نتائج البحث عن (سبعين) 50 نتيجة

سَبْعِين:
بلفظ العدد: قرية بباب حلب كانت إقطاعا للمتنبي من سيف الدولة، وإيّاها عنى بقوله:
أسير إلى إقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه
سبعين ألفِالجذر: س ب ع

مثال: يَتَكَوَّن الجيش من سبعين ألفِ جنديالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجر التمييز «ألف»، وهو مخالف للقاعدة.

الصواب والرتبة: -يتكوَّن الجيش من سبعين ألفَ جنديٍّ [فصيحة] التعليق: توجب القاعدة أن يكون تمييز ألفاظ العقود منصوبًا دائمًا.
سَبْعيناتالجذر: س ب ع

مثال: وُلِد في السَّبْعِينات من القرن الماضيالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجمع لفظ العقد دون إلحاق ياء النسب به.

الصواب والرتبة: -وُلِد في السبعينيّات من القرن الماضي [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري جمع ألفاظ العقود بالألف والتاء إذا ألحقت بها ياء النسب، فيقال: سبعينيّات للأعوام من السبعين إلى التاسع والسبعين، ومنع أن يقال في هذا المعنى: سبعينات بغير ياء النسب؛ لأن لها معنى آخر، وهو: عدة وحدات، كل منها يتكون من سبعين عنصرًا.
سَبْعِينيّالجذر: س ب ع

مثال: احْتَفَلَت الجامعة بالعيد السبعينيّ لإنشائهاالرأي: مرفوضةالسبب: للنسب إلى لفظ العقد دون رده إلى المفرد.

الصواب والرتبة: -احتفلت الجامعة بالعيد السبعينيّ لإنشائها [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري النسب إلى ألفاظ العقود، دون ردها إلى مفردها، كما أجاز أن يلزم لفظ العقد «الياء» مع اختلاف الموقع الإعرابي، وجعل الإعراب بحركات ظاهرة على ياء النسب. وقد وردت النسبة إلى ألفاظ العقود على لفظها في مفردات ابن البيطار وغيره.

أبو إسحاق سعد بن مالك ومالك هو أبو وقاص الزهري كان يسكن الكوفة ومات بالمدينة وهو ابن اربع وسبعين سنة. ويقال: ابن نيف وثمانين.

معجم الصحابة للبغوي

المجلد الثالث

باب السين
من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن ابتدأ اسمه سين

أبو إسحاق سعد بن مالك
ومالك هو أبو وقاص الزهري كان يسكن الكوفة ومات [بالمدينة] وهو ابن اربع وسبعين سنة.
ويقال: ابن نيف وثمانين.
909 - حدثني زهير بن محمد المروزي نا عبد الرزاق عن ابن عيينة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سعد أنه قال: يارسول الله

أبو حدرد يقال اسمه سلامة بن عمير الأسلمي حدثني عمي عن أبي عبيد: أبو حدرد وهو سلامة بن عمير صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هوازن من أسلم. حدثنا صالح بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: اسم أبي حدرد: عبد. قال هارون بن موسى: أبو حدرد الأسلمي يقال اسمه: سلامة توفي سنة إحدى وسبعين.

معجم الصحابة للبغوي

أبو حدرد يقال اسمه سلامة بن عمير الأسلمي
حدثني عمي عن أبي عبيد: أبو حدرد وهو سلامة بن عمير صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هوازن من أسلم. حدثنا صالح بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: اسم أبي حدرد: عبد.
قال هارون بن موسى: أبو حدرد الأسلمي يقال اسمه: سلامة توفي سنة إحدى وسبعين.
1061 - حدثني هارون بن عبد الله، ومحمد بن علي، قالا: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن ابن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه، وأبا قتادة، ومحلم بن جثامة، في سرية إلى إضم. قال: فلقينا عمر بن الأضبط

الصليبيون يستولون على بيت المقدس ويذبحون سبعين ألف مسلم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يستولون على بيت المقدس ويذبحون سبعين ألف مسلم.
492 شعبان - 1099 م
كان البيت المقدس تحت حكم الفاطميين ولهم فيه رجل نائب يعرف بافتخار الدولة، وبقي فيه إلى الآن، فقصده الفرنج، بعد أن حصروا عكا، فلم يقدروا عليها، فلما وصلوا إليه حصروه نيفاً وأربعين يوماً، ونصبوا عليه برجين أحدهما من ناحية صهيون، وأحرقه المسلمون، وقتلوا كل من به، فلما فرغوا من إحراقه أتاهم المستغيث بأن المدينة قد ملكت من الجانب الآخر، وملكوها من جهة الشمال منه ضحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود، فاعتصموا به، وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، فبذل لهم الفرنج الأمان، فسلموه إليهم، ووفى لهم الفرنج، وخرجوا ليلاً إلى عسقلان فأقاموا بها وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء، وورد المستنفرون من الشام، في رمضان، إلى بغداد ولكن قدر الله أن اختلف السلاطين فتمكن الفرنج من البلاد.
وفاة ابن سبعين الصوفي.
669 شوال - 1271 م
عبد الحق بن إبراهيم بن محمد ابن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن قطب الدين أبو محمد المقدسي الرقوطي، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من مرسية المشهور بابن سبعين، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، واشتغل بعلم الأوائل والفلسفة، فتولد له من ذلك نوع من الإلحاد، وصنف فيه، وكان يعرف السيميا، وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء، ويزعم أنه حال من أحوال القوم، وله من المصنفات كتاب البدوي , وكتاب الهو، وقد أقام بمكة واستحوذ على عقل صاحبها ابن سمي، وجاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجي فيما ينقل عنه أن يأتيه فيه وحي كما أتى النبي صلى الله عليه وسلم، بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة من أن النبوة مكتسبة، وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة، إن كان مات على ذلك، وقد كان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول عنهم كأنهم الحمير حول المدار، وأنهم لو طافوا به كان أفضل من طوافهم بالبيت، وقد نقلت عنه عظائم من الأقوال والأفعال، توفي في الثامن والعشرين من شوال بمكة، قال الذهبي في تاريخ الإسلام: كان صوفياً على قاعدة زهاد الفلاسفة وتصوفهم، وله كلام كثير في العرفان على طريق الاتحاد والزندقة.
-سَنَةِ سَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ، وَبَشِيرُ بْنُ النَّضْرِ قَاضِي مِصْرَ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ، وَبِخُلْفٍ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ. وَفِيهَا أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ سَهْلِ بْنِ الْأَبْرَدِ الْأَنْصَارِيِّ، وَعُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَبَشِيرُ بْنُ عَقْرَبَةَ، وَيُقَالُ: بِشْرُ الْجُهَنِيُّ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثَانِ، وَأَبُو الْجَلْدِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ طَاعُونَ الْجَارِفِ الْمَذْكُورَ كَانَ فِيهَا.
وَفِيهَا كَانَ الْوَبَاءُ بِمِصْرَ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الشَّرْقِيَّةِ، فَنَزَلَ حُلْوَانَ وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلًا، وَاشْتَرَاهَا مِنَ الْقِبْطِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِيَنارٍ، وَبَنَى بِهَا دَارَ الْإِمَارَةِ وَالْجَامِعَ، وَأَنْزَلَهَا الْجُنْدَ وَالْحَرَسَ.
وَفِيهَا ثارت الرُّومُ وَاسْتَجَاشُوا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَعَجَزَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْهُمْ لِاشْتِغَالِهِ بِخَصْمِهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَصَالَحَ مَلِكَ الرُّومِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَفِيهَا وَفَدَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَخِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْد اللَّهِ بأموال عظيمة وتحف وأشياء فاخرة.
-سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيُّ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ.
وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرٍ أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بِالْبَحْرَيْنِ، فَوَجَّهَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى قِتَالِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَافَ، فَالْتَقَوْا بِجَوَاثَا فَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَالنَّاسُ.
وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وَعَرَّفَ بِمِصْرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَّفَ بِمِصْرَ. يَعْنِي اجْتَمَعَ النَّاسُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَدَعَا لَهْمُ أَوْ وَعَظَهُمْ.
وَفِيهَا، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا. قُتِلَ بَخُرَاسَانَ أَمِيرُهَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِم بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ، أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ وَالأَبْطَالِ الْمَعْدُودِينَ، وَيُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، ثَارَ بِهِ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَقَتَلَهُ وَكِيعُ ابن الدَّوْرَقِيَّةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ كِتَابًا بِوِلايَةِ خُرَاسَانَ، فَمَزَّقَ كِتَابَهُ وَسَبَّ رَسُولَهُ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى بُكَيْرِ بْنِ وَشَّاحٍ: إِنْ قَتَلْتَ ابْنَ خَازُمٍ فَأَنْتَ الأَمِيرُ، فَعَمِلَ عَلَى قَتْلِهِ وَتَأَمَّرَ بُكَيْرٌ عَلَى الْبِلادِ حَتَّى قَدِمَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَكَانَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ جَمَعَ قَارَنَ بِهَرَاةَ، وَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَهَرَبَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ وَتَرَكَ الْبِلادَ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ هَذَا، وَجَمَعَ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَلَقِيَ قارنا فهزم جموعه وَقُتِلَ قَارِنٌ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بِالْفَتْحِ، فَأَقَرَّهُ ابْنُ عَامِرٍ أَمِيرُ الْعِرَاقِ عَلَى خُرَاسَانَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِيهَا افْتَتَحَ عَبْدُ الملك قيسارية.
-سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَالأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ التَّيْمِيُّ.
وَقُتِلَ فِيهَا: مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ. وَعِيسَى وَعُرْوَةُ وَلَدَا مُصْعَبٍ وَمُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ.
وَكَانَ مُصْعَبُ قَدْ سَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى الشَّامِ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَاسْتِئْصَالِهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ بِدِيرِ الْجَاثَلِيقِ، وَمَسْكَنٍ بِالْقُرْبِ مِنْ أَوَانَا.
وَكَانَ قَدْ كَاتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ جَمَاعَةً مِنَ الأَشْرَافِ الْمَائِلِينَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِ الْمَائِلِينَ يُمَنِّيهِمْ وَيَعِدُهُمْ إِمْرَةَ الْعِرَاقِ وَإِمْرَةَ أَصْبَهَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَتَى بِكِتَابِهِ مُصْعَبًا، وَفِيهِ إِنْ بَايَعَهُ وَلاهُ الْعِرَاقَ. وَقَالَ لِمُصْعَبٍ: قَدْ كَتَبَ إِلَى أَصْحَابُكَ بِمِثْلِ كِتَابِي فَأَطِعْنِي وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، فَقَالَ: إِذًا لا تُنَاصِحُنَا عَشَائِرُهُمْ، قَالَ: فَأَوْقِرْهُمْ حَدِيدًا وَأَسْجِنْهُمْ بِأَبْيَضِ كِسْرَى وَوَكِّلَ بِهِمْ مَنْ إِنْ غُلِبْتَ ضَرَبَ أَعَنْاقَهُمْ، وَإِنْ نُصِرْتَ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: يَا أَبَا النُّعْمَانَ إِنِّي لَفِي شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَحْرٍ - يَعْنِي الأَحْنَفَ - إِنْ كَانَ لَيُحَذِّرُ غَدْرَ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ: هَمَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِالْغَدْرِ بِمُصْعَبٍ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ: وَيْحَكُمْ لا تُدْخِلُوا أَهْلَ الشَّامِ عَلَيْكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَطَعَّمُوا بعيشكم لتضيقين عليكم منازلكم بهم.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو وَمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ قَلَبَ الْقَوْمُ أَتْرِسَتَهُمْ وَلَحِقُوا بِعَبْدِ الْمَلِكِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَمَّا تَدَانَى الْجَمْعَانِ حَمَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ هَرَبَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَكَانَ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ مُصْعَبٍ. وَجَعَلَ مُصْعَبُ كُلَّمَا قَالَ لِمُقَدَّمٍ مِنْ عَسْكَرِهِ: تَقَدَّمْ، لا -[755]- يُطِيعُهُ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: أُخْبِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِمَسِيرِ مُصْعَبٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: أَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ؟ قِيلَ: لا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى فَارِسٍ. قَالَ: فَمَعَهُ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ؟ قَالُوا: لا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ قَالَ: فَمَعَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ؟ قِيلَ: لا، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: وَأَنَا بِخُرَاسَانَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ:
خُذِينِي وَجُرِّينِي ضِبَاعٌ وَأَبْشِرِي ... بِلَحْمِ امْرِئٍ لَمْ يَشْهَدِ الْيَوْمَ نَاصِرُهُ
قَالَ الطَّبَرِيُّ: فَقَالَ مُصْعَبٌ لابْنِهِ عِيسَى: ارْكَبْ بِمَنْ مَعَكَ إِلَى عَمِّكَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَدَعْنِي فَإِنِّي مَقْتُولٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أُخْبِرُ قُرَيْشًا عَنْكَ أَبَدًا، وَلَكِنِ الحقْ بِالْبَصْرَةِ فَهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ، قَالَ: لا تَتَحَدَّثُ قُرَيْشٌ إِنِّي فَرَرْتُ بِمَا صَنَعَتْ رَبِيعَةُ مِنْ خِذْلانِهَا، وَلَكِنْ: أُقَاتِلُ، فَإِنْ قُتِلْتُ فَمَا السَّيْفُ بِعَارٍ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ: أَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَعَ أَخِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ إِلَى مُصْعَبٍ: إِنِّي مُعْطِيكَ الأَمَانَ يَا ابْنَ الْعَمِّ، فَقَالَ مُصْعَبٌ: إِنَّ مِثْلِي لا يَنْصَرِفُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ إِلا غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا.
وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبًا أَبَى الأَمَانَ، وَأَنَّهُمْ أَثْخَنُوهُ بِالرَّمْيِ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ، فَطَعَنَهُ وَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ الْمُخْتَارِ. وَكَانَ مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَ مُصْعَبٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا تَفَرَّقَ عَنْ مُصْعَبٍ جُنْدُهُ قِيلَ لَهُ: لَوِ اعْتَصَمْتَ بِبَعْضِ الْقِلاعِ وَكَاتَبْتَ مَنْ بَعُدَ عَنْكَ كَالْمُهَلَّبِ وَفُلانٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لَكَ مَنْ تَرْضَاهُ لَقِيتَ الْقَوْمَ فَقَدْ ضَعُفْتَ جِدًّا وَاخْتَلَّ أَصْحَابُكَ، فَلَبِسَ سِلاحَهُ وَخَرَجَ فِيمَنْ بقي وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرٍ طَرِيفٍ الْعَنْبَرِيِّ الَّذِي كَانَ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ بِخُرَاسَانَ:
عَلامَ أَقُولُ السَّيْفَ يُثْقِلُ عَاتِقيِ ... إِذَا أَنَا لَمْ أَرْكَبْ بِهِ الْمَرْكَبَ الصَّعْبَا
سَأَحْمِيكُمْ حَتَّى أَمُوتَ وَمَنْ يَمُتْ ... كَرِيمًا فَلا لَوْمًا عَلَيْهِ وَلا عَتْبَا. -[756]-
وَرَوَى غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الأَشْتَرِ لِمُصْعَبٍ: ابْعَثْ إِلَى زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو وَمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ ووجوه من وجوه أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَغْدُرُوا بِكَ، فَأَبَى، فَقَالَ ابْنُ الأَشْتَرِ: فَإِنِّي أَخْرُجُ الآنَ فِي الْخَيْلِ، فَإِذَا قُتِلْتُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ. قَالَ: فَخَرَجَ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَالَ الْفَسَوِيُّ: قُتِلَ مَعَ مُصْعَبٍ ابْنُهُ عِيسَى، وَجُرِحَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ فَقَالَ: احْمِلُونِي إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ. وَوَثَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ عَلَى مُصْعَبٍ فَقَتَلَهُ عِنْدَ دَيْرِ الْجَاثَلِيقِ، وَذَهَبَ بِرَأْسِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَسَجَدَ لله. وكان عبيد الله فاتكا رديا، فَكَانَ يَتَلَهّفُ وَيَقُولُ: كَيْفَ لَمْ أَقْتُلْ عَبْدَ الْمَلِكِ يَوْمَئِذٍ حِينَ سَجَدَ، فَأَكُونُ قَدْ قَتَلْتُ مَلِكَيَّ الْعَرَبِ.
وَقالَ أَبُو الْيَقْظَانِ وَغَيْرُهُ: طَعَنَهُ زَائِدَةُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ابْنُ ظَبْيَانَ.
وَلابْنِ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ:
لَقَدْ أَوْرَثَ الْمِصْرَيْنِ حُزْنًا وَذِلَّةً ... قَتِيلٌ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ مُقِيمُ
فَمَا قَاتَلَتْ فِي اللَّهِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ... وَلا صَبَرَتْ عِنْدَ اللِّقَاءِ تَمِيمُ
وَكُلُّ ثُمَالِيِّ عِنْدَ مَقْتَلِ مُصْعَبٍ ... غَدَاةَ دَعَاهُمْ لِلْوَفَاءِ دُحَيْمُ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: إِنَّ مُصْعَبًا قَالَ يَوْمًا وَهُوَ يَسِيرُ لِعُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَخْبِرْنِي عَنْ حُسَيْنِ بْنِ علي كَيْفَ صَنَعَ حِينَ نَزَلَ بِهِ، فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُهُ عَنْ صَبْرِهِ، وَإِبَائِهِ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ، وَكَرَاهِيَّتِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي طَاعَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَضُرِبَ بِسَوْطِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ فَرَسِهِ وَقَالَ:
وَإِنَّ الأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... تَأَسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّأَسِّيَا
قَالَ: فَعَرَفْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ لا يَفِرُّ، وَأنَّهُ سَيَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ. وقال: وَالْتَقَيَا بِمَسْكِنَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيْلَكُمْ مَا أَصْبَهَانُ هَذِهِ؟ قِيلَ: سُرَّةُ الْعِرَاقِ، -[757]- قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ كَتَبَ إِلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ثَلاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْعِرَاقِ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنْ خَبِبْتَ بِمُصْعَبٍ فَلِي أَصْبَهَانُ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: فَكَتَبَ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمْ: أَنْ نَعَمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَالَ مُصْعَبٌ لِرَبِيعَةَ: تَقَدَّمُوا لِلْقِتَالِ. فَقَالُوا: هذه مخروءة بَيْنَ أَيْدِينَا فَقَالَ: مَا تَأْتُونَ أَنْتَنَ مِنَ المخروءة، يَعْنِي: تَخَلُّفَكُمْ عَنِ الْقِتَالِ.
وَقَدْ كَانَتْ رَبِيعَةُ قَبْلُ مُجْمِعَةً عَلَى خِذْلانِهِ، فَأَظْهَرَتْ ذَلِكَ، فَخَذَّلَهُ النَّاسُ. وَلَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدٌ يُقَاتِلُ دُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: الْمَرْءُ مَيِّتٌ، فَلأَنْ يَمُوتَ كَرِيمًا أَحْسَنَ بِهِ مِنْ أَنْ يَضْرَعَ إِلَى مَنْ قَدْ وَتَرَهُ، لا أَسْتَعِينُ بِرَبِيعَةَ أَبَدًا وَلا بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مَا وَجَدْنَا لَهُمْ وَفَاءً، انْطَلِقْ يَا بُنَيَّ إِلَى عَمِّكَ فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَدَعْنِي. فَإِنِّي مَقْتُولٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لا أُخْبِرُ نِسَاءَ قُرَيْشٍ بِصَرْعَتِكَ أَبَدًا، قَالَ: فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُقَاتِلَ فَتَقَدَّمْ حَتَّى أَحْتَسِبُكَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْتَرَ فَقَاتَلَ قِتَالا شَدِيدًا حَتَّى أَخَذَتْهُ الرِّمَاحُ فَقُتِلَ، وَمُصْعَبُ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نَفَرٌ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَاتَلَ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى قُتِلَ، وَاحْتَزَّ ابْنُ ظَبْيَانَ رَأْسَهُ. وَبَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَدَخَلَهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ.
قِيلَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ أَخِيهِ مُصْعَبٍ قَامَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ، ثم ذكر مصرع أخيه وقال: أَلا إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ الْغَدْرِ وَالنِّفَاقِ أَسْلَمُوهُ وَبَاعُوهُ، وَاللَّهِ مَا نَمُوتُ عَلَى مَضَاجِعِنَا كَمَا يَمُوتُ بَنُو أَبِي الْعَاصِ، فَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فِي زَحْفٍ وَلا نَمُوتُ إِلا قَعْصًا بِالرِّمَاحِ، وَتَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ.
وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو فُدَيْكٍ فَغَلَبَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ. وَقِيلَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَجْدَةَ الحروري، فَسَارَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْبَصْرَةِ، عَلَيْهِمْ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الأُمَوِيُّ أَخُو أَمِيرِهَا خَالِدٍ، فَهَزَمَهُ أَبُو فُدَيْكٍ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى خَالِدٍ يُعَنِّفَهُ لِكَوْنِهِ اسْتَعْمَلَ أُمَيَّةَ عَلَى حَرْبِ الْخَوَارِجِ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلِ الْمُهَلَّبِ، -[758]- وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، وَيَسْتَعِينَ بِرَأْيِ الْمُهَلَّبِ، وَلا يَعْمَلُ أَمْرًا دُونَهُ. وَكَتَبَ إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ يَمُدَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، فَسَارَ خالد بالناس حتى قدم الأهواز، وَسَارَتْ إِلَيْهِ الأَزَّارِقَةُ، فَتَنَازَلَ الْجَيْشَانِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ زَحَفَ إِلَيْهِمْ خَالِدٌ فَأَخَذُوا ينحازون، فاجترأ عليهم الناس، وكرت عَلَيْهِمُ الْخَيْلُ، فَوَلُّوا مُدْبِرِينَ عَلَى حَمِيَّةٍ، وَقُتِلَ منهم خلق، واتبعهم داود بن قحذم أَمِيرُ الْمَيْسَرَةِ وَعَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَجَعَلُوا يَتَطَلَّبُونَهُمْ بِفَارِسٍ، حَتَّى هَلَكَتْ خُيُولُ الْجُنْدِ وَجَاعُوا، وَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مُشَاةً.
قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي " تَارِيخِهِ ": وفيها كانت وقعت بين ابن خازم أمير خرسان، وَبَيْنَ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ بِقُرْبِ مَرْوَ، وَقُتِلَ خَلْقٌ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فِي الوقعة، ولي قتله وكيع بن عميرة ابن الدَّوْرَقِيَّةِ.
وَيُقَالَ: اعْتَوَرَ عَلَيْهِ بَحِيرٌ وَعَمَّارٌ الْجُشَمِيُّ وَابْنُ الدَّوْرَقِيَّةِ وَطَعَنُوهُ فَصَرَعُوهُ، فَقِيلَ لِوَكِيعٍ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: غَلَبْتُهُ بِفَضْلِ الْقَنَا، وَلَمَّا صُرِعَ قَعَدْتُ عَلَى صَدْرِهِ، فَحَاوَلَ الْقِيَامَ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَقُلْتُ: يَا ثَارَاتَ دُوَيْلَةَ - وَهُوَ أَخُو وَكِيعٍ لأُمِّهِ قُتِلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ - قَالَ: فَتَنَخَّمَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: لَعَنَكَ اللَّهُ، تَقْتُلُ كَبْشَ مُضَرَ بِأَخِيكَ عِلْجٍ لا يَسْوَى كَفًّا من نَوَى، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ رِيقًا مِنْهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَقْبَلَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ، فَأَرَادَ أَخْذَ رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَمَنَعَهُ بَحِيرٍ، فَضَرَبَهُ بُكَيْرٌ بِعَمُودٍ وَأَخَذَ الرَّأْسَ، وَقَيَّدَ بَحِيرًا، وَبَعَثَ بِالرَّأْسِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ ابْنَ خَازِمٍ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ مَقْتَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَّ رَأْسَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَدَ عَلَى ابْنِ خَازِمٍ، فَحَلَفَ أَنْ لا يُعْطِيَ عَبْدَ الْمَلِكِ طَاعَةً أَبَدًا، وَإِنَّهُ دَعَا بِطَسْتٍ فَغَسَّلَ الرَّأْسَ وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ بِالْمَدِينَةِ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ رَأْسُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. -[759]-
وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَعَثَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ مَعَ سَوْرَةَ النُّمَيْرِيِّ: أَنَّ لَكَ خُرَاسَانَ سَبْعَ سنين على أن تبايعني، فقال للرسول: لَوْلا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ بَنِي سُلَيْمٍ وَبَنِي عَامِرٍ لَقَتَلْتُكَ، وَلَكِنْ كُلْ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ، فَأَكَلَهَا.
وَفِيهَا سَارَ الْحَجَّاجُ إِلَى حَرْبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَوَّلُ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَدَامَ الْحِصَارُ أَشْهُرًا.
-سَنَةِ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى الأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، قُتِلُوا ثَلاثَتُهُمْ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ الرَّبَعِيُّ، وَأَوْسُ بْنُ ضَمْعَجٍ بِخُلْفٍ فِيهِ.
وَفِيهَا حَاصَرَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ وَبِهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ حَصَّنَهَا، وَنَصَبَ الْحَجَّاجُ عَلَيْهَا الْمَنْجَنِيقَ. فَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذِّمَارِيُّ، قال: حدثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ بِحَدِيثٍ طَوِيلٍ مِنْهُ: وَقَاتَلَ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ابنَ الزُّبَيْرِ أَيَّامًا، وَأَحْرَقَ فُسْطَاطًا لَهُ نَصَبَهُ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَطَارَ الشَّرَرُ إِلَى البيت، واحترق فيه يَوْمَئِذٍ قَرْنَا الْكَبْشِ الَّذِي فَدَى بِهِ إِسْحَاقَ، إِلَى أَنْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَخَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَقَالَ: مَنْ لابْنِ الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَسْكَتَهُ، ثُمَّ أَعَادَ قَوْلَهُ، فَقَالَ: أَنَا، فَعَقَدَ لَهُ عَلَى جَيْشٍ إِلَى مَكَّةَ، فَنَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أبي قبيس، يرمي بِهِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ بَيْضَةً يَعْنِي خَوْذَةً تَرُدُّ عَنْهُ، فَقِيلَ لابْنِ الزُّبَيْرِ: أَلا تُكَلِّمُهُمْ فِي الصُّلْحِ، فَقَالَ: أوحين صُلْحٍ هَذَا، وَاللَّهِ لَوْ وَجَدُوكُمْ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لَذَبَحُوكُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ:
وَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّهٍ ... وَلا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا
أُنَافِسُ سَهْمًا إِنَّهُ غَيْرُ بَارِحٍ ... مُلَاقِي الْمَنَايَا أَيَّ صَرْفٍ تَيَمَّمَا. -[760]-
قَالَ: وَكَانَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ طَائِفَةٌ مِنْ أَعَوْانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَرْمُونَ عَدُوَّهُ بِالآجُرِّ، وَحَمَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَأَصَابَتْهُ آجُرَّةٌ فِي مَفْرَقِهِ فَلَقَتْ رأسه.
وقال الواقدي: حدثنا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: وحدثنا شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، وحدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالُوا: لَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُصْعَبًا بَعَثَ الْحَجّاجُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَلْفَيْنِ، فَنَزَلَ الطَّائِفَ، وَبَقِيَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى عَرَفَةَ، وَيَبْعَثُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْثًا فَتُهْزَمُ خَيْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيُرَدُّ أَصْحَابُ الْحَجّاجِ إِلَى الطَّائِفِ، فَكَتَبَ الْحَجّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ وَمُحَاصَرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنْ يَمُدَّهُ بِجَيْشٍ، فَأَجَابَهُ وَكَتَبَ إِلَى طَارِقِ بْنِ عَمْرٍو فَقَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ فِي خَمْسَةِ آلافٍ، فَحَجَّ الْحَجَّاجُ بِالنَّاسِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ يَعْنِي، ثُمَّ صَدَرَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ وَطَارِقُ وَلَمْ يَطُوفَا بالبيت ولا قربا النساء حتى قتل ابن الزُّبَيْرِ فَطَافَا، وَحُصِرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ لَيْلَةِ هِلالِ ذِي الْقَعْدَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَقَدِمَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ حُبْشَانُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَ فَلا يَقَعَ لَهُمْ مِزْرَاقٌ إلا فِي إِنْسَانٍ، فَقَتَلُوا خَلْقًا، وَكَانَ مَعَهُ أَيْضًا مِنْ خَوَارِجِ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَاتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، ثُمَّ ذَكَرُوا عُثْمَانَ فَتَبَرَّءُوا مِنْهُ، فَبَلَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَنَاكَرَهُمْ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ بِالْمَنْجَنِيقِ وَبِالْقِتَالِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَحَبَسَ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ فَجَاعُوا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ زمزم فيعصمهم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة.
وحدثنا شُرَحْبِيلُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا كَيْفَ تَضْرِبُونَ بِسِيُوفِكُمْ، وَلْيَصُنِ الرَّجُلُ سَيْفَهُ كَمَا يَصُونُ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ قَبِيحٌ بِالرَّجُلِ أَنْ يُخْطِئَ مَضْرِبَ سَيْفِهِ، فَكُنْتَ أَرْمُقُهُ إِذَا ضَرَبَ فَمَا يُخْطِئُ مَضْرِبًا وَاحِدًا شِبْرًا مِنْ ذُبَابِ السَّيْفِ أَوْ نَحْوِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْحَوَارِيِّ. -[761]-
فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ قَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَجَعَلَ الْحَجّاجُ يَصِيحُ بأصحابه: يا أهل الشام، يَا أَهْلَ الشَّامِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ، فَيَشُدُّونُ الشَّدَّةَ الْوَاحِدَةَ حَتَّى يُقَالَ: قَدِ اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ، فَيَشُدُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُفَرِّجَهُمْ وَيَبْلُغَ بِهِمْ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ يَكِرُّ وَيَكِرُّونَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَعْوَانٌ، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى جَاءَهُ حَجَرٌ عَائِرٌ مِنْ وَرَائِهِ فَأَصَابَهُ فِي قَفَاهُ فَوَقَذَهُ فَارْتَعَشَ سَاعَةً، ثُمَّ وَقَعَ لِوَجْهِهِ، ثُمَّ انْتَهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، وَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، وَشَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَضَرَبَ الرَّجُلَ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى مِرْفَقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ وَمَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْهَضَ حَتَّى كَثَّرُوهُ، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الدَّارِ: وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ قَالَ: وَابْتَدَرُوهُ فَقَتَلُوهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: رَأَيْتُ الْمَنْجَنِيقَ يُرْمَى بِهِ، فَرَعَدَتِ السَّمَاءُ وَبَرَقَتْ، وَاشْتَدَّ الرَّعْدُ، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ وَأَمْسَكُوا، فَجَاءَ الْحَجَّاجُ وَرَفَعَ الْحَجَرُ بِيَدِهِ وَرَمَى مَعَهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ صَاعِقَةٌ تَتْبَعُهَا أُخْرَى، فَقَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابِهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا، فَانْكَسَرَ أَهْلُ الشَّامِ، فَقَالَ الحجاج: لا تنكروا هذا فَهَذِهِ صَوَاعِقَ تِهَامَةَ، ثُمَّ جَاءَتْ صَاعِقَةٌ فَأَصَابَتْ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الْغَدِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَوْمَ قُتِلَ وَقَدْ خَذَلَهُ مَنْ مَعَهُ خِذْلانًا شَدِيدًا، وَجَعَلُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجَّاجِ نَحْوٌ من عشرة آلاف، وقيل: إن مِمَّنْ فَارَقَهُ وَلَعَلَّهُ مِنَ الْجُوعِ ابْنَاهُ حَمْزَةُ وَخُبَيْبٌ، فَخَرَجَا إِلَى الْحَجّاجِ وَطَلَبَا أَمَانًا لِأَنْفُسِهِمَا.
فروى الواقدي عن ابن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: دخل ابن الزبير على أمه فقال: يَا أُمَّهْ خَذَلَنِي النَّاسُ حَتَّى وَلَدَيْ وَأَهْلِي، وَلَمْ يَبْقَ مَعِي إِلا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ دَفْعِ أَكْثَرَ مِنْ صَبْرِ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونِي مَا أَرَدْتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ؟ قَالَتْ: أَنْتَ أَعْلَمُ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَإِلَيْهِ تَدْعُو فَامْضِ لَهُ، فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ، وَلا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ يَتَلَعَّبُ بِهَا غِلْمَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا فَبِئْسَ الْعَبْدُ أَنْتَ، أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَكَ. فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: هَذَا رأيي الَّذِي قُمْتُ بِهِ، مَا -[762]- رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا، وَمَا دَعَانِي إِلَى الْخُرُوجِ إلا الْغَضَبُ لِلَّهِ، فَانْظُرِي فَإِنِّي مَقْتُولٌ، فَلا يَشْتَدُّ حُزْنُكِ، وَسَلِّمِي لِأَمْرِ اللَّهِ، فِي كَلامٍ طويل بينهما.
قال: وَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَحْمِلُ فِيهِمْ كَأَنَّهُ أَسَدٌ فِي أَجَمَةٍ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ، وَبَاتَ لَيْلَةَ الثُّلاثَاءِ سَابِعَ عَشْرَ جُمَادَى الأُولَى وَقَد أَخَذَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ بِالأَبْوَابِ، فَبَاتَ يُصَلِّي عَامَّةَ اللَّيْلِ، ثُمَّ احْتَبَى بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ فَأَغْفَى، ثُمَّ انْتَبَهَ بالفجر، فصلى الصبح فقرأ: ن حَرْفًا حَرْفًا، ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَوْصَى بِالثَّبَاتِ، ثُمَّ حَمَلَ حَتَّى بَلَغَ الْحَجُونَ، فَأُصِيبَ بِآجُرَّةٍ فِي وَجْهِهِ شَجَّتَهُ، فَقَالَ:
وَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا
ثُمَّ تَكَاثَرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَبُعِثَ بِرَأْسِهِ، وَرَأْسَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَعُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ أَنْ نُصِبُوا بِالْمَدِينَةِ. وَاسْتُوسِقَ الأَمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْحَرَمَيْنِ الْحَجّاجَ بْنَ يُوسُفَ، فَنَقَضَ الْكَعْبَةَ الَّتِي مِنْ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَتْ تَشَعَّثَتْ مِنَ الْمَنْجَنِيقِ، وَانْفَلَقَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْمَنْجَنِيقِ فَشَعَّبُوهُ، وَبَنَاهَا الْحَجَّاجُ عَلَى بِنَاءِ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَنْقُضْهَا إِلا مِنْ جِهَةِ الْمِيزَابِ، وَسَدَّ الْبَابَ الَّذِي أَحْدَثَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَكَانِ.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَيْسَارِيَّةَ وَهَزَمَ الرُّومَ.
وَفِيهَا سَارَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي نَحْوِ عَشَرَةِ آلافٍ لِحَرْبِ أَبِي فُدَيْكٍ، فَالْتَقَوْا فَكَانَ عَلَى مَيْمَنَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ أَخُوهُ عُمَرُ بْنُ مُوسَى. فَانْكَسَرَتِ الْمَيْسَرَةُ، وأثخن أميرها بالجراح، وأخذته الْخَوَارِجُ فَأَحْرَقُوهُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ تَنَاخَى الْمُسْلِمُونَ وَحَمَلُوا حَتَّى اسْتَبَاحُوا عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ، وَقُتِلَ أَبُو فُدَيْكٍ وَحَصَرُوهُمْ فِي الْمُشَقِّرِ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى الْحَكَمِ فَقُتِلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْهُمْ نَحْوَ سِتَّةِ آلافٍ، وَأُسِرَ ثَمَانِمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُو فُدَيْكٍ قَدْ أَسَرَ جَارِيَةَ أُمَيَّةَ بْنِ -[763]- عَبْدِ اللَّهِ، فَأَصَابُوهَا وَقَدْ حَبِلَتْ مِنْ أَبِي فُدَيْكٍ.
وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ خَالِدًا عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَضَافَهَا إِلَى أَخِيهِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ.
-سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ. وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ. وَخَرَشَةُ بْنُ الْحُرِّ الْكُوفِيُّ يَتِيمُ عُمَرَ. وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، لَهُ رُؤْيَةٌ. وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ الْجُمَحِيُّ. وَمَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الأَصْبَحِيُّ جَدُّ مَالِكٍ الإِمَامِ. وَأَبُو جُحَيْفَةَ السُّوَائِيُّ.
وَفِيهَا فِي أَوَّلِهَا قِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ تُوُفِّيَ، وَقَدْ ذُكِرَ.
وَفِيهَا سَارَ الْحَجَّاجُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَمَا بَنَى الْبَيْتَ الْحَرَامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ يَتَعَنَّتَ أَهْلَهَا، وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَهُوَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَاسْتَخَفَّ فِيهَا بِبَقَايَا الصَّحَابَةِ وَخَتَمَ فِي أَعْنَاقِهِمْ؛ فَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَمَّنْ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَخْتُومًا فِي يَدِهِ، وَرَأَى أَنَسًا مَخْتُومًا فِي عُنُقِهِ، يُذِلُّهُمْ بِذَلِكَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ أَرْسَلَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصُرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتَ، قَالَ: كَذَبْتَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَخُتِمَ فِي عُنُقِهِ بِرَصَاصٍ.
وَفِيهَا - ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ - وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ حَرْبَ الأَزَارِقَةِ، فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى بِشْرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ أَرَادَ مِنْ جَيْشِ الْعِرَاقِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ رَامَهُرْمُزَ، فَلَقِيَ بِهَا الْخَوَارِجَ، فَخَنْدَقَ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، عَزَلَ بُكَيْرًا خَوْفًا مِنَ افْتِرَاقِ تَمِيمٍ بِخُرَاسَانَ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ ابْنَ عَمِّهِ بَحِيرًا مِنَ الْحَبْسِ، فَالْتَفَّ عَلَى بَحِيرٍ خَلْقٌ، فَخَافَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ قُرَشِيًّا لا يَحْسِدُ وَلا يَتَعَصَّبُ -[764]- عَلَيْهِ، فَفَعَلَ. وَكَانَ أُمَيَّةُ سَيِّدًا شَرِيفًا فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبُكَيْرٍ وَلا لِعُمَّالِهِ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ أن يوليه شرطته، فامتنع، فولاها بَحِيرَ بْنَ وَرْقَاءَ.
وَيُقَالُ: فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ أَبِي فُدَيْكٍ، وَقَدْ مَرَّ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ.
-سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ. وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، وَكُرَيْبُ بْنُ أبرهة الأصبحي أمير الإسكندرية، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأَوْدِيُّ فِيهَا، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَسُلَيْمُ بْنُ عِتْرٍ التُّجِيبِيُّ قَاضِي مِصْرَ وَقَاصُّهَا.
وَفِيهَا وَفَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى أَخِيهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مِصْرَ زِيَادَ بْنَ حُنَاطَةَ التُّجِيبِيَّ، فتُوُفِّيَ زِيَادُ فِي شَوَّالٍ، وَاسْتَخْلَفَ أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَخَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَسُيِّرَ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا بَعْدَ أَنْ وَهَبَ الْبَشِيرُ ثَلاثَةَ آلافِ دِينَارٍ.
قَالَ الْوَليِدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ عَامِلا لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِوِلايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ فِي نَفَرٍ ثَمَانِيَةٍ أَوْ تِسْعَةٍ عَلَى النَّجَائِبِ، فَلَمَّا كُنَّا بِمَاءٍ قَرِيبٍ مِنَ الْكُوفَةِ نَزَلَ فَاخْتَضَبَ وَتَهَيَّأَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثُمَّ رَاحَ مُعْتَمًّا قَدْ أَلْقَى عَذْبَةَ الْعِمَامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مُتَقلَّدًا سَيْفَهُ، حَتَّى نَزَلَ عِنْدَ دَارِ الإِمَارَةِ عِنْدَ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ الأَوَّلِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجُ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فَجَمَعَ بِهِمْ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ، وَقَدِ اشْرَأَبُّوا إِلَيْهِ وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَتَنَاوَلُوا الْحَصَى لِيَقْذِفُوهُ بِهَا، وَقَدْ كَانُوا حَصَبُوا عَامِلا قَبْلَهُ، فَخَرَجَ عنهم، فَسَكَتَ سَكْتَةً أَبْهَتَتْهُمْ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، فَكَانَ بَدْءُ كَلامِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَيَا أَهْلَ النِّفَاقِ، وَاللَّهِ إنْ كَانَ أَمْرُكُمْ لَيَهُمُّنِي قَبْلَ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يبتليكم بي، فأجاب دعوتي، ألا إني أسريت الْبَارِحَةَ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، -[765]- فَاتَّخَذْتُ هَذَا مكَانَهُ - وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ - فَوَاللَّهِ لَأَجُرَّنَّهُ فِيكُمْ جَرَّ الْمَرْأَةِ ذَيْلَهَا، وَلَأفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ. قَالَ يَزِيدُ: فَرَأَيْتُ الْحَصَى مُتَسَاقِطًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ: قُومُوا إِلَى بَيْعتِكُمْ، فَقَامَتِ الْقَبَائِلُ قَبِيلَةً قَبِيلَةً تُبَايِعُ، فَيَقُولُ: مَنْ؟ فَتَقُولُ: بَنُو فُلانٍ، حَتَّى جَاءَتْهُ قَبِيلَةٌ فَقَالَ: مَنْ؟ قَالُوا: النَّخَعُ، قَالَ: مِنْكُمْ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ؟ قَالُوا: أَيُّهَا الأَمِيرُ شَيْخُ كَبِيرٌ، قَالَ: لا بَيْعَةَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرُبُونِ حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ. قَالَ: فَأَتَوُهُ بِهِ مَنْعُوشًا فِي سَرِيرٍ حَتَّى وَضَعُوهُ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَلا لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ الدَّارَ غَيْرَ هَذَا، فَدَعَا بِنَطْعٍ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ الْحَجَّاجَ حِينَ قَدِمَ الْعِرَاقَ، فَبَدَأَ بِالْكُوفَةِ، فَنُودِيَ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالْحَجَّاجُ مُتَقَلِّدٌ قَوْسًا عَرَبِيَّةً وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ حَمْرَاءُ مُتَلَثِّمًا، فَقَعَدَ وَعَرَضَ الْقَوْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى امْتَلأَ الْمَسْجِدُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْنَعُهُ الْعَيُّ، وَأَخَذْتُ فِي يَدِي كَفًّا مِنْ حَصًى أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ وَجْهَهُ، فَقَامَ فَوَضَعَ نِقَابَهُ، وَتَقَلَّدَ قَوْسَهُ، وَقَالَ:
أَنَا ابْنُ جَلا وَطَلاعُ الثَّنَايَا ... مَتَى أَضَعُ العمامة تعرفوني.
إني لأرى رؤوسا قَدْ أينعت وحان قطافها، كأني أنظر إلى الدماء بَيْنَ الْعَمَائِمُ وَاللِّحَى.
لَيْسَ بَعِشَّكِ فَادْرِجِي ... قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشَمِّرِي
هَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ فَاشْتَدِّي زِيَمْ ... قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ
لَيْسَ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلا غَنَمْ ... وَلا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ
قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبي ... أروعَ خَرَّاج من الدَّوِّي
مُهَاجِرٌ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ -[766]- إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَغْمِزُ غَمْزَ التِّينِ، وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وفتشت عن تجربة، وجريت من الْغَايَةِ، فَإِنَّكُمْ يَا أَهْلِ الْعِرَاقِ طَالَمَا أَوْضَعْتُمْ فِي الضَّلالَةِ، وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَ الْغُوَايَةِ، أَمَّا وَاللَّهِ لألحينكم لحي الْعُودَ، وَلأَعَصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلأَقْرَعَنَّكُمْ قَرْعَ الْمَرْوَةِ، وَلأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرَائِبِ الإِبِلِ، أَلا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَثَلَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعُجِمَ عِيدَانُهَا، فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا عُودًا وَأَصْلَبُهَا مَكْسَرًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمُ، فَاسْتَقِيمُوا وَلا يَمِيلَنَّ مِنْكُمْ مَائِلٌ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِذَا قُلْتُ قَوْلا وَفَيْتُ بِهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَنْ بَعْثَ الْمُهَلَّبَ فَلْيَلْحَقْ بِهِ، فَإِنِّي لا أجد أحدا بعد ثالثة إلا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِيَّايَ وَهَذِهِ الزَّرَافَاتِ فَإِنِّي لا أَجِدُ أَحَدًا يَسِيرُ فِي زَرَافَةٍ إِلا سَفَكَتْ دَمَهُ، وَاسْتَحَلْلَتْ مَالَهُ. ثُمَّ نَزَلَ.
رَوَاهُ المبرد بنحوه، عن التوزي، بِإِسْنَادٍ، وَزَادَ فِيهِ: قُمْ يَا غُلامُ فَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ. فَسَكَتُوا، فَقَالَ: اكْفُفْ يَا غُلامُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عليهم فَقَالَ: يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، هَذَا أَدَبُ ابْنِ نِهْيَةَ. أَمَّا وَاللَّهِ لَأُؤَدِّبَنَّكُمْ غَيْرَ هَذَا الأَدَبِ أَوْ لَتَسْتَقِيمُنَّ. اقْرَأْ يَا غُلامُ، فَقَرَأَ قَوْلَهُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ إلا قَالَ: وَعَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّلامُ.
الْعَصْلَبِيُّ: الشَّدِيدُ مِنَ الرِّجَالِ.
وَالسُّوَاقُ الْحُطَمُ: الْعَنِيفِ فِي سَوْقِهِ.
وَالوَضَمِ: كُلُّ شَيْءٍ وَقَيْتَ بِهِ اللَّحْمَ مِنَ الأَرْضِ من خوان وقرمية وغيره.
وَعَجَمْتُ الْعُودَ: إِذَا عَضَضْتُهُ بِأَسْنَانِكَ.
وَالزَّرَافَاتُ: الْجَمَاعَاتُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأَوَّلُ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْحَجَّاجِ بِالْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ -[767]- الْجَارُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ نَدَبَهُمْ إِلَى اللِّحَاقِ بالمهلب، ثم خرج فنزل رستاق آباد وَمَعَهُ وُجُوهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُهَلَّبِ يَوْمَانِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي زَادَكُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فِي أَعْطِيَاتِكُمْ زِيَادَةُ فَاسِقٍ مُنَافِقٍ لَسْتُ أُجِيزُهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ زِيَادَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَذَّبَهُ وَتَوَعَّدَهُ، فَخَرَجَ ابن الجارود على الحجاج، وتابعه خلق، فَقُتِلَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي طَائِفَةٍ مَعَهُ.
وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَإِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ: أَنْ نَاهِضُوا الْخَوَارِجَ، قَالَ: فَنَاهِضُوهُمْ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْ رَامَهُرْمُزَ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَنْدِقَ عَلَى أَصْحَابِكَ فَافْعَلْ، وَخَنْدَقَ الْمُهَلَّبُ عَلَى نَفْسِهِ كَعَادَتِهِ، وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ مِخْنَفٍ: إِنَّمَا خَنْدَقْنَا سُيُوفَنَا، فَرَجَعَ الْخَوَارِجُ لِيُبَيِّتُوا النَّاسَ، فَوَجَدُوا الْمُهَلَّبَ قَدْ أَتْقَنَ أَمْرَ أَصْحَابِهِ، فَمَالُوا نَحْوَ ابْنِ مِخْنَفٍ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، وَثَبَتَ هُوَ فِي طَائِفَةٍ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا، فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ بَدَلَهُ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَتَأَسَّفُوا عَلَى ابْنِ مِخْنَفٍ، وَرَثَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: ثُمَّ فِي ثَالِثِ يَوْمٍ مِنْ مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ الْكُوفَةَ أَتَاهُ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ الْبُرْجُمِيُّ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ... تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ.
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَخِّرُوهُ، أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ فَتَغْزُوهُ بِنَفْسِكَ، وَأمَّا الْخَوَارِجُ الأَزَارِقَةُ فَتَبْعَثْ بَدِيلا، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ بِابْنِهِ فَقَالَ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا ابْنِي مَكَانِي، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فضربت عُنُقُهُ.
وَاسْتَخْلَفَ الْحَجَّاجُ لَمَّا خَرَجَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ يَحُثُّ عَلَى قِتَالِ الأَزَارِقَةِ.
وَفِيهَا خَرَجَ دَاوُدُ بْنُ النُّعْمَانِ الْمَازِنِيِّ بِنَوَاحِي الْبَصْرَةِ، فَوَجَّهَ الحجاج -[768]- لِحَرْبِهِ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ مُتَوَلِّي الْبَصْرَةِ، فَظَفِرَ بِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ:
أَلا فَاذْكُرْنَ دَاوُدَ إِذْ بَاعَ نَفْسَهُ ... وَجَادَ بِهَا يَبْغِي الْجِنَانَ الْعَوَالِيَا.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّومِ بِنَاحِيَةِ مَرْعَشٍ.
وَفِيهَا خَطَبَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ، فَحَدَّثَ أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ قَبْلِي مِنَ الْخُلَفَاءِ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيُؤْكَلُونَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلا بِالسَّيْفِ، وَلَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ - يَعْنِي عُثْمَانَ - وَلا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - وَلا الْخَلِيفَةِ الْمَأْبُونِ - يَعْنِي يَزِيدَ - وَإِنَّمَا نَحْتَمِلُ لَكُمْ مَا لَمْ يَكُنْ عَقْدَ رَايَةٍ، أَوَ وثوب عَلَى مِنْبَرٍ، هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ حَقَّهُ حَقَّهُ وَقَرَابَتَهُ قَرَابَتَهُ، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا، أَلا فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
وَفِيهَا ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَهَا فِي الإِسْلامِ.
وَحَجَّ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَخَطَبَ بِالْمَوْسِمِ غَيْرَ مَرَّةً، وَكَانَ مِنَ الْبُلَغَاءِ الْعُلَمَاءِ الدُّهَاةِ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ سِيرَةَ السُّلْطَانِ تَدُورُ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ ذَهَبَ الْيَوْمَ من يسير بسيرة عمر، أغير عَلَى النَّاسِ فِي بُيُوتِهِمْ، وَقُطِعَتِ السُّبُلُ، وَتَظَالَمَ النَّاسُ، وَكَانَتِ الْفِتَنُ، فَلا بُدَّ لِلْوَالِي أَنْ يسير كل وقت بما يصلحه، نحن نعلم وَاللَّهِ أَنَّا لَسْنَا عِنْدَ اللَّهِ وَلا عِنْدَ النَّاسِ كَهَيْئَةِ عُمَرَ وَلا عُثْمَانَ، وَنَرْجُو خَيْرَ مَا نَحْنُ بِإِزَائِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَواتِ وَالْجِهَادِ وَالْقِيَامِ لِلَّهِ بِالَّذِي يُصْلِحُ دِينَهُ، وَالشِّدَّةِ عَلَى الْمُذْنِبِ، وَحسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
-سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ.
تُوُفِّيَ فِيهَا حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ الْعُرَنِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ.
وَفِيهَا، أَوْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ تُوُفِّيَ سَعِيدُ بْنُ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيُّ الخيواني.
وفيها خرج صالح بن مُسَرِّحٌ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ صَالِحًا نَاسِكًا مُخْبتًا، وَكَانَ يَكُونُ بِدَارَا وَالْمَوْصِلَ، وَلَهُ أَصَحْابٌ يُقْرِئُهُمْ وَيُفَقِّهُهُمْ وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُ -[769]- يَحِطُّ عَلَى الْخَلِيفَتَيْنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ كَدَأْبِ الْخَوَارِجِ، وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا، وَيَقُولُ: تَيَسَّرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ لِجِهَادِ هذه الأحزاب المتحزبة والظلمة، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ، وَلا تَجْزَعُوا مِنَ الْقَتْلِ فِي اللَّهِ، فَإِنَّ الْقَتْلَ أَيْسَرُ مِنَ الْمَوْتِ، وَالْمَوْتُ نَازِلٌ بِكُمْ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ أَتَاهُ كِتَابُ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ شَيْخُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَنْ نَعْدِلَ بِكَ أَحَدًا، وَقَدْ دَعَوْتَنِي فَاسْتَجَبْتُ لَكَ، وَإِنْ أَرَدْتَ تَأْخِيرَ ذَلِكَ أَعْلَمْتَنِي، فَإِنَّ الْآجَالَ غَادِيَةٌ وَرَائِحَةٌ، وَلا آمَنُ أَنْ تَخْتَرِمَنِي الْمَنِيَّةُ وَلَمْ أُجَاهِدِ الظَّالِمِينَ، فَيَا لَهُ غَبْنًا، وَيَا لَهُ فَضْلا مَتْرُوكًا، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِمَّنْ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ اللَّهَ وَرِضْوَانَهُ. فرد عليه الجواب يحضه عَلَى الْمَجِيءِ، فَجَمَعَ شَبِيبٌ قَوْمَهُ، مِنْهُمْ أَخُوهُ مُصَادٌ، وَالْمُحَلَّلُ بْنُ وَائِلٍ الْيَشْكِرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حَجَرٍ الْمُحَلِّمِيُّ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَامِرٍ الذُّهْلِيُّ، وَقَدِمَ عَلَى صَالِحٍ وَهُوَ بِدَارًا، فَتَصَمَّدُوا مِائَةً وَعشْرَةَ أَنْفُسٍ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى خَيْلٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَخَذُوهَا، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ وَأَخَافُوا الْمُسْلِمِينَ.
وَفِيهَا غَزَا حَسَّانُ بْنُ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيُّ إِفْرِيقِيَّةَ وَقَتَلَ الْكَاهِنَةَ.
وَلَمَّا خَرَجَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ بِالْجِزِيرَةِ نُدِبَ لِحَرْبِهِ عَدِيُّ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيُّ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَ عَدِيًّا، فَنُدِبَ لِقِتَالِهِ خَالِدُ بْنُ جَزْءٍ السُّلَمِيُّ، وَالْحَارِثُ الْعَامِرِيُّ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَانْحَازَ صَالِحٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ لِحَرْبِهِ عَسْكَرًا، فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ مَاتَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ مُثْخَنًا بِالْجِرَاحِ فِي جُمَادِي الآخِرَةِ، وَعَهِدَ إِلَى شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ، فَالْتَقَى شَبِيبٌ هُوَ وَسَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ، فَانْهَزَمَ سَوْرَةُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ فَلَقِيَ سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ انْصَرَفَ شَبِيبٌ فَهَجَمَ الْكُوفَةِ، وَقَتَلَ بِهَا أَبَا سُلَيْمٍ مَوْلَى عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَالِدَ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَقَتَلَ بِهَا عَدِيَّ بْنَ عَمْرٍو، وَأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيَّ، ثُمَّ خَرَجَ عَنِ الْكُوفَةِ فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ لِحَرْبِهِ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ الثَّقَفِيَّ ابْنَ عَمِّ الْمُخْتَارِ، فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ، فَالْتَقَوْا بِأَسْفَلِ الْفُرَاتِ، فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ زَائِدَةَ، فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ لِحَرْبِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، فَلَمْ يُقَاتِلْهُ.
وَكَانَ مَعَ شَبِيبِ امْرَأَتُهُ غَزَالَةُ، وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالشَّجَاعَةِ، فَدَخَلَتْ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ تلك المرة وَقَرَأَتْ وِرْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ، -[770]- وَكَانَتْ نَذَرَتْ أَنْ تَصْعَدَ الْمِنْبَرَ فَصَعِدَتْ، ثُمَّ حَارَ الْحَجَّاجُ فِي أَمْرِهِ مَعَ شَبِيبٍ، فَوَجَّهَ لِقِتَالِهِ عُثْمَانَ بْنَ قَطَنٍ الْحَارِثِيَّ، فَالْتَقَوْا فِي آخِرِ الْعَامِ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ وَانْهَزَمَ جَمْعُهُ بَعْدَ أن قتل يومئذ ممن معه ست مائة نَفْسٍ، مِنْهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ كِنْدَةَ، وَقُتِلَ مِنَ الأَعْيَانِ: عَقِيلُ بْنُ شَدَّادٍ السَّلُولِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ نَهِيكٍ الْكِنْدِيُّ، وَالأَبْرَدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْكِنْدِيُّ، واستفحل أمر شبيب، وَتَزَلْزَلَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَوَقَعَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ شَبِيبٍ، وَحَارَ الْحَجَّاجُ، فَكَانَ يَقُولُ: أَعْيَانِي شَبِيبٌ.
-سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ بِمِصْرَ، وَشُرَيْحُ القاضي بالكوفة، وَفِيهِ خِلَافٌ.
وَفِيهَا سَارَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ، فَنَزَلَ الْمَدَائِنَ، فَنَدَبَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِهِ أَهْلَ الْكُوفَةِ كُلَّهُمْ، عَلَيْهِمْ زُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ السَّعْدِيُّ، شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ بَاشَرَ الْحُرُوبَ، وَبَعَثَ إِلَى حَرْبِهِ عبد الملك من الشام سفيان بن الأبرد، وَحَبِيبًا الْحَكَمِيَّ فِي سِتَّةِ آلافٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ عَلَى الْحَجَّاجِ مُسْتَعْفِيًا مِنْ عِشْرَةِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَاسْتَعْمَلَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَلِجَمْعِ جَمِيعِ الْجَيْشِ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَعَرَضَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ جُنْدَهُ بِالْمَدَائِنِ، فَكَانُوا أَلْفَ رَجُلٍ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَنْصُرُكُمْ وَأَنْتُمْ مِائَةٌ أَوْ مِائَتَانِ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ مِئُونٌ.
ثُمَّ رَكِبَ، فَأَخَذُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْهُ وَيَتَأَخَّرُونَ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ تَكَامَلَ مَعَ شَبِيبٍ ست مائة، فَحَمَلَ فِي مِائَتَيْنِ عَلَى مَيِسرَةِ النَّاسِ فَانْهَزَمُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَعَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ جَالِسٌ هُوَ وَزُهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ عَلَى طِنْفَسَةٍ فِي الْقَلْبِ، فَقَالَ عَتَّابٌ: هَذَا يَوْمٌ كَثُرَ فِيهِ الْعَدَدُ وقل فيه الغنى، والهفي على خمسة مائة مِنْ رِجَالِ تَمِيمٍ.
وَتَفَرَّقَ عَنْ عَتَّابٍ عَامَّةُ الْجَيْشِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ شَبِيبٌ، فَقَاتَلَ عَتَّابٌ سَاعَةً وَقُتِلَ، وَوَطِئَتِ الْخَيْلُ زُهْرَةُ فَهَلَكَ، فَتَوَجَّعَ لَهُ شَبِيبٌ لَمَّا رَآهُ صَرِيعًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ لَمُنْذُ اللَّيْلَةِ لَمُتَوَجِّعٌ لِرَجُلٍ مِنَ الْكَافِرِينَ؟ قَالَ: إنك لست أعرف بصلاتهم مني، إني أعرف من قديم -[771]- أمرهم ما لا تَعْرِفُ، لَوْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ كَانُوا إِخْوَانَنَا. وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ: عَمَّارُ بْنُ يَزِيدَ الْكَلْبِيُّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: ارْفَعُوا عَنْهُمُ السَّيْفَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَاعَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ هَرَبُوا لَيْلا.
هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ جَيْشُ الشَّامِ، فَتَوَجَّهَ شَبِيبٌ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا عَسْكَرُ الشَّامِ، فَشَدُّوا ظَهْرَ الْحَجَّاجِ وَانْتَعَشَ بِهِمْ، وَاسْتَغْنَى بِهِمْ عَنْ عَسْكَرِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لا أعز الله بكم مَنْ أَرَادَ بِكُمُ الْعِزَّ، الْحَقُوا بِالْحِيرَةِ، فَانْزِلُوا مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلا تُقَاتِلُوا مَعَنَا، وَحَنَقَ بهم، وهذا مما يزيد فِيهِ بُغْضًا.
ثُمَّ إِنَّهُ وَجَّهَ الْحَارِثَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيَّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ فِي الْكَشْفِ، فَالْتَمَسَ شَبِيبٌ غَفْلَتَهُمْ وَالْتَقَوْا، فَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ شَبِيبٌ فَنَازَلَ الْكُوفَةَ، وَحَفِظَ النَّاسُ السِّكَكَ، وَبَنَى شَبِيبٌ مَسْجِدًا بِطَرَفِ السَّبْخَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْوَرْدِ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي عِدَّةِ غِلْمَانٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ خَرَجَ طُهْمَانَ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي طَائِفَةٍ، فَقَتَلَهُ شَبِيبٍ.
ثُمَّ أَنَّ الْحَجَّاجَ خَرَجَ مِنْ قَصْرِ الْكُوفَةِ، فَرَكِبَ بَغْلا، وَخَرَجَ فِي جَيْشِ الشَّامِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ نَزَلَ الْحَجَّاجُ وَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيٍّ، ثُمَّ نَادَى: يَا أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ أَهْلُ السَّمَعِ وَالطَّاعَةِ وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، لا يَغْلِبَنَّ بَاطِلُ هَؤُلاءِ حَقَّكُمْ، غُضُّوا الأَبْصَارَ، وَاجْثُوا عَلَى الرَّكْبِ، وَأَشْرِعُوا إِلَيْهِمْ بِالأَسِنَّةِ. وكان شبيب في ست مائة، فَجَعَلَ مِائَتَيْنِ مَعَهُ كُرْدُوسًا، وَمِائَتَيْنِ مَعَ سُوَيْدِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَمِائَتَيْنِ مَعَ الْمُحَلَّلِ بْنِ وَائِلٍ، فَحَمَلَ سُوَيْدٌ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِذَا غُشِيَ أَطْرَافُ الأسِنَّةِ وَثَبُوا فِي وُجُوهِهِمْ يَطْعَنُوهُمْ قُدُمًا قُدُمًا، فَانْصَرَفُوا، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ بِتَقْدِيمِ كُرْسِيَّةٍ، وَصَاحَ فِي أصحابه فحمل عليهم شبيب، فثبتوا، وطال القتال، فلما رَأَى شَبِيبٌ صَبْرَهُمْ نَادَى: يَا سُوَيْدُ احْمِلْ على أهل هذا السِّكَّةِ لَعَلَّكَ تُزِيلُ أَهْلَهَا عَنْهَا، فَتَأْتِي الْحَجَّاجَ مِنْ وَرَائِهِ وَنَحْنُ مِنْ أَمَامِهِ، فَحَمَلَ سُوَيْدٌ عَلَى أَهْلِ السِّكَّةِ، فَرُمِيَ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ، فَرُدَّ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ لَقِيطٍ الْخَارِجِيُّ، قَالَ: فَقَالَ لَنَا شَبِيبٌ يَوْمَئِذٍ: يَا أَهْلَ الإِسْلامِ، إِنَّمَا شَرَيْنَا اللَّهَ، وَمَنْ شَرَى اللَّهَ لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ -[772]- مَا أَصَابَهُ، شَدَّةٌ كَشَدَّاتِكُمْ فِي مَوَاطِنِكُمُ الْمَعْرُوفَةِ، وَحَمَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَوَثَبَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ طَعْنًا وَضَرْبًا، فَنَزَلَ شَبِيبٌ وَقَوْمُهُ، فَصَعِدَ الْحَجَّاجُ عَلَى مَسْجِدِ شَبِيبٍ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ رَجُلا، وَقَالَ: إِذَا دَنَوْا فَارْشِقُوهُمْ بِالنَّبْلِ، فَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ النَّهَارِ أَشَدَّ قِتَالٍ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ، ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ قَالَ لِلْحَجَّاجِ: ائْذَنْ لِي فِي قِتَالِهِمْ، فَإِنِّي مَوْتُورٌ وَمِمَّنْ لا يُتَّهَمُ فِي نَصِيحَةٍ، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ فِي عِصَابَةٍ وَدَارَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقُتِلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ، وَغَزَالَةُ أَمْرَأَةُ شَبِيبٍ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ فِي عَسْكَرِهِ. فَوَثَبَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى خُيُولِهِمْ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: احْمِلُوا عليهم فقد انرعبوا، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَتَأَخَّرَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ قومه، فذكر من كان مع شَبِيبٌ أَنَّهُ جَعَلَ يَنْعَسُ وَيَخْفُقُ بِرَأْسِهِ وَخَلْفَهُ الطَّلَبُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْتَفِتْ فَانْظُرْ مَنْ خَلْفَكَ، فَالْتَفَتَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ثُمَّ أَكَبَّ يَخْفِقُ، ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ دَنَوْا، فَالْتَفَتَ ثُمَّ أَقْبَلَ يَخْفِقُ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى خَيْلِهِ أَنْ دَعُوهُ فِي حَرْقِ النَّارِ، فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا، وَمَرَّ أَصْحَابُ شَبِيبٍ بِعَامِلٍ لِلْحَجَّاجِ عَلَى بَلَدٍ بِالسَّوَادِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا بِالْمَالِ عَلَى دَابَّةٍ فَسَبَّهُمْ شَبِيبٌ عَلَى مَجِيئِهِمْ بِالْمَالِ، وَقَالَ: اشْتَغَلْتُمْ بِالدُّنْيَا، ثُمَّ رَمَى بِالْمَالِ فِي الْفُرَاتِ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الأَهْوَازِ وَبِهَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ لِقِتَالِهِ وَسَأَلَ مُحَمَّدٌ الْمُبَارَزَةَ، فَبَارَزَهُ شَبِيبٌ وَقَتَلَهُ، وَمَضَى إِلَى كِرْمَانَ فَأَقَامَ شَهْرَيْنِ وَرَجَعَ إِلَى الأَهْوَازِ فَنَدَبَ لَهُ الْحَجَّاجِ مُقَدَّمِي جَيْشِ الشَّامِ: سُفْيَانَ بْنَ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيَّ، وَحَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيَّ، فَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ دُجَيْلٍ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ ذَهَبَ شَبِيبٌ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى جِسْرِ دُجَيْلٍ قَطَعَ الْجِسْرَ، فَوَقَعَ شَبِيبٌ وَغَرِقَ، وَقِيلَ: نَفَرَ به فرسه فألقاه في الماء وعليه الحديد، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَغَرْقًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: {{ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}} فَأَلْقَاهُ دُجَيْلٌ إِلَى سَاحِلِهِ مَيِّتًا، فَحُمِلَ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ بِهِ فَشَقَّ بَطْنَهُ، وَأَخْرَجَ -[773]- قَلْبَهُ، فَإِذَا هُوَ كَالْحَجَرِ، إِذَا ضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ نَبَا عَنْهَا، فَشَقُّوهِ فَإِذَا فِي دَاخِلِهِ قَلْبٌ صَغِيرٌ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي " تَارِيخِهِ ": ثُمَّ أَنْفَقَ الْحَجَّاجُ الأَمْوَالَ، وَوَجَّهَ سُفْيَانَ بن الأبرد فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، قَالَ: وَأَقَامَ شَبِيبٌ بِكِرْمَانَ، حَتَّى إِذَا انْجَبَرَ وَاسْتَرَاشَ كَرَّ رَاجِعًا، فَيَسْتَقْبِلُهُ ابن الأبرد بِجِسْرِ دُجَيْلٍ، فَالْتَقَيَا فَعَبَرَ شَبِيبٌ إِلَى ابْنِ الأبرد فِي ثَلاثَةِ كَرَادِيسَ، فَاقْتَتَلُوا أَكْثَرَ النَّهَارِ، وَثَبَتَ الْفَرِيقَانِ، وَكَرَّ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ كَرَّةً، وَابْنُ الأَبْرَدِ ثَابِتٍ، ثُمَّ آلَ أَمْرُهُمْ إلى أن ازدحموا عند الجسر، فنطر شَبِيبٌ أَصْحَابَ ابْنِ الأَبْرَدِ إِلَى الْجِسْرِ، وَنَزَلَ فِي نَحْوِ مِائَةٍ، فَتَقَاتَلُوا إِلَى اللَّيْلِ قِتَالا عَظِيمًا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا.
وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي فَرْوَةُ، قَالَ: مَا هُوَ إِلا أَنِ انْتَهَيْنَا إِلَى الْجِسْرِ، فَعَبَرَنَا شَبِيبٌ فِي الظُّلْمَةِ وَتَخَلَّفَ في أخرانا، فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجْرَةٌ فَنَزَا فَرَسُهُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَلَى الْجِسْرِ، فَاضْطَرَبَتِ الْمَاذَيانَةُ وَنَزَلَ حَافِرُ الْفَرَسِ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَزَلَ بِهِ فِي الْمَاءِ فَلَمَّا سَقَطَ قَالَ: {{لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا}} فَانْغَمَسَ ثُمَّ ارْتَفَعَ، فَقَالَ: {{ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}}.
قَالَ: وَقِيلَ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ قَدْ أَصَابَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَأَبْغَضُوهُ، فَلَمَّا تَخَلَّفَ فِي السَّاقَةِ اشْتَوَرُوا، فَقَالُوا: نَقْطَعُ بِهِ الْجِسْرُ، فَفَعَلُوا، فَمَالَتِ السُّفُنُ، وَنَفَرَ فَرَسُهُ فَسَقَطَ وَغَرِقَ. ثُمَّ تَنَادَوْا بَيْنَهُمْ: غَرِقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوهُ وَعَلَيْهِ الدِّرْعُ.
قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَسَمِعْتُهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ شُقَّ بَطْنُهُ فَأُخْرِجَ قَلْبُهُ، فَكَانَ مُجْتَمِعًا صُلْبًا، كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يُضْرَبُ بِهِ الأَرْضُ فَيَثِبُ قَامَةَ الإِنْسَانِ. وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ أَخْبَارِهِ أَيْضًا.
وَفِيهَا أَمْرُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بِجَامِعِ مِصْرَ، فَهُدِمَ وَزَيْدُ فِيهِ مِنْ جهاته -[774]- الأربع.
وأمر ببناء حصن الإسكندرية، وَكَانَ مَهْدُومًا مُنْذُ فَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هِرْقَلَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ دَاخِلَ بِلادِ الرُّومِ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
وَفِيهَا وَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأُمَوِيُّ بِسِجِسْتَانَ، فَأُخِذَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، فَأَعْطَى مَالا حَتَّى خَلَّوْا عَنْهُ، فَعَزَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَوَجَّهَ مَكَانَهُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
-سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو الْمِقْدَامِ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: فِيهَا أَمَّرَ الْحَجَّاجُ عَلَى سِجِسْتَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيَّ، فَوَجَّهَ عُبَيْدُ الله أبا برذعة فَأَخَذَ عَلَيْهِ الْمَضِيقَ، وَقُتِلَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ الْحَارِثِيُّ، وَأَصَابَ الْعَسْكَرَ ضِيقٌ وَجُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى هَلَكَ عَامَّتُهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَلاكَ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ قِيلَ: فِي هَلاكِ قَطْرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ هِلالٍ. وعبد ربه الكبير، رؤوس الْخَوَارِجِ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: فِيهَا وَلِيَ خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: فِيهَا غزوة مُحْرِزُ بْنُ أَبِي مُحْرِزٍ أَرْضَ الرُّومِ وَفَتَحَ أَزْقَلَةَ، فَلَمَّا قَفَلَ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ شَدِيدٌ مِنْ وَرَاءِ دَرْبِ الْحَدَثِ، فَأُصِيبَ فِيهِ نَاسٌ كَثِيرٌ.
وفيها قتل سليمان بن كندير القتيري، قَتَلَهُ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ. -[775]-
وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ وَوَقَعَاتٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَالْمَغْرِبِ، وَوَلِيَ فِيهَا إِمْرَةَ الْمَغْرِبِ كُلِّهِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ اللَّخْمِيُّ، فَسَارَ إِلَى طَنْجَةَ وَقَدِمَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ الصَّدَفِيُّ، مَوْلاهُمُ، الَّذِي افْتَتَحَ الأَنْدَلُسَ، وَأَصَابَ فِيهَا الْمَائِدَةَ الَّتِي يَتَحَدَّثُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهَا مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ.
وَفِيهَا وَثَبَتِ الرُّومُ عَلَى مَلِكِهِمْ فَخَلَعَتْهُ وَقَطَعَتْ أَنْفَهُ وَنَفَتْهُ إِلَى بَعْضِ الْجَزَائِرِ. قَالَهُ الْمُسَبِّحِيُّ.
وَفِيهَا فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنْ بِنَاءِ وَاسِطَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا وَسَطٌ مَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَقِيلَ: بُنِيَتْ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَمَانِينَ.
-سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ بسِجِسْتَانَ، وَقَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ بِطَبَرِسْتَانَ، بِخُلْفٍ فِيهِ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ مُحَمَّدَ بن صعصة الْكِلابِيِّ وَضَمَّ إِلَيْهِ عُمَانَ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الرَّيَّانُ النُّكْرِيُّ، فَهَرَبَ مُحَمَّدٌ وَرَكِبَ الْبَحْرَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ.
وَفِيهَا وَلَّى الْحَجَّاجُ هَارُونَ بْنَ ذِرَاعٍ النَّمَرِيَّ ثَغْرَ الْهِنْدِ وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ الْعِلافِيِّينَ، وَهُمَا مُحَمَّدٌ وَمُعَاوِيَةُ ابْنَا الْحَارِثِ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَا قَدْ قَتَلَا عَامِلَ الْحَجَّاجِ هُنَاكَ، فَظَفِرَ هَارُونُ بِأَحَدِهِمَا فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ الآخَرُ.
وَفِيهَا غَزَا الْوَلِيدُ ابْنُ أميرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ، فَغَنِمَ وَسَبَى.
وَقَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: أَوَّلُ قَبِيلٍ غَزَاهُمْ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنَ الْبَرْبَرِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُقْبَةَ بْنَ نافع، فسار إليهم بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ وَسَبَى، وَهَرَبَ مَلِكُهُمْ كُسَيْلَةُ، يُقَالُ: بَلَغَ سَبْيُهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وفيها أصحاب أَهْلَ الشَّامِ الطَّاعُونُ حَتَّى كَادُوا يَفْنَوْنَ مِنْ شِدَّتِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهَا كَانَ مَصْرَعُ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ وَاسْمُ الْفُجَاءَةِ جَعُونَةُ -[776]- ابْنُ مَازِنِ بْنِ يَزِيدَ التَّمِيمِيُّ الْمَازِنِيُّ أَبُو نَعَامَةَ، خَرَجَ فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبَقِيَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يُقَاتِلُ وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ وَبِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى بِلادِ فارس، وَوَقَائِعَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَدْ ذَكَرَ مِنْهَا الْمُبَرِّدُ قِطْعَةً فِي كَامِلِهِ، وَقَدْ سَيَّرَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِهِ جَيْشًا بَعْدَ جَيْشٍ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَرَجَ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ عَلَى فَرَسٍ أَعْجَفَ، وَبِيَدِهِ عَمُودٌ خَشَبٌ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَشَفَ قَطَرِيٌّ وَجْهَهُ، فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: لا يَسْتَحْيِ الإِنْسَانُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ مِثْلِكَ.
تَوَجَّهَ لِقِتَالِهِ سُفْيَانُ بْنُ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ وَظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: بَلْ عَثَرَتْ بِهِ فَرَسُهُ فَانْدَقَّتْ فَخْذُهُ، فَلِذَلِكَ ظَفِرُوا بِهِ بِطَبَرِسْتَانَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ: إِنَّ الذي قتله سورة بن أبجر الدَّارِمِيُّ.
وَكَانَ قَطَرِيٌّ مَعَ شَجَاعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ وَإِقْدَامِهِ مِنْ خُطَبَاءِ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ بِالْبَلاغَةِ وَالشِّعْرِ، وَلَهُ أبيات مذكورة في الحماسة.
-سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فيها مات: إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الأُمَوِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الْبَصْرِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ الْحَاجِبُ، وَسَعِيدُ بْنُ حُسَيْنٍ الأَزْدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَبُو السِّوَارِ الْمَدَنِيُّ بِمِصْرَ، رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَكِّيُّ، وعبد الله ابن الْخَلِيفَةِ مَرْوَانَ الأُمَوِيُّ فِي السِّجْنِ، وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتِ الْكُوفِيُّ، وَغِطْرِيفِ بْنِ عَطَاءٍ مُتَوَلِّي الْيَمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ الْجُعْفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمُعَيْطِيُّ إِمَامُ مَسْجِدِ حَرَّانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ بِخُلْفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ الأَنْصَارِيُّ الْحِمْصِيُّ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ في قول، وموسى الهادي ابن المهدي الخليفة، وأبو معشر نجيج السِّنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو جَزْءٍ الْقَصَّابُ نَصْرُ بْنُ طَرِيفٍ، وَيَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الأَزْدِيُّ مُتَوَلِّي إِفْرِيقِيَّةِ.
وَفِيهَا: وُلِدَ الْمَأْمُونُ، وَالأَمِينُ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، وَدُحَيْمٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى.
وَفِيهَا هَلَكَ الْخَلِيفَةُ مُوسَى الْهَادِي مِنْ قُرْحَةٍ أَصَابَتْهُ فِي جَوْفِهِ، وَقِيلَ: سَمَّتْهُ أمُّه الْخَيْزُرَان لَمَّا أَجْمَعَ قَتْلَ أَخِيهِ الرَّشِيدِ، وَكَانَتْ أَيْضًا حَاكِمَةً مُسْتَبِدَّةً بِالأُمُورِ الْكِبَارِ فَمَنَعَهَا، وَقَدْ كَانَتِ المواكب تغدو إلى بابها، فزجرهم عن ذلك، وكلمها بكلام فج، وقال: لئن وَقَفَ بِدَارِكِ أَمِيرٌ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، أَمَا لَكِ مغزل يشغلك، أَوْ مُصْحَفٌ يُذَكِّرُكِ، أَوْ سِبْحَةٌ؟ فَقَامَتْ مَا تَعْقِلُ مِنَ الْغَضَبِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهَا بِطَعَامٍ مَسْمُومٍ، فَأَطْعَمَتْ مِنْهُ كَلْبًا فَانْتَثَرَ، فَعَمِلَتْ عَلَى قَتْلِهِ لَمَّا وَعِكَ، بِأَنْ غَمُّوا وَجْهَهُ بِبِسَاطٍ جَلَسُوا عَلَى جَوَانِبِهِ، وَكَانَ يُرِيدُ إِهْلاكَ الرَّشِيدِ لِيُوَلِّيَ الْعَهْدَ وَلَدَهُ، صَغِيرٌ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بعيساباذ مات فِي نِصْفِ رَبِيعٍ الآخِرِ، وَكَانَتْ خِلافَتُهُ سَنَةً وَرُبْعًا، وَعَاشَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَلَّفَ سَبْعَةَ بَنِينَ، وَأَفْضَتِ الْخِلافَةُ إِلَى وَلِيِّ الْعَهْدِ بَعْدَهُ أَخِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ.

-سنة إحدى وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ الْمَدِينِيُّ، وَحِبَّانُ بْنُ عَلِيٍّ بِخُلْفٍ، وَخَدِيجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَأَبُو المنذر سلام القارئ، وعبد الله بن عمر العمري المديني، وعبد الرحمن ابن الْغَسِيلِ، وَعَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْبَصْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ ميمون بن الرَّمَّاحُ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الْبَصْرِيُّ بِخُلْفٍ، وَيَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو شِهَابٍ الحناط عبد ربه بن نافع فِيهَا أَوْ فِي الآتِيَةِ.
وَفِيهَا قَدِمَ الأَمِيرُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ مَعْزُولا عَنْ نِيَابَةِ خُرَاسَانَ، فَصَيَّرَهُ الرَّشِيدُ عَلَى خَتْمِ الخلافة، فلم يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ، فَدَفَعَ الْخَاتَمَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ مَعَ الْوِزَارَةِ.
وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ أَبَا حَنِيفَةَ بْنَ قَيْسٍ فَضَرَبَ عُنقَ أَمِيرِ الْجَزِيرَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُحَمَّدِ بْنِ فَرُّوخٍ.
وَفِيهَا أَخْرَجَ هَارُونُ الرَّشِيدُ مَنْ كَانَ بِبَغْدَادَ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، سِوَى الْعَبَّاسِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ابن الإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُوهُ حسن فيمن أُخْرِجَ.
وَفِي رَمَضانَ سَافَرَتِ السَّيِّدَةُ الْخَيْزُرَانُ لِلْحَجِّ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَقَامَتِ الْخَيْزُرَانُ بِمَكَّةَ نَحْوَ الشَّهْرِ.

-ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فَمَاتَ فِيهَا: الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ أَخُو أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِالْكُوفَةِ، وَرَوْحُ بْنُ مُسَافِرٍ الْبَصْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ بِخُلْفٍ، وَصَاحِبُ الأَنْدَلُسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ الأُمَوِيُّ، وَابْنُ عَمِّ الْمَنْصُورِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنُ عَمِّهِ الآخَرُ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ بِخُلْفٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُغِيرَةَ الْمِصْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنُ كُهَيْلٍ بخلف. -[570]-
وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدَ بْنَ مزيد الشيباني، وأمر عليها عبيد الله ابن المهدي.
وحج بالناس يعقوب ابن الْمَنْصُورِ.

-سنة ثلاث وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
مَاتَ فِيهَا: إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا الْخُلْقَانِيُّ، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، وَأُمُّ الرَّشِيدِ الْخَيْزُرَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ، وَسَلامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، وَالسَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ الشَّاعِرُ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَطُلَيْبُ بْنُ كَامِلٍ اللَّخْمِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الموال مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَالأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَاضِي مَرْوٍ نُوحٌ الْجَامِعُ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ هَارُونُ الرَّشِيدُ.
وَعُزِلَ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْعَثَ، وَأُمِّرَ وَلَدُ الْمَعْزُولِ الْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ.

-ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فَمَاتَ: بَكْرُ بْنُ مُضَرٍ الْمِصْرِيُّ، وَالأَمِيرُ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَقَاضِي مِصْرَ، وَعَالِمُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، وَنُعَيْمُ بْنُ ميسرة النحوي، وَيَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ بِخُلْفٍ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَيْضًا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.

-ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-وَدَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فمات فيها: حزم بن أبي حزم الْقُطَعِيُّ، وَالْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ الْوَاسِطِيُّ، وَالْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، فِيمَا قِيلَ وَقَدْ مَرَّ، وَخَشَّافٌ الْكُوفِيُّ صاحب اللغة، وَالْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ الْمَسْعُودِيُّ الْكُوفِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَقِيهُ مِصْرَ، وَالْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ فِي قَوْلٍ.
وَفِيهَا كَانَ عَقْدُ الْبَيْعَةِ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ لابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ مُحَمَّدٍ، وَلُقِّبَ بِالأَمِينِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُ سِنِينَ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلُ وَهْنٍ جَرَى فِي دَوْلَةِ الإِسْلامِ مِنْ حَيْثُ الإِمَامَةِ، حرصت أمه زبيدة بنت جعفر ابن المنصور حتى تم ذلك، وأرضوا العساكر بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ، فَسَكَتُوا. -[571]-
وَفِيهَا صَارَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْعَلَوِيُّ إِلَى بِلادِ الدَّيْلَمِ، ثُمَّ تَحَرَّكَ هُنَاكَ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَطَلَبَ الْخِلافَةَ، وَأَسْرَعَ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ مِنَ الأَمْصَارِ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ الرَّشِيدُ وَأُبْلِسَ، وَاشْتُغِلَ عَنِ الشُّرْبِ وَاللَّهْوِ، وَنَدَبَ لِحَرْبِهِ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الخراسانية وغيرهم، وفرق فيهم الذَّهَبَ الْعَظِيمَ، فَانْحَلَّتْ عَزَائِمُ يَحْيَى الْمَذْكُورِ، وَطَلَبَ الصُّلْحَ وَالأَمَانَ، فَسُرَّ بذَلِكَ الرَّشِيدُ، وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْكِبَارَ، وَنَفَّذَهُ مَعَ تُحَفٍ وَهَدَايَا وَمَالٍ جَلِيلٍ، فَفَرِحَ يَحْيَى وَاطْمَأَنَّ، وَوَفَدَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ وَعَطَايَاهُ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدُ سَجَنَهُ، فَاعْتَلَّ، فَقِيلَ: سُقِيَ السُّمَّ، وَلَمْ يَصِحُّ، وَيُقَالُ: حَبَسَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيُطْلِقُهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي وَصَلَ إِلَى يَحْيَى بن عبد الله من الرشيد أربع مائة أَلْفِ دِينَارٍ.
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ افْتَرَى عَلَيْهِ لِبُغْضِهِ لِلطَّالِبِيَّةِ، وَزَعَمَ أنَّهُ طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ، فَبَاهَلَهُ يَحْيَى بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ وَقَامَ، فَمَاتَ الزُّبَيْرِيُّ لِيَوْمِهِ، وَكَانَ يَحْيَى طَلَبَ مُبَاهَلَتَهُ، وَشَبَّكَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَقَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ لَمْ يَدْعُنِي إِلَى الْخِلافِ وَالْخُرُوجِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا، فَكِلْنِي إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي وَاسْخَتْنِي بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَتَلَجْلَجَ الزُّبَيْرِيُّ وَقَالَهَا، وَلَمَّا قَالَ يَحْيَى مِثْلَهُ مَا تَلَجْلَجَ.
وَفِيهَا هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بِالشَّامِ بَيْنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، وَكَانَ كَبِيرُ النَّزَارِيَّةِ يَوْمَئِذٍ الأَمِيرُ أَبُو الْهَيْذَامِ الْمُرِّيُّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ عَلَى إِمْرَةِ الشَّامِ مُوسَى ابْنُ وَلِيِّ الْعَهْدِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَاسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الشَّامِ مُوسَى بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ، فَقَدِمَ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ.
وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَنْ خُرَاسَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا خَالَهُ الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ، وَأَمَّرَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ.

-سنة ست وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: أَبُو وَكِيعٍ الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ الرُّؤَاسِيُّ، وَالْقَاضِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ، وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ بخلف، وصالح ابن الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَفِيهَا هَاجَ الْحَرْبُ بِالشَّامِ بَيْنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالْقَيْسِيَّةِ، وَاشْتَدَّ الْخَطْبُ، وَنَشَأَتْ -[572]- بَيْنَهُمْ أَحْقَادٌ وَإِحَنٌ إِلَى وَقْتِنَا، وَبَقِيَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ دِمَاءٌ يَهِيجُونَ لَهَا كُلَّ حِينٍ.
وَفِيهَا فُتِحَتْ مَدِينَةُ دِبْسَةُ، وَلَهَا قِصَّةٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، افْتَتَحَهَا الأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيُّ، وَمَعَهُ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ.

-سنة سبع وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الْمَدِينِيُّ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الزَّاهِدُ فِيمَا قِيلَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ الْحَرَّانِيُّ، وَهَيَّاجُ بْنُ بِسْطَامٍ الْهَرَوِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ الْيَشْكُرِيُّ مُعْتِقُ أَبِي عَوَانَةَ.
وفيها عزل الرشيد جعفرا الْبَرْمَكِيَّ عَنْ مِصْرَ بِإِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَعَزَلَ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلاهَا الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ، مَعَ سِجِسْتَانَ وَالرِّيِّ.
وَفِيهَا حَجَّ الرَّشِيدُ بِالنَّاسِ.

-سنة ثمان وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ الْكُوفِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، وَخَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَالصَّحِيحُ قَبْلَ هَذَا بِعَشْرِ سِنِينَ، وَعُلَيْلَةُ بْنُ بَدْرٍ الْبَصْرِيُّ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَبُو عَلِيٍّ الْمَدِينِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِالْمِصِّيصَةِ، وَمُفَضَّلُ بْنُ يُونُسَ، يُقَالُ فِيهَا.
وَفِيهَا هَاجَتِ الْحَوْفِيَّةُ بِدِيَارِ مِصْرَ مِنْ قَيْسٍ وَقُضَاعَةَ، فَوَثَبُوا بِنَائِبِ الرَّشِيدِ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ فَقَاتَلُوهُ، فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ جَيْشًا مَعَ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ فَخَمَدَتِ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ وَلَّى مِصْرَ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ، ثُمَّ عُزِلَ بَعْدَ شَهْرٍ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ الْهَاشِمِيِّ.
وَفِيهَا وَثَبَتْ أهل المغرب فقتلوا متولي إفريقية الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبيَّ، وَطَرَدُوا مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ، فَبَادَرَ إِلَيْهَا هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ، وَكَانَ شُجَاعًا مَهِيبًا، فَذَلُّوا وَأَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ.
وَفِيهَا فَوَّضَ الرَّشِيدُ جَمِيعَ أُمُورِ مَمَالِكِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الشَّارِي مُحَكِّمًا، يَعْنِي قَالَ: لا -[573]- حُكْمَ إِلا لِلَّهِ، وَفَتَكَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمةَ بِنَصِيبِينَ، وَسَارَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِهِ.
وَفِيهَا سَارَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ إِلَى خُرَاسَانَ فَعَدَلَ فِي النَّاسِ، وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَتَهَيَّأَ لِلْجِهَادِ فَغَزَا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَاسْتَخْدَمَ جَيْشًا عَظِيمًا، وَفِيهِ يَقُولُ مروان ابن أَبِي حَفْصَةَ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْجُودَ مِنْ لَدُنِ آدَمَ ... تَحَدَّرَ حَتَّى صَارَ فِي رَاحَةِ الفضل
إذا ما بنو العباس رامت سَمَاؤُهُمْ ... فَيَا لَكَ مِنْ هَطْلٍ وَيَا لَكَ مِنْ وَبْلِ
وَلِمَرْوَانَ فِيهِ عِدَّةُ قَصَائِدَ فِي هذه الغزاة، فنال من الفضل سبع مائة أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الأَمِيرَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ جِبْرِيلَ سَارَ مَعَ الْفَضْلِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَعَقَدَ لَهُ عَلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى كَابُلَ فَغَزَا وَفَتَحَ وَغَنِمَ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةُ آلافِ أَلْفٍ، فَلَمَّا رَجَعَ الْفَضْلُ مِنْ خُرَاسَانَ بَعْدَ أَنْ مَهَّدَهَا تَلَقَّاهُ الرَّشِيدُ وَالدَّوْلَةُ، فَكَانَ رُبَّمَا وَصَلَ الرَّجُلَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وبخمس مائة أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ سَخِيًّا.

-سنة تسع وسبعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الأَشْعَرِيُّ الْحِمْصِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الإِمَامُ، وَفَقِيهُ دِمَشْقَ هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْخَارِجِيُّ، وَأَبُو الأَحْوَصُ سَلامُ بْنُ سليم.
وفيها ولي إمرة خُرَاسَانَ مَنْصُورُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورِ الْحِمْيَرِيُّ.
وَفِيهَا رَجَعَ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الشَّارِي بِجُمُوعِهِ مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَقَدِ اشْتَدَّتْ بَلِيَّتُهُ، وَكَثُرَ جَيْشُهُ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدَ الشَّيْبَانِيُّ، فَرَاوَغَهُ يَزِيدُ ثُمَّ الْتَقَاهُ عَلَى غرة بقرب هيت، فظفر به فَقَتَلَهُ وَمَزَّقَ جَمْعَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ الْفَارِعَةُ أخت الوليد:
أيا شجر الخابور ما لك مُورِقًا ... كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ
فَتًى لا يُحِبُّ الزَّادَ إِلا مِنَ التُّقَى ... وَلا الْمَالَ إِلا مِنْ قِنًى وَسُيُوفِ
حَلِيفُ النَّدَى مَا عَاشَ يَرْضَى بِهِ النَّدَى ... فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَرْضَ النَّدَى بِحَلِيَفِ
أَلا يَا لِقَوْمِي لِلْحِمَامِ وَلِلْبِلَى ... وَلِلأَرْضِ هَمَّتْ بَعْدَهُ بِرُجُوفِ
أَلا يَا لِقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالرَّدَى ... وَدَهْرٍ مُلِحٍّ بالكلام عنيف -[574]-
فَإِنْ يَكُ أَرْدَاهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ ... فَرُبَّ زحوف لفها بزحوف
عَلَيْكَ سَلامُ اللَّهِ وَقْفًا فَإِنَّنِي ... أَرَى الْمَوْتَ وَقَّاعًا بِكُلِّ شَرِيفِ
وَفِيهَا اعْتَمَرَ الرَّشِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَدَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى أَنْ حَجَّ، وَمَشَى مِنْ بُيُوتِهِ إِلَى عَرَفَاتٍ.
وَفِي رَبِيعِ الأَوَّلِ قَدِمَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ أَمِيرًا عَلَى الْقَيْرَوانِ وَالْمَغْرِبِ، فَأَمَّنَ النَّاسَ وَسَكَنُوا، وَأَحْسَنَ سِيَاسَتَهُمْ، وَكَانَتْ لَهُ هَيْبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَبَنَى الْقَصْرَ الْكَبِيرَ الْمُلَقَّبَ بِالْمَنِسْتِيرِ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَبَنَى سُورَ طَرَابُلْسَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى كَثْرَةَ الأَهْوَاءِ وَالاخْتِلافِ بِالْمَغْرِبِ فَطَلَبَ مِنَ الرَّشِيدِ أَنْ يُعْفِيَهُ، وَأَلَحَّ فِي ذَلِكَ.
-سنة سبعين ومائتين
فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن طولون صاحب مصر، وأحمد بْن عَبْد الله ابن البَرْقيّ، وأحمد بْن المقدام الهَرَويّ، وإبراهيم بْن مرزوق الْبَصْرِيُّ، وأسيد بْن عاصم، وبكّار بْن قُتَيْبَةَ القاضي، والحسن بْن عليّ بْن عفان العامريّ، وداود الظّاهريّ الفقيه، والربيع بْن سُلَيْمَان المراديّ، وزكريّا بْن يحيى المَرْوَزِيّ، وعبّاس بْن الْوَلِيد البَيروتيّ، وأبو البَخْتَرِيّ عَبْد الله بْن محمد بْن شاكر، ومحمد بن إِسْحَاق الصّغانيّ، ومحمد بْن ماهان زنبقة، ومحمد بْن مُسْلِم بْن وَارَةَ، ومحمد بْن هشام بن ملاس.
وفيها وصل لؤلؤ الطُّولوني فِي جيشٍ عظيم نجدةً للموفق فِي المحرّم، فكانت بين الموفَّق وبين الخبيث وقعةٌ أوهنت الخبيث، ثُمَّ وَقْعَةٌ أخرى قُتِلَ فيها الخبيث وعجل الله بروحه إِلَى النّار.
وهو عليّ بْن محمد المدَّعي أنّه علويّ، وَقِيلَ: اسمه بَهْبُوذ. قد ذكرنا وقائعه مع الموفَّق وحصاره الزّمن الطّويل له، إلى أن اجتمع مع الموفَّق زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل مطَّوّعة وَفِي الديوان. فَلَمَّا كان فِي ثاني صفر، وقد التجأ الخبيث إِلَى جبلٍ ثُمَّ تراجع هُوَ وأصحابه إِلَى مدينتهم خُفْية، وجاءت مقدّمات الموفَّق، فَلَمَّا وصلوا إِلَى المدينة لم يَدْرُوا أنّهم قد رجعوا إليها، فأوقعوا بهم، فانهزم الخبيث وأصحابه، وتبعهم أصحاب الموفَّق يأسرون ويقتلون، وانقطع الخبيث فِي جماعةٍ من قوّاده وفرسانه، وفارقه ابنه انكلائي، وسليمان بْن جامع، فظفر أبو الْعَبَّاس بن الموفَّق بابن جامع، فكبّر النّاس لمّا أتى به إِلَى أَبِيهِ. ثُمَّ شدّ الخبيث وأصحابه، فأزال النّاس عن مواقفهم، فحمل عليه الموفَّق فانهزموا وتَبِعهم إِلَى آخر نهر أبي الخصيب، فبينا القتال يعمل إذ أتى فارس من أصحاب لؤلؤ إِلَى الموفَّق ورأس الخبيث فِي يده، فلم يصدّقه فعرضه على جماعةٍ فعرفوه. فترجل الموفَّق وابنه والأمراء وخرّوا سجَّدًا لله، وكبّروا وحمدوا الله تعالى.
وَقِيلَ: إنّ أصحاب الموفَّق لمّا أحاطوا به لم يبق معه إلّا المهلَّبيّ، ثُمَّ ولّى وتركه، فقذف نفسه فِي النّهر فقتلوه.
وسار أبو الْعَبَّاس ومعه رأس الخبيث على رمحٍ فدخل به بغداد، وعُمِلت قِباب الزّينة، وضجّ النّاس بالدّعاء للموفَّق وولده. وكان يومًا -[256]- مشهودًا، وأمِن النّاس وتراجعوا إِلَى المدن الّتي أخذها الخبيث. وكان ظهوره من سنة خمسٍ وخمسين.
قَالَ الصُّولي: إنّه قتَل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدميّ، وقتل فِي يومٍ واحدٍ بالبصرة ثلاثمائة ألف. وكان له منبرٌ فِي مدينته يصعد عليه ويسبّ عُثْمَان وعليّ ومعاوية وطلحة والزُّبير وعائشة، وهو رَأَى الأزارقة. وكان ينادى على المرأة العلوية بِدرْهَمين وثلاثةٍ فِي عسكره، وكان عند الواحد من الزَّنج العشرة من العلويّات يطأهنّ وتخدمن نساءهم، ومدح الشعراء الموفَّق.
وَفِي نصف شعبان أعيد المعتمد إِلَى سامراء، ودخل بغداد ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والحسن في خدمته كأنه لم يحجر عليه.
وفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربيّ بثق في نهر عيسى، فجاء الماء إِلَى الكَرْخ، فهدم سبعة آلاف دار.
وفيها ظهر أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ بالصعيد، وتبعه خلْق. فجهّز أَحْمَد بن طولون لحربه جيوشًا، وكانت بينهم وقعات وظفروا به وأتوا ابن طولون به فقتله. ومات بعده ابن طولون بيسير.
وفيها ظهرت دعوة المهديّ باليمن، وكان قبلها بنحو سنتين قد سيّر والده عبيدة، جّد بني عبيد خلفاء المصرييّن الرَّوافض المَلاحِدة الَّذِي زعم أنّه ابنُ محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق، داعيين لولده عَبْد الله المهديّ، أحدهما أبو القاسم بْن حَوْشَب الكوفي، والآخر أبو الْحَسَن، فَدَعَوْا إِلَى المهدي سرًّا. ثُمَّ سيّر والد المهديّ داعيًا آخر يُسمّى أَبَا عَبْد الله، فأقام باليمن إِلَى سنة ثمانٍ وسبعين، فحجّ تلك السنة، واجتمع بقبيلة من كُتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعةً وقوّة، فصحبهم إِلَى المغرب، فكان ذلك أوّل شأن المهديّ.
وفيها نازلت الرّوم طَرَسُوس فِي مائة ألف وبها يازمان الخادم، فبيَّتهم ليلًا وقتل مقدّمهم وسبعين ألفًا. وأخذ منهم صليبهم الأكبر وعليه جواهر لا قيمة لها، وأخذ من الخيل والأموال والأمتعة ما لا ينحصر، ولم يُفِلت منهم إلّا القليل؛ وذلك فِي ربيع الأوّل. وكان فتحًا عظيمًا عديم المثل منَّ الله به على الْإِسْلَام يوازي قَتْلَ الخبيث صاحب الزنج.
والحمد لله وحده.

-سنة إحدى وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وسبعين ومائتين
فيها تُوُفيّ: عَبَّاس الدُّوريّ، وعبد الرَّحْمَن بْن محمد بْن مَنْصُور الحارثيّ، ومحمد بن حماد الطهراني، ومحمد بْن سِنَان القزاز، ويوسف بْن سَعِيد بن مسلم.
وفيها دخل محمد، وعليّ ابنا الْحُسَيْن بْن جَعْفَر بْن مُوسَى بْن جَعْفَر الصّادق بْن محمد المدينة، فقتلا فيها، وجَبَيا الأموال، وعطَلت الجمعة والجماعة مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهراً.
وفيها عزل المعتمد عَمْرو بْن اللَّيْث وأمر بلعنه على المنابر. وولى خُراسان محمد بْن طاهر. وكان محمد ببغداد، فاستناب عَنْهُ على نيسابور رافع بن هرثمة. وأقر على بخارى وسمرقند نصر بْن أَحْمَد بْن أسد.
ثُمَّ جاءت كتب الموفَّق إِلَى رافع بقصد جرجان وآمل، وكانتا للحسن بْن زَيْد، فسار إليه رافع سنة أربع وسبعين.
وفيها كَانَتْ وقعة عظيمة بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق، وبين خِمارُوَيْه بْن أَحْمَد بْن طولون بأرض فلسطين كان الموفَّق قد جهز ولده فِي جنود العراق، وأعطاه الأموال، وولّاه أعمال مصر والشام. فسار إلى الشام، ونزل بفلسطين، وجاء خمارويه، وكان قد قام فِي ولايات أَبِيهِ بعده، فالتقيا بحيث جرت الأرض من الدماء. ثُمَّ انهزم خمارويه إِلَى مصر، ونُهِبَتْ أثقاله. ونزل أبو الْعَبَّاس فِي مضربه.
وكان سعد الأعسر كمينًا لخمارويه، فخرج على أبي الْعَبَّاس وهم غارون، فانهزم جيشه، وذهب إِلَى طَرَسُوس منهزمًا فِي نفرٍ يسير، وذهبت خزائنه. فانتهب الجميع سعد ومن معه. وهذا من أعجب الأمور، وهو -[468]- انهزام كل واحدٍ من المقدمَّين، ثُمَّ اقتتال عسكرهما بعد رواحهما. ثُمَّ كان النصر للمصريين.
وفيها قدم بيوسف بْن أبي الساج مقيدًا على جمل. وكان قد وثب على الحاجّ، فقاتلوه وأسروه، ثُمَّ إنّه حَسنت حاله، وبكى على فعله، وشفع فيه مؤنس، فأطلق.
وفيها خرج بالمدينة إِسْحَاق بْن محمد الطالبي الجعفري، فقتل أمير المدينة الفضل بْن الْعَبَّاس بْن حسن العباسي، وعاث وأفسد وخرّب المدينة.

-سنة اثنتين وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وسبعين ومائتين
تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بن عبد الجبار العطاردي، وأحمد بن عاصم الإصبهانيّ، وأبو عُتْبة أَحْمَد بْن الفرج الحمصيّ، وأحمد بْن مهديّ بْن رستم، وسليمان بْن سيف الحرّاني، وأبو أَحْمَد محمد بْن عَبْد الوهاب الفراء، وأبو جَعْفَر محمد بْن عبيد الله ابن المنادي، ومحمد بن عوف الحمصي.
وفيها وقع خلاف بين أبي الْعَبَّاس بْن الموفَّق وبين يازمان الخادم فِي طَرَسُوس، فأخرج أهلها أَبَا الْعَبَّاس عَنْهُمْ. فقدِم بغداد فِي جمادى الآخرة. وفيها دخل حمدان بْن حمدون وهارون الشّاريّ الخوارج مدينة المَوْصِل. وصلّى الشاري بالناس فِي الجامع.
وفيها قبض الموفَّق على صاعد بْن مخلد وعلى بنيه وأمواله، واستكتب عوضه إسماعيل بن بلبل.
وفيها تحركت الزنج بواسط وصاحوا: أنكلاي يا منصور. وكان أنكلاي ابنُ الخبيث، وسليمان بْن جامع، والمهلبي، والشعراني، وغيرهم من قواد الزَّنْج محبوسين ببغداد فِي يد فتح السعيدي. فكتب إليه الموفَّق أن يذبح الجماعة ويبعث رؤوسهم، ففعل. وقِيلَ: صلبت أبدانهم على الجسر.

-سنة ثلاث وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاثٍ وسبعين ومائتين
فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن الْوَلِيد الفحّام، وإسحاق بْن سيّار النصيبي، وحنبل بْن إِسْحَاق، والفتح بْن شخرف، وأبو أُميّة محمد بْن إِبْرَاهِيم الطَّرَسُوسيّ، ومحمد بْن يزيد بن ماجه.
وفيها كَانَتْ بالرافقة واقعة بين إِسْحَاق بْن كنداج، ومحمد بْن أبي الساج، فانهزم إِسْحَاق. ثم تواقعا أيضاً، وانهزم إسحاق في ذي الحجة.
وفيها وثب ثلاثة بنين لملك الروم على أبيهم فقتلوه، وملكوا أحدهم.
وفيها قبض الموفَّق على لؤلؤ الطولوني، وأخذ له أربع مائة ألف دينار شَرَهَا. ولم يكن له ذنب، بل ادعي عليه أنّه كاتب خمارويه بن أحمد بن طولون.

-سنة أربع وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع وسبعين ومائتين
فيها توفي الحسن بْن مكرم، وعليّ بْن إِبْرَاهِيم الواسطيّ، ومحمد بن عيسى بن حيان المدائنيّ، وأبو غسان مالك بْن يحيى، بمصر.
وفيها خرج الموفَّق إِلَى كرمان لحرب عَمْرو بْن اللَّيْث الصّفّار.
وفيها غزا يازمان الخادم الروم، فقتل وسبى وعاد سالمًا.

-سنة خمس وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمسٍ وسبعين ومائتين
توفي فيها: أبو بكر المروذي الفقيه، وأحمد بْن ملاعب، والحسين بْن محمد بْن أبي معشر نجيح، وأبو دَاوُد صاحب السنن، وأبو عوف البزوريّ عَبْد الرَّحْمَن بْن مرزوق، ويحيى بن جعفر بن الزبرقان.
وفيها غزا يازمان البحر، فأخذ عدّة مراكب للروم.
وفيها حبس الموفَّق ابنه أَبَا الْعَبَّاس، فشغب أصحابه وحملوا السلاح، واضطربت بغداد. فركب الموفَّق وقَالَ: يا أصحاب ولدي أتراكم أشفق على ابني منّي؟ وقد احتجت إِلَى تأديبه. فوضعوا السلاح وتفرقوا، واطمأنوا عليه.

-سنة ست وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ست وسبعين ومائتين
فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن حازم بْن أبي غَرَزَة، وبَقِيّ بْن مخلد الأندلسيّ، وعبد الله بْن مُسْلِم بْن قُتَيْبَةَ، وأبو قلابة الرقاشي، ومحمد بْن أَحْمَد بْن أَبِي الْعَوَّام، ومحمد بْن إِسْمَاعِيل الصائغ، ومحمد بْن سعد العوفي، ويزيد بْن محمد بن عبد الصمد.
وفيها رَضِيَ المعتمد على عَمْرو بْن اللَّيْث، وكتب اسمه على الأعلام والأترسة ببغداد.
وفيها قدم محمد بن أبي الساج هارباً عن خمارويه بعد وقعات جرت بينهما، وضعف عنه محمد.
وفيها سار الموفق إلى أصبهان، فنزح أحمد بْن عَبْد الْعَزِيز بْن أبي دُلَف بجيشه وعياله.
وفيها ولي عَمْرو بن اللَّيْث شرطة بغداد. ثُمَّ بعد قليل غضب عليه المعتمد وعزله، وأسقط اسمه من الأعلام.

-سنة سبع وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبعٍ وسبعين ومائتين
فيها توفي: إبراهيم بن أبي العنبس القاضي، والحسن بْن سلام السواق، وأبو حاتم الرازي، ومحمد بن الجهم السمري.
وفيها اتفق يازمان الخادم أمير الثغر مع خمارويه، ودعا له على المنابر بطرسوس. فبعث إليه بثلاثين ألف دينار، وخمس مائة دابة، وخمس مائة ثوب من مصر. ثُمَّ بعث إليه بخمسين ألف دينار.
وفيها: استولى رافع بن هرثمة على طبرستان.

-سنة ثمان وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثمانٍ وسبعين ومائتين
تُوُفيّ فيها: أَحْمَد بْن عُبَيْد بْن ناصح، وإِبْرَاهِيم بْن الهيثم البلديّ، وعبد الكريم بْن الهيثم الديرعاقولي، والأمير أبو أَحْمَد الموفَّق، ومحمد بن -[471]- شداد المسمعيّ، وموسى بْن سهل الوشّاء، وموسى بْن عِيسَى بْن المنذر الحمصي، وهاشم بْن مرثد الطبراني.
وفيها وردت الأخبار أن نيل مصر غار ونقص نقصًا عظيمًا، وغلت الأسعار. قَالَ أبو المظفر بْن الجوزي: غار النيل فلم يبق منه شيء.
قلت: ولم يتعرض المسبحي فِي تاريخه إلى شيء من ذلك.
وَفِي المحرم انصرف الموفَّق من الجبل إِلَى بغداد مريضًا، وكان به نُقْرُس. وزاد مرضه فصار داء الفيل. وكان يبردون رجليه بالثلج، ويحمل على سرير، يحمله عشرون نفسًا. فقال مَرَّة للذين يحملون: لعلكم قد ضجرتم منّي. وددت والله أني كأحدكم أحمل على رأسي وآكل، وأني في عافية. وقال في مرضه هذا: قد أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق، وما أصبح فيهم أسوأ حالًا مني.
وزاد به انتفاخ رجله ومات.
وفيها ظهرت القرامطة بسواد الكوفة؛ وقد اختلفوا فيهم على أقوال: أحدها: إنّه قَدِمَ رجلٌ من ناحية خوزستان إِلَى الكوفة، فنزل النهرين وأظهر الزهد والتقشف، يعمل الخوص ويقوم ويصوم. وَإِذَا جلس إليه إنسان وعظه وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلوات المفترضة في اليوم والليلة خمسون صلاة. حتى فشا ذلك عنه. ثم أعلمهم أنه يدعو إِلَى إمام من أَهْل البيت، فكانوا يجلسون إليه. ثُمَّ نظر نخلًا، فكان يأخذ من بقالٍ كل ليلة رطل تمر يفطر عليه، ويبيعه النوى. فأتاه أصحاب النخل فأهانوه، وقَالَوا: ما كفاك أكل تمر النخل حَتَّى تبيع النوى؟ فقال البقال: ويحكم ظلمتموه، فإنه لم يذق تمركم، وإنما يشتري مني التمر فيفطر عليه، ويبيعنيّ النوى. فندموا على ضربه وتحللوه، وازداد نبلًا عند أَهْل القرية، وتبعه جماعة، فكان يأخذ من كل رجلٍ دينارًا، واتخذ منهم اثني عشر نقيبًا. وفرض عليهم كل يومٍ خمسين صلاة، سوى نوافل اشتغلوا بها عن زراعتهم، فخربت الضياع. وكانت للهيصم هناك ضياع فقصروا، فبلغه شأنه، فطلبه وسأله عن أمره، فَأَخْبَرَه ودعاه إِلَى مذهبه. فحبسه فِي بيتٍ وحلف ليقتلنه. فسمعته جارية من -[472]- جواريه، فرقت له، وأخذت المفتاح وفتحت عليه. ثُمَّ قفلت الباب، وأعادت المفتاح إِلَى مكانه، فانتبه الهيصم ففتح الباب فلم يجده. وقَالَ النّاس: رفع إِلَى السماء.
ثُمَّ ظهر فِي مكانٍ آخر، فسألوه عن قصته فقال: من تعرض لي بسوء هلك. ثم تسحب إِلَى الشّام، فلم يعرف له خبر. وصحبه رجل يقال له كرميتة، ثم خفف، فَقِيلَ قرمط.
وَفِي قولٍ: كان هَذَا الرجل قد لقي الخبيث ملك الخوارج الزَّنْج، فقال له: ورائي مائة ألف سيف، فوافقني على مذهبي حَتَّى أصير إليك بمن معي.
وتناظرا فاختلفا، ولم يتفقا، فافترقا.
والقول الثاني: إن أول من أظهر لهم مذهبهم رجلٌ يُقَالُ له محمد الوَرَّاق يعرف بالمقرمط الكوفي. شرع لهم شرائع وتراتيب خالف بها دين الْإِسْلَام.
والثالث: إنّ بعض دعاتهم اكترى دواب من رَجُل يُقَالُ له قرمط بْن الأشعث، فدعاه فأجابه.
والقول الأول أشهر.
ثم هم فِرَق: القرامطة، والباطنية، والخُرَّمية، والبابكية، والمحمرة، والسبعية، والتعليمية.
فمن قول القرامطة: إن محمد ابن الحنفية هُوَ المهديّ، وَإِنَّهُ جبريل، وَإِنَّهُ هُوَ المسيح، وإنه هو الدابة. ويزيدون في أذانهم: وإن نوحًا رسول الله، وإن عِيسَى رسول الله، وأن محمد ابن الحنفية رسول الله، وإن الحج والقبلة إِلَى بيت المقدس، ويوم الجمعة والاثنين والخميس يوم استراحة، وإن الصوم فِي السنة يومان: يوم النيروز ويوم المهرجان، وإن الخمر حلال، ولا غسل من الجنابة.
وتَحَيَّلُوا على المسلمين بطرق شتى، ونفق قولهم على الجهال وأهل البر، ويُدخلون على الشيعة بما يوافقهم، وعلى السنة بما يوافقهم. ويخدعون الطوائف، ويظهرون مع كل فرقة أنهم منهم.
وأما الباطنية، فقالت: لظواهر الآيات والأحاديث بواطن تجري -[473]- مجرى اللُّبّ من القشر. واحتجوا لكل آية ظهر وبطن، وأن من وقف على علم الباطن سقطت عنه التكاليف.
وأما الخرمية، فخرم اسم أعجمي معناه الشيء المستلذ، وهم أهل الإباحة من المجوس الّذين نبغوا فِي أيام قباذ، فأباحوا المحظورات.
وأما البابكية، فأصحاب بابك الخرمي. لهم ليلة فِي السنة يختلط فيها النساء والرجال، فَمَنْ وقعت فِي يده امْرَأَة استحلها، إِلَى غير ذلك من الخروج عن الملة.
وأما المحمرة، فيلبسون الثياب الحمر، ولهم مقالة.
وأما السبعية، فزعموا أن الكواكب السبعة تدبر العالم السفلي.
وأما التعليمية، فأبطلوا القياس؛ ولا عِلْمَ عندهم إلّا ما تُلُقِّيَ من إمامهم.
والإسماعيلية من القرامطة. وقِيلَ: إنّ قرمط غلام إسماعيل بن جعفر الصادق، ولم يصح.
وكل هَؤُلَاء يذهبون إِلَى مذهب الملاحدة كزرادشت، ومزدك، وماني، الّذين جحدوا النبوة وأباحوا المحظورات. وقالوا بقول الفلاسفة والدهرية، لعنهم الله.
وفيها غزا يازمان الخادم حصن سلند، فنصب عليه المجانيق وكاد يفتحه، فجاءه حجرٌ من الحصن فقتله، فارتحلوا به وبه رمقٌ، فمات فِي الطريق. وحمل فدفن بطرسوس. وكان شجاعًا، جوادًا، كريمًا.

-سنة تسع وسبعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعٍ وسبعين ومائتين
تُوُفيّ فيها: المعتمد على الله، وأحمد بْن الخليل البرجلاني، وأحمد بْن أبي خيثمة، وإبراهيم بْن عَبْد الله القصار، وأبو يحيى بن أبي مسرة، وأبو عيسى الترمذي.
ولثمانٍ بقين من المحرم خلع جَعْفَر المفوض من العهد، وقدم عليه -[474]- المعتضد، وكتب إلى الآفاق بذلك. وتم ذلك لتمكن المعتضد من الأمور، ولطاعة الجيش له.
وفيها أمر المعتضد أن لا يقعد فِي الطريق منجم ولا قصاص، واستحلف الوراقين لا يبيعون كتب الفلاسفة والجدل ونحو ذلك.
وضعف أمر المعتمد معه، وتُوُفيّ بعد أشهر من السنة، فولي المعتضد أبو العباس ابن الموفق الخلافة.
وفيها قدم رسول خمارويه صاحب مصر بهدية إِلَى المعتضد، وذلك عشرون حمل بغلٍ من الذهب من سوى الخيل والسروج والجواهر والتحف، وزرافة، وقدمت عليه هدايا عَمْرو بْن اللَّيْث، فولاه خراسان.
وتوجهت الرسل في تزويج علي ابن المعتضد ببنت خمارويه؛ ثم تزوجها المعتضد.
وفيها تُوُفيّ نصر بْن أَحْمَد بْن أسد أمير ما وراء النهر، فولى بعده أخوه إسماعيل.
وفيها فتح أحمد بن عيسى ابن الشَّيْخ قلعة ماردين، أخذها من محمد بْن إسحاق بن كنداج.
وصلّى المعتضد بالناس صلاة الأضحى، فكبر فِي الأولى ستًا، وَفِي الثانية واحدة. ولم تسمع منه الخطبة.
وحج بالناس هارون بْن محمد العباسي، وهي آخر حجةٍ حجها بالناس، وكان قد حج بهم ست عشرة حجة متوالية.

-سنة سبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبعين وثلاثمائة
فيها خرج من همذان عضُدُ الدولة وقدم بغداد، فتلقّاه الطائع، وزُيّنت بغداد.
قال عبد العزيز ابن حاجب النعمان: لم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقّي أحدٍ من الأمراء، فلما توفّيت فاطمة بنت مُعِزّ الدّولة ركب المطيع لله فَعزّاه، فقبّل الأرض.
قال حاجب النعمان: وجاء رسوله يطلب من الطائع أن يتلقّاه، فما وسِعَه التَّاخُّر وتلقّاه في دجلة، ثم أمر عضُدُ الدولة بأن يُنادي قبل دخوله بمنع العَوَامّ من الدعاء له والصّيْحَة، وتوعّد على ذلك بالقتل، قال: فما نطق أحد، فأعجبه ذلك من طاعة العوام له.

-سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة
فيها سُرق السّبُع الفضة الذي على زبزب عضُدُ الدولة، وعجب النّاس كيف كان هذا مع هيبة عضُدُ الدولة المُفرِطة، وكونه شديد المعاقبة على أقل جناية تكون، وقُلِبت الأرض على سارقه، فلم يوقف له على خبر. ويقال: أنّ صاحب مصر دسّ من فعل هذا.
وكان العزيز العبيدي من قبل هذا قد بعَث رسولًا إلى عضُدُ الدولة، وكتابًا أوّلُهُ: " من عبد الله نِزار العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى عضُدُ الدولة أبي شُجاع مولى أمير المؤمنين، سلامٌ عليك، فإن أمير المؤمنين يَحْمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على جدّه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "، والكتاب مبنيّ على الاستمالة مع ما يَسرّ إليه الرسول عُتْبَةُ بن الوليد، فبعث مع الرسول رسولًا له وكتابًا فيه مَوَدّة وتَعَلَّلات مُجْمَلَةٌ.
وفي ربيع الأول وقع حريق بالكَرْخِ مِنْ حدّ دَرْبِ القراطيس إلى بعض البزّازين من الجانبين، وأتى على الأساكفة والحدّادين، واحترق فيه جماعة وبقي لهيبه أسبوعًا.
وفيها قُلد أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى كتابة الطائع لله وخُلع عليه.

-سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة
فيها فُتح المارستان العَضْدي، أنشأه عضُدُ الدولة في الجانب الغربيّ من بغداد، ورتّب فيه الأطباء والوكلاء والخُزّان وكلَّ ما يُحتاج إليه، في ربيع الآخر.
وفي هذا الزّمان كانت الأهواء والبدع فاشيةً بمثل بغداد ومصر من الرَّفْضِ وَالاعتزال والضَّلال، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون؛ فذكر الحُمَيْدي في ترجمة أبي عمر أحمد بن محمد بن سعدي الأندلسي الفقيه طامةً كُبْرى، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الفرج بن عبد الولّي الأنصاري، قال: -[348]- سمعت أبا محمد عبد الله بن الوليد قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه يسأل أبا عمر أحمد بن محمد بن سعدى المالكي عند وصوله إلى القَيْرَوان من بلاد المشرق، فقال: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ قال: نعم، مرتيّن، ولم أعد إليها، قال: ولم؟ فقال: أمّا أوّل مجلسٍ حضرتُهُ فرأيت مجلسًا قد جمع الفِرَق من السنة والبَدَعَة والكُفّار واليهود والنصارى والدّهْريّة والمَجُوس، ولكّل فرقة رئيس يتكلَّم ويجادل عن مذهبة، فإذا جاء رئيس قاموا كلّهم له على أقدامهم، حتى يجلس، فإذا تكلّموا قال قائل من الكُفّار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتجّ أحدُ بكتابه ولا بنبيه، فإنا لا نصدق ذلك ولا نقر به، وإنما نتناظر بالعقل والقياس، فيقولون: نعم، فلما سمعت ذلك لم أعده. ثم قيل لي: هنا مجلس آخر للكلام، فذهبت إليه فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء، فقطعت مجالس أهل الكلام. فجعل ابن أبي زيد يتعجّب من ذلك، وقال: ذهبت العلماء وذهبت حرمة العلم والإسلام.
وفي شوّال مات عَضُدُ الدولة، فكتموا موته، ثم استدعوا ولده صمصام الدولة من الغد إلى دار السّلطنة، وأخرجوا أمر عضُدُ الدولة بتولية العهد، ورُوسل الطائع وسُئل أن يولّيه، ففعل، وبعث إليه خُلَعًا ولواءً.
وخلع على أبي منصور بن أبي الفتح العلوي للخروج بالحاجّ وإقامة الموسم.
وتُوُفَّيَتِ السّيدة سارة بنت الخليفة المعتضد وأخت المكتفي. وكانت مُعَمَّرة عاشت بعد أبيها ثلاثًا وثمانين سنة.

-سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
في ثاني عشر محرّم أَظْهِرت وفاة عضُدُ الدولة، وحُمل تابوته إلى المَشْهَد، وجلس صَمْصَام الدولة ابنه للعَزَاء، وجاءه الطائع لله مُعَزِّيا، ولُطِم عليه في الأسواق أيّامًا عديدة، ثم ركب صمصام الدولة إلى دار الخلافة، وخلع عليه الطائع سبع خُلَعٍ وتَوَّجه، وعقد له لواءين، ولُقَّب " شمس الملة ".
وفيها ورد موت مؤيد الدولة بن أبي منصور ابن رُكْنِ الدولة بجُرْجان، فجلس صمصام الدولة للعزاء وجاءه الطائع معزّيا، ولما مات كتب الصّاحب إسماعيل بن عبّاد إلى أخيه فخر الدولة علي ابن ركن الدولة بالإسراع، فقدم واستوزَرَ الصّاحبَ ورفع منزلته. -[349]-
وكان فيها غلاء مُفْرِط بالعراق، وبلغ كرّ الحنطة أربعة آلاف وثمانمائة درهم. ومات خَلْقٌ على الطُّرق جوعًا، وعَظم الخطب.
وفيها ولي إمرة دمشق خطلو القائد للعزيز بالله العُبَيْدي.

-سنة أربع وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع وسبعين وثلاثمائة
فيها شرع أبو عبد الله بن سعدان في الصُّلح بين صمصام الدولة وفخر الدولة.
وفيها كان عُرْسٌ ببغداد، فوقعت الدّار، وهلك كثير من النّساء، وأُخْرِجن من تحت الهدْمِ بِالْحُليّ والزّينة، فكانت المصيبة عامة.

-سنة خمس وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وسبعين وثلاثمائة
فيها هَمَّ صمصام الدولة أن يجعل المَكْسَ عَلَى الثّياب الحرير والقطن، مما يُنْسَج ببغداد ونواحيها، ودُفع له في ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة، فاجتمع النّاس في جامع المنصور، وعزموا على المنع من صلاة الجمعة، وكاد البلد يفتتن، فأعفاهم من ضمان ذلك.

-سنة ست وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ست وسبعين وثلاثمائة
فيها كثر الموت بالحُمّيّات الحادة، فهلك كثير من الناس ببغداد، وزُلْزِلَت المَوْصِل، فهُدَّمت الدُّور، وهَلَكَ خلقٌ من النّاس.
وفيها مال العسكر إلى شَرَف الدّولة أبي الفوارس شِيرَوَيْه، وكان غائبًا بكَرْمان، فلما بلغه موتُ أبيه عضُدُ الدولة ردّ إلى فارس وقبض على وزير أبيه نصر النَّصراني، وجبى الأموال، ثم ملك الأهواز، وأخذها من أخيه أحمد، وغلب على البصْرة، واستعدّ لقصْدِ بغداد وأخْذِها من أخيه صمصام الدولة، فتركوا صمصام الدولة، فانحدر مسافراً إلى شَرَف الدولة راضيا بما يعامله به، فلما وصل قبّل الأرض بين يديه مرّات، فقال له شَرَف الدولة: كيف أنت وكيف حالك في طريقك، ثم سجنه، واجتمع عسكر شَرَف الدولة من الدَّيْلَم تسعة عشر ألفًا. وكان الأتراك ثلاثة آلاف غلام، فاقتتلوا، فانهزم الدَّيْلم وقُتل منهم ثلاثة آلاف في رمضان، فأخذ الدّيلم يذكرون صَمْصام الدولة، فقيل لشرف الدولة: اقْتُله، فما نأَمنهم. -[350]-
وقدِم شَرَف الدولة بغداد، فركب الطائع إليه يهنئّه بالسّلامة، ثم خفي خبر صَمْصَام الدولة، وذلك أنّه حُمل إلى القلعة، ثم نفّذ إليه شَرَف الدولة بفَرّاش ليكحّله فوصل الفرّاش وقد مات شرف الدولة، فكحّله، فالعجب إنفاذ أمر ملك قد مات.
وكان شَرَف الدولة قد ردّ على النّاس أملاكهم، ورفع المصادرة، فبَغَته الموتُ، وإنّما جرى ذلك في سنة تسعٍ وسبعين، ولكن سُقناه استطرادًا.

-سنة سبع وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبعٍ وسبعين وثلاثمائة
كان العزيز صاحب مصر قد تهيأ وتأهب لغزو الروم، فأحرقت مراكبه، فاتهم بها ناسا، وقتل مائتي نفس. فلما دخلت سنة سبعٍ وصلت رُسُل ملك الرّوم في البحر إلى ساحل القدس بتقَادُمَ للعزيز، فدخلوا مصر يطلبون الصُّلح، فأجابهم العزيز، واشترط شروطًا شديدة التزموا بها كلّها، منها أنّهم يحلفون أنّه لا يبقي في مملكتهم أسير إلّا أطلقوه، وأن يُخْطَب للعزيز في جامع القسطنطينية كلّ جمعة، وأن يحمل إليه من أمتعة الروم كل سنة ما افترضه عليهم، ثم ردّهم بعقد الهدنة، فكانت سبْعَ سنين.
وفيها ورد الوزير أبو منصور محمد بن الحسن، فتلقّاه الأمراء والأعيان، فلما قارب بغداد تلقّاه السلطان شَرَف الدولة بالشّفيعي، ودخل في سادس المحرم فوصل في صحبته خزانةٍ عظيمة، منها عشرون ألف ألف درهم، وثياب وآلات كثيرة، وكان يغلب عليه الخيرُ والعدل، وكان إذا سمع الأذان ترك جميع شُغُله وتهيّأ للصّلاة، وكان لا يكاد يترك عاملًا أكثر من سنة.
وفي صَفر عُقِد مجلسُ عظيمٌ وجُدِّدَت البيعة الوثيقَة بين الطائع وشرف الدولة، وعُمِلت القِباب، وبالغوا في الزّينة، وتَوَّجَه الطائع وقرئ عهده، والطائع يسمع، ثم قام شرف الدولة فدخل إلى عند أخته أهل أمير المؤمنين، فبقي عندها إلى العصر، ولما حُمل اللّواء تخرّق ووقعت قطعة منه، فتطيّر من ذلك.
وفيها ردّ شرف الدولة على الشّريف أبي الحسن محمد بن عمر جميع أملاكه، وكان مغلها في العام ألفي ألف وخمسمائة ألف درهم.
وفي ربيع الأوّل بيعت الكارة الدقيق الخشكار بمائة وستين درهمًا. وجلا النّاس عن بغداد، وزاد السعر في ربيع الآخر، فبلغ ثمن الكارة الخشكار مائتين وأربعين درهمًا. -[351]-
وفي شعبان وُلد للملك شرف الدولة توأمان سمّى أحَدَهما " أبا حرب سلار "، والآخر " أبا منصور فناخسرو ".
وفيها بعث شرف الدولة العسكر لقتال بدر بن حَسْنَوَيْه، فظفر بهم بدر، واستولى على بلاد الجبل.
ووقع الغلاء والوباء الكثير في أواخر السنة.

-سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة
زاد غلاء الأسعار وعُدِمت الأقوات، وظهر الموت ببغداد.
وفيها أمر السلطان شرف الدولة برصْد الكواكب السّبعة في مسيرها كما فعل المأمون، فبُني بيتُ لها في الدّار في آخر البستان.
وفيها لحق الناس بالبصرة حر وسموم تساقط الناس منه، ومات طائفة في الطرق.
وفيها جاءت ريح عظيمة بفم الصَّلْح وقت العصر، لخمس بقين من شعبان، خرقت دِجْلَةَ حتّى ذُكِر أنّه بانت أرضها، وهدمت ناحيةً من الجامع، وأهلكت جماعة، وغرّقت كثيرًا من السُّفن، واحتملت زَوْرَقًا منحدرًا، وفيه دوابٌ، فطرحت ذلك في أرض جوخى، فشوهد بعد أيام.

-سنة تسع وسبعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
جاء الخبر في أوّل السنة أنّ ابن الجراح الطّائي خرج على الحاجّ بين سُمَيْراء، وفيد، ونازلهم ثم صالحهم على ثلاثمائة ألف درهم وشيء من الثّياب والمتَاع.
وفيها انتقل شرف الدولة إلى قصر مُعِزّ الدولة بباب الشماسية، لأن الأطباء أشاروا عليه به لصحة هوائه، وكان قد ابتدأ به المرض من السنة الماضية، فشغب الدَّيْلَمُ وطلبوا أرزاقهم، فعاد إلى داره وراسلهم، وأمسك جماعة.
وفيها أراد الطائع القبض على القادر بالله، وهو أمير، فهرب منه إلى البطيحة، فأقام عند مهذب الدولة وتزايد مرض شرف الدولة، ومات، وعهد إلى أخيه أبي نصر، فاجتمع العسكر وطالبوا برسم البَيْعة والنَّفَقَة، فوعدهم، فأبوا، وتردّدت بين الطائع وبين أبي نصر مراسلات، ثم حلف كلّ واحد منهما للآخر على التّصافي، ثم جاء الطائع إلى دار المملكة ليُعزّي أبا نصر فقبّل أبو -[352]- نصر الأرض غير مرّة، ثم ركب أبو نصر إلى الطائع، وحضر الأعيان، وجلس الطائع في الرّواق، وأمر فخُلِع على أبي نصر سبُعَ خِلَعٍ؛ طاقية أعلاها سوداء وعمامة سوداء وفي عُنْقِه طوق كبير، وفي يديه سِوَاران، ومشى الحُجّاب بين يديه بالسّيوف، فلما حصل بين يدي الطائع قبل الأرض ثم أجلس على كرسيّ، وقرأ أبو الحَسَن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النُّعمان كاتبُ أمير المؤمنين عهدَه، وقدَّم إلى الطائع لله لواءه، فعقده، ولقّبه " بهاء الدولة " و " ضياء الملة ". وأقرّ الوزير أبا منصور بن صالحان على الوزارة وخلع عليه.
وكان بهاء الدّولة من رجال بني بُوَيْه رأيا وهيبةً وجلالًا وعقلًا.
وتمالى الأتراك بفارس وتجمّعوا، وأخرجوا صمصام الدولة من مُعْتَقَلهِ. وقد قيل أنّه كُحّل، فالله أعلم بصحة ذلك.
قال أبو النصر العتبي: حمله مملوكه سعادة على عاتقه وانحدر به، فملك به فارس وما والاها، وتتبع أموالها فجباها، ثم تنكر له الذين معه وقدّموا ابن أخيه أبا عليّ، ولقبوه " شمس الدولة " فنهض صمصام الدولة لمواقعتهم، فهزمهم أقبح هزيمة، فخنسوا صاغرين إلى بغداد، وتحرّك بهاء الدولة، وأهمّه شأن الصمصام، وبرز للقتال، فتناوشا الحربَ، وخربت البصرة والأهواز، وجرت أمور يطول شرحُها، ثم حاربه السّلار بَخْتيار بالأكراد الخسروية، فناصبهم صمصام الدولة الحرب، فاختلفت به الوقائع بين تلك الفتن الثائرة والإحَن الغائرة، فكان عقباها أن أجلت عنه قتيلاً، وتذمر بهاء الدولة للحادثة عليه؛ وجهز عسكرا لقتال الأكراد.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت