نتائج البحث عن (عشرين) 50 نتيجة

  • الوَاحِد وعشرين
الوَاحِد وعشرينالجذر: و ح د

مثال: أَنْفَقت الوَاحِد وعشرين جنيهًاالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لتعريف الجزء الأول فقط من العدد المعطوف، وهذا مخالف للقاعدة.

الصواب والرتبة: -أنفقت الواحد والعشرين جنيهًا [فصيحة] التعليق: إذا كان العدد معطوفًا، فالقاعدة دخول «أل» على المعطوف والمعطوف عليه لتعريفهما معًا.
عِشْرين
من (ع ش ر) ثاني العقود، ومضاعف عَشْرة.
ثمانًا وعشرينالجذر: ث م ن

مثال: اسْتَمَرَّ الجدل حولها ثمانًا وعشرين سنةالرأي: مرفوضةالسبب: لحذف الياء وإجراء الإعراب على النون.

الصواب والرتبة: -استمرَّ الجدل حولها ثمانيًا وعشرين سنة [فصيحة]-استمرَّ الجدل حولها ثمانيَ وعشرين سنة [صحيحة]-استمرَّ الجدل حولها ثمانًا وعشرين سنة [مقبولة] التعليق: العدد «ثماني» يُعرب كالمنقوص فينصب بفتحة ظاهرة وينون فيقال: ثمانيًا «إذا لم يكن مضافًا أو معرفًا بـ» أل «، ويجوز منعه من الصرف تشبيهًا له بـ» غواشٍ «و» جوارٍ «فيقال: » ثمانيَ «بالفتح دون تنوين. وقد حكى النحاة عن بعض العرب» ثمانٌ" بالإعراب على النون، وإن كان ابن منظور قد ذكر أن هذا خطأ.
حَوَالَيْ عشرينالجذر: ح و ل

مثال: حَضَر حَوَالَيْ عشرين طالبًاالرأي: مرفوضةالسبب: لأن «حَوَالَيْ» ظرف غير متصرف لا يستعمل إلاّ في المكان.

الصواب والرتبة: -حضر حَوَالَيْ عشرين طالبًا [فصيحة]-حضر نحو عشرين طالبًا [فصيحة] التعليق: أجازمجمع اللغة المصري هذا الاستعمال بناء على إجازة استعمال «حوالي» في غير الظرفية المكانية.
عِشْريناتالجذر: ع ش ر

مثال: تَزَوَّجَ وهُوَ في العشريناتالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجمع لفظ العقد دون إلحاق ياء النسب به.

الصواب والرتبة: -تَزَوَّج وهو في العشرينيّات [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري جمع ألفاظ العقود بالألف والتاء إذا ألحقت بها ياء النسب، فيقال: عشرينيّات للأعوام من العشرين إلى التاسع والعشرين، ومنع أن يقال في هذا المعنى: عشرينات بغير ياء النسب؛ لأن لها معنى آخر، وهو: عدة وحدات، كل منها يتكون من عشرين عنصرًا.
عشرين مخطوطةٍالجذر: ع ش ر

مثال: عَثَر على عشرين مخطوطةٍالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجر التمييز «مخطوطة»، وهو مخالف للقاعدة.

الصواب والرتبة: -عثر على عشرين مخطوطةً [فصيحة] التعليق: توجب القاعدة أن يكون تمييز ألفاظ العقود منصوبًا دائمًا.
عِشْرينيّةالجذر: ع ش ر

مثال: يحتفل بالذِّكرى العشرينيّة لزواجهالرأي: مرفوضةالسبب: للنسب إلى لفظ العقد دون رده إلى المفرد.

الصواب والرتبة: -يحتفل بالذِّكرى العشرينيّة لزواجه [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري النسب إلى ألفاظ العقود، دون ردها إلى مفردها، كما أجاز أن يلزم لفظ العقد «الياء» مع اختلاف الموقع الإعرابي، وجعل الإعراب بحركات ظاهرة على ياء النسب. وقد وردت النسبة إلى ألفاظ العقود على لفظها في مفردات ابن البيطار وغيره.

خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي قال أبو القاسم: سمعت أبا موسى هارون بن عبد الله يقول: أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم مات بحمص في خلافة عمر رضي الله عنه سنة إحدى وعشرين وكان إسلامه قبل فتح مكة.

معجم الصحابة للبغوي

خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي
قال أبو القاسم: سمعت أبا موسى هارون بن عبد الله يقول: أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم مات بحمص في خلافة عمر رضي الله عنه سنة إحدى وعشرين وكان إسلامه قبل فتح مكة.
قال أبو القاسم: وقال مصعب بن عبد الله: خالد بن الوليد هاجر بعد الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة [فلما رآهم] النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رمتكم مكة بأفلاذ كبدها.

582 - حدثنا داود بن رشيد نا الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده: أن ابا بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر خالد بن الوليد فقال: "
نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من

ظهور (محمد بن عبدالله حسن الصومالي) امتدادا للحركة المهدية في السودان وقد أقض مضاجع الإيطاليين بغزواته الحربية نحوا من عشرين عاما.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ظهور (محمد بن عبدالله حسن الصومالي) امتدادا للحركة المهدية في السودان وقد أقض مضاجع الإيطاليين بغزواته الحربية نحوا من عشرين عاما.
1317 - 1899 م
واجه الاستعماران البريطاني والإيطالي ثورة الزعيم محمد عبد الله حسن الذي تلقب بمهدي الصومال. الذي استطاع أن يقاوم المستعمرين لمدة عشرين عاماً كبدهم أثناءها الخسائر الفادحة. وكانت بداية هذه المقاومة عام 1899م. وقد استطاع «الملا المجنون» [لقب أطلقه عليه الإنكليز] انتزاع حق السيادة على مناطق عديدة. وفي عام 1913م. ألحقت قواته هزيمة نكراء بالقوات الإنكليزية التي كان يقودها الكولونيل «كورفيلدو» الذي قتل أثناء المعركة. وكان محمد عبد الله حسن قد أجرى عدة أحلاف مع العثمانيين وإمبراطور الحبشة (ليدجي يسوع الذي اعتنق الإسلام وفقد جراء ذلك عرشه). وقد استطاع ونستون تشرشل بإصداره الأمر باستعمال الطيران الحربي أن ينال من الزعيم الصومالي عام 1920م الذي تعرضت منطقته للقصف الشديد فتكبدت قواته خسائر كبيرة إلا إنه نجا من الموت، فلجأ إلى أثيوبيا حيث توفي هناك عام 1921م. استمرت مقاومة محمد عبد الله حسن من عام 1908م حتى عام 1920م. ونجا من الموت عام 1920م إلا أن قواته العسكرية أصيبت بانهيار كامل.

مؤتمر القمة الإسلامي الطارئ الثالث (قمة مكة المكرمة) (مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، التضامن في العمل).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مؤتمر القمة الإسلامي الطارئ الثالث (قمة مكة المكرمة) (مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، التضامن في العمل).
1426 ذو القعدة - 2005 م
عقد مؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي الثالث الذي عرف بـ "مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، التضامن في العمل" في مكة المكرمة في 5 - 6 ذي القعدة 1426هـ الموافق 7 - 8 ديسمبر 2005م، تلبية لدعوة من الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أكد المؤتمر أن الإسلام هو دين الوسطية ويرفض الغلو والتطرف والانغلاق، وأكد في هذا الصدد أهمية التصدي للفكر المنحرف بكافة الوسائل المتاحة، إلى جانب تطوير المناهج الدراسية بما يرسخ القيم الإسلامية في مجالات التفاهم والتسامح والحوار والتعددية. وأكد المؤتمر على أن حوار الحضارات المبني على الاحترام والفهم المتبادلين والمساواة بين الشعوب أمر ضروري لبناء عالم يسوده التسامح والتعاون والسلام والثقة بين الأمم. ودعا المؤتمر إلى مكافحة التطرف المتستر بالدين والمذهب، وعدم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية، وأكد تعميق الحوار بينها وتعزيز الاعتدال والوسطية والتسامح، وندد بالجرأة على الفتوى ممن ليس أهلا لها. أكد المؤتمر أهمية قضية فلسطين، باعتبارها القضية المركزية للأمة الإسلامية، وعليه فإن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م، بما فيها القدس الشرقية والجولان السوري، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من باقي الأراضي اللبنانية المحتلة وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، يعتبر مطلباً حيوياً للأمة الإسلامية قاطبة، وناقشت القمة الوضع في العراق حيث أعربت عن ترحيبها بالمبادرة العربية للوفاق الوطني بين الفئات العراقية، وأعرب المؤتمر عن التضامن مع الشعب القبرصي التركي المسلم وحقه المشروع، بتأكيد القرارات الصادرة عن المؤتمرات الإسلامية بشأن قبرص وجدد المؤتمر ترحيبه باتفاق السلام الشامل في السودان والقرار الصادر عن القمة العاشرة بإنشاء صندوق لإعادة إعمار المناطق المتأثرة بالحرب في السودان، وحث الدول الأعضاء على المساهمة الفعالة في الصندوق. وأعرب المؤتمر عن قلقه إزاء تنامي الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وندد بالإساءة إلى صورة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في وسائل إعلام بعض البلدان، وأكد المؤتمر ضرورة قيام وسائل الإعلام في العالم الإسلامي بعرض الوجه الحقيقي المشرق لعقيدتنا الإسلامية والتعامل مع الإعلام الدولي بكيفية فعالة تحقق هذا الهدف. وأكد المؤتمر على أهمية إصلاح مجمع الفقه الإسلامي ليكون مرجعية فقهية للأمة الإسلامية.

عقد القمة العربية العشرين في دمشق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عقد القمة العربية العشرين في دمشق.
1429 ربيع الأول - 2008 م
عقدت القمة العربية في سوريا وشارك فيها أحد عشر زعيما عربيا وغاب عنها تسعة. ولقد اختتمت القمة العربية أعمالها وأعلن فيها البيان الختامي والذي سمي بـ"إعلان دمشق". وألقاه الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وأكد البيان على الانسحاب الإسرائيلي من الجولان وما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة، كما نص على مواصلة تقديم كل أشكال الدعم للشعب الفلسطيني في وجه إسرائيل وتأمين حقه في تقرير المصير والتأكيد على وحدة الصف الفلسطيني، إلى غير ذلك وأعلن الرئيس السوري بشار الأسد أن الدوحة ستستضيف القمة المقبلة بدلا من الصومال.
-سَنَة إحدَى وَعشرْين
قيل: فيها فتح عَمْرو بْن العاص الإسكندرية. وقد مرّت.
وفيها شكا أهلُ الكوفة سعدَ بْنَ أبي وقّاص وتعنَّتُوه، فصرفه عُمَر ووّلَى عمار بْن ياسر على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بْن حُنَيف على مساحة أرض السّواد.
وفيها سار عثمان بْن أبي العاص فنزل تَوَّج ومَصَّرَها.
وبعث سوار بْن المثني العبدي إلى سابور، فاسْتُشْهِدَ، فأغار عثمان بْن أبي العاص على سيف البحر والسّواحل، وبعث الجارود بْن المعلي فقُتِل الجارود أيضًا.
عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقُتْبَانِيِّ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَمْرًا سَارَ مِنْ فِلَسْطِينَ بِالْجَيْشِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ عُمَرَ إِلَى مِصْرَ فَافْتَتَحَهَا، فَعَتَبَ عُمَرُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يُعْلِمْهُ، فَكَتَبَ يَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بِمُنَاهَضَةِ أَهْلِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَسَارَ عَمْرٌو فِي سَنَةِ إِحْدًى وَعِشْرِينَ، وَخَلَّفَ عَلَى الْفُسْطَاطِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ الْعَدَوِيَّ، فَالْتَقَى الْقِبْطَ فَهَزَمَهُمْ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ الْتَقَاهُمْ عِنْدَ الْكِرْيَوْن فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْتَهَى إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَالْهُدْنَةَ مِنْهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ جَدَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى دَخَلَهَا بِالسَّيْفِ، وَغَنِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّومِ، وَجَعَلَ فِيهَا عَسْكَرًا عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ قُسْطَنْطِينَ بْنَ هِرَقْلَ فَبَعَثَ خصيًّا لَهُ يُقَالُ لَهُ منْوِيل فِي ثَلاثِمِائَةِ مَرْكَبٍ حَتَّى دَخَلُوا الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقَتَلُوا بها الْمُسْلِمِينَ وَنَجَا مَنْ هَرَبَ، وَنَقَضَ أَهْلُهَا، فَزَحَفَ إِلَيْهَا عَمْرٌو فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى فَتَحَهَا عَنْوَةً، وَخَرَّبَ جُدُرَهَا. رُؤِيَ عَمْرٌو يُخَرِّبُ بِيَدِهِ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عن علقمة.
-سَنَة اثنتَيْن وَعِشرْين
فيها فتحت أَذْرَبِيجَان على يد المُغِيرَة بْن شُعْبَة، قاله ابن إسحاق، فيقال: إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم.
وَقَالَ أَبُو عبيدة: افتتحها حبيب بْن مسْلَمَة الفهرِي بأهل الشام عَنْوةً ومعه أهل الكوفة، وفيهم حُذَيْفَة، فافتتحها بعد قتال شديد. فالله أعلم.
وفيها غزا حذيفة مدينة الدينور فافتتحها عَنْوةً، وقد كانت فُتِحت لسعد ثُمَّ انتقضت.
ثم غزا حذيفة ماه سندان فافتتحها عَنْوةً، على خُلْف في ماه، وقيل: افتتحها سعد، فانتقضوا.
وَقَالَ طارق بْن شهاب: غزا أهلُ البصرة ماه فأمدهم أهلُ الكوفة، عليهم عمار بْن ياسر، فأرادوا أن يُشْرَكوا في الغنائم، فأبى أهل البصرة، ثُمَّ كتب إليهم عُمَر: الغنيمة لمن شهِد الوقعة.
وَقَالَ أَبُو عبيدة: ثُمَّ غزا حُذَيْفَة همذان، فافتتحها عَنْوةً، ولم تكن فُتِحَت. وإليها انتهى فتوح حُذَيْفَة، وكل هذا في سنة اثنتين.
قَالَ: ويقال همذان افتتحها المُغِيرَة بْن شُعْبَة سنة أربعٍ وعشرين، ويقال: افتتحها جرير بْن عبد الله بأمر المُغِيرَة.
وَقَالَ خليفة بْن خياط: فيها افتتح عمرو بْن العاص أطرابُلُسَ المغرب، ويقال: في السنة التي بعدها.
وفيها عُزل عمار عَنِ الكوفة.
وفيها افتُتِحت جُرْجان.
وفيها فتح سويد بْن مقرن الرّيّ، ثُمَّ عسكر وسار إلى قُومِس فافتتحها.
وفيها أبي بْن كعب، تُوُفيّ في قول الواقِديّ، ومحمد بْن عبد الله بْن نُمَيْر -[133]- ومحمد بْن يحيى الذُّهلي، والترمذي، وقد مر سنة تسع عشرة.
معضد بْن يزيد الشيباني: اسْتُشْهِدَ بأذربيجان، ولا صحبة له.
ووُلِد فيها يزيد بْن معاوية.
وَقَالَ محمد بْن جرير: إن عُمَر أقر على فرج الباب عبد الرحمن بْن ربيعة الباهلي، وأمره بغزو التُّرْك، فسار بالنّاس حتى قطع الباب، فَقَالَ له شهريران: مَا تريد أن تصنع؟ قَالَ: أُناجزهم في ديارهم، وبالله إن معي لأقوامًا لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لَبَلَغْت بهم السّدّ.
ولما دخل عبد الرحمن على التُّرك حال الله بينهم وبين الخروج عليه وقالوا: مَا اجترأ على هذا الأمر إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، ثُمَّ هربوا وتحصنوا، فرجع بالظفر والغنيمة، ثُمَّ إنه غزاهم مرتين في خلافة عثمان فيَسْلَم ويَغْنَم، ثُمَّ قاتلهم فاستُشْهد - أعني عبد الرحمن بْن ربيعة رحمه الله تعالى - فأخذ أخوه سلمان بْن ربيعة الراية، وتحيز بالنّاس، قَالَ: فَهُم - يعني التُّرْك - يستسقون بجسد عبد الرحمن حتى الآن.
-سنة ثلاث وعشرين
فيها: بينما عمر رضي الله عنه يخطب إذ قَالَ: " يا ساريةُ، الجبل "، وكان عمر قد بعث سارية بن زنيم الديلي إلى فسا ودارابجرد فحاصرهم، ثمّ إنّهم تداعوا وجاؤوه من كل ناحية والتقوا بمكان، وكان إلى جهة المُسْلِمين جبل لو استندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثُمَّ قاتلوهم فهزموهم. وأصاب سارية الغنائم فكان منها سفط جوهر، فبعث به إلى عُمَر فردّه وأمره أن يقسّمه بين المُسْلِمين، وسأل النَّجّاب أهل المدينة عَنِ الفتح وهل سمعوا شيئًا، فَقَالَ: نعم " يا سارية، الجبل الجبلَ " وقد كِدْنا نهلك، فلجأنا إلى الجبل، فكان النّصر. وَيُرْوَى أنّ عمر رضي الله عنه سُئل فيما بعد عَنْ كلامه " يا سارية، الجبل " فلم يذكره.
وفيها كان فتح كَرمان، وكان أميرها سُهَيْل بْن عَدِيّ.
وفيها فتحت سجِسْتان، وأميرها عاصم بْن عمرو.
وفيها فتحت مُكْران، وأميرها الحَكَم بْن عثمان، وهي من بلاد الجبل.
وفيها رجع أَبُو موسى الأشعري من أصبهان، وقد افتتح بلادها.
وفيها غزا معاوية الصّائفةَ حتى بلغَ عَمُّورِية.
-سَنَة خَمسْ وَعِشرْين
فيها عزل عثمان سعدًا عَنِ الكوفة واستعمل عليها الوليد بْن عقبة بْن أبي مُعَيْط بْن أبي عَمْرو بْن أُميَّة الأُمَويّ، أخو عثمان لأُمّه، كنيته أَبُو وهْب، له صُحْبة ورواية.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو موسى الهمداني، والشعبي.
قَالَ طارق بْن شِهاب: لما قدِم الوليد أميرًا أتاه سعد، فَقَالَ: أكِسْتَ بعدي أو استحمقتُ بعدَك؟ قَالَ: مَا كِسْنا ولا حَمِقْتَ، ولكنّ القومَ استأثروا عليك بسُلطانهم. وهذا ممّا نقموا على عثمان كوْنه عزل سعْدًا وولى الوليد بن عقبة، فذكر حضين بْن المُنْذِر أنّ الوليد صلّى بهم الفجر أربعًا وهو سَكْران، ثمّ التفت وَقَالَ: أزِيدُكم!
ويقال: فيها سار الجيش من الكوفة عليهم سَلْمان بْن ربيعة إلى بَرْذَعَة، فقتل وسَبَى.
وفيها انتقض أهل الإسكندرية، فغزاهم عَمْرو بْن العاص أمير مصر وسَبَاهم، فردّ عثمانُ السَّبْيَ إلى ذِمَّتهم، وكان ملك الروم بعث إليها منويل الخَصِيّ في مراكب فانتقض أهلُها - غير المقوقس - فغزاهم عمرو في ربيع الأول، فافتتحها عَنْوةً غير المدينة فإنّها صُلْح.
وفيها عزل عثمان عَمْرًا عَنْ مصر، واستعمل عليها عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ.
والصحيح أنّ ذلك في سنة سبعٍ وعشرين. واستأذن ابُن أبي سَرْح عثمان في غزْو إفريقية فأَذِنَ له.
ويقال: فيها ولد يزيد بْن معاوية.
وحج بالنّاس عثمان رضي الله عنه.
-سنة ست وعشرين
فيها زاد عثمان في المسجد الحرام ووسّعه، واشترى الزّيادة من قوم، وأبى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان فأمر بهم إلى الحبس، وَقَالَ: مَا جرَّأكم عليَّ إلَّا حِلْمي، وقد فعل هذا بكم عُمَر فلم تُصَيِّحوا عليه، ثُمَّ كلّموه فيهم فأطلقهم.
وفيها فُتِحت سابور، أميرها عثمان بْن أبي العاص الثّقفي، فصالحهم على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف.
وقيل: عزل عثمان سعدًا عَنِ الكوفة؛ لأنّه كان تحت دَيْنٍ لابن مسعود فتقاضاه واختصما، فغضب عثمان من سعد وعزله، وقد كان الوليد عاملًا لعمر على بعض الجزيرة وكان فيه رِفْقٌ برعيّته.
-سَنَة سبْعٍ وَعِشرْين
فيها غزا معاوية قُبْرُسَ فركب البحر بالجيوش، وكان معه عُبادة بْن الصامت، وزوجة عبادة أم حرام (سوى ت) بنت مِلْحانِ الأنصاريّة خالة أنَس، فصُرعت عَنْ بغلتها فماتت شهيدة رحمها الله، وكان النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْشاها ويقيل عندها، وبَشَّرَها بالشَّهادة، فقبْرُها بقُبْرس، يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة.
روت عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَى عنها أَنْس بْن مالك، وعُمَيْر بْن الأسود العَنْسيّ، وَيَعْلَى بن شداد بن أوْس، وغيرهم.
وَقَالَ داود بْن أبي هند: صالح عثمان بْن أبي العاص وأبو موسى سنة سبعٍ وعشرين أهلَ أرَّجَان على ألْفَيّ ألف ومائتي ألف، وصالح أهل دارابْجِرْد على ألف ألف وثمانين ألفًا.
وَقَالَ خليفة: فيها عزل عثمانُ عَنْ مصر عَمْرًا وولّى عليها عبدَ الله بْن سعد، فغزا إفريقية ومعه عبد الله بْن عُمَر بْن الخطاب، وَعَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِو بْن الْعَاصِ، وَعَبْدِ الله بْن الزُّبَيْر، فالتقى هو وجُرْجير بسُبَيْطِلة على يومين من القيروان، وكان جُرْجير في مائتي ألف مقاتل، وقيل: في مائةٍ وعشرين ألفًا، وكان المسلمون في عشرين ألفًا.
قَالَ مُصْعَبُ بن عبد الله: حدثنا أَبِي، وَالزُّبَيْرُ بْنُ خُبَيْبٍ، قَالا: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَجَمَ عَلَيْنَا جُرْجير فِي مُعَسْكَرِنَا فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَحَاطُوا بِنَا وَنَحْنُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَدَخَلَ فُسْطَاطًا لَهُ فَخَلا فِيهِ، وَرَأَيْتُ أَنَا غرَّةً مِنْ جُرجير بَصُرْتُ به خلف عساكره على برذون أشهب معه جَارِيَتَانِ تُظَلِّلانِ عَلَيْهِ بِرِيشِ الطَّوَاوِيسِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ جُنْدِهِ أَرْضٌ بَيْضَاءَ لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى ابْنِ أَبِي سَرْحٍ فَنَدَبَ لِي -[177]- النَّاسَ، فَاخْتَرْتُ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ فَارِسًا وَقُلْتُ لِسَائِرِهِمْ: الْبثوا عَلَى مَصَافِّكُمْ، وَحملت فِي الْوَجْهِ الَّذِي رَأَيْتُ فِيهِ جُرْجير، وَقُلْتُ لأَصْحَابِي: احْمُوا لِي ظَهْرِي، فَوَاللَّهِ مَا نشبتُ أنْ خَرَقْتُ الصَّفَ إِلَيْهِ فَخَرَجْتُ صَامِدًا لَهُ، وَمَا يَحْسِبُ هُوَ ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دَنَوْتُ مِنْهُ فَعَرَفَ الشَّرَّ، فَوَثَبَ عَلَى بِرْذَوْنِهِ وولى مبادرا، فَأَدْرَكْتُهُ ثُمَّ طَعَنْتُهُ، فَسَقَطَ، ثُمَّ دَفَفْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَنَصَبْتُ رَأْسَهُ عَلَى رُمْحٍ وَكَبَّرْتُ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ، فَارْفَضَّ أَصْحَابُه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَرَكِبْنَا أكتافهم.
وقال خليفة: حدثنا من سمع ابن لهيعة يقول: حدثنا أبو الأسود، قال: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ عَبْدِ الله بن سعد إِفْرِيقِيَةَ فَافْتَتَحَهَا، فَأَصَابَ كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَقَالَ غيره: سَبَوْا وغنِمُوا، فبلغ سهمُ الفارس ثلاثةَ آلاف دينار، وفتح الله إفريقية سَهْلَها وجَبَلَها، ثمّ اجتمعوا على الإسلام وحسُنَتْ طاعتُهُم.
وقسّم ابن أبي سَرْح مَا أفاء الله عليهم وأخذ خُمْسَ الخُمْس بأمر عثمان، وبعث إليه بأربعة أخماسه، وضرب فُسْطاطًا في موضِع القَيْرَوان، ووفَّدوا وفدًا، فشكوا عبد الله فيما أخذ، فَقَالَ: أنا نَفَّلْتُهُ، وذلك إليكم الآن، فإنْ رضِيتُم فقد جاز، وإنْ سَخِطْتم فهو رَدّ، قالوا: إنّا نَسْخَطُه، قَالَ: فهو رَدّ، وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك واستصلاحهم. قالوا: فاعْزلْه عنّا. فكتب إليه أن استخِلفْ على إفريقية رجُلًا ترْضَاه واقسم مَا نَفَّلْتُكَ فإنَّهم قد سخِطُوا، فرجع عبد الله بْن أبي سرْح إلى مصر، وقد فتح الله إفريقية، فما زال أهلُها أسْمَعَ النّاس وأطْوَعَهم إلى زمان هشام بْن عبد الملك.
وروى سيف بْن عُمَر، عَنْ أشياخه، أنّ عثمان أرسل عبد الله بْن نافع بن الحُصَين، وعبد الله بْن نافع الفِهْرِيّ من فَوْرِهما ذلك إلى الأندلس، فأتياها من قِبَل البحر، وكتب عثمان إلى من انتدب إلى الأندلس: أمّا بعد فإنّ القُسْطَنْطِينية إنّما تُفْتَح من قِبَل الأندلس، وإنّكم إن افتتحتموها كنتم -[178]- شُرَكاء في فتحها في الأجر، والسلام. فعن كعب قَالَ: يعبر البحر إلى الأندلس أقوامٌ يفتحونها يُعْرَفون بنورهم يوم القيامة. قَالَ: فخرجوا إليها فأتَوها من بَرِّها وبحرها، ففتحها الله على المُسْلِمين، وزاد في سلطان المُسْلِمين مثل إفريقية. ولم يزل أمرُ الأندلس كأمر إفريقية، حتى أمر هشام فمنع البَرْبَرَ أرضَهم.
ولما نزع عثمان عَمْرًا عَنْ مصر غضب وحقد على عثمان، فوجّه عبد الله بْن سعد فأمره أن يمضي إلى إفريقية، وندب عثمانُ النَّاس معه إلى إفريقية، فخرج إليها في عشرة آلاف، وصالح ابن سعد أهل إفريقية على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار. وبعث ملك الروم من قسطنطينية أن يؤخذ من أهل إفريقية ثلاثمائة قِنْطار ذَهَبًا، كما أخذ منهم عبد الله بْن سعد، فقالوا: مَا عندنا مالٌ نعطيه، وما كان بأيدينا فقد افتدينا به، فأمّا الملك فإنه سيّدنا فليأخُذْ مَا كان له عندنا من جائزة كما كنا نعطيه كلَّ عام، فلمّا رأى ذلك منهم الرسول أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قومٍ من أصحابهم فقدِموا عليهم فكسروا السجن وخرجوا.
وعن يزيد بْن أبي حبيب، قَالَ: كتب عبد الله بْن سعد إلى عثمان يَقُولُ: إنّ عمرو بْن العاص كسر الخراج، وكتب عَمْرو: إن عَبْد الله بن سَعْد أفسد علي مكيدة الحرب. فكتب عثمان إلى عمرو: انصرف وول عَبْد الله الخراج والجُنْد، فقدِم عمرو مُغْضبًا، فدخل على عثمان وعليه جُبَّةٌ له يَمانيَّة مَحْشُوَّة قُطْنًا، فَقَالَ له عثمان: مَا حَشْوُ جُبَّتك؟ قَالَ: عمرو. قَالَ: قد علمتُ أنّ حَشْوَها عَمْرو، ولم أرد هذا، إنّما سألتك أقُطْنٌ هو أم غيره؟
وبعث عبد الله بْن سعد إلى عثمان مالًا من مصر وحشد فيه، فدخل عمرو، فَقَالَ عثمان: هل تعلم أنّ تلك اللّقاح درّت بعدك؟ قَالَ عمرو: إن فصالها هَلَكَتْ.
وفيها حجّ عثمان بالناس.
-سَنَة ثمانٍ وَعِشْرين
قيل: في أوّلها غزوة قبرس، وقد مرّت. فروى سَيْفٌ، عَنْ رجاله، قالوا: أَلَحَّ معاوية في إمارة عُمَر عليه في غَزْو البحر وقُرْب الرُّوم من حِمْص، فَقَالَ عُمَر: إنّ قريةً من قُرَى حمص يسمع أهلها نباح كلابهم وصياح ديوكهم أحبّ إليَّ من كلّ مَا في البحر، فلم يزل بعمر حتّى كاد أن يأخذ بقلبه. فكتب عُمَر إلى عمرو بْن العاص أن صِفْ لي البحر وراكبَه، فكتب إليه: إنّي رأيت خلْقًا كبيرًا يركبه خلْقٌ صغير، إنْ ركد حرق القلوب، وإن تحرك أراع العقول، تزاد فيه العقول قلَّة، وَالشَّكُّ كثْرَة، وهم فيه كدُودٍ على عُود، إنْ مال غرِق، وإن نجا بَرِق. فلمّا قرأ عُمَر الكتابَ كتب إلى معاوية: والله لَا أحمل فيه مسلمًا أبدًا.
وَقَالَ أَبُو جعفر الطبريّ: غزا معاوية قبرس فصالح أهلَها على الجِزْية.
وَقَالَ الواقِديّ: في هذه السنة غزا حبيب بْن مسْلَمَة سورية من أرض الروم.
وفيها تزوّج عثمان نائلةَ بنت الفرافصة فأسلمت قبل أن يدخل بها.
وفيها غزا الوليد بْن عُقْبَة أَذْرَبَيْجَان فصالحهم مثل صُلح حُذَيفة.
وقلَّ من مات وضُبط موتُهُ في هذه السنّوات كما ترى.
-سَنَة تسْعٍ وَعِشرْين
فيها عزل عثمان أبا موسى عَنِ البصْرة بعبد الله بْن عامر بْن كُرَيز، وأضاف إليه فارس.
وفيها افتتح عبد الله بْن عامر إصْطَخْر عَنْوةً فقتل وسبى، وكان على مقدمته عُبَيْد الله بْن مَعْمَر بْن عثمان التَّيْميّ أحد الأجواد؛ وكلٌّ منهما رأى النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكان على إصْطَخْر قتالٌ عظيم قُتِلَ فيه عُبَيْد الله بْن مَعْمَر، وكان من كبار الأمراء، افتتح سابور عَنْوةً وقلعة شيراز، وقُتِلَ وهو شاب، فأقسم ابن عامر لئن ظفر بالبلد ليقتلنّ حتّى يسيل الدَّمُ من باب المدينة، وكان بها يَزْدَجِرْد بْن شَهْرَيَار بْن كِسْرى فخرج منها في مائة ألفِ وسار فنزل مَرْوَ، وخلف على إصْطَخْر أميرًا من أمرائه في جيشٍ يحفظونها. فنقَّب المسلمون المدينة فما دَرَوْا إلَّا والمسلمون معهم في المدينة، فأسرف ابن عامر في قتْلهم وجعل الدَّم لَا يجري من الباب، فقيل له: أفْنَيْتَ الخَلْق، فأمر بالماء فصبَّ على الدَّم حتّى خرج الدم من الباب، ورجع إلى حُلْوان فافتتحها ثانيًا فأكثر فيهم القتْلَ لكونهم نقضوا الصُّلح.
وفيها انتقضت أَذْرَبَيْجَان فغزاهم سعيد بْن العاص فافتتحها.
وفيها غزا ابن عامر وعلى مقدّمته عبد الله بْن بُدَيْل الخُزاعيّ، فأتى أصبهان، ويقال افتتح أصبهان سارية بْن زُنَيْم عَنْوةً وصُلْحًا.
وَقَالَ أَبُو عبيدة: لما قدِمَ ابن عامر البصرة قدِم عُبَيْد الله بْن مَعْمَر إلى فارس، فأتى أرَّجان فأغلقوا في وجهه، وكان عَنْ يمين البلد وشماله الجبال والأسياف. وكانت الجبال لَا تسلكها الخيل ولا تحمل الأسياف - يعني السواحل - الجيش، فصالحهم أن يفتحوا له باب المدينة فيمرّ فيها مارًّا ففعلوا، ومضى حتّى انتهى إلى النّوبَنْدِجَان فافتتحها، ثُمَّ نقضوا الصُّلح، ثُمَّ -[181]- سار فافتتح قلعة شِيراز، ثُمَّ سار إلى جور فصالحهم وخلّف فيهم رجلًا من تميم، ثُمَّ انصرف إلى إصْطَخْر فحاصرها مدّة، فبينما هم في الحصار إذ قتل أهل جور عاملهم، فساق ابن عامر إلى جور فناهضهم فافتتحها عَنْوةً فقتل منها أربعين ألفًا يُعَدُّون بالقَصَب، ثمّ خلّف عليهم مروان بْن الحَكَم أو غيره، وردّ إلى إصْطَخْر وقد قتلوا عُبَيْد الله بْن مَعْمَر فافتتحها عَنْوةً. ثمّ مضى إلى فَسَا فافتتحها. وافتتح رساتيق من كَرْمان. ثمّ إنّه توجه نحو خُراسان على المفازة فأصابهم الرَّمق فأهلك خلقًا.
وَقَالَ ابن جرير: كتب ابن عامر إلى عثمان بفتح فارس، فكتب عثمان يأمره أن يولي هرم بن حيان اليَشْكُريّ، وهرِمَ بْن حيَّان العَبْدِيّ، وَالْخِرِّيتَ بْن راشد على كُوَر فارس. وفرّق خُراسان بين ستة نفر: الأحنف بن قيس على المَرْوَيْن، وحبيب بْن قُرَّةَ اليَرْبُوعيّ على بَلْخ، وخالد بْن زُهَير على هَرَاة، وأمير بن أحمر اليَشْكريّ على طُوس، وقيس بْن هُبَيْرة السلمي على نَيْسابور.
وفيها زاد عثمان فِي مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوسَّعه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل عُمُده من حجارة وسقفه بالسّاج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه كما كانت زمن عُمَر ستّة أبواب.
وحجّ عثمان بالنّاس وضُرِبَ له بِمنَى فُسْطاط، وأتمّ الصّلاة بها وبعرَفة، فعابوا عليه ذلك، فجاءه عليّ، فَقَالَ: والله مَا حدث أمرٌ ولا قَدُم عهدٌ، ولقد عهدت نبيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي ركعَتَيْن، ثُمَّ أبا بكر، ثمّ عُمَر، ثُمَّ أنت صدرًا من ولايتك، فَقَالَ: رأي رأيته. وكلّمه عبد الرحمن بْن عوف، فَقَالَ: إنّي أُخْبِرْتُ عَنْ جُفاة النّاس قد قالوا: إنّ الصلاة للمُقيم رَكْعتان، وقالوا: هذا عثمان يصلّي رَكْعَتين، فصليت أربعًا لهذا، وإنّي قد اتّخذت بمكّة زَوْجَة، فَقَالَ عبد الرحمن: ليس هذا بعُذْر. قَالَ: هذا رأيٌ رأيته.
-سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ الأَمِيرُ، وَالْجَلاحُ أَبُو كَثِيرٍ الْقَاصُّ، وَالْجَارُودُ الْهُذَلِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو مَعْشَرٍ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ الْكُوفِيُّ، وعاصم بن عمر بن قتادة الظفري، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ مُقْرِئُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ الأَوْدِيُّ، وَعَدِيُّ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ الْكُوفِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجَدَلِيُّ الْكُوفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي قَوْلٍ، وَمُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَوَاصِلٌ الأَحْدَبُ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِيهَا عُزِلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عَنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ بِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلايَةِ خَالِدٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْوَلِيدُ بَعَثَ بِهِ إلى يوسف فقتله.

-ذكر سنة إحدى وعشرين ومائة وحوادثها

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ذِكْرُ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَحَوَادِثُهَا
تُوُفِّيَ فِيهَا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَوْ فِي الَّتِي تَلِيهَا، وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ قُتِلَ فِيهَا بِخُلْفٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْهَا، وَعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْمَذْبُوحُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ الأَنْصَارِيُّ، ومُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيهَا بِخُلْفٍ، وَنُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ الأَشْعَرِيُّ.
وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَسَارَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ إِلَى قَلْعَةِ بَيْتِ السَّرِيرِ مِنْ بِلادِ الرُّومِ، فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ، ثُمَّ أَتَى قَلْعَةً ثَانِيَةً فَقَتَلَ وأسر، ثم دخل حصن غومشك وَفِيهِ سَرِيرُ الْمَلِكِ، فَهَرَبَ الْمَلِكُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوا مَرْوَانَ فِي السَّنَةِ عَلَى أَلْفِ رَأْسٍ وَمِائَةِ أَلْفِ مُدْيٍ، ثُمَّ سَارَ مَرْوَانُ فَدَخَلَ أرض أزر وبلاد نطران فَصَالَحُوهُ، وَصَالَحَهُ أَهْلُ بِلادِ تَوْمَانَ، ثُمَّ أَتَى خمرين فَقَاتَلَهُمْ وَلازَمَ الْحِصَارَ عَلَيْهِمْ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ صَالَحُوهُ، ثم افتتح مسدار، وَغَيْرَهَا.
وَذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ أَنَّ الْبَطَّالَ قتل فيها.
وفيها غزا الصائفة مسلمة ابن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هِشَامٍ فَسَارَ حَتَّى أَتَى مَلَطْيَةَ، وَقَدْ مَاتَ مُسْلِمَةُ هَذَا فِي دَوْلَةِ أَبِيهِ.

-سنة اثنتين وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ بُكَيْرُ بْنُ عبد اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَلَى قَوْلِ، وزبيد الْيَامِيِّ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَسَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ بِوَاسِطَ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ، وَأَبُو هَاشِمٍ الرُّمَّانِيُّ يَحْيَى، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ الْكُوفِيُّ.
وَوُلِدَ فِيهَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِأَرْضِ الْمَغْرِبِ مَيْسَرَةُ الْحَقِيرُ، وَعَبْدُ الأَعْلَى مَوْلَى مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مُتَعَاضِدَيْنِ، وَمَعَهُمَا خَلائِقُ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَعَسْكَرَ لِمُلَتَقَاهُمْ مُتَوَلِّي أَفْرِيقِيَّةَ فَكَانَ الْمَصَافُّ بَيْنَهُمْ، فَاسْتَظْهَرَ وَالِي أَفْرِيقِيَّةَ لَكِنْ قُتِلَ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَبْحَابِ، ثُمَّ إِنَّهُ جَهَّزَ جَيْشًا عَلَيْهِمْ أَبُو الأَصَمِّ خَالِدٌ فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ أَبُو الأَصَمِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَشْرَافِ فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الصُّفْرِيَّةِ وَبَايَعُوا بِالْخِلافَةِ الشَّيْخَ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ الْهَوَّارِيَّ فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ قُتِلَ، وَجَرَتْ حُرُوبٌ مُهَوِّلَةٌ وَقُتِلَ الْمُسْلِمُونَ وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَكَانَتْ سَنَةً وَأَيَّ سَنَةٍ.
وَكَانَ الأَمِيرُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ قَدْ جَهَّزَ حَبِيبَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ الْفِهْرِيَّ غَازِيًا إِلَى جَزِيرَةِ صَقَلِّيَّةَ، فَقَدِمَ مَعَهُ وَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى طَلائِعِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَحَدَ الأَبْطَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَحَدٌ، وَظَفَرَ ظَفَرًا مَا سَمِعَ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَكْبَرِ مَدَائِنَ صقلية، وهي مدينة سرياقوسة، فَقَابَلُوهُ فَهَزَمَهُمْ، وَهَابَتْهُ النَّصَارَى وَذَلُّوا لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَكَانَ وَالِدُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ وَمَا يَلِيهَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيَّ، فَظَلَمَ وَعَسَفَ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الْبَرْبَرِ، فَثَارُوا وَاغْتَنَمُوا غَيْبَةَ الْعَسَاكِرِ، وَتَدَاعَتْ عَلَى عُمَرَ الْقَبَائِلُ وَعَظُمَ الشَّرُّ، وَهَذِهِ أَوَّلُ فِتْنَةٍ كَانَتْ بِالْمَغْرِبِ بَعْدَ تَمْهِيدِ الْبِلادِ، فَأَمَّرَتِ الْبَرْبَرُ عَلَيْهِمْ مَيْسَرَةَ الْحَقِيرَ -[355]- فَأَسْرَعَ حَبِيبُ الْفِهْرِيُّ الْكَرَّةَ مِنْ صَقَلِّيَّةَ فَالْتَقَى هُوَ وَمَيْسَرَةُ، فَكَانَتْ مَلْحَمَةٌ هَائِلَةٌ فَاسْتَظْهَرَ مَيْسَرَةُ، ثُمَّ إِنَّ الْبَرْبَرِ أَنْكَرَتْ سُوءَ سِيرَةِ مَيْسَرَةَ وَتَغَيَّرُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ حميد الزَّنَاتِيَّ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَكَانَتْ بينهم وبين عسكر الإسلام ملحمة مشهودة قُتِلَ فِيهَا خَالِدُ الزَّنَاتِيُّ وَسَائِرُ مَنْ مَعَهُ، وَذَهَبَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ فِرْسَانِ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ غَزْوَةَ الأَشْرَافِ، وَمَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ وَقَوِيَتِ الْخَوَارِجُ، وَعَمَدَ النَّاسُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَبْحَابِ فَعَزَلُوهُ، فَغَضِبَ الْخَلِيفَةُ هِشَامُ لَمَّا بَلَغَهُ وَتَنَمَّرَ، وَبَعَثَ عَلَى الْمَغْرِبِ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيُّ.

-ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ثم دخلت سَنَةَ ثَلاثَ وَعِشرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقَصِيرُ بِدِمَشْقَ، وَأَبُو يُونُسَ سُلَيْمٌ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ الذُّهْلِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، وابن محيض مُقْرِئِ مَكَّةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ عَابِدُ الْبَصْرَةِ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ بِخُلْفٍ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْبَرْبَرِ وَبَيْنَ كُلْثُومِ بْنِ عِيَاضٍ، فَقُتِلَ كُلْثُومُ فِي الْمَصَافِّ وَاسْتُبِيحَ عَسْكَرُهُ وَقُتِلَ عِدَّةٌ مِنْ أُمَرَائِهِ، كَسَرَهُمْ أَبُو يُوسُفَ الأَزْدِيُّ رَأَسُ الصُّفْرِيَّةِ، ثُمَّ اتَّبَعَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ، وَقَتَلَ حَبِيبَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيَّ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي الْمُهَاجِرِ، ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بَلْجُ ابْنُ عَمِّ كُلْثُومٍ فَانْتَصَرَ عَلَى الْخَوَارِجِ وَهَزَمَهُمْ، وَقُتِلَ أَبُو يُوسُفَ فِي خَلْقٍ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ، وَكَانَ كُلْثُومُ الْمَذْكُورُ مِنْ جِلَّةِ الأُمَرَاءِ، وَلِيَ دِمَشْقَ مُدَّةً لِهِشَامٍ، ثُمَّ وَلاهُ الْمَغْرِبَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي خَلْقٍ مِنْ عَرَبِ الشَّامِ، فَلَمَّا قُتِلَ دَخَلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ إِلَى الأَنْدَلُسِ وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ، وَعَبْدُ الملك بن قطن، فجرت بينهم وَقَعَاتٌ عَلَى الْمُنَافَسَةِ عَلَى الدُّنْيَا، فَقُتِلَ بَلْجُ الْقُشَيْرِيُّ وَوُجُوهُ أَصْحَابِهِ. -[356]-
وفيها حج بالناس يزيد ابن الْخَلِيفَةِ هِشَامٍ وَفِي صُحْبَتِهِ الزُّهْرِيُّ، وَفِيهَا لَقِيَهُ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ.

-سنة أربع وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْجُهَنِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ أَبُو طَلْحَةَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ الْمَكِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِخُلْفٍ، وَأَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ.
وَعَاثَتِ الصُّفْرِيَّةُ بِالْمَغْرِبِ وَحَاصَرُوا قَابِسَ وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَافْتَرَقَتِ الصُّفْرِيَّةُ بَعْدَ مَقْتَلِ مَيْسَرَةَ فِرْقَتَيْنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي صِبَاهُ يَسْقِي الْمَاءَ وَلَمَّا بَلَغَ الخليفة هشام قَتْلُ كُلْثُومٍ بَعَثَ عَلَى الْمَغْرِبِ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ الْكَلْبِيَّ.

-سنة خمس وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سِنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ سُلَيْمٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيُّ، وَجَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ، وَأَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، وَزِيَادُ بْنُ عِلاقَةَ الثَّعْلَبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ الرُّهَاوِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حُمَيْدٍ بِمِصْرَ، وَصَالِحُ مَوْلَى التوأمة بِالْمَدِينَةِ، وَعَلِيُّ بْنُ نُفَيْلٍ الْحَرَّانِيُّ بِهَا، وَمُحَمَّدُ بن علي بن عبد الله بن عباس عَلَى الأَصَحِّ، وَمَرْثَدُ بْنُ سُمَيٍّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عبد الملك بْنِ أَبِي مَالِكٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَلِيفَةُ، وَيَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قُتِلَ كَأَبِيهِ.
وَفِيهَا استُخْلِفَ الْوَليِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَمِيرِ الْعِرَاقِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ بِالأَخَوَيْنِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهِ عَذَّبَهُمَا حَتَّى هَلَكَا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا قَدْ وَلِيَ الْحَرَمَيْنِ لِهِشَامٍ مُدَّةً وَأَقَامَ الْحَجَّ مُدَّةً.
وَكَانَتِ الْفِتَنُ شَدِيدَةً بِالْمَغْرِبِ وَنِيرَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ، وعليها الأمير -[357]- حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ، فَزَحَفَ إِلَيْهِ عُكَاشَةُ الْخَارِجِيُّ فِي جَمْعٍ فَالْتَقَوْا، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَانْهَزَمَ عُكَاشَةُ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ مَنْ لا يُحْصَى، ثُمَّ تَنَاخُوا وَسَارَ رَأْسُهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْهَوَّارِيُّ بِنَفْسِهِ، فَجَهَّزَ حَنْظَلَةُ لِمُلْتَقَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَانْكَسَرُوا، وَوَلَّوِا الأَدْبَارَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَنَزَلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بِجُيوُشِهِ عَلَى فَرْسَخٍ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ فِي ثلاث مائة أَلْفٍ، فَبَذَلَ حَنْظَلَةُ الأَمْوَالَ، وَالسِّلاحَ وَعَبَّأَ عَشْرَةَ آلافٍ، فَخَرَجُوا وَمَعَهُمُ الْقُرَّاءُ وَالْوُعَّاظُ وَكَثُرَ الدُّعَاءُ، وَالاسْتِغَاثَةُ بِاللَّهِ وَضَجَّ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ، وَكَانَتْ سَاعَةً مَشْهُودَةً، وَسَارَ حَنْظَلَةُ بَيْنَ الصُّفُوفِ يُحَرِّضُ عَلَى الْجِهَادِ، وَاسْتَسْلَمَتِ النِّسَاءُ لِلْمَوْتِ لِمَا يَعْلَمْنَ مِنْ رَأَيِ هَؤُلاءِ الصُّفْرِيَّةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَصَدَقُوا الْحَمْلَةَ وَكَسَرُوا أَغْمَادَ سُيُوفِهِمْ، وَالْتَحَمَ الْحَرْبُ وَثَبَتَ الْجَمْعَانِ، ثُمَّ انْكَسَرَتْ مَيْسَرَةُ الإِسْلامِ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَحَمَلُوا فَهَزَمُوا الْعَدُوَّ، وَقُتِلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْهَوَّارِيُّ وَأُتِيَ بِرَأْسِهِ، وَقُتِلَ الْبَرْبَرُ مَقْتَلَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَأُسِرَ عُكَاشَةُ وَأُتِيَ بِهِ فَقَتَلَهُ حَنْظَلَةُ، وَأَمَرَ بِإِحْصَاءِ الْقَتْلَى بِالْقَصَبِ بِأَنْ طَرَحَ عَلَى كُلِّ قَتِيلٍ قَصَبَةٌ، ثُمَّ جَمَعَ الْقَصَبَ فَبَلَغَتْ مِائَةُ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا، وَهَذِهِ مَلْحَمَةٌ مَشْهُودَةٌ ما سمعنا قط بمثلها، وَهَؤُلاءِ الْكِلابُ يَسْتَبِيحُونَ سَبْيَ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَذُرِّيَتِهِمْ وَدِمَاءِهِمْ وَيُكَفِّرَونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ، وَتُعْرَفُ بِغْزَوَةِ الأَصْنَامِ بِاسْمِ قَرْيَةٍ هُنَاكَ.
وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا غَزْوَةٌ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَشْهَدَهَا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ غَزْوَةِ الْغَرْبِ بِالأَصْنَامِ.

-سنة ست وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ الْكُوفِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ مَقْتُولا، وَدَرَّاجُ أَبُو السَّمْحِ الْمِصْرِيُّ الْقَاصُّ، وَسَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حبيب المحاربي، وعبد الله بن هبيرة السبئي، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ الْمَكِّيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ الْمِصْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ -[358]- دِينَارٍ الْمَكِّيُّ، وَالْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ الأَسَدِيُّ الشَّاعِرُ، ونبيه بن وهب العبدري، والوليد بن زيد خُلِعَ وَقُتِلَ، وَيَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ بِحِمْصٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْوَليِدِ النَّاقِصُ فِي آخِرِ الْعَامِ.
وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ الْخَلِيفَةِ الْوَلِيدِ لِمَا انْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَاسْتَهْتَرَ بِالدِّينِ، فَبُويِعَ يَزِيدُ بِالْمِزَّةِ وَتَوَثَّبَ عَلَى دِمَشْقَ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَهَّزَ عَسْكَرًا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ بِنَوَاحِي تَدْمُرَ عَاكِفًا عَلَى الْمَعَاصِي، فَقُتِلَ بِحِصْنِ الْبَخْرَاءِ مِنْ نَاحِيَةِ تَدْمُرَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الآخِرَةِ.
فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقْدَحُ فِي الْوَلِيدِ أَبَدًا عِنْدَ هِشَامِ وَيُعِيبُهُ وَيَذْكُرُ عَنْهُ الْعَظَائِمَ مِنَ الْمُرْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَخْضِبُهُمْ بِالْحِنَّاءِ، وَيَقُولُ: مَا يَحِلُّ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا أَنْ تَخْلَعَهُ مِنَ الْعَهْدِ، وَكَانَ الْوَليِدُ قَدْ جَعَلَهُ أَبُوهُ وَلِيَّ عَهْدٍ بَعْدَ هِشَامٍ، فَكَانَ هِشَامٌ لا يَسْتَطِيعُ خَلْعَهُ وَيُعْجِبُهُ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ رَجَاءَ أَنْ يُؤَلِّبَ النَّاسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ يزيداً استُخْلِفَ فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ وَلا مُتِّعَ فَعُهِدَ بِالأَمِرِ إِلَى أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَليِدِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقِيلَ: لَمْ يَعْهَدْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بَلْ بَايَعَهُ الْمَلَأُ، فَتَوَثَّبَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ مَرْوَانُ الْحِمَارُ كَمَا يَأْتِي.
وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ بِالْمَغْرِبِ، وَعَلَيْهَا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ، وَكَانَ فِيهِ دِينٌ، وَوَرَعٌ عَنِ الدِّمَاءِ، فَنَزَحَ عَنِ الْقَيْرَوَانِ وَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ النَّاسُ لِجِهَادِهِ وَعَدْلِهِ.

-سنة سبع وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ، وَبُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَلَى الأَصَحِّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَنَدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الزَّاهِدُ فِي قَوْلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ، وَوَهْبُ -[359]- ابْنُ كَيْسَانَ الْمُؤَدَّبُ.
وَفِيهَا كَانَتْ فِتَنٌ عَظِيمَةٌ وَبَلاءٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ مُتَوَلِّي أَذْرَبَيْجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَتِلْكَ الْمَمَالِكِ، لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ يَزِيدَ النَّاقِصِ، أَنْفَقَ الأَمْوَالَ وَجَمَعَ الأَبْطَالَ وَسَارَ بِالْعَسَاكِرِ فَدَخَلَ الشَّامَ، فَجَهَّزَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَليِدِ لِحَرْبِهِ أَخَوَيْهِ بِشْرًا وَمَسْرُورًا، فَالْتَقَوْا، فَانْتَصَرَ مَرْوَانُ وَأَسَرَهُمَا وَسَجَنَهُمَا، ثُمَّ زَحَفَ حَتَّى نَزَلَ بِعَذْرَاءَ فَالْتَقَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ مَشْهُودَةٌ، ثُمَّ انْهَزَمَ سُلَيْمَانُ وَبَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَليِدِ، فَعَسْكَرَ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ وَأَنْفَقَ الأَمْوَالَ فِي الْعَسْكَرِ فَخَذَلُوهُ وَتَفَلَّلُوا عَنْهُ، وَوَثَبَ الْكِبَارُ بِدِمَشْقَ فَقَتَلُوا عَبْدَ الْعَزِيزِ بن الحجاج بن عبد الملك بن مَرْوَانَ، وَيُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ الْعِرَاقِ فِي الْحَبْسِ.
وَقُتِلَ الْحَكَمُ وَعُثْمَانُ ابْنَا الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَا يُلَقَّبَانِ بِالْجَمَلَيْنِ، وَكَانَا شَابَّيْنِ أَمْرَدَيْنِ قَتَلُوهُمَا بِالدَّبَابِيسِ، وَثَبَ عَلَيْهِمَا غِلْمَانُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ لِأَنَّ أُمَرَاءَ دِمَشْقَ خَافُوا مِنْ أَنْ يُخْرِجَهُمَا مَرْوَانُ الْحِمَارُ فَيُبَايِعُ أَحَدَهُمَا أَوْ يَجْعَلُهُ وَلِيَّ عَهْدٍ فَلا يَسْتَبْقِي أَحَدًا قَامَ عَلَى أَبِيهِ.
ثُمَّ هَرَبَ الْخَلِيفَةُ إِبْرَاهِيمُ بن الوليد فساق يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية وَبَنُو عَمِّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى عَذْرَاءَ إِلَى مَرْوَانَ الْحِمَارِ وَبَايَعُوهُ بِالْخِلافَهِ، وَدَخَلَ الْبَلَدَ فَأمَرَ بِنَبْشِ يَزِيدَ بْنِ الْوَليِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَلَبَهُ لِأَجْلِ قِيَامِهِ عَلَى الْوَلِيدِ الْفَاسِقِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيفَةَ إِبْرَاهِيمَ ذَلَّ وجاء فوضع يده في يد مروان بن مُحَمَّدٍ وَخَلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الأَمْرِ وَسَلَّمَهُ إِلَى مَرْوَانَ وَبَايَعَ طَائِعًا.
وَجَرَتْ هَوَشَاتٌ وَفِتَنٌ، وَوَثَبَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ بِالْغُوطَةِ فَقَتَلَ يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ وَتَمَّ الأَمْرُ لِمَرْوَانَ، ثُمَّ سَارَ عَنْ دِمَشْقَ فَخَلَعَهُ أَهْلُهَا وَأَهْلُ حِمْصٍ فَنَزَلَ عَلَى حِمْصٍ بِجَيْشِهِ وَحَاصَرَهَا وَأَخَذَهَا وَقَتَلَ عِدَّةُ أُمَرَاءَ وَهَدَمَ نَاحِيَةً مِنْ سُورِهَا، وَخَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ طَبَرِيَّةَ ثَابِتُ بْنُ نَعِيمٍ الْجُذَامِيُّ، فَجَهَّزَ لِحَرْبِهِ عَسْكَرًا، فَانْهَزَمَ ثَابِتٌ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ جُنْدِهِ، ثُمَّ أُسِرَ وَأُتِيَ بِهِ مَرْوَانُ فَقَطَعَ أَرْبَعَتَهُ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ سَيِّدَ الْيَمَانِيَّةِ فِي زَمَانِهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ -[360]- الْهَاشِمِيَّ، وَكَانَ مَعَهُ أَخَوَاهُ الْحَسَنُ وَيَزِيدُ، وَكَانُوا قَدْ وَفَدُوا عَلَى نَائِبِ الْكُوفَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَكْرَمَهُمْ وَبَالَغَ فِي الإِحْسَانِ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ النَّاقِصُ هَاجَتْ شِيعَةُ الْكُوفَةِ وَجَيَّشُوا وَغَلَبُوا عَلَى الْقَصْرِ وَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا، فَحَشَدَ مَعَهُ خَلائِقَ فَالْتَقَاهُمْ عَسْكَرُ الْكُوفَةِ وَتَمَّتْ لَهُمْ وَقْعَةٌ انْهَزَمَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَقُتِلَ خَلْقٌ مِنْ شِيعَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْقَصْرِ، وَأَمَّنُوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَتَلاحَقَ بِهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَصْرِ الإِمَارَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كَانَ ظُهُورُ سَعِيدِ بْنِ بَحْدَلٍ الْخَارِجِيِّ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ وَتَبِعَهُ خَلْقٌ فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ وَاسْتُخْلِفَ عَلَى أَصْحَابِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْمَحْكَمِيُّ، فَغَلَبَ عَلَى تِكْرِيتَ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ فَعَسْكَرَ بِدِيرِ الثَّعَالِبِ فِي نَحْوٍ مِنْ ثَلاثَةِ آلافٍ، فَالْتَقَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَانَ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، ثُمَّ انْكَسَرَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَحَيَّزَ إِلَى وَاسِطَ، وَمَلَكَ الضَّحَّاكُ الْكُوفَةَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ، ثُمَّ عَبَّأَ جُيُوشَهُ فِي رَمَضَانَ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى وَاسِطَ فَحَارَبَهُ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ أَحَدَ الأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ، وَالشُّجْعَانِ الْمَعْدُودِينَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَقُتِلَ خَلْقٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ الضَّحَّاكُ الْمَحْكَمِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلاطَفَهُ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي طَاعَتِهِ وَيُقِرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَأَعْطَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ وَلايَنَهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ شُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ الضُّبَعِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ ... وَصَلَّتْ قُرَيْشٌ خَلْفَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ
ثُمَّ سَارَ الضَّحَّاكُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَخَرَجَ لِحَرْبِهِ مُتَوَلِّيهَا فَقُتِلَ، ثُمَّ اسْتَوْلَى الضَّحَّاكُ عَلَى الْمَوْصِلِ وَاتَّسَعَ سُلْطَانُهُ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْخَوَارِجِ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلِيفَةُ إِلَى وَلَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ وَالِي الْجَزِيرَةِ، فَأَمَرَهُ أن يعسكر بنصيبين، فسار إليه الضحاك فحصره نَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ وَبَثَّ خَيْلَهُ يُغِيرُونَ عَلَى بِلادِ الْجِزِيرَةِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُ الضَّحَّاكِ وَانْضَافَ إِلَيْهِ من هرب -[361]- مِنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، فَسَارَ مَرْوَانُ بِنَفْسِهِ لِيَكْشِفَ عَنِ ابْنِهِ، فَالْتَقَاهُ الضَّحَّاكُ فَأَشَارَ عَلَى الضَّحَّاكِ أُمَرَاؤُهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَ فرسانه، فقال: إني والله ما لي فِي دُنْيَاكُمْ هَذِهِ مِنْ حَاجَةٍ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا الطَّاغِيَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، وَعَلَيَّ دَيْنٌ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ فِي كُمِّي مِنْهَا ثَلاثَةٌ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ إِلَى الْمَسَاءِ فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَمْ يَدْرِ بِهِ أَحَدٌ وَدَخَلَ اللَّيْلُ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ نَحْوٌ مِنْ سِتَّةِ آلافٍ، ثُمَّ أَصْبَحُوا عَلَى الْقِتَالِ، وَرَكَبَ النَّاس يَوْمَئِذٍ ضَبَابٌ بِحَيْثُ أَنَّ الْفَارِسَ لا يَرَى عَرْفَ فَرَسِهِ، وَمَضَى مَرْوَانُ فِي كُلِّ وَجْهٍ وَثَبَتَ جُنْدُهُ وَجَاءَ الْخَيْبَرِيُّ أَحَدُ رؤوس الْخَوَارِجِ فَدَخَلَ فِي مُعَسْكَرِ مَرْوَانَ وَقَطَعَ أَطْنَابَ خِيَامِهِ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ فَكَرَّ نَحْوٌ مِنْ ثَلاثَةِ آلافٍ عَلَى الْخَيْبَرِيِّ فَقَتَلُوهُ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْخَوَارِجِ شَيْبَانُ فَتَحَيَّزَ بِهِمْ وَنَزَلَ بِالزَّابَيْنِ وَخَنْدَقُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ كُلُّ يَوْمٍ رَايَةُ مَرْوَانَ مَهْزُومَةٌ، ثُمَّ نزل شيبان الخنادق وطلب شهرزور، ثُمَّ انْحَدَرَ عَلَى مَاهٍ، ثُمَّ عَلَى الصَّيْمَرَةِ فَأَتَى بِلادَ كَرْمَانَ وَعَاثَ وَأَفْسَدَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى عُمَانَ، فَقَاتَلُوهُ فَقُتِلَ فِي الوقعة.
وَفِيهَا كَانَ قَدْ خَرَجَ بِأَذْرَبَيْجَانَ بِسْطَامُ بْنُ اللَّيْثِ التَّغْلَبِيُّ فَسَارَ فِي نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ فَارِسًا حَتَّى قَدِمَ بَلَدَ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ مِنَ الْمَوْصِلِ فَبَيَّتَهُمْ وأصاب منهم، ثم قدم نصيبين فعاث وشعث فِي حَيَاةِ الضَّحَّاكِ، فَجَهَّزَ لَهُ الضَّحَّاكُ عَسْكَرًا، فَقُتِلَ هُوَ وَغَالِبُ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَكَنَ وَذُلَّتِ الْخَوَارِجُ، وَتَوَطَّدَتِ الْمَمْلَكَةُ لِمَرْوَانَ فَبَعَثَ عَلَى الْعِرَاقِ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ، وَعَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَكَانَتْ إِمْرَةُ عَبْدِ اللَّهِ عَامَيْنِ، فَسَارَ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ حَتَّى نَزَلَ هِيتَ وَحَارَبَ الْخَوَارِجَ مَرَّاتٍ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَانْهَزَمَ مِنْهُ مَنْصُورُ بْنُ جَمْهُورٍ إِلَى السِّنْدِ.
وَفِيهَا خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ حُرَيْثٍ الْكَرْمَانِيُّ وَمَعَهُ الأَزْدُ، فَالْتَقَاهُ أَمِيرُ خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فَانْهَزَمَ نَصْرُ وَقَوِيَ أَمْرُ الْحَارِثِ، وَالْتَفَّتْ عَلَيْهُ مضر -[362]- وَبَايَعُوهُ وَغَلَبَ عَلَى مَرْوَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِمِصْرَ وُجُوهُ أَهْلِهَا عَلَى مَرْوَانَ وَكَثُرَتْ عَلَيْهِ الْفُتُوقُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ إِلَى بِلادِ التُّرْكِ.

-سنة ثمان وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا بَكْرُ بْنُ سُوَادَةَ الْفَقِيةُ بِمِصْرَ، وَجَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعَفِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَأَبُو قَبِيلٍ حُيَيُّ بْنُ هَانِئٍ الْمَعَافِرِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ الْقَارِئُ، وعاصم ابن الصباح الجحدري البصري، وأبو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ فِي قَوْلٍ، وَأَبُو حُصَيْنٍ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ مُحَمَّدُ بن مسلم المكي، وَمَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ قَالَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وأبو جمرة الضُّبَعِيُّ فِي أَوَّلِهَا، وَأَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي قَوْلٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبيِبٍ الْفَقِيهُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ الْمَدَنِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ حَفْصُ بْنُ الْوَلِيدِ أَمِيرُ مِصْرَ.
وَفِيهَا كَانَ اسْتِيلاءُ الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
وَفِيهَا أُسِرَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ الْمَذْكوِرُ فَقُتِلَ صَبْرًا.
وَفِيهَا قَتْلُ حَوْثَرَةِ بْنِ سُهَيْلٍ الْبَاهِلِيِّ لِمُتَوَلِّي مِصْرَ حَفْصِ بْنِ الْوَلِيدِ الْحَضْرَمِيِّ، كَانَ حَفْصُ شَرِيفًا مُطَاعًا وَلِيَ مِصْرَ مُكْرَهًا لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ لِمَرْوَانَ عِنْدَ قِيَامِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى أَمِيرِهِمْ حَسَّانِ بْنِ عَتَاهِيَةَ، ثُمَّ اسْتَوْلَى حَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ وَقَتَلَ رَجَاءَ بْنَ أَشْيَمَ الْحِمْيَرِيَّ مِنْ كِبَارِ الْمِصْرِيِّينَ.

-سنة تسع وعشرين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَازِيُّ بِحِمْصٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْمَدِينَةِ، وَخَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ قَاضِي أَفْرِيقِيَّةَ، وَسَالِمُ أَبُو النَّضْرِ الْمَدَنِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيُّ، وَقَيْسُ بن الحجاج السلفي، وَمَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ الْوَرَّاقُ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْيَمَامِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ حَرْبٍ النَّدَبِيُّ، وَآخَرُونَ.
وَفِيهَا خَرَجَ بِحَضْرَمَوْتَ طَالِبُ الْحَقِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْكِنْدِيُّ الأَعْوَرُ -[363]- فَغَلَبَ عَلَى حَضْرَمَوْتَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الأَبَاضِيَّةُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ وَبِهَا الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي جُنْدِهِ، وَتَبِعَهُ طَالِبُ الْحَقِّ فَبَيَّتَهُ فَهَرَبَ الْقَاسِمُ وَقُتِلَ أَخُوهُ الصَّلْتُ، وَاسْتَوْلَى طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى صَنْعَاءَ فَجَبَى الأَمْوَالَ وَجَهَّزَ إِلَى مَكَّةَ عَشْرَةَ آلافٍ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَكَرِهَ قِتَالَهُمْ وَفَشِلَ فَوَقَفُوا بِعَرَفَةَ، وَوَقَفَ مَعَهُمُ الْحَجِيجُ، ثُمَّ غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ، فَنَزَحَ عَنْهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا كَتَبَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَمِيرُ الْعِرَاقَيْنِ إِلَى عَامِرِ بْنِ ضُبَارَةَ فَسَارَ حَتَّى أَتَى خُرَاسَانَ وَقَدْ ظَهَرَ بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ قَدْ ظَهَرَ هُنَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْهَاشِمِيُّ فَقَبَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ وَسَجَنَهُ وَسَجَنَ خَلْقًا مِنْ شِيعَتِهِ.
وَفِيهَا سَارَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى مَرْوَ الرُّوذِ، فَسَارَ إِلَى قِتَالِهِ مُتَوَلِّيهَا سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ الْمَازِنِيُّ فَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ، ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ وَبَيَّتَهُمْ فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ تَهَادَنُوا، ثُمَّ سَارَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فَحَاصَرَ الْكَرْمَانِيَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَغَلَتِ الْمَرَاجِلُ بِالْفِتَنِ إِلَى أَنْ قَتَلَ الْكَرْمَانِيَّ وَلَحِقَ عَسْكَرُهُ بِشَيْبَانَ بْنِ مُسْلِمَةَ السَّدُوسِيِّ الْحَرُورِيِّ الَّذِي تَغَلَّبَ عَلَى سَرَخْسَ وَطُوسَ، وَعَظُمَتْ جُيُوشُ شَيْبَانَ هَذَا وَقَاتَلَهُمْ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَاشْتَغَلَ بِهِمْ إِلَى أَنْ قَوِيَ أَمْرُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ.
فَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَوَثَبَ بِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الإِبَاضِيَّةِ، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَ جُثَّتَهُ، فَثَارَ أَصْحَابُهُ وَجَيَّشُوا وَجَرَتْ لَهُمْ حُرُوبٌ عَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا أَمِيرُ هَؤُلاءِ، وَأَمِيرُ هَؤُلاءِ.

198 - ت ق: عبد الحميد بن أبي العشرين الدمشقي أبو سعيد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

198 - ت ق: عبد الحميد بن أبي العِشرين الدِّمشقيُّ أبو سعيد، [الوفاة: 181 - 190 ه]
كاتب الأوزاعي.
سَمِعَ مِنْ: الأوزاعي فقط،
وَعَنْهُ: أبو الجماهر محمد بن عثمان، وهشام بن عمار، وجنادة بن محمد المُرّيّ.
وثقه أحمد، وأبو حاتم. -[904]-
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَالَ الدارقطني: ثقة.
وقال ابن عَدِيّ: يغرب عن الأوزاعيّ بأحاديث، وهو ممّن يُكْتَب حديثه.
وقال أبو حاتم: لم يكن بصاحب حديث، كان كاتب ديوان.
وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه في سوق الجنة لا أصل له في حديث أبي هريرة، ولا ابن المسيب، ولا حسّان بن عطيّة، وقد تَابَعَه عليه سُوَيْد بن عبد العزيز.

-ثم دخلت سنة عشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ثم دخلت سنة عشرين ومائتين
فيها تُوُفّي عفان ببغداد، وقالون بن عيسى بن مينا، ومُطَرِّف بن عبد الله بالمدينة، وأبو حذيفة النهدي، وعاصم بن يوسف اليَرْبُوعيّ، وخلّاد بن خالد القارئ بالكوفة، وعثمان بن الهيثم المؤذّن، والخليل بن عمر بن إبراهيم العبْديّ، وعبد الله بن رجاء بالبصرة، وآدم بن أبي أياس بعسقلّان، وعبد الله بن جعفر الرَّقّي بالرَّقّة، وقَرعوس بن العبّاس الثقفيّ صاحب مالك بالأندلس، ومحمد الجواد ولد عليّ بن موسى الرّضا ببغداد.
ويوم عاشوراء دخل عُجَيف بغدادَ بسبي الزُّطِّ وأَسْراهم، فعبّأهم على هيئتهم في الحرب، وكان يوما مشهودا. ثم نفذوا إلى عين زَرَبة، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحوهم حتى لم ينج منهم أحد.
وفيها عقد المعتصم على حرب بابك وعلى بلاد الجبل للأفشين، واسمه -[255]- حيدر بن كاوس. ثم وجّه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل لعمارة الحصون الّتي خرّبها بابَك، ففعل ذلك. وكان محمد بن البُعيث صديق بابَك في قلعة شاهي وحصن تبريز من بلاد أَذرَبْيَجْان، فبعث بابَكُ قائده عصمة، فنزل بابن البُعيث فأكرمه وأنزل إليه الإقامات وأضافه وسقاه خمرًا وأسره، وقتل جماعة من مقدميه، فهرب عسكره، وشرع ابن البُعيث يناصح المعتصم، ودلّه على عورة بلاد بابَك، ثم كانت وقعة كبيرة بين بابَك والأفشين انهزم فيها بابَك، وقُتِل من أصحابه نحو الألف، وهرب إلى موغان، ومنها إلى مدينته التي تُسمى البَذّ، وبعث الأفشين بالرؤوس والأسرى إلى بغداد.
وفي رمضانها كانت محنة الإمام أحمد، وضُرِب بالسّياط، ولم يُجِب. وسيأتي ذلك في ترجمته.
وفي ذي القعدة نزل المعتصم بالقاطول وأمر بإنشاء مدينة سُرّ من رأى، فاشترى أرضها من رُهبان لهم دير هناك. وقد كان الرشيد يتنزه بالقاطول لِطيبه. واستخلف المعتصم على بغداد ولده الواثق.
وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وصادره، وأخذ منه أموالا عظيمة تفوت الوصف، حتّى قيل: إنّه أخذ منه عشرة آلاف ألف دينار، واستأصله وأهل بيته ونفاه إلى السّنّ؛ قرية بطريق الموصل. ووُليّ بعده الوزارة محمد بن عبد الملك ابن الزيات.
واعتنى المعتصم باقتناء التُّرْك، فبعث إلى سمرقند وفَرغانة والنّواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الدِّيباج ومناطق الذهب. فكانوا يطردون خيلهم ببغداد ويُؤْذُون الناس. فربّما ثار أهل البلد بالتركيّ فقتلوه عند صدْمه للمرأة والشيخ. فعزم المعتصم على التحوّل من بغداد وتنقل على دجلة، والقاطول هو نهر منها، فانتهى إلى موضع سامراء، وفي مكانها دير عادي لرهبان. فرأى فضاءً واسعًا جدًّا وهواءً طَيِّبًا فاستمرأه، وتصيّد ثلاثًا فوجد نفسه تطلب أكثر من أكله، فعلم أنّ ذلك لتأثير الهواء والتُّرْبة والماء. فاشترى من أهل الدَّيْر أرضهم بأربعة آلاف دينار، وأسّس قصره بالوزيريّة التي يُنسب إليها التّين الوزيريّ العديم النظير في الحسن. فجمع عليها الفعلة -[256]- والصُّنّاع من الممالك. ونقل إليها أنواع الأشجار والغُرُوس، واختُطَّت الخِطّط والدُّروب، وجدّوا في بنائها، وشُيّدت القصور، واستُنْبِطت المياه من دجله وغيرها، وتَسَامع النّاس وقصدوها، وكثُرت بها المعايش.

-دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين
ففيها تُوُفّي أبو اليَمَان الحمصيّ، وعاصم بن عليّ بن عاصم، والقَعْنَبيّ، وعَبَدان المَرْوَزِيّ، واسمه عبد الله بن عثمان، وهشام بن عُبَيْد الله الرازي.
وفيها كانت وقعة هائلة بين الخُرَّميّة وبين المسلمين وأميرهم بُغا الكبير، فانكسر ثم تثبت وأُمد بالجيوش، والتقى الخرمية فهزمهم.
وفيها ولي إمرة مكة محمد بن داود بن عيسى العبّاسيّ، فبعث رجلًا من بني جُمَح لعَدّ المواشي وقال: هاتوا بكل فريضةٍ دينارًا. فامتنعوا عليه وقالوا: تريد أن تغصبنا أموالنا. إنما في عهدك أن تأخذ الفريضة شاةً. فحاربهم وحاربوه وقُتِل طائفة، وقتل الجحمي، فجهز محمد بن داود أخا الجحمي، ففتك وبدّع وعاث جيشه.
قال الفَسَويّ: سَمِعْتُ بعض السفهاء الذين كانوا معه يقول: اقتضضنا أكثر من عشرين ألف عذراء.
وفيها حجّ حنبل بن إسحاق، فيما حَدَّث أبو بكر الخلّال، عن عصمة بن عصام، عنه، قال: فرأيت كِسْوَة البيت الدِّيباج وهي تخفُق في صحن المسجد، وقد كُتِب في الدّارات: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبير ". فلمّا قدِمت أخبرت أحمدَ بنَ حنبل، فقال: قاتَلَه الله، الخبيثَ عمد إلى كتاب الله فغيَّره، يعني ابن أبي دؤاد، فإنه أمر بذلك.
وفيها تكامل بناء سامِرّاء.

-ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين
فتوفي فيها عمر بن حفص بن غِياث، وخالد بن نِزار الأَيْليّ، وأحمد بن محمد الأزرقيّ الذي ذكرناه في الطبقة الماضية، وعليّ بن عبد الحميد المعْنيّ، ومسلم بن إبراهيم، والوليد بن هشام القحذمي.
قال شبابُ العُصْفُريّ: فيها كانت وقعة الأفشين بالكافر بابَك الخُرَّميّ، فهزمه الأفشين واستباح عسكَرَه، وهرب بابَك، ثمّ أسروه بعد فصولٍ طويلة.
وكان من أبطال زمانه وشُجعانهم المذكورين. عاثَ وأفسد وأخاف الإسلام وأهله. وغلب على أذْرِبَيّجَان وغيرها، وأراد أن يُقيم مِلّة المَجُوس. وظهر في أيّامه المازيار القائم بمِلّة المَجُوس بطَبَرِسّتان، فعظُم شَرَّه وبلاؤه.
وكان المعتصم في أول هذه السنة قد بعث نفقات الجيوش إلى الأفشين، فكانت ثلاثين ألف ألف درهم.
وفي رمضان فُتِحَتِ الْبَذَّ مدينة بابَك، لعنه الله، بعد حصارٍ طويل صعْب، وكان بها بابك قد عصى بها بعد أن عمل غير مُصَافٍّ مع المسلمين، فلما أُخِذَتِ اختفى في غَيْضَةٍ بالحصْن، وأُسِرَ أَهْلُه وأولادُه. ثمّ جاء كتاب المعتصم بأمانِهِ، فبعث به إليه الأفشين مع رجُلين، وكتب معهما: ولدُ بابَك يشيرُ على أبيه بالدخول في الأمان فهو خير فلمّا دخلا في الغيضة إلى بابَك قتل أحدهما، وقال للآخر: اذهب إلى ابن الفاعلة ابني وقُل له: لو كنتَ ابني للحِقْتَ بي. ثمّ خرّق كتاب الأمان، وخرج من الغَيْضَة وصعِد الجبَل في طريقٍ وعرة يعرفها، وكان الأفشين قد أقام الكُمَناء في المضايق، فأفلت بابَك منهم، وصار إلى جبال أرمينية، فالتقاه رجل يقال له: سهْل البِطْريق، فقال له: الطّلبُ وراءَك فانزِلْ عندي. فنزل عنده. وبعث سهل إلى الأفشين يخبره. فجاء أصحاب الأفشين فأحاطوا به وأخذوه، وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيًّا ألفيْ ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم، فأعطى سهلا ألفي ألف، وحطّ عنه خَراج عشرين سنة، ثمّ قتل بابك سنة ثلاث وعشرين.
قال المسعوديّ: هربَ بابَك متنكّرًا بأخيه وأهله وولده ومَنْ تَبِعَهُ من خاصّته، وتزيّوا بزيّ التُّجّار السَّفّارة، فنزل بأرض أرمينية بعمل سهل بن -[495]- سِنْبَاط، فابتاعوا شاةً من راعٍ فنكِرَهم وذهب إلى سهل فأخبره. فقال: هذا بابك بلا شكّ، وكانت قد جاءته كُتُب الأفشين بأن لا يَفُوته بابَك إن مرّ به. فركب سَهْل في أجناده حَتّى أتى بابَك، فترجّل لبابَك وسلّم عليه بالمُلْك وقال: قمْ إلى قصرك وأنا عبدك. فسارَ معه، وقُدِّمت الموائد، فقعد سَهْل يأكل معه، فقال بابَك بعُتوٍّ وجهلٍ: أمِثْلُكَ يأكل معي؛ فقام سهل واعتذر وغاب، فجاء بحدّاد ليقيّده، فقال بابَك: أَغَدْرًا يا سهل؟ فقال: يا ابن الخبيثة، إنّما أنت راعي بقر، وقيّد من كان مَعه، وكتب إلى الأفشين، فجهز إليه أربعة آلاف فتسلموه، وجاؤوا ومعهم سهل، فخلع عليه الأفشين توجه، وأسقط عنه الخراج، وبعث بطاقة إلى المعتصم بالفتح، فانقلبت بغداد بالتكبير والضجيج، فلله الحمد.

-ودخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ودخلت سنة ثلاثٍ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي عبد الله بن صالح كاتب الَّليْث، وخالد بن خداش، ومحمد بن سنان العوقي، ومحمد بن كثير العَبْديّ، وموسى بن إسماعيل التبوذكي، ومعاذ بن أسد المروزي.
وفيها قَدِم الأفشين بغداد في ثالث صفر ببابَك الخُرَّميّ وأخيه. وكان المعتصم يبعث إلى الأفشين منذ فَصَلَ عن بَرْزَنْد كلّ يوم بفَرَسٍ وخِلْعة، كلّ ذلك من فَرَحه بأسْر بابك.
ومن عناية المعتصم بأمرِ بابك أنّه رتّب البريد من سامِرّاء إلى الأفشين بحيث أنّ الخبر يأتيه في أربعة أيّام من مسيرة شهر. فلما قدم ببابك أنزلوه بالمطيرة، فلمّا كان في جَوْف الليل أتى أحمد بن أبي دؤاد متنكرًا، فنظر إلى بابَك وشاهدَهُ، وَرَدّ إلى المعتصم فأخبره. فلم يَصْبر المعتصم حَتّى أتي متنكرًا، فتأمّلهُ وبابَك لا يعرفه.
وكان لعنه الله، ثَنَويًّا على دِين ماني، ومَزْدَكْ، يقول بتناسُخ الأرواح، ويَسْتَحِلّ البنت وأُمَّها. وقيل: كان وَلَدَ زِنا، وكانت أمّه عَوْراء تعرف برومية العِلْجَة. وكان عليّ بن مَزْدكان يزعمُ أنّه زنى بها، وأنّ بابَك منه.
وقيل: كانت فقيرة من قُرى آذْرَبَيْجان، فزنى بها نَبَطيّ، فحملت منه بابَك، ورُبّي بابَك أجيرًا في قريته، وكان راعيا، وكان بتلك الجبال قومٌ من الخُرَّميّة ولهم مُقَدَّمان: جاوِنْدان وعِمران. فتفرَّس جاوِنْدان في بابَك -[496]- الشجاعة، فأستأجره من أُمّهِ، فأحبّته امرأة جاوِندان، وأطلعتْه على أمور زوجها، ثمّ قُتِل جاوِنْدان في وقعة بينه وبين ابن عمٍّ لهُ، فزعمت امرأته أنّه استخلف بابَك، فصدّقها الْجُنْد وانقادوا له، فأمرهم أن يقتلوا بالّليل مَن وجدوا من رجلٍ أو صبيّ. فأصبح خلقٌ مُقَتَّلين. ثمّ انضم إليه طائفة من قُطّاع الطريق، وطائفة مِن الفلّاحين والشُّطّار. ثمّ استفحل أمره، وعظُم شرُّه، وصار معه عشرون ألف مقاتل. وأظهر لمذهب الباطنيّة، واستولى على حصون ومدائن، وقتل وسبى إلى أن أظفر الله به. فأركبه المعتصم فيلًا، وألبسه قِباءً من ديباج، وقَلَنْسُوَة سَمُّور مثل الشَّرْبُوش، وخَضَبوا الفيل بالحناء، وطافوا به.
ثمّ أمَر المعتصم بأربعته فقُطِّعَت، ثمّ قُطع رأسه وطِيف به بسامرّاء. وبعث بأخيه إلى بغداد، ففُعِل به نحو ذلك، واسمه عبد الله. ويُقال: إنّه كان أشجع من بابَك. فيقال: إنّه قال لأخيه بابَك قُدّام الخليفة: يا بابَك قد عملتَ ما لم يعملْه أحد، فأصبِرْ صبرًا لم يصبرْه أحد، فقال: سوف ترى صبري، فلمّا قُطِعت يدُه مسح بالدَّم وجهه، فقالوا: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: قولوا للخليفة: إنّك أمرتَ بقطع أربعتي وفي نفسك أنك لا تكويها وتدع دمي ينزف، فخشيت إذا خرج الدّم أن يصفرّ وجهي، فترون أنّ ذلك من جَزَع الموت. فغطّيت وجهي بالدم لهذا، فقال: فقال المعتصم: لولا أنّ أفعاله لا تُوجِب الصَّنيعة والعَفْوَ لكان حقيقًا بالاستبقاء، ثمّ ضُرِبت عُنُقه، وأُحْرِقت جُثّته، وفُعِل ذلك بأخيه، فما منهما مَن صاح، ويقال: إنّ بابَك قتل مائةً وخمسين ألفا، وما ذاك ببعيد.
ووجدتُ بخطّ رفيقنا ابن جماعة الكِنانيّ أنّه وجد بخطّ ابن الصّلاح رحمه الله، قال: اجتمع قومٌ مِن الأُدباء، فأحصَوا أنّ أبا مسلم قتل ألفي ألف، وأنّ قتلى بابَك بلغوا ألف ألف وخمسمائة ألف.
وفيها سار الأفشين بالجيوش، فالتقى طاغيةَ الروم، فاقتتلوا أيّامًا، وثبت كِلا الفريقين، وقُتِل خلقٌ منهما، ثمّ انهزم الطّاغية ونزل النّصْر. وكان هذا الكلب قد حَصرَ زِبَطْرة وافتتحها عَنْوةً، وقتل وسبى وحرق الجامع.
وفيها خرّب المعتصم أَنْقِرة وغيرها، وأنكى في بلاد الروم وأوطأهم خوفا وذلا، وافتتح عمورية بالسيف كما هو مذكور في ترجمته. وكانت نكايته في الروم مما لم يُسْمع لخليفةٍ بمثله، فإنه شتّت جُموعهم، وخرّب ديارهم؛ وكان -[497]- ملكهم تُوفيل بن ميخائيل بن جرجس قد نزل على زِبَطْرة في مائة ألف، ثمّ أغار على مَلْطِية، وعَمّ بلاؤه وفي ذلك يقول إبراهيم بن المهدي:
يا غيرة الله قد عاينت فانتقمي ... هَتَك النّساء وما منهنّ يرتكبُ
هَبِ الرجالَ على أجرامها قُتِلَتْ ... ما بالُ أطفالها بالذَّبْح تُنْتَهَبُ؟
فلمّا سمِع المعتصم هذا الشِّعْر خرج لوقته إلى الجهاد، وجرى ما جرى، وكان على مقدّمته أشناس التُّرْكيّ، وعلى مَيْمنته إيْتاخ التُّركيّ، وعلى المَيْسَرة جعفر بن دينار، وعلى الساقة بغا الكبير وعلى القلب عُجَيْف ودخل من الدُّروب الشّاميّة، وكان في مائتي ألف على أقلّ ما قيل، والمكثر يقول: كان في خمسمائة ألف.
ولما افتتح عَمُّورية صمّم على غزو القُسْطنطينيّة، فأتاه ما أزعجه من أمر العبّاس ابن المأمون، وأنّه قد بُويع، وكاتبَ طاغية الروم، فَقَفَلَ المعتصم، وقبض على العبّاس ومُتَّبعيه وسجنهم.

-سنة أربع وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربعٍ وعشرين ومائتين
توفي إبراهيم بن المهدي، وإبراهيم بن أبي سويد الذارع بصْري، وسعيد بن أبي مريم، وبكّار بن محمد السِّيرينيّ، وسليمان بن حرب، وأبو معمر عبد الله بن عَمْرو المِنْقَريّ المُقْعَد، وعبد السّلام بن مطهّر، وعبد الغفّار بن داود الحَرّانيّ، وعليّ بن محمد المدائنيّ، وأبو عُبَيْد القاسم بن سلّام، وعَمْرو بن مرزوق، وقُرّة بن حبيب، وأبو الْجَمَاهر محمد بن عثمان الكفرسوسي، ومحمد بن عيسى ابن الطّبّاع الحافظ، ومحمد بن الفضل عارِم، ويزيد بن عبد ربّه الحمصيّ، والعبّاس بن المأمون بن الرشيد.
وفيها أظهر مازيار بن قارن الخلاف بطَبرِسْتان وحارب، وكان مُبَاينًا لآل طاهر. وكان المعتصم يأمره بحمل الخراج إليهم فيقول: لا أحمله إلّا إلى أمير المؤمنين. وكان الأفشين يسمع أحيانًا من المعتصم ما يدلّ على أنّه يريد عَزْل عبد الله بن طاهر. فلمّا ظفر ببابَك ونزل من المعتصم المنزلة الرفيعة، طمع في إمرة خُراسان. وبلغه منافرة المازيار لابن طاهر، فترجّى أن يكون ذلك سببًا لعزل ابن طاهر. ثمّ إنّه دسّ كُتُبًا إلى المازيار يمنيه ويستميله. وكتب المعتصم إلى ابن طاهر لمحاربة المازيار، وكتب الأفشين إلى المازيار يقوّي عزْمه، وبعث المعتصم لمحاربة المازيار جيشًا عليهم الأفشين، وجبى المازيار -[498]- الأموال، وعَسَفَ. وأخرب أسوار آمل والرَّيّ وجُرْجَان، وهرب النّاس إلى نَيْسابور. فأرسل ابنُ طاهر جيشًا، عليهم عمُّه الحَسَن بن الحسين. وجرت حروب وأمور، ثمّ اختلف أصحاب المازيار عليه. ثمّ قُتِل بعد أن أهلك الحَرْث والنَّسْل.

-ومن سنة خمس وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ومن سنة خمسٍ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي أصبغ بن الفَرَج الفقيه، وأبو عمر الحَوْضيّ، وسَعْدَوَيْه الواسطيّ، وشاذ بن فَيّاض، وأبو عمر الْجَرْميّ، وعمر بن سعيد الدِّمشقيُّ الأعور، وفَرْوَةُ بن أبي المَغْراء، وأبو دُلَف الأمير، ومحمد بن سلّام البِيكَنْديّ، ويحيى بن هاشم السمسار.
وفيها استوزر المعتصم محمدَ بنَ عبد الملك الزيات.
وفيها قبض المعتصم على الأفشين لعداوته لعبد الله بن طاهر، ولأحمد بن أبي دُؤَاد، فعملا عليه، وما زالا حَتّى القيا في قلب المعتصم أنّ الأفشين يريد قتله. ونَقَلَ إليه ابن أبي دُؤَاد أنّه يكاتب المازيار. فطلب المعتصم كاتبه وتهدّده بالقتل، فاعترف وقال: كتبتُ إليه بأمره يقول: لم يبق غيري وغيرك وغير بابَك. وقد مضى بابَك، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر، ولم يبق عند الخليفة سواي، فإنْ هزمت ابنَ طاهر كفيتُك أنا المعتصم، ويخلص لنا الدّين الأبيض، يعني المَجُوسية. وكان يُتَّهَم بها، فَوَهب المعتصم للكاتب مالًا وأحسن إليه، وقال: إن أخبرتَ أحدًا قتلتُك. فَرُوِيَ عن أحمد بن أبي دُؤَاد قال: دخلت على المعتصم وهو يبكي ويُقلق، فقلت: لا أبكى الله عينك، ما بك؟ قال: يا أبا عبد الله، رجلٌ أنفقتُ عليه ألف ألف دينار، ووهبتُ له مثلها يريد قتلي. قد تصدّقتُ لله بعشرة آلاف ألف درهم، فخُذْها ففرّقْها. وكان الكَرْخُ قد احترق، فقلت: نفرّق نصف المال في بناء الكَرْخ، والباقي في أهل الحَرَمَيْن، قال: افعل.
وكان الأفشين قد سيّر أموالًا عظيمة إلى مدينة أشروسنة، فهم بالهرب إليها، وأحسّ بالأمر. ثمّ هيّا دعوةً ليسم المعتصم وقواده، فإن لم يجبه دعا لها الأتراك مثل إيتاخ، وأشناس فيسمهم ويذهب إلى أرمينية، ويدور إلى أشْرُوسَنَة. فطال به الأمر، ولم يتهيّأ له ذلك، فأخبر بعضُ خَوَاصّه المعتصمَ بعزمه، فقبض حينئذ المعتصم عليه وحبسه، وكتب إلى ابن طاهر بأن يقبض على ولده الحسن بن الأفشين. -[499]-
وفيها أُسٍر المازيار، وقُدِم به إلى بين يدي المعتصم.
وعن هارون بن عيسى بن المنصور قال: شهدت دار المعتصم وقد أتي بالأفشين، وبالمازيار، وبموبذ موبذان أحد ملوك السغد، وبالمزربان، وأحضروا رجلين فعُرِّيا، فإذا أجنابهما عارية عن اللّحْم، فقال الوزير ابن الزّيّات: يا حيدر، تعرف هذين؟ قال: نعم. هذا مؤّذنٌ، وهذا إمامٌ بَنَيا مسجدًا بأشروسنة، فضربتُ كلّ واحدٍ منهما ألفَ سوط. قال: ولم؟ قال: بيني وبين ملوك السغد عهد، أنْ أترك كلّ قومٍ على دينهم، فوثب هذان على بيتٍ فيه أصنامُ أهلِ أشْرُوسَنَة، فأخرجا الأصنام واتّخذاه مسجِدًا، فضربتهما على تَعَدِّيهما. فقال ابن الزّيّات: فما كتابٌ عندك قد زينته بالذهب والجواهر، وجعلته في الديباج، فيه الكفر بالله؟ فقال: كتابٌ ورِثْتُه عن أبي، فيه آدابٌ وحِكَم من آداب الأكاسرة، فآخُذُ منه الأدب، وأدفع ما سواه، مثل كتاب " كليلة ودِمْنة "، وما ظننتُ أنّ هذا يُخْرجني عن الإسلام. فقال ابن الزّيّات للموْبِذ: ما تقول؟ فقال: إنْ كان هذا يأكل المخنوقة، ويحملني على أكْلها، ويزعم أن لحمها أرطب لحما من المذبوحة. وقال لي: إنّي قد دخلت لهؤلاء القوم في كل ما أكره، حَتّى أكلت الزيت، وركبت الجمل، ولبست النعل، غير أنّي إلى هذا العام لم يسقط عني شعر، يعني عانته، ولم يختتن، وكان المُوبِذ مجوسيًّا، ثمّ بعد هذا أسلم على يد المتوكّل، فقال الأفشين: خبّروني عن هذا المتكلّم، أَثِقَةً هو في دينه؟ قالوا: لا، قال: فما معنى قُبُولكم شهادته؟ فتقدّم المرزبان فقال: يا أفشين، كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجَدّي. قال ابن الزّيّات: فكيف كانوا يكتبون؟ قال: كانوا يكتبون إليه بالفارسيّة ما تفسيره بالعربيّة: إلى الإله من عبده، قال: كذا هو. قال: نعم، قال: فما أبقيت لِفرْعَوْن؟ قال: خفت أن يفسدوا عليّ بتغيير ما يعهدونه، فقال له إسحاق بن إبراهيم الأمير: كيف تحلف لنا بالله فنصدّقك، وأنت تدّعي ما ادّعى فِرْعَون، فقال: يا إسحاق، هذه سورة قرأها عُجَيْف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليّ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك. ثمّ تقدّم مازيار، فقالوا له: تعرف هذا؟ قال: نعم، قالوا: هل كاتبتَه؟ قال: لا؟ فقالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: كتب إليّ أخوه على لسانه أنّه لم يكن يَنْصر هذا الدّين الأبيض غيري وغيرك وغير بابَك. فأمّا بابَك فإنّه بحُمقه قتل نفسه، فانْ خالفتَ لم يكن -[500]- للخليفة من يؤم بقتالك غيري، ومعي الفُرسان وأهل النجدة والبأس. فإن وُجّهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلّا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك فأمّا العربيّ فبمنزلة الكلب، أطرح له كِسْرة، ثمّ اضرب رأسه بالدّبُّوس. وهؤلاء الذّئاب، يعني المغاربة، فإنّهم أَكَلَة رأس، وأمّا التُّرْك فإنّما هي ساعةٌ حتى تنفذ سهامُهُم، ثمّ تَجُول عليهم الخيلُ جَولَةً، فتأتي على أخرهم، ويعود الدّين إلى ما لم يزل عليه أيّام العجم، فقال الأفشين: هذا يدعي على أخي، ولو كنت كتبت بهذا إليه لأستميله كان غير مستنكَر، لأنّي إذا نصرت أمير المؤمنين بيدي، كنتُ أن أنصره بالحيلة أحرى لآخذ برقبة ذا. فزجره أحمد بن أبي دُؤَاد، وقال: أمطهرٌ أنت؟ قال: لا، قال: ما منعك من ذلك؟ قال: خفت التَّلَف، قال: أنت تلقى الحروب وتخاف من قطع قَلْفَة. قال: تلك ضرورة أصبر عليها، وأمّا القلْفَة فلا، ولا أخرُج بها من الإسلام. فقال أحمد: قد بان لكم أمره. قال: فرد إلى الحبس.
وفيها زلزلت الأهواز، وسقط أكثر البلد والجامع، وهرب النّاس إلى ظاهر البلد، ودامت الزَّلْزَلة أياما، وتصدعت الجبال منها.
وفيها ولي إمرة دمشق دينار بن عبد الله، وعُزِل بعد أيام بمحمد بن الْجَهْم السّاميّ، وكِلاهما لم يترجمه ابن عساكر، ولم يذكر من أخبارهما شيئًا.

-ومن سنة ست وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ومن سنة ستٍّ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي إسحاق بن محمد الفروي، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، وجندل بن والق، وسعيد بن كثير بن عُفَيْر، وسُنيد بن داود المِصِّيصيّ، وعياش بْنُ الْوَلِيدِ الرقام، وغسان بن الربيع المَوْصِليّ، ومحمد بن مقاتل المَرْوَزِيّ، ويحيى بن يحيى التميمي النَّيْسَابوريُّ.
وفيها في جُمادى الآخرة مُطِرَ أهل تَيْماء، على ما ذكر ابن حبيب الهاشميّ بَرَدًا كالبيض، قتل منهم ثلاثمائة وسبعين نفسًا، ونظروا إلى أثر قَدَمٍ طولها نحو ذراع، ومن الخطوة إلى الخطوة نحو خمسة أذرُع. وسمعوا صوتًا: ارحم عبادك، اعْفُ عن عبادك.
وكان المعتصم قد سجن الأفشين في مكان ضيّق، فذكر حمدون بن إسماعيل قال: بعث معي الأفشين رسالة إلى المعتصم يترقّق له، ويحلف -[501]- ويتنصل ويتذلل له، فلم يغن، ومنع من الطعام حَتّى مات. ثمّ أخرج وصلب في شعبان.
وقال الصُّوليّ: أُخْرِج وصُلِبَ، وأُتِيَ بأصنامٍ كانت في داره قد حُمِلَت إليه من أشْرُوسَنَة. فأُحْرِقَتْ وأُحْرِقَ معها، وقيل: بل تُرِكَ مصلوبًا مدّة، واسمه حيدر بن كاوس من أولاد الأكاسرة، والأفشين لَقَبُ لمن مَلَك أشْرُوسَنَة. وكان موصوفًا بالشّجاعة والرأي والخبرة. وقد مرّ أنّه حارب بابَك وظفر به. وكان أكبر من بقي في دولة المعتصم.
وأما المازيار صاحب طَبَرِسْتان فاسمه محمد بن قارن. وكان ظَلُومًا غشومًا صادر أهل طَبَرِسْتان وأذلّهم، وجعل السّلاسل في أعناقهم، وخرّب أسوار مدائنهم. حارب جيوش المعتصم إلى أن انكسر، وأسر، وقُتِلَ أخوه شَهْرَيار. وضُرِبَ هو حَتّى مات، وصُلِبَ إلى جانب بابَك. وكان عظيمًا عند المأمون يكتب إليه: إلى إصفهبذ إصبهان وصاحب طَبَرِسْتان. وكان قد جمع أموالًا لا تحصى.
وفيها عُزِلَ عن قضاء الدّيار المصرية هارون بن عبد الله الزُّهْريّ الأصمّ، ووُلّي محمد بن أبي الَّليْث الحارث بن شدّاد الإياديّ الْجَهْميّ الخوارِزْميّ، وبقي في القضاء نحوًا من عشرِ سنين، ولم يكن محمود السّيرة في أحكامه. وقد امتحن الفقهاء بمصر في القرآن، وحَكَم على بني عبد الله بن عبد الحَكَم بودائع كانت للجرويّ عندهم بألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، فأقاموا شهودا بأن الجرويّ كان قد أبرأهم وأخذ الذي له، فَعَسَفَهم هذا الْجَهْميّ، وعنّتهم.

-سنة سبع وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبعٍ وعشرين ومائتين
تُوُفّي فيها أحمد بن حاتم الطّويل، وأحمد بن عبد الله بن يونس اليَرْبُوعيّ، وإبراهيم بن بشّار الرماديّ، وأبو النَّضْر إسحاق بن إسحاق الفراديسيّ، وإسماعيل بن عَمْرو البَجَليّ، وبِشْر الحافي، وسعيد بن منصور صاحب السنن، وسهل بن بكّار، ومحمد بن حيّان أبو الأحوص، وشعيث بن محرز، ومحمد بن الصّبّاح الدُّولابيّ، ومحمد بن عبد الوهّاب الحارثيّ، ومحمد بن هارون المعتصم بالله، وأبو الوليد الطَّيَالسيّ، والهيثم بن خارجة، ويحيى بن بشر الحريري.
وفيها خرج بفلسطين المبرقع أبو حرب، الذي زعم أنّه السُّفيانيّ، فدعا -[502]- إلى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر أولًا، إلى أن قَوِيَت شوكتهُ، واستفحل أمره. وسبب خروجه أنّ جنديًا أراد النزول في داره وهو غائب فمانعته أهل المبرقع، فضربها بسوطٍ أثّر في ذراعها، فلمّا جاء زوجها بكت وشكت، فذهب إلى الجندي فقتله، وهرب. ولبس برقعا؛ لئلا يعرف، ونزل بجبال الغَوْر مُبَرْقَعًا، فكان يأتيه الرجل، فيحثّه على الأمر بالمعروف ويعيب الدّولة. فاستجاب له قوم من فلّاحي القُرى، وادّعى أنّه أُمَويّ، وتكاثف الأمر، فسار لحربه رجاء الحصاريّ أحد قوّاد المعتصم في ألف فارس، فأتاه فوجده في زُهاء مائة ألف. فعسكر بحذائه، ولم يجسر على لقائِه. فلمّا كان أوان الزراعة تفرق أكثر أولئك في فلاحتهم، وبقي في نحو ألفَين، فواقَعَه رجاء، وكان المبرقع بطلًا شجاعًا، فحمل على العسكر، فأفرجوا له، ثمّ أحاطوا به فأسروه وسجنوه، فمات في آخر هذه السنة، وقيل: خنقوه.
وفيها بعث المعتصم على دمشق الأمير أبا المغيث الرافقيّ، فخرجت عليه طائفة من قَيْس؛ لكونه أخذ منهم خمسة عشر نفسًا فصلبهم، فأغارت قيس على خيل السلطان، وعسكروا بمرج راهط. فوجّه أبو المغيث جيشًا لقتالهم، فقُتِلَ خلْق من الجيش، وثبتت القيسية، ثم زحفوا على دمشق، فتحصّن بها أبو المغيث، فوقع حصار شديد، فمات المعتصم والأمرُ على ذلك.
قال محمد بن عائذ: قدم دمشق رجاء الحصاريّ، فواقَعَ أهلَ المرج، وجَسْرين، وكَفر بطْنًا، وسقبا في جُمَادَى الأولى، وأصيب من النّاس خلْق.
وقال عليّ بن حرب: كتب الواثق إلى الرَّقّة إلى رجاء الحصاريّ يأمره بالمسير إلى دمشق. فقدمها، ونزل بدير مُرَّان، والقيسيّة معسكرون بمرج راهط، فوجّه إليهم يسألهم الرجوع إلى الطّاعة، فامتنعوا إلّا أن يَعْزِل أبا المغيث عن دمشق، فأنذرهم القتالَ يوم الاثنين، ثمّ كبسهم يوم الأحد بغتةً بكفْر بَطْنا. وكان جُمهور القيسيّة بدُومَة، فوافاهم وقد تفرقوا، فوضع السيف فيهم، وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وقتلوا الأطفال، وجرحوا النسوان، ونهبوا. فهرب ابن بَيْهَس ولحق بقومه بحَوْرَان، وقُتِلَ ابن عمّ رجاء، وقُتِلَ من الأجناد نحو الثلاثمائة، وقد عاش رجاء إلى سنة أربعٍ وأربعين ومائتين، وبويع الواثق بالله هارون في تاسع عشر ربيع الأول بعد موت أبيه المعتصم بعهدٍ منه

-سنة ثمان وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثمانٍ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي أحمد بن شَبُّويْه المَرْوَزِيّ، وأحمد بن محمد بن أيّوب، صاحب المغازي، وإبراهيم بن زياد سَبْلان، وأحمد بن عِمران الأخْنَسيّ، وإسحاق بن بِشْر الكاهليّ الكُوفيُّ، وبشار بن موسى الخفّاف، وحاجب بن الوليد الأعور، وحمّاد بن مالك الحَرَسْتاني، وداود بن عَمْرو الضَّبّيّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِوَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ الْقَاضِي، وَعَبْدُ اللَّهِ بن عبد الوهّاب الحَجَبيّ، وعبد الرحمن بن المبارك، وأبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التّمّار، وعُبَيْد الله العَيْشيّ، وعليّ بن عَثْام الكُوفيُّ، وأبو الْجَهْم صاحب الجزء، وعيسى بن إبراهيم البِرَكيّ، ومحمد بن جعفر الوَرْكَانيّ، ومحمد بن حسّان السَّمْتيّ، وأبو يَعْلَى محمد بن الصَّلْت التُّوَّزِيّ، والعُتْبيّ الإِخباريّ محمد بن عُبَيْد الله، ومحمد بن عِمران بن أبي ليلى، والمُثَنَّى بن مُعَاذ العنبريّ، ومُسدَّد، ونعيم بن الهيصم، ويحيى الحماني.
وفيها استخلف الواثق على السلطنة أشناس وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا.
وفيها وقعت قطعة من الجبل الذي عند جَمْرة العَقَبَة، فَقُتِل جماعة من الحاج رحِمهم الله.

-سنة تسع وعشرين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعٍ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي أحمد بن شبيب الحَبَطيّ، وإسماعيل بن عبد الله بن زُرَارة الرَّقّيّ، وثابت بْنُ مُوسَى العابد، وخالد بن هياج الهَرَويّ، وخَلَف بن هشام البزّار، وأبو مِكْيَس الذي زعم أنّه سمع من أنس، وأبو نُعَيْم ضِرار بن صُرد، وعبد الله بن محمد المُسْنديّ، وعبد العزيز بن عثمان المَرْوَزِيّ، وعمّار بن نصر، وعَمْرو بن خالد الحَرّانيّ نزيل مصر، ومحمد بن معاوية النَّيْسَابوريّ، ونُعَيْم بن حمّاد الخزاعيّ، ويحيى بن عَبْدَوَيْه صاحب شُعْبَة، ويحيى بن يوسف الزَّمِّيّ، ويزيد بن صالح الفرّاء النَّيْسَابوريُّ.
وفيها صادر الواثق بالله الدّواوين وسجنهم، وضرب أحمد بن أبي إسرائيل ألف سَوْط، وأخذ منه ثمانين ألف دينار، وأخذ من سليمان بن وهب كاتب الأمير إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكاتبه ألف ألف -[504]- دينار. فيقال: إنَّهُ أخذ من الكُتّاب في هذه النَّوْبة ثلاثة آلاف ألف دينار.

-سنة عشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة عشرين وثلاثمائة
فيها: عُزِلَ الحُسين بْن القاسم من الوزارة واستوزر أبو الفتح بْن الفُرات.
وفيها: بعث العهد واللواء لمرداويج الدَّيْلَمّي عَلَى إمرة أذْرَبَيْجان، وأرمينية، وأرّان، وقُمّ، ونِهاوَنْد، وسِجِسْتان.
وفيها: نهب الْجُنْد دور الوزير الفضل بْن جعفر بْن الفُرات، فهرب إلى طيّار لَهُ في الشط، فأحرقَ الْجُنْد الطّيّارات. وصخَّم الهاشميّون وجوههم وصاحوا: الجوع الجوع! وكان قد اشتدّ الغلاء؛ لأنّ القَرْمَطيّ ومؤنسًا منعُوا -[226]- الغلّات من النّواحي أنّ تصل، ولم يحجّ ركب العراق.
وفي صفر غلب مؤنس عَلَى الموصل فتسلل إِلَيْهِ الْجُنْد والفُرسان مِن بغداد، وأقام بالموصل أشهرًا. ثمّ تهيأ المقتدر وأخرج المخيَّم إلى الشّمّاسيّة، وجعل يزكًا عَلَى سامرّاء ألف فارس مَعَ أَبِي العلاء سَعِيد بْن حمدان. وأقبل مؤنس في جمْعٍ كثير، فلمّا قارب عَكْبُرا اجتهد المقتدر بهارون بْن غريب أنّ يحارب مؤنسًا، فامتنع واحتجّ بأن أصحابه مَعَ مؤنس في الباطن ولا يثق بهم.
وقيل: إنّه عسكر هارون وابن ياقوت وابنا رائق وصافي الحُرَميّ ومُفْلح بباب الشّمّاسيّة، وانضموا إلى المقتدر، فقالوا لَهُ: إنّ الرجال لَا يقاتلون إلّا بالمال، وأن أخرجت الأموال أسرع إليك رجال مؤنس وتركوه.
وسألوه مائتي ألف دينار، فأمر بجمع الطّيّارات لينحدر بأولاده وحُرَمهِ وأمّهِ وخاصّته إلى واسط، ويستنجد منها ومن البصرة والأهواز عَلَى مؤنس.
فقال لَهُ محمد بْن ياقوت: اتق اللَّه في المسلمين، ولا تسلِّم بغداد بلا حرب، وإنك إذا وقفت في المصافّ أحجم رجال مؤنس عَنْ قتالك. فقال: أنتَ رسول إبليس!
فلمّا أصبحوا ركبَ في الأمراء والخاصّة وعليه البُرْدة وبيده القضيب، والقراء حوله، والمصاحف منشورة، وخلْفه الوزير الفضل بْن جعفر، فشقّ بغداد إلى الشّمّاسيّة، والخلق يدعون لَهُ. وأقبل مؤنس في جيشه ووقع القتال. فوقف المقتدرُ على تل، ثمّ جاء إِلَيْهِ ابن ياقوت وأبو العلاء فقالا: تقدّم، فإذا رآك أصحاب مؤنس استأمنوا. فلم يبرح، فألحَّ عَلَيْهِ القُوّاد بالتقدم، فتقدَّم وهم يستدرجونه حتّى أوقعوه في وسط الحرب في طائفة يسيرة، وقد قدِم الجمهور بين يديه يقاتلون.
فانكشف أصحابه وأسر منهم جماعة، وأبلى محمد بْن ياقوت وهارون بلاءً حسنًا. وكان معظم جُنْد مؤنس البربر، فبينا المقتدر واقف قد انكشف أصحابه رآه عليّ بْن بليق فعرفه، فترجّل وقال: يا مولاي أمير المؤمنين! وقبّل الأرض، فوافى جماعة من البربر إلى المقتدر فضربه رَجُل منهم من خلفه ضربةٌ سقط إلى الأرض، فقال لَهُ: ويلك أَنَا الخليفة! فقال: أنت المطلوب.
وذبحه بالسَّيف، وشيل رأسه عَلَى رُمْح، ثمّ سُلب ما عَلَيْهِ، وبقي مكشوف العورة -[227]- حتّى سُتِر بالحشيش. ثمّ حفر لَهُ في الموضع ودفن وعفي أثره. وبات مؤنس بالشّمّاسيّة.
وقال الصُّوليّ: لمّا كَانَ يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين من شوّال ركب المقتدر وعليه قباء فضّي وعمامة سوداء وعلى كتفه البُرْدة وبيده القضيب والمصاحف منشورة. وكان وزيره قد أخذ لَهُ طالعًا، فقال لَهُ المقتدر: أيّ وقتٍ هُوَ؟ قَالَ: وقت الزّوال. فتطيَّر وهَمَّ بالرجوع، فأشرفت خيل مؤنس وبليق، ونشبت الحربُ، وتفرق عَنِ المقتدر أصحابه وقتله البربريّ.
وقيل: كَانَ غلاماً لبليق، وكان بطلا شجاعًا تعجب النّاس منه يومئذ ممّا فعل من صناعات الفروسيّة من اللّعب بالرُمْح والسّيف. ثمّ حمل عَلَى المقتدر وضربه بحربةٍ أخرجها من ظهره، فصاح النّاس عَلَيْهِ، فساق نحو دار الخلافة ليخرج القاهر، فصادفه حمل شوك فزحمه وهو يسوق حمل الشَّوْك إلى قنار لحّام، فعلقه كُلّاب، وخرج الفَرَس في مشواره من تحته فماتَ. فحطّه النّاس وأحرقوه بالحمْل الشَّوك.
واستخلف المقتدر خمسًا وعشرين سنة إلّا بضعة عشر يومًا. وكان النّساء قد غلبن عَلَيْهِ. وكان سخيًا مبذّرًا يصرف في السنة للحجّ أكثر من ثلاثمائة ألف دينار. وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصّقالبة والروم والسُّود.
وأخرج جُمَيْع جواهر الخلافة ونفائسها عَلَى النّساء ومحقهُ. وأعطى بعض حظاياه الدُّرَّة اليتيمة وكان وزنها ثلاثة مثاقيل. وأخذت زيدان القهرمانة سبْحة جوهر لم يُرَ مثلها، هذا مَعَ ما ضيّع من الذَّهَب والمسْك والأشياء المفتخرة. قِيلَ: إنه فرق ستين حباً من الصيني ملأى بالغالية الّتي غرِم عليها ما لَا يحصى.
وقال الصُّوليّ: كَانَ المقتدر يفرّق يوم عَرَفَة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس، ومن الغنم خمسين ألفًا. ويقال: إنّه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار. وكان في داره عشرة آلاف خادم من الصَّقالبة. وأتلفَ نفسه بيده وبسوء تدبيره.
وخلّف من الأولاد محمداً الراضي، وإبراهيم المتّقي، وإِسْحَاق والد القادر، والمطيع، وعبد الواحد، وعباساً، وهارون، وعلياً، وعيسى، وإسماعيل، وموسى، وأبا العبّاس. وكان طبيبه ثابت بْن سِنان، وابن بُخْتَيْشُوع. -[228]-
وقال ثابت بْن سِنان الطبيب: إنّ المقتدر أتلف نيّفا وسبعين ألف ألف دينار.
وقد وزر للمقتدر، كما قدمنا جماعة.
قَالَ ثابت: لما قُتِل المقتدر انحدر مؤنس ونزل الشّمّاسيّة، فقدم إِلَيْهِ رأس المقتدر، فبكى وقال: قتلتموه؟ واللَّه لنقتلن كلنا، فأقلّ ما يكون أنّ تُظهروا أنّ ذَلِكَ جرى عَنْ غير قصد منكم، وأن تنصبوا في الخلافة ابنه أبا العبّاس.
فقال إِسْحَاق بْن إسماعيل النّوَبْخِتيّ: استرحنا ممن لَهُ أمُّ وخاله وحرم، فنعود إلى تِلْكَ الحال؟! وما زال بمؤنس حتّى ثنى رأيه عَنِ ابن المقتدر، وعدل إلى القاهر محمد. فأحضر محمد ابن المكتفي والقاهر محمد، فقال لمحمد ابن المكتفي: تتولّى هذا الأمر؟ فقال: لَا حاجة لي فيه، وعمّي هذا أحقّ بهِ.
فكلم القاهر فأجاب. فبايعه واستحلفه لنفسه ولبُليق ولولده عليّ بْن بليق، ولقب بالقاهر باللَّه، كما لقب بهِ في سنة سبْع عشرة. وكان ربعة، أسمر، معتدل الجسم، أصهب الشعر، أقنى الأنف.
وأوّل ما فعل أنْ صادر آل المقتدر وعذبهم، وأحضر أمّ المقتدر وهي مريضة فضربها بيده ضربًا مبرحًا، فلم تظهر من مالها سوى خمسين ألف دينار. وأحضر القضاة وأشهد عليها ببيع أملاكها بعد أنّ كشفت وجهها ورأوها، فلمّا عاينوا ما بها من الضُرّ بكوا. وما زال يعذبها حتّى ماتت معلقة بحبل.
وضرب أمّ موسى القهرمانة وعذبها، ووجد عندها أبا العباس ابن المقتدر فقبض عَلَيْهِ، وبالغ في الإساءة، فنفرت القلوب عَنْهُ.
وكان المقتدر قد نفى ابن مُقْلَة إلى الأهواز، فأحضره القاهر مكرمًا واستوزره.
وفيها: ادّعى مؤنس أنّ شفيعًا المقتدريّ عَلَى ملكه، ونادى عليه إهانةً له فبلغ سبعين ألف دينار، فاشتري بذلك للقاهر وأعتقه.
وذكر المسبّحي أنّ العامّة لم تزل تصلّي في مصرع المقتدر. وبني في ذَلِكَ المكان مسجد.

-سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فيها: شغب الجُنْد على القاهر بالله، وهجموا الدّار، فنزل في طيّار إلى دار مُؤنس فشكا إليه. فصبّرهم مُؤنس عشرة أيّام.
وكان ابن مُقْلَة منحرفًا عن محمد بن ياقوت، فنقل إلى مُؤنس أنّ ابن ياقوت يدبّر عليهم. فبعث مُؤنس غلمان عليّ بنُ بُلَيْق إلى دار الخلافة يطلبون عيسى الطّبيب لأنّه اتُّهم بالفضول. فهجموا إلى أنّ أخذوه من حضرة القاهر فنفاه مؤْنس إلى الموصل.
واتَّفق ابن مُقْلَة ومؤْنس وبُلَيْق وابنه على الإيقاع بابن ياقوت، فعلم فاستتر وتفرّق رجاله. وجاء عليّ بن بُلَيْق إلى دار الخلافة، فوكلّ بها أحمد بن زَيْرك، وأمره بالتّضييق على القاهر وتفتيش مَن يدخل. وطالب ابن بُلَيْق القاهرَ بما كان عنده مِن أثاث أمّ المقتدر، فأعطاه إيّاه، فبيع وجُعِل في بيت المّال، وصُرِفَ إلى الجُنْد. ونقل ابن بُلَيْق أم المقتدر إلى عند أمّهِ، فبقيت عندها مكرّمة عشرة أيّام، وماتت في سادس جُمَادَى الآخرة.
وفيها: وقع الإرجاف بأنّ عليّ بن بُلَيْق وكاتبه الحسن بن هارون عَزَما على سبّ معاوية على المنابر، فارتجّت بغداد.
وتقدم ابن بُلَيْق بالقبض على رئيس الحنابلة أبي محمد البَرْبهاري فاستتر، فَنُفِي جماعة من أصحابه إلى البصرة.
وبقي تحيُّل القاهر في الباطن على مؤْنس وابن مُقْلَة، فبلغهم فعملوا -[404]- على خلْعهِ وتولية ابن المكتفي. فدبَّر ابن مُقْلَة تدبيرًا انعكس عليه. أشاعَ بأنّ القَرْمَطِي قد غلب على الكوفة، وأرسل إلى القاهر: المصلحة خروج ابن بُلَيْق إلى قتاله. ليدخل ابن بُلَيْق يقبّل يده، فيقبض عليه. ففهِمها القاهر، وكرَّر ابن مُقْلَة الطلب بأنّ يدخل ابن بُلَيْق ليقبّل يده ويسير. فاسترابَ القاهرُ، وراسل الغلمّان الحجريّة وفرَّقهم على الدّركاه، وراح ابن بُلَيْق إلى القاهر في عددٍ يسير، فقام إليه السّاجيّة وشتموه، فهرب واستتر، واضّطرب النّاسُ، وأصبحوا في مُسْتَهَلّ شعبان قلقين. وجاء بُلَيْق إلى دار الخليفة ليعتذر عن ابنِه، فقُبِضَ عليه وعلى أحمد بن زَيْرك، وعلى يُمْن المؤنسي صاحب شرطة بغداد وحُبِسوا وصار الجيش كله في دار الخليفة، فراسل مؤْنساً وقال: أنتَ عندي كالوالد، فأْتِني تُشير عليّ. فاعتذرَ بثقل الحركة. ثم أشاروا عليه بالإتيَان، فلمّا حصَل في دار الخلافة قُبِض عليه، فاختفى ابن مُقْلة، فاستوزرَ القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عُبَيْد الله. وأُحْرِقت دار ابن مقلة، كما أُحْرِقت قبلَ هذه المرّة. وهرب محمد بن ياقوت إلى فارس، فكتب إليه بعهده على أصبهان، وقلَّدَ سلامة الطولوني الحُجّابة. وقبضَ على أبي أحمد ابن المكتفي وطيّن عليه بين حائطين، ونهبَ القاهر دُور المخالفين.
ثمّ إنّه ظَفَرَ بعليّ بن بُلَيْق بعد جمعة، فحبسه بعد الضَّرْب، فاضطّرب رجال مؤْنس وشغبوا، وقصدوا دار الوزير محمد بن القاسم وأحرقوا بعض داره في ثامن عشر شعبان. فدخل القاهر إلى مؤْنس وبُلَيْق وابنه، فأمر بذبح بُلَيْق وابنه، وذَبَح بعدهما مؤْنساً، وأُخرجت رؤوسهم إلى النّاس وطِيْفَ بها. وكان على مؤْنس دماغٌ هائل. ثمْ ذُبح يُمن وابن زَيْرك. ثمّ أطلقت أرزاق الجُنْد فسكنوا.
واستقامت الأمور للقاهر، وعظم في القلوب، وزيد في ألقابه: " المنتقم مِن أعداء دين الله ". ونقش ذلك على السكّة ثمَ أحضر عيسى الطبيب مِن الموصل. وأمَرَ أنْ لا يركب في طيار سوى الوزير والحاجب، والقاضي، وعيسى الطّبيب.
وفيها: خلع القاهر على أحمد بن كَيْغَلَغ، وقلَّدَه مصرَ. -[405]-
وفيها: أمَرَ القاهر بتحريم القِيان والخمر، وقبضَ على المغنّين، ونفى المخانيث، وكسر آلات اللهو. وأمَرَ ببيع المغنّيات من الجواري على أنّهن سواذج. وكان مع ذلك يشرب المطبوخ والسُّلاف، ولا يكاد يصحو مِن السُّكر، ويختار القَيْنات ويسمعهنّ.
وفيها: عزل القاهر الوزير محمداً، واستوزر أبا العبّاس بن الخصيب. وحجّ بالنّاس مُؤنس الورقانيّ.
وفيها: تُوُفّي أبو جعفر الطَّحاويّ شيخ الحنفيّة.
وفي ربيع الأوّل تُوُفّي أمير مصر أبو منصور تكين الخاصّة بمصر وحُمِلَ إلى بيت المقدس، وقام بعده بالأمر ابنه محمد يسيرًا. ثمّ ولي محمد بن طُغْج. وعُزِل بابن كَيْغَلَغ بعد اثنتين وثلاثين يومًا.
وقدِم على قضاء مصر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قُتيبة، ثم صُرِفَ بعد شهرين ونصف.
وفيها: تُوُفّيت شغب أمّ المقتدر كما قدَّمنا. وكان دخْلها من مُغَلِّها في العام ألف ألف دينار، فتتصدّق بها، وتُخرج مِن عندها مثلها. وكانت صالحة. ولمّا قُتِل ابنها كانت مريضه، فعظُم جَزَعُها، وامتنعت من الأكل حتّى كادت تهلك. ثمّ عذّبها القاهرُ، فحلفت أنّه ما عندها مال، فقيل: ماتت في العذاب معلّقة، وقيل لا. ولم يظهر لها إلّا ما قيمته مائه وثلاثون ألف دينار لا غير. وكان لها الأمر والنَّهْي في دولة ابنها.
وقد ذكرنا قُتِل مُؤنس الخادم الملقَّب بالمظفّر، وكان شجاعًا فاتكًا مَهِيباً، عاش تسعين سنة، منها ستون سنة أميراً. وكان كلّ ما له في عُلُوٍّ ورِفْعة. كان قد أبعده المعتضد إلى مكّة، ولمّا بُويع المقتدر أحضره وفوَّض إليه الأمور. وقد مَرّ مِن أخباره.
وفيها: غلبت الرُّوم على رساتيق مَلَطْية وسُمَيْساط، وصار أكثر البلد في أيديهم.

-سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة
فيها: ظهرت الدَّيْلم، وذلك لأنّ أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قُوّاده عليّ بن بُوَيه. فاقتطع مالًا جليلًا وانفرد عن مخدومه. ثمّ التقي هو ومحمد بن ياقوت، فهزم محمداً واستولى على فارس.
وكان بُوَيه فقيرًا صُعْلُوكاً يَصِيد السّمك، رأى كأنّه بالَ، فخرج من ذَكَره عمود نار. ثمّ تشعَّب العمود حتّى ملأ الدّنيا. فقصَّ رؤياه على معبّر، فقال: لا أعبّرها إلا بألف درهم. فقال: والله ما رأيتُ عُشْرها، وإنّما أنا صيّاد. ثمّ مضى وصادَ سمكه فأعطاه إيّاها، فقال له: ألكَ أولاد؟ قال: نعم. قال: أبشِرْ فأنّهم يملكون الدّنيا، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت النار الّتي رأيتَها. وكان معه أولاده عليّ، والحسن، وأحمد.
ثمّ مَضَتْ السُّنُون، وخرج بولده إلى خُراسان، فخدموا مرداويج بن زيار الدَّيْلَمِي، إلى أنّ صار عليّ قائدًا، فأرسله يستخرج له مالًا من الكُرْجِ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم، فأخذ المال وأتى همذان ليملكها، فغلق أهلها في وجهه الأبواب، فقاتلهم وفتحها عَنْوةً وقتل خلقًا. ثم صار إلى أصبهان وبها المظفّر بن ياقوت، فلم يحاربه وسارَ إلى أبيه بشيراز. ثم صار إلى أَرَّجان، فأخذ الأموال، وتنقّل في النواحي، وانضم إليه خلْق، وصارت خزائنه خمسمائة ألف دينار. فجاء إلى شيراز وبها ابن ياقوت، فخرج إليه في بضع عشر ألفًا، وكان علي بن بُوَيه في ألف رجل، فهابهُ عليّ وسأله أنّ يُفْرِج له عن الطّريق لينَصْرف، فأبى عليه، فالتقوا فانكسر عليّ، ثم أنّهزم ابن ياقوت، ودخل عليّ شيراز.
ثمّ أنّه قلّ ما عنده فنام على ظهره، فخرجت حيّة من سقف المجلس، فأمر بنقْضه، فخرجت صناديق ملأى ذَهَباً، فأنفقها في جُنْده. وأضاق مرّةً فطلب خيّاطًا يخيط له، وكان أَطْروشاً، فظنّ أنه قد سُعي به، فقال: والله ما عندي سوى اثنى عشر صندوقاً، لا أعلم ما فيها. فأمرَ عليّ بإحضارها، فوجد فيها مالاً عظيماً فأخذه. وركب يوماً، فَسَاختْ قوائم فرسه، فحفروه -[407]- فوجد فيه كنزاً. واستولى على البلاد، وخرجت خُراسان وفارس عن حُكْم الخلافة.
وسيأتي من أخبار هؤلاء الثلاثة الإخوة، وأنّ المستكفي بالله لقّب عليًّا " عماد الدّولة ". أبا شجاع، ولقّب الحسن " رُكْن الدّولة "، ولقّب أحمد " معز الدّولة ". وملكوا الدنيا سنين.
وفيها: قَتَلَ القاهرُ أبا السرايا نَصْر بن حمدان وإسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي الّذي كان قد أشار بخلافة القاهر، ألقاهما على رؤوسهما في بئر وطُمّت، وكان ذنْبهما أنّهما فيما قيل زايَدَا القاهرَ قبل الخلافة في جاريتين واشترياهما، فحقد عليهما.
ومات مؤنس الورقاني الّذي حجّ بالنّاس.
وقال ثابت بن سنان: كان أبو عليّ بن مُقْلة في اختفائه يُراسل السّاجيّة والحُجَريّة ويُضَرّبهم على القاهر ويُوحشهم منه. وكان الحسن بن هارون كاتب بُلَيْق يخرج بالليل في زيّ المُكدّيّين أو النساء فيسعى إلى أنّ اجتمعت كلمتهم على الفتك بالقاهر. وكان يقول لهم: قد بنى لكم المطامير ليحبسكم. وألزموا منجم سيما حتّى كان يقول له: أنّ القاهر يقبض عليك. وهاجت الحُجَريّة وقالوا: تريد أن تحبسنا في المطامير؟ فحلف القاهرُ أنّه لم يفعل، وإنّما هذه حمّامات للحُرَم. وحضر الوزير ابن خصيب وعيسى المتطبّب عند القاهر، فقال لسلامة الحاجب: اخرج فاحلف لهم. ففعل، فسكنوا.
ثم بكّروا على الشرّ إلى دار القاهر، وكان نائمًا سكرانًا إلى أنّ طلعت الشمس، ونبهوه فلم ينتبه لشدة سُكْرِه، وهرب الوزير في زيّ امرأة، وكذا سلامة الحاجب. فدخلوا بالسّيوف على القَاهر، فأفاق مِن سُكْرِه، وهربَ إلى سطح حمّام فاستتر، فأتوا مجلسَ القاهر وفيه عيسى الطّبيب، وزَيْرك الخادم، واختيار القَهْرَمانة، فسألوهم، فقالوا: ما نعرف له خبرًا. فرسّموا عليهم. ووقع في أيديهم خادم له فضربوه، فدلّهم عليه، فجاؤوه وهو على السّطْح وبيده سيف مسلول، فقالوا: انزل. فامتنع، فقالوا: نحن عُبَيْدك فلِمَ -[408]- تستوحش منا؟ فلم ينزل. ففوّق واحدٌ منهم سهمًا وقال: انزل وإلَّا قتلتُك. فنزل إليهم، فقبضوا عليه في سادس جُمَادى الآخرة.
وأخرجوا أبا العبّاس محمد ابن المقتدر وأمّه، وبايعوه بالخلافة ولقّبوه الرّاضي بالله، فأحضر عليّ بن عيسى وأخاه عبد الرحمن واعتمد على رأيهما، وأدخل عليّ بن عيسى، والقاضي أبو الحُسين عمر بن محمد بن يوسف، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشّوارب، والقاضي أبو طالب ابن البُهْلُول على القاهر، فقال له طريف السْكُرِيّ: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد ابن المعتضد، لي في أعناقكم بَيعة وفي أعناق النَاس، ولست أُبَرِّئكم ولا أُحَلّكم منها، فقوموا فقاموا، فلمّا بُعدوا قال القاضي لطريف: وأيّ شيء كان مجيئنا إلى رجلٍ هذا اعتقادُه؟ فقطّب عليّ بن عيسى وقال: يُخلع ولا نفكَّر فيه. أفعاله مشهورة.
قال القاضي أبو الحُسين: فدخلتُ على الرّاضي وأعدتُ ما جرى سرًا، وأعلمته بأنّي أرى إمامته فَرْضاً. فقال: انَصْرف ودعني وإيّاه. وأشار سِيما مقدّم الحُجَرّية على الرّاضي بِسَمْلِه. فأرسلَ سيما وطريفًا إلى البيت الّذي فيه القاهر، فَكُحِّل بمِسمار مُحَمَّى.
ثمّ طلب الرّاضي من عليّ بن عيسى أن يلي الوزارة، فامتنع، فقال: يتولّى أخوك عبد الرحمن. فقال: لا. فاستوزر ابن مُقْلَة بعد أنّ كتب له أمانًا.
وقال محمود الإصبهانيّ: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفْكه الدّماء. فامتنع عليهم من الخلع فَسَمَلوا عينيه حتّى سالتا على خدَّيه. وكانت خلافته سنة ونصفًا وأسبوعًا.
وقال الصُّوليّ: كان أهْوَج، سفّاكًا للدّماء، قبيح السّيرة، كثير التَّلوُّن والاستحالة، مُدمن الخمر. ولولا جَوْدة حاجبة سلامة لأهلك الحْرث والنَّسْل. وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنسانًا.
وقال محمد بن علي الخراساني: أحضرني القاهر يومًا والحَرْبةُ بين يديه، فقال: قد علمتَ حالي إذا وضعت هذه. فقلت: الأمان. فقال: على -[409]- الصِّدْق. قلت: نعم. قال: أسألك عن خلفاء بني العبّاس في أخلاقهم وشيمتهم.
قلت: أما السفاح، فكان مسارعًا إلى سفْك الدّماء. سفك ألف دم. واتَّبعه عُمّاله على ذلك، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، وعمّه صالح بن عليّ بمصر، وخازم بن خُزَيْمَة، وحُمَيْد بن قَحْطَبَة. وكان مع ذلك سمْحاً بحرًا، وَصولاً بالمّال.
قال: فالمنصور؟ قلت: كان أوّل مَن أوقع الفُرْقة بين ولد العبّاس وولد أبي طالب. وكانوا قبله متفقين. وهو أوّل خليفة قرّب المنجمين وعمل بقَولهم. وكان عنده نُوبَخْت المنجّم، وعليّ بن عيسى الأصْطرلابيّ. وهو أوّل خليفة تُرْجِمت له الكُتُب السُّرْيانيّة والأعجميّة ككتاب " كليلة ودِمْنَة "، وكتاب أرسطاطاليس في المنطق، وإقليدس، وكُتُب اليونان. فنظر النّاس فيها وتعلّقوا بها. فلمّا رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسّيَر. والمنصور أول من استعمل مواليه وقدّمهم على العرب.
قال: فما تقول في المهديّ؟ قلت: كان جوادًا عادلًا منصِفاً. ردَّ ما أخذ أبوه مِن أموال النّاس غصْباً، وبالغ في إتلاف الزّنادقة وأحرق كُتُبهم لمّا أظهروا المعتقدات الفاسدة كابن دَيْصان، وماني، وابن المقفّع، وحمّاد عَجْرَد. وبنى المسجدَ الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس.
قال: فالهادي؟ قلت: كان جبّارًا متكبرًا، فسلك عُمّاله طريقَه على قِصَر أيّامه.
قال: فالرّشيد؟ قلت: كان مواظبًا على الجهاد والحجَ، وعَمَّر القصور والبِرَك بطريق مكّه، وبنى الثغور كأَذَنَة، وطَرَسُوس، والمَصِيصة، وعين زَربة، والحَدَث، ومَرْعَش. وعَمّ النّاسَ إحسانُه. وكان في أيّامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم. وهو أوّل خليفة لعب بالصوالجة ورمى النّشّاب في البرجاس، ولعب بالشَّطَرَنْج من بني العبّاس. وكانت زوجته بنت عمّه أمّ جعفر زُبَيْدة بنت جعفر ابن المنصور من أكمل النّساء. وَقَفَت الأوقاف وعملت المصانع والبِرَك، وفعلت وفعلت. -[410]-
قال: فالأمين؟ قلت: كان جوادًا، إلّا أنّه انهمك في لذّاته ففسدت الأمور.
قال: فالمّأمون؟ قلت: غلبَ عليه الفضْل بن سهْل، فاشتغل بالنّجوم، وجالسَ العلمّاء. وكان حليمًا جوادًا.
قال: فالمعتصم؟ قلت: سلكَ طريقه، وغلبَ عليه حُب الفُرُوسيّة، والتّشبُّه بملوك الأعاجم، واشتغل بالغزو والفتوح.
قال: فالواثق؟ قلت: سلك طريقة أبيه.
قال: فالمتوكلّ؟ قلت: خالفَ ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق مِن الاعتقادات، ونهى عن الجَدَل والمناظرات في الأهواء، وعاقب عليها. وأمرَ بقراءة الحديث وسماعه، ونهى عن القول بخلق القرآن، فأحبّهُ النّاسُ.
ثمّ سأل عن باقي الخلفاء، وأنا أُجيبه بما فيهم، فقال لي: قد سمعت كلامك وكأني مشاهد القوم. وقام على أثري والحَرْبة بيده، فاستسلمت للقتل، فعطف إلى دُور الحُرَم.
وقال المسعوديّ: أخذ القاهر من مُؤنس وأصحابه أموالًا كثيرة، فلمّا خُلِعَ وسُمِلَ طُولِب بها، فأنكر فَعُذِّبَ بأنواع العذاب، فلم يُقرّ بشيء. فأخذه الرّاضي بالله فقرّبه وأدناه وقال له: قد ترى مطالبة الجُنْد بالمّال، وليس عندي شيء، والّذي عندك فليس بنافعٍ لك، فاعترف به. فقال: أمّا إذا فعلتَ هذا فالمّال مدفون في البستان، وكان قد أنشا بستانًا فيه أصناف الشّجر حُمِلت إليه من البلاد، وزَخرفه وعمل فيه قصرًا، وكان الرّاضي مُغْرمًا بالبستان والقصر، فقال: وفي أيّ مكان المّال منه؟ فقال: أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان، فاحفر البستان تجدْه. فحفر الرّاضي البستان وأساسات القصر، وقلع الشجر، فلم يجد شيئًا. فقال له: وأين المّال؟ فقال: وهل عندي مال، وإنّما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعّمك، فأردتُ أنّ أفجعك فيه. فندم الرّاضي وأبعدهُ وحبسه. فأقام إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين، ثم أُخرج إلى دار ابن طاهر، فكان تارةً يُحبس، وتارة يُطلق، فوقف يومًا بجامع -[411]- المنصور بين الصُّفوف وعليه مُبطنّة بيضاء وقال: تصدَّقوا عليَّ، فأنا مَن قد عرفتم. وكان مقصوده أنّ يشنّع على المستكفي، فقام إليه أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي، فأعطاه خمسمائة درهم. وقيل: ألف درهم، ثم مُنع من الخروج، وعاش إلى سنة تسعٍ وثلاثين خاملًا. وعاش ثلاثاً وخمسين سنة. وكان له من الولد عبد الصّمد، وأبو القاسم، وأبو الفضل، وعبد العزيز. ووزر له ابن مُقْلَة، ثمّ محمد بن القاسم بن عُبَيد الله، وكان محمد جبّارًا ظالمًا، ثم الخصيبيّ.
وكان الرّاضي بالله أبو العبّاس محمد ابن المقتدر مربوعاً، خفيف الجسم، أسمر، وأمّه ظَلُوم الروميّة. بويع يوم خُلع القاهر، وكان هو وأخوه في حبْس القاهر، وقد عزمَ على قتلهما. فأخرجهما الغلمّان ورأسهم سِيما المناخليّ، وعاش سيما بعد البيعة مائة يوم.
وولّى الرّاضي أتابكه محمد بن رائق إمارة الجيش ببغداد.
ثمّ أمر ابن مُقْلة عبد الله بن ثُوابَة أنّ يكتب كتابًا فيه مثالب القاهر ويُقرأ على النّاس.
وصودر عيسى المتطِّبب على مائتي ألف دينار.
وفيها: مات مرداويج، مُقَدَّم الدَّيْلَم بإصبهان. وكان قد عظُم أمرُه، وتحدَّثوا أنّه يريد قصْد بغداد. وأنّه مسالمٌ لصاحب المجوس. وكان يقول: أنا أردّ دولة العجم وأَمْحق دولة العرب. ثم إنّه أساء إلى أصحابه، فتواطأوا على قتْله في حمّام.
وفيها: بعث عليّ بن بُوَيْه إلى الرّاضي يُقاطعه على البلاد الّتي استولى عليها بثمانٍية آلاف ألف درهم كلّ سنة. فبعث له لواء وخِلَعاً. ثمّ أخذ ابن بُوَيْه يماطل بحمل المّال.
وفيها: في نصف ربيع الأوّل مات المهديّ عُبَيْد الله صاحب المغرب عن اثنتين وستّين سنه. وكانت أيّامه خمسًا وعشرين سنة وأشهُراً، وقام بالأمر بعده ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد، فبقى إلى سنة أربعٍ وثلاثين.
وقال القاضي عَبْد الجبّار بْن أحمد بْن عَبْد الجبّار البصْريّ: اسم جدّ الخلفاء المصريّين سعيد، ويلقب بالمهدي. وكان أبوه يهوديًّا حدّادًا -[412]- بسَلَمّية. زعم سعيد هذا أنّه ابن ابن الحُسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح. وأهل الدّعوة أبو القاسم بن الأبيض العلويّ، وغيره يزعمون أنّ سعيدًا إنما هو ابن امرأة الحُسين المذكور. وأنّ الحُسين ربّاه وعلّمه أسرار الدّعوة، وزوّجه ببنت أبي الشَّلَغْلَغ فجاءه ابن سمّاه عبد الرحمن، فلمّا دخل المغرب وأخذ سِجِلْماسة تسمّى بعُبَيد وتكنى بأبي محمد، وسمَّى ابنَه الحسن.
وزعمت المغاربة أنّه يتيم ربّاه، وليس بابنه، وكناه أبا القاسم، وجعله ولي عهده. وقتل عُبَيد خلقًا من العساكر والعُلماء، وبث دُعاته في الأرض. وكانت طائفة تزعم أنّه الخالق الرّازق، وطائفة تزعم أنّه نبيّ، وطائفة تزعم أنّه المهدي حقيقة.
وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلّانيّ: إنّ القدّاح جدّ عُبَيد الله كان مجوسيًّا. ودخل عُبَيد الله المغرب، وأدّعى أنّه علويّ، ولم يعرفهُ أحد من علمّاء النَّسَب، وكان باطنّيًا خبيثًا، حريصًا على إزالة مِلّة الإسلام. أَعْدَمَ العلمّاء والفقهاء ليتمكّن مِن إِغواء الخلْق. وجاء أولاده على أُسلوبه. أباحوا الخُمور والفُرُوج، وأشاعوا الرَّفْض، وبثُّوا دُعاةً، فأفسدوا عقائد خلقٍ من جبال الشّام كالنُّصَيْريّة والدَّرزيّة. وكان القدّاح كاذبًا مُمَخْرقًا. وهو أصل دُعاة القرامطة.
وقال أيضًا في كتاب " كشف أسرار الباطنيّة ": أوّل من وضع هذه الدّعوة طائفة من المجوس وأبناء الأكاسرة. فذكر فَصلاً، ثمّ قال: ثمّ اتّفقوا على عبد الله بن عَمْرو بن ميمون القدّاح الأهوازيّ وأمدّوه بالأموال في سنة ثلاثين ومائتين أو قبلها، وكان مُشَعْوِذاً مُمَخْرِقًا يُظْهِر الزُّهْد، ويزعم أنّ الأرض تُطْوَى له. وجدُّ القدّاح هو دَيْصَان أحد الثَّنَوِيّة. وجاء ابن القدّاح على أسلوب أبيه، وكذا ابنه، وابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله، وهو الّذي يقال له عُبَيد الله. يُلقَّب بالمهديّ صاحب القيروان، وجدّ بني عُبَيد الّذين تسمّيهم جَهَلَةُ النّاس الخلفاء الفاطمّيين.
قال ابن خَلِّكان: اختُلِف في نَسَبه، فقال صاحب " تاريخ -[413]- القيروان ": هو عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن محمد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفرالصّادق.
وقال غيره: هو عُبَيْد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق.
وقيل: هو عليّ بن الحُسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن زين العابدين عليّ بن الحُسين. وإنّما سمّى نفسه عُبَيد الله استتارًا. وهذا على قول مَن يصحِّح نَسَبَه. وأهل العلم بالأنساب المحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ ويقولون: اسمه سعيد، ولَقَبه عُبَيد الله، وزوج أمّه الحُسين بن أحمد القدّاح. وكان كحالًا يقدح العين.
وقيل: إن عُبَيد الله لمّا سار من الشّام وتوصَّل إلى سجِلْماسة أحسّ به ملكُها ألْيَسع آخر ملوك بني مِدْرار، وأُعْلِم بأنّه الّذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعيّ بالقيروان، فسجنهُ، فجمع الشيعي جيشاً من كتامة وقصد سلجماسة، فلمّا قُربوا قتله الْيسع في السّجن، وهرب. فلمّا دخل الشّيعيّ السّجن وجده مقتولًا، وخاف أنّ ينتقض عليه الأمر، وكان عنده رجلٌ من أصحابه يخدمه، فأخرجه إلى الجُنْد، وقال: هذا المهديّ.
قلت: وهذا قولٌ منكر. بل أخرج عُبَيدَ الله وبايَع النّاس له، وسلّم إليه الأمر، ثمّ ندم، ووقعت الوحشة بينهما كما قدَّمنا قبل هذا في موضعه من هذا الكتاب. وآخر الأمر أنّ المهديّ قَتَلَ أبا عبد الله الشّيعي وأخاه، ودانت له المغرب، وبنى مدينة المهديّة، والله أعلم.
وفيها: ظهر محمد بن عليّ الشلْمغاني المعروف بابن أبي العَزاقر. وكان مستترًا ببغداد، وقد شاع أنّه يدّعي الأُلُوهيّة، وأنّه يُحْيي الموتى وله أصحاب. فتعصَّب له أبو عليّ بن مُقْلَة، فأحضره عند الرّاضي، فسمع كلامه وأنكر ما قيل عنه وقال: إنْ لم تنزل العقوبة على الّذي باهلَنَي بعد ثلاثة أيّام وأكثره تسعة أيام، وإلا فَدَمي حلال. قال: فضُرب ثمانٍين سوطًا، ثمّ قُتِل وصُلب.
وقُتل بسببه الحُسين بن القاسم بن عُبَيْد الله بن سليمان بن وهْب وزير المقتدر، وكان زِنديقًا متَّهماً بالشَّلْمغانيّ، وفي نفس الرّاضي منه لكَونه أذاه عند المقتدر بالله.
وقُتل معه أيضًا أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عَوْن أحمد بن هلال -[414]- الأنباريّ الكاتب، صاحب كتاب " الأجوبة المسكتة "، وكتاب " التّشبيهات "، وكتاب " بيت مال السّرور ". وكان قد مَرَق من الإسلام وصحِب ابن أبي العَزاقِر، وصار مِن المتغالين في حبّه، وصرَّح بإلهِيّته، تعالى الله عما يقوله عُلوّاً كبيرًا. فلمّا تتّبعوا أصحاب ابن أبي العزاقِر قالوا لإبراهيم بن أبي عون: سُبّه وابصُقْ عليه. فامتنع وأرعد وأظهر الخوف، فضُربَ بالسّياط، فلم يرجع، فَضُرِبت عُنقه، وأحْرِق في أوّل ذي القعدة.
وفيها: قُتِل هارون بن غريب الخال، كان مقيمًا بالدّينَوَر، فلمّا ولي الرّاضي كاتَب قوّاد بغداد بأنّه أحقّ بالحضرة ورئاسة الجيش، فأجابوه، فسارَ إلى بغداد حتّى بقي بينه وبينها يوم. فعُظم ذلك على ابن مُقْلة الوزير ومحمد بن ياقوت والحُجَريّة، وخاطبوا الرّاضي فعرّفهم كراهيته له، وأمرَ بممانعته، فأرسل ابن مُقْلَة إليه بأنّ يرجع، فقال، قد أنضمّ إليَّ جُنْدٌ لا يكفيهم عملي. فأرسل إليه الرّاضي ابن ياقوت القراريطيّ بأنّ قد قلَّدَوك أعمال طريق خُراسان، فقال للقراريطيّ: أنّ جُنْدي لا يقنعون بهذا، ومَن أحقّ منّي بخدمة الخليفة؟ فقال: لو كنت تراعي أمير المؤمنين ما عصيته. فأغلظ له، فقام مِن عنده وأدّى الرسالة إلى الخليفة. وشَخَص إلى هارون مُعْظم جُنْد بغداد، فبعث إليه محمد بن ياقوت يتلطّف به، فلم يلتفت. ووقعت طلائعه على طلائع ابن ياقوت، فظهر عليها، ثمّ تقدَّم إلى قنطرة النهروان، واشتبكت الحرب، فعبر هارون القنطرة، وانفردَ عن أصحابة على شاطئ النّهر، وهو يظنّ أنّه يظفر بمحمد بن ياقوت، فتقنطر به فرسه فوقع، وبادره مملوك ابن ياقوت فقتله، ومزّق جيشه، ونهبهم عسكر ابن ياقوت، وذلك في جُمادَى الآخرة.
وفيها: تُوُفّي أبو جعفر السَّجْزِي أحد الحُجّاب. قيل: بلغ من العمر أربعين ومائة سنة. وكان يركب وحده وحواسُّه جيّده.
وفيها: قبض ابن مُقْلَة على أبي العبّاس الخصِيبيّ، والحسن بن مَخْلَد -[415]- ونفاهما إلى عُمان، فرجعا إلى بغداد مختَفِيَيْن.
وفيها: تُوُفّي موسى ابن المقتدر.
ولم يحجّ النّاس إلى سنة سبْعٍ وعشرين من بغداد.

-سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
فيها: تمكَّن الرّاضي بالله وقلَّدَ ابنَيه المشرقَ والمغربَ، وهما أبو جعفر وأبو الفضل. واستكتب لهما أبا الحُسين عليّ بن محمد بن مُقْلَة.
وفيها: بلغ الوزير أبا عليّ بن مُقْلَة أنْ ابن شَنَبُوذ المقرئ يغّير حروفًا مِن القرآن، ويقرأ بخلاف ما أُنْزِل. فأَحضره، وأحضر عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف القاضي، وأبا بكر بن مجاهد، وجماعة من القُرّاء، ونُوظِرَ، فأغلظ للوزير في الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد، ونَسَبَهم إلى الجهل، وأنّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر. فأمرَ الوزير بضربه، فنُصب بين الهِنبازَيْن وضُرِب سبْع دِرَر، وهو يدعو على الوزير بأن تُقْطَع يده، ويشتّت شمله. ثمّ أوقف على الحروف الّتي قيل إنّه يقرأ بها، فأهْدِرَ منها ما كان شنيعًا، وتوّبوه غصْباً. وكتب عنه الوزير محضرًا.
ومّما أُخِذَ عليه: " فامضوا إلى ذكر الله في الجمعة " و " كان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينةٍ صالحة غصْبًا "، " وتكون الجبال كالصّوف المنفوش "، " تّبت يدا أبي لهب وقد تبّ "، " فلمّا خرّ تبيّنت الإنسُ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيبَ لَما لبِثوا حَوْلاً في العذاب المهين "، " والذّكر والأنثى ". فاعترفَ بها. ولا ريبَ أنّها قد رُويت ولم يخترعْها -[416]- الرّجلُ من عنده. وقيل: أنّه نُفي إلى البصرة، وقيل: إلى الأهواز. وكان إمامًا في القراءة.
وفي ربيع الأوّل شغبت الجُنْد، وصاروا إلى دار محمد بن ياقوت، وطلبوا أرزاقهم، فأغلظ لهم، فغضبوا وهمّوا به، فدافع عنه غلمّانّه، وقام إلى دار الحُرَم. فجاء الوزير وسكّنهم. ثمّ عادوا في اليوم الثّاني وخرجوا إلى الصّحراء، وعاونتهم العامّة. فعبَروا إلى الجانب الغربيّ، وفتحوا السّجون والمُطْبق، وأخرجوا مَن بها، وعظُمت الفتنة، وشرع القتال، ونُهِبت الأسواق. وركب بدر الخَرشني ليكُفَّهُم، فرموه بالنّشّاب. واتَّفقَت الحُجَريّة والسّاجيّة، وقصدوا دار الخليفة فمنعهم الحُجّاب، فكاشفوا محمد بن ياقوت وقالوا: لا نرضى أنّ تكون كبير الجيش. وحاصَروا دار الخليفة أيّامًا، ثمّ أرضاهم، فسكنوا.
وفيها: قبض الرّاضي على محمد بن ياقوت، وأخيه المظفّر، وأبي إسحاق القراريطيّ، وأخذ خطّ القراريطي بخمسمائة ألف دينار.
وعظُم شأن الوزير ابن مُقْلَة، واستقلَ بالدّولة، ثمّ شَغَبَ الجُنْد عليه ونهبوا داره، فأرضاهم بمال.
وفيها: أخرجَ المنصور إسماعيل العُبَيْدي يعقوب بن إسحاق في أُسطول من المهديّة عدّته ثلاثون حربيًّا إلى ناحية إفرنجة، ففتح مدينة جَنَوَة، ومرّوا بجزيرة سَرْدَانية، فأوقعوا بأهلها وسَبوا وأحرقوا عدّة مراكب، وقتلوا رجالها، وأسرعوا بالخروج إلى جَنَوة، وحرّقوا مراكب قرسقة، ونقبوا أسوار جَنَوة، واستولوا على المدينة، وقتلوا، وأسروا ألف امرأة، وقدِموا بالغنائم إلى المهديّة.
وفي جُمَادى الأوّلى جرت فتنة عظيمة من البَرْبهاري الحنبليّ وأصحابه، فنوديَ أن لا يجتمع أحدٌ من أصحاب البَرْبهاريّ. وحُبِس منهم جماعة واستتر الشيخ. فقيل: إنهم صاروا يكبسون دُور الأمراء والكُبراء، فإنّ رأوا نبيذًا أراقوه، وإنّ صادفوا مغنيةً ضربوها، وكسروا آلة الملاهي، وأنكروا في بيع النّاس وشرائهم، وفي مشْي الرجال مع الصّبيان. فَنَهاهُم -[417]- متولّي الشرطة، فما التفتوا عليه: فكتب الرّاضي توقيعًا يزجُرُهم ويوبّخهم باعتقادهم: وأنّكم تزعمون أنّ الله على صُوَركم الوحشة، وتذكرون أنّه يصعد وينزل. وأُقسم: إنْ لم تنتهوا لأقتلنَّ فيكم ولأُحَرّقنّ دُوركم.
وفي الشّهر هبّت ريح عظيمة ببغداد، واسودَّت الدنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب برعدٍ وبَرْق.
وفيه شَغَب الجُنْد بابن مُقْلة وهمّوا بالشّرّ.
وكان سعيد بن حمدان قد ضمِن المَوْصل وغيرها سِرّاً من ابن أخيه الحسن بن عبد الله بن حمدان، وخلع عليه ببغداد، فخرج سعيد في صورة أنّه يساعد ابنُ أخيه في الضّمان في خمسين فارسًا، فدخل الموصل فخرج ابنُ أخيه مظهِراً لتَلَقِّيه. ومضى العمّ إلى دار ابن أخيه فنزلها، وسأل عنه فقيل: خرج لتَلَقّيك. فجلس ينتظره، فلمّا علم الحسن بأنّ عمّه في داره وجّه غلمّانَه فقبضوا عليه وقيَّدوه، ثمّ قتله بعد أيام. وتألَّم له الرّاضي، وأمرَ أبا عليّ بن مُقْلَة بالخروج إلى الموصل، والإيقاع بالحَسَن. فخرج في جميع الجيش واستخلَف ابنَه ابا الحُسين موضعه. فلمّا قرُب من المَوْصل نزح عنها الحسن في شعبان، فتبِعَه ابن مُقْلَة، فصعِد الجبل ودخل بلد الزّوزانّ، فاستقرّ ابن مُقْلَة بالموصل يستخرج أموالًا، ويستسلف من التُّجّار على غلات البلد، فاجتمع له أربعمائة ألف دينار. فاحتال سهل بن هاشم كاتب الحسن، وكان مقيماً ببغداد، فبذل لولد ابن مُقْلَة عشرة آلاف دينار حتّى يكتب إلى أبيه بأنّ الأمور بالحضرة مضطّربة، فانزعج الوزير وسار إلى بغداد، فدخل في ذي القعدة.
وفيها: وقعوا برجلٍ قد أخذ البيعة لجعفر ابن المكتفي، وبذل أموالًا عظيمة، فقُبِض عليه وعلى جعفر، ونُهب منزل جَعْفَر.
وعاد الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى الموصل بعد حرب تمّ له مع جيش الخليفة وهزمهم، وكتب إلى الخليفة يعتذر.
وخرج الرَّكْبُ العراقيّ ومعهم لؤلؤ يَخْفُرُهم، فاعترضهم أبو طاهر القَرْمَطِيّ، فانهزم لؤلؤ وبه ضربات. فقتل القَرْمطي الحاجّ وسبى الحُرَم، والتجأ الباقون إلى القادسيّة، وتسلّلوا إلى الكوفة. -[418]-
وفي ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضاً عظيماً ما رؤي مثله.
وفي ذي الحِجّة مات الأمير أبو بكر محمد بن ياقوت في الحبْس حتْف أنفه.
وفيها: غلا السِّعْر ببغداد حتّى أبيع كَرّ القمح بمائةٍ وعشرين دينارًا.
وفيها: قدِم غلمّان مرداويج الدَّيْلَمي إلى بغداد، وفيهم بَجْكم، فخافت الحُجَريّة منهم.
ثمّ إنّ محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها كاتَبَهم، فأتوا إليه، فأكرمهم وقدَّم عليهم بَجْكَم، وأفرط في الإحسان إليه، وأمره بمكاتبة جُنْد الجبال ليَقْدَمُوا عليه. ففعلوا، فصار عنده عدّة كبيرة، وتمكّن وجبى الخراج.

-سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع وعشرين وثلاثمائة
فيها: تُوُفّي هارون ابن المقتدر، وحزن عليه أخوه الخليفة، واغتمّ له، وأمرَ بِنَفْي الطّبيب بُخْتيشوع بن يحيى، وأتَّهمه بتعمُّد الخطأ في علاجه.
وفيها: قلّد ابن مقلة أبا بكر محمد بن طُغْج أعمال المعاون بمصر مُضافاً إلى ما بيده مِن الشّام.
وفيها: قطع الحمل عن بغداد محمد بن رائق، واحتجَّ بكثرة كلْفة الجيش عنده، وقطع حمْل الأهواز، وطمع غيرهم.
وفي ربيع الأوّل أطلق من الحبس المظفَّر بن ياقوت، وحلف للوزير على المُصافاة، وفي نفسه الحقْد عليه لأنّه نكبه، ونكب أخاه محمداً. ثمّ أخذ يسعى في هلاكه ويشغب عليه الحُجَريّة. فعلم الوزير فاعتضد بالأمير بدر صاحب الشّرطة ليوقع بالمظفَّر، فانحدر بدر وأصحابه بالسّلاح إلى دار الخليفة، ومنعوا الحُجَريّة من دخولها، فضعُفت نفس المظفّر، وأشار على الحُجَريّة بالتّذلُّل لابن مقلة، وأظهر له المظفّر أنّه على أيْمانه، فاغتر بذلك وصرف بدرًا والْجُنْد من دار الخلافة. فمشى الغلمّان بعضهم إلى بعض -[419]- وأوحشوا نفوس الْجُنْد من ابن مقلة ومن بدر، وتحالفوا وصارت كلمتهم واحدة. ثمّ صاروا إلى دار الخلافة فأحْدَقوا بها، وصار الرّاضي في أيديهم كالأسير، وطالبوه أنّ يخرج معهم إلى الجامع فيصلّى بالنّاس ليعلموا إنّه من حزبهم. فخرج يوم الجمعة سادس جمادى الأولى، فصلّى بالنّاس، وقال في خطبته: اللهُمّ إنّ هؤلاء الغلمّان بطانتي وظهارتي، فمن أرادهم بخير فأزِدْه، ومن كادَهم فَكِده.
وأمر بدرًا الخَرْشَنيّ بالمسير على إمرة دمشق مسرعًا.
ثمّ أخذ ابن مقلة يُشير على الرّاضي سرًّا أنّ يخرج بنفسه ليدفع محمد بن رائق عن واسط والبصرة. ثمّ بعث ابن مقلة بمقدَّم من الحُجَريّة، وآخر من السّاجيّة برسالة إلى ابن رائق يطلب المحاسبة. فأحسَن ابن رائق إليهما، وحمّلهما رسالة إلى الراضي سراً بأنه إن استُدعى إلى الحضرة قام بتدبير الخلافة، وكَفَى أمير المؤمنين كلّ مهمّ، فقدِما. فلم يلتفت الرّاضي إلى الرسالة. ولمّا رأى ابن مقلة امتناع ابن رائق عليه عمل على خروج الرّاضي إلى الأهواز، وأنّ يرسل القاضي برسالة إلى ابن رائق لئلّا يستوحش. فبَيْنا ابن مقلة في الدِّهليز شغب الغلمّان ومعهم المظفّر، وأظهروا المطالبة بالأرزاق، وقبضوا على الوزير، وبعثوا إلى الرّاضي يعرفونه ليستوزر غيره، فبعث إليهم يستصوب رأيهم، ثمّ قال: سمّوا من شئتم حتّى استوزره. فسمّوا عليّ بن عيسى، وقالوا: هو مأمون كافي. فاستحضره وخاطبه بالوزارة فامتنع، فخاطبه ثانية وثالثة فامتنع، فقال: أشِر بمن ترى. فأومى إلى أخيه عبد الرحمن بن عيسى. فبعث الرّاضي إليه المظفّر بن ياقوت، فأحضره وقلَّدَه، وركب الجيش بين يديه، وأُحْرِقَتْ دار ابن مقلة، وهذه المرّة الثالثة.
وكان قد أحرق دار سليمان بن الحسن. فكتبوا على داره:
أحسنتَ ظنّك بالأيّام إذ حسُنت ... ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القدرُ
وسالَمَتْك اللّيالي فاغترَرت بها ... وعند صفو اللّيالي يحدُثُ الكَدَر
واختفى الوزير وأعوانّه. -[420]-
وظهر أبو العبّاس الخصيبيّ، وسليمان بن الحسن، وصارا يدخلان مع الوزير عبد الرحمن وأخيه عليّ، ويدخل معهم أبو جعفر محمد بن القاسم والأعيان.
وأُخِذَ ابن مقلة فتسلّمه عبد الرحمن الوزير، وضُرِب بالمقارع، وأُخذ خطُّه بألف ألف دينار. ثمّ سُلِّمَ إلى أبي العبّاس الخصيبيّ، فجرى عليه من المكاره والتّعليق والضَّرْب عجائب.
قال ثابت: كلّفني الخصيبيّ الدُّخول إليه يومًا وقال: إنّ كان يحتاج إلى الفَصْد فليُفْصَد بحضرتك. فدخلتُ فوجدته مطرَوْحًا على حصيرٍ، وتحت رأسهِ مخدّة وسِخَة، وهو عُرْيان في وسطه سراويل، ورأيتُ بدَنَه من رأسِه إلى أطراف رجليه كلون الباذنجان، وبهِ ضيق نفسٍ شديد. وكان الّذي تولّى عذابه ودَهَق صَدْره الدَّسْتُوائيّ. فقلت: يريد الفصْد. فقال الخصيبيّ: وكيف نعمل، ولا بدّ من تعذيبه كل يوم؟ فقلت: فيتلف. قال: أفصدْه. ففصدته ورفّهتُه ذلك اليوم. واتَّفق أنّ الخصيبيّ استتر ذلك اليوم، فاطمان ابن مقلة وتصلّح. وحضَر أبو بكر بن قرابة، وضمن ما عليه وتسلَمه.
وفي جُمَادَى الأولى قبض الرّاضي على المظفّر بن ياقوت وهدم داره، ثمّ أطلقه بعد جمعة وأحدره إلى أبيه ياقوت.
وعزل بدر الخَرْشَنيّ عن الشرطة، ووليها كاجو، وقلد الخَرْشَنيّ أعمال أصبهان وفارس.
وعجز الوزير عبد الرحمن بن عيسى عن النفقات، وضاق المّال. فاستعفى. فقبض عليه الرّاضي في رجب وعلى أخيه، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرْخي، وسلم ابني عيسى إلى الكرْخي، فصادرهما برفق، فأدى كلّ واحد سبعين ألف دينار، وانَصْرفا إلى منازلهما.
وفي رمضان قُتِل ياقوت الأميرُ بعسكر مُكْرَم، فأراد الحُجَريّة قُتِل أبي الحُسين البريديّ ببغداد، وكان يخلف أخاه في الكتابة لياقوت، فاختفى. وكان ياقوت قد سار بجموعه لحرب عليّ بن بُوَيْه، فالتقيا بباب أرَّجان، فهزمه ابن بُوَيْه، فعاد إلى الأهواز، وتواترت الأخبار بأنّ ابن بُوَيْه وافى إلى رامَهُرْمُز مقتفيًا آثار ياقوت. فعبر ياقوت إلى عسكر مُكَرم وقطع الجسرَ. -[421]-
وأقام ابن بُوَيْه أيامًا برامَهُرْمُز إلى أنّ وقع الصُّلح بينه وبين الخليفة، وجرت فصول. وضعُف أمرُ ياقوت، وجاع عسكره، وتفرَّقت رجاله، وتمَّت له حروب مع كاتبه أبي عبد الله البريدي، ثم انهزم وأوى إلى قريٍةٍ، فظفروا به وقتلوه، وكان قد شاخ. ثمّ طغى البريديّ وأظهر العصيانّ.
وفيها: استوزر الرّاضي أبا القاسم سليمان بن الحسن. وسببه أنّ ابن رائق تغلَّب على ناحيته، وابن بُوَيْه تغلَّب على فارس. وضاقت الدنيا على الوزير الكْرخيّ، وكان غير ناهض بالأمور، فعزل في شوّال. وقُلّد سليمان، فكان في العجز بحال الكْرخيّ وزيادةً. فَدَعَتِ الضّرورة إلى أنّ كاتب الرّاضي محمد بن رائق يلاطفه مع كاجو، فأصغى وأسرع، فأرسل إليه الرّاضي بالخِلَع واللّواء. فانحدر إليه أعيانّ السّاجيّة، فقيّدهم وحبسهم، فاستوحش الحجرية ببغداد، وأحدقوا بدار الخليفة. فوصل ابن رائق في جيشه إلى بغداد في ذي الحجّة، ودخل على الرّاضي في قواده. ثمّ أنّه أمر الحُجَريّة بقلْع خيامهم وذهابهم إلى منازلهم، فلم يفعلوا، وبطُل حينئذٍ أمر الوزارة والدّواوين وبقي الاسم لا غير، وتولّى الجميعَ محمد بن رائق وكُتّابه، وصارت الأموال تُحمل إليه، وبطُلت بيوت المّال. وحكم ابن رائق على البلاد وبقيَ الرّاضي معه صورةً.
وفيها: وقع الوباء العظيم بإصبهانّ وبغداد، وغَلَت الأسعار.
وفيها: سار الدّمُسْتُق في جيوش الرّوم إلى أرض آمد وسُمَيْساط فسارَ عليّ بن عبد الله بن حمدان، وهو شابّ، وهذه من أوَّل مَغَازية، إلى آمد، وبعث الأقوات إلى سُمَيْساط، فاختلف عليه بعض أمرائه، ثمّ حاربه فظفر به، ثمّ عفا عنه.
وكان الحسن بن عبد الله بن حمدان أخوه قد غلب على الموصل، فسارَ إليه خلق من الساجية والحجرية، وهم خاصكية الخليفة، هربوا من محمد بن رائق، فأحسنَ الحسن إليهم. وسارَ من عنده نظيف السّاجيّ متقلَّدًا آَذْرَبْيجانّ، فحاربه اللشكري، فانهزم نظيف واستبيح عسكره، -[422]- وغلب اللشكري على آَذْرَبْيجانّ، فسارَ لحربه دَيْسَم وابن الدَّيْلَميّ وطائفة، فهزموه ونهبوا وسبوا، وفعلوا القبائح.
وفيها: استولت الرّوم على سُمَيْساط ودَكَوُّها، وأمَّن الدُّمُسْتُق أهلها ووصّلهم إلى مأمنهم.
وفيها: عاثت العرب من بني نُمَير وقُشَيْر وملكوا ربيعة ومُضَر، وشنّوا الغارات، وسبوا وقطعوا السُّبُل، وخَلَت المدائن من الأقوات، فسارَ لحربهم عليّ بن عبد الله بن حمدان، فأوقع بهم وهزمهم بَسُروج وطردهم إلى ناحية سنِجْار وهِيت.
ونَفَّذ الرّاضي بالله خِلَع المُلْكَ إلى صاحب الموصل الحسن بن عبد الله، فبعث على آذَرْبَيْجانّ ابن عمه حسين بن سعيد بن حمدان. وكان على ديار بكر أخوه عليّ.

-سنة خمس وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
فيها أشار محمد بن رائق على الرّاضي بأنّ ينحدر معه إلى واسط، فخرج أول السنة منحدرًا، فوصل واسط في عاشر المحرَّم. واستخلف بالحضرة أبا محمد الصّلْحِيّ، فاضطّربت الحُجَريّة وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالسّاجيّة. فأقام بعضهم ثمّ انحدروا. واستخدم ابن رائق ستين حاجبًا، وأسقط الباقين، وكانوا أربعمائة وثمانٍين. ونقّص أرزاق الحَشَم، فثاروا وحاربوا ابن رائق، وجرى بينهم قتالٌ شديد، وانّهزم من بقى من السّاجيّة إلى بغداد، ولم يَبْقَ من الحجرية إلاّ قليل، مثل صافي الخازن، والحسن بن هارون، فأطلقا.
ولمّا فرغ ابن رائق من الحُجَريّة والسّاجيّة أشار على الرّاضي بالله بالتقدم إلى الأهواز، فأخرجت المضارب، وبعث ابن رائق أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، والحسن بن إسماعيل الإسكافيّ إلى أبي عبد الله البريديّ برسالة من الرّاضي، مضمونها أنّه قد أخّر الأموال وأفسد الجيوش. وأنّه ليس طالبيًّا فينازع الأمر، ولا جُنْديًا فينازع الإمارة، ولا ممّن يحمل السّلاح، فيؤهّل لفتح البلاد. وأنّه كان كاتبًا صغيرًا، فرُفع فَطَغى وكَفَر -[423]- النِّعْمَة فإن راجع سومح عن المّاضي، فأجاب إلى أنّه يحمل مالًا عيَّنه، وأنّ الجيش الّذي عنده لا يقوم بهم مال الحضرة، فسيجهزهم إلى فارس لحرب مَن بها. فبعث إليه الرّاضي بالعهد، فما حمل المّال ولا جهّز الجيش. وكان أبو الحُسين البريديّ ببغداد، فجهّزه ابن رائق إلى أخيه أبي عبد الله، ثمّ ضمن البريدي البلاد.
ورجع الرّاضي إلى بغداد، وتقلَّد الشّرطة بجْكَم. وخرج من بَقِي من الحُجَريّة من بغداد إلى الأهواز، فقبلهم البريدي، وأجرى أرزاقهم، وَرَثَى لهم.
وصارت البلدان بين خارجيّ قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالًا، وصاروا مثل ملوك الطّوائف، ولم يبقَ بيد الرّاضي غير بغداد والسواد، مع كون يد ابن رائق عليه.
وفيها: ظهرت الوحشة بين محمد بن رائق وبين أبي عبد الله البريديّ.
ووافى أبو طاهر القَرْمَطِيّ إلى الكوفة فدخلها في ربيع الآخر، فخرج ابن رائق في جُمَادَى الأولى، وعسكر بظاهر بغداد. وسيَّر رسالة إلى القَرْمَطِيّ فلم تُغْنِ شيئًا، ثمّ إنّ القَرْمَطِيّ ردّ إلى بلده.
وفيها: استوزر الرّاضي أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفُرات بمشورة ابن رائق. وكان ابن الفُرات بالشّام فأحضروه.
ومضى ابن رائق إلى واسط وراسل البريديّ، فلم يلتفت وأخذ يماطله. وبعث جيشًا إلى البصرة يحفظها من ابن رائق، وطيّب قلوب أهلها، فقلق ابن رائق، وبعث إلى البصرة جيشًا، فالتقوا فانهزم جيش ابن رائق غير مرّة.
ثمّ قدِم بدر الخَرْشَنيّ من مصر، فأكرمه ابنُ رائق، ثم نفذه وبجكماً إلى الأهواز، فجهز إليهما البريدي أبا جعفر الجمال في عشرة آلاف نفس، فالتقوا على السّوس، فهزمهم الخَرْشَنيّ، وساقَ وراءهم، فخرج البريديّ وأخوه في طيّار، وحملوا معهم ثلاثمائة ألف دينار، فغرق بهم الطّيار، فأخرجهم الغواصون، واستخرجوا بعض الذَّهَب لبَجْكَم، ووافوا البصرة، ودخل بَجْكَم الأهواز، وكتب إلى ابن رائق بالفتح. -[424]-
ودخل البريديُّون البصرة واطمأنّوا، فساقَ ابن رائق بنفسه إلى البصرة في نصف شوّال. فهرب البريديّ إلى جزيرة أُوال، ووافاه بَجْكَم. وسار ابن رائق وجيشه ليدخلوا البصرة، فقاتلهم أهلُها ومنعوهم لظُلمهم.
وذهبَ البريديّ إلى فارس، واستجار بعلي بن بُوَيْه فأجاره، وأنفذ معه أخاه أبا الحسين أحمد بن بُوَيْه لفتح الأهواز. وبلغ ابن رائق ذلك، فجهَّز بَجْكَم إلى الأهواز، فقال: لست أحارب هؤلاء إلّا بعد أنّ تحصل لي إمارتها وخراجها. فقال ابن رائق: نعم. وأمضى له ذلك على مائة وثلاثين ألف دينار في السنة.
ودام أهلُ البصرة على عصيان ابن رائق لسوء سيرته، فحلف أنْ تمكن من البصرة ليجعلها رماداً. فازدادا غَيْظُهم منه.
وفيها: ولي إمرة دمشق بُدَيْر مولى محمد بن طُغْج، فأقام بها إلى سنة سَبْعٍ وعشرين. وقدِم محمد بن رائق دمشق، فأقام بها، وزعم أنّ المتّقي ولّاه إيّاها، وأخرج بُدَيْرًا. ثمّ ولي بُدَيْر دمشق بعد ذلك مِن قِبَل كافور الإخشيدي.
وأمّا البريديّون فهم ثلاثة من الكتّاب: أبو عبد الله، وأبو الحُسين، وأبو يوسف. كان أبوهم كاتبًا على البريد بالبصرة، فغلبوا على الأهواز وجرت لهم قصص، ثمّ اختلفوا وتمزَّقوا.
وفيها: سار عليّ بن عبد الله بن حمدان إلى مصر، فتغلَّب عليها لمّا خرج عنها بدْر الخَرْشَنيّ إلى العراق.
ولم يجْسر أحدٌ أن يحجّ هذا العام.
وفيها: أسَّس أمير الأندلس النّاصر لدين الله الأمويّ مدينة الزَّهراء. وكان منتهى الإنفاق في بنائها كلّ يوم ما لا يُحدّ، يدخل فيها كلّ يوم من الصّخر المنحوت ستّة آلاف صخرة، سوى التّبليط. وجُلِب إليها الرخام من أقطار المغرب، ودخل فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، منها ثلاث وعشرون سارية ملوَّنة. وأهدى له ملك الفرنج أربعين سارية رخام. وأما الوردي والأخضر فمن إفريقية، والحوض المذهب جلب من القسطنطينية، والحوض الصغير عليه صورة أسد، وصورة غزال، وصورة عُقاب، وصورة -[425]- ثعبان، وغير ذلك، كلّ ذلك ذَهَبٌ مرصَّع بالجوهر. وبَقَوْا في بنائها ستّ عشرة سنة. وكان يُنفق عليها ثُلْث دَخْل الأندلس. وكان دخل الأندلس يومئذٍ خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانٍون ألف درهم. وعمل في الزَّهراء قصر المملكة. غرِم عليه من الأموال ما لا يعلمه إلّا الله.
وبين الزَّهراء وبين قُرْطُبة أربعة أميال، وطولها ألف وستّمائة ذراع، وعرضها ألف وسبعون ذراعًا. ولم يُبْن في الإسلام أحسن منها، لكنّها صغيرة بالنّسبة إلى المدائن كما ترى؛ لا بل هي متوسّطة المقدار. وكانت من عجائب الدنيا. وسورها ثلاثمائة برج، وكل شرافة حجر واحد. وعمل ثُلثُها قصور الخلافة، وثلثها للخدم، وكانوا اثنى عشر ألف مملوك، وثُلثها الثالث بساتين. وقيل: إنّه عمل فيها بُحَيْرة ملأها بالزِّئبق. وقيل: كان يعمل فيها ألف صانع، مع كلّ صانع اثنا عشر أجيرًا. وقد أحرقت وهدمت في حدود سنة أربعمائة، وبقيت رسومُها وسورُها. فسبحان الباقي بلا زوال.

-سنة ست وعشرين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ست وعشرين وثلاثمائة
فيها: سار أبو عبد الله البريديّ لمحاربة بَجْكَم. وأقبل في مددٍ من ابن بُوَيْه، فخرج بَجْكَم لحربه، وعاد منهزما بعد ثلاثٍ، لأنّ الأمطار عطّلت نشّاب أصحابه وقِسِيَّهم، فقبض على وجوه أهل الأهواز، وحملهم معه، وسار إلى واسط.
وأقام البريديّ وأحمد بن بُوَيْه بالأهواز أياما. ثمّ هرب البريديّ في المّاء، ثمّ أخذ يراوغ أحمد بن بُوَيْه، وجَرَت له فصول. وقوي ابن بُوَيْه. وبَجْكَم مقيم بواسط ينازع إلى الملك ببغداد. وقد جمع ابن رائق أطرافه وأقام ببغداد، والبريدي هارب في أسفل الأهواز.
ولما رأى الوزير أبو الفتح الفضل اختلال الحضرة، واستيلاء المخالفين على البلاد، أطمع ابن رائق في أنّ يحمل إليه الأموال من الشّام ومصر. وأنّ ذلك لا يتم مَعَ بعده. وصاهره فزوج ابنه بابنة محمد بن رائق، وزوج مزاحم بن محمد بن رائق ببنت محمد بن طُغْج. -[426]-
ثمّ دخل الوزير أبو الفتح إلى الشّام على البرّيّة، وقد استخلف على الحضرة عبد الله بن علي النفري.
وسار ابن شيرزاد بين البريديّ وابن رائق في الصُّلْح، فكتبوا للبريدي بالعهد على البصرة، وأنّ يجتهد في أخذ الأهواز من أحمد بن بُوَيْه، وأنّ يحارب بَجْكَم. فواقعَ عسكر البريديّ عسكر بَجْكَم فهزمه، فسُرَّ بذلك ابن رائق. ثمّ أرسل بَجْكَم إلى البريديّ: أنتَ قد اتّفقتَ مع ابن رائق عليّ وقد عفوتُ عنك، وأنا أعاهدك إن ملكتُ الحضرة أنّ أقلَّدَك واسطًا. فسجد البريديّ شكرًا لله وحلف له واتّفقا.
وفيها قُطِعت يد ابن مقلة. وسببه أنّ محمد بن رائق لمّا صار إليه تدبير المملكة قَبَضَ على ضياع ابن مقلة وابنه، فسأله ابن مقلة إطلاقَها، فوَعده ومَطَلهُ. فأخذ ابن مقلة في السَّعْي عليه من كلّ وجهٍ، وكتب إلى بَجْكَم يُطْمِعه في الحضرة، وكتب إلى الرّاضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق، ويضمن له إذا فعلَ ذلك وأعاده إلى الوزارة أنّه يستخلص له منه ثلاث آلاف ألف دينار. وأشار باستدعاء بَجْكَم ونصبه في بغداد. فأصغى إليه، فكتب ابن مقلة إلى بَجْكَم يخبره ويحثّه على القدوم. واتّفق معهم أنّ ابن مقلة ينحدر سرًّا إلى الرّاضي ويقيم عنده، فركب من داره، وعليه طَيْلَسان، في رمضان في الليل. فلمّا وصل إلى دار الخليفة لم يُمَكَّن، وعُدِلَ به إلى حُجْرة فحُبِس بها. وبعث الرّاضي إلى ابن رائق فأخبره. فتردَّد الرُّسُل بينهما أسبوعين، ثمّ أظهر الخليفة أمره، واستفتى القُضاة في أمرِه، وأفشى ما أشار به ابن مقلة من مجيء بجكم وقبض ابن رائق. فيقال: أنّ القضاة، أفْتوا بقطع يده، ولم يصحّ. ثمّ أخرجه الرّاضي إلى الدِّهْليز، فقطعت يدُه بحضرة الأمراء.
قال ثابت بن سِنان: فاستدعاني الرّاضي وأمرني بالدّخول عليه وعلاجه، فدخلت، فإذا به جالس يبكي، ولونه مثل الرصاص، فشكا ضَرَبَان ساعِده. فطلبتُ كافورًا، وطليتُ به ساعدَه فسَكَن. وكنتُ أتردد إليه، فعرضَتْ له عِلّه النُّقْرُس في رِجْلهِ. ثمّ لمّا قرُب بَجْكَم من بغداد قطع -[427]- ابن رائق لسان ابن مقلة، وبقي في الحبس مدة، ثم لحقه ذرب وشفي إلى أنّ مات بدار الخلافة. وقد وَزَرَ ثلاث مرّات لثلاثة من الخلفاء. ومات سنة ثمانٍ وعشرين، وهو صاحب الخطّ المنسوب.
ثمّ أقبل بَجْكَم في جيوشه وضعُفَ عنه محمد بن رائق، فاستتر ببغداد، ودخلها بَجْكَم في ذي القعدة، فأكرمه الرّاضي ورفع منزلته، ولقّبه أمير الأمراء، وانقضت أيّام محمد بن رائق.
وفيها: ورد كتاب من الرّوم. والكتابة بالذَّهب، وترجمتها بالعربيّة بالفضّة؛ وهو: " من رومانس وقسطنطين وإسطانوس عظماء ملوك الرّوم، إلى الشّريف البهيّ ضابط سُلْطان المسلمين. بسم الأب والابن وروح القُدُس الإله الواحد، الحمد لله ذي الفضل العميم، الرؤوف بعباده، الّذي جعل الصلحَ أفضل الفضائل، إذ هو محمود العاقبة في السّماء والأرض. ولمّا بَلَغنا ما رُزقته أيّها الأخ الشريف الجليل من وفور العقل وتمام الأدب، واجتماع الفضائل أكثر ممّن تقدَّمكَ من الخلفاء، حَمَدْنا الله. . . " وذكر كلامًا يتضَّمن طلب الهُدْنَة والفِداء. وقدَّموا تقدمةً سنّية. فكتب إليهم الرّاضي بإنشاء أحمد بن محمد بن ثُوَابة، بعدَ البَسملة: " مِن عبد الله أبي العبّاس الإمام الرّاضي بالله أمير المؤمنين إلى رومانس وقسطنطين وإسطانوس رؤساء الرّوم. سلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدى وتمسَّك بالعُروة الوُثْقى وسلكَ سبيل النّجاة، والزُّلفى ". وأجابهم إلى ما طلبوا.
وفيها: قلَّدَ الرّاضي بَجْكَم إمارة بغداد وخُراسان. وابن رائق مستتر.
ولم يحجّ أحد.
وفيها: كانت ملحمة عظيمة بين الحسن بن عبد الله بن حمدان وبين الدّمُسْتُق، ونَصْر الله الإسلام، وهربَ الدّمُسْتُق. وقُتِل من النَصارى خلائق، وأُخذ سرير الدّمُسْتُق وصليبه.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت