نتائج البحث عن (ضَرُورَةٌ) 20 نتيجة

(الضَّرُورَة) الْحَاجة والشدة لَا مدفع لَهَا وَالْمَشَقَّة و (فِي الشّعْر) الْحَالة الداعية إِلَى أَن يرتكب فِيهِ مَا لَا يرتكب فِي النثر (ج) ضرائر
الضرورة: مشتقة من الضرر، وهو النازل مما لا مدفع له.
الضّرورة:[في الانكليزية] Necessity [ في الفرنسية] Necessite في اللغة الحاجة. وعند أهل السلوك هي ما لا بدّ للإنسان في بقائه ويسمّى حقوق النفس أيضا كما في مجمع السلوك. وعند المنطقيين عبارة عن استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع سواء كانت ناشئة عن ذات الموضوع أو عن أمر منفصل عنها، فإنّ بعض المفارقات لو اقتضى الملازمة بين أمرين ضروريا للآخر، فكان امتناع انفكاكه من خارج. والمراد استحالة انفكاك نسبة المحمول إلى الموضوع فتدخل ضرورة السّلب. والمعتبر في القضايا الموجّهة هي الضرورية بالمعنى المذكور. وقيل المعتبر فيها الضرورة بمعنى أخصّ من الأول وهو استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع لذاته، والصحيح الأول وتقابل الضرورة اللاضرورة وهي الإمكان.ثم الضرورة خمس. الأولى الضرورة الأزلية وهي الحاصلة أزلا وأبدا كقولنا: الله تعالى عالم بالضّرورة الأزلية، والأزل دوام الوجود في الماضي والأبد دوامه في المستقبل.والثانية الضرورة الذاتية أي الحاصلة ما دامت ذات الموضوع موجودة وهي إمّا مطلقة كقولنا كلّ إنسان حيوان بالضرورة أو مقيّدة بنفي الضرورة الأزلية أو بنفي الدوام الأزلي.والمطلقة أعمّ من المقيّدة لأنّ المطلق أعمّ من المقيّد والمقيّدة بنفي الضرورة الأزلية أعمّ من المقيّدة بنفي الدوام الأزلي، لأنّ الدوام الأزلي أعمّ من الضرورة الأزلية، فإنّ مفهوم الدوام شمول الأزمنة ومفهوم الضرورة امتناع الانفكاك.ومتى امتنع انفكاك المحمول عن الموضوع أزلا وأبدا يكون ثابتا له في جميع الأزمنة أزلا وأبدا بدون العكس، فيكون نفي الضرورة الأزلية أعمّ من نفي الدوام الأزلي، والمقيد بالأعمّ أعمّ من المقيّد بالأخصّ، لأنه إذا صدق المقيّد بالأخصّ صدق المقيّد بالأعمّ ولا ينعكس. وفيه أنّ هذا على الإطلاق غير صحيح فإنّ المقيّد بالقيد الأعمّ إنمّا يكون أعمّ إذا كان أعم مطلقا من القيدين أو مساويا للقيد الأعمّ. أمّا إذا كان أخصّ من القيدين أو مساويا للقيد الأخصّ فهما متساويان، أو كان أعمّ منهما من وجه فيحتمل العموم والتساوي كما فيما نحن بصدده.والضرورة الأزلية أخصّ من الضرورة الذاتية المطلقة لأنّ الضرورة متى تحقّقت أزلا وأبدا تتحقّق ما دام ذات الموضوع موجودة من غير عكس، هذا في الإيجاب. وأما في السلب فهما متساويان لأنّه متى سلب المحمول عن الموضوع ما دامت ذاته موجودة يكون مسلوبا عنه أزلا وأبدا لامتناع ثبوته في حال العدم، ومباينة للأخيرين. أمّا مباينتها للمقيّدة بنفي الضرورة الأزلية فظاهر، وأمّا مباينتها للمقيّد بنفي الدوام الأزلي فللمباينة بين نقيض العام وعين الخاص.والثالثة الضرورة الوصفية وهي الضرورة باعتبار وصف الموضوع وتطلق على ثلاثة معان:الضرورة ما دام الوصف أي الحاصلة في جميع أوقات اتصاف الموضوع بالوصف العنواني كقولنا: كل إنسان كاتب بالضرورة ما دام كاتبا.والضرورة بشرط الوصف أي ما يكون للوصف مدخل في الضرورة كقولنا: كلّ كاتب متحرّك الأصابع بالضرورة ما دام كاتبا. والضرورة لأجل الوصف أي يكون الوصف منشأ الضرورة كقولنا كلّ متعجّب ضاحك بالضرورة ما دام متعجبا. والأولى أعمّ من الثانية من وجه لتصادقهما في مادة الضرورة الذاتية إن كان العنوان نفس الذات أو وصفا لازما كقولنا كلّ إنسان أو كلّ ناطق حيوان بالضرورة، وصدق الأولى بدون الثانية في مادة الضرورة إذا كان العنوان وصفا مفارقا كما إذا يدل الموضوع بالكاتب وبالعكس في مادة لا يكون المحمول ضروريا للذات، بل بشرط مفارق كقولنا: كلّ كاتب متحرك الأصابع، فإنّ تحرّك الأصابع ضروري لكلّ ما صدق عليه الكاتب بشرط اتصافه بالكتابة، وليس بضروري في أوقات الكتابة، فإنّ نفس الكتابة ليست ضرورية لما صدق عليه الكاتب في أوقات ثبوتها، فكيف يكون تحرّك الأصابع التابع لها ضروريا، وكذا النسبة بين الأولى والثالثة من غير فرق. والثانية أعمّ من الثالثة لأنّه متى كان الوصف منشأ الضرورة يكون للوصف مدخل فيها بدون العكس، كما إذا قلنا في الدهن الحار بعض الحار ذائب بالضرورة فإنه يصدق بشرط وصف الحرارة ولا يصدق لأجل الحرارة، فإنّ ذات الدهن لو لم يكن له دخل في الذوبان وكفى الحرارة فيه كان الحجر ذائبا إذا صار حارا. ثم الضرورة بشرط الوصف إمّا مطلقة أو مقيّدة بنفي الضرورة الأزلية أو بنفي الضرورة الذاتية أو بنفي الدوام الأزلي أو بنفي الدوام الذاتي، والقسم الأول أعمّ من الأربعة الباقية، لأنّ المطلق أعمّ من المقيّد، والثاني أعمّ من الثلاثة الباقية لأنّ الضرورة الأزلية أخصّ من الضرورة الذاتية والدوام الأزلي والدوام الذاتي فيكون نفيها أعمّ من نفيهما. والثالث والرابع أعمّ من الخامس لأنّه متى صدقت الضرورة بشرط الوصف مع نفي الدوام الذاتي صدقت مع نفي الضرورة الذاتية أو مع نفي الدوام الأزلي، وإلّا لصدقت مع تحقّقها فتصدق مع تحقّقها، فتصدق مع تحقّق الدوام الذاتي هذا خلف. وليس متى صدقت مع نفي الضرورة الذاتية أو نفي الدوام الأزلي صدقت مع نفي الدوام الذاتي، لجواز ثبوته مع انتفائهما. وبين الثالث والرابع عموم من وجه لتصادقهما في مادّة لا تخلو عن الضرورة والدوام، وصدق الثالث فقط في مادة الدوام المجرّد عن الضرورة، وصدق الرابع فقط في مادّة الضرورة المجرّدة عن الدوام الأزلي وكذا بين الضّرورة بشرط الوصف والضّرورة الذاتية، إذ الضرورية قد لا تكون بشرط الوصف، وقد تكون بشرط الوصف فتتصادقان إذا اتّحد الوصف والذات، وتصدق الضرورة المشروطة فقط إن كان الوصف مغايرا للذات.نعم الضرورة ما دام الوصف أعمّ من الذاتية لأنّه متى ثبت في جميع أوقات الوصف ثبت في جميع أوقات الذات بدون العكس. الرابعة الضرورة بحسب وقت إمّا معيّن كقولنا كلّ قمر منخسف بالضرورة وقت الحيلولة وإمّا غير معيّن بمعنى أن التعيين لا يعتبر فيه لا بمعنى أنّ عدم التعيين معتبر فيه، كقولنا كلّ إنسان متنفس بالضرورة في وقت ما. وعلى التقديرين فهي إمّا مطلقة وتسمّى وقتية مطلقة إن تعيّن الوقت، ومنتشرة مطلقة إن لم يتعيّن، وإمّا مقيّدة بنفي الضرورة الأزلية أو الذاتية أو الوصفية أو بنفي الدوام الأزلي أو الذاتي أو الوصفي، فهذه أربعة عشر قسما. وعلى التقادير فالوقت إمّا وقت الذات أي تكون نسبة المحمول إلى الموضوع ضرورية في بعض أوقات وجود ذات الموضوع، وإمّا وقت الوصف أي تكون النسبة ضرورية في بعض أوقات اتصاف ذات الموضوع، بالوصف العنواني، كقولنا كل مغتذ نام في وقت زيادة الغذاء على بدل ما يتحلّل، وكلّ نام طالب للغذاء وقتا ما من أوقات كونه ناميا، فالاقسام تبلغ ثمانية وعشرين. والضابطة في النسبة أنّ المطلق أعمّ من المقيّد والمقيّد بالقيد الأعمّ أعمّ وكلّ واحد من السبعة بحسب الوقت المعيّن أخصّ من نظيره من السبعة بحسب الوقت الغير المعيّن، فإنّ كلّ ما يكون ضروريا في وقت معيّن يكون ضروريا في وقت ما من غير عكس، وكلّ واحد من الأربعة عشر بحسب وقت الذات أعمّ من نظيره من الأربعة عشر بحسب وقت الوصف، لأنّ وقت الوصف وقت الذات من غير عكس. فكلّ ما هو ضروري في وقت الوصف فهو ضروري في وقت الذات. والسّرّ في صيرورة ما ليس بضروري ضروريا في وقت أنّ الشيء إذا كان منتقلا من حال إلى حال آخر فربّما تؤدّي تلك الانتقالات إلى حالة تكون ضرورية له بحسب مقتضى الوقت. ومن هاهنا علم أنّه لا بد أن يكون للوقت مدخل في الضرورة ولذات الموضوع أيضا، كما أنّ للقمر مدخلا في ضرورة الانخساف. فإنّه لما كان بحيث يقتبس النور من الشمس وتختلف تشكلاته بحسب اختلاف أوضاعه منها، فلهذا أو لحيلولة الأرض وجب الانخساف. الخامسة الضرورة بشرط المحمول وهي ضرورة ثبوت المحمول للموضوع أو سلبه عنه بشرط الثبوت أو السلب، ولا فائدة فيها لأنّ كلّ محمول فهو ضروري للموضوع بهذا المعنى.فائدة:إذا قيل ضرورية أو ضرورية مطلقة أو قيل كل ج ب بالضرورة وأرسلت غير مقيّدة بأمر من الأمور، فعلى أية ضرورية تقال، فقال الشيخ في الإشارات على الضرورة الأزلية.وقال في الشفاء على الضرورة الذاتية. وإنما لم يطلق الشيخ الضرورة المطلقة على غيرهما من الضرورات لأنّها مشتملة على زيادة من الوصف والوقت، فهي كالجزء من المحمول.اعلم أنّ ما ذكر من الضرورة والإمكان هي التي تكون بحسب نفس الأمر وقد يكونان بحسب الذهن وتسمّى ضرورة ذهنية وإمكانا ذهنيا. فالضرورية الذهنية ما يكون تصوّر طرفيها كافيا في جزم العقل بالنسبة بينهما، والإمكان الذهني ما لا يكون تصوّر طرفيه كافيا فيه، بل يتردّد الذّهن بالنسبة بينهما. والضرورة الذهنية أخصّ من الخارجية لأنّ كلّ نسبة جزم العقل بها بمجرد تصوّر طرفيها كانت مطابقة لنفس الأمر وإلّا ارتفع الأمان عن البديهيات ولا ينعكس، أي ليس كلما كان ضروريا في نفس الأمر كان العقل جازما به بمجرّد تصوّر طرفيه كما في النظريات الحقة، فيكون الإمكان الذهني أعمّ من الإمكان الخارجي لأنّ نقيض الأعم أخصّ من نقيض الأخصّ.
الضرورة الشعرية:[في الانكليزية] Prosodic necessity [ في الفرنسية] Necessite prosodique هو حفظ وزن الشعر الداعي إلى جواز ما لا يجوز في النثر وهو عند الأكثر عشرة امور على ما هو في الشعر المنسوب إلى الزمخشري:ضرورة الشعر عشر عدّ جملتها قطع ووصل وتخفيف وتشديد مد وقصر وإسكان وتحريك ومنع صرف وصرف تمّ تعديد فالقطع هو في الهمزة الوصلية فإنّ الأصل فيه الوصل بما قبله وقد يقطع في الشعر كما في همزة باب الافتعال وغيره والوصل كما في الهمزة القطعية فإنّ الأصل فيه القطع عمّا قبله وقد يوصل في الشعر كما في همزة باب الإفعال. والتخفيف كما في الحرف المشدّد.والتشديد في الحرف المخفف. والمد في الألف المقصورة. والقصر في الألف الممدودة.والإسكان في المتحرّك. والتحريك في الساكن.ومنع الصرف في المنصرف. والصرف في غير المنصرف، هكذا في شروح الألفية.

بَيَان الضَّرُورَة

دستور العلماء للأحمد نكري

بَيَان الضَّرُورَة: فَهُوَ الْبَيَان الَّذِي حصل بِغَيْر مَا وضع لَهُ فِي الأَصْل إِذا الْمَوْضُوع لَهُ النُّطْق وَهَذَا يَقع بِالسُّكُوتِ الَّذِي هُوَ ضِدّه مثل سكُوت الْمولى عَن النَّهْي حِين يرى عَبده يَبِيع وَيَشْتَرِي فَإِنَّهُ يَجْعَل إِذْ ناله فِي التِّجَارَة ضَرُورَة دفع الْغرَر عَن من يعامله فَإِن النَّاس يستدلون بسكوته على إِذْنه فَلَو لم يَجْعَل إِذْنا لَكَانَ إِضْرَارًا لَهُم وَهُوَ مَمْنُوع. وكما فِي قَوْله تَعَالَى: {{وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث}} . فَإِنَّهُ تَعَالَى لما قَالَ وَورثه أَبَوَاهُ علم أَنَّهُمَا مشتركان فِي كل الْمِيرَاث. ثمَّ قَالَ فلأمه الثُّلُث. وَبَين نصيب الْأُم وَسكت كَانَ ذَلِك بَيَانا كالمنصوص عَلَيْهِ لما أَن الْبَاقِي للْأَب. وعَلى هَذَا مَسْأَلَة الْمُضَاربَة فَإِنَّهُ إِذا بَين رب المَال نصِيبه من الرِّبْح وَلم يبين نصيب الْمضَارب وَسكت صَحَّ الْمُضَاربَة لِأَن مُقْتَضى الْمُضَاربَة الْمُشَاركَة فِي الرِّبْح. فبيان نصيب أَحدهمَا وَالسُّكُوت عَن بَيَان نصيب الآخر يفهم نصيب الآخر فَكَانَ نصيب الآخر منطوقا بِهِ وَهَكَذَا بِالْعَكْسِ.
الضَّرُورَة: امْتنَاع انفكاك شَيْء عَن آخر عقلا فَيُقَال نِسْبَة الْحَيَوَان إِلَى الْإِنْسَان مثلا ضَرُورِيَّة أَي ممتنعة الانفكاك يَعْنِي أَن الْعقل يحكم بامتناع انفكاك الْحَيَوَان عَن الْإِنْسَان فَتكون تِلْكَ النِّسْبَة دائمة الْبَتَّةَ. فالدوام أَعم من الضَّرُورَة لِأَن كل ضَرُورِيّ دَائِم وَلَيْسَ كل دَائِم ضَرُورِيًّا لِأَن مَفْهُوم الضَّرُورَة امْتنَاع انفكاك النِّسْبَة عَن الْمَوْضُوع وَمَفْهُوم الدَّوَام شُمُول تِلْكَ النِّسْبَة جَمِيع الْأَزْمِنَة والأوقات وَمَتى كَانَت النِّسْبَة ممتنعة الانفكاك عَن الْمَوْضُوع كَانَت متحققة فِي جَمِيع أَوْقَات وجوده بِالضَّرُورَةِ وَلَيْسَ مَتى كَانَت النِّسْبَة متحققة فِي جَمِيع الْأَوْقَات امْتنع انفكاكها عَن الْمَوْضُوع لجَوَاز انفكاكها وَعدم وُقُوعهَا لِأَن الْمُمكن لَا يجب أَن يكون وَاقعا فَإِن الْحَرَكَة دائمة للفلك مَعَ جَوَاز انفكاكها عَنهُ فَيصح أَن يُقَال كل فلك متحرك دَائِما وَلَا يَصح أَن يُقَال كل فلك متحرك بِالضَّرُورَةِ فَإِن انفكاكها عَنهُ لَيْسَ بممتنع عِنْد الْعقل بل جَائِز مُمكن ثمَّ الضَّرُورَة خَمْسَة أَنْوَاع.الأول أزلية مثل الله عَالم بِالضَّرُورَةِ الأزلية أَي أزلا وأبدا. وَالثَّانِي ذاتية وَتسَمى مُطلقَة هِيَ مَا دَامَ الذَّات. وَالثَّالِث وَصفِيَّة بِمَعْنى مَا دَامَ الْوَصْف أَو بِشَرْط الْوَصْف أَو لأَجله - وَالرَّابِع وقتية إِمَّا فِي وَقت معِين أَو وقتا مَا - وَالْخَامِس بِشَرْط الْمَحْمُول ثبوتا أَو سلبا فَكل مَحْمُول ضَرُورِيّ بِالشّرطِ.وَاعْلَم أَنه إِذا قيل كل (ج ب) بِالضَّرُورَةِ من غير قيد فأزلية كَمَا فِي الإشارات وذاتية كَمَا فِي (الشِّفَاء) فالأزلية دَاخِلَة فِي الذاتية وَلذَا قَالُوا إِن الضَّرُورَة ذاتية - ووصفية - ووقتية مُعينَة - ووقتية منتشرة - لِأَنَّهَا إِن كَانَت بِحَسب ذَات الْمَوْضُوع وبشرط وجوده فَهِيَ ضَرُورَة ذاتية كَمَا فِي الضرورية الْمُطلقَة مثل كل إِنْسَان حَيَوَان بِالضَّرُورَةِ. وَإِن كَانَت بِحَسب وصف الْمَوْضُوع وبشرط وَصفه فَهِيَ ضَرُورَة وَصفِيَّة مَا فِي الْمَشْرُوطَة الْعَامَّة مثل بِالضَّرُورَةِ كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا. وَإِن كَانَت فِي وَقت معِين من أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع فَهِيَ ضَرُورَة وقتية مُعينَة كَمَا فِي الوقتية الْمُطلقَة مثل بِالضَّرُورَةِ كل قمر منخسف وَقت الْحَيْلُولَة. وَإِن كَانَت فِي وَقت غير معِين من أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع فَهِيَ ضَرُورَة وقتية منتشرة كَمَا فِي المنتشرة الْمُطلقَة مثل بِالضَّرُورَةِ كل إِنْسَان متنفس وقتا مَا. وَلَا يذهب عَلَيْك أَن الضَّرُورَة منحصرة فِي هَذِه الْأَرْبَع لِأَن لَهَا حالات شَتَّى عِنْد الْعقل لكِنهمْ لم يزِيدُوا فِي بَيَان جِهَة النِّسْبَة الضرورية على هَذِه الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة فَافْهَم.

الضَّرُورَة الأزلية

دستور العلماء للأحمد نكري

الضَّرُورَة الأزلية: وَالْأول باسم الضَّرُورَة الذاتية فَإِن ضَرُورَة ثُبُوت الْحَيَوَان للْإنْسَان فِي وَقت وجوده فَهِيَ ضَرُورَة مُقَيّدَة إِذْ لَو لم يُوجد الْإِنْسَان أصلا لم يكن حَيَوَانا وَلَا يلْزم من ذَلِك محَال بِخِلَاف ضَرُورَة ثُبُوت الْمَحْمُول لَهُ تَعَالَى فَإِنَّهَا ضَرُورَة غير مُقَيّدَة بِشَرْط فَإِن انْتِفَاء ثُبُوت الْمَحْمُول لَهُ تَعَالَى مُسْتَحِيل لذاته. وَاعْلَم أَن الضَّرُورَة الأزلية أخص مُطلقًا من الضَّرُورَة الْمُطلقَة أَي الضَّرُورَة الذاتية وَأَن الْمنَافِي للضَّرُورَة الذاتية هُوَ الْإِمْكَان بِمَعْنى رفع الضَّرُورَة بِشَرْط الْوُجُود والمنافي للضَّرُورَة الذاتية هُوَ الْإِمْكَان الذاتي وَإِنَّمَا قُلْنَا بِشَرْط وجود الْمَوْضُوع فِي التَّعْرِيف لَا مَا دَامَ الْوُجُود أَي فِي جَمِيع أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع لِئَلَّا يُرَاد أَنه لَو كَانَ معنى الضَّرُورَة الْمُطلقَة ضَرُورَة نِسْبَة الْمَحْمُول إِلَى الْمَوْضُوع فِي جَمِيع أَوْقَات وجوده لزم أَن لَا تصدق إِلَّا فِي مَادَّة الضَّرُورَة الأزلية لَا فِي مثل كل إِنْسَان مَوْجُود بِالضَّرُورَةِ فَيلْزم أَن لَا تكون الضَّرُورَة الْمُطلقَة أَعم من الضَّرُورَة الأزلية لِأَن وجود الْمَوْضُوع إِذا لم يكن ضَرُورِيًّا فِي وَقت وجوده لم يكن ثُبُوت الْمَحْمُول لَهُ ضَرُورِيًّا فِي ذَلِك الْوَقْت لكنه ضَرُورِيّ الثُّبُوت بِشَرْط وجوده. فَإِن قلت لما اعْتبر شَرط الْوُجُود فِي الضرورية الْمُطلقَة لم يبْق فرق فِي الْمَعْنى بَينهَا وَبَين الْمَشْرُوطَة الْعَامَّة فِيمَا إِذا كَانَ الْوَصْف العنواني مَفْهُوم الْوُجُود مثل كل مَوْجُود شَيْء بِالضَّرُورَةِ. قيل لَا مَحْذُور فِي ذَلِك لجَوَاز أَن تكون قَضِيَّة وَاحِدَة ضَرُورِيَّة مُطلقَة من حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَمِلَة على ضَرُورَة مُقَيّدَة بأوقات الْوُجُود مُطلقًا. ومشروطة عَامَّة من حَيْثُ إِنَّهَا مُشْتَمِلَة على ضَرُورَة مُقَيّدَة بأوقات الْوَصْف العنواني. هَذَا مَا يَلِيق بِهَذَا الْكتاب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
اللاضرورة: الْإِمْكَان الْمَقُول بالاشتراك اللَّفْظِيّ على أَرْبَعَة معَان: أَحدهَا: الْإِمْكَان الْعَاميّ وَهُوَ سلب الضَّرُورَة الْمُطلقَة أَي الذاتية عَن أحد طرفِي الْوُجُود والعدم وَهُوَ طرف الْمُخَالف للْحكم وَإِنَّمَا سمي إمكانا عاميا لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمل عِنْد الْجُمْهُور الْعَامَّة فَإِنَّهُم يفهمون من الْمُمكن هَذَا الْمَعْنى - وَثَانِيها: الْإِمْكَان الخاصي وَهُوَ سلب الضَّرُورَة الذاتية عَن الطَّرفَيْنِ الْمُخَالف والموافق للْحكم وَإِنَّمَا سمي خاصيا لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمل عِنْد الْخَاصَّة من الْحُكَمَاء - وَثَالِثهَا: الْإِمْكَان الْأَخَص وَهُوَ سلب الضَّرُورَة الْمُطلقَة والوصفية والوقتية عَن الطَّرفَيْنِ - واربعها: الْإِمْكَان الاستقبالي وَهُوَ إِمْكَان يعْتَبر بِالْقِيَاسِ إِلَى الزَّمَان الْمُسْتَقْبل - وَالتَّفْصِيل فِي شرح الْمطَالع.
الوقف المجوَّز لضرورة:ما يغتفر الوقف عليه لطول القصص والجمل المعترضة وفي حالة جمع القراءات وقصد التعليم ونحو ذلك، ولا يلزمه الوصل بالعود؛ لأن ما بعده جملة مفهومة.
الضَّرورة: مشتقةٌ من الضرر وهو النازل مما لا مدفع له، وأيضاً ما لا يفتقر إلى نظر واستدلال حيث تعلمه العامة.

اصطلاح من اصطلاحات الوقف، وهو يعني جواز الوقف عند طول الآيات.

كآية الدّين [البقرة: 282] مثلا، أو آية:

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب:35]، أو في حالة جمع القراءات معا، أو في قراءة التحقيق كذلك.

فعلى القارئ أن يتحرى في وقفه ما أمكن، فيقف على ما يؤدي معنى صحيحا. أما إن طالت الآية مثلا فيرخص له الوقف على بعض المواضع، مع اشتراط ألا يكون الوقف على ما يؤدي إلى معنى قبيح أو معنى غير مراد.

في الفرنسية/ Necessite
في الانكليزية/ Necessity
في اللاتينية/ Necessitas
الضرورة في اللغة الحاجة، والمشقة، والشدة التي لا تدفع، وعند الفلاسفة، اسم لما يتميز به الشيء من وجوب، أو امتناع.
والضرورة الايجابية هي الوجود، والضرورة السلبية هي العدم.
والضرورة احدى مقولات (كانت)، وهي مقابلة للجواز ( Contingence)، وتكون اما مطلقة ( categorique ou Absolue) وأما شرطية (- con ou Hypothetique ditionnelle).
فاذا كانت مطلقة كانت غير مقيدة بشرط كالضرورة الميتافيزيقية، أو الضرورة الرياضية المحضة، وهي تتضمن بذاتها امتناع تصور النقيض أو امتناع وجوده. ويمكن تحديدها قبليا بمجرد التحليل أو الاستنتاج العقلي.
وإذا كانت شرطية لم تدل على امتناع تصور النقيض، أو امتناع وجوده، بل دلّت على اتصاف الشيء بها في ظروف وشروط معينة. مثال ذلك ان (آ) لا يكون مساويا ل (ج)، الا اذا كان كل منهما مساويا لشيء ثالث مثل (ب)، فإذا فرضنا ان (ا ب) و (ج ب) لزم عن ذلك ان (ا ج)، فضرورة هذه النتيجة تابعة اذن لصدق المقدمتين السابقتين.
ومثال ذلك ايضا: اذا قلنا: ان المرجل ينفجر في درجة معينة من الضغط، دلّ هذا القول على ان الانفجار تابع لشرط معين، ومثال ذلك اخيرا: اذا قلنا ان العمل ضروري للنجاح في الحياة. دلّ هذا القول على توقف احد هذين الامرين على الآخر. فالمثال الأول يدل على الضرورة المنطقية ( logique Necessite)، وهي الضرورة التي يقتضيها مبدأ عدم التناقض، والثاني على الضرورة الطبيعية، وهي الضرورة التجريبية ( Necessite empirique) أو ضرورة الأمر الواقع ( fait de necessite)، والثالث على الضرورة المعنوية أو الادبية ( morale necessite)، وهي ضرورة النظام المثالي.
اضف إلىذلك ان الضرورة المعنوية لا توجب ان يكون نقيض الشيء ممتنعا في العقل أو الواقع، بل توجب ان يكون هذا النقيض قليل الاحتمال، مثال ذلك نجاح الطالب أو رسوبه في الامتحان، ووفاة شخص واحد من عشرة آلاف شخص في السنة، وحصول المرء في المجتمع على ربح متناسب مع قيمته العقلية، فهي كلها ضرورات معنوية لا ضرورات طبيعية.
وهذه الضرورة المعنوية عند (ليبنيز) وسط بين الضرورة المطلقة والحرية المطلقة، وقوامها ان الموجود العاقل لا يستطيع ان يختار أحد الممكنات الا اذا وجده أحسن وأسمى وأوفق من غيره.
ومن قبيل ذلك ارتباط افعال الإنسان ورغباته بالمبادئ والعلل الطبيعية، فإذا كان هذا الارتباط مطلقا، كانت الافعال جميعها طباعا لازمة عن العلل الخارجية بالضرورة، كما في مذهب الجبرية، وإذا كان جائزا ونسبيا، كانت بعض الافعال الإنسانية ناشئة عن حرية الاختيار، كما في مذهب القدرية وغيرهم.
(راجع: الجبرية، الحتمية، القدر).

التَّعْرِيفُ:
1 - الضَّرُورَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِضْطِرَارِ، وَالاِضْطِرَارُ: الاِحْتِيَاجُ الشَّدِيدُ (1) . تَقُول: حَمَلَتْنِي الضَّرُورَةُ عَلَى كَذَا وَكَذَا، وَقَدِ اضْطُرَّ فُلاَنٌ إِلَى كَذَا وَكَذَا.
وَعَرَّفَهَا الْجُرْجَانِيِّ: بِأَنَّهَا النَّازِل مِمَّا لاَ مَدْفَعَ لَهُ (2) .
وَهِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: بُلُوغُ الإِْنْسَانِ حَدًّا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ، كَالْمُضْطَرِّ لِلأَْكْل وَاللُّبْسِ بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ جَائِعًا أَوْ عُرْيَانًا لَمَاتَ، أَوْ تَلِفَ مِنْهُ عُضْوٌ، وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُل الْمُحَرَّمِ (3) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَاجَةُ:
2 - الْحَاجَةُ فِي اللُّغَةِ: تُطْلَقُ عَلَى الاِفْتِقَارِ، وَعَلَى مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ.
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير.
(2) التعريفات للجرجاني.
(3) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر (1 / 277 ط. دار الكتب العلمية) والمنثور في القواعد للزركشي 2 / 319.

وَاصْطِلاَحًا: هِيَ كَمَا عَرَّفَهَا الشَّاطِبِيُّ - مَا يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ، وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي - فِي الْغَالِبِ - إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا لَمْ تُرَاعَ دَخَل عَلَى الْمُكَلَّفِينَ - عَلَى الْجُمْلَةِ - الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ (1) .
قَال الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْحَاجَةُ كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُل لَمْ يَهْلَكْ، غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ وَهَذَا لاَ يُبِيحُ الْمُحَرَّمَ (2) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، أَنَّ الْحَاجَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَالَةَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ فَهِيَ دُونَ الضَّرُورَةِ، وَمَرْتَبَتُهَا أَدْنَى مِنْهَا وَلاَ يَتَأَتَّى بِفَقْدِهَا الْهَلاَكُ (3) .

ب - الْحَرَجُ:
3 - الْحَرَجُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الضِّيقِ، وَيُطْلَقُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى كُل مَا تَسَبَّبَ فِي الضِّيقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ وَاقِعًا عَلَى الْبَدَنِ أَمْ عَلَى النَّفْسِ أَمْ عَلَيْهِمَا مَعًا (4) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَالْحَرَجِ أَنَّ الضَّرُورَةَ
__________
(1) الموافقات 2 / 10 - 11، والموسوعة الفقهية 16 / 247.
(2) المنثور في القواعد للزركشي 2 / 319، وغمز عيون البصائر 1 / 277.
(3) الموسوعة الفقهية 16 / 247.
(4) الموسوعة الفقهية 17 / 268.

هِيَ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْحَرَجِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْفِيفِ (1) .

ج - الْعُذْرُ:
4 - الْعُذْرُ نَوْعَانِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ. وَالْعُذْرُ الْعَامُّ: هُوَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَهُ الشَّخْصُ غَالِبًا فِي بَعْضِ الأَْحْوَال كَفَقْدِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ، فَيَسْقُطُ قَضَاءُ الصَّلاَةِ، وَقَدْ يَكُونُ نَادِرًا، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَدُومَ كَالْحَدَثِ الدَّائِمِ وَالاِسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَنَحْوِهِ، فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ أَيْضًا، أَمَّا النَّادِرُ الَّذِي لاَ يَدُومُ وَلاَ بَدَل مَعَهُ كَفَقْدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ، فَيُوجِبُ الْقَضَاءَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. وَأَمَّا الْعُذْرُ الْخَاصُّ: فَهُوَ مَا يَطْرَأُ لِلإِْنْسَانِ أَحْيَانًا، كَالاِنْشِغَال بِأَمْرٍ مَا عَنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ، فَهَذَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ (2) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَبَيْنَ الْعُذْرِ أَنَّ الْعُذْرَ نَوْعٌ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْمُخَفَّفَةِ لِلأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الضَّرُورَةِ.

د - الْجَائِحَةُ.
5 - الْجَائِحَةُ فِي اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ، تَجْتَاحُ الْمَال مِنْ سَنَةً أَوْ فِتْنَةٍ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَوْحِ بِمَعْنَى الاِسْتِئْصَال وَالْهَلاَكِ، يُقَال: جَاحَتْهُمْ
__________
(1) الموسوعة الفقهية 17 / 170.
(2) المنثور في القواعد للزركشي 2 / 375 - 376

الْجَائِحَةُ وَاجْتَاحَتْهُمْ، وَجَاحَ اللَّهُ مَالَهُ وَأَجَاحَهُ بِمَعْنًى: أَيْ أَهْلَكَهُ بِالْجَائِحَةِ (1) .
وَالْجَائِحَةُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلضَّرُورَةِ.

هـ - الإِْكْرَاهُ:
6 - الإِْكْرَاهُ لُغَةً: حَمْل الْغَيْرِ عَلَى شَيْءٍ لاَ يَرْضَاهُ، يُقَال: أَكْرَهْتُ فُلاَنًا إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَى مَا لاَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ. وَعَرَّفَهُ الْبَزْدَوِيُّ بِأَنَّهُ: حَمْل الْغَيْرِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ يَقْدِرُ الْحَامِل عَلَى إِيقَاعِهِ وَيَصِيرُ الْغَيْرُ خَائِفًا بِهِ.
(ر: إِكْرَاهٌ ف 1) .
وَقَدْ يُؤَدِّي الإِْكْرَاهُ إِلَى الضَّرُورَةِ كَالإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ.

الأَْدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ فِي الأَْحْكَامِ:
7 - الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ نَوْعَانِ: أَحْكَامٌ كُلِّيَّةٌ شُرِعَتِ ابْتِدَاءً، وَلاَ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ دُونَ بَعْضٍ، وَلاَ بِبَعْضِ الأَْحْوَال دُونَ بَعْضٍ.
وَأَحْكَامٌ شُرِعَتْ لِعُذْرٍ شَاقٍّ اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مَعَ الاِقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ (2) .
__________
(1) الصحاح والقاموس ولسان العرب والمصباح المنير مادة (جوح) والموسوعة الفقهية (مصطلح: جائحة ف 1) .
(2) الموافقات للشاطبي 1 / 300 - 301.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَمَل بِالأَْحْكَامِ الاِسْتِثْنَائِيَّةِ بِمُقْتَضَى الضَّرُورَةِ، وَتَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمَبْدَأَيِ الْيُسْرِ وَانْتِفَاءِ الْحَرَجِ اللَّذَيْنِ هُمَا صِفَتَانِ أَسَاسِيَّتَانِ فِي دِينِ الإِْسْلاَمِ وَشَرِيعَتِهِ.
أَمَّا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فَفِيهِ عِدَّةُ آيَاتٍ تَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَمَل بِمُقْتَضَى الضَّرُورَةِ وَاعْتِبَارِهَا فِي الأَْحْكَامِ.
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) .
وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (2) .
فَهَاتَانِ الآْيَتَانِ، وَغَيْرُهُمَا تُبَيِّنُ تَحْرِيمَ تَنَاوُل مَطْعُومَاتٍ مُعَيَّنَةٍ كَالْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ اسْتِثْنَاءَ حَالَةِ الضَّرُورَةِ حِفَاظًا عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْهَلاَكِ، وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ التَّحْرِيمِ - كَمَا قَال الْبَزْدَوِيُّ - إِبَاحَةٌ، إِذِ الْكَلاَمُ صَارَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، وَقَدْ كَانَ مُبَاحًا قَبْل التَّحْرِيمِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ (3) .
__________
(1) سورة البقرة / 173.
(2) سورة الأنعام / 119
(3) كشف الأستار 4 / 1518.

وَأَمَّا الأَْحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا.
مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى يَحِل لَنَا الْمَيْتَةُ؟ قَال: إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَحْتَفِئُوا، فَشَأْنُكُمْ بِهَا (1) .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ أَهْل بَيْتٍ كَانُوا بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَال: فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْلِهَا، قَال: فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ (2) .
وَقَدْ دَل الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَتَنَاوَل مِنَ الْمَيْتَةِ مَا يَكْفِيهِ.

8 - شُرُوطُ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ:
يُشْتَرَطُ لِلأَْخْذِ بِمُقْتَضَى الضَّرُورَةِ مَا يَلِي:
أ - أَنْ تَكُونَ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً لاَ مُنْتَظَرَةً، وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ
__________
(1) حديث أبي واقد الليثي: " يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة ". أخرجه أمد (5 / 218) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 165) : " رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح ". والمعنى: لم تجدوا ألبتة تصطحبونها، أو شربا تغتبقونه ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة. نيل الأوطار: (4 / 151 ط: دار القلم.) .
(2) نيل الأوطار (8 / 156، 158 الحلبي.) . وحديث جابر بن سمرة: " أن أهل بيت كانوا بالحرة ". أخرجه أحمد (5 / 87) .

عَلَى الرُّخَصِ مِنْهَا:
يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِتَحَقُّقِ الإِْكْرَاهِ خَوْفَ الْمُكْرَهِ إِيقَاعَ مَا هُدِّدَ بِهِ فِي الْحَال بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ (1) ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَقَوْل الْمُكْرِهِ " لأََقْتُلَنَّكَ غَدًا " لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ (2) .
قَال الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: لَوْ كَانَتِ الْحَاجَةُ غَيْرَ نَاجِزَةٍ فَهَل يَجُوزُ الأَْخْذُ لِمَا عَسَاهُ يَطْرَأُ؟ الظَّاهِرُ لاَ، كَاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنَ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ (3) .
يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الصَّوَابُ الْوُقُوفُ مَعَ أَصْل الْعَزِيمَةِ، إِلاَّ فِي الْمَشَقَّةِ الْمُخِلَّةِ الْفَادِحَةِ فَإِنَّ الصَّبْرَ أَوْلَى، مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى دَخْلٍ فِي عَقْل الإِْنْسَانِ أَوْ دِينِهِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى الصَّبْرِ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ إِلاَّ مَنْ يُطِيقُهُ، فَأَنْتَ تَرَى بِالاِسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْفَادِحَةَ لاَ يَلْحَقُ بِهَا تَوَهُّمُهَا، بَل حُكْمُهَا أَخَفُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوَهُّمَ غَيْرُ صَادِقٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْوَال فَإِذًا: لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ بِحَقِيقِيَّةٍ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْعِلَّةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلرُّخْصَةِ فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ لاَزِمٍ (4) .
ب - أَلاَّ يَكُونَ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ وَسِيلَةٌ أُخْرَى إِلاَّ مُخَالَفَةُ الأَْوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ قَال
__________
(1) الدر المختار 5 / 80، ومغني المحتاج 3 / 289.
(2) مغني المحتاج 3 / 290.
(3) حاشية عميرة 2 / 142.
(4) الموافقات 1 / 336.

أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (1) . مَعْنَى الضَّرُورَةِ - هُنَا -: هُوَ خَوْفُ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِتَرْكِهِ الأَْكْل وَقَدِ انْطَوَى تَحْتَهُ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْصُل فِي مَوْضِعٍ لاَ يَجِدُ غَيْرَ الْمَيْتَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا مَوْجُودًا، وَلَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يَخَافُ مِنْهُ تَلَفَ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ، وَكِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِالآْيَةِ عِنْدَنَا (2) .
ج - يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ مُرَاعَاةُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ، لأَِنَّ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَتَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الأَْصْل قَرَّرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُضْطَرَّ لاَ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ إِلاَّ قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ (3) .
د - يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَنْ يُرَاعِيَ عِنْدَ دَفْعِ الضَّرُورَةِ مَبْدَأَ دَرْءِ الأَْفْسَدِ فَالأَْفْسَدِ، وَالأَْرْذَل فَالأَْرْذَل، فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْل مُسْلِمٍ بِحَيْثُ لَوِ امْتَنَعَ مِنْهُ قُتِل يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْرَأَ مَفْسَدَةَ الْقَتْل بِالصَّبْرِ عَلَى الْقَتْل، لأَِنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْقَتْل أَقَل
__________
(1) سورة الأنعام / 119.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1 / 150 ط. البهية.
(3) غمز عيون البصائر 1 / 276 - 277 نشر دار الكتب العلمية - بيروت.

مَفْسَدَةً مِنْ إِقْدَامِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ دَرْءُ الْقَتْل بِالصَّبْرِ، لإِِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْل، وَاخْتِلاَفِهِمْ فِي الاِسْتِسْلاَمِ لِلْقَتْل فَوَجَبَ تَقْدِيمُ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَى وُجُوبِ دَرْئِهَا عَلَى دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ دَرْئِهَا (1) .
هـ - أَلاَّ يَقْدَمَ الْمُضْطَرُّ عَلَى فِعْلٍ لاَ يَحْتَمِل الرُّخْصَةَ بِحَالٍ (2) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الإِْكْرَاهُ عَلَى الْمَعَاصِي أَنْوَاعٌ:
نَوْعٌ يُرَخَّصُ لَهُ فِعْلُهُ وَيُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَشَتْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكِ الصَّلاَةِ، وَكُل مَا يَثْبُتُ بِالْكِتَابِ.
وَنَوْعٌ يَحْرُمُ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ بِإِتْيَانِهِ كَالزِّنَى وَقَتْل مُسْلِمٍ، أَوْ قَطْعِ عُضْوِهِ، أَوْ ضَرْبِهِ ضَرْبًا مُتْلِفًا، أَوْ شَتْمِهِ أَوْ أَذِيَّتِهِ (3) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ وَالأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (ر: مُصْطَلَح: رُخْصَة) .

9 - حَالاَتُ الضَّرُورَةِ:
بِتَتَبُّعِ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ
__________
(1) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1 / 79.
(2) بدائع الصنائع 7 / 177.
(3) حاشية ابن عابدين 5 / 83.

أَهَمَّ حَالاَتِ الضَّرُورَةِ عِبَارَةٌ عَنِ: -
1 - الاِضْطِرَارِ إِلَى تَنَاوُل الْمُحَرَّمِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ.
2 - الاِضْطِرَارِ إِلَى النَّظَرِ وَاللَّمْسِ لِلتَّدَاوِي.
3 - الاِضْطِرَارِ إِلَى إِتْلاَفِ نَفْسٍ أَوْ فِعْل فَاحِشَةٍ.
4 - الاِضْطِرَارِ إِلَى أَخْذِ مَال الْغَيْرِ وَإِتْلاَفِهِ.
5 - الاِضْطِرَارِ إِلَى قَوْل الْبَاطِل (1) .
10 - الْحَالَةُ الأُْولَى:
الاِضْطِرَارُ إِلَى تَنَاوُل الْمُحَرَّمِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ:
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي إِبَاحَةِ أَكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا لِلْمُضْطَرِّ (2) . لِلأَْدِلَّةِ السَّابِقَةِ.
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمَقْصُودِ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ، وَمِقْدَارِ مَا يَأْكُلُهُ الْمُضْطَرُّ مِنَ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا،
__________
(1) انظر تفسير القرطبي 2 / 225، وأحكام القرآن لابن العربي 1 / 55 ط. عيسى الحلبي. هذا وقد ذكر بعض المعاصرين المرض، والسفر، والنسيان والجهل، والعسر وعموم البلوى والنقص ضمن حالات الضرورة، والواقع أن هذه الحالات وما شابهها وإن كانت من الأعذار التي جعلت سببا للتخفيف عن العباد إلا أنها ل
(2) المغني لابن قدامة 8 / 595، والقوانين الفقهية ص 178 نشر الدار العربية للكتاب، وأحكام القرآن لابن العربي 1 / 55، ومغني المحتاج 4 / 306، وأحكام القرآن للجصاص 1 / 147 ط. البهية.

وَتَفْصِيل الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تُبِيحُهَا الضَّرُورَةُ وَتَرْتِيبِهَا عِنْدَ التَّعَدُّدِ، وَأَثَرِ الضَّرُورَةِ فِي رَفْعِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:

أ - الْمَيْتَةُ:
إِذَا كَانَ لِلْمُضْطَرِّ أَكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَالَةِ الاِضْطِرَارِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الاِضْطِرَارُ بِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فِي مَخْمَصَةٍ، أَوْ بِإِكْرَاهٍ مِنْ ظَالِمٍ، فَهَل يَجِبُ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهَا أَمْ يَجُوزُ لَهُ الاِمْتِنَاعُ مِنَ الأَْكْل حَتَّى يَمُوتَ؟ .
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ - وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - إِلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْل الْمَيْتَةِ (1) .
وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَخَافُ الْهَلاَكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ إِذَا وَجَدَ مَيْتَةً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ دَمًا فَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ كَانَ آثِمًا (2) ، قَال اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (3) ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ يُعْتَبَرُ قَاتِلاً لِنَفْسِهِ
__________
(1) ابن عابدين 5 / 215، والدسوقي 2 / 115، والمغني 8 / 596، واختيارات ابن تيمية ص 321، والمقنع 3 / 531، والمهذب 1 / 250
(2) المبسوط للسرخسي 24 / 151، وابن عابدين 5 / 215.
(3) سورة البقرة / 195.

مُلْقِيًا بِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، لأَِنَّ الْكَفَّ عَنِ التَّنَاوُل فِعْلٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الإِْنْسَانِ، وَلأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حَلاَلٌ (1) .
وَقَال كُلٌّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - فِي وَجْهٍ - وَأَبُو يُوسُفَ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - إِنَّ الْمُضْطَرَّ يُبَاحُ لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ، فَلَوِ امْتَنَعَ عَنِ التَّنَاوُل فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَمَاتَ. " فَلاَ إِثْمَ وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ صَاحِبِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّ طَاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ فِي بِيَعٍ، وَجَعَل مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِمَاءٍ وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَبْ، حَتَّى مَال رَأْسُهُ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَخَشُوا مَوْتَهُ، فَأَخْرَجُوهُ فَقَال: قَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي لأَِنِّي مُضْطَرٌّ وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لأُِشْمِتَكَ بِدِينِ الإِْسْلاَمِ (2) .
وَلأَِنَّ إِبَاحَةَ الأَْكْل رُخْصَةٌ فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ، وَلأَِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَالأَْخْذِ بِالْعَزِيمَةِ وَرُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَفَارَقَ الْحَلاَل فِي الأَْصْل مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ (3) .
__________
(1) المغني 8 / 596.
(2) قصة عبد الله بن حذافة السهمي. أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (ترجمة عبد الله بن حذافة ص 134 - 135 ط. دار الفكر) ، وفي إسنادها انقطاع بين عبد الله بن حذافة والراوي عنه وهو الزهري.
(3) تبيين الحقائق 5 / 185 والمغني 8 / 596 ط الرياض والمهذب 1 / 250.

مِقْدَارُ مَا يَأْكُلُهُ الْمُضْطَرُّ مِنْ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يُبَاحُ لَهُ أَكْل مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي الشِّبَعِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ - وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ لاَ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ إِلاَّ قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ، وَلاَ يُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ، لأَِنَّ آيَةَ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} (2) دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَاسْتَثْنَتْ مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ، فَإِذَا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَحِل لَهُ الأَْكْل لِلآْيَةِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ كَحَالِهِ قَبْل أَنْ يُضْطَرَّ، وَثَمَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الأَْكْل كَذَا هَاهُنَا (3) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّ الْمُضْطَرَّ يُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ لإِِطْلاَقِ الآْيَةِ، وَلِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلاً نَزَل الْحَرَّةَ فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ نَاقَةٌ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ:
__________
(1) المغني 8 / 595، ومغني المحتاج 4 / 307.
(2) سورة البقرة / 173.
(3) غمز عيون البصائر 1 / 277، ومغني المحتاج 4 / 307، والأشباه للسيوطي ص 84، والمغني 8 / 595، والقرطبي 2 / 228، والدسوقي 2 / 115.

اسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا وَنَأْكُلَهُ، فَقَال: حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَال: هَل عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ قَال: لاَ، قَال: فَكُلُوهَا (1) وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلأَِنَّ مَا جَازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنْهُ جَازَ الشِّبَعُ مِنْهُ كَالْمُبَاحِ، وَلأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَرْفَعُ التَّحْرِيمَ فَيَعُودُ مُبَاحًا، وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُوتِ إِلَى حَالَةِ وُجُودِهِ حَتَّى يَجِدَ (2) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُحْتَمَل أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوَال، فَمَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً كَحَالَةِ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَازَ الشِّبَعُ، لأَِنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ عَادَتِ الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ، وَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْبُعْدِ مَخَافَةَ الضَّرُورَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَيُفْضِي إِلَى ضَعْفِ بَدَنِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَلَفِهِ، بِخِلاَفِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً فَإِنَّهُ يَرْجُو الْغِنَى عَنْهَا بِمَا يَحِل (3) .

ب - ذَبْحُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول لِلضَّرُورَةِ:
كُل حَيَوَانٍ حَيٍّ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي
__________
(1) حديث جابر بن سمرة: " أن رجلا نزل الحرة. . ". أخرجه أبو داود (4 / 166 - 167) .
(2) حاشية الدسوقي 2 / 115، وأحكام القرآن لابن العربي 1 / 55 - 56، ومغني المحتاج 4 / 307، والمغني 8 / 595.
(3) المغني 8 / 595.

لاَ تُؤْكَل يَحِل لِلْمُضْطَرِّ قَتْلُهُ بِذَبْحٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَبْحٍ، لِلتَّوَصُّل إِلَى أَكْلِهِ.
قَال الْجَصَّاصُ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لآِيَاتِ الضَّرُورَةِ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الضَّرُورَةَ فِي هَذِهِ الآْيَاتِ، وَأَطْلَقَ الإِْبَاحَةَ فِي بَعْضِهَا، لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلاَ صِفَةٍ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَقَدْ فَصَّل لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (1) فَاقْتَضَى ذَلِكَ وُجُودَ الإِْبَاحَةِ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ فِي كُل حَالٍ وُجِدَتِ الضَّرُورَةُ فِيهَا (2) .

ج - تَنَاوُل مَا حُرِّمَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ:
تَنَاوُل مَا حُرِّمَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا حُرِّمَ لِكَوْنِهِ يَقْتُل الإِْنْسَانَ إِذَا تَنَاوَلَهُ كَالسُّمُومِ، فَإِنَّهُ لاَ تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، لأَِنَّ تَنَاوُلَهُ اسْتِعْجَالٌ لِلْمَوْتِ، وَقَتْلٌ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
وَالآْخَرُ: مَا حُرِّمَ لِنَجَاسَتِهِ وَيُمَثِّل لَهُ الْفُقَهَاءُ بِالتِّرْيَاقِ الْمُشْتَمِل عَلَى خَمْرٍ وَلُحُومِ حَيَّاتٍ: (ر: سُمٌّ) .

د - شُرْبُ الْخَمْرِ لِضَرُورَةِ الْعَطَشِ وَالْغَصَصِ:
يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ شُرْبُ الْخَمْرِ إِنْ لَمْ يَجِدْ
__________
(1) سورة الأنعام / 119.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1 / 147 ط. المطبعة البهية، والمجموع 1 / 43 - 44.

غَيْرَهَا لإِِسَاغَةِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَيَرَى ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ ضَرُورَةَ الْغَصَصِ تَدْرَأُ الْحَدَّ وَلاَ تَمْنَعُ الْحُرْمَةَ (1) .
وَأَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ أَنَّ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ كَمَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُل الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ شُرْبِ الْخَمْرِ لِضَرُورَةِ الْعَطَشِ بِقَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ تَرُدُّ ذَلِكَ الْعَطَشَ (2) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - إِلَى تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِدَفْعِ الْعَطَشِ (3) .

هـ - تَنَاوُل الْمُضْطَرِّ لَحْمَ إِنْسَانٍ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ إِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ آدَمِيًّا حَيًّا مَحْقُونَ الدَّمِ لَمْ يُبَحْ لَهُ قَتْلُهُ، وَلاَ إِتْلاَفُ عُضْوٍ مِنْهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لأَِنَّهُ مِثْلُهُ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُبْقِيَ نَفْسَهُ بِإِتْلاَفِهِ (4) .
__________
(1) الفتاوى الهندية 5 / 412، والدسوقي 4 / 352، والفواكه الدواني 2 / 289، وكشاف القناع 6 / 117، ومغني المحتاج 4 / 188.
(2) الفتاوى الهندية 5 / 412 ومغني المحتاج 4 / 188.
(3) الدسوقي 4 / 353، والفواكه الدواني 2 / 289، وتفسير ابن العربي 1 / 56، ومغني المحتاج 4 / 22، والأم 2 / 253، وحلية العلماء 3 / 416.
(4) والمغني 8 / 601، المجموع 9 / 44.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَجَدَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، مَيِّتًا فَأَجَازَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ وَأَشْهَرِهِمَا أَكْلَهُ، لأَِنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ (1) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي وَجْهٍ - أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَيْسَ لَهُ أَكْل ابْنِ آدَمَ وَلَوْ مَاتَ (2) لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا (3) .
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ جَوَّزْنَا الأَْكْل مِنَ الآْدَمِيِّ الْمَيِّتِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ إِلاَّ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ بِلاَ خِلاَفٍ، حِفْظًا لِلْحُرْمَتَيْنِ.
قَال: لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ طَبْخُهُ وَشَيُّهُ، بَل يَأْكُلُهُ نِيئًا، لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ، وَفِي طَبْخِهِ هَتْكٌ لِحُرْمَتِهِ، فَلاَ يَجُوزُ الإِْقْدَامُ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الْمَيْتَاتِ، فَإِنَّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلَهَا نِيِّئَةً وَمَطْبُوخَةً (4) .

11 - تَرْتِيبُ الْمُحَرَّمَاتِ:
إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً - وَنَحْوَهَا - مِنْ مَحْظُورَاتِ الأَْطْعِمَةِ وَالأَْشْرِبَةِ وَوَجَدَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا لِلْغَيْرِ فَأَيُّهُمَا يَأْخُذُهُ؟
__________
(1) المجموع 9 / 44، والمغني 8 / 602.
(2) المجموع 9 / 44، وتفسير القرطبي 2 / 229، والمغني 8 / 602.
(3) حديث: " كسر عظم الميت ككسره حيا. ". أخرجه أبو داود (3 / 544) من حديث عائشة، وحسنه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (3 / 54) .
(4) المجموع 9 / 44.

ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ تَنَاوُل طَعَامِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ، لأَِنَّ إِبَاحَةَ الْمَيْتَةِ بِالنَّصِّ، وَإِبَاحَةَ مَال الْغَيْرِ بِالاِجْتِهَادِ، وَالنَّصُّ أَقْوَى، وَلأَِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَحُقُوقَ الآْدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشُّحِّ وَالتَّضْيِيقِ، وَلأَِنَّ حَقَّ الآْدَمِيِّ تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ وَحَقَّ اللَّهِ لاَ عِوَضَ لَهُ (1) .
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لاَ تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلاَل، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ، كَمَا لَوْ بَذَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ (2) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ تَقْدِيمَ طَعَامِ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ نَدْبًا إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ أَوِ الضَّرْبَ أَوِ الأَْذَى وَإِلاَّ قَدَّمَ الْمَيْتَةَ (3) .
وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَال: يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الدَّمَ وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَأْكُل الْمَيْتَةَ وَلاَ يَقْرَبُ ضَوَال الإِْبِل - وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ - وَيَشْرَبُ الْبَوْل وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، لأَِنَّ
__________
(1) غمز عيون البصائر 1 / 288، ومغني المحتاج 4 / 309، والمجموع 9 / 53، والمغني 8 / 600.
(2) غمز عيون البصائر 1 / 288 - 289، والمغني 8 / 600، والمجموع 9 / 53.
(3) الدسوقي 2 / 116، والقرطبي 2 / 229.

الْخَمْرَ يَلْزَمُ فِيهَا الْحَدُّ فَهِيَ أَغْلَظُ (1) .
وَالْمُضْطَرُّ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا وَوَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا حَيًّا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ أَعَانَ عَلَى صَيْدِهِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْمَيْتَةَ عَلَى الصَّيْدِ الْحَيِّ الَّذِي صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، بِهَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّعْبِيُّ: إِنَّهُ يَأْكُل الصَّيْدَ وَيَفْدِيهِ، لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُهُ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لاَ تَحِل الْمَيْتَةُ لِغِنَاهُ عَنْهَا (3) .

12 - أَثَرُ الضَّرُورَةِ فِي رَفْعِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا:
قَال شَارِحُ أُصُول الْبَزْدَوِيِّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ أَكْل الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا فِي حَال الضَّرُورَةِ، فَهَل تَصِيرُ مُبَاحَةً، أَوْ تَبْقَى عَلَى الْحُرْمَةِ وَيَرْتَفِعُ الإِْثْمُ؟
فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّهَا لاَ تَحِل لَكِنْ يُرَخَّصُ فِي الْفِعْل إِبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ كَمَا فِي الإِْكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
__________
(1) القرطبي 2 / 288.
(2) غمز عيون البصائر 1 / 289، والدسوقي 2 / 116، ومغني المحتاج 4 / 309، والمغني 8 / 601.
(3) مغني المحتاج 4 / 309، والمغني 8 / 601، وغمز عيون البصائر 1 / 289.

وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا (الْحَنَفِيَّةُ) إِلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ تَرْتَفِعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (1) .
ثُمَّ ذَكَرَ لِلْخِلاَفِ فَائِدَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إِذَا صَبَرَ حَتَّى مَاتَ لاَ يَكُونُ آثِمًا عَلَى الأَْوَّل بِخِلاَفِهِ عَلَى الآْخَرِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَأْكُل حَرَامًا فَتَنَاوَلَهَا فِي حَال الضَّرُورَةِ يَحْنَثُ عَلَى الأَْوَّل وَلاَ يَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي (2) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: رُخْصَةٌ، وَالْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ) .

13 - تَنَاوُل الْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ الأَْكْل مِنَ الْمَيْتَةِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} قَال مُجَاهِدٌ: غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلاَ عَادٍ عَلَيْهِمْ، وَقَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَلاَ رُخْصَةَ لَهُ، فَإِنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ حَل لَهُ الأَْكْل (3) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ -
__________
(1) كشف الأسرار 1 / 642 ط الصنايع 1307 هـ.
(2) كشف الأسرار 1 / 662، وسلم الأصول لشرح نهاية السول 1 / 121 - 122 ط. عالم الكتب.
(3) المغني 8 / 597، وأحكام القرآن لابن العربي 1 / 58، والقوانين الفقهية ص 178 نشر الدار العربية للكتاب.

وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي قَوْلٍ - أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ بِأَكْل الْمَيْتَةِ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ.
وَلِلْعُلَمَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ حَوْل اسْتِبَاحَةِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ (1) .
رُخَصُ السَّفَرِ يُنْظَرُ فِي: (سَفَرٌ) .

14 - الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الاِضْطِرَارُ إِلَى النَّظَرِ وَاللَّمْسِ لِلتَّدَاوِي:
يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا لِضَرُورَةِ التَّدَاوِي (2) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُبَاحُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ مِنَ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ (3) .
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَأَمَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَالنَّظَرُ وَاللَّمْسُ مُبَاحَانِ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلاَجٍ وَلَوْ فِي فَرْجٍ لِلْحَاجَةِ الْمُلْجِئَةِ إِلَى ذَلِكَ وَلأَِنَّ فِي التَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ حَرَجًا، فَلِلرَّجُل مُدَاوَاةُ الْمَرْأَةِ وَعَكْسُهُ وَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوِ امْرَأَةٍ (4) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ جَوَازِ مُعَالَجَةِ الطَّبِيبِ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً يُنْظَرُ: (عَوْرَةٌ) .
__________
(1) تفسير الجصاص 1 / 147، والقوانين الفقهية ص 178، وتفسير القرطبي 2 / 232، ومغني المحتاج 1 / 268.
(2) المبسوط للسرخسي 10 / 156 وبدائع الصنائع 5 / 124، ومغني المحتاج 3 / 133، والمغني 6 / 558، وكشاف القناع 1 / 265.
(3) المغني 6 / 558.
(4) مغني المحتاج 3 / 133.

15 - الاِضْطِرَارُ إِلَى الْعِلاَجِ بِالنَّجِسِ وَالْمُحَرَّمِ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي وَجْهٍ - إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ وَالنَّجِسِ (1) لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (2) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ الاِسْتِشْفَاءِ بِالْحَرَامِ عِنْدَ تَيَقُّنِ حُصُول الشِّفَاءِ فِيهِ، كَتَنَاوُل الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَالْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ وَإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ، وَلاَ يُجِيزُونَ الاِسْتِشْفَاءَ بِالْحَرَامِ الَّذِي لاَ يُتَيَقَّنُ حُصُول الشِّفَاءِ بِهِ (3) .
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِجَوَازِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ تَيَقُّنَ حُصُول الشِّفَاءِ فِيهِ وَعَدَمَ وُجُودِ دَوَاءٍ غَيْرِهِ (4) .
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْمَذْهَبِ - التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْخَمْرِ، سَوَاءٌ فِيهِ جَمِيعُ النَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْمُسْكِرِ (5) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ
__________
(1) الفواكه الدواني 2 / 441، والفروع 2 / 165، وكشاف القناع 6 / 116، والمجموع 9 / 50.
(2) حديث: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ". أخرجه البخاري (10 / 78) معلقا، ووصله الإمام أحمد من قول ابن مسعود موقوفا عليه في كتاب الأشربة (ص 63) وصححه ابن حجر في الفتح (10 / 79) .
(3) بدائع الصنائع 1 / 61.
(4) ابن عابدين 4 / 113، 215.
(5) المجموع 9 / 50.

وَالنَّجِسِ وَحُكْمِ التَّدَاوِي بِهِ لِتَعْجِيل الشِّفَاءِ: (ر: تَدَاوِي) .

16 - الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الاِضْطِرَارُ إِلَى إِتْلاَفِ النَّفْسِ أَوِ ارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ:
الْقَتْل تَحْتَ تَأْثِيرِ الإِْكْرَاهِ:
وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ:
الأُْولَى: الاِضْطِرَارُ إِلَى قَتْل نَفْسِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَأْتِي فِي الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ،
وَالأُْخْرَى: الاِضْطِرَارُ إِلَى قَتْل غَيْرِهِ وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْل غَيْرِهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْقْدَامُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلاَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِهِ بِجَلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى الْبَلاَءِ الَّذِي نَزَل بِهِ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، وَيَسْأَل اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (1) .
قَال الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَوْ قَال لَكَ ظَالِمٌ: إِنْ لَمْ تَقْتُل فُلاَنًا أَوْ تَقْطَعْهُ قَتَلْتُكَ، فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قِيل لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَرْضَى بِقَتْل نَفْسِهِ وَيَصْبِرَ (2) .
وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ وُقُوعِ الْقَتْل، أَوْ قَطْعِ الْعُضْوِ
__________
(1) تفسير القرطبي 10 / 183، وانظر تبيين الحقائق 5 / 186، ومجمع الأنهر 2 / 417، والشرح الصغير 2 / 549، وشرح الزرقاني 4 / 88، والمغني 7 / 645، ونهاية المحتاج 7 / 245، و 248.
(2) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 2 / 549.

تَحْتَ تَأْثِيرِ الإِْكْرَاهِ يُنْظَرُ فِي: (إِكْرَاهٌ، وَقِصَاصٌ) .

الْقَتْل لِضَرُورَةِ الدِّفَاعِ:
إِذَا صَال صَائِلٌ عَلَى إِنْسَانٍ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (1) وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ عَلَى الْمَصُول عَلَيْهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَصُول عَلَيْهِ أَنْ يُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا وُجُوبَ دَفْعِ الصَّائِل بِمَا إِذَا كَانَ الصَّائِل كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً (2) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ - فِي قَوْلٍ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - أَنَّ الْمَصُول عَلَيْهِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّائِل (3) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: صِيَالٌ) .

الزِّنَى تَحْتَ تَأْثِيرِ الإِْكْرَاهِ:
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الزِّنَى لاَ يُبَاحُ
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 92 - 93، ومغني المحتاج 4 / 194، ومواهب الجليل 6 / 323، والمغني 8 / 329 - 330، والإنصاف 10 / 303 مطبعة السنة المحمدية وكشاف القناع 6 / 154 نشر عالم الكتب.
(2) مغني المحتاج 4 / 195، ومجموعة فتاوى ابن تيمية 34 / 242، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 487 - 488 ومواهب الجليل 6 / 323، والإنصاف 10 / 304.
(3) مواهب الجليل 6 / 323، والإنصاف 10 / 304.

وَلاَ يُرَخَّصُ لِلرَّجُل بِالإِْكْرَاهِ وَإِنْ كَانَ تَامًّا، وَلَوْ فَعَل يَأْثَمُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِكْرَاه وَزِنًى) .

17 - الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: الاِضْطِرَارُ إِلَى أَخْذِ مَال الْغَيْرِ وَإِتْلاَفِهِ:
إِذَا اضْطُرَّ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ نَظَرَ: فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لأَِحَدٍ أَخْذُهُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ حَال الضَّرُورَةِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَمَاتَ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، لأَِنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ، لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِحْيَاءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ فَلَزِمَهُ بِذَلِكَ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْل مَنَافِعِهِ وَإِنْجَاؤُهُ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرِيقِ، لأَِنَّ الاِمْتِنَاعَ عَنْ بَذْلِهِ إِعَانَةٌ عَلَى قَتْل الْمُضْطَرِّ (1) ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَل مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (2) .
__________
(1) المهذب 1 / 250، ومغني المحتاج 4 / 308، وتفسير الجصاص 1 / 153، والقواعد لابن رجب ص 228، والدسوقي 4 / 242، والمغني 6 / 602.
(2) حديث: " من أعان على قتل مؤمن. . . . ". أخرجه ابن ماجه (2 / 874) من حديث أبي هريرة، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (2 / 83) .

فَإِنْ لَمْ يَبْذُل فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ دُونَ مَالِكِهِ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُهُ كَغَيْرِ مَالِهِ، فَإِنِ احْتِيجَ فِي ذَلِكَ إِلَى قِتَالٍ فَلَهُ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِل الْمُضْطَرُّ فَهُوَ شَهِيدٌ وَعَلَى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ آل أَخْذُهُ إِلَى قَتْل صَاحِبِهِ فَهُوَ هَدْرٌ، لأَِنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ فَأَشْبَهَ الصَّائِل، إِلاَّ أَنْ يُمْكِنَ أَخْذُهُ بِشِرَاءٍ أَوِ اسْتِرْضَاءٍ فَلَيْسَ لَهُ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ، لإِِمْكَانِ الْوُصُول إِلَيْهِ دُونَهَا (1) .
وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي أَثَرِ الاِضْطِرَارِ فِي إِبْطَال حَقِّ الْغَيْرِ يُنْظَرُ فِي: (إِتْلاَفٌ، وَضَمَانٌ) .

إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ لِضَرُورَةِ إِنْقَاذِ السَّفِينَةِ:
إِذَا أَشْرَفَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْغَرَقِ جَازَ إِلْقَاءُ بَعْضِ أَمْتِعَتِهَا فِي الْبَحْرِ، وَيَجِبُ الإِْلْقَاءُ رَجَاءَ نَجَاةِ الرَّاكِبِينَ إِذَا خِيفَ الْهَلاَكُ، وَيَجِبُ إِلْقَاءُ مَا لاَ رُوحَ فِيهِ، لِتَخْلِيصِ ذِي الرُّوحِ، وَلاَ يَجُوزُ إِلْقَاءُ الدَّوَابِّ إِذَا أَمْكَنَ دَفْعُ الْغَرَقِ بِغَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَإِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِلْقَاءِ الدَّوَابِّ أُلْقِيَتْ لإِِنْقَاذِ الآْدَمِيِّينَ، وَالْعَبِيدُ فِي ذَلِكَ كَالأَْحْرَارِ، وَلاَ سَبِيل لِطَرْحِ الآْدَمِيِّ بِحَالٍ
__________
(1) المغني 8 / 602، والمبسوط 24 / 73، والفروق للقرافي 1 / 196، ومغني المحتاج 4 / 308.

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا (1) .

إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الإِْكْرَاهِ:
مَنْ أُكْرِهَ عَلَى إِتْلاَفِ مَال مُسْلِمٍ بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ (2) .
وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُنْظَرُ فِي: (إِكْرَاهٌ، وَضَمَانٌ) .

18 - الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: الاِضْطِرَارُ إِلَى قَوْل الْبَاطِل:
النُّطْقُ بِالْكُفْرِ تَحْتَ تَأْثِيرِ الإِْكْرَاهِ:
مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى خَشَى عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْل لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنْ كَفَرَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، وَلاَ تَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ، وَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكُفْرِ، وَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِل كَانَ شَهِيدًا (3) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: رُخْصَةٌ ف 13، وَإِكْرَاهٌ ف 24)
__________
(1) روضة الطالبين 9 / 338، ومطالب أولي النهى 4 / 95، وحاشية الدسوقي 4 / 27، وابن عابدين 5 / 172.
(2) مجمع الضمانات ص 205، والقواعد لابن رجب ص 286.
(3) حاشية ابن عابدين 2 / 115، وروضة الطالبين 10 / 72، وكشاف القناع 6 / 185، والإقناع 4 / 306، وجواهر الإكليل 1 / 340 - 341.

الاِضْطِرَارُ إِلَى الْكَذِبِ:
يَحِل الْكَذِبُ فِي أُمُورٍ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، فَفِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُول خَيْرًا وَيُنْمِي خَيْرًا. (1)
قَال ابْنُ شِهَابٍ - أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ -: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُول النَّاسُ كَذِبٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الْحَرْبُ وَالإِْصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُل امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.
قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَذِبَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِيهِ وَيُثَابُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَلَى قَدْرِ رُتْبَةِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الْوُجُوبِ فِي حِفْظِ الأَْمْوَال وَالأَْبْضَاعِ وَالأَْرْوَاحِ (2) .

الاِضْطِرَارُ إِلَى التَّقِيَّةِ:
تَجُوزُ التَّقِيَّةُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ إِلَيْهَا دَفْعًا لِتَلَفِ النَّفْسِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ.
قَال السَّرَخْسِيُّ: لاَ بَأْسَ بِاسْتِعْمَال التَّقِيَّةِ
__________
(1) حديث أم كلثوم: " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس. ". أخرجه مسلم (4 / 2011) .
(2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (1 / 96 - 97 ط. دار الكتب العلمية) .

وَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِ مَا هُوَ فَرْضٌ عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ (1) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعَمَل بِالتَّقِيَّةِ: (ر: تَقِيَّةٌ فِقْرَةُ 5) .

19 - الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ النَّاظِمَةُ لأَِحْكَامِ الضَّرُورَةِ:
وَضَعَ الْفُقَهَاءُ مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ لِضَبْطِ أَحْكَامِ الضَّرُورَةِ، وَتَوْضِيحِ مَعَالِمِهَا الْعَامَّةِ وَتَنْظِيمِ آثَارِهَا، وَأَهَمُّ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ هِيَ:
الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ (2) .
الأَْصْل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْله تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (3) وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (4) وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ.
هَذَا وَقَدْ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا نُصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَعَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى (5) . قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ إِنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي مَوْضِعٍ لاَ نَصَّ فِيهِ، وَأَمَّا مَعَ
__________
(1) المبسوط 24 / 47، وتفسير القرطبي 4 / 57.
(2) غمز عيون البصائر 1 / 245 وما بعدها والأشباه للسيوطي ص 76 - 80.
(3) سورة البقرة / 185.
(4) سورة الحج / 78.
(5) شرح المجلة للآتاسي 1 / 50.

النَّصِّ بِخِلاَفِهِ فَلاَ (1) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ هَذِهِ الأَْسْبَابِ وَضَوَابِطِ الْمَشَقَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي التَّخْفِيفِ: (ر: تَيْسِيرٌ. فِقْرَةُ 32 - 41) .

إِذَا ضَاقَ الأَْمْرُ اتَّسَعَ:
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنَ الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَبَيْنَهُمَا تَقَارُبٌ فِي الْمَآل، وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتْ مَشَقَّةٌ فِي أَمْرٍ يُرَخَّصُ فِيهِ وَيُوَسَّعُ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ:
أ - شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي لاَ يَحْضُرُهَا الرِّجَال دَفْعًا لِحَرَجِ ضَيَاعِ الْحُقُوقِ.
ب - قَبُول شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلاَدَةِ ضَرُورَةَ حِفْظِ الْوَلَدِ وَنَسَبِهِ.
ح - إِبَاحَةُ خُرُوجِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ بَيْتِهَا أَيَّامَ عِدَّتِهَا إِذَا اضْطُرَّتْ لِلاِكْتِسَابِ (2) .

الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ:
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (3) وَالاِضْطِرَارُ: الْحَاجَةُ الشَّدِيدَةُ، وَالْمَحْظُورُ
__________
(1) غمز عيون البصائر 1 / 271.
(2) شرح المجلة للآتاسي 1 / 51، وغمز عيون البصائر 1 / 273.
(3) سورة الأنعام / 119.

الْمَنْهِيُّ عَنْ فِعْلِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْمَمْنُوعَ شَرْعًا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (1) .
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَتَعَلَّقُ أَصْلاً بِقَاعِدَةِ (الضَّرَرُ يُزَال) وَمِنْ فُرُوعِهَا: جَوَازُ أَكْل الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

الضَّرُورَاتُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا:
مَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنَّ كُل فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ فَالتَّجْوِيزُ عَلَى قَدْرِهَا وَلاَ يَتَجَاوَزُ عَنْهَا (2) .
وَمِنْ فُرُوعِهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ حَال الْحَرْبِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِأَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فَلاَ بَأْسَ بِالرَّمْيِ عَلَيْهِمْ لِضَرُورَةِ إِقَامَةِ فَرْضِ الْجِهَادِ، لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْكُفَّارَ دُونَ الأَْطْفَال، وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ: (ر: دِيَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ) .

مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَل بِزَوَالِهِ:
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُكَمِّلَةٌ لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، فَالْقَاعِدَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ يُعْمَل بِهَا أَثْنَاءَ قِيَامِ الضَّرُورَةِ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُبَيِّنُ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ بَعْدَ زَوَال حَال الضَّرُورَةِ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ بِسَبَبِ عُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ، أَوْ عَارِضٍ طَارِئٍ مِنَ الْعَوَارِضِ فَإِنَّهُ تَزُول مَشْرُوعِيَّتُهُ
__________
(1) غمز عيون البصائر 1 / 275 - 276، والأشباه للسيوطي.
(2) شرح المجلة للآتاسي 1 / 56، والأشباه للسيوطي ص 84.

بِزَوَال حَال الْعُذْرِ، لأَِنَّ جَوَازَهُ لَمَّا كَانَ بِسَبَبِ الْعُذْرِ فَهُوَ خَلَفٌ عَنْ الأَْصْل الْمُتَعَذِّرِ، فَإِذَا زَال الْعُذْرُ أَمْكَنَ الْعَمَل بِالأَْصْل، فَلَوْ جَازَ الْعَمَل بِالْخَلَفِ - أَيْضًا - لَلَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَلَفِ وَالأَْصْل فَلاَ يَجُوزُ كَمَا لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ (1) .

الاِضْطِرَارُ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ:
الاِضْطِرَارُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الْحُكْمِ مِنَ الْحُرْمَةِ إِلَى الإِْبَاحَةِ كَأَكْل الْمَيْتَةِ، وَفِي بَعْضِهَا التَّرْخِيصُ فِي فِعْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ - كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ - إِلاَّ أَنَّهُ عَلَى كُل حَالٍ لاَ يُبْطِل حَقَّ الْغَيْرِ، وَإِلاَّ لَكَانَ مِنْ قَبِيل إِزَالَةِ الضَّرَرِ بِالضَّرَرِ وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ.
وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لَوْ اضْطُرَّ إِنْسَانٌ بِسَبَبِ الْجُوعِ فَأَكَل طَعَامَ آخَرَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ فِي الْقِيمِيَّاتِ وَمِثْلَهُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ (2) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: إِتْلاَفٌ وَضَمَانٌ) .
__________
(1) شرح المجلة للآتاسي 1 / 59 - 60.
(2) شرح المجلة للآتاسي 1 / 76 - 77، والفروق للقرافي 1 / 196، والقواعد لابن رجب الحنبلي ص 286.

يجوز للضرورة غزو النساء مع الرجال للخدمة.

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* يجوز للضرورة غزو النساء مع الرجال للخدمة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأُم سُليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى. متفق عليه (¬1).
* يستحب تشييع الغزاة والدعاء لهم، والخروج لاستقبالهم عند العودة من الغزو.
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3811)، ومسلم برقم (1810)، اللفظ له.

إبلاغ إيطاليا الدولة العثمانية بضرورة تسهيل احتلالها لليبيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إبلاغ إيطاليا الدولةَ العثمانية بضرورة تسهيل احتلالها لليبيا.
1329 شوال - 1911 م
أبلغت إيطاليا الحكومة العثمانية عن نيتها باحتلال ليبيا، وطلبت منها تسهيل الاحتلال بحجة حماية رعاياها من الاضطهاد العثماني، والمحافظة على المصالح الاقتصادية للإيطاليين. وكان الموقف العثماني في ظل عهد جماعة الاتحاد والترقي ضعيفًا جدًا أمام التهديد الإيطالي، فاكتفت بدعوة إيطاليا للجلوس إلى طاولة المفاوضات تجنبًا لاستخدام القوة. ولكن الحكومة الإيطالية رفضت ذلك لعدة أسباب من أهمها: أ- ضعف الموقف الحربي العثماني في ليبيا. ب- الموقف الإيطالي المدعوم من قبل الدول الأوروبية باستثناء ألمانيا والنمسا. جـ- ما كانت تتمتع به إيطاليا من قوة بحرية وبرية. د- ضعف الموقف الداخلي في ليبيا، إذ إن المقاومة العسكرية في ليبيا كانت محدودة الطاقات والإمكانات بالنسبة للهجوم الإيطالي المركز.

ضرورة التقدير في تقويم الخمر والخنزير

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

ضرورة التقدير، في تقويم الخمر والخنزير
للشيخ، تقي الدين: علي بن عبد الكافي السبكي.
المتوفى: سنة 756، ست وخمسين وسبعمائة.

قصيدة الصفا في ضرورة الشعر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

قصيدة الصفا، في ضرورة الشعر
وشرحها.
كلاهما: لقوام الدين، أمير كاتب بن أمير عمر الأتقاني، الفارابي.
المتوفى: سنة 758، ثمان وخمسين وسبعمائة.
أول القصيدة:
خبرة في قريض يا أخي أيضا بي *
أول الشرح: (الحمد لله العلي ... الخ) .
هي الشدة التي لا مدفع لها والمشقة والحاجة.
والضروري: كل ما تمس إليه الحاجة، مما ليس منه بد، والجمع: الضروريات. وهي عند الأصوليين: الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.
وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال.
«المصباح المنير ص 138، والمعجم الوسيط 1/ 558، والموافقات 2/ 8، والمستصفى 1/ 287».

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت