكَانَ صُفْرِيًّا، فَالْتَقَى عَسْكَرَ ابْنِ الْحَبْحَابِ فَهَزَمَهُمْ. وَفِيَها بَعَثَ ابْنُ الْحَبْحَابِ جَيْشًا إِلَى بِلادِ السُّودَانِ، فَغَنِمُوا وَسَبُوا. -[205]- وَفِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي صِقِلِّيَةَ فَأُصِيبُوا، فَلِلَّهِ الأَمْرُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة ومائتين
وفيها تُوُفّي حَبّان بن هلال، وعبد الملك بن قريب الأصمعيّ، وهَوْذة بن خليفة، ومحمد بن كثيّر المصِّيصيّ الصَّنْعانيّ، والحسن بن سَوّار البَغَويّ، وعبد الله بن نافع المدنيّ الفقيه، وعبد الصمد بن النعمان البزاز، ومحمد بن بكّار بن بلال قاضي دمشق، ومحمد بن عبّاد بن عبّاد المهلّبيّ أمير البصرة، ومحمد بن سعيد بن سابق نزيل قزوين، وزبيدة زوجة الرشيد وابنة عمه. وفيها كرّ المأمون راجعًا إلى غزو الروم، لكونه بلغه أنّ ملك الروم قتل خلقًا من أهل طَرَسُوس والمِصِّيصة، فدخلها في جُمَادَى الأولى، وأقام بها إلى نصف شعبان، وجهز أخاه أبا إسحاق، فافتتح عدّة حصون. ثم وجّه يحيى بن أكثم فأغار وقتل وسبى، ثم رجع. وفي آخر السنة توجّه المأمون من دمشق إلى الدّيار المصريّة ودخلها، فهو أوّل من دخلها من الخلفاء العبّاسيّين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة وثلاثمائة
في أوّلها دخل أبو طاهر القَرْمَطيّ الرحبة بالسيف واستباحها، وبعثَ أهلُ قرقيسيا يطلبون الأمان فآمنهم. وقصد الرقة وهو في تسعمائة فارس وثلاثمائة راجل، فقتل فيها جماعةً بالربض، ودفعه أهلها عَنْهَا. فسار مؤنس من بغداد إلى الرَّقَّةِ، فأتاها بعد انصراف أَبِي طاهر. ثم أتى هيت، فرموه بالحجارة، فقتلوا أبا الرواد من خواص أصحابه. فسار إلى الكوفة، فنهض نَصْر الحاجب بالعساكر وراءه، فمرض نَصْر. فاستخلف أحمد بْن كَيَغْلَغ وبعث معه بالجيش فانصرف القَرْمَطيّ قبل أنّ يلقاه. ومات نَصْر في رمضان وحمل إلى بغداد. واستعفى عليّ بْن عيسى من الوزارة، فاستوزر أبو عليّ بْن مُقْلَة الكاتب. ورجع القَرْمَطيّ فبني دارًا سمّاها دار الهجرة، ودعا إلى المهديّ، وتفاقم الأمر، وكثر أتباعه، وبث السَّرايا، فهرب عمّال الكوفة عَنْهَا. فسار هارون بْن غريب إلى واسط، فظفر بسرِيّةٍ لهم فقتلهم، وبعث إلى بغداد بأساري وبمائة وسبعين رأسًا وأعلام بيض منكسة عليها مكتوب: " {{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئمة ونجعلهم الوارثين}} ". ففرح النّاس واطمأنوا. وفيها: وقعت الوحشة بين المقتدر ومؤنس، ووقع الكلام بأن هارون بن غريب يتولّى إمرة الأمراء، فكتب أخصاء مؤنس إِلَيْهِ إلى الرَّقَّةِ بذلك، -[217]- فقدم بغداد في آخر السنة، ولم يات إلى المقتدر، فبعث إِلَيْهِ ولده والوزير ابن مُقْلَة، فوصفا شوق المقتدر إِلَيْهِ، فاعتل بعلة. وظهرت الوحشة بينه وبين المقتدر، فأقام هارون منابذًا لمؤنس، وجعلت الرسل تتردد بين المقتدر ومؤنس. ولم يحجّ أحدٌ في هذه السنة خوفًا من القرامطة. وأمّا الروم فإن الدمستق لعنه الله سار في ثلاثمائة ألف على ما قرأت في تاريخ عتيق، فقصد ناحية خلاط وبدليس فقتل وسبى، ثم صالحه أهل خلاط عَلَى قطيعة، وهي عشرة آلاف دينار، وأخرج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب. فإنّا لله وإنا إِلَيْهِ راجعون. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة وأربعمائة
فيها انتشرت العيّارون ببغداد، وخرقوا الهَيْبَة، وواصلوا العملات والقتل. وفي ربيع الأوّل تُوُفّي مشرّف الدّولة السّلطان، ونهبت خزائنه، وهو مشرف الدولة ابن بهاء الدولة ابن عضد الدولة بن بويه الديلمي، واستقرّ الأمر عَلَى تولية جلال الدّولة أَبِي طاهر، فخُطب لَهُ عَلَى المنابر، وهو بالبصرة. فخلع عَلَى شرف المُلْك أَبِي سعْد بْن ماكولا وزيره، ولقّبه " عَلَم الدّين، سعْد الدّولة، أمين المِلَّة، شرف المُلْك ". وهو أوّل مِن لُقَّب بالألقاب الكثيرة. قلتُ: ولعلّه أول مِن لقب باسم مضاف إلى الدين. ثمّ إنّ الْجُنْد عدلوا إلى المُلْك أَبِي كاليجار ونوهوا باسمه، وكان ولي عهد أَبِيهِ سلطان الدّولة الّذي استخلفه بهاء الدّولة عليهم فخُطب لهذا ببغداد، وكُوتب جلال الدّولة بذلك، فأصعد من واسط. وكان قد نفّذ صاحبُ مصر إلى محمود بْن سُبُكْتكين حاجبه مَعَ أَبِي العبّاس أحمد بْن محمد الرّشيديّ الملقّب بزيْن القُضاة، فجلس القادر بالله بعد أن أحضر القُضاة والأعيان، وحضر أبو العبّاس الرّشيديّ وأحضر ما كَانَ حمله صاحب مصر، وأديّ رسالة محمود بْن سُبُكْتكين بأنّه الخادم المخلص الّذي يرى الطّاعة فَرْضًا، ويبرأ مِن كلّ مِن يخالف الدعوة العبّاسية. فلمّا كَانَ بعد اليوم أُحرقت تِلْكَ الخِلَع الّتي مِن صاحب مصر كما ذكرنا، وسُبِك مركب فضّة أهداه، فكان أربعة آلاف وخمسمائة وستين درهمًا، فتصّدق بِهِ عَلَى ضُعَفاء الهاشميّين. وتفاقم أمر العيارين، وأخذوا الناس نهارا جَهَارًا، وفي اللّيل بالمشاعل والشّمْع، كانوا يدخلون عَلَى الرّجل فيطالبونه بذخائره ويعذّبونه، وزاد البلاء، وأحرقت دار الشريف المرتضى، وغلت الأسعار. ولم يحج أحد من العراق. وكانت الأندلس كثيرة الحروب والفِتَن عَلَى المُلْك في هذا الزّمان، وهُم فِرق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست عشرة وخمسمائة
فيها كلّم الخليفة الوزير أبا طَالِب السّميرميّ في أمر دبيس، وأن في قربه مِن بغداد خطرًا، فنؤثر مقام أقسُنْقُر البُرْسُقيّ عندنا لنُصْحه، فوافق السّلطان محمود عَلَى ذَلِكَ وفعله. ثمّ خرج في ربيع الأوّل مِن بغداد، وكانت إقامته بها سنة وسبعة أشهر ونصفا. وخلع عَلَى البُرْسُقيّ، وكُلّم في شأن دُبَيْس، فتوجّه إلى صَرْصر. وتصافّ العسكران، وانْجَلَت الوقعة عَنْ هزيمة البُرْسُقيّ، وكان في خمسة آلاف فارس، ودُبَيْس في أربعة آلاف بأسلحة ناقصة، إلّا أنّ رَجّالته كانت كثيرة. ورأى البُرْسُقيّ في الميسرة خَلَلًا، فأمر بحطّ خيمته لتُنْصب عندهم ليشجعهم بذلك، وكان ذَلِكَ ضلّة من الرّأي؛ لأنهم لمّا رأوْها حُطَّت أشفقوا فانهزموا، وكان الحر شديدًا، فهلكت البراذين والهماليج عطشًا. وترقّب النّاس مِن دُبَيْس الشّرَّ، فلم يفعل، وأحسن السّيرة، وراسل الخليفة وتلطّف، وتقرَّرت قواعد الصلح. -[160]- ثمّ جرت أمور، وولي عليّ بْن طِراد الزَّيْنَبيّ نيابة الوزارة، وعُزِل ابن صَدَقة، ولم يؤذ. ثمّ قِدم قاضي القضاة أبو سَعْد الهَرَويّ مِن العسكر بتُحَفٍ مِن سَنْجَر، وأنّ السّلطان محمودا قد استوزر عثمان بْن نظام المُلْك، وعوَّل عثمان عَلَى أَبِي سَعْد بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أحمد ابن نظام المُلْك، وأنّه لَا يستقيم لَهُ وزارة بدار الخلافة. فتخيّر ابن صَدَقة حُدَيْثة الفرات ليكون عند سليمان بْن مُهارش، فأُخرج وخُفِر، فوقع عَليْهِ يونس الحرامي، وجرت له معه قصص. واستدعي أبو نصر أحمد ابن النظام من داره بنقيب النُّقباء عليّ بْن طِراد، وابن طلحة، ودخل إلى الخليفة وحده وخرج مسرورًا، وخلع عَليْهِ للوزارة. وفي رمضان بعث دُبَيْس طائفة، فنهبوا أكثر من ألف رأس، فأرسل إليه الخليفة يُقَبّح ما فعل، فبثّ ما في نفسه، وما يعامَل بِهِ مِن الأمور المُمضّة: منها أنّهم ضمنوا لَهُ إهلاك عدوّه ابن صَدَقة الوزير، فأخرجوه مِن الضّيق إلى السَّعة. ومنها أنّه طلب إخراج البُرْسُقيّ مِن بغداد، فلم يفعلوا. ومنها أنّهم وعدوه في حقّ أخيه منصور أن يُطْلقُوه، وكان قد عصى عَلَى السّلطان بَركْيَارُوق وخطب لمحمد. فلمّا وُلّي محمد صار لَهُ بالخطبة جاه عند محمد، وقرّر مَعَ أخيه أن لَا يتعرَّض لصَدَقة، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودممًا، والفَلُّوجة، وأعطاه واسط، وأذن لَهُ في أخْذ البصرة. فصار يدلّ عَلَى السّلطان الإدلال الَّذِي لَا يحتمله، وإذا وقع إليه رد التوقيع، أو طال مُقام الرَّسُول عَلَى مواعيد لَا يُنْجزها، وأوحش أصحاب السّلطان، وعادى البُرْسُقيّ. وكان أيضًا قد أظهر سبّ الصّحابة بالحِلّة، فأخذ العميد أبو جعفر ثقة الملك فتاوى فيما يجب عَلَى من يسب، وكتب المَحَاضِر فيما يتمّ في بلاد ابن مَزْيَد مِن تَرْك الصَّلَوات، وأنّهم لَا يعتقدون الجمعة ولا الجماعات، ويتظاهرون بالمحرَّمات. فكتب الفُقهاء بأنّه يتعيَّن قتالهم. ثمّ قصد العميد باب السّلطان، وقال: إنّ حال ابن مَزْيَد قد عظُمَت، وقد قلّت فكرته في أصحابك، واستبدّ بالأموال، وأراه الفَتْوَى، وقال: هذا سُرْخاب قد لجأ إِليْهِ، وهو عَلَى غاية مِن بِدْعته الّتي هِيَ مذهب الباطنيّة. وكانا قد اتّفقا على قلب الدولة، وإظهار مذهب الباطنية. وكان السّلطان قد تغيّر عَلَى سُرخاب، فهرب منه إلى الحلة، فتلقاه بالإكرام. فراسله السّلطان، وطالبه بتسليم سُرخاب، فقال: لَا أسلَّم من لجأ إليَّ. وإنّ -[161]- السّلطان قَصَده، فاستشار أولاده، فقال ابنه دُبَيْس: تُسلّم إليَّ مائة ألف دينار، وتأذن لي أن أنتقي ثلاثمائة فرس من الإصطبلات، وتجرد معي ثلاثمائة فارس؛ فإنّي أقصد باب السّلطان، وأعتذر عنك، وأخدمه بالمال والخيل وأقرر معه أن لَا يتعرَّض لأرضك. فقال غيره: الصّواب أن لَا تُصانع مِن تغيَّرت فيك نيتّه، فقال: هذا الرأي. وجمع عشرين ألف فارس، وثلاثين ألف راجل، وتمّت وقعة هائلة، ثم قتل صدقة، وقد مر ذلك. ونشأ دُبَيْس، ففعل القبائح، ولقي النّاس منه فنون الأذى، وطغى وبغى فنفذّ إليه المسترشد يهدّده، فتواعد وأوعد، وأرسل، وبعث طلائعه. فانزعج أهل بغداد، فلمّا كَانَ ثالث شوّال صلب البُرْسُقيّ تسعةً، قِيلَ: إنّهم مجهّزون مِن دُبَيْس لقتْل البُرْسُقيّ، وعبر البُرْسُقيّ في ذي القِعْدة، وضرب الخليفة سُرَادقة عند رقة ابن دحروج، ونصب هناك الجسر، وبعث القاضي أبا بَكْر الشّهْرَزُورِيّ إلى دُبَيْس يُنْذره، وفي الكلام: " وَمَا كُنَّا معذبين حتى نبعث رسولًا ". فاحْتدّ وغضب وجمع، فكانت فرسانه تزيد عَلَى ثمانية آلاف، ورجّالته عشرة آلاف، ونزل المسترشد بالله راكبًا مِن باب الغربة، ثمّ عبر في الزبزب، وعليه القباء، والعمامة، وبيده القضيب، وعلى كتفه البُرْدَة النّبويّة، وعلى رأسه طرحة. ومعه وزيره أحمد ابن نظام المُلْك، وقاضي القُضاة الزَّيْنَبيّ، والنّقيبان، والهاشميّون، والقضاء، فنزل بالمخيم، وأقام به أيامًا. وفيها قُتِل الوزير أبو طَالِب السُّمَيْرميّ ببغداد، وولي وزارة السّلطان محمود بعده شمس المُلْك عثمان ابن نظام المُلْك، فأبطل ما جدّده السُّمَيْرميّ مِن المكوس. وفي رمضان قتل السّلطان محمود الأمير جيوش بك، وكان تُركيّا مِن مماليك السّلطان محمد، وكان مهيبًا شجاعًا، قتله محمود خوفًا من غائلته. وفيها مات إيلغازي صاحب ماردين، وحلب، وميّافارقين. وفيها أقطع السّلطان محمود قسيمَ الدّولة البُرْسُقيّ واسطًا وأعمالها، مُضافًا إلى ولاية المَوْصِل، وشِحنكيّة العراق، فسيّر إلى واسط عماد الدّين زنْكيّ بْن آقسنقر. -[162]- وفيها وصل إلى بغداد أبو الحَسَن الغَزْنَويّ، فوعظ، وأقبلوا عليه. ثم ورد بعده أبو الفتوح الإسفراييني، ونزل برباط أبي سَعْد، وتكلَّم بمذهب الأشْعَريّ، ثمّ سلّم إِليْهِ رباط الأرجُوانيّة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستّ عشرة وستمائة.
فيها وصلَ الخبر بانجفال السلطان خُوَارِزْم شاه عن جيحون، فاضطربت مدينة خُوَارِزْم، وقلقت خاتون والدة السلطان، وأمرت بقَتْل من كَانَ معتقلًا بخوارزم من المُلوك، وَكَانَ بها نحو عشرين مَلِكًا، وخرجت من خُوَارِزْم ومعها خزائن السلطان وحُرَمه، وساقت إلى قلعة إيلال بمازنْدران، ثُمَّ أُسِرت. وأما السلطان فَإِنَّهُ لم يزل مُنهزمًا إلى أنْ قدِمَ نَيْسَابُور، ولم يُقم بها إِلَّا ساعةً واحدة رُعْبًا من التّتار، ثُمَّ ساق إلى أنْ وصلَ إلى مرْج هَمَذَان ومعه بقايا عسْكَره نحو عشرين ألفًا، ولم يشعر إِلَّا وقد أحدَق بِهِ العدوّ، فقاتلَهُم بنفسه، وشمل القَتْل كلّ من كَانَ في صحبته، ولجأ في نَفَرٍ يسير إلى الجبل، ثُمَّ منها إلى الاستدار وَهِيَ أمنع ناحية في مازندران، ثُمَّ سارَ إلى حافة البحر، وأقام بقرية يُنَوِّر المسجدَ ويصلِّي فيه إمامًا بجماعة، ويقرأ القرآن، ويبكي، فلم يلبث حَتَّى كَبَسه التّتار، فهربَ، ورِكبَ في مركبٍ، فوقع فيه النشاب، وخاضَ خلفه طائفةٌ، فصدَّهُم عمق الماء عن لحوقه، فبقي في لجةٍ ولحِقتْه عِلَّة ذات الْجَنْب، فَقَالَ: سبحان اللَّه مالك الملوك لم يبق لنا من مملكتنا مَعَ سعتها قدْر ذراعين نُدفن فيها، فاعتبروا يا أُولي الْأبصار. فَلَمَّا وصل إلى الجزيرة التي هناك، أقام بها طريدًا وحيدًا، والمرض يزدادُ بِهِ، ثُمَّ مات وكُفّن في شاش فَراش كَانَ معه، في سنة سبع عشرة. -[280]- وفي أَوَّل السنة أخْرَب المُعَظَّم أسوارَ القدس خوْفًا من استيلاء الفرنج عَلَيْهِ، وقد كَانَ يومئذٍ عَلَى أتمِّ العمارة وأحسن الْأحوال وكَثْرَة السّكّان. قَالَ أَبُو المُظَفَّر: كَانَ المُعَظَّم قد توجّه إلى أخيه الكامل إلى دمياط والكشف عَنْهَا، وبلَغَهُ أَنَّ طائفةٌ من الفرنج عَلَى عَزْم القُدس، فاتفق هُوَ والْأمراء عَلَى تخريبه، وقالوا: قد خلا الشَّام من العساكر، فلو أخذته الفرنج حكموا عَلَى الشَّام. وَكَانَ بالقدس أخوه الملك العزيز وعز الدين أيْبَك أُستاذ دار، فكتبَ المُعَظَّم إليهما يأمرهما بخرابه، فتوقفا. وقال: نَحْنُ نحْفَظه، فأتاهما أمرٌ مؤكدٌ بخرابِهِ، فشرعوا في الخراب في أَوَّل المحرم، ووقع في البلد ضجَّة، وخرجَ الرِّجالُ والنِّساء إلى الصَّخْرة، فقطَّعوا شعورهم، ومزَّقوا ثيابهم، وخرجوا هاربين، وتركوا أثْقالهم، وما شَكّوا أَنَّ الفرنج تُصَبِّحهم، وامتلأت بهم الطُّرقات، فبعضهم قصدَ مصر، وبعضهم إلى الكَرَك، وبعضُهم إلى دِمشق، وهلكت البنات من الحفاء، وماتَ خلقٌ من الجوع والعَطَش، ونُهِبَ ما في البلد، وبيع الشيء بعُشرِ ثَمَنِه، حَتَّى أُبيع قِنْطار الزِّيت بعشرة دراهم، ورطل النُّحاس بنصف درهم، وَعَلَى هَذَا النَّمط، وذَمَّ الشعراء المُعَظَّم، وقالوا: في رَجَب حُلِّل المُحَرَّمُ ... وخُرِّبَ القُدس في المُحَرَّمِ وَقَالَ مجد الدين مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه قاضي الطُّور: مررتُ عَلَى القُدْس الشريف مُسلِّمًا ... عَلَى ما تَبَقى من ربوع كأنجم ففاضت دموعُ العَيْن مني صَبَابةً ... عَلَى ما مضى في عَصْرنا المتقدم وقد رام علجٌ أن يُعَفِّي رسومَةُ ... وشَمَّرَ عن كفي لَئِيم مُذَمَّم فَقُلْتُ لَهُ: شَلّت يمينُك خَلِّها ... لمعتبرٍ أَوْ سائلٍ أَوْ مُسلم فلو كَانَ يُفدى بالنُّفوس فديتهُ ... وَهَذَا صحيحُ الظن في كلّ مسلم قَالَ ابن الْأثير: لَمَّا ملكت الفرنج بُرج السلسلة قطعوا السِّلاسل لتدخل مراكبهم في النيل ويتحكموا في البرِّ، فنصبَ الملكُ الكامل عِوض -[281]- السَّلاسل جسْرًا عَظيمًا، فقاتلوا عَلَيْهِ قتالًا شديدًا حَتَّى قطعوه، فأخذَ الكامل عدَّة مراكب كِبارٍ، وملأها حجارةً وغرَّقَها في النيل، فمنعت المراكب من سلوك النيل. فقصدت الفرنج خَليجًا يُعرف بالأزرَق، كَانَ النِّيل يجري قديمًا عَلَيْهِ، فحفروه وعَمّقوه، وأجروا الماء فيه، واصعدوا مراكبهم فيه إلى بُورَة، فَلَمَّا صاروا في بورة حاذوا الملك الكامل وقاتلوه في الماء، وزحفوا إِلَيْهِ غير مرة. وأما دِمياط فلم يتغير عليها شيء، لأن المسيرة متّصلة بهم، والنيلُ يَحجز بينهم، وأبوابُها مُفتحة، فاتفقَ موتُ الملك العادل، فضَعُفَت النُّفوس. وَكَانَ عماد الدين أَحْمَد بن المشطوب أكبر أمير بمصر، والْأمراء ينقادون لَهُ، فاتفقَ مَعَ جماعةٍ، وأرادوا خَلع الكامل وتمليك أخيه الفائز، فبلغَ الخبرُ الكاملَ، ففارق المنْزلة ليلًا، وسار إلى قرية أشمون، فأصبحَ العَسْكر وقد فقدوا سُلطانهم، فلم يقف الْأخ عَلَى أخيه، وتركوا خيامَهم، وعبرت الفرنج النّيل إلى برِّ دِمِياط آمنين في ذي القِعْدَة، وحازوا المُعسكر بما فيه، وَكَانَ شيئًا عظيمًا، فَمَلكهُ الفرنجُ بلا تعبٍ. ثُمَّ لَطَفَ اللَّه ووصل المُعظم بعد هَذَا بيومين، وَالنَّاس في أمرٍ مريج، فقوّى قلبَ أخيه وثبتهُ، وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشَّام. وأمّا العُربان فتجمّعت وعاثت، فكانوا أشدَّ عَلَى المُسلمين من الفرنج. قَالَ: وأحاط الفرنج بدِمياط وقاتلوها بَرًّا وبَحْرًا، وعملوا عليهم خَنْدقًا يمْنعهم، وهذه عادتهم، وأداموا القتال، واشتد الأمرُ عَلَى أهلها، وتعذّرت عليهم الْأقوات وغيرها، وسئموا القتال؛ لأنَّ الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم، ولم يكن بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال عليهم بالنُّوبة، وَمَعَ هذا فصبروا صبرًا لم يُسْمع بِمِثْلِهِ، وكثُر القتْل فيهم +والجراح والموتُ، ودام الحصار عليهم إلى السَّابع والعشرين من شعبان من سنة ستّ عشرة، فعجز من بقي بها عن الحِفظ لقلّتهم، وتعذّر القُوت عليهم، فسَلَّموا بالْأمان، وأقامَ طائفة عَجزوا عن الحركة. وبَثَّت الفرنج سراياهم ينهبون ويقتلون، وشرعوا في تحصين دمياط وبالغوا في ذَلِكَ، وبقي الكامل في أطراف بلاده يحميها. وتسامعَ الفرنجُ بفتح -[282]- دمياط، فأقبلوا إليها من كُلّ فجِّ عميق، وأضْحت دارَ هجرتهم، وخافَ النَّاس كافةً من الفرنج. وأشرف الإِسْلَام عَلَى خطَة خسْف؛ أقبل التّتار من المَشْرق، وأقبل الفرنج من المغرب، وأراد أهلُ مصر الجلاء عَنْهَا فمنعهم الكامل، وتابع كُتبه عَلَى أخويه المُعَظَّم والْأشرف يحثّهما عَلَى الحضور، وَكَانَ الْأشرف مشغولًا بما دهمهُ من اختلاف الكلمة عَلَيْهِ ببلاده عند موت القاهر صاحب المَوْصِل. وبقيَ الكاملُ مدَّةً طويلة مُرابطًا في مقابلة الفرنج إلى سنة ثمان عشرة، فنجده الْأشرف. وَكَانَ الفرنج قد ساروا من دمياط وقصدوا الكامل، ونزلوا مقابله وبينهما بحر أُشمون، وَهُوَ خليج من النيل، وبقوا يرمون بالمنجنيق والجَرْخ إلى عسْكر المسلمين، وقد تَيَقّنوا هُم وكلُّ النَّاس أَنَّهُم يملكون الدّيار المصرية. وأمّا الكامل فتلّقى الْأشرف وسُرَّ بقدومه، وسار المُعَظَّم فقصدَ دِمياط، واتفقَ الأشرفُ والكاملُ عَلَى قتال الفرنج، وتقربوا، وتقدّمت شواني المسلمين، فقابلت شواني الفرنج، وأخذوا للفرنج ثلاث قطعٍ بما فيها، فقويت النّفوس، وتردّدت الرُّسُل في الصُّلح، وبَذَلَ المسلمون لهم تسليم بيت المَقْدِس، وعَسقلان، وطبريَّة، وصَيدا، وجَبَلَة، واللّاذقية، وجميع ما فتحهُ صلاح الدين، رحمه اللَّه، سوى الكَرَك، فلم يرضوا، وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضًا عن تخريب بيت المَقْدِس ليعمروه بها، فلم يتم أمر، وقالوا: لا بد من الكَرَك. فاضطُرَّ المسلمون إلى قتالهم، وَكَانَ الفرنج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عِدَّة أيام؛ ظَنًّا منهم أَنَّ العساكر الإسلامية لَا تقوم لهم، وأنَّ القرى تبقى بأيديهم وتكفيهم. فعبرَ طائفةٌ من المسلمين إلى الْأرض التي عليها الفرنج فَفَجّروا النيل، فركب أكثر تلكَ الْأرض، ولم يبقَ للفرنج جهةٌ يسلكونها غير جهةٍ واحدة ضيقة، فنصب الكاملُ الجسور عَلَى النِّيل، وعبرت العساكر، فملكوا الطّريق التي يسلكها الفرنج إلى دِمْيَاط، ولم يبق لهم خلاص، ووصل إليهم مركب كبير وحوله عِدَّة حَرّاقات، فوقع عليها شواني المسلمين، وظفرَ -[283]- المسلمون بذلك كلِّه، فسُقِط في أيدي الفرنج، وأحاطت بهم عساكر المسلمين، واشتد عليهم الْأمرُ، فأحرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثْقالهم، وأرادوا الزَّحف إلى المسلمين فعجزوا وذَلوا فراسلوا الكامل يطلبون الْأمان ليسلموا دِمْيَاط بلا عِوض، فبينما المراسلات متردّدة، إِذْ أقبلَ جمعٌ كبير لهم رهجٌ شديدٌ وجلبة عظيمةٌ من جهة دِمْيَاط، فظنه المسلمون نجدة للفرنج، فَإِذَا بِهِ الملك المُعظم، فخُذل الفرنج، لعنهم اللَّه، وسَلَّموا دِمْيَاط، واستقرت القاعدة في سابع رجب سنة ثمان عشرة، وتسلّمها المسلمون بعد يومين، وَكَانَ يومًا مشهودًا فدخلها العسكر، فرأوها حَصينة قد بالغَ الفرنج في تحصينها بحيثُ بقيت لَا تُرام، فلله الحمد عَلَى ما أنعمَ بِهِ. وَهَذَا كلّه ساقه ابن الْأثير، رحمه اللَّه، متتابعًا في سنة أربع عشرة. وَقَالَ غيره، وَهُوَ سعد الدين مسعود بن حمويه فيما أَنْبَأَنَا: لَمَّا تقرر الصُّلح جلس السلطان في خَيْمَته، وحضر عنده الملوك، فَكَانَ عَلَى يمين السلطان صاحبُ حمص الملكُ المُجاهد، ودونه الملك الْأشرف شاه أرمن، ودونه الملك المُعَظَّم عيسى، ودونه صاحب حماة، ودونه الحَافِظ صاحب جَعْبَر، ومُقدم نجدة حلب، ومُقدم نجدة المَوْصِل، ومُقدم نجدة ماردين، ومقدَّم نجدة إربل، ومقدَّم نجدة ميافارقين، وَكَانَ عَلَى يساره نائب البابا، وصاحب عَكّا، وصاحب قبرص، وصاحب طرابلس، وصاحب صَيْدا، وعشرون من الكُنود لهم قلاع في المغرب، ومقدَّم الدَّاوية، ومُقدم الإسبتار. وَكَانَ يومًا مشهودًا، فرسَم السلطان بمبايعتهم، وَكَانَ يحمل إليهم في كلّ يوم خمسين ألف رغيف، ومائتي إردب شعير، وكانوا يبيعون عُدَدَهم بالخُبْز ممّا نالهم من الجُوع. فَلَمَّا سَلَّموا دِمْيَاط أطلقَ السلطانُ رهائنهم، وبقي صاحبُ عكا حتى يطلقوا رهائن السلطان فأبطؤوا، فركب السلطان ومعه صاحب عكّا وَكَانَ خلقةً هائلةً فأخرجَ السلطان من صَدْر قبائه صليبَ الصَّلبوت، الَّذِي كَانَ صلاحُ الدين أخذَه من خزائن خُلفاء مصر فَلَمَّا رآه صاحب عكًا رمى بنفسه إلى الْأرض، وشكر السلطان، وَقَالَ: هَذَا عندنا أعظم من دِمْيَاط. وَقَالَ لَهُ -[284]- السلطان: خذ هَذَا تذكارًا من عندي، واركب في مركب، ورُح نفِّذ رهائننا، فلم يفعل، وبعث الصليب مَعَ قِسّيس. وحكى بعضهم قَالَ: وفي شعبان أخذت الفرنج دِمْيَاط، وَكَانَ المُعَظم قد جهّز إليها ناهض الدين ابن الجرخي في خمسمائة راجل، فهجموا عَلَى الخندق، فقُتل الناهضُ ومن كَانَ معه، وضَعُفَ أهلُ دِمْيَاط المساكين، ووقع فيهم الوَباء والغَلاء، وعَجَزَ الملكُ الكامل عن نُصرتهم، فسلّموها بالْأمان، وفتحوا للفرنجُ، فغدروا، لعنهم اللَّه، وقتلوا وأسَروا، وجعلوا الجامعَ كنيسةً، وبعثوا بالمصاحف ورؤوس القتلى إلى الجزائر. وَكَانَ بدمياط الشَّيْخ أَبُو الحَسَن بن قُفل الزّاهد صاحب زاوية، فما تَعَرَّضوا لَهُ، قَالَ أَبُو شامة: أَنَا رأيته بدمياط سنة ثمانٍ وعشرين. وبلغَ الكاملَ والمُعَظم فبكيا بكاءً شديدًا، وَقَالَ الكامل للمُعظم: ما في مقامك فائدة، فانزل إلى الشَّام وشوش خواطر الفرنج، واجمع العساكر من الشَّرْق. قَالَ ابن واصل في أخْذ دِمْيَاط: وحين جرى هَذَا الْأمر الفظيع، ابتنى الملك الكامل مدينة، وسمّاها المنصورة عند مفرق البَحْرين الآخذ أحدهما إلى دِمْيَاط، والآخر إلى أُشمون، ومصبهُ في بحيرة تِنّيس، ثُمَّ نزلها بجيشه، وبنى عليها سورًا. وذكر ابن واصل: أَنَّ تملك الفرنج دِمْيَاط كَانَ في عاشر رمضان. قَالَ أَبُو المُظَفَّر: فكتب إليَّ المُعَظَّم وَأَنَا بدمشق بتحريض الناس على الجهاد ويقول: إنّي كشفتُ ضياع الشَّام فوجدتها ألفي قرية، منها ألف وستمائة قرية أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية، وكم مقدار ما يقيم هذه الأربعمائة من العساكر؟ فأريد أن تُخرج الدَّمَاشِقة ليذبّوا عن أملاكِهم. فقرأتُ عليهم كتابهُ في المِيعاد، فتقاعَدوا، فَكَانَ تقاعدهم سببًا لأخذ الخُمْس والثُّمن من أموالهم، وكتب إليَّ: إِذَا لم يخرجوا فسِرْ أَنْتَ إليَّ. فخرجتُ إلى السّاحل، وقد نزل -[285]- عَلَى قَيْسارية، فأقمنا حَتَّى افتتحها عَنْوةً، ثُمَّ نزل عَلَى حِصْن البَقَر فافتتحه وهَدَمه، وقَدِمَ دمشق. وفيها ألبسَ الملك المُعَظَّم قاضي القضاة زكيّ الدين الطّاهر القِباء والكلوتة بمجلس الحكم بداره. قَالَ أَبُو المُظَفَّر: كَانَ في قلبِ المُعظم منه حزازات، كَانَ يمنعه من إظهارها حياؤه من أبيه، وكان يشكو إليَّ مرارًا. ومَرضت ستُّ الشَّام عَمَّة المُعَظَّم، وكانت أوصَتْ بدارها مدرسةً، فأحضَرَت القاضي المذكور والشهود، وأوصت إلى القاضي، وبلغَ ذَلِكَ المُعَظَّم فعزَّ عليه، وقال: يحضر إلى دار عمتي بغير إذني ويسمع كلامها. ثُمَّ اتفق أَنَّ القاضي أحضر جابي العزيزية وطلب منه حسابًا، فأغلظ لَهُ، فأمر بضربه، فضُرب بين يديه كما تفعل الوُلاة. فوجد المُعظم سبيلا إلى إظهار ما في نفسه، وَكَانَ الجمال المَصْرِيّ وكيل بيت المال عدوا للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي والشهود حاضرون، فبعث المعظم بقجة فيها قباء وكلوتة، وأمر أن يحكم بهما بينَ الناس، فقامَ من خوفه فلَبِسَهما، وحكمَ بين اثنين. قَالَ أَبُو شامة: جابي المدرسة هُوَ السَّديد سالم بن عَبْد الرَّزَّاق خطيب عَقربا، وجاء الَّذِي ألْبَسه الخِلْعة إلى عند شيخنا السَّخَاويّ، فتأوّه الشَّيْخ وضرب بيده عَلَى الْأخرى، فَكَانَ ممّا حكى أنْ قَالَ: أمرني السلطان أن أقول لَهُ: السلطان يسلّم عليك وَيَقُولُ لك: الخليفة سلام الله عليه إذا أراد أن يُشرف أحداُ خلعَ عليه من ملابسه؛ ونحن نسلك طريقه. وفتحتُ البقجة، فَلَمَّا رآها وَجَمَ، فأمرتُه بترك التوقف، فمد يدهُ ووضع القباء على كتفيه، ووضع عمامته وحط الكلوتة على رأسه، ثُمَّ قام ودخل بيته. قَالَ أَبُو شامة: ومن لطف الله به أن كَانَ المجلس في داره، ثُمَّ لزم بيته، ولم تطُل حياته بعدها، ومات في صفر سنة سبع عشرة، رمى قِطَعًا من كبده، وتأسف الناس لما جرى عليه، وكان يحب أهل الخير، ويزور الصالحين. -[286]- وبقيَ نوابهُ يحكمون بين النَّاس: ابن الشِّيرَازِيّ، وابن سني الدولة، وشرف الدّين ابن المَوْصِليّ الحَنَفيّ، كَانَ يحكم بالطَّرْخانية بجَيْرون، ثُمَّ بعد مدَّة أضيف إليهم الجمال المَصْرِيّ. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر: كانت واقعة قبيحة، ولقد قلتُ لَهُ يومًا: ما فعلتَ هَذَا إِلَّا بصاحب الشرع؟ ولقد وجب عليك دية القاضي، فقال: هو أحوجني إلى هذا، ولقد ندمتُ. واتفق أنّ المُعظم بعثَ إلى الشرف ابن عُنين - حين تزهد - خمرا ونردا، وقال: سبح بهذا! فكتبت إِلَيْهِ: يا أيُّها الملكُ المُعظمُ، سُنّةً ... أحدَثْتَها تبقى عَلَى الآباد تجري المُلوكُ عَلَى طَرِيقكَ بعدَها ... خَلع القُضاة وتُحفةُ الزهَّاد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي