نتائج البحث عن (عضا) 50 نتيجة

عضا: العُضْوُ والعِضْوُ: الواحدُ من أَعضاءِ الشاةِ وغيرها، وقيل: هو كلُّ عَظْمٍ وافِرٍ بلَحْمه، وجمْعُهما أَعضاءٌ. وعَضَّى الذَّبيحة: قطَّعها أَعْضاءً. وعَضَّيْتُ الشاةَ والجَزُور تَعْضِيةً إِذا جعَلْتها أَعضاءً وقَسَمْتَها. وفي حديث جابر في وقت صلاة العصر: ما لوْ أَنَّ رجُلاً نَحَرَ جَزُوراً وعَضَّاها قبل غُروبِ الشمسِ أَي قَطَّعَها وفَصَّلَ أَعضاءَها. وعَضَّى الشيءَ: وزَّعَه وفرّقه؛ قال: وليس دينُ اللهِ بالمُعَضَّى ابن الأَعرابي: وعَضا مالاً يَعْضُوه إِذا فرَّقَه وفي الحديث: لا تَعْضِيةَ في مِيراثٍ إِلاَّ فيما حَمَلَ القَسْمَ؛ معناه أن يموتَ المَيِّت ويَدَعَ شيئاً إِن قُسِمَ بينَ ورَثَته كان في ذلك ضَرَرٌ على بعضهم أَو على جَميعِهم، يقول فلا يُقْسَم. وعَضَّيت الشيءَ تَعْضِية إِذا فَرَّقْته. والتَّعْضِية: التَّفْرِيقُ، وهو مأْخُوذٌ من الأَعْضاءِ. قال: والشيءُ اليَسِير الذي لا يَحْتَمِل القَسْمَ مثلُ الحَبَّة من الجَوهر، لأَنها إِن فُرِّقَتْ لم يُنْتَفع بها، وكذلك الطَّيْلَسان من الثياب والحَمَّام وما أَشْبهَه، وإِذا أَراد بعضُ الوَرَثَة القَسْمَ لم يُجَبْ إِليه ولكن يُباعُ ثم يُقسم ثمنُه بينَهم. والعِضَة: القِطْعَة والفِرْقة.وفي التنزيل: جعَلُوا القرآن عِضِينَ؛ واحدَتها عضة ونقصانها الواو أَو الهاء، وقد ذكره في باب الهاء. والعِضَةُ: من الأسماء الناقِصة، وأَصلُها عِضْوَة، فنُقِصَت الواوُ، كما قالوا عِزَة وأَصْلُها عِزْوَةُ، وثُبَة وأَصلُها ثُبْوَة من ثَبَّيت الشيء إِذا جمَعْته؛ وفي حديث ابن عباس في تفسير جَعَلوا القرآن عِضِين: أَي جَزَّؤُوه أَجْزاءً، وقال الليث: أَي جَعَلُوا القرآن عِضَةً عِضَة فتفَرَّقوا فيه أَي آمَنوا ببَعْضِه وكفَروا ببَعضه، وكلُّ قِطعة عِضَةٌ؛ وقال ابن الأَعرابي: جَعَلُوا القرآن عِضِين فرَّقوا فيه القَوْل فقالوا شِعْر وسِحْر وكَهانة، قال المشركون: أَساطِيرُ الأَوَّلِين، وقالوا سِحْرٌ، وقالوا شِعْرٌ، وقالوا كَهانة فقسّمُوه هذه الأَقْسام وعَضَّوْه أَعْضاءً، وقيل: إِنَّ أَهلَ الكِتابِ آمَنُوا ببعضٍ وكفَرُوا ببعضٍ كما فعل المشركون أَي فرَّقوه كما تُعَضَّى الشاةُ؛ قال الأَزهري: من جَعَل تفسير عِضِين السِّحْرَ جعل واحدتها عِضَةً، قال: وهي في الأَصل عِضَهَة، وقال ابن عباس: كما أَنزلنا على المُقْتَسِمين؛ المُقْسمون اليَهودُ والنصارَى، والعِضةُ الكَذِبُ منه، والجمع كالجمع. ورجل عاضٍ بيِّن العُضُوِّ: طَعِمٌ كاسٍ مَكْفِيٌّ. قال الأَصمعي: في الدار فِرَقٌ من الناس وعِزُون وعِضُونَ وأَصْناف بمعنى واحدٍ.
[عضا]العُضْوُ والعِضْوُ: واحد الأعضاء. وعَضَّيتُ الشاة تَعْضِيَةً، إذا جزَّأتها أعضاء. ويقال أيضا: عضيت الشئ تعضية، إذا فرَّقته. وفي الحديث: " لا تَعْضِيَةَ في ميراث إلا فيما حمل القَسْمَ " يعني أن ما لا يحتمل القَسْمَ كالحبَّة من الجوهر ونحوها لا يفرَّق وإن طلبَ بعض الورثة القَسْمَ فيه، لأنَّ فيه ضرراً عليهم أو على بعضهم، ولكنه يباع ثم يقسم الثمن بينهم بالفريضة. وقوله تعالى: (الذين جَعَلوا القُرآنَ عِضينَ) واحدتها عضة، ونقصانها الواو والهاء، وقد ذكرناه في باب الهاء. الأصمعيّ: في الدار فِرَقٌ من الناس وعِزونَ وعِضونَ وأصنافٌ، بمعنًى واحد.
[عضا]فيه: "جعلوا القرآن "عضين"" أي جزؤه أجزاء، جمع عضة، من عضيته: فرقته وجعلته أعضاء، وقيل: أصله عضوة وفسر بعضهم بالسحر من العضة. غ: "عضين" أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض. نه: ومنه ح وقت العصر: ما لو أن رجلًا نحر جزورًا و"عضاها" قبل غروبها، أي قطعها وفصل أعضاءها. ومنه ح: لا "تعضية" في ميراث إلا فيما حمل القسم، هو أن يموت رجل ويدع شيئًا إن قسم بين ورثته استضروا أو بعضهم، كالجوهرة والطيلسان والحمام ونحوها، من التعضية: التفريق.
ع ض ا: (الْعُضْوُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَاحِدُ (الْأَعْضَاءِ) . وَ (عَضَّى) الشَّاةَ (تَعْضِيَةً) جَزَّأَهَا (أَعْضَاءً) . وَ (عَضَّى) الشَّيْءَ أَيْضًا فَرَّقَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تَعْضِيَةَ فِي مِيرَاثٍ إِلَّا فِيمَا حَمَلَ الْقَسْمَ» يَعْنِي أَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْقَسْمَ كَالْحَبَّةِ مِنَ الْجَوْهَرِ وَنَحْوِهَا لَا يُفَرَّقُ وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ الْقَسْمَ فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ ثُمَّ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {{الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}} [الحجر: 91] وَاحِدَتُهَا عِضَةٌ وَنُقْصَانُهَا الْوَاوُ وَالْهَاءُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي [ع ض هـ] .
(عضا)الشَّيْء عضوا جزأه وَفرق أجزاءه
(العضادة) نَاحيَة الطَّرِيق و (فِي المساحة) الذِّرَاع المتحركة للآلات الَّتِي تسْتَعْمل فِي قِيَاس المسافات الزاوية (مج) وعضادتا النير الخشبتان تَكُونَانِ على جانبيه وعضادتا الْبَاب خشبتان منصوبتان مثبتتان فِي الْحَائِط على جانبيه وعضادتا الرجل رفيقاه ومعاوناه
(الضعضاع) الضَّعِيف من كل شَيْء وَالرجل بِلَا رَأْي وَلَا حزم
(العضاد) الغليظة الْعَضُد والقصير من الرِّجَال وَالنِّسَاء

(العضاد) كل مَا يُحِيط بالعضد من حلي وَغَيرهَا وحديدة تجذب بهَا فروع الشّجر وتمال وتكسر
(العضاض) مَا يعَض عَلَيْهِ ويؤكل وَمَا غلظ من الشّجر (ج) عضض

(العضاض) الصبور على الشدَّة
(العضال) الشَّديد المعجز وَيُقَال دَاء عضال لَا طب لَهُ
(العضاه) كل شجر لَهُ شوك صغر أَو كبر الْوَاحِدَة عضاهة
العُرُوْقُ التي في الإِبْطِ بين اللَّحْمَتَيْنِ. والعُضْرُوْطُ مَرِيءُ الحَلْقِ وهو رَأْسُ المَعِدَةِ اللاّزِقُ بالحُلْقُومِ أَحْمَرُ مُسْتَطيلٌ وَجَوْفُه أبيضُ. وعَضَارِيْطُ النّاسِ خِفَافُها ودِقاقُها.
(عضا)- في حديث جابر - رضي الله عنه - في وقت صلاة العَصْر."ما لَوْ أنَّ رَجُلاً نَحَر جَزُورًا، وعَضاها قبل غُروب الشَّمس": أي قَطَّعَها، وفَصَّل أعضاءَها. والتَّعْضيَةُ: التَّجْزِئَة من ذَلِك.
العضادة:[في الانكليزية] Alidade [ في الفرنسية] Alidade

في علم الأسطرلاب: عبارة عن جسم يربط على سطح الحجرة، وعند الحاجة يحرّكونه. وحينئذ إذا كانت العضادة هكذا.بحيث يضعون شظية الارتفاع على خطّ العلاقة فالعضادة تكون منصّفة لسطح ذلك. ويقال لتلك العضادة العضادة التامة. وأمّا إذا كانت على نحو بحيث ينطبق طرقها على الخط، فتلك العضادة تسمّى المحرفة. والشظية هي الطرف الدقيق للعضادة. والعضادة بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة مأخوذ من عضاد في الباب، وهما قطعتان من الخشب على شكل مسطرتين من كلا جانبي الباب.

وقال بعضهم: بفتح العين وتشديد الضاد، وهي مشتقة من العضد بمعنى المساعدة، لأنّها تساعد المنجّم في أعمال الأسطرلاب. كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح العشرين باب.

ويقول في منتخب اللغات: عضادة بالضم: خشبة الباب، وهي التي تسمّى عضد الباب. وبالكسر هي الكيّة على عضد البغال.
(عَضَا)[هـ] فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَأَيْ جَزَّأُوه أجْزاء» ، عِضِين: جَمْعُ عِضَة، مِنْ عَضَّيْتُ الشَّيْءَ إِذَا فَرَّقْته وجَعَلتَه أَعْضَاء.وَقِيلَ: الأصلُ: عِضْوَة، فحُذِفَت الواوُ وجُمعَت بِالنُّونِ، كَمَا عمِل فِي عِزِين جَمْعُ عِزْوَة.وفسَّرها بعضُهم بالسِّحر، من العَضْه والعَضِيهة .وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ، فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ «مَا لَوْ أنَّ رَجُلًا نَحَر جَزُورا وعَضَّاها قَبْلَ غُروب الشَّمْسِ» أَيْ قَطَّعَها وفَصَّل أَعْضَاءها.[هـ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا تَعْضِيَةَ فِي مِيراثٍ إِلَّا فِيمَا حَمَل القَسْمَ» هُوَ أَنْ يموتَ الرجُلُ ويدَعَ شَيْئًا إِنْ قُسِمَ بَيْنَ ورَثَته استضَرُّوا أَوْ بَعْضهم، كالجَوهَرة والطَّيْلَسان والحمَّام وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنَ التَّعْضِيَة: التَّفْريق.
بَاب الاعضاء

الاعضاء والجوارح والاراب والاحشاء والجوانح
عِضَامِيّ
من (ع ض م) نسبة إلى عِضَام: جمع عضم بمعنى خط في الجبل يخالف سائر لونه، وخشبة ذات أصابع تذري بها الخلطة؛ أو صورة كتابية صوتية من عِظَامِيّ: نسبة إلى عظام: صورة كتابية صوتية من عِصَامِي: نسبة إلى عِصَام.
عِضَام
صورة كتابية صوتية من عِظَام: جمع عَظِيم بمنى ذي القدر الرفيع والفخم؛ أو جمع عظمة بمعنى القصبة التي عليها اللحم من الإنسان والحيوان؛ أو صورة كتابية صوتية من عصام.
عُضَالِيّ
من (ع ض ل) نسبة إلى عُضَال بمعنى الشديد المعجز.
عِضَاضِيّ
من (ع ض ض) نسبة إلى عِضَاض بمعنى الصبور على الشدة.
عَضّاضِيّ
من (ع ض ض) نسبة إلى عَضّاض: من يكثر عض الشيء بأسنانه والملتزم بالشيء المستمسك به.
عَضَّا
صورة كتابية صوتية من عَضَّة: المرة من العَضّ بمعنى إمساك الشيء بالأسنان ولزوم الشيء والاستمساك به.
عِضَاد
من (ع ض د) المناصرة والمعاونة، وكل ما يحيط بالعضد من حلى وغيرها.
عَضَاد
من (ع ض د) الغليظة العضد، والقصير من الرجال والنساء.
مِعْضَادي
من (ع ض د) نسبة إلى مِعْضَاد: كل ما يحيط بالمرفق إلى الكف من حلى وغيرها، وحديدة تجذب بها فروع الشجر، والكثير إعانة غيره.
عَضَايب
صورة كتابية صوتية من عَضَائب: جمع عَضِيبة بمعنى الراجعة عن الأمر، والمشقوقة الأذن.
العُضاثِجُ، كعُلابِطٍ، والثَّاءُ مُثَلَّثَةٌ،
والعُضافِجُ، كعُلابِطٍ: كِلاهُما: الصُّلْبُ الشَّديد، أو الضَّخْمُ السَّمينُ.
الضَّعضاعُ: الضعيفُ من كلِّ شيءٍ، والرجلُ بِلا رَأيٍ وحَزْمِ،كالضَّعْضَعِ.وضُعاضِعٌ، بالضم: جُبَيلٌ صغيرٌ عندَه حِبْسٌ كبيرٌ يَجْتَمِعُ فيه الماءُ.والضَّعُّ: تأديبُ الناقةِ والجَمَلِ إذا كانا قَضيبينِ، أو هو أن يقولَ له: ضَعْ، لِيَتَأَدَّبَ.وضَعْضَعَه: هَدَمَه حتى الأرضِ.وَتَضَعْضَعَ: خَضَعَ، وذَلَّ، وافْتَقَرَ.
العِضاهَةُ، بالكسر: أعْظَمُ الشجرِ، أَو الخَمْطُ، أَو كُلُّ ذاتِ شَوْكٍ، أَو ما عَظُمَ منها وطالَ،كالعِضَه، كعِنَبٍ،والعِضَهَةِ، كعِنَبَةٍج: عِضاهٌ وعِضونَ وعِضَواتٌ.وبَعيرٌ عَضَوِيٌّ وعِضَهِيٌّ وعِضاهِيٌّ،وناقَةٌ عاضِهَةٌ وعاضِهٌ: تَرْعاهَا.وأرْضٌ عَضِهَةٌ وعَضِيهَةٌ ومُعْضِهَةٌ: كثيرَتُها،وقد أعْضَهَتْ،وـ القومُ: أكَلَتْ إبِلُهُمُ العِضاهَ.وعَضَهَ، كَمَنَعَ، عَضْهاً، ويُحَرَّكُ، وعَضِيهَةً وعِضْهَةً، بالكسر: كَذَبَ، وسَحَرَ، ونَمَّ،وـ البعيرُ عَضْهاً: أكَلَ العِضَاهَ. وكفَرِحَ: اشْتَكَى من أكْلِها؛ أَو رَعاها، وجاء بالإِفْكِ والبُهْتانِ،كأَعْضَهَ،وـ فلاناً: بَهَتَهُ، وقال فيه ما لم يكن،وـ العِضاهَ: قَطَعَها، ـ كَعَضَّهَها.والحَيَّةُ العاضِهُ والعاضِهَةُ: التي تَقْتُلُ من ساعَتِها.والعِضَهُ، كعِنَبٍ: الكَذِبُ، والبُهْتانُ، والسِّحْرُج: عِضُونَ، كعِزَةٍوعِزِينَ.والعاضِهُ: الساحِرُ.
أَعْضَاءَالجذر: ع ض

مثال: لَيْسوا أَعْضَاءَ في المنظمةالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لمنع الكلمة من الصرف، دون مسوِّغ لذلك.

الصواب والرتبة: -ليسوا أَعْضاءً في المنظمة [فصيحة] التعليق: تستحق كلمة «أعْضاء» الصرف؛ لأنَّ همزتها منقلبة عن أصل، فهي ليست زائدة كما توهَّمها من منعها من الصرف، ووزنها: أَفْعال.
بَعْضًا مِنْالجذر: ب ع ض

مثال: أَعْطِه بعضًا مِمَّا لديكالرأي: مرفوضةالسبب: لذكر «مِنْ» بعد «بعض» وهما بمعنى واحد، حيث إن «من» تفيد التبعيض وبعض كل شيء طائفةٌ منه سواءٌ قلَّت أو كَثُرَتْ.

الصواب والرتبة: -أَعْطِه بَعْضَ ما لديك [فصيحة]-أَعْطِه بعضًا ممَّا لديك [صحيحة] التعليق: ليس هناك ما يبرر تخطئة التعبير الثاني لا لغة ولا عقلاً. ودلالة «من» على البعضية لا يخرج التعبير عن المراد منه، فكأنه يعني: أعطه بعض البعض، أو تكون «من» توكيدًا في معناها لمعنى كلمة «بعض». ولا يختلف التعبير المرفوض عن قولنا: أعطه مما لديك بعضًا، وهو تعبير مقبول. وهل يختلف الحال لو قلنا مثلاً: أعطه جنيها مما لديك؟ أو ليس الجنيه بعضًا مما لديه؟
سَبْعة من الأعضاءالجذر: س ب ع

مثال: حَضَر الاجتماع سبعة من الأعضاءالرأي: مرفوضةالسبب: لجر المعدود بـ «من»، مع أنه ليس اسم جمع أو اسم جنس جمعيًّا.

الصواب والرتبة: -حضر الاجتماع سبعةُ أعضاء [فصيحة]-حضر الاجتماع سبعة من الأعضاء [فصيحة] التعليق: الشائع عند النحاة أن المعدود إذا كان غير اسم جنس جمعيّ أو اسمِ جمع، كأن يكون جمعًا فإنه يجر بالإضافة، وأجاز بعضهم جره بحرف الجر «من» لوروده في الفصيح، كقوله تعالى: {{وَلَقَدْءَاتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}} الحجر/87، وقوله تعالى: {{بِخَمْسَةِءَالافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ}} آل عمران/125؛ ولذا فقد أجازه مجمع اللغة المصري.
كَافَّةُ الأَعْضَاءِالجذر: ك ف ف

مثال: اجْتِمَاعٌ حَضَره كافة الأعضاءالرأي: مرفوضةالسبب: لإضافة «كافة» وعدم وقوعها حالاً.

الصواب والرتبة: -اجتماعٌ حضره الأعضاء كافة [فصيحة]-اجتماعٌ حضره كافة الأعضاء [فصيحة] التعليق: الأصل في كلمة «كافة» أنها تلزم التأخير والتنكير والنصب على الحالية، وعليه قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}} البقرة/208، ولكن ورد مايخالف ذلك في استعمالات فصيحة قديمة. ومنه قول عمر بن الخطاب (ض): «قد جعلتُ لآل بني كاكلة على كافَّة المسلمين لكل عام مئتي مثقالٍ ذهبًا إبريزًا»، فكافة هنا بمعنى: جميع أو كل، وبهذا يجوز استعمالها معرفة أو منكرة أو غير منصوبة، وهو ما أقره مجمع اللغة المصري.
لَقِيَه وأعضاءُالجذر: ع ض

مثال: شكره لما لقيه وأعضاءُ الوفد المرافق من حفاوةالرأي: مرفوضةالسبب: للعطف على الضمير المرفوع المستتر بدون فاصل.

الصواب والرتبة: -شكره لما لقيه هو وأعضاءُ الوفد المرافق من حفاوة [فصيحة]-شكره لما لقيه وأعضاءَ الوفد المرافق من حفاوة [فصيحة]-شكره لما لقيه وأعضاءُ الوفد المرافق من حفاوة [صحيحة] التعليق: إذا كان المعطوف عليه ضميرًا مرفوعًا متصلاً أو مستترًا، فالفصيح عند العطف عليه أن يفصل بينه وبين المعطوف بالتوكيد أو بغيره أحيانًا، كقوله تعالى: {{كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ}} الأنبياء/54، وقوله تعالى: {{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}} البقرة/35، وأجاز بعض النحويين العطف عليه بغير فاصل لوروده في النثر والشعر وإن كان هذا قليلاً، فمن النثر قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كنتُ وأبو بكر وعمر» و «انطلقتُ وأبو بكر وعمر»، وما حكاه سيبويه: مررت برجل سواءٍ والعدمُ، أي: متساوٍ هو والعدم، ومن الشعر قول جرير:ورجا الأخيطلُ من سفاهة رأيه ما لم يكن وأبٌ له لينالاوقول الآخر:مضى وبنوه، وانفردت بمدحهموالفصل بالتوكيد أفصح. ويجوز في الاسم الواقع بعد الواو أن ينصب على أنه مفعول معه.

تذكير ما أُنِّث من أعضاء الجسم الثنائية

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

تذكير ما أُنِّث من أعضاء الجسم الثنائيةالأمثلة: 1 - ظَهَر الشيب في حاجبه الأيمن 2 - لَه جَفْن عَرِيض 3 - مِرْفَق يدك قصيرالرأي: ضعيفة عند بعضهمالسبب: لأنَّ هذه الكلمات من أعضاء الجسم الثنائية، وبذا تعامل معاملة المؤنث.

الصواب والرتبة:1 - ظهر الشيب في حاجبه الأيمن [فصيحة]2 - له جَفْن عَرِيض [فصيحة]3 - مِرْفَق يدك قصير [فصيحة] التعليق: على الرغم من شهرة القاعدة التي تذكر أنَّ أعضاء الجسم الثنائية مؤنثة، مثل: عين، ويَد، وغيرهما فإنه وردت عدة ألفاظ خالفت هذه القاعدة، مثل: الجَفْن، والحاجب، والمرفق، وقد نصَّت المراجع المختلفة كاللسان ومعجم المذكر والمؤنث على عدم جواز التأنيث في هذه الكلمات الثلاثة.
الإغضاء، عن دعاء الأعضاء
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911.
من رسائله الحديثة.
كما ذكره في: (الفهرس).
الأعضاءُ: أَجزَاء متماسكة يتألف مِنْهَا الْبدن.العُضْوُ المفردُ: مَا لكل جُزْء محسوس مِنْهُ اسْم الْكل وَاحِد.

الأعضاءُ الرئيسةُ

معجم مقاليد العلوم للسيوطي

الأعضاءُ الرئيسةُ: مَا بهَا بَقَاء الشَّخْص، أَو النَّوْع.
العضام والعظامالعضام بالضاد: عسيب البعير. والعظام بالظاء: جمع عظم.

أَسمَاء الْأَعْضَاء

المخصص

صَاحب الْعين، العُضْو - كُلُّ عظْمٍ من الجِسم وافِر بلَحْمه، ابْن السّكيت، هُوَ العِضو والعُضْو وَالْجمع

أعْضاءٌ، أَبُو عبيد، الشِّلْوُ - العُضْو من أعْضاءِ اللَّحْم، ثَعْلَب، وجمعُه أشْلاءٌ وتُسْتَعْمل فِي غير اللَّحْم كأشْلاء الدِرْع واللجِام، أَبُو زيد، كلُّ مَسْلوخَة أُكل مِنْهَا شيءٌ فبَقِيتَّها شِلْو، ابْن دُرَيْد، الوَرْب - العُضْو وَالْجمع أوْرابٌ وَقد تقدم أَنه الفِتْر وَأَنه مَا بَين الأَضْلاع، أَبُو عبيد، يُقال لكل عُضْو إرْب وعُضْو مؤَرَّب - مُوَفَّر، ابْن السّكيت، إِذا كَانَ العُضو تامَّاً لم يُكسَّر فَهُوَ إرْب وَالْجمع آرابٌ والجَدْل كالارْب وَجمعه جُدُول فَإِذا كُسِر باثنَيْن فَهُوَ كِسْر وكَسْر وَأنْشد وعاذِلةٍ هَبَّتْ بَليْلٍ تَلُومُنِي وَفِي كَفِّها كَسْر أبَحُّ رَذُومُ أبَحُّ - مُكتَنِزُ اللَّحْم وَرذُومُ - يَسيل وَدَكه من كَثْرَة دَسَمه، أَبُو عبيد، الرَّيم - العُضْو يَفْضُل من الجَزُور إِذا اقْتَسموها يُعْطُونّه الجَزَّار، أَبُو زيد، قَصَدت لَهُ قِصْدة من عَظْم - وَهِي الثُّلُث أَو الرُّبُع من الفَخِذ أَو الذِّراع أَو السَّاق أَو الكَفِّ

أَفعَال الضَّرْب المشتقَّة من أَسمَاء الْأَعْضَاء

المخصص

أَبُو عيد رَأَسْته أَرْأَسُه رَأْساً أَصَبْتُ رَأْسَه ابْن السّكيت شَاةُ رَئيس فِي غَنَم رَأسَي أَبُو عبيد أفَخْتُه أَفْخاً ضَرَبْتُ يافُوخه الْأَصْمَعِي دَمَغْتُه أدْمَغُه ضَرَبْتُ دِمَاغَه ابْن السّكيت جَبَهْته صَكَكْت جَبْهَتَه أَبُو عبيد أَذَنْته أصَبْتُ أذُنَهُ أَبُو عَليّ وَكَذَلِكَ أذَّنته وَفِي الْمثل لِكُلِّ جَابِهٍ جَوْزَةُ ثُمَّ يُؤَذَّن وَقد تقدَّم تَفْسِيره ابْن السّكيت صَمَخَهُ صَمْخاً أصَابَ صِمَاخَهُ وَقَالَ صَدَغْتُه أصْدَغُهُ صَدْغاً ضَرَبت صُدْغَه بِمَا كَانَ أَبُو عبيد صَدَغْته إِذا حَاذَيْتَ صُدْغه بِصُدْغِك فِي المَشْي ابْن السّكيت أَنَفْته ضَرَبْت أَنْفَهُ ابْن دُرَيْد خَرْطَمَهُ ضَرَبَ خُرْطُومه وَهُوَ أَنْفُهُ ومَا وَالاَهُ ٍ أَبُو عبيد نِبْتُه أصَبْتُ نَابهُ ابْن السّكيت ذَقَنْتُه أذْقُنُه ذَقْناً ضَرَبْتُ ذَقَنَه أَبُو عبيد حَلَقْتُه حَلْقاً ضَرَبْتُ حَلْقَهُ وَفِي الحَدِيث عَقْراً حَلْقاً وَعَقْرَي حَلْقَي وَقَالَ عَضَدته أعْضُدُه أصَبْتُ عَضُده وَكَذَلِكَ إِذا أعَنْتَه وكُنْتَ لَهُ عَضُداً ابْن السّكيت تَرْقَيْته أصَبْتُ تَرْقُوَتَه أَبُو عبيد صَدَرته أصَبْتُ صَدْره قَالَ أَبُو عَليّ نَحَرْته أصْبتُ مَنْحَره وثَغَرْته أصَبْتُ ثُغْرَتَه أَبُو عبيد حَرَكْت الْبَعِير أَحْرُكُه حَرْكاً أصَبْتُ حَارِكَهُ ابْن السّكيت كَتَفْتَ الرجل أَكْتِفُه كَتْفاً ضَرَبْت كَتِفَهُ أَبُو عبيد فَرَصْته أَفْرِصُه أصَبْت فَرِيصَتَه وظَهَرْته أصَبْتُ ظَهْرَه وَمَتَنْته ضَرَبْتُ مَتْنَهُ وَفَقَرْته أصبْتُ فَقَارَهُ وَقَالَ وَتَنْته أصَبْتُ وَتِينَه وَقد تقدَّم شرحُ الوَتِين وَقَالَ يَدَيْته أصَبْت يَدَه وَقد تقدَّم تَعليلُه قَالَ أَبُو عَليّ جَنَحْته أصَبْت جَنَاحَهُ وَهِي اليَدُ أَبُو عبيد جَنَحْته أجْنَحُه أصَبْت جَنَاحَهُ ابْن دُرَيْد كَرْسَعْته ضَرَبْتُ كُرْسُوعَه ابْن

السّكيت ضَرَبَه فَكَوِّعَه صَيَّرَهُ مُعْوَجَّ الأَكْوَاعِ أَبُو عبيد بَطَنْتُه أَبْطِنُه وَأَبْطُنُه وقَلَبْتُه أَقْلِبُهُ وَفَأَدته أَفْأَدُهُ وطَحَلْته أَطْحَلُه ابْن السّكيت رَأَيْتُه أصَبْتُ رِئَتَهُ وَرَجُل مَرْئِيُّ أَبُو عبيد كَبَدْته أَكْبِدُهُ وَكَلَيْتُه وَمَثَنْته أَمْثِنُهُ قَالُوا والمصدر من هَذَا كلّه فَعْل إِلَّا الطَّحَل وَحْدَه فَإِنَّهُ بفتْح الطاءِ والحاءِ ابْن السّكيت هُوَ الطَّحْل والطَّحَل أَبُو عبيد وَمَنِ اشْتَكَى من هَذَا شَيْئا قيل فِيهِ فُعِل وَكَذَلِكَ كلُّ مَا كَانَ فِي الجَسَدِ ابْن السّكيت سَتَهته ضَرَبْتُ أُسْتَه وَرَكَبْته أَرْكُبُه إِذا ضَرَبْتُ رُكْبَتَهُ أَو ضَرَبْته بِرْكُبَتكَ أَبُو عبيد سُقْتُه أصَبْت ساقَه ثَعْلَب عَرْقَبْته ضربت عُرْقُوبه ونَسَيْته ضَرَبْتُ نَسَاه فَأَما ابْن السّكيت فخَصَّ بِهِ الرَّمْي أَبُو عبيد عَقَبْته ضَرَبْتُ عَقِبَه قَالَ أَبُو عَليّ كَعَبْته ضَرَبْتُ كَعْبَهُ ابْن السّكيت ظَبْيُ مَرْجُول مُصَابُ الرِّجْلِ

بَاب الشاكِ من النّبات الَّذِي لَيْسَ بعضاه وَلَا حمْض

المخصص

أَبُو حنيفَة: البلْكاء - نبت يتَعَلَّق بِالثَّوْبِ فَلَا يكَاد يُفَارِقهُ والكنِب - شرسة من نَبَات الشوك بَيْضَاء العيدان كَثِيرَة الشوك لَهَا فِي أطرافها براعيم فِي كل برعومة شوكات ثَلَاث مُتَفَرِّقَة والكُعْر - شوك ينبسط لَهُ ورق كبار أَمْثَال الذِراع كَثِيرَة الشوك ثمَّ يخرج لَهُ شعَب وَتظهر فِي رؤوسها هَنَات أَمْثَال الراح يُطيف بهَا شوك كثير طوال وفيهَا وردة حَمْرَاء مشرقة تجرسها النَّحْل وفيهَا حب أَمْثَال حبّ العُصفر شَدِيد السّواد تُؤْخَذ قضبانه وَهِي رؤدة فتُلتحى وتؤكل حلوة طيبَة واللُكاع - شَوْكَة تنْبت فتحتطب لَهَا سويقة قدر الشّبر ليّنة كَأَنَّهَا سير وَلها فروع

مَمْلُوءَة شوكاً وَفِي خلال الشوك وريقة لَا بَال بهَا تنتفض ثمَّ يبْقى الشوك وَإِذا جفّت ابيضّت واللُسّان - عشبة من الجنبة لَهَا ورق متفرّش أخشن كَأَنَّهُ الْمساحِي كخشونة لِسَان الثور يسمو من وَسطهَا قضيب كالذراع فِي رَأسه نورة كحلاء وَهِي دَوَاء من أوجاع أَلْسِنَة النَّاس وَالْإِبِل من دَاء من يسمّى الحارش - وَهِي بثور تظهر بالألسنة مثل حب الرُّمَّان.

الجماعات اليهودية إشكاليات - هجرات وانتشار أعضاء الجماعات اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

هجرات أعضاء الجماعات اليهودية: مقدمة
‏Migrations of Memebers of Jewish Communities: Introduction
يُلاحَظ أننا في هذه الموسوعة لا نستخدم مصطلح «الهجرة اليهودية» قدر استطاعتنا وإنما نستخدم بدلاً من ذلك مصطلح «هجرة أعضاء الجماعات اليهودية» ، فالمصطلح الأول يعني أن ثمة حركيات مستقلة ذات طابع يهودي هي التي تحكم عملية الهجرة وتدفعها. ونحن نذهب إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية المختلفة خاضعون لحركيات جذب وطرد لا تختلف كثيراً عما يخضع له سائر أعضاء المجتمع الذي ينتمون إليه. كما أننا نستخدم مصطلح «انتشار» لنصف ظاهرة هجرة أعضاء الجماعات واستقرارهم في أرجاء المعمورة. ويُلاحَظ أننا نُميِّز بين الاستقرار والاستيطان، فالأول لا ينطوي على أي عنف أو اغتصاب أرض، أما الثاني فهو على عكس ذلك.

وتذهب التواريخ الصهيونية والمعادية لليهود إلى أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يستقرون في وطن واحد، فهم دائمو التنقل والترحال والهجرة (وهذا تعبير عن إحساسهم الأزلي بالنفي ورغبتهم الثابتة في العودة إلى أرض الميعاد!) . وتُجرِّد التواريخ الصهيونية هذه السمة وتعتبرها، مثلها مثل سمات أخرى كالهامشية والطفيلية، سمةً مُطلَقة تتصف بها «الهوية اليهودية» وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ولكننا نرى أنه لا توجد «هوية يهودية» واحدة أو «تاريخ يهودي» وإنما هناك هويات يهودية وتواريخ يهودية (أو تجارب تاريخية) للجماعات اليهودية تختلف باختلاف الزمان والمكان. وإذا درسنا هذه التجارب في سياقها المتعيِّن، فسوف نكتشف أن الهجرة ليست سمة مُطلَقة ولا تنطبق على اليهود أينما وُجدوا. فالجماعة اليهودية في إثيوبيا والمسماة بالفلاشاه مكثت مئات السنين في موطنها لا تتحرك منه ولا تغادره، ولم تهاجر إلا في الثمانينيات حينما قامت الدولة الصهيونية بتهجير أعضائها في ظروف المجاعة في أفريقيا لتحرز انتصاراً مذهبياً أمام يهود العالم، ولتظهر مرة أخرى بمظهر الدولة التي "تنقذ" اليهود. كما أن يهود بابل ظلوا في موطنهم منذ الألف الأول قبل الميلاد حتى عام 1951، حينما قام العملاء الصهاينة المتخفون بإلقاء المتفجرات عليهم ليبثوا الرعب في قلوبهم ولإيهامهم بأن حياتهم تحفها المخاطر. أما اليهود الذين هُجِّرو إلى آشور (أسباط يسرائيل العشرة المفقودة) ، فيبدو أنهم انصهروا تماماً واختفوا. وفي الوقت الحاضر، فإن خروج يهود الاتحاد السوفيتي هو نتيجة حركيات داخلية خاصة بالمجتمع السوفيتي ولانهيار المنظومات الاشتراكية.
ومع هذا، توجد جماعات إنسانية تتنقل بشكل دائم وتنتقل من مكان لآخر، ويعود هذا التنقل إلى ظاهرة إنسانية لها آلياتها وحركياتها التاريخية والإنسانية المفهومة.

وقد قضت القبائل التركية مئات السنين في التجوال، وكان من بينها قبيلة الخزر التي تهوَّد أعضاؤها فيما بعد. ويمكن الإشارة كذلك إلى المغول وحروب الفرنجة، وإلى هجرة قبائل الهون الذين تُمثِّل غزواتهم جزءاً من عمليات التنقل التي تعود إلى أسباب اقتصادية وسكانية وحضارية مختلفة. وفي العصر الحديث، يمكن الإشارة إلى هجرة الأرمن والأيرلنديين ومجموعات بشرية أخرى هاجرت من أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان لعدة أسباب مركبة.
ويُلاحَظ أن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية يتنقلون ويهاجرون لأنهم أعضاء في جماعات وظيفية، قتالية أو استيطانية أو تجارية. ولهذا السبب، انتقل بعض الجنود العبرانيين إلى مصر ليعملوا كمرتزقة، كما وطَّن السلوقيون والرومان اليهود كعنصر استيطاني في بعض أرجاء إمبراطورياتهما. ومع حلول العصور الوسطى في الغرب، خضع أعضاء الجماعات اليهودية لعمليات من الطرد والتهجير والتوطين كجماعة وظيفية وسيطة مرتبطة بحرفتي التجارة والربا. فالجماعة الوسيطة لا جذور لها في المجتمع، تعيش في مسامه، وهي دائماً على استعداد للرحيل لأن المجتمع يبقيها بمقدار نفعها وبمقدار اضطلاعها بوظيفتها. ولذا، فإن أعضاء الجماعة الوسيطة دائمو التنقل، لا يشتغلون بالأعمال الزراعية ولا بالأعمال الإنتاجية التي تتطلب الاستقرار. ومع ظهور طبقات محلية، واضطلاع الدولة القومية الحديثة بدور اليهود، زادت عمليات الطرد وبالتالي التنقل. وصورة «اليهودي التائه» ، برغم إيحاءاتها الدينية والعنصرية المختلفة، تضرب بجذورها في عملية التنقل هذه.

وإذا نظرنا إلى أهم فترتين تَنقَّل فيهما أعضاء الجماعات اليهودية (المرحلة العبرانية ثم المرحلة الحديثة في أوربا من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين) ، فسنكتشف أن العبرانيين وأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشكلون جزءاً من كلٍّ أكبر. لقد كان العبرانيون جزءاً من جماعات سامية ضخمة تتحرك في الشرق الأدنى القديم، ابتداءً من الألف الثاني قَبْل الميلاد، وتضم الخابيرو والأخلامو والآراميين والهكسوس وغيرهم. ونحن نسمِّي هذه المرحلة المرحلة السامية السديمية لأن معالم الأشياء لم تكن واضحة ولأن القبائل والأقوام المهاجرة المتنقلة كانت متداخلة. كما شهدت مرحلة الإمبراطوريات الكبرى، البابلية والآشورية ثم الفارسية واليونانية والرومانية، بدايات الهجرة التي تعاظمت بالتدريج حتى وصلت ذروتها مع نهاية الألف الأول قبل الميلاد وأصبح عدد اليهود خارج فلسطين أكثر من ضعف عددهم داخلها. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية تتعاظم داخل إطار الإمبراطوريات التي تُيسِّر لهم حرية الحركة.

وهجرة يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) إلى الولايات المتحدة وكندا وفلسطين وغيرها من الدول الاستيطانية بأعداد هائلة، حتى انتقلت الكتلة البشرية اليهودية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، هي بالمثل هجرة تمت داخل إطار إمبراطوري. فقد تمت داخل التشكيل الاستعماري الغربي وتجربته الاستيطانية في أنحاء العالم، تلك التجربة التي بدأت في القرن السابع عشر وزادت حدتها في أوائل القرن التاسع عشر ووصلت ذروتها في أواخره، واستمرت بعد ذلك ثم بدأت تخبو بعد الحرب العالمية الثانية مع تَوقُّف الانفجار السكاني في الغرب. لقد هاجر من سكان أوربا نحو 65 مليوناً خلال قرن ونصف القرن (1800 ـ 1950) ، وكان من بينهم الإيطاليون والأيرلنديون والألمان وكثير من سكان شرق أوربا، وكان من بين هؤلاء أعضاء الجماعات اليهودية. وقد هاجر إبان هذه الفترة أربعة ملايين يهودي، أي 6% من جملة المهاجرين، كانوا لا يشكلون سوى 1.5ـ 2% من سكان أوربا، أي أن معدل الهجرة بين اليهود كان أربعة أضعاف معدلها العام. ولكن، في الفترة من عام 1801 إلى عام 1921، هاجر نحو ثمانية ملايين أيرلندي، ولاتزال عملية الهجرة مستمرة من بلد لا يزيد عدد سكانه على ثلاثة ملايين ونصف المليون. وكانت هجرة الأيرلنديين أكثر من هجرة اليهود كما أنها كانت محمومة. وبلغت نسبة اليهود الذين يرجعون إلى بلادهم الأصلية 8%، أما نسبة الأيرلنديين العائدين فكانت لا تزيد على 7%. ويُلاحَظ أن الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة كانت تضم في الأساس عناصر إشكنازية.

وقد كانت الهجرة اليهودية تأخذ في الماضي شكل التقهقر من المناطق المتقدمة إلى المناطق الأقل تقدماً؛ من الشرق القديم إلى أوربا التي كانت من أكثر مناطق العالم تخلفاً. وفي أوربا نفسها، أخذت الهجرة في العصور الوسطى شكل التحرك من إنجلترا وفرنسا إلى ألمانيا ومنها إلى شرق أوربا أكثر المناطق تخلفاً. وابتداءً من القرن السابع عشر، أخذت الهجرة شكلاً مغايراً وهو الهجرة من الأماكن الأقل تقدماً إلى الأماكن الأكثر تقدماً؛ من شرق أوربا إلى وسطها وإلى إنجلترا والولايات المتحدة. وإذا كان هذا هو نمط الهجرة، فإن الولايات المتحدة تصبح منطقياً نقطة الجذب المُطلَقة، وهذا هو الوضع القائم حتى الوقت الحالي.
ويُلاحَظ أن العنصر المشترك في كلتا الهجرتين (من البلاد المتقدمة إلى المتخلفة والعكس) هو أن اليهود كانوا عنصراً استيطانياً ريادياً يبحث عن الفرص الجديدة للاستثمار والحراك. وحينما كانت الفرصة موجودة في المناطق المتخلفة، كانت الهجرة تتجه نحوها. ولكن، مع الثورة التجارية، تغيَّر الوضع تماماً وأصبح البحث عن الفرص الاقتصادية يدور في الدول الاستيطانية المتقدمة. ويُلاحَظ أن هجرة اليهود قلما كانت تتجه إلى فلسطين.

وهنا لابد من التفرقة بين الهجرة والاستعمار الاستيطاني. فالهجرة من بلد إلى آخر تعني قبول أهل البلد الجديد للقادمين نظراً للحاجة إليهم، وهي تنتهي باستقرار المهاجر في بلده الجديد. ولكن إذا فَرَض القادمون الجدد أنفسهم عن طريق العنف، فإن من الصعب أن نسمي ذلك «هجرة» . والواقع أننا يمكن أن نتحدث عن هجرة الأيرلنديين إلى الولايات المتحدة واستقرارهم فيها بعد أن استوطنها الإنسان الأبيض وأباد سكانها الأصليين، حيث لم تَعُد هناك حاجة إلى العنف من جانب المهاجرين الجدد بعد أن تولى المستوطنون الأوئل هذه المهمة نيابة عنهم. أما في جنوب أفريقيا (حتى وقت قريب) وفي فلسطين، فإن الوضع جدُّ مختلف، ذلك أن السكان الأصليين لا يزالون مستمرين في المقاومة، وهو ما يجعل العنف ضدهم ضرورياً. وعلى هذا، فيمكن الحديث عن استيطان الهولنديين في جنوب أفريقيا والصهاينة في فلسطين، أو عن هجرتهم للاستيطان أو هجرتهم الاستيطانية.
ويُلاحَظ أن كثيراً من المهاجرين اليهود تم توطينهم في أمريكا اللاتينية، بل وفي روسيا السوفيتية، بمعرفة مؤسسات يهودية توطينية كوَّنها يهود العالم الغربي لتحويل تيار الهجرة عن بلادهم للحفاظ على وضعهم الطبقي ومكانتهم الاجتماعية. ولذا، فنحن نفرِّق بين «الاستيطان» و «التوطين» . ويستطيع القارئ أن يعود إلى مداخل الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» والباب المعنون «المؤسسات التوطينية» .
الاستقرار
‏Settlement

«الاستقرار» هو أن يهاجر شخص من بلده نتيجة ظروف موضوعية (عوامل طَرْد في الوطن الأصلي) أو ذاتية (رغبة في الحراك الاجتماعي) فيحمل متاعه ويذهب إلى بلد آخر يوافق على هجرته أو يرحب به. ويتم ذلك عادةً في إطار قانوني. ومن ثم، فإن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا إلى الولايات المتحدة هي عملية استقرار في الوطن الجديد. و «الاستقرار» ، بطبيعة الحال، غير «الاستيطان» . وفي اللغة الإنجليزية لا يُوجَد سوى كلمة واحدة هي «ستلمنت settlement» للتعبير عن المعنيين المختلفين.
هجرات أعضاء الجماعات اليهودية حتى بداية العصر الحديث
‏Migrations of Memebers of Jewish Communities up to the Beginning of Modern Times
ينتقل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من وطن إلى آخر بحثاً عن الرزق ولتحسين المستوى المعيشي بصفة عامة، أو لأسباب أخرى مثل التهجير والطرد أو الاضطهاد أحياناً. وإن قبلنا الرأي القائل بأن الخابيرو الذين ورد اسمهم في لوحات تل العمارنة هم العبرانيون، فإن أول إشارة إليهم كانت باعتبارهم شعباً متجولاً. وقد اتسمت حياة العبرانيين في عصر الآباء (منذ عام 2000 ق. م) بالتنقل البدوي من بلد إلى آخر وبالبقاء على حواف المدن أو على طُرُق التجارة. وفي هذه المرحلة، استوطنت بعض العناصر العبرانية أرض كنعان وفي مصر دون أن تضرب جذوراً في أي منهما. وقد خرج العبرانيون من مصر أو هاجروا منها (عام 1645 ق. م) ليبدأوا فترة أخرى من التجوال في سيناء انتهت بالتغلغل العبراني في كنعان (عام 1189 ق. م) الذي أعقبته فترة من الاستقرار النسبي بعد قيام اتحاد القبائل العبرانية في شكل المملكة العبرانية المتحدة ثم المملكتين العبرانيتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وقد انتهت هذه المرحلة بالتهجير الآشوري ثم التهجير البابلي.

وبعد هذه المرحلة، ينتهي التهجير ليبدأ اليهود في الانتشار في بقاع الأرض بوصفهم جماعات يهودية لا يربطها رابط سوى الانتماء إلى العقيدة الدينية الإثنية نفسها. وتبدأ هذه المرحلة حين فضلت أعداد كبيرة من اليهود الاستمرار في بابل مُكوِّنةً بذلك نواة أول جماعة يهودية تستقر خارج فلسطين بعد مرحلة التهجير البابلي. ومن الممكن أيضاً الإشارة إلي الجماعة الصغيرة في جزيرة إلفنتاين التي كانت تشكل حامية عسكرية تحمي حدود مصر الجنوبية.
ثم قامت الإمبراطورية اليونانية بفرض هيمنتها على أجزاء كبيرة من البحر الأبيض والشرق الأدنى القديم (332 ق. م) ، وهو ما يسَّر عملية انتقال اليهود وانتشارهم، فاستقرت أعداد كبيرة منهم (كجماعات وظيفية استيطانية وقتالية ومالية) في مصر، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص. كما استقروا في برقة وقبرص وآسيا الصغرى. وقد بدأ الانتشار في أوربا الغربية في تلك المرحلة أيضاً.
وحين قضى الرومان على فلسطين كإحدى نقاط تَجمُّع الجماعات اليهودية وأحد مراكزها، وحتى حين هدم تيتوس الهيكل (عام 70م) ، لم يؤثر ذلك كثيراً في حركة تَدفُّق اليهود أو على شكلها، إذ أنها بدأت على أية حال قبل ذلك التاريخ، حيث استمر تَدفُّق اليهود خارج فلسطين وإلى مختلف البلدان، خصوصاً إلى أوربا وحوض البحر الأبيض المتوسط. ويُقال إن هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية تعود إلى هذه الفترة أو بعدها، وقد تم طَرْد اليهود منها مع ظهور الإسلام، ولكن يبدو أن أعداداً كبيرة لم تغادرها. كما أن الجماعة اليهودية في اليمن لم تتأثر بقرار الطرد، فقد بقيت أعداد منها واستمر وجودها حتى العصر الحديث. وفي أوائل القرن العشرين، قام المستوطنون الصهاينة بتوطين عدد من يهود اليمن في فلسطين لسد حاجتهم إلى العمالة، ثم هاجرت أغلبيتهم في عام 1948 إلى فلسطين، ولا تزال توجد بقايا من هذه الأقلية في صعدا وغيرها من المناطق.

وقد شهدت بداية العصور الوسطى في الغرب (القرن الرابع الميلادي) شيئاً من الاستقرار النسبي بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في الغرب المسيحي ثم في الشرق الإسلامي بسبب استقرار الأحوال السياسية والاقتصادية فيها. وبدأ نمط الهجرة في هذه الفترة يتضح، أي الهجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة؛ وقد كانت أوربا من أكثر المناطق تخلفاً في العالم آنذاك. وكانت توجد ثلاثة خطوط أساسية للهجرة إلى أوربا: من فلسطين إلى جنوب إيطاليا ومنها عَبْر جبال الألب إلى فرنسا وألمانيا، ومن الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) عَبْر وادي الدانوب إلى وسط أوربا، ومن العراق ومصر عَبْر المغرب إلى إسبانيا. وهكذا انتقلت الكثافة السكانية اليهودية (بين عامي 500 ق. م 1000م) من الشرق الأوسط إلى أوربا.
ورغم أن نمط الهجرة إلى البلاد الأكثر تخلفاً هو النمط السائد، إلا أنه ليس النمط الوحيد، فمع تدهور الخلافة العباسية في القرن العاشر، هاجرت كذلك أعداد من اليهود المقيمين في العراق إلى الهند والصين. ولذا، قد يكون من الأفضل أن نقول إن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تتجه حيث توجد فرص أكبر لممارسة نشاطهم الاقتصادي، وأحياناً ما تتيح البلاد المتخلفة هذه الفرصة لهم أكثر من البلاد المتقدمة، خصوصاً حين تبدأ هذه البلاد في التآكل والانهيار ويصبح عدم الاستقرار سمة أساسية فيها.

ومع إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي في المجتمع الغربي في القرن الحادي عشر، ومع ظهور طبقات من التجار والمموِّلين المسيحيين، تم طَرْد اليهود من إنجلترا في عام 1290 (ويُقال إن عددهم كان لا يتجاوز أربعة آلاف) ، كما طُردوا من فرنسا عامي 1306 و1394، فاستقروا في بادئ الأمر في ألمانيا وإيطاليا وشبه جزيرة أيبريا، ولكنهم طُردوا أيضاً من إسبانيا في عام 1492 ثم من البرتغال، فهاجروا أساساً إلى شمال أفريقيا وإلى إيطاليا وصقلية. كما هاجرت أعداد كبيرة (نصفهم كما يُقال) إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشجع اليهود على الهجرة إليها لتنشيط التجارة. ولقد تدخلت الدول الغربية لمنع هجرة اليهود منها خشية أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام المصرفي والمالي والتجاري، الذي كان اليهود يلعبون فيه دوراً أساسياً. وقد شهدت هذه الفترة سقوط مملكة الخزر اليهودية في القرن العاشر حيث هاجر سكانها إلى المجر ثم إلى بولندا.
ومع أواخر العصور الوسطى، بدأت الإمارات الألمانية في طرد أعضاء الجماعات اليهودية. وقد ساهمت حملات الفرنجة، وهي تعبير عن إرهاصات التحول التجاري الرأسمالي، في اجتثاث جذور أعضاء الجماعات في وادي الراين وغيره من المناطق، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى بولندا. ومعنى هذا، أن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع نهايات العصور الوسطى (ابتداءً من القرن الرابع عشر) تأخذ مرة أخرى شكل هجرة من البلاد المتقدمة إلى البلاد المتخلفة نسبياً؛ من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا ومنها إلى بولندا، أي أنها هجرة إلى الماضي. وكان شرق أوربا هو الجهة الأخيرة تقريباً بالنسبة إلى أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا يُطردون من البلاد المتقدمة نتيجة ظهور طبقات تجار محليين مسيحيين، إذ لم تَعُد هناك جيوب متخلفة أخرى يستطيع اليهود التقهقر إليها في الغرب.

وتجب الإشارة إلى أن الهجرة كانت تتم في هذه المرحلة بالتدريج وببطء شديد نتيجة عدم وجود وسائل مواصلات سريعة وطرق ميسرة كما هو الحال في العصر الحديث. وكثيراً ما كان اليهود المحليون يتصدون لليهود الوافدين لأنهم يشكلون خطورة اقتصادية عليهم، فكانوا يمارسون حق حظر الاستيطان، كما كان يهود البلاط يمنعون هجرة أي يهودي إلى المنطقة التي يتولون قيادتها.
هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث
‏Migrations of Memebers of Jewish Communities in Modern Times
تغيَّر اتجاه هجرة أعضاء الجماعات اليهودية مع بداية عصر النهضة في أوربا لثلاثة أسباب أساسية:
1 ـ شهد عصر النهضة بدايات الانقلاب التجاري الرأسمالي الحقيقية بما تبعه من اكتشافات جغرافية ومشاريع استعمارية غربية: إسبانية وبرتغالية ثم هولندية وإنجليزية. وكانت إسبانيا والبرتغال قد طردتا اليهود من أراضيهما، أما هولندا وإنجلترا فقد فتحتا أبوابهما لهجرة اليهود نظراً لحاجتهما إلى أيد عاملة ورؤوس أموال وخبرات تجارية، ثم تبعتهما فرنسا. وأدَّى هذا الوضع إلى تَدفُّق المهاجرين اليهود إلى هذه البلاد وإلى مستعمراتها فيما بعد.
2 ـ كانت الدولة العثمانية قد بدأت تدخل مرحلة الجمود التي أدَّت إلى سقوطها في نهاية الأمر، ولم تَعُد قادرة على استيعاب المزيد من اليهود.
3 ـ وفي تلك المرحلة، كان معظم يهود أوربا مُركَّزين في بولندا التي شهدت ثورة الزعيم الشعبي الأوكراني بوجدان شميلنكي عام 1648 والذي قاد ثورة الفلاحين الأوكرانيين ضد الاحتلال البولندي، وضد النبلاء البولنديين (شلاختا) المستفيدين من هذا الاحتلال، وضد عمال النبلاء وممثليهم من يهود الأرندا الذين كانوا يقومون بجمع الضرائب وتوقيع العقوبات على الفلاحين. وقد هزت هذه الثورة جذور الدولة البولندية على وجه الخصوص، ثم تبع ذلك غزو السويد وروسيا لها.

وقد أدَّى تَزامُن هذه الأحداث (طرد اليهود السفارد من شبه جزيرة أيبريا، ثم اهتزاز الأساس الاقتصادي والسياسي لليهود الإشكناز في بولندا مع فَتْح أبواب الهجرة إلى أوربا الغربية، ودخول الدولة العثمانية في طور الجمود) ، إلى تغيير مسار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا وظهور النمط الحديث، أي هجرة اليهود من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في وسطها وغربها وإلى العالم الجديد. والهجرة اليهودية في العصر الحديث هي أساساً جزء من حركة الاستعمار الاستيطاني التي بدأت في القرن السادس عشر، خصوصاً التشكيل الأنجلو ساكسوني (بعد بداية قصيرة مع الاستعمار الإسباني ثم الهولندي) . وما الهجرة الصهيونية إلا تعبير عن هذا النمط العام. ومع هذا، ظلت الولايات المتحدة هي نقطة الجاذبية الأساسية للهجرة اليهودية من البداية حتى الوقت الراهن، للأسباب التالية:
1 ـ تشكل الولايات المتحدة أهم وأنجح تجربة استيطانية غربية. وقد اجتذبت ثم استوعبت أعداداً كبيرة من المهاجرين من أوربا بلغت أكثر من 80%
2 ـ الولايات المتحدة دولة علمانية لم تعرف أية تقاليد أو حتى أية رموز دينية إلا لفترة وجيزة للغاية من تاريخها، كما أنها نجحت في إقامة مؤسسات علمانية لاستيعاب وصَهْر المهاجرين و «أمركتهم» وأتاحت لهم فرصة الانتماء الثقافي الكامل لوطنهم الجديد الأمر الذي زاد من جاذبيتها، وذلك على عكس أمريكا اللاتينية التي احتفظت بكاثوليكيتها وبالتالي استبعدت البروتستانت واليهود.
3 ـ كان اليهود يشكلون جماعة وظيفية مالية تعمل بالتجارة والمال، وبالتالي لم تكن بينهم أعداد كبيرة من العمال أو الفلاحين. والمجتمع الأمريكي هو مجتمع الاقتصاد الحر الذي يشكل القطاع التجاري والمالي أكبر قطاعاته، والذي سادت فيه القيم التجارية الموضوعية. ومن ثم فهو مجتمع ذو جاذبية خاصة بالنسبة إلى المهاجر اليهودي.

وقد تنبأ المؤرخ الروسي اليهودي دبنوف بأن مسار الهجرة اليهودية سيكون إلى الولايات المتحدة، وطالب بأن يتم تقنين العملية وتنظيمها.
ويمكن القول بقدر من التبسيط غير المخل بأن هجرة أعضاء الجماعات اليهودية تدور حول قطبين أساسيين هما: شرق أوربا (روسيا/بولندا) كقوة طاردة ومصدر للمادة البشرية، والولايات المتحدة كقوة جاذبة. وقد كان النمط الأساسي القديم للهجرة اليهودية هو تَحرُّك أعضاء الجماعات داخل أُطر الإمبراطوريات الكبرى (الفارسية أو الرومانية أو الإسلامية) ، أما في القرن العشرين فقد كانت هناك إمبراطوريتان أو قوتان عظميان تحددان من خلال سياستهما حركة هجرة أعضاء الجماعة اليهودية، وقد تَطوَّر الأمر بعض الشيء بعد ذلك في منتصف القرن العشرين.
ولكن هناك مصادر أخرى ثانوية طاردة للمادة البشرية مثل أوربا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو جنوب أفريقيا أو بقايا يهود الشرق والعالم الإسلامي. كما أن هناك مناطق جذب ثانوية أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض بلاد أوربا. إلا أن النمط الأساسي الذي أشرنا إليه ظل سائداً. وتمثل إسرائيل نقطة مُبهَمة، فهي مصدر طَرْد حيث يبلغ عدد النازحين منها بين 700 ألف ومليون، كما أنها مصدر جذب ليهود البلاد العربية والشرق حيث إنها تحقق حراكاً اجتماعياً. كما تمثل محطة انتقال لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الوصول إلى الولايات المتحدة مباشرةً أو أولئك الذين لا توجد عندهم الكفاءات المطلوبة للعمل فيها.
ويمكن تقسيم هجرات أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث إلى المراحل التالية:
أ) المرحلة الأولى: ابتداءً من القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر.

وهي مرحلة البدايات الأولى للثورة التجارية الرأسمالية الصناعية في أوربا. وهي الفترة التي شهدت توطين السفارد من يهود المارانو في هولندا وفرنسا وإنجلترا، كما شهدت بدايات الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى العالم الجديد. وكانت الهجرة تتبع النمط التالي: تهاجر مجموعة صغيرة من السفارد (عادةً من كبار المموِّلين وعائلاتهم) يلحق بهم أعداد ضخمة من الإشكناز، كما حدث في أمستردام بعد استقلالها عن إسبانيا، وكما حدث في إنجلترا وفرنسا وبعض مدن ألمانيا. وقد زاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أمستردام من 200 سفاردي عام 1690 إلى 2400 سفاردي و21 ألف إشكنازي عام 1795. أما لندن، فقد كان يوجد فيها عام 1695 نحو 458 سفاردياً و203 من الإشكناز. ومع حلول عام 1720، زاد عدد الإشكناز عن عدد السفارد. وفي عام 1800، كان يوجد ألفا سفاردي وحسب بين العشرين ألف يهودي. ولم يستوطن فلسطين أي عدد يذكر من اليهود في تلك المرحلة.
ب) المرحلة الثانية: من القرن التاسع عشر حتى عام 1880.

وهي المرحلة التي وقعت فيها الحروب النابليونية والاضطرابات السياسية التي أعقبتها، الأمر الذي تَسبَّب في هجرة بعض الجماعات اليهودية من ألمانيا وبوهيميا والنمسا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها. ولم يزد عدد المهاجرين اليهود إلى خارج القارة الأوربية على 200.000. ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب، من بينها أن الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود اليديشية في شرق أوربا، والذي أدَّى إلى تَزايُد أعدادهم بين عامي 1800 و1933 بنحو ستة أضعاف، لم يكن قد ظهر أثره بعد، كما أنه وصل إلى ذروته بعد عام 1880. وفضلاً عن ذلك، كان معظم يهود العالم مُركَّزين في شرق أوربا وروسيا وبولندا التي كان قد تم ضمها إلى روسيا. ولم تكن معدلات العلمنة والتحديث قد ازدادت بينهم بعد، الأمر الذي كان يعني أنهم لا يزالون جماعة متماسكة تَصعُب الحركة على أعضائها، كما كان كثير من اليهود لا يزالون يلعبون دورهم الاقتصادي التقليدي كجماعة وظيفية. وحتى عندما تزايدت عمليات التحديث والعلمنة في روسيا، وتركت تلك العملية أثرها على الجماعة اليهودية التي بدأت تفقد شيئاً من تماسكها وبدأ يختفي كثير من مؤسساتها التقليدية التي تربط بين الفرد والجماعة مثل الأسرة والدين، فإن هذا لم يتسبب في أية هجرة خارج أوربا إذ لم تكن محاولات التحديث في الإمبراطورية الروسية قد كابدت من التعثر بعد، وكان الاقتصاد الروسي قادراً على استيعاب اليهود الذين كانوا يتزايدون ويتركون قراهم وأماكن إقامتهم الأصلية. ولذا، فقد كانت هجرة اليهود داخلية؛ من المناطق الكثيفة سكانياً في منطقة الاستيطان إلى روسيا الجديدة على شواطئ البحر الأسود. كما هاجرت أعداد صغيرة إلى بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة.

وشهدت هذه المرحلة هجرة يهود المناطق البولندية التي ضمتها ألمانيا (1772 ـ 1815) . وفي بروسيا بالذات، كان يوجد عام 1837 نحو 145.364 يهودياً 70% منهم (حوالي 101.152) كانوا في المناطق البولندية، أي أن أغلبية يهود بروسيا كانوا مُركَّزين هناك. ولكن، مع عام 1871، تَناقُص عددهم عن طريق الهجرة إلى ألمانيا ذاتها، وأصبحت نسبة اليهود في المناطق البولندية 31.8% ثم انخفضت عام 1890 إلى 24.8% وإلى 17.4% عام 1910. وقد اتجه هؤلاء اليهود إلى برلين التي ارتفع عدد اليهود فيها من 47.489عام 1871 إلى 181.141عام 1925. وقد ساهم هذا الارتفاع في تغذية الدعاية العنصرية النازية بشأن تَكاثُر اليهود والخطر اليهودي ومحاولة سيطرة اليهود على كل شيء.
جـ) المرحلة الثالثة: من عام 1881 حتى عام 1939.
وهي مرحلة الهجرة الكبرى اليهودية وغير اليهودية، والتي بدأت عام 1881 مع تَعثُّر التحديث في روسيا وتَزايُد العنصرية في كل أوربا، وانتهت عام 1939 بصدور قوانين عام 1924 التي حدَّت من هجرة يهود شرق أوربا، ثم بالكساد الاقتصادي وإغلاق أبواب الهجرة من روسيا تماماً.

ووفقاً لإحصاءات الموسوعة اليهودية، بلغ عدد المهاجرين في هذه الفترة أربعة ملايين، في حين يذهب آرثر روبين إلى أن العدد أكبر من ذلك، فهو يرى أن الفترة من عام 1881 إلى عام 1930 هاجر خلالها نحو 3.975.000. فإذا أضفنا إلى ذلك، وفقاً لليستشنكي، الرقم 507.845 وهو عدد الذين هاجروا من عام 1931 إلى عام 1939، فإن العدد الكلي يصبح 4.482.845. ويجب أن نضيف إلى هذه الهجرة حركة اليهود داخل الإمبراطوريات العظمى في أوربا، الأمر الذي قد يصل بالعدد إلى خمسة ملايين. وقد أخذت الحركة داخل الإمبراطورية النمساوية اتجاهها من الشرق (جاليشيا وبكوفينا وبوزنان) إلى الغرب، وحدث الشيء نفسه في ألمانيا. أما في روسيا، فقد اتجهت الهجرة نحو الجنوب، إلى أوديسا ومناطق البحر الأسود. وكان عدد اليهود الذين انتقلوا في هذه الفترة من بلد أوربي إلى آخر هو 350 ألفاً، ويرى روبين أنهم 490 ألفاً.
كما شارك اليهود في حركة الهجرة من القرية إلى المدينة، فزاد عدد يهود فيينا (بلدة تيودور هرتزل مؤسِّس الحركة الصهيونية) ، على سبيل المثال، من ستة آلاف في عام 1857 إلى 99 ألفاً في عام 1890، وإلى 175 ألفاً عام 1910، وهي زيادة تمت أساساً عن طريق الهجرة حيث إن معدلات الزيادة الطبيعية كانت آخذة آنذاك في التناقص.

وربما يكون الدافع الأكبر وراء الهجرة في هذه الفترة هو تَعثُّر محاولات التحديث في روسيا ثم تَوقُّفها تقريباً، وهو ما انعكس في شكل الاضطهاد الروسي القيصري ضد جميع الأقليات في الإمبراطورية. ولذلك هاجرت أعداد كبيرة من يهود الإمبراطورية الروسية إلى خارجها بحثاً عن مجالات جديدة للحراك الاجتماعي، وللحصول على الحقوق المدنية والسياسية. وكانت الأغلبية العظمى من المهاجرين اليهود من بين يهود اليديشية، ويهود روسيا على وجه الخصوص، حيث كانوا يشكلون ما بين 70% و80% من جملة يهود العالم، وقد كان عددهم نحو عشرة ملايين، وهو ما يعني أن نصفهم تقريباً، أي واحد من كل اثنين، كان في حالة حركة وهجرة وانتقال في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وهذه نسبة عالية للغاية ولا شك في أنها أسهمت في تفتيت كثير من المؤسسات والروابط والأواصر. ومع أن نسبة الهجرة بين يهود اليديشية كانت أعلى من نسبتها بين الإيطاليين، فإنها كانت أقل من نسبتها بين الأيرلنديين. وقد كان عدد الأيرلنديين عام 1830 ثمانية ملايين يشكلون نصف سكان إنجلترا، وقد هاجر منهم أربعة ملايين بين عامي 1830 و1900.

وهاجر معظم اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1914، خصوصاً الأربعة عشر عاماً الأخيرة منها. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد المهاجرين بلغ 2.750.000. فإذا أنقصنا من هذا العدد حوالي 250 ألفاً هاجروا داخل أوربا، وذلك على اعتبار أن عدد المهاجرين في الفترة من 1881 حتى 1935 هو حوالي 490 ألفاً، يكون عدد المهاجرين إلى خارج القارة هو 2.550.000 بمعدل هجرة سنوية تصل إلى 135 ألفاً. وتُعَدُّ سنة الذروة هي 1905ـ 1906 حيث هاجر ما بين 200 و250 ألفاً في ذلك العام وحده. لكن الهجرة توقفت أثناء الحرب. وعند استئنافها عام 1907، تَدفَّق السيل مرة أخرى إذ هاجر في ذلك العام وحده 141 ألفاً. ثم صدر أول قانون لتحديد الهجرة في العام التالي، الأمر الذي أدَّى إلى تغيير الصورة.
وإذا كانت روسيا نقطة الطرد الكبرى، فقد كانت الولايات المتحدة نقطة الجذب الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي أحرزت فيها الرأسمالية الأمريكية تَقدُّمها الضخم بعد أن هزمت الجنوب وفتحت أسواقه. وفي هذه الفترة، بدأت الرأسمالية الأمريكية تجربتها الإمبريالية في أمريكا اللاتينية والفلبين حيث كانت في حاجة ماسة إلى الأيدي العاملة التي لم يكن من الممكن تجنيدها من خلال الزيادة الطبيعية. وقد استوعبت الولايات المتحدة نحو 85% من المهاجرين اليهود بل واستوعبت النسبة نفسها تقريباً من جملة المهاجرين في العالم. ولا توجد سجلات بأعداد المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحدة إلا ابتداءً من عام 1899.
وقد هاجر من روسيا في خلال ستة عشر عاماً (1899 - 1924) نحو مليون ونصف المليون يهودي. وفيما يلي جدول بأعداد اليهود الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة من روسيا وغيرها في الفترة من عام 1899 إلى عام 1914:
37415 -1899) مهاجر) (1900 - 60764 مهاجر) (1901 - 85098 مهاجر (

57688- 1902) مهاجر) (1903 - 76203 مهاجر) (1904 - 106236 مهاجر (1299001905) مهاجر) (1906 - 153748 مهاجر) (1907 - 149182 مهاجر (
103387-1908) مهاجر) (1909 - 57551 مهاجر) (1910 - 84260مهاجر (
91223-1911) مهاجر) (1912 - 80595 مهاجر) (1913 - 101330 مهاجر (
138051- 1914) مهاجر (
ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو 1.512.631.
ويُعَدُّ عام 1906 عام الذروة بالنسبة إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة. ويبلغ متوسط عدد المهاجرين سنوياً 93 ألفاً، وقد استقر كل هؤلاء المهاجرين في الولايات المتحدة بشكل دائم، ولم يهاجر منهم سوى نسبة ضئيلة تبلغ 8% مقابل 30.76% من بقية الجماعات المهاجرة، وكانت نسبة الأيرلنديين العائدين أقل إذ كانت لا تزيد على 7%. وكان المهاجر اليهودي يصل إلى الولايات المتحدة ولديه النية في الاستقرار الدائم، وليس ادخار بعض الأموال ثم العودة إلى الوطن الأم، ومن ثم فقد كان يُحضر معه أسرته. وكانت نسبة النساء والأطفال بينهم عالية، فكان نحو 44% من جملة المهاجرين اليهود من الإناث مقابل 31.7% بالنسبة إلى الجماعات المهاجرة الأخرى. وكان 24% من المهاجرين اليهود أطفالاً تحت سن الثالثة عشرة، أما في الجماعات الأخرى فكانت النسبة 12.4%. وكان يوجد بين المهاجرين اليهود نسبة عالية من العمال الصناعيين تصل إلى 66% من الأجراء، على عكس الإيطاليين والأيرلنديين الذين كانوا من أصول فلاحية. وبحسب إحصاءات الهجرة الأمريكية (1899 - 1914) ، كان المهاجرون اليهود يشكلون 31% من جملة العمال الصناعيين، وكانوا يشكلون أحياناً الأغلبية المطلقة في بعض الفروع مثل صناعة الملابس. وكان عدد العمال الزراعيين بين اليهود هو 2.6% مقابل 28.1% بالنسبة إلى جملة المهاجرين. وكان عدد العاملين في صناعة الملابس 39.6% وفي الصناعات الأخرى 26% (أي 65.6% من الأجراء) مقابل 17.8% بين غير اليهود. كما أن 9.2% من المهاجرين اليهود كانوا

يعملون في التجارة والنقل مقابل 6.7% من جملة المهاجرين. وقد ساهم ذلك في سرعة اندماجهم في المجتمع وتحقيقهم حراكاً اجتماعياً أعلى مما حققته كثير من جماعات المهاجرين الأخرى. وهذا هو الذي ساهم في نهاية الأمر في «أمركتهم» الكاملة وفي تَركُّزهم في صناعات بعينها دون غيرها. وكان التركيب الإثني للمهاجرين اليهود خلال الفترة بين عامي 1899 و1914 كما يلي حسب بلد الأصل:
(روسيا - 71.7%) (الامبراطورية النمساوية والمجرية - 16.2%) (رومانيا 4.2%) (بريطانيا العظمى 4%) (كندا 1.2%) (المانيا 0.7%) (بلاد اخرى 2.0 (%
ولكن معظم اليهود الذين جاءوا من خارج روسيا هم من يهود اليديشية أيضاً. وقد توقفت الهجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكن أبوابها فُتحت مرة أخرى عام 1914. وكان عدد المهاجرين في البداية ضئيلاً ثم أخذ في الازدياد إلى أن وصل إلى الذروة في عام 1921 ثم انخفض في أعوام 1922 و1923 و1924 بسبب نظام النصاب. وفيما يلي بيان بأعداد المهاجرين:
1915 - 26.497) مهاجر) (1916 - 15108 مهاجر) (1917 - 17342مهاجر (
1918 – 3762) مهاجر) (1919 - 3055 مهاجر) (1920 - 14292 مهاجر (
1921 – 119036) مهاجر) (1922 - 53524 مهاجر) (1923 - 49719 مهاجر (
1924 – 49989) مهاجر (
ليكون إجمالي عدد المهاجرين هو 352.324.
ولنا أن نُلاحظ أن هذه الفترة الثانية هي فترة ظهور الصهيونية ونشاطها أيضاً. ولابد أن ندرك أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية الضخمة كانت مصدر قلق الدول الغربية، لخوفها على أمنها الداخلي، وليهود الغرب المندمجين الذين كان وصول يهود الشرق يهدد مكانتهم الاجتماعية.

ويَنبُع تأييد الدول الغربية وأثرياء اليهود المندمجين للمشروع الصهيوني من مخاوفهم هذه. ومن هنا كان تَبنِّيهم لما نسميه «الصهيونية التوطنية» . ويمكن أن نضرب مثلاً على ذلك بإنجلترا التي اتجه إليها نحو 210 آلاف من المهاجرين اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1935. وقد كان لوصولهم أثره في إثارة قلق السلطات البريطانية. وظهرت المحاولات الرامية إلى تحويل تيار الهجرة اليهودية بعيداً عن إنجلترا ابتداءً بمشروع شرق أفريقيا لإنشاء دولة صهيونية هناك، مروراً بقانون الأجانب عام 1906 للحد من دخول اليهود إلى إنجلترا (وهو المشروع الذي كان بلفور من أكبر المدافعين عنه) ، وانتهاءً بوعد بلفور الذي حوَّل فلسطين إلى أرض يُلقَى فيها الفائض البشري اليهودي، كما كان يُطلَق على المهاجرين اليهود آنذاك.
ولم يتجه إلى ألمانيا في الفترة نفسها سوى مائة ألف يهودي، ولكن هذا لا يتضمن اليهود الذين هاجروا من المقاطعات البولندية وهم من يهود اليديشية غير المندمجين. وبالتالي، قام النازيون بالدعاية ضد اليهود وببث السموم عن خطر التكاثر اليهودي والهيمنة اليهودية في وقت كانت فيه أعداد اليهود آخذة في التناقص الفعلي. وإذا كان بلفور قد حل المسألة اليهودية في إنجلترا بالتخلص من اليهود عن طريق إرسالهم إلى فلسطين، فإن هذا الحل لم يكن متاحاً لهتلر لعدم وجود مستعمرات لدى ألمانيا، ولهذا تَخلَّص منهم بإبادتهم.

ونُلاحظ أن عدد المهاجرين إلى فلسطين كان في بداية الفترة 1.806، وبلغ 8.175 عام 1923، أي بعد فتح أبواب الهجرة وإنشاء المؤسسات الصهيونية الاستيطانية، ثم قفز العدد إلى 13.892عام 1924. وشهدت الفترة من عام 1925 إلى عام 1933 احتدام الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية، وهو ما أدَّى إلى خوف كثير من الدول من الأيدي العاملة المهاجرة لأنها قد تؤدي إلى تفاقم ظروف البطالة فيها، فأخذت الدول تغلق أبواب الهجرة وتسمح بدخول المهاجرين بالقدر الذي تسمح به مقدرتها الاستيعابية، ومن هذه البلاد كندا والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا وأستراليا. وقد أدَّى تَصاعُد المقاومة العربية في فلسطين إلى الحد من الهجرة الاستيطانية، ولكن فلسطين ظلت مع هذا مفتوحة الأبواب أمام الهجرة. ولعل أكبر مَثَل على محاولة الدول الغربية الحد من الهجرة الأجنبية هو الولايات المتحدة التي أصدرت أولاً قانون النصاب في عام 1923 وأعقبته بقانون جونسون في عام 1924، حيث لم يكن يُسمَح ـ بحسب هذا القانون ـ إلا بهجرة ما يساوي نسبة 2% من عدد أعضاء كل جماعة قومية تعيش في الولايات المتحدة وفق إحصاء عام 1890. وقد عُرِّفت المجموعة القومية بنسبتها إلى البلد الأم وليس بنسبتها إلى الانتماء الديني أو الإثني. وكان العدد المسموح له بالهجرة من شرق أوربا وروسيا هو 10.341 مقابل نحو 50 ألفاً عام 1924 و153.748عام 1906. وكانت أعداد المهاجرين في تلك الفترة كما يلي:
1925 - 10.292) مهاجر) (1926 - 10.267مهاجر) (1927 -11.483 مهاجر)
1928 - 11.639) مهاجر) (1929 - 12.479مهاجر) (1930 -11.526 مهاجر)
1931 - 119.692) مهاجر) (1932 - 2.755مهاجر) (1933 -2.372 مهاجر)

أي أن الهجرة بلغت الحد الأقصى المسموح به حتى عام 1930. وهكذا، فبعد أن كانت الولايات المتحدة تستوعب 85% من جملة المهاجرين اليهود في الفترة من عام 1881 إلى عام 1914، انخفضت النسبة إلى 25% في الفترة من عام 1926 إلى عام 1930، وقد أغلق كثير من البلاد أبوابه. وكما يقول روبين، أصبحت معظم البلاد مُغلَقة أمام المهاجرين عام 1933، ولم يبق أمامهم سوى فلسطين (المُستعمَرة) ، بمعنى أن الدول الغربية خلقت صهيونية بنيوية، أي بنية قانونية وظروفاً موضوعية تفرض على اليهود الهجرة إلى فلسطين شاءوا أم أبوا. وبالفعل، قفز عدد المهاجرين الاستيطانيين من 4000 عام 1931إلى 12.553 عام 1932 وإلى 37.337 عام 1933. ولذا، يمكننا القول إن عنصر الطرد من الولايات المتحدة وليس الجذب إلى أرض الميعاد هو الذي حدد مسار الهجرة. ومع هذا، يُلاحَظ أن الفترة من عام 1926 إلى عام 1930، حيث كانت أبواب أمريكا اللاتينية أكثر انفتاحاً، هاجر إليها 72.387 من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 172.908 (أي 42%) ولم يهاجر في الفترة نفسها سوى 10.179 إلى فلسطين.

ورغم تَبَاكي الدول الغربية على مصير اليهود، فإن معظمها أوصدت أبوابها دونهم. كما أن المنظمات الصهيونية كانت تؤيد هذا الموقف انطلاقاً من العقيدة الصهيونية التي تدعو إلى توطين اليهود في فلسطين وفلسطين فقط. ومن هنا، كانت جهود الصهاينة المكثفة من أجل إفشال مؤتمر إفيان لحل مشكلة اللاجئين والمهاجرين ورَفْض أية عروض لتوطين اليهود خارج فلسطين لخَلْق ما سميناه «الصهيونية البنيوية» . وفي الفترة من عام 1933 حتى عام 1948،والتي يمكن أن تُسمَّى المرحلة النازية، بلغ عدد المهاجرين من ألمانيا النازية والبلاد التي يهيمن عليها النازيون، والمهاجرون من كل أوربا 540 ألفاً، بخلاف عشرات الألوف من اليهود الذين هجَّرهم الاتحاد السوفيتي إبان الحرب لإنقاذهم، وعشرات الألوف الذين لجأوا إلى الاتحاد السوفيتي فراراً من النازي. وقد هاجر 250 ألفاً (أي 46%) منهم إلى فلسطين بسبب سياسة إغلاق الأبواب، وهاجر الباقون وهم 290 ألفاً إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليها 110 آلاف (أي 20%) . وهاجر في الفترة من عام 1940 إلى عام 1948 نحو 300 ألف يهودي، منهم 120 ألفاً (أي 40%) إلى فلسطين. والباقون، وهم 180 ألفاً (أي 60%) ، هاجروا إلى بلاد أخرى أهمها الولايات المتحدة التي هاجر إليها 125 ألفاً (أي 42%) . وهكذا أصبحت الولايات المتحدة، مرة أخرى، بلد الجذب الأكثر، حتى أثناء سنى الحرب والإبادة النازية. ويمكننا أن نقول إن المُستوطَن الصهيوني لم يشكل ملجأ ليهود أوربا، فمن مجموع 750 ألف مهاجر (ويمكن أن نضيف إليهم مئات الألوف من المهاجرين إلى الاتحاد السوفيتي) لم يهاجر إلى فلسطين سوى 370 ألفاً، أي أن مسار الهجرة لم يتجه إلى فلسطين رغم شراسة الصهيونية البنيوية ولا إنسانيتها.
وفيما يلي جدول بعدد المهاجرين ونسبهم المئوية - حسب الموسوعة اليهودية - بين عامي 1881 و1948.

الولايات المتحدة من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 2.040.000 بنسبة 85% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين 650000بنسبة 41%
كندا من 1881 - 1914 عدد المهاجرين150000بنسبة 4% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين 60000بنسبة 4%
الارجنتين من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 113000 بنسبة 5% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين115000بنسبة 7%
بقية امريكا الاتينية من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 14000بنسبة 0.6% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين140000بنسبة 9%
جنوب افريقيا من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 43000 بنسبة 2% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين25000بنسبة 1.6%
فلسطين من 1881 - 1914 عدد المهاجرين 70000 بنسبة 3% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين485000بنسبة 30%
بلاد اخرىمن 1881 - 1914 عدد المهاجرين 15000 بنسبة.6% ومن 1915 - 1948عدد المهاجرين125000 بنسبة 8%
مجموع المهاجرين من 1881 -1914 (2400000 مهاجر)
مجموع المهاجرين من 1915 - 1948 (1600000مهاجر)

والجدول هنا يبيِّن أن الولايات المتحدة هي بلد الهجرة بلا منازع أو منافس. وتشغل الأرجنتين وكندا المرتبتين الثانية والثالثة، ولا تأتي فلسطين إلا في المرتبة الرابعة - وهي مرتبة رابعة تَجاوُزاً لأن مجموع عدد المهاجرين إليها يظل أقل كثيراً من مجموع عدد المهاجرين إلى بلاد الاستيطان الأخرى. أما في الفترة من 1915 إلى 1948، فإن الولايات المتحدة كانت لا تزال تشغل المرتبة الأولى وكانت فلسطين تشغل مرتبة ثانية قريبة من المرتبة الأولى. ومن الطريف أن مجموع عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وكندا خلال الفترتين يساوي تقريباً عدد المهاجرين إلى فلسطين. ولكن أحد المصادر الأخرى يذهب إلى أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية وحدها، من عام 1881 حتى عام 1948، يعادل مجموع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وإذا استبعدنا الولايات المتحدة، وعقدنا مقارنة بين عدد المهاجرين إلى فلسطين من جهة وبقية بلاد العالم من جهة أخرى، لوجدنا أن عدد المهاجرين إلى فلسطين هو 555 ألفاً مقابل 682 ألفاً هاجروا إلى بقية بلاد العالم، أي أن عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين أقل من عدد المهاجرين إلى بقية البلاد. وحتى في الفترة من عام 1915 إلى عام 1948، وهي الفترة التي شهدت قمة النشاط الصهيوني، حيث فتحت حكومة الانتداب أبواب فلسطين أمام الهجرة الاستيطانية، وحيث أغلقت بلاد العالم الحر أبوابها دون المهاجرين اليهود وغير اليهود، كان عدد المهاجرين إلى فلسطين 485 ألفاً مقابل 465 ألفاً للبلاد الأخرى فيما عدا الولايات المتحدة. وكل هذه الإحصاءات تبيِّن أن فلسطين ليست نقطة الجذب لليهود كما تدَّعي الأدبيات الصهيونية وأن الحركة الصهيونية لم تُحرز نجاحاً فيما كانت تهدف إليه. ويُلاحَظ أن جميع البلاد التي يهاجر إليها اليهود هي بلاد شهدت تجارب استعمارية استيطانية أسسها الرجل الأبيض. ومن ثم، فإن الهجرة اليهودية ليست ظاهرة يهودية

بمقدار ما هي جزء من الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية الغربية.
د) المرحلة الرابعة: منذ عام 1948 حتى الوقت الحاضر.
وبانتهاء الأربعينيات، أصبحت الكتلة اليهودية الكبرى موجودة في الولايات المتحدة، مع وجود كتلة أخرى في أوربا آخذة في التناقص، ومع وجود أقليات متناثرة في أنحاء العالم. وقد ظهرت الكتلة اليهودية الاستيطانية في فلسطين، فأصبح هناك قطبان أساسيان يتنازعان هجرة اليهود هما الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، وكلاهما بلد استيطاني يستطيع المهاجر اليهودي أن يحقق فيه الحراك الاجتماعي الذي فشل في تحقيقه في بلده. ومع هذا، تشكل دول أخرى مثل أستراليا وفرنسا جاذبية خاصة بالنسبة إلى بعض المهاجرين اليهود.
ويمكن أن نضيف بُعداً آخر يساعد على اتجاه أعضاء الجماعات اليهودية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل (فلسطين) ، ألا وهو ميراث الجماعات اليهودية الاقتصادي كجماعة وظيفية تَركَّز أعضاؤها في قطاعات المال والتجارة. والواقع أن هذا يعني تأثرهم السلبي بالثورات القومية أو الاشتراكية التي تستولي على هذه القطاعات فتؤممها، أو تحاول صبغها بصبغة قومية، أو تتدخل فيها بما يُقلل من فرص الحراك أمام أعضاء الجماعة اليهودية. ويمكننا في واقع الأمر أن نفسِّر حركة هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بكل تناقضاتها من منظور هذين العنصرين (الحراك الاجتماعي وميراث الجماعة الوظيفية الوسيطة) باعتبارها هجرة إلى بلاد الوفرة والاقتصاد الحر والاستقرار السياسي من بلاد الاقتصاد الاشتراكي والفقر والثورات القومية الاشتراكية:

1 ـ فمثلاً يمكن تفسير الهجرة من الاتحاد السوفيتي على أنها تعبير عن ضيق يهود الاتحاد السوفيتي بالنظام الاشتراكي الذي يضيِّق الخناق على القطاع التجاري. وفي الإطار نفسه يمكن تفسير الظاهرة التي تُسمَّى في المصطلح الصهيوني «التَساقُط» ، أي خروج اليهود من الاتحاد السوفيتي بزعم الهجرة إلى إسرائيل ثم تغيير الاتجاه والذهاب إلى بلد آخر هو الولايات المتحدة في العادة. فهم يفضلون الهجرة إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم تحقيق معدلات عالية من الحراك الاجتماعي، في حين لا تشكل إسرائيل أية جاذبية بالنسبة لهم. وقد هاجر يهود جورجيا بأعداد كبيرة إلى إسرائيل فحققت مثل هذه الهجرة لهم قسطاً من الحراك الاجتماعي، خصوصاً أن مؤهلاتهم لم تكن عالية، بينما نجد أن نسبة التَساقُط بين يهود أوكرانيا تصل إلى 90% لأن مستواهم المعيشي مرتفع. وإذا نجح يلتسين في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح التجاري الذي يطمح إليه، فإننا نتصور أن أعداد المهاجرين ستتناقص لأن فرص الحراك الاجتماعي ستتزايد أمامهم.
وبعد الانتفاضة الفلسطينية، التي خلقت جواً من عدم الاستقرار السياسي، وصلت نسبة التَساقُط بين اليهود السوفييت إلى 90% من جملة المهاجرين. ومع هذا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية وإغلاق الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت إلى زيادة خروجهم من الاتحاد السوفيتي واستيطانهم في فلسطين. ولكنهم، على أية حال، يذهبون إلى إسرائيل بنيَّة التوجه إلى بلد آخر يحقق لهم طموحهم في الحراك الاجتماعي، وذلك عندما تسنح الفرصة.

2 ـ وقد ظل يهود إيران يمارسون نشاطهم تحت حكم الشاه، ثم خرجوا من إيران بأعداد هائلة بعد قيام الثورة الإيرانية لأنها حاولت أن تُوجِّه الاقتصاد وجهة لا تتفق مع معايير الاقتصاد الحر. وفي كوبا، كانت هناك جماعة يهودية، ولكن حينما حدثت الثورة الاشتراكية انخفض العدد إلى العُشْر، وذلك رغم أن الثورة الكوبية كانت تتبادل العلاقات الدبلوماسية مع إسرئيل ولم تقف في طريق النشاط الصهيوني ولم تُسئ معاملة اليهود على الإطلاق باعتراف المراجع الصهيونية. والشيء نفسه يُقال بالنسبة إلى يهود شيلي الذين تركوها حينما وصل أليندي بتَوجُّهه الاشتراكي إلى الحكم، وعادوا إليها مع بينوشيه ممثل الفاشية العسكرية. فارتباط أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من بلاد العالم بنمط إنتاجي معيَّن وعقلية تجارية محددة، وامتلاكهم خبرات إدارية ومهنية معيَّنة، جعل استمرارهم في المجتمع الجديد عسيراً، فهم «ضحايا التأميم» كما يقول أحد المراجع الإسرائيلية. ومع تزايد الثورات وعدم الاستقرار السياسي في أمريكا اللاتينية، يُلاحَظ زيادة هجرة أعضاء الجماعات. والوضع نفسه ينطبق على يهود جنوب أفريقيا، فمع تَزايُد ثورات السود يتجه أعضاء الجماعة إلى الولايات المتحدة.

3 ـ وربما تعود هجرة اليهود من البلاد العربية في الخمسينيات إلى مركب من الأسباب؛ منها قيام الدولة الصهيونية وما خلقته من مشاكل لليهود العرب، ومنها ارتباط عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية بالدول الاستعمارية. ومما لا شك فيه أن التحول البنيوي الذي خاضته بعض المجتمعات العربية، مثل المجتمعين المصري والسوري، وقيام تجارب تنموية تحت إشراف الدولة، قد ساهما بشكل عميق في عملية خروج اليهود، التي لا يمكن رؤيتها كظاهرة منفصلة عن خروج جماعات تجارية وسيطة أخرى مثل الإيطاليين واليونانيين من مصر ممن لم يستطيعوا التلاؤم مع إجراءات التمصير والتعريب والتأميم. وإلى جانب هذا، حققت إسرائيل ليهود البلاد العربية المهاجرين قسطاً من الحراك الاجتماعي باعتبار أن المستوى المعيشي في البلاد العربية أقل منه في إسرائيل. كما أن يهود البلاد العربية لم يكن لديهم الخبرات الكافية المطلوبة في الولايات المتحدة. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء نخبتهم الاقتصادية والثقافية هاجرت إلى فرنسا وغيرها من البلاد ذات المستوى المعيشي المرتفع الذي يفوق نظيره في إسرائيل والتي تتميَّز باقتصاد متقدم ومن ثم تحتاج إلى خبراتهم ورأسمالهم. ومن ناحية أخرى، هاجرت جماهير يهودية إلى فرنسا حينما سنحت لها الفرصة، فقد هاجر إليها معظم يهود الجزائر وأعداد كبيرة من يهود المغرب.
4 ـ وفي هذا الإطار، يمكن تفسير ظاهرة هجرة يهود أمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، فالهجرة إلى إسرائيل لن تؤدي إلى أي تَحسُّن في مستوى معيشتهم. كما أن التجمع الصهيوني لن يمكنه استيعابهم بخبراتهم المهنية والإدارية المتقدمة.

5 ـ ويُلاحَظ أن يهود البلاد الغربية (أوربا والولايات المتحدة وكندا) لا يهاجرون إلى إسرائيل أو غيرها من البلاد الاستيطانية، فمثل هذه الهجرة ليس لها ما يبررها وفق نموذجنا التفسيري، وإن كان يُلاحَظ أن يهود إنجلترا يهاجرون بأعداد متزايدة إلى الولايات المتحدة، ربما لتفاقم الأزمة الاقتصادية في إنجلترا، فهي بلد ذات مستقبل اقتصادي مظلم على حد قول أحد المهاجرين البريطانيين اليهود إلى الولايات المتحدة.
6 ـ بل يُلاحَظ أن هناك هجرة إسرائيلية متزايدة إلى الولايات المتحدة، شكلت ما يُسمَّى «الدياسبورا الإسرائيلية» يبلغ عددها في بعض الإحصاءات نصف مليون ومنهم عدد كبير من جيل الصابرا.
7 ـ وفي الإطار نفسه أيضاً، يمكن تفسير هجرة أو تهجير يهود الفلاشاه تحت ظروف المجاعة، فهي هجرة سيحققون من خلالها حراكاً اجتماعياً كبيراً.
ويمكن القول بأن مصادر المهاجرين إلى الدولة الصهيونية آخذة في النضوب، فأعضاء أكبر جماعة يهودية في العالم (في الولايات المتحدة) لا يهاجرون، ويهود العالم الغربي إن هاجروا يتجهون إلى الولايات المتحدة. ويتبع يهود أمريكا اللاتينية وغيرهم النمط نفسه. وقد تمت تصفية يهود العالم الشرقي والإسلامي، فلم يبق سوى أفراد قلائل. وتُساهم معدلات الاندماج والزواج المختلط، وكذلك عزوف اليهود عن الإنجاب، في تَناقُص عدد اليهود الكلي وبالتالي تَناقُص عدد المهاجرين المحتمل، وهو ما يعني أن الوقود البشري للكيان الصهيوني لم يَعُد متوافراً بالكثافة نفسها. ولم يبق سوى الاحتياطي البشري الوحيد للكيان الصهيوني في الاتحاد السوفيتي. إلا أن خروج اليهود السوفييت وتَوجُّههم إلى إسرائيل يخضع للنمط نفسه الذي اقترحناه: شرق أوربا مصدر المادة البشرية، والولايات المتحدة مستورد لها. ولكن، كما أسلفنا، أدَّى انهيار الدولة الاشتراكية السوفيتية، وإغلاق باب الهجرة إلى أمريكا، إلى تحويل هذه الأعداد إلى إسرائيل.

ولابد من التفرقة بين الهجرة والتهجير؛ فالهجرة طوعية أما التهجير فهو قسري. ويمكن رؤية الحركة الصهيونية باعتبارها حركة تقف في وجه الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة وتحاول تهجير اليهود من كل أنحاء العالم إلى إسرائيل.
انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم وعلاقتهم بفلسطين
‏Diffusion of Memebers of Jewish Communities in the World and Their Relation to Palestine
يدَّعي الصهاينة أن فلسطين التي يُطلقون علىها مصطلح «إرتس يسرائيل» أو «أرض الميعاد» ، أو ما شابه ذلك من مصطلحات دينية أخرى، هي مركز الوجدان اليهودي، وأنها النقطة التي يتجه إليها اليهود معنوياً حينما يعجزون عن الاستيطان فيها، وهي الأرض التي «يعودون» إلىها فعلىاً وبمحض إرادتهم من «المَنْفَى» أو «الشَتات» حينما تُفتَح أبوابها لهم. ويحاول الصهاينة أن يجدوا تبريراً دينياً أو عرْقياً أو إثنياً لرؤيتهم هذه. كما يقدِّمون رؤية للتاريخ تساند هذه الرؤية، ولذلك فإنهم يجتزئون من الوقائع والحقائق ما يدعم رؤيتهم ويستبعدون ما عدا ذلك.
وإذا نظرنا إلى الرؤية الصهيونية من الناحية الدينية، لوجدنا أنها تتعارض مع واحد من أهم التيارات داخل اليهودية الحاخامية، التي تُحرِّم على اليهودي أن يعود إلى صهيون (فلسطين) ، إذ أن عليه الانتظار حتى يأذن الرب له بذلك، وأية محاولة للعودة هي بمنزلة الهرطقة والتعجيل بالنهاية. ولذلك، فلا يوجد في يهودية العصور الوسطى، أي في معظم التاريخ الديني لليهودية، أي حديث عن العودة إلا باعتبارها حدثاً دينياً يتم بمشيئة الرب. ومع هذا، يجب أن نشير إلى أن اليهودية، بوصفها تركيباً جيولوجياً، تحوي تياراً حلولياً قوياً يشجع على العودة الفعلىة. وإذا كانت هناك نزعة صهيونية في النسق الديني اليهودي، فهي نزعة كامنة مع مئات النزعات الأخرى.

هذا من الناحية الدينية. أما من الناحية التاريخية، فالأمر أكثر تحدُّداً وتعيُّناً، إذ يدل تاريخ العبرانيين وتواريخ الجماعات اليهودية على أن المسرح الذي دارت فيه أحداث هذه التواريخ لم يكن فلسطين، باستثناء فترة قصيرة للغاية. وحتى حينما كان يوجد في فلسطين حكم يهودي مستقل، لم تكن فلسطين دائماً مركزهم وإطارهم المرجعي، إذ كان لكل جماعة حركياتها المستقلة وتوجهاتها التي يُحتِّمها عليها وضعها الاجتماعي والثقافي المرتبط بوضع البلد الذي توجد فيه. ولذا، يمكن أن نقول إن الحقيقة الأساسية في تواريخ الجماعات اليهودية هي انتشارها في كل أنحاء الأرض وليس تَمركُّزها في فلسطين. والقراءة الصهيونية لتواريخ الجماعات اليهودية، والتي ترى أن اليهود قد تم تشتيتهم قسراً من فلسطين، وأنهم لو تُركوا وشأنهم لعادوا تلقائياً وبشكل طوعي إليها، هي قراءة متحيزة ومغلوطة. فتاريخ العبرانيين في بداياته السديمية يبدأ بهجرة إبراهيم من أور إلى أرض كنعان ومنها إلى مصر. كما هاجر يعقوب ويوسف فيما بعد إلى مصر أيضاً. والهجرة من مكان إلى آخر نمط أساسي في حياة العبرانيين في فترة الآباء (2000 ق. م) التي تنتهي بالـ «خروج» ، أي هجرة موسى وقومه من مصر. وقد آثر بعضهم، بحسب الرواية التوراتية، الاستمرار في الحياة بمصر، فخرج مع موسى «اللفيف» ، أي مجموعات عرْقية أخرى غير عبرية وغير متجانسة. وبعد التسلل العبراني إلى أرض كنعان، وبعد اتحاد القبائل العبرانية فيما يعرف باسم «المملكة العبرانية المتحدة» والتي انقسمت إلى المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية، تم تهجير أعداد كبيرة من العبرانيين إلى آشور (720 ق. م) ثم إلى بابل (580 ق. م) . ولكن أغلبيتهم العظمى آثرت البقاء خارج فلسطين، حتى بعد أن أصدر قورش الأخميني مرسومه الذي سمح بعودة اليهود إلى فلسطين، ولكن يبدو أن الفقراء فقط هم الذين عادوا. كما كانت هناك فرقة المرتزقة اليهود في جزيرة إلفنتاين التي

استمرت في وجودها على حدود مصر الجنوبية.
ورغم إعادة بناء الهيكل وقيام السلطة الكهنوتية في فلسطين، تحت رعاية الفرس أول الأمر ثم اليونانيين بعد ذلك، حدثت هجرة يهودية طوعية كبيرة من فلسطين في عهد البطالمة، وقد استعان هؤلاء بالجنود اليهود المرتزقة الذين استقروا في مصر مع أُسَرهم. كما هاجرت إلى مصر أعداد أخرى من اليهود لأسباب اقتصادية، فكان منهم الفقراء والأغنياء والفلاحون والرعاة والجنود المرتزقة والقادة العسكريون. وقد أسس البطالمة مستعمرات في برقة كان يوجد فيها يهود. كما ظهرت جماعات من اليهود في مدن آسيا الصغرى بعد أن استولى السلوقيون على فلسطين بعد عام 200 ق. م، فقام أنطيوخوس الثالث بنقل عدة آلاف جندي يهودي (هم وأُسَرهم) من بابل إلى آسيا الصغرى. وكانت توجد جماعات يهودية في اليونان ومقدونيا على شواطئ البحر الأسود والبلقان وبلغاريا وأرمينيا وقبرص وقرطاجة وبرقة. ويُلاحَظ أن قيام الأسرة الحشمونية اليهودية في فلسطين، التي تمتعت بقدر من الاستقلال السياسي في بعض مراحلها، لم يُغيِّر هذه الصورة العامة لانتشار أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين.
وحينما ظهرت روما بوصفها قوة عظمى وفرضت إطاراً سياسياً مُوحَّداً على منطقة البحر الأبيض المتوسط، يسَّر ذلك انتشار اليهود فظهروا أولاً عبيداً في العاصمة، ثم هاجرت أعداد منهم وأصبحت مدن جنوب إيطاليا مراكز يهودية مهمة. وكانت توجد جماعات يهودية في الغال (فرنسا) ،وفي المدن الرومانية العسكرية على نهر الراين.

وكانت الإسكندرية تضم جماعة يهودية كبيرة (في العصر الهيليني ثم الروماني) تتحدث أغلبية أعضائها اليونانية أو اللاتينية. كما كانت أسماؤهم والنقوش التي على قبورهم يونانية ولاتينية في الغالب، عبرية في النادر. أما وثائق الزواج والدفن الخاصة بهم، فلم تكن تختلف عن الوثائق الخاصة ببقية المواطنين. وكان ليهود مصر هيكلهم الخاص في لينتوبوليس، حيث كانت جماعتهم الدينية والفكرية مستقلة إلى حدٍّ كبير عن هيكل فلسطين، ولذا استمرت هذه الجماعات اليهودية في حياتها الدينية والثقافية المستقلة بعد هدم هذا الهيكل. وربما كان أكبر دليل على أن الإسكندرية كانت مركز جذب أقوى من فلسطين ذاتها أنه حينما وقعت فيها بعض الاشتباكات بين اليهود والمواطنين الهيلينيين، أصدر الإمبراطور الروماني قراراً يحذر فيه اليهود من تشجيع هجرة إخوانهم من فلسطين.

وقد قدَّر الفيلسوف السكندري اليهودي فيلون أن عدد يهود مصر في القرن الأول الميلادي كان مليوناً، بينما كان يُقدَّر عدد اليهود في الأماكن الأخرى (ومنها فلسطين) بمليونين ونصف المليون. ويرى آرثر روبين أن عدد اليهود كان، في واقع الأمر، أربعة ملايين ونصف المليون، يوجد منهم مليون في فلسطين والباقون خارجها. وقد لا تتسم هذه الأرقام بالدقة، فهي في معظمها تستند إلى التقديرات التخمينية. وثمة إحصاءات أخرى ترى أن عدد اليهود في سوريا ومصر وآسيا الصغرى كان ثلاثة ملايين، وأن مليوناً رابعاً كان يوجد في مناطق متفرقة أخرى داخل الإمبراطورية الرومانية ومليوناً خامساً في بابل. أما فلسطين، فيُقال إنها كانت تضم مليونين فقط، وأن نصف مليون من سكان فلسطين كانوا مواطنين يونانيين وعناصر بشرية أخرى غير يهودية. وتذكر الموسوعة اليهودية أن عدد يهود العالم في تلك الفترة كان ثمانية ملايين، لم يكن منه سوى مليونين ونصف المليون في فلسطين. ولكن، أياً كان الأمر، ثمة إجماع على أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية خارج فلسطين كان يفوق عدد اليهود داخلها قبل أن يقوم تيتوس بهدم الهيكل، وأن عدد يهود الإسكندرية كان يفوق عدد يهود القدس وربما فلسطين كلها. ولهذا، فإن محاولة ربط انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم بواقعة هدم الهيكل وسقوط القدس، واعتبار ذلك تشتيتاً قسرياً، هي من قبيل التفكير الأسطوري المتحيز لآراء مسبقة.

وقد استمر انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم بعد ضمور واختفاء المركز الديني في فلسطين. وقد كان لهذا الانتشار أعمق الأثر في تمايز اليهود وظيفياً واقتصادياً وتَحوُّلهم إلى جماعة أو جماعات وظيفية تضطلع بوظائف التجارة والربا. ويمكننا أن نضيف أن علاقة الانتشار بعملية تَحوُّل اليهود إلى جماعات وظيفية هي علاقة سبب ونتيجة في آن واحد. فقد ساهم الانتشار ـ ولا شك ـ في تَحوُّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات تجارية ومالية وسيطة، ذلك أن الوظائف التجارية والمالية هي وظائف يضطلع بها الوافدون الجدد دائماً. وقد كوَّنت الجماعات اليهودية الوظيفية شبكة تجارية عالمية ضخمة في العالمين الإسلامي والمسيحي، وكانت لهم مراكز في الغرب (في إسبانيا وغيرها من الدول) ،وفي معظم ربوع العالم الإسلامي. ولكن تَحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة زاد بدوره من عملية الانتشار ودعمها وكرَّسها ووسع نطاقها.
ومثلما اتجهت الجماعات اليهودية إلى أنحاء العالم كافةً، اتجهت بعض جماعات من اليهود إلى الهند والصين واستقرت فيها. وظل هذا الوضع من الانتشار قائماً خلال العصور الوسطى في الغرب، فلا نسمع عن أية محاولات يهودية للعودة إلى فلسطين. ومع طَرْد اليهود من إسبانيا، وجد يهود المارانو ملجأً لهم في الإمبراطورية العثمانية، وفي بعض الدول الأوربية مثل هولندا. وكان اليهود من رعايا السلطان العثماني يتمتعون بحرية الهجرة إلى فلسطين أو منها، إلا أن اللاجئين الأوربيين والرعايا اليهود كانوا ينجذبون إلى إستنبول والقاهرة ودمشق وغير ذلك من حواضر الإمبراطورية التي كانت تتمتع بأوضاع أفضل اقتصادياً وسياسياً بالمقارنة مع فلسطين. أما بالنسبة ليهود الخزر، فقد اتجهوا نحو شرق أوربا (إلى المجر فبولندا) ، وذلك بعد تحطيم إمبراطوريتهم الصغيرة على يد الروس أولاً ثم على يد المغول في القرن الثاني عشر، ولا نعرف أية جماعة منهم اتجهت إلى فلسطين.

ومع عصر النهضة والاكتشافات والاستعمار الغربي والإصلاح الديني، بدأت في أوربا المسيحية إرهاصات الفكر الاسترجاعي؛ أي إعادة توطين اليهود في فلسطين باعتبار أن عودتهم هي التمهيد لعودة المسيح. ولكن هذا الفكر لم يؤثر في الجماعات اليهودية في بادئ الأمر، سواء في الشرق أو في الغرب، بل ظل تفكيراً مسيحياً بروتستانتياً بالدرجة الأولى. ولا نسمع عن دعوات يهودية للعودة إلى فلسطين والاستيطان فيها إلا مع الانفجارات المشيحانية مثل حركة الماشيَّح اليهودي الدجال شبتاي تسفي في القرن السابع عشر، وهي الانفجارات التي وقف ضدها حاخامات اليهود. ويظهر الفكر الصهيوني اليهودي لأول مرة، في منتصف القرن التاسع عشر، مع انتشار الفكر القومي والعنصري والإمبريالي. ولكن، حتى بعد أن ظهرت الحركة الصهيونية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، فقد عارضتها جميع المنظمات اليهودية المعروفة في ذلك الوقت، ولم تتمكن من عقد مؤتمرها في ميونيخ حيث وُجدت واحدة من أكبر الجماعات اليهودية وبسبب احتجاج حاخاماتها، اضطرت إلى نقله إلى بازل حيث كانت هناك جماعة صغيرة بلا أهمية تُذكَر.

لكل ما تَقدَّم، يصبح من العسير الحديث عن «نفي» اليهود أو عن تَطلُّعهم الدائم للهجرة إلى فلسطين، فحركة انتشارهم في العالم لا يمكن تفسيرها في إطار مركز جذب صهيوني في فلسطين، مقابل أطراف هامشية في كل أنحاء العالم. ولمحاولة فهمها بعيداً عن التحيزات الصهيونية العميقة المسبقة، سنحاول أن نرصد بعض الآليات التي تشجع على الانتشار وتساهم فيه وتُيسِّره. ويمكننا أن نقول أولاً إن انتشار أعضاء الجماعات اليهودية مرتبط أساساً بالإمبراطوريات العظمى التي توفر شبكة المواصلات والإطار القانوني الموحَّد، وهما تعبير عن رغبة الإمبراطورية في تشجيع التجارة. وقد تأسست الجماعة اليهودية في بابل في إطار الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، واتسعت دائرة الانتشار مع الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية. وحدث الشيء نفسه مع الدولة الإسلامية ثم العثمانية. وقد كانت بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط الساحة الأساسية لانتشار الجماعات اليهودية، وظلت مراكز اليهود الأساسية فيه هي: روما وإسبانيا والمغرب والدولة العثمانية وسالونيكا وإيطاليا وفرنسا. أما الجماعات التي وجدت في الصين والهند وإثيوبيا والجزيرة العربية، فهي جماعات صغيرة ليست ذات أهمية كبيرة.

وقد ظل هذا هو النمط الأساسي إلى أن استقر اليهود في شرق أوربا وحدث الانفجار السكاني بين يهود اليديشية في القرن التاسع عشر، بحيث أصبحت أغلبية يهود العالم توجد داخل إطار الإمبراطورية الروسية التي كانت تعاني من تَعثُّر التحديث. ومن ثم فإنها لم تحقق لأعضاء الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات ما كانوا يطمحون إلىه من حراك اجتماعي، كما أنها لم تكن تشجع المواطنين على الحركة. وكان الاستثناء الوحيد هو تشجيع اليهود على الاستيطان في روسيا الجديدة على ساحل البحر الأسود. ومن هنا كانت أكبر حركات انتشار اليهود في التاريخ هي انتقال الكتلة البشرية اليهودية (بأكملها تقريباً) من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد. وقد استفاد أعضاء الجماعات اليهودية من حركة المواصلات ومن وجود بنية قانونية دولية. كما استفادوا من الحركة الإمبريالية الغربية، خصوصاً الجانب الاستيطاني منها (والتشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص) . ومما يجدر ذكره، أن الحضارة الغربية كانت تنظر إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية استيطانية، ولذا فإن الانتشار اليهودي الحديث يتبع حركة الاستيطان الغربي بمعنى أنها حركة داخل إطار الإمبراطورية الإمبريالية الجديدة، ولا تختلف كثيراً عن حركة الجماعات اليهودية داخل الإمبراطوريات القديمة. وقد بدأ الاستيطان اليهودي في دول أمريكا اللاتينية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا. ولكن الولايات المتحدة، أهم التجارب الاستيطانية الغربية على الإطلاق، كانت مركز الجاذبية الأكبر، وقد اتجهت الجماهير اليهودية إلىها أساساً حتى أصبحت تضم أكبر التجمعات اليهودية وأكثرها قوة. ويمكن القول بأن معظم الدول التي انتشر فيها اليهود هي دول ساد فيها الاقتصاد الحر والوفرة الاقتصادية وتُحقِّق نوعاً من الحراك الاجتماعي للوافدين إليها.

وتُعَدُّ فلسطين آخر بلد للاستيطان اليهودي في العصر الحديث وأقلها جاذبية، ربما لأنها لا تقع في وسط العالم الغربي الذي يتجه إليه معظم يهود العالم في العصر الحديث وإنما تقع على أطرافه، أي أن نمط الهجرة من منظور المركز الفلسطيني لا يختلف في القرن الأول من الألف الأول الميلادي عنه في القرن الأخير من الألف الثاني، فهي هجرة لا تتجه إليه وإنما هي هجرة تتجه بعيداً عنه.
حركة هجرة اليهود في العالم من 1840 - 1942
وجدول (1) يبيِّن حركة هجرة اليهود في العالم من 1840 إلى 1942، وهي أهم فترات الهجرة.
يُلاحَظ من جدول (1) أنه من مجموع 3.917.388 من المهاجرين، لم يتجه سوى 378.956 إلى فلسطين في فترة مائة عام تمتد من 1840 حتى عام 1942، وذلك رغم كل النشاط الاستعماري والصهيوني المكثف. ومن الطريف أن هذا العدد مساو تقريباً لعدد اليهود الذين اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية في الفترة نفسها، (376.227) بفارق 2.629 يهودياً. ولو استبعدنا الهجرة فيما بعد عام 1931 حيث أغلقت أمريكا اللاتينية أبوابها، فسنكتشف أن عدد المهاجرين إلى أمريكا اللاتينية كان 270.601 مقابل 125,944إلى فلسطين. بل إن بلداً واحداً مثل الأرجنتين هاجر إليه 191.551، أي أكثر من كل الذين هاجروا إلى فلسطين في الفترة نفسها (وبحسب إحصاءات روبين، كان يوجد في الأرجنتين في عام 1930 نحو 220 ألفاً و291 ألفاً في أمريكا اللاتينية كلها) . كما أن بلداً مثل كندا كان يضم 150 ألف يهودي في عام 1930، بينما كانت فلسطين لا تضم سوى 170 ألفاً. ولكن التحدي الأكبر لأرض الميعاد كان يأتي من البلد الذهبي أو «الجولدن مدينا» ، أي الولايات المتحدة. ففي الفترة التي نشير إلىها، هاجر إلى الولايات المتحدة 2.801.890 مقابل 378.956 هاجروا إلى فلسطين.
عدد المهاجرين إلى كل من الولايات المتحدة وفلسطين فى الفترة 1915- مايو 1948 (جدول 2 (

1915) الولايات المتحدة 26497 فلسطين 0) (1916 الولايات المتحدة 15108 فلسطين 0) (1917 الولايات المتحدة 17342 فلسطين 0 1918) (الولايات المتحدة 3672 فلسطين 0) (1919 الولايات المتحدة 3055فلسطين1806 1920) الولايات المتحدة 14292فلسطين8223) (1921الولايات المتحدة119036فلسطين8294) (1922الولايات المتحدة53524فلسطين8685) (1923الولايات المتحدة49719فلسطين8175) (1924الولايات المتحدة 49989فلسطين13892) (1925 الولايات المتحدة 10292فلسطين34386) (1926 الولايات المتحدة 10267فلسطين13855) (1927الولايات المتحدة 11483فلسطين3034) (1928 الولايات المتحدة 11639 فلسطين5249) (1929 الولايات المتحدة 12479 فلسطين 5249) (1930 الولايات المتحدة 11526 فلسطين 4944) (1931 الولايات المتحدة 5692 فلسطين 4075) (1932 الولايات المتحدة 2755 فلسطين 12553) (1933 الولايات المتحدة 2372 فلسطين 37337) (1934 الولايات المتحدة 4134 فلسطين 45267) (1935الولايات المتحدة 4837 فلسطين 66472) (1936 الولايات المتحدة 6252 فلسطين 29595) (1937 الولايات المتحدة 11352 فلسطين10629) (1938 الولايات المتحدة 19736 فلسطين 14675) (1939 الولايات المتحدة 43450 فلسطين 31195) (1940 الولايات المتحدة 36945 فلسطين 10643) (1941 الولايات المتحدة 23737 فلسطين 4592) (1942 الولايات المتحدة 10608 فلسطين 4206) (1943 الولايات المتحدة 4705 فلسطين 10063) (1944 الولايات المتحدة 15552) (1945 الولايات المتحدة 15259) (1946 الولايات المتحدة 18760) (1947 الولايات المتحدة 22098)
(1948 الولايات المتحدة 17165 (

ويُلاحَظ من جدول (2) أن الولايات المتحدة استوعبت نحو 2.000.000 مهاجر يهودي من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 2.650.000 والذين أتوا أساساً من أوربا الشرقية ثم الوسطى، أي أنها استوعبت حوالي 86% من مجموع المهاجرين اليهود. وقد استقر نحو 350 ألف مهاجر يهودي في أوربا الغربية، ونحو 300 ألف في باقي بلدان العالم، واستوعبت كندا نحو 4% والأرجنتين 5% وجنوب أفريقيا 2%. ولم يستوطن فلسطين سوى 50 ألفاً، أي حوالي 2% من مجموع المهاجرين. وقد استمر الوضع على ذلك في الفترة 1915 - 1931، أي قبل ظهور هتلر، إذ استوعبت الولايات المتحدة 55% من مجموع 760 ألف مهاجر يهودي واستوعبت كندا 6%، والأرجنتين 10%، واستوعبت بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى 9%، وجنوب أفريقيا 2%، والبلاد الأخرى 3%. ولم يستوطن فلسطين سوى 15% على الرغم من أنه لم تكن توجد آنذاك قيود على الاستيطان فيها.
ولم يحدث أي تغيير إلا بعد إغلاق أبواب الهجرة إلى الولايات المتحدة ثم إلى بلاد الاستيطان الأخرى في أوربا وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا.

وقد بلغ الاستيطان اليهودي في فلسطين ذروته في الفترة بين عامي 1932 و1939، حيث استوطن فلسطين حوالي 46% من مجموع المهاجرين اليهود البالغ عددهم 540 ألفاً، ولم يستوطن الولايات المتحدة سوى 20%. وقد بلغ عدد المستوطنين الصهاينة في الفترة 1931 ـ 1935، أي خلال أربعة أعوام، حوالي 147.502 (165.704 بحسب تقديرات الموسوعة اليهودية) وهو عدد يساوي عدد كل المستوطنين الموجودين بالفعل والذين كانوا قد استوطنوا فلسطين خلال الفترة من عام 1882 إلى عام 1930. وفي الفترة من عام 1936 إلى عام 1939، هاجر 75.510 تَذكُر الموسوعة اليهودية هذا الرقم على أنه 86.049) . وشهدت الفترة بين عامي 1940 و 1948 تَحوُّلاً طفيفاً في نمط الهجرة إذ اتجه 125 ألف مهاجر يهودي من مجموع 300 ألف، أي 42% من مجموع المهاجرين، إلى الولايات المتحدة، واتجه إلى فلسطين 120 ألفاً أي 40% فقط. وقد أدَّى هذا إلى ظهور كثافة سكانية يهودية في فلسطين لم تكن موجودة قبل وصول هتلر إلى الحكم، فكأن الفوهرر نجح خلال ثمانية أعوام، عن طريق خَلْق الظروف الموضوعية لهجرة الىهود من أوربا، في إنجاز ما لم تنجح الحركة الصهيونية والاستعمار العالمي في إنجازه خلال نصف قرن (1882 ـ 1931) ، أي أن الصهيونية الموضوعية البنيوية أكثر كفاءة وفعالية من الصهيونية العقائدية. فقد هاجر في تلك الفترة نحو ثلاثة ملايين يهودي من وطنهم الأصلي ولم تتجه سوى قلة منهم إلى فلسطين. ومع هذا، لا يمكن إنكار دور الصهيونية والاستعمار في خلق هذا الموقف الصهيوني البنيوي. والواقع أن الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة، أوصدت بابها دون اللاجئين اليهود وغير اليهود بسبب ظروف الكساد الاقتصادي. أما الصهاينة، فقد أبرموا مع النازيين معاهدة الهعفراه التي ساهمت في توجيه هجرة يهود ألمانيا إلى فلسطين بحيث يتحولون إلى مستوطنين. وقد سمحت لهم السلطات الألمانية بأخذ جزء كبير من ثرواتهم معهم.

ويمكننا أن نَخلُص من ذلك إلى أن فلسطين لا تمثل نقطة جذب بالنسبة إلى يهود العالم، وإلى أن اليهود هاجروا إلىها بسبب عوامل الطرد الحادة في أوربا وعدم وجود منافذ أخرى لا بسبب عوامل الجذب فيها.
ولعل الاستثناء الأساسي الآخر من النمط العام لهجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث هو الفترة الممتدة من 1948 حتى أواخر الخمسينيات، حيث قامت الحركة الصهيونية بحركة ضغط هائلة لنقل اللاجئين اليهود من ضحايا الحرب العالمية الثانية إلى فلسطين. وفي الفترة نفسها، أدَّى إعلان الدولة اليهودية، ونشاط العملاء الصهاينة، وجَهْل بعض الحكومات العربية، إلى خَلْق وضع متوتر بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي، فهاجرت أعداد كبيرة منهم واستوطنت فلسطين. وعلى أية حال، يمكن رؤية حركة الهجرة اليهودية من البلاد العربية إلى فلسطين أيضاً بوصفها حركة هجرة إلى فلسطين باعتبارها البلدة الذهبية اليهودية وليس باعتبارها أرض الميعاد. والهدف ليس خلاص الروح، بطبيعة الحال، وإنما تحقيق الحراك الاجتماعي. فالعرب اليهود لم تُمكِّنهم ظروفهم الحضارية والاقتصادية، ولا خبراتهم، من الهجرة إلى أوربا والولايات المتحدة، فهاجروا إلى إسرائيل لتحقيق الحراك الاجتماعي الذي فشلوا في تحقيقه بالدرجة التي يطمحون إلىها داخل مجتمعاتهم العربية. ويُلاحَظ أن عدداً كبيراً من أعضاء النخبة الاقتصادية والثقافية هاجروا إلى فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، كما هاجر يهود الجزائر إلى فرنسا لأن ظروفهم سمحت بذلك.

وبعد تصفية هذه الكتلة البشرية اليهودية، يعود نمط الهجرة بين أعضاء الجماعات اليهودية إلى سابق عهده، أي يتجه اليهود مرة أخرى إلى الولايات المتحدة التي أصبحت نقطة جذب كما كانت من قبل. ومن ثم، نجد أن الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي تواجه مشاكل عميقة ـ من المنظور الصهيوني ـ لأن المهاجرين يغيرون اتجاههم في النمسا أو أية محطات انتقالية أخرى، وبدلاً من أن يتوجهوا إلى فلسطين المحتلة ليصبحوا مستوطنين صهاينة يتجهون إلى الولايات المتحدة ليصبحوا مهاجرين. وحينما هاجر يهود الجزائر عام 1965، ويهود أمريكا اللاتينية منذ الستينيات وحتى الآن، ثم يهود إيران، فإنهم لم يتجهوا إلى فلسطين وإنما إلى فرنسا والولايات المتحدة. ويُلاحَظ أن يهود جنوب أفريقيا يتجهون أيضاً إلى الولايات المتحدة، وربما إلى جيوب استيطانية أخرى مثل أستراليا، ولقد بدأ المستوطنون الصهاينة أنفسهم يتبعون هذا النمط. ويبلغ أعضاء الدياسبورا الإسرائيلية في الولايات المتحدة نحو 750 ألف، حيث يزيد عدد النازحين من إسرائيل إلى الولايات المتحدة على عدد اليهود الذين يذهبون إلى الدولة الصهيونية للاستيطان.

ويدل تَدفُّق الهجرة اليهودية على وطن الاقتصاد الحر والفرص الاقتصادية بعيداً عن «أرض الميعاد» ، على أن حركيات التاريخ وتركيبية النفس البشرية تؤكد نفسها على الدوام وتكتسح في طريقها كثيراً من التحيزات العقائدية الاختزالية. ولتزويد الكيان الصهيوني بالمادة القتالية اللازمة لاستمرار اضطلاعه بدوره القتالي، أغلقت الولايات المتحدة أبوابها أمام المهاجرين السوفييت حتى يضطروا إلى التدفق صاغرين إلى الدولة الصهيونية. كما تمارس المنظمة الصهيونية شتى أنواع الضغط على ألمانيا لكي لا تفتح أبوابها أمام المهاجرين السوفييت الذين يقرعون أبوابها. كما أنها تعلن عن شتى المغريات المالية للمهاجرين الجدد. وعلى كلٍّ بعد تَدفُّق نصف مليون يهودي روسي على إسرائيل (وليس الملايين التي تَحدَّث عنها الإعلام العالمي، أي الغربي، والعربي) على مدار عشرة أعوام تقريباً، نضبت منابع المادة البشرية الاستيطانية اليهودية في شرق أوربا، خصوصاً العناصر الشابة الراغبة في الهجرة والقادرة عليها. وسيعود النمط القديم ليؤكد نفسه، أي تَدفُّق اليهود على أرض الميعاد الذهبية الأمريكية، أو أي أرض ميعاد أخرى تُحقِّق لهم الحراك الاجتماعي.
وبدلاً من تسمية الظواهر بأسمائها، تشير الأدبيات الصهيونية إلى الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة أو العالم المتقدم أو الحر بما يسمونه «الشتات الجديد» ونشير إلى ذلك بأنه «الدياسبورا الدائمة» .
الدياسبورا الدائمة
‏Permanent Diaspora

«الدياسبورا الدائمة» مصطلح قمنا بصكه لنَصف وَضْع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فرغم كل الادعاءات الصهيونية، ورغم استخدام مصطلح «الدياسبورا» لوصف وضعهم، إلا أن غالبيتهم تؤثر البقاء خارج فلسطين في المَنْفَى. فالدياسبورا أو الشتات اليهودي مسألة طوعية وليست مسألة مرتبطة بعملية قسر خارجية. وحالة الدياسبورا أو الانتشار هي حالة دائمة بغض النظر عما يحدث في فلسطين. بل إن اتجاه بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى فلسطين للاستقرار فيها أحياناً، ينبع من حركيات لا علاقة لها بصهيون.
وفيما يلي جدول بأعداد أعضاء الجماعات اليهودية في فلسطين المحتلة والعالم، يدل على أن الدياسبورا حالة دائمة ونهائية بالفعل.
أعداد اليهود في فلسطين المحتلة والعالم
(سنة 1882 عددهم قي فلسطين 24000 نسبتهم ليهود العالم 0.3%) (سنة1900 عددهم قي فلسطين 50000 نسبتهم ليهود العالم 0.5%) (سنة 1925 عددهم قي فلسطين 122000 نسبتهم ليهود العالم 0.8%) (سنة 1940 عددهم قي فلسطين 467000 نسبتهم ليهود العالم 2.8%) (سنة 1948 عددهم قي فلسطين 650000 نسبتهم ليهود العالم 5.7%) (سنة 1951 عددهم قي فلسطين 1404000 نسبتهم ليهود العالم 12.2%) (سنة 1965 عددهم قي فلسطين 2299000 نسبتهم ليهود العالم 17.1%) (سنة 1975 عددهم قي فلسطين 2959000 نسبتهم ليهود العالم 20.9%) (سنة 1980 عددهم قي فلسطين 3282700نسبتهم ليهود العالم 25%) (سنة 1985 عددهم قي فلسطين 3510000 نسبتهم ليهود العالم 27 (%
أي أن رُبع الشعب اليهودي وحسب قرر الاستيطان في فلسطين، الأمر الذي يعني أن أغلبيته الساحقة آثرت العيش في «المَنْفَى» ،رغم أن الدولة الصهيونية فتحت أبوابها على مصراعيها أمامهم.
كل هذا يعني في واقع الأمر أن المنفى ليس بمَنْفَى، وأن أرض الميعاد والعودة ليست أرض الميعاد أو العودة رغم كل الادعاءات الصهيونية.
الدياسبورا الإلكترونية
‏Electronic Diaspora

«الدياسبورا الإلكترونية» مُصطلَح صهيوني جديد ظهر مؤخراً يعبِّر عن أن المؤسسة الصهيونية قد قبلت الدياسبورا كحالة نهائية، ولذا بدلاً من مطالبة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم بأن يهاجروا إلى إسرائيل ويستوطنوا فيها، وبدلاً من النظر إليهم باعتبارهم " خونة " لعدم " عودتهم " إلى إسرائيل، تقبل الحركة الصهيونية بقاء يهود العالم في أوطانهم وتحاول أن تربط الخبراء والفنيين منهم بمستقبل إسرائيل بحيث يساهمون في تقدُّم إسرائيل العلمي بخاصة في مجال الإلكترونيات، وعلى أن تطوِّر إسرائيل شبكة للتعاون الإلكتروني يتحكم فيها يهود العالم تحت إشراف إسرائيل.
وهذا التصوُّر تعبير عن اليأس الصهيوني من "عودة" اليهود، ولعل هذا يُفسِّر نغمته البروتوكولية (يهود العالم - الدولة الصهيونية - شبكة إلكترونية يهودية.. إلخ) .

الجماعات اليهودية إشكاليات - عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية - إشكالية التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين
‏Collaboration between Some Members of the Jewish Communities and the Nazis
من الموضوعات التي لم يتم بحثها بالقدر الكافي، لأسباب معروفة، قضية تورُّط بعض أعضاء الجماعات اليهودية (من الصهاينة وغير الصهاينة) في علاقة تعاون وثيقة مع النازيين. وقد أخذ هذا التعاون أشكالاً كثيرة من بينها عدم الاشتراك في المقاومة أو التعاون الاقتصادي والثقافي مع النازيين. ولكن أهم أشكال التعاون وأوثقها هو التعاون المؤسَّسي بين المستوطنين الصهاينة والنظام النازي والنظام الفاشي الذي أخذ شكل معاهدة الهعفراه. ومن أهم الشخصيات الصهيونية التي تعاونت مع النازي ألفريد نوسيج.
مقاومة الجماعات اليهودية للنازية
‏Jewish Resistance to Nazism
يُثير بعض الدارسين تساؤلاً بخصوص المقاومة اليهودية والصهيونية للنازيين، وهي مسألة خلافية مركبة. ومما يجدر ذكره أنه حين استولى هتلر على السلطة عام 1933، ظلت هناك جيوب رافضة داخل المجتمع الألماني صعَّدت المقاومة ضده من منظور ليبرالي. كما كانت هناك حركة مقاومة ثورية نظمتها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، فالنازية حركة شمولية تقف ضد مصلحة الطبقة العاملة. كما كانت هناك مقاومة من منظور يميني تدعمها قطاعات معينة من الرأسمالية الألمانية الكبيرة. وكانت هناك أيضاً مقاومة من منظور تقليدي أرستقراطي باعتبار أن النازية تقضي على امتيازات الطبقة الأرستقراطية الألمانية التقليدية ومكانتها. إذ كانت النازية، على مستوى من المستويات، عملية تحديث سريعة وراديكالية تمت تحت إشراف عناصر من البورجوازية الصغيرة لا تحترم التقاليد وتقضي على سائر الخصوصيات وتحاول أن تنجز في عشرة أعوام ما أنجزته أوربا في مئات الأعوام. وقد تمركزت المقاومة التقليدية في الجيش ووزارة الخارجية، وكانا يضمان أعداداً كبيرة من أعضاء الطبقة الأرستقراطية. وبالمثل قام البولنديون بحركة مقاومة عنيفة ضد النازيين، هذا بخلاف حركات المقاومة في فرنسا وغيرها من الدول.

وقد بيَّن كثير من الكُتَّاب أنه لم تنشأ أية مقاومة يهودية في أرجاء أوربا، مع أن مثل هذه المقاومة كان بوسعها أن تصيب آلة الإبادة النازية بالشلل أو تحد من سرعتها أو تعطلها، خصوصاً أنها كانت مرهَقَة. ولم تبدأ المقاومة اليهودية جدياً في وارسو، التي كان 45 في المائة من سكانها من اليهود، إلا في أوائل عام 1943، عندما بدأت موازين القوى تميل لصالح الحلفاء وحين قررت برلين تدمير حارة اليهود، وكان الوقت قد فات على إنقاذ نزلاء المعسكرات.
ومن الأسباب الأساسية التي يطرحها البعض لتفسير ضعف المقاومة اليهودية رغم الشراسة النازية هو الموقف الصهيوني، إذ يبدو أن الصهاينة لم يبدوا حماساً كبيراً في حربهم ضد النازية، وكانوا غير مكترثين بالمقاومة ضد النازيين. وفي مجال هجومه على المشروع الصهيوني، حذر المفكر الاشتراكي كارل كاوتسكي من الآثار الضارة للصهيونية التي توجه جهود اليهود وثرواتهم إلى الاتجاه الخاطئ (الاستيطان في فلسطين) في وقت تتقرر فيه مصائرهم في مسرح مختلف تماماً (أوربا وألمانيا) حيث يجب عليهم أن يركزوا فيه كل قواهم. وكان كاوتسكي يشير بذلك إلى أن ملايين اليهود في شرق أوربا (بين ثمانية وعشرة ملايين) لم يكن من الممكن تهجيرهم إلى فلسطين. وبدلاً من تنظيمهم وتوجيه طاقاتهم، حتى يكونوا مهيئين للدفاع عن أنفسهم حينما تقع الواقعة، كانت القيادات الصهيونية تركز على تهجير بضع مئات منهم إلى أرض الميعاد.

ولكن الاعتبارات الصهيونية كانت مختلفة تمام الاختلاف عن ذلك، إذ قرر الصهاينة اتخاذ موقف الحياد من المقاومة، باعتبار أن اليهود لهم مصالحهم وحروبهم المختلفة، وأن هدفهم الوحيد هو تأسيس الدولة الصهيونية. ولذا نادى كثير من الصهاينة بعدم الاشتراك في الحركات المعادية للنازية والفاشية. وقد بيَّن ماريك إيديلمان، أحد قواد تمرد جيتو وارسو، في حديث له مع مجلة هآرتس أن الأبطال الحقيقيين للمقاومة كانوا أعضاء حزب البوند واليهود المعادين للصهيونية والشيوعيين والتروتسكيين والصهاينة اليساريين، أما أعضاء التيار الصهيوني الأساسي فكان موقفهم هو موقف الحياد إياه. وكلما كان النضال ضد النازية يزداد ضراوة، كان الصهاينة يزدادون ابتعاداً عن بقية اليهود. ومن المعروف أن القوات النازية كانت تقيم مجالس لليهود في البلاد التي تحتلها بعد حل كل التنظيمات اليهودية، ويُقال إن أغلبية أعضاء هذه المجالس كانوا من الصهاينة (وإن كان هذا يحتاج إلى مزيد من التمحيص) . ومن الثابت تاريخياً أن المجالس اليهودية كانت أداة ذات كفاءة عالية في إدارة عملية الإبادة.
وقد تعاون كثير من الأفراد اليهود (غير الصهاينة) مع النازيين، وهم في هذا لا يختلفون عن مئات الأوربيين الآخرين الذين كانوا مجرد موظفين ينفذون الأوامر التي تَصدُر إليهم. كما لم يكترث يهود فرنسا بنقل اليهود الذين ليسوا من أصل فرنسي، تماماً مثلما أظهر يهود ألمانيا عدم اكتراث بنقل اليهود الأوست يودين (أي يهود شرق أوربا) . بل إن بعض الكُتَّاب اليهود أثاروا قضية دور الحاخامات في أوربا وفشلهم في قيادة حركة المقاومة. ومن المعروف أن قساً كاثوليكياً وواعظاً بروتستانتياً تطوعا للذهاب مع المرحلين إلى معسكرات الاعتقال، بينما لم تلعب الحاخامية دوراً مماثلاً.

والموضوع، كما أسلفنا، خلافي للغاية، فثمة نظرية تذهب إلى أن المقاومة لم تكن على أية حال لتجدي فتيلاً، وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني لم تكن تمانع في الإبادة، كما أن آلة الحرب والمخابرات والإبادة الألمانية كانت على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على الفتك. ومن الممكن تطبيق نفس المقولة على هؤلاء الأغيار المتهمين بعدم مقاومة النازي، فلعلهم توصلوا هم أيضاً إلى عدم جدوى المقاومة. ولكن هذا القول الذي ينطبق على الجماعة اليهودية في ألمانيا لا يسري بأية حال على يهود بولندا الذين كانوا يُشكِّلون كثافة سكانية لا بأس بها، وكان بوسعهم المقاومة والانضمام إلى الشعب البولندي الذي كان يقاوم الغزو النازي.
ومن القضايا الأخرى التي تُثار في هذا السياق موقف المستوطنين الصهاينة. فقد كانت إحدى دعاوى إقامة الدولة الصهيونية أنها ستكون ملجأ لليهود يحميهم من هجمات الأغيار ومذابحهم. ولكن حينما دخلت قوات روميل حدود مصر وبدأت تتقدم نحو الإسكندرية، اكتشف المستوطنون الصهاينة عبث المقاومة، بل ضعت بعض الكيبوتسات خطة للانتحار. والقدرة على الانتحار تختلف بشكل جوهري (في تصورنا) عن المقاومة والإنقاذ. ولكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن الانتحار يفقد الجيب الصهيوني شرعيته كملجأ أخير ونهائي لليهود.
ويبدو أن يهود الولايات المتحدة (الذين يُشكِّلون أكبر جماعة يهودية في العالم) لم يلعبوا دوراً فعالاً بما فيه الكفاية في محاولة حماية يهود ألمانيا. وقد حاولت إحدى المنظمات اليهودية الأمريكية، عام 1981، فتح ملف تقصير الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولكنها أغلقته بسرعة بدعوى أن الموضوع محرج ومؤلم، وهو كذلك بالفعل. لكن هذا لا يبرر إغلاق التحقيق، وخصوصاً أن الاتهامات الصهيونية للحكومة الأمريكية والفاتيكان والكنيسة بالتقصير لم تتوقف.
الفاشية والصهيونية
‏Fascism and Zionism

من أهم الأفكار الغربية التي نبتت الصهيونية في تربتها، الأفكار السياسية الخاصة بالقومية العضوية وبالدولة القومية باعتبارها المرجعية الوحيدة والركيزة الأساسية للنسق، وهي الأفكار التي تصبح تقديساً للدولة وانصياعاً لزعيمها في الأنساق الشمولية. وقد تبنت الصهيونية كل هذه الأفكار وتحركت في إطارها، فأنشأت علاقة مع النظام الفاشي (في إيطاليا) والنظام النازي (في ألمانيا) .
وقد أكد موسوليني منذ بداية حكمه أن الفاشيه لا علاقة لها بالعداء لليهود. وفي 30 أكتوبر 1930 أصدر قراراً بدمج كل التجمعات اليهودية في إيطاليا في اتحاد فاشي يمثل كل يهود إيطاليا بغير استثناء، وأصبح هذا الاتحاد إحدى الوكالات الرسمية للحكومة الفاشية. حيث نصت المادة 35 من قانون تأسيس هذا الاتحاد على أن اليهود هم سفراء الفاشية للعالم، وعلى ضرورة أن يشترك اتحاد التجمعات اليهودية في إيطاليا في النشاطات الدينية والاجتماعية ليهود العالم، وأن يحتفظ بعلاقاته الدينية والثقافية معهم.
وفي يناير 1923 قام حاييم وايزمان بوصفه رئيس المنظمة الصهيونية بزيارة موسوليني، لمحاورته بشأن الصهيونية والدعم الفاشي الممكن تقديمه إلى الحركة. واكتشف الزعيم الصهيوني أن اعتراض موسوليني على الصهيونية مرده إحساسه بأن الصهيونية أداة لإضعاف الدول الإسلامية لصالح الإمبراطورية البريطانية. فرد وايزمان عليه رداً مقنعاً بيَّن له فيه أن إضعاف الدول الإسلامية سيعود أيضاً على إيطاليا بالنفع، وأضاف أن شروط حكومة الانتداب ذاتها تفتح المجال أمام إيطاليا أو أية دولة أخرى للمشاركة في تطوير هذا البلد (أي تصدير العمالة الفائضة والحصول على امتيازات تجارية، على حد قول وايزمان) ، وأن في وسع إيطاليا أن تفعل ذلك إذ اعتمدت الميزانية اللازمة. وانتهى الاجتماع بتفاهم كامل بين الطرفين، سمح موسوليني على أثره بتعيين يهودي إيطالي في الوكالة اليهودية.

وحينما دُعي وايزمان مرة أخرى إلى إيطاليا في سبتمبر 1926، عرض موسوليني أن يُقدم المساعدة للصهاينة كي يبنوا اقتصادهم، وقامت الصحافة الفاشية بنشر مقالات مؤيدة للصهاينة. كما قام ناحوم سوكولوف، باعتباره رئيس اللجنة التنفيذية في المنظمة الصهيونية، بزيارة إيطاليا عام 1927 وصرح بأنه أدرك الطبيعة الحقة للفاشية، وأكد أن اليهود الحقيقيين لم يحاربوا قط ضدها. ولا شك في أن كلماته هذه تحمل معنى التأييد الكامل للنظام الفاشي، وقد تبعته في ذلك المنظمة الصهيونية في إيطاليا. ومن الزعماء الصهاينة الذين زاروا إيطاليا الفاشية، ناحوم جولدمان الرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي الذي استمع إلى الزعيم الإيطالي وهو يُعرب عن حماسه للمشروع الصهيوني وعن استعداده الكامل لمساندته.
وقد تعلم جابوتنسكي الكثير من الفاشية الغربية، وكان يُعبِّر عن إعجابه الشديد بالدوتشي وفكره، وبالتنظيمات الشبابية الفاشية التي حاولت المنظمات الشبابية التصحيحية التشبه بها في زيها الرسمي. وكال موسوليني المديح والتقريظ لجابوتنسكي حين قال مرة للحاخام ديفيد براتو الذي أصبح فيما بعد حاخام روما: «كي تنجح الصهيونية يجب أن تحصلوا على دولة يهودية لها علم يهودي ولغة يهودية، والشخص الذي يفهم ذلك حقاً هو الفاشي جابوتنسكي» . كما نعت موسوليني نفسه ضمناً بأنه صهيوني يدافع عن فكرة الدولة اليهودية. ورغم أن جابوتنسكي لم يكن يرتاح أحياناً إلى وصفه بالفاشي، فإن موقفه بشكل عام كان موقف المؤيد للفاشية والمعجب بها.
النازية والصهيونية: الأصول الفكرية المشتركة والتماثل البنيوي
‏Nazism and Zionism (Common Intellectual Origins and Structural Parallelism)

رغم الدعاية الصهيونية الشرسة وتأكيد احتكار اليهود لدور الضحية في عملية الإبادة التي قام بها النازيون ضد كثير من الشعوب والأقليات الإثنية والدينية والعرْقية، فإن ثمة علاقة وطيدة بين الصهيونية والنازية تستحق الدراسة. وقد يكون من المفيد ابتداءً أن نقرر أن النازية والصهيونية ليستا بأية حال انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة بل يمثلان تيارين أساسيين فيها. ولعل أكبر دليل على أن الصهيونية جزء أصيل من الحضارة الغربية أن الغرب يحاول تعويض اليهود عما لحق بهم على يد النازيين بإنشاء الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين، وكأن جريمة أوشفيتس يمكن أن تُمحَى بارتكاب جريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت أو مذبحة قانا. وقد أنجزت الصهيونية ما أنجزت من اغتصاب للأرض وطرد وإبادة للفلسطينيين من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، واستخدمت كل أدواته من غزو وقمع وترحيل وتهجير. والغرب، الذي أفرز هتلر وغزواته، هو نفسه الذي نظر بإعجاب إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت وأنحاء أخرى من العالم العربي. وهو الذي ينظر بحياد وموضوعية داروينية للجريمة التي ارتكبت والتي تُرتكب يومياً ضد الشعب الفلسطيني.

ولابد أن نقرر أن الصهيونية لم تقم بعملية إبادة شاملة (بمعنى التصفية الجسدية) للفلسطينيين، إلا أن هذا يرجع إلى اعتبارات عملية عديدة لا علاقة لها بالبنية الإبادية للأيديولوجية الصهيونية، من بينها تأخر التجربة الصهيونية إلى أواخر القرن التاسع عشر، وعدم إعلان الدولة الصهيونية إلا في منتصف القرن العشرين، وهو ما جعل الإبادة مسألة عسيرة بسبب وجود المنظمات الدولية والإعلام. كما كان شأن الكثافة السكانية العربية وتماسك العرب وانتمائهم إلى تشكيل حضاري مركب ومقدرتهم على التنظيم والمقاومة والانتفاضة أن أصبحت الإبادة حلاًّ مستحيلاً (ومع هذا لابد من الإشارة إلى عمليات الإبادة الجسدية والتي تمت في صفد ودير ياسين وكفر قاسم، وغيرها من مدن وقرى في فلسطين، حيث لم تكن الممارسة الصهيونية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين، بقدر ما كانت تهدف إلى قتلهم وإبادتهم. وبالمثل كانت عملية صابرا وشاتيلا ذات طابع إبادي واضح) . كما أن الإبادة بمعنى التهجير والتسخير والقمع والاستغلال هي حدث يومي داخل الإطار الصهيوني.
إن الحضارة الغربية الحديثة هي التي أفرزت الإمبريالية والنفعية الداروينية والنازية والصهيونية، ولذا فليس من المستغرب أن نجد مجموعة من الأفكار المشتركة بين الرؤيتين النازية والصهيونية التي تُشكِّل الإطار الحاكم لكل منهما:
1 ـ القومية العضوية والتأكيد على روابط الدم والتراب، وهو ما يؤدي إلى استبعاد الآخر (الشعب العضوي المنبوذ (.
2 ـ النظريات العرْقية.
3 ـ تقديس الدولة.
4 ـ النزعة الداروينية النيتشوية.

كما يظهر التماثل البنيوي بين النازية والصهيونية في خطابهما. فكلاهما يستخدم مصطلحات القومية العضوية مثل «الشعب العضوي (فولك) » و «الرابطة الأزلية بين الشعب وتراثه وأرضه» و «الشعب المختار» . وقد سُئل هتلر عن سبب معاداته لليهود، فكانت إجابته قصيرة بقدر ما كانت قاسية: "لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران. ونحن وحدنا شعب الإله المختار. هل هذه إجابة شافية على السؤال؟ ". ويتحدث مارتن بوبر عن أن الرابطة بين اليهود وأرضهم هي رابطة الدم والتربة، ومن ثم يطالب بضرورة العودة إلى فلسطين حيث توجد التربة التي يمكن للدم اليهودي أن يتفاعل معها ويبدع من خلالها، وهي مسألة أشار إليها كل من الكاتبين الصهيونيين ميخا بيرديشفكي وشاؤول تشرنحوفسكي، حيث تحدثا عن الشعب العضوي اليهودي بالعبارات نفسها ونسبا إليه الخصائص نفسها. كما استخدم الصهاينة مفهوم «الدم اليهودي» لتعريف الهوية اليهودية.
وأثناء محاكمات نورمبرج، كان الزعماء النازيون يؤكدون، الواحد تلو الآخر، أن الموقف النازي من اليهود تمت صياغته من خلال الأدبيات الصهيونية، خصوصاً كتابات بوبر عن الدم والتربة. وقد أشار ألفريد روزنبرج، أهم المنظرين النازيين، إلى أن «بوبر على وجه الخصوص هو الذي أعلن أن اليهود يجب أن يعودوا إلى أرض آسيا، فهناك فقط يمكنهم العثور على جذور الدم اليهودي» . ولعله، بهذا، كان يشير إلى حديث بوبر عن اليهود باعتبارهم آسيويين حيث يقول «لأنهم إذا كانوا قد طُردوا من فلسطين، ففلسطين لم تُطرد منهم» .

ومن الموضوعات الأساسية المشتركة فكرة النقاء العرْقي. وكان سترايخر (المُنظر النازي) يؤكد أثناء محاكمته، أنه تعلم هذه الفكرة من النبي عزرا: لقد أكدت دائماً حقيقة أن اليهود يجب أن يكونوا النموذج الذي يجب أن تحتذيه كل الأجناس، فلقد خلقوا قانوناً عنصرياً لأنفسهم، قانون موسى الذي يقول: "إذا دخلت بلداً أجنبياً فلن تتزوج من نساء أجنبيات". وكانت الأدبيات الصهيونية الخاصة بنقاء اليهود العرْقي ثرية إلى أقصى حد في أوربا حتى نهاية الثلاثينيات.
ويستخدم النازيون والصهاينة على حد سواء الخطاب النيتشوي الدارويني نفسه المبني على تمجيد القوة وإسقاط القيمة الأخلاقية. إذ يستخدم الصهاينة ـ شأنهم في هذا شأن النازيين ـ مصطلحاً محايداً، فهم لا يتحدثون عن طرد الفلسطينيين وإنما عن "تهجيرهم" أو "دمجهم في المجتمعات العربية". وهم لا يتحدثون مطلقاً عن «تفتيت العالم العربي» وإنما عن "المنطقة"، ولا يتحدثون عن «الاستيلاء» على القدس وإنما عن "توحيدها" ولا عن الاستيلاء على فلسطين أو «احتلالها» وإنما عن "استقلال" إسرائيل أو عن "عودة الشعب اليهودي" إلى أرض أجداده.

ويتضح التطابق بين النازيين والصهاينة بكل جلاء في واحد من أهم التنظيمات النازية. فقد كان النازيون ـ شأنهم شأن أية عقيدة تدور في إطار القومية العضوية ـ يؤمنون بوجود دياسبورا ألمانية ( «أوسلاندويتش Auslandeutsch» ) تربطها روابط عضوية بالأرض الألمانية. وأعضاء هذا الشتات الألماني مثل أعضاء الشتات اليهودي يدينون بالولاء للوطن الأم ويجب أن يعملوا من أجله. وربما لأن العودة للوطن الأم أمر عسير، كما هو الحال مع الصهاينة، اقترح النازيون ما يشبه نازية الشتات (مثل صهيونية الشتات) عن طريق تشجيع الألمان في الخارج على دراسة الحضارة واللغة الألمانيتين. وكان للنازيين ما يشبه المنظمة النازية العالمية التي كانت لها صلاحيات تشبه صلاحيات المنظمة الصهيونية العالمية، وكانت لها مكانة في ألمانيا تشبه من بعض الوجوه مكانة المنظمة الصهيونية في إسرائيل. وقد تعاون الألمان، في كل أنحاء العالم مع السفراء والقناصل الألمان، تماماً كما يتعاون اليهود والصهاينة مع سفراء وقناصل إسرائيل في بلادهم.

ولنا أن نلاحظ الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات الصهيونية الأساسية. فتيودور هرتزل وماكس نوردو وألفريد نوسيج وأوتو ووربورج كانوا إما من ألمانيا أو النمسا يكتبون بالألمانية ويتحدثون بها، كما كانوا ملمين بالتقاليد الحضارية الألمانية ويكنون لها الإعجاب ولا يكنون احتراماً كبيراً للحضارات السلافية (وقد غيَّر هرتزل اسمه من «بنيامين» إلى «تيودور» حتى يؤلمن اسمه، وسمَّى ماكس نوردو نفسه بهذا الاسم لإعجابه الشديد بالنورديين) . ولا يختلف زعماء يهود اليديشية عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساساً. ومن جهة أخرى، كانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى هي الألمانية، كما توجه الزعماء الصهاينة أول ما توجهوا لقيصر ألمانيا لكي يتبنى المشروع الصهيوني. وقد أكد جولدمان أن هرتزل قد وصل إلى فكرته القومية (العضوية) من خلال معرفته بالفكر والحضارة الألمانيين. وكان كثير من المستوطنين الصهاينة يكنون الإعجاب للنازية، وأظهروا تفهماً عميقاً لها ولمُثُلها ولنجاحها في إنقاذ ألمانيا. بل عدوا النازية حركة تحرر وطني. وقد سجل حاييم كابلان، وهو صهيوني كان موجوداً في جيتو وارسو (حينما كان تحت حكم النازي) ، أنه لا يوجد أي تناقض بين رؤية الصهاينة والنازيين للعالم فيما يخص المسألة اليهودية، فكلتاهما تهدف إلى الهجرة، وكلتاهما ترى أن اليهود لا مكان لهم في الحضارات الأجنبية.

وقد ظهرت في ألمانيا، في الثلاثينيات، جماعة من المفكرين الدينيين اللوثريين الذين أدركوا العناصر الفكرية المشتركة بين النازية الصهيونية وأبعادها العدمية. ومن هؤلاء هاينريش فريك الذي حذر اليهود من فكرة الشعب العضوي التي يدافع عنها النازيون والصهاينة، كما عَرَّف كلاً من النازية والصهيونية بأنهما حركتان حولتا النزعة الأرضية (الارتباط بالأرض) والدنيوية (الارتباط بالدنيا) ، وهما من الأمور المادية، إلى كيانات ميتافيزيقية، أي إلى دين. وأشار إلى أن النازية والصهيونية تتبنيان الرأي القائل بأن ألمانيا لا يمكنها أن تقبل اليهود أو تظهر التسامح تجاههم.
وفي عام 1926، حدد فيلي ستارك ما تصوره موقف المسيحية من مسألة الشعب العضوي. فأشار إلى نقط التشابه بين الصهيونية والنازية، فكلتاهما تدور حول قيمة مطلقة تحيطها القداسة الدينية، الدم والتربة، وهي قيمة تضرب بجذورها في المشاعر الأسطورية الكونية، وفي ممالك الأرض بدلاً من مملكة السماء. ومن ثم، توصَّل فيلي ستارك إلى أنه لا يوجد أي مجال للتفاهم بين المسيحية وعبادة الشعب العضوي (فولك) الصهيونية أو النازية. كما توصل إلى أن كلاً من الصهيونية (التي تحاول أن تؤسس الهيكل الثالث أي الدولة الصهيونية) والنازية (التي أسست الرايخ الثالث أي الدولة النازية) تجسيد لعدم فهم البُعد المجازي في العقيدة الألفية الاسترجاعية في المسيحية. وبالتالي، فإن كلتا الحركتين ضرب من ضروب المشيحانية السياسية (الأخروية العلمانية) التي تحوِّل الدنيوي المدنَّس إلى مقدَّس، وبذلك يُمثل كل منهما تهديداً لليهودية والمسيحية، بل للجنس البشري بأسره.
النيتشوية والصهيونية
‏Nietzscheanism and Zionism

تنبع النازية من عدة روافد في الفكر الغربي الحديث لعل أهمها على الإطلاق الفكر الفلسفي الرومانسي الألماني، وبخاصة الفكر النيتشوي أو النيتشوية. وقد يكون من المفيد أن نشير ابتداءً إلى أننا نميِّز بين الفكر النيتشوي وفلسفة نيتشه. ففلسفة نيتشه توجد في أعماله الفلسفية، وهي فلسفة متناقضة تحوي الكثير من الأفكار النبيلة والخسيسة والعاقلة والمجنونة. أما الفكر النيتشوي فهو منظومة شبه متكاملة، استنبطها الإنسان الغربي من أعمال نيتشه وحققت من الذيوع والشيوع ما يفوق أعمال نيتشه الفلسفية. وما يهمنا في دراسة تاريخ الأفكار هو الفكر «النيتشوي» وليس أعماله الفلسفية. فهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقرأوا صفحة واحدة من أعمال نيتشه، بل الذين اتخذوا مواقفهم النيتشوية قبل أن يخط نيتشه حرفاً واحداً. فالخطاب الإمبريالي، منذ لحظة ظهوره في القرن السابع عشر، كان خطاباً نيتشوياً.

يتَّسم موقف نيتشه من اليهود بالغموض، فهناك رأي يذهب إلى أنه كان معادياً لليهود. ومما ساعد على تدعيم هذا الرأي أن أخته إليزابيث ـ التي نفذت وصيته الأدبية ـ كانت متزوجة من برنارد فوستر وهو من أهم الداعين إلى معاداة اليهود. بل يُقال إن إليزابيث زيَّفت بعض خطابات نيتشه لتشيع هذه الصورة عنه. لكن مما لا شك فيه أن أعمال نيتشه تحتوي على إشارات لليهود واليهودية تحمل دلالات سلبية. وينبع سخطه على اليهودية بالدرجة الأولى من تصوره أن اليهودية هي أحد أشكال أخلاق الضعفاء. فعندما فقد اليهود دولتهم ولاقوا الاضطهاد وحُرموا من حريتهم في العالم الروماني، تجمَّع لديهم شعور مكبوت بالإساءة وصل إلى أقصى درجات غليانه فوُلدت المسيحية من رحم اليهودية، فهي ديانة التواضع والضعف والعبودية. وأخلاقيات المسيحية ألحقت ضرراً بالغاً بالحضارة الغربية الوثنية، ولكن القيم الأرستقراطية ثارت من جديد في عصر النهضة التي عارض رجالها القيم المسيحية التي سادت في العصور الوسطى. ثم عاد الإصلاح الديني يحاول أن يفرض أخلاق العبيد مرة أخرى، وهذا ما حاولته الثورة الفرنسية بعد ذلك. ووسط ثورة العبيد الأخيرة هذه، ظهر المثل الأعلى القديم مرة أخرى: نابليون. وبسقوطه سقط آخر شعاع نور صادر عن قيم السادة.

ولكن هناك جانباً آخر لنيتشه وهو رفضه لمعاداة اليهود، بل إنه اعتبر معاداة اليهود مجرد شكل آخر من أشكال ثورة العبيد الحديثة ضد السادة. كما كان نيتشه معجباً بالعهد القديم وما تصوره أسلوبه غير الأخلاقي ووصاياه التي لا تتضمن أي تهاون أو مساومة. وفي كثير من كتاباته، نجده يكيل المديح لليهود أكثر من الألمان، فاليهود عنصر قوي يتمتع بالصحة، وتدل صلابتهم وإبداعهم على مقدرتهم على القيام بعملية إعادة تقييم القيم. ولكن بغض النظر عن موقف نيتشه من اليهود أو اليهودية يظل ما يعنينا في هذا الجزء من دراستنا هو الفكر النيتشوي وأثره في الفكر الديني اليهودي وفي الفكر الصهيوني.

ولفهم هذا الجانب، قد يكون من المفيد أن نعرض لآراء المفكر الصهيوني الروسي أحاد هعام في هذا الموضوع، فهو يرى أن نيتشه لم يفهم اليهودية حق الفهم وخلط بينها وبين المسيحية. والعارفون باليهودية، حسب رأيه، سيكتشفون في التو أنه لا توجد أية حاجة لاستحداث نيتشوية يهودية، ذلك أن الجزء العام (أي الجزء الذي يتجاوز الخصوصية الألمانية) من الفلسفة النيتشوية موجود في اليهودية نفسها منذ قرون عديدة. فاليهودية ديانة لم تستند إلى فكرة الرحمة وحدها، ولم تُلزم الإنسان الأعلى اليهودي بالخضوع للجماهير، كما لو كان الهدف الأساسي من وجوده هو مجرد زيادة سعادة الأغلبية. ويمكن أن نضيف عناصر أخرى لم يذكرها أحاد هعام، فالعقيدة اليهودية، مثلاً، أصبحت نسقاً دينياً حلولياً متطرفاً، وهو ما يعني تحوُّل الشعب اليهودي إلى شعب مقدَّس، مكتف بذاته، يحوي مركزه داخله، لا يمكن الحكم عليه بمعايير أخلاقية خارجة عنه. بل إن الشعب اليهودي، حسب التراث القبَّالي، هو امتداد للخالق في الكون. ووجود الخالق ذاته وتوحده بعد تبعثره (كما جاء في التراث الأسطوري القبَّالي) يتوقف على قيام اليهود بممارسة الأوامر والنواهي. ويُبيِّن أحاد هعام أن المقولة الأساسية النيتشوية، الخاصة بتفوق النموذج الإنساني الأعلى على بقية البشر، هي نفسها مقولة يهودية. ولكن أحاد هعام يُحل فكرة الأخلاق محل القوة، ويشير إلى أن نيتشه يشكو من أنه (حتى الآن) لا توجد محاولة واعية لتعليم الناس بطريقة تؤدي لظهور الإنسان الأعلى، وهو ما يعرقل ظهوره. فالإنسان حيوان اجتماعي، ولذا فإن روح الإنسان الأعلى نفسها لا يمكنها أن تتحرر من الجو الأخلاقي الذي تعيش فيه. ويخلص أحاد هعام من هذا التحليل إلى أنه إذا كان الهدف من الحياة هو الإنسان الأعلى، فيجب أن نقبل بارتباط ظهوره بظهور الأمة الممتازة أو الأمة العليا، أي ينبغي أن تكون هناك أمة لها من السمات الذاتية ما يجعلها على استعداد

أكبر للنمو الأخلاقي بالمعنى النيتشوي، ولتنظيم حياتها على أساس قانون أخلاقي يعلو على النموذج العادي. هذه الأمة هي ولا شك التربة الخصبة التي ينبت فيها الإنسان الأعلى.
وإذا نظرنا إلى اليهودية من زاوية هذه الفلسفة، لتبين لنا، على حد قول أحاد هعام، أن معظم نقائصها، أو تلك النقائص التي يشير إليها الآخرون والتي يحاول العلماء اليهود أنفسهم إنكارها، تشكل نقطة قوة ولا تحتاج لإنكار أو اعتذار. ومن المعروف للجميع أن اليهود واعون بأنهم متفوقون أخلاقياً على الأمم كافة، وهو وعي يجسد نفسه في فكرة الشعب المختار. والاختيار غير مبني على حكم القوة لأن جماعة يسرائيل هي أصغر الأمم. فقد اختار الإله يسرائيل، لكي يُعبِّر هذا الشعب بشكل متعيِّن في كل جيل عن أعلى نموذج أخلاقي، ولكي يحمل عبء الواجبات الأخلاقية دون اعتبار للربح والخسارة بالنسبة لبقية البشر، بل للحفاظ على وجود هذا النموذج الراقي.
ويرى أحاد هعام أن هذه الفكرة تسيطر على الدين اليهودي. ولذلك، لم يحاول اليهود التبشير بدينهم لا بسبب الغيرة (كما يدَّعي الأعداء) ولا التسامح (كما ينادي المعتذرون) ، ولكن لأنهم لا يقبلون أن يجعلوا واجبهم نحو تجسيد النموذج الراقي هو واجب كل البشر، ففي هذا خفض لمستواه وتدن له. وهم في محاولتهم هذه، لن يفرضوا المسئولية على الآخرين ولن يشركوهم فيها، ووصف أحاد هعام للأمة المختارة هو ذاته وصف نيتشه للإنسان الأعلى.

ويشير أحاد هعام إلى محاولة بعض العلماء اليهود إضفاء غلالة من المعاصرة على فكرة الشعب المختار، كأن يحاولوا أن يوفقوا بينها وبين فكرة مساواة الشعوب، حيث يرون أن رسالة الشعب المختار هي نشر الخير وطريقة الحياة الخيرة بين كل الشعوب (كما يرى اليهود الإصلاحيون) . ولكن أحاد هعام يرفض هذه الليبرالية، فهو يصر على أن رسالة الشعب هي بكل بساطة أن يقوم بواجبه دون أي اعتبار للعالم الخارجي، لأن تأدية الواجب هي غاية في ذاتها وليست وسيلة لإسعاد العالم. وإذا كان اليهود القدامى قد عبَّروا عن الأمل في أن اليهودية سيكون لها أثر طيب على الأمم الأخرى، فهذا مجرد نتيجة وليس هدفاً، إذ يظل الهدف هو الانتماء لمثل أعلى ونموذج متفوق لا ينتمي إليه الآخرون ولا يشاركون فيه.

ويميِّز أحاد هعام بين وحش نيتشه الجميل الأشقر القوي المُدافع عن الجسد والعنف (الذي أصبح المثل الأعلى النازي) وبين الإنسان الأعلى اليهودي الذي يُدافع عن القيم اليهودية الخلقية ويقف ضد العنف، وهذا هو الفارق بين النيتشوية الآرية والنيتشوية اليهودية. ولنلاحظ أن أحاد هعام لا يعترض على بنية النيتشوية التي تستند إلى التفاوت بين الناس وإنما على مضمونها وحسب. وحديثه عن الأخلاق اليهودية لا يُغيِّر من البنية في شيء، فالنيتشوية اليهودية مبنية على فكرة تفوق اليهود وتعاليهم على البشر، وهو الأمر الذي يميزهم بحقوق مطلقة، من بينها، على سبيل المثال، حقهم في أن يعودوا إلى الأرض المقدَّسة متى شاءوا ذلك، وأن يؤسسوا فيها مركزاً روحياً إن أرادوا، وأن يستوطنوها ويعمروها أو يخربوها حسبما تملي مشيئتهم، باعتبارهم السوبر أمة أو الأمة الأعلى (وهذا هو جوهر كل المنظومات المعرفية والخلقية العلمانية الشاملة، بل إن أصحاب المنظومة يجسدون المطلق ويصبحون هم المرجعية الذاتية وتصبح إرادتهم هي الحق المطلق) . فإذا جاء الفيلسوف النيتشوي الصهيوني بعد هذا وأضاف زخارف أخلاقية وأصر على أن تكون الدولة الصهيونية تجسيداً للقيم الأخلاقية النبيلة، فإن الزخارف الأخلاقية تظل مجرد زخارف لا علاقة لها بمنطق النسق العام، بينما يظل العنف هو الجوهر والمحك وقانون البنية. وقد أثبتت التجربة التاريخية (من دير ياسين إلى صابرا وشاتيلا وقانا) أن الأبعاد الأخلاقية إن هي إلا زخارف وأقوال وديباجات، وأن وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ يفترض قتل العرب وسفك دمائهم.

ولم يكن أحاد هعام فريداً في دفاعه عن النيتشوية. فقد تأثر كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً الصهاينة منهم) بالفكر النيتشوي. ومن بين هؤلاء مؤسسو الحركة الصهيونية: تيودور هرتزل والفريد نوسيج وماكس نوردو، وكلهم ذوو ثقافة ألمانية، كما تأثر بها مفكرون صهاينة آخرون، مثل: ميخا بيرديشفكي وحاييم برنر وشاؤول تشرنحوفسكي.
ولا يمكن فهم كتابات أهم الفلاسفة الدينيين اليهود المحدثين (مارتن بوبر) إلا من خلال نيتشه (وكذا كتابات ليو شستوف) . وتسري القاعدة نفسها على مفكري مدرسة لاهوت موت الإله. وأثر نيتشه على جاك دريدا وإدمون جابيس واضح تماماً. كما أن البُعد النيتشوي في الفكر الصهيوني بُعد أساسي. ولا غرو في هذا فالجميع هم أبناء عصرهم العلماني الإمبريالي الأداتي الشامل. ولكل هذا، فليس من قبيل الصدفة أن يكون التشابه بين الصهيونية والنيتشوية مدهشاً حقاً، ويمكننا أن نوجز ذلك في النقاط التالية:
1 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة ملحدة أو حلولية بدون إله، أو هي وحدة وجود مادية ترد الكون بأسره إلى مبدأ زمني واحد هو إرادة القوة والإنسان الأعلى عند نيتشه، وهو إرادة القوة اليهودية وبقاء الشعب اليهودي عند الصهاينة. فبقاء الشعب لا يتحقق إلا من خلال إرادة الشعب ومن خلال قوته الذاتية.
2 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، تعبير عن توثّن الذات حينما يحل المطلق في الإنسان ويصبح كامناً فيه، فيعبد الإنسان ذاته أو يعبد أسلافه، أي الذات القومية المقدَّسة، باعتبارها تجسيداً لذاته.
3 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، نسق عضوي دائري يقرن بين البدايات والنهايات، وتسود فيه صورة مجازية عضوية.

4 ـ النيتشوية، مثلها مثل الصهيونية، ديانة داروينية تسبغ نوعاً من الروحية والقداسة على قانون التطور، وتجعل من القوة الأساس الوحيد لأي نسق أخلاقي، وهو ما يُطلَق عليه في المصطلح السياسي الإسرائيلي والغربي «فرض سياسة الأمر الواقع» و «خلق حقائق جديدة» ، وهو ما نسميه «النفعية الداروينية» .
5 ـ الحياة بالنسبة للنيتشوية توسع ونمو واستيلاء على الآخر وهزيمة له، ومعاداة للفكر واحتقار له، وتمجيد للفعل المباشر ولأخلاق السادة الأقوياء، وهذا هو جوهر الصهيونية التي لا يمكنها أن تعيش إلا على التوسع وعلى إلغاء الآخر. والآخر هو أولاً الفلسطينيون الذين يجب أن يختفوا من على وجه الأرض، ثم يهود الدياسبورا الذين يعملون بالأعمال الفكرية ويؤمنون بأخلاق العبيد.
6 ـ وإذا كان نيتشه قد دعا الإنسان إلى أن يعود لحالة الحيوية والطبيعة المقدَّسة ويكون كالحيوان المفترس الأشقر وينبذ العقائد الدينية وأخلاق الضعفاء (يبني منزله بجوار البركان ويعيش في خطر وفي حالة حرب دائمة) ، فقد طرحت الصهيونية نفسها باعتبارها الأيديولوجية التي ستحول يهود المنفى المترهلين الذين يؤمنون بأخلاق الضعفاء إلى وحوش يهود يؤمنون بأخلاق القوة، مفتولي عضلات يحسمون كل القضايا بالقوة ويفرضون رؤيتهم، ولذا فالمستوطنون الصهاينة يعيشون حرفياً بجوار البركان في حالة حرب دائمة.

7 ـ وتفكير نيتشه تفكير نخبوي إذ يرى أن حركة التطور الحقيقية لابد أن تؤدي إلى ظهور أمة مختارة من هذا النوع من الرجال، وما الإنسان العادي سوى الحلقة أو الجسر الموصل إلى هذه المرحلة العليا، التي توجد بطبيعة الحال مرحلة أعلى منها إلى أن نصل إلى الحد الأقصى المطلق غير المعروف. ويسيطر على الصهيونية أيضاً تفكير نخبوي يُحوِّل حياة جماهير اليهود في أرجاء العالم خارج فلسطين إلى مجرد جسر يؤدي إلى ظهور الدولة الصهيونية. كما أن الفكر الصهيوني، بتحويله الأمة إلى مطلق مكتف بذاته، كان يتضمن معرفياً عملية نقل العرب وإبادتهم.
8 ـ وداخل هذه المنظومة ينقسم العالم وبحدة إلى السوبرمن، السادة الأقوياء من أعضاء الشعب العضوي، والسبمن، العبيد الضعفاء الذين ينتمون للفريق الآخر. والسادة الأقوياء لهم حقوق مطلقة فهم يجسدون المبدأ الواحد، أما الضعفاء فإن مآلهم إلى الاختفاء (عن طريق الإبادة بالمعنى العام والخاص) . وعند نيتشه، نجد أن هناك الوحوش الشقراء وهناك بقية الشعوب. وفي المنظومة الصهيونية، هناك من ناحية اليهود أصحاب الحقوق المطلقة، ومن ناحية أخرى الأغيار (خصوصاً الفلسطينيون) الذين لا حقوق لهم، وهذه الحقوق اليهودية المقدَّسة المطلقة تَجُبُّ حقوق الآخرين.

9 ـ الفكر النيتشوي، مثله مثل الفكر الصهيوني، فكر تختفي فيه حدود الأشياء ومعالمها، وهو ينفي التاريخ وحدوده فتظهر حالة من السيولة والنسبية التي لا تحسمها سوى إرادة القوة. ومن هنا حديث بن جوريون عن الجيش الإسرائيلي باعتباره خير مفسر للتوراة، وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف نيتشه من تفسير النصوص. والنص هنا هو فلسطين التي تحمل معنى عربياً، إذ تقطنها أغلبية عربية وتوجد داخل التاريخ العربي. حيث يقرر الصهاينة أن يفصلوا الدال عن المدلول ويعلنوا أن فلسطين ليست وطناً بل أرضاً والبشر الذين يقطنون فيها ليسوا شعباً، وأن الشعب المرتبط بها هم اليهود وحدهم، والجيش الإسرائيلي هو خير مفسر لهذا النص، فهو الذي سيفرض عليه المعنى الصهيوني! (تماماً كما يفعل نقاد ما بعد الحداثة) .
10 ـ يتحدث نيتشه في كتاباته (دائماً) عن الماضي والمستقبل، ولا يركز عيونه على الحاضر أبداً. ولكن الماضي (دون الحاضر الحي) يتحوَّل إلى أسطورة وأيقونة، والمستقبل بدوره يتحول إلى عصر ذهبي وفردوس أرضي خال من التاريخ. والصهاينة بدورهم لا يتحدثون عادةً إلا عن الماضي العبري (قبل أن تظهر اليهودية وتفسد الشخصية اليهودية بأخلاق الضعفاء) والمستقبل الصهيوني (حين يعود اليهود إلى صهيون ليؤسسوا الدولة الجيتو المعقمة من التاريخ) .

11 ـ ونيتشه، بتفكيره المجرد، لا يتحدث عن السعادة الفردية أو عن السعادة عامةً. فالسعادة من شيم الضعفاء والعبيد، أما الإنسان الأعلى فيعلو على الخير والشر ويتجاهل اللذة والألم. وتجاهل السعادة، كقيمة إنسانية، هو أيضاً إحدى سمات الفكر الصهيوني، فالصهاينة مشغولون بتصوراتهم المشيحانية عن الدولة اليهودية والشعب المختار، وبالتالي فهم ينسون الفرد اليهودي المتعيِّن الذي يعيش في وطنه، فالصهيونية لا تُشكِّل بالنسبة له سوى أيديولوجية مجردة غريبة، لا يمكنه أن يُنظم حياته من خلالها. ومع هذا فهم يدعون إلى تصفية الجماعات اليهودية في الخارج وإنهاء التاريخ اليهودي في المنفى، فهو تاريخ الضعفاء والمهزومين، من وجهة نظرهم.
وتُفصح كل هذه العناصر النيتشوية عن نفسها تماماً في كتابات هارولد فيش أحد منظري جماعة جوش إيمونيم، التي تؤمن بضرب من الصهيونية نسميها «الصهيونية الحلولية» أو «الصهيونية العضوية» لأنها نيتشوية كاملة، حيث يتحد الإله بالإنسان اليهودي وبالأرض اليهودية ليكوِّنوا نظاماً مقدَّساً دائرياً مغلقاً عضوياً يُهلك من يقع خارج دائرة القداسة، مثل العرب، ويتمتع بسائر الحقوق من يقع داخلها فيتمتع بسائر الحقوق. ولكن القداسة هي، في واقع الأمر، القوة. ولهذا، يشير أحد مفكري جوش إيمونيم إلى الجيش الإسرائيلي باعتباره القداسة الكاملة. وهذا الخطاب لا يختلف كثيراً عن خطاب الرايخ الثالث.
النازية والصهيونية: العلاقة الفعلية
‏Nazism and Zionism: Actual Relations

تتعدى العلاقة بين النازية والصهيونية مجرد التماثل البنيوي والتأثير والتأثر الفكريين، إذ أن ثمة علاقة فعلية على مستويات عدة. ولنبدأ بأدناها، وهي كيفية استغلال النازيين للدعاية الصهيونية في الترويج لرؤيتهم. فقد نشر الصهاينة في ألمانيا ذاتها المزاعم الصهيونية الخاصة بالتميز اليهودي العرْقي والانفصال القومي العضوي عن كل أوربا، وذلك حتى قبل ظهور النازيين كقوة سياسية. ففي عام 1912، قدَّم عضوان في المنظمة الصهيونية مشروعاً بإيعاز من كورت بلومنفلد جاء فيه أنه، نظراً للأهمية القصوى للعمل ذي التوجه الفلسطيني (أي الصهيوني) ، يعلن أن من الواجب على كل صهيوني، خصوصاً من يتمتع باستقلال اقتصادي، أن يجعل الهجرة جزءاً عضوياً من برنامج حياته. وقد سُمِّي هذا القرار «قرار بوزن» ، وأصبح منذ ذلك الحين الإطار العقائدي للصهيونية الألمانية التي تخلت بفضله عن أية أبعاد غير قومية ذات طابع خيري أو توطيني، وأصبحت أيديولوجيا قومية عضوية ذات طابع استيطاني. وكان بلومنفلد خبيراً بالمناورات السياسية، ولذلك نجح في تمرير قراره من خلال ما سماه بعض معارضيه «الأغلبية الطارئة» ، أي عن طريق تقديم مشروع القرار أثناء وجود المؤيدين وغياب المعارضين والحصول على موافقة الحاضرين. وقد اتهمه المعارضون بالمزايدة، وفسَّروا تطرفه على أساس أنه يقبض راتبه من المنظمة الصهيونية وليس من الحكومة الألمانية أو أية هيئة أو مؤسسة ألمانية، وأن هذا يسمح له بأن يتخذ مثل هذه المواقف وأن يمرر مثل هذه القرارات التي لا تعكس وضع يهود (أو حتى صهاينة) ألمانيا أو تطلعاتهم.

وقد قام الصهاينة الألمان بعد ذلك بتطوير الأيديولوجيا الصهيونية والوصول بأطروحاتها إلى نتائجها المنطقية، أي تصفية الجماعات اليهودية في المنفى (أي العالم) تماماً وإنشاء الدولة الصهيونية. وابتداءً من العشرينيات، بدأ الزعماء الصهاينة في ألمانيا يطلقون التصريحات الصهيونية التي تؤكد الهوية اليهودية العضوية الخالصة وتنكر على اليهود انتماءهم إلى الأمة الألمانية. ففي عام 1920 (قبل ظهور كتاب هتلر كفاحي بثلاثة عشر عاماً) ، ألقى جولدمان خطاباً في جامعة هايدلبرج بيَّن فيه أن اليهود شاركوا بشكل ملحوظ للغاية في الحركات التخريبية، وفي إسقاط الحكومة في نوفمبر 1918، وأصر على أن يهود ألمانيا والشعب الألماني ليست بينهما عناصر مشتركة، وعلى أن الألمان يحق لهم أن يمنعوا اليهود من الاشتراك في شئون الفولك الألماني. أما وايزمان، فقد شبه علاقة الألمان باليهود بصورة مجازية استقاها من عملية الهضم، فقال: إن أي بلد يود تحاشي الاضطرابات المعوية عليه أن يستوعب عدداً محدوداً فقط من اليهود. وكان يرى أن عدد اليهود في ألمانيا أكبر من اللازم، أو بعبارة أخرى يوجد فائض بشري يهودي. وفي الفترة نفسها، وصف كلاتزكين اليهود بأنهم جسم مغروس وسط الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، ولذا فإن من حقهم أن يحاربوا ضد اليهود من أجل تماسُكهم القومي. وهذه كلها موضوعات قديمة مطروحة في كتابات هرتزل ونوردو، الأبوين الروحيين للصهيونية على وجه العموم والصهيونية الألمانية على وجه الخصوص، ولكنها اكتسبت أهمية خاصة من سياقها الزماني والمكاني في ضوء ما حدث بعد ذلك. وهي لا تختلف في جوهرها عن قول إرنست يونجر (المفكر القومي العضوي الذي ألهم النازيين) أن اليهود يتوهمون أن بوسعهم أن يصبحوا ألمانيين في ألمانيا، ولكن هذا أمر غير قابل للتحقق. فاليهود يواجهون خياراً نهائياً: إما أن يكونوا يهوداً في ألمانيا، أو لا يكونوا.

وفي ضوء هذا التوجه الصهيوني، لم يكن من الغريب أن يرى هتلر حين وصل إلى الحكم أن كثيراً من الصهاينة على استعداد لتَفهُّم وجهة نظره. فقد صرح الحاخام الصهيوني يواكيم برنز في يناير 1933 أنه لا مكان يمكن لليهود أن يختبئوا فيه. وقال: بدلاً من الاندماج، نرى نحن الصهاينة أنه يجب الاعتراف بالأمة اليهودية وبالعرْق اليهودي. وحينما قام النازيون في 31 يناير 1933 بحرق الكتب التي كانوا يرونها هدامة، كتبت يوديش روندشاو (المجلة الناطقة باسم الاتحاد الصهيوني) تقول إن كثيراً من المؤلفين اليهود خونة تنكروا لجذورهم لأنهم شتتوا جهودهم بإسهامهم في الثقافة الألمانية غير اليهودية. وفي نبرة ترحيب واضحة، صرح إميل لودفيج (الكاتب اليهودي الألماني) بأن ظهور النازيين دفع بالآلاف من اليهود إلى حظيرة اليهودية مرة أخرى بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنها. وقال: "ولذا، فأنا شخصياً ممتن لهم". وترد نفس الفكرة النازية الصهيونية على لسان الشاعر الصهيوني حاييم بياليك إذ يرى أن الهتلرية أنقذت يهود ألمانيا، ويضيف: "أنا أيضاً مثل هتلر أؤمن بفكرة الدم". وبكثير من القلق، لاحظ أعضاء الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان من أتباع العقيدة اليهودية (وهي جماعة اندماجية تعتبر يهود ألمانيا مواطنين ألمانيين) أنشطة الصهاينة وتصريحاتهم واعتبروها طعنة من الخلف في الحرب ضد الفاشية.

ولكن كل هذه المقالات والتصريحات لم تكن سوى افتتاحيات تمهيدية للإعلان الصهيوني الألماني الرسمي الذي أصدرته المنظمة الصهيونية في ألمانيا، في 21 يونيه 1933، بعد وصول النازيين إلى السلطة (إعلان الاتحاد الصهيوني بشأن وضع اليهود في دولة ألمانيا الجديدة) ، Ausserung der Zionistischen Vereinigung fur Deutschland zur Stellung der Juden im Neuen Deutschen Staat. والذي حدَّد طبيعة علاقة الصهاينة بالنظام النازي بشكل واضح لا إبهام فيه. وقد اتخذ الإعلان شكل مذكرة أُرسلت مباشرةً إلى الحزب النازي وهتلر وتم من خلالها تحديد المقولات المشتركة بين النازيين والصهاينة. فقد بدأت المذكرة/الإعلان بتأكيد إمكانية التوصل إلى حل يتفق مع المبادئ الأساسية للدولة الألمانية الجديدة، دولة البعث القومي، ثم طرحت أمام اليهود طريقة جديدة لتنظيم وجودهم. وانتقلت المذكرة بعد ذلك لعرض إطارها السوسيولوجي، فقامت بانتقاد الشخصية اليهودية التي تتسم بالكسل، وبيَّنت أن صعوبة وضع اليهود تنبع من شذوذ النمط الوظيفي الذي يتبعونه، ومن الخلل الكامن في كونهم جماعة تتخذ مواقف فكرية أخلاقية غير متجذرة في تقاليدهم الحضارية الخاصة (أي أنهم قومية عضوية توجد خارج أرضها) . وبعد أن تبنت المذكرة هذا النقد النازي لليهود انتقلت لإيضاح نقط الالتقاء الفلسفية والنظرية بين الصهيونية والنازية، فأكدت أن الصهيونية مثل النازية تمزج الدين بالقومية، فالأصل والدين ووحدة المصير والوعي الجمعي يجب أن تكون كلها ذات دلالة حاسمة في صياغة حياة اليهود. وتؤكد المذكرة أن المنظمة تقبل مبدأ العرْق، أحد ثوابت الرؤية النازية، كأساس لتصنيف الأفراد والجماعات المختلفة ولإنشاء علاقة واضحة مع الشعب الألماني وحقائقه القومية والعرْقية. كما تقوم المذكرة بتعريف اليهود تعريفاً عرْقياً، مبينة أن هدف الصهيونية هو التصدي للزيجات المختلطة والحفاظ على نقاء الجماعة اليهودية.

هذا هو الإطار الفلسفي الذي اقترحته المنظمة الصهيونية لتحديد العلاقة بين الصهاينة والنظام النازي، مؤكدةً إمكان تحويله إلى ممارسة وإجراءات. وقد طرحت المنظمة الصهيونية نفسها باعتبارها الحركة الوحيدة القادرة على أن تأتي بحل للمسألة اليهودية يحوز رضا الدولة النازية الجديدة ويتفق مع خُططها، حل يهدف إلى بعث اليهود من الناحية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في إطار فكرة الشعب العضوي ويتبع النموذج النازي. وكما تقول المذكرة الإعلامية: "على تربة الدولة الجديدة، ألمانيا النازية، نريد أن نعيد صياغة بنية جماعتنا بأكملها بطريقة تفيد ألمانيا واليهود في المجال المخصص لهم، فهدف الصهيونية هو تنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين". وسيؤدي الإطار النظري الفلسفي المطروح إلى ظهور حقائق اجتماعية جديدة تأخذ شكل نموذج جديد: اليهودي المتجذر في تقاليده الروحية، الواعي بنفسه الذي لا يحس بالحرج تجاه هويته، وهو نموذج مختلف تماماً عن ذلك اليهودي الذي لا جذور له والذي يهاجم الأسس القومية للجوهر الألماني، وهو مختلف أيضاً عن اليهود المندمجين الذين يحسون بالضيق لانتمائهم للجماعة اليهودية وللعرْق اليهودي وللماضي اليهودي (ولابد هنا من ملاحظة أن النموذج اليهودي الجديد لا يختلف في أساسياته عن النموذج النازي) . ثم تمضي المذكرة قائلة إن الصهيونية تأمل أن تحظى بالتعاون مع حكومة معادية لليهود بشكلٍّ أساسي، إذ لا مجال للعواطف عند تناول المسألة اليهودية، فهي مسألة تهم كل الشعوب (وخصوصاً الشعب الألماني) في الوقت الراهن. وفي نهاية المذكرة/الإعلان، شجب الصهاينة جهود القوى المعادية للنازية وهتلر، والتي كانت قد طالبت في ربيع عام 1933 بمقاطعة ألمانيا النازية اقتصادياً. ومما يجدر ذكره أن هذه الوثيقة لم تُكتَشف إلا عام 1962 ولم تُعط الذيوع الذي تستحقه، رغم أنها ُتلقي الكثير من الضوء على علاقة النازيين بالصهاينة. وربما لو عرف مؤرخو

الإبادة النازية في الشرق والغرب بها لنظروا إلى الإبادة النازية لليهود نظرة مختلفة بعض الشيء.
ونشرت يوديش روندشاو مقالاً تعلن فيه عن استعداد الصهاينة للتعاون مع أصدقاء اليهود وأعدائهم، حيث إن المسألة اليهودية ليست مسألة عاطفية، وإنما هي مسألة حقيقية تهتم بها كل الشعوب. وهذا الموقف امتداد لموقف هرتزل حين ميَّز بين التعصب الديني القديم (وهو مجرد تعصب عاطفي غير منهجي) والمعاداة الحديثة لليهود والتي وصفها بأنها حركة بين الشعوب المتحضرة الغربية تحاول من خلالها التخلص من شبح يطاردها من ماضيها. ويتضمن التمييز هنا شكلاً من أشكال القبول بالمعاداة المنهجية الرشيدة لليهود أو التي تم ترشيدها. وقد تبنى هتلر موقفاً مماثلاً حين ميَّز هو الآخر بين المعاداة العاطفية لليهود والمعاداة المنهجية لهم، إذ تنتهي الأولى بالمجازر، أما الثانية فتنتهي بالحل الصهيوني، أي تهجير جميع اليهود من ألمانيا إلى «وطنهم» فلسطين. وقد حدَّد هتلر مشروعه بالنسبة إلى اليهود على أسس صهيونية ومنهجية رشيدة (وهي القومية العضوية) . كما قرر روزنبرج ضرورة مساندة الصهيونية بكل نشاط «حتى يتسنى لنا أن نرسل سنوياً عدداً محدداً من اليهود إلى فلسطين، أو على الأقل عبر الحدود» . وحينما استولى النازيون على السلطة، سمحوا للصهاينة بالقيام بنشاطاتهم الحزبية، سواء اتخذت شكل اجتماعات أو إصدار منشورات أو جمع تبرعات أو تشجيع الهجرة أو التدريب على الزراعة والحرف، أي أنهم سمحوا لهم بنشاط صهيوني خارجي كامل. كما كانت المجلات الصهيونية هي المجلات الوحيدة غير النازية المسموح لها بالصدور في ألمانيا. وقد وتمتعت هذه المجلات بحريات غير عادية، فكان من حقها أن تدافع عن الصهيونية كفلسفة سياسية مستقلة. وحتى عام 1937، لم يتأثر عدد صفحات يوديش روندشاو بالقرارات الاقتصادية التقشفية التي تقرر بمقتضاها إنقاص عدد صفحات كل المجلات (وضمنها المجلات الآرية) . كما

نشرت دور النشر الألمانية أعمال حاييم وايزمان وبن جوريون وآرثر روبين. ويقول إدوين بلاك مؤرخ اتفاقية الهعفراه (أي النقل) ، إن "الصهيونية هي الفلسفة السياسية المستقلة الوحيدة التي وافق عليها النازيون".
وقد بيَّنا من قبل عدم اكتراث الصهاينة بالمقاومة اليهودية وغير اليهودية للنازيين. ولكن يبدو أن المسألة كانت تتخطى مجرد عدم الاكتراث بمصير اليهود وعدم الاشتراك في المقاومة، إذ يبدو أن الصهاينة اكتشفوا، أثناء الإرهاب النازي ضد اليهود، ذلك التناقض العميق بين فكرة الدولة اليهودية ومحاولة إنقاذ اليهود.

وقد حدد بن جوريون القضية بشكل قاطع (في 7 ديسمبر 1937) حين أكد أن المسألة اليهودية لم تَعُد مشكلة آلاف اليهود المهدَّدين بالإبادة وإنما هي مشكلة الوطن القومي أو المستوطن الصهيوني. وقد أدرك بن جوريون خطورة فصل مشكلة اللاجئين اليهود عن المشروع الصهيوني والتفكير في توطين اللاجئين في أي مكان إن لم تستوعبهم فلسطين. وأكد بن جوريون أنه إن استولت "الرحمة على شعبنا ووجه طاقاته إلى إنقاذ اليهود في مختلف البلاد" فإن ذلك سيؤدي إلى "شطب الصهيونية من التاريخ". وفي العام التالي صرح بن جوريون أمام زعماء الصهيونية العمالية: «لو عرفت أن من الممكن إنقاذ كل أطفال ألمانيا بتوصيلهم إلى إنجلترا، في مقابل أن أنقذ نصفهم وأنقلهم إلى فلسطين ـ فإني أختار الحل الثاني، إذ يتعين علينا أن نأخذ في اعتبارنا، لا حياة هؤلاء الأطفال وحسب، بل كذلك تاريخ شعب إسرائيل» . وإذا كان بن جوريون على استعداد بالتضحية بنصف الأطفال اليهود من أجل الوطن القومي الصهيوني فإن إسحق جرونباوم (رئيس لجنة الإنقاذ بالوكالة اليهودية) قد تجاوز الحدود تماماً، ففي حديث له أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية في 18 فبراير 1943، صرح قائلاً إنه لو سُئل إن كان من الممكن التبرع ببعض أموال النداء اليهودي الموحد لإنقاذ اليهود فإن إجابته ستكون «كلاَّ ثم كلاَّ» بشكل قاطع. وأضاف: "يجب أن نقاوم هذا الاتجاه نحو وضع النشاط الصهيوني في المرتبة الثانية ... إن بقرة واحدة في فلسطين أثمن من كل اليهود في بولندا". وكان وايزمان قد عبَّر عن نفس الفكرة النفعية عام 1937 حينما قال: "إن العجائز سيموتون، فهم تراب وسيتحملون مصيرهم، وينبغي عليهم أن يفعلوا ذلك". وانطلاقاً من هذه الرؤية المتمركزة حول المشروع الصهيوني وليس الإنسان اليهودي، لعبت الحركة الصهيونية دوراً حاسماً في تدمير جميع المحاولات الرامية إلى توطين اليهود في أماكن مختلفة من العالم، مثل جمهورية

الدومينيكان، حتى يضمن الصهاينة تدفق المادة البشرية اليهودية على فلسطين. ولهذا، التزمت جولدا مائير، مندوبة الحركة الصهيونية في فلسطين، الصمت الكامل حيال مداولات مؤتمر إفيان باعتبارها أمراً لا يخصها (وقد فسَّرت موقفها هذا، فيما بعد، بأنها لم تكن تدري شيئاً عن عمليات الإبادة النازية) .
وقد اكتشف النازيون أيضاً عمق تناقض مصالح الصهاينة مع اليهود واتفاق الموقف النازي مع الموقف الصهيوني. فاليهودي الصهيوني الذي يخدم هويته العضوية هو شخص يستحق الاحترام (لأنه يدرك الواقع من خلال إطار عضوي وثني يشبه الإطار النازي) ، على عكس اليهودي المتألمن المندمج الذي يتمسح في الهويات العضوية للآخرين ولا ينجح بطبيعة الحال في اكتسابها، لأنه حبيس هويته اليهودية، شاء أم أبى. ولعل هذا يُفسِّر السبب في أن النازيين اعتبروا أن عدوهم الحقيقي هو اليهود الأرثوذكس والجماعة المركزية للمواطنين اليهود من أتباع العقيدة اليهودية. ولعله يفسر أيضاً لم كانت علاقة الدولة النازية بالمنظمات الصهيونية تتسم بشيء من الود والتفاهم. فبينما كان الأرثوذكس والإصلاحيون يطالبون بمنح اليهود حقوقهم كمواطنين، وباندماجهم في مجتمعاتهم، كان الصهاينة يعارضون الاندماج ويعارضون منح اليهود أي حق، إلا حق الهجرة إلى الوطن القومي اليهودي.

لكل هذا قام النظام النازي بتشجيع النشاط الصهيوني ودعم المؤسسات الصهيونية والسماح للمنظمات الصهيونية بممارسة جميع أنشطتها من تعليم وتدريب على الاستيطان ونشر مجلاته، بينما مُنع الاندماجيون والأرثوذكس من إلقاء الخطب، أو الإدلاء بتصريحات، أو جمع التبرعات أو مزاولة أي نشاط آخر. وقد قام كورت جروسمان، في كتاب هرتزل السنوي (الجزء الرابع) ، بدراسة الموضوع، ونشره تحت عنوان "الصهاينة وغير الصهاينة تحت حكم النازي في الثلاثينيات". وألحق الكاتب بالمقال ثماني وثائق نازية تحمل كلها توجيهات للشرطة خاصة بتنظيم النشاط اليهودي في ألمانيا النازية. وأول هذه التوجيهات (رقم 36420/81134 صادر عن الشرطة السياسية في بافاريا بتاريخ 28 يناير 1935، وهو خاص بمنظمات الشباب اليهودي. وجاء فيه أن إعادة بعث المنظمات الصهيونية التي تدرب اليهود تدريباً مهنياً على الزراعة والحرف، قبل تهجيرهم إلى فلسطين، هو أمر في صالح الدولة النازية. بينما جاء في توجيه آخر (رقم 17186/81135 بتاريخ 20 فبراير 1935 أنه "يجب حل المنظمات اليهودية التي تدعو إلى بقاء اليهود في ألمانيا". وقد مُنع مواطن صهيوني (جورج لوبنسكر) عن طريق الخطأ من إلقاء الخطب، ثم صدر توجيه آخر (رقم 19106/11351 ب) ليصحح هذا الوضع، وصدر أمر بالسماح له بممارسة نشاطه «لأنه مدافع بليغ عن الفكرة الصهيونية وتعهد بأن يساعد على هجرة اليهود في المستقبل دون أية عوائق» .

كما اهتم النازيون كثيراً بنشاط التصحيحيين. ولهذا، صدر تصريح (رقم 17929/1135 ب) لمنظمتي الشباب القومي الهرتزلي وعصبة الأشداء (بريت هابريونيم) بأن يرتدوا أزياءهم الرسمية أثناء اجتماعاتهم. وقد مُنح التصريح، كما جاء في التوجيه، بشكل استثنائي لأن صهاينة الدولة (أي التصحيحيين) برهنوا على أنهم هم الذين يمثلون المنظمة التي تحاول، بكل السبل، حتى غير الشرعية منها، أن ترسل أعضاءها إلى فلسطين. وكان من شأن التصريح بارتداء الزي أن يحفز أعضاء المنظمات اليهودية الألمانية على الانضمام إلى منظمة الشباب الخاصة بصهاينة الدولة، حيث كان يجري حثهم بشكل أكثر كفاءة على الهجرة إلى فلسطين. وقد صدر تصريح (رقم 19052/1135 ب) للمنظمات الصهيونية بتاريخ 9 يوليه 1935 بجمع التبرعات من أجل تشجيع الهجرة والاستقرار في فلسطين ولشراء الأراضي هناك. ومُنح التصريح "لأن هذه التبرعات تساهم في الحل العملي للمسألة اليهودية". كما شجَّع النازيون المدارس العبرية والمؤسسات الثقافية ذات التوجه اليهودي التي تساعد على إظهار الهوية اليهودية والرجوع عن الاندماج، بل منعوا اليهود من رفع الأعلام الألمانية وسُمح لهم برفع «العَلم اليهودي» (أي عَلم المنظمة الصهيونية) .

والملاحَظ أن أشكال التعاون بين النازيين والصهاينة، والتي تناولناها حتى الآن، تمت بشكل غير مقصود (تصريحات صهيونية يستفيد منها النازيون) ، أو هي التقاء عفوي في منتصف الطريق (نشاط صهيوني يشجعه النازيون) . ولكن ثمة أشكالاً أخرى من التعاون الواعي. فهناك دلائل تشير إلى أن الجستابو وفرق الإس. إس S.S. (الصاعقة) ساعدت في تهريب المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين، أي أن النازية لم تدعم الصهيونية التوطينية وحسب، بل امتد دعمها إلى الصهيونية الاستيطانية أيضاًَ. ولكن أهم أشكال التعاون مع الصهاينة الاستيطانيين تم من خلال اتفاقية الهعفراه المبرمة بين النظام النازي وصهاينة المُستوطَن (دون علم الصهاينة التوطينيين أو يهود العالم) . ولا تكمن أهمية الاتفاقية في تبيان مدى عمق العلاقة بين الصهاينة والنازيين وحسب، بل إنها تبين أيضاً مدى عمق التناقض بين الصهاينة المستوطنين والصهاينة التوطينيين، وهو تناقض سيطر على الحركة الصهيونية منذ ولادتها ولم تفلح الأيام إلا في زيادته حدة. ويمكن القول بأن إبرام اتفاقية الهعفراه كان أول مواجهة حقيقية بين الفريقين، وقد كسب المستوطنون هذه الجولة الأولى.
وتوجد حالات محددة تعاون فيها الصهاينة مع النازيين في عمليات نقل اليهود وإبادتهم (كاستنر ونوسيج) . كما تُوجَد منظمة صهيونية ذات طابع نازي واضح، وهي عصبة الأشداء التي سبقت الإشارة لها. وبالمثل، حاولت منظمة شتيرن تقنين عملية التعاون. وسنتناول أشكال التعاون هذه في بقية هذا الفصل.
معاهدة الهعفراه (الترانسفير (
‏Haavrah (Transfer) Treaty

«هعفراه» كلمة عبرية تعني «النقل» أو «الترانسفير» . والنقل هو أحد مكونات الصيغة الصهيونية الأساسية. والهعفراه هو اسم معاهدة وقعها المستوطنون الصهاينة مع النازيين. وقد كان الصهاينة الاستيطانيون في الثلاثينيات يبحثون عن وسائل لدعم المستوطن وحماية مصالحهم بأية طريقة، ومن ذلك التعاون مع النظام النازي، بينما كان صهاينة الخارج التوطينيون وقادة الجماعات اليهودية مشغولين بعمليات إنقاذ يهود ألمانيا، وضمنها تنظيم مقاطعة اقتصادية ضد هذا النظام. ومن أهم الشخصيات القيادية في عملية المقاطعة صمويل أُنترماير المحامي الأمريكي اليهودي (الصهيوني) الذي نجح في تكوين حركة جماهيرية تضم اليهود وغير اليهود بقيادة الرابطة الأمريكية للدفاع عن حقوق اليهود، وأسس منظمة دولية أطلق عليها «الاتحاد اليهودي الاقتصادي العالمي» في أمستردام للتنسيق بين جميع المنظمات الداعية إلى المقاطعة. وشكلت المقاطعة، وخصوصاً في الشهور الأولى، تهديداً خطيراً للنظام النازي. ويذهب إدوين بلاك (مؤلف كتاب الهعفراه، وهو أهم كتاب صدر في الموضوع في جميع اللغات) إلى أنه لو اتحدت المنظمات اليهودية والصهيونية خلف حركة المقاطعة، فلربما كانت قد نجحت في تعبئة الجماهير غير اليهودية، وانضمت بعض الحكومات إليها، ولما نجح النازيون، وخصوصاً في الأشهر الأولى من تسلمهم السلطة، في الإمساك بزمام الأمور "فاستجابة مباشرة وموحَّدة كان من الممكن أن تقصم ظهر ألمانيا قبل شتاء عام 1933".

ولكن المستوطنين الصهاينة كانوا قد قرروا تبني خطة تخدم مصالحهم، فسافر الزعيم العمالي الصهيوني ورئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية حاييم أرلوسوروف (1899 ـ 1933) إلى ألمانيا لمناقشة إمكانية التعاون والتبادل الاقتصادي معها. وكانت المسألة بالنسبة إلى المستوطنين ملحة للغاية، فقد فشل المستوطن الصهيوني في اجتذاب المهاجرين ولم يصل إليه رأس المال اليهودي المتوقع (وقد تم اغتيال أرلوسوروف بعد عودته من ألمانيا بعدة أيام) . وكان هنريش وولف قنصل ألمانيا العام في القدس قد مهد الجو له وللمبعوثين الصهاينة من بعده عندما كتب مؤيداً وموضحاً المزايا التي سيجنيها النظام النازي من التعاون معهم. وفي النهاية، تم توقيع الاتفاق عام 1933 الذي كان يقضي بأن تسمح السلطات الألمانية لليهود الذين يقررون الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين بـ «نقل» جزء من أموالهم إلى هناك رغم القيود التي فرضتها ألمانيا على تداول العملة الصعبة. وكان ذلك يتم بتمكين أولئك اليهود من إيداع المبلغ المسموح بتحويله (ألف جنيه إسترليني) في حساب مغلق يفتح في بنك واسرمان في برلين وبنك ووربورج في هامبورج ثم يُسمَح باستعمال هذا المبلغ فقط لشراء تجهيزات وآلات زراعية مختلفة من ألمانيا ويتم تصديرها إلى فلسطين. وهناك تقوم الشركة ببيع هذه البضائع وتسدد بأثمانها المبالغ المستحقة لمودعيها بعد وصولهم كمهاجرين إلى فلسطين، وتحتفظ بالفرق كعمولة أو ربح لها.

وقد تم تعديل الاتفاقية بحيث أصبح في مقدور اليهود الألمان الذين لا ينوون الهجرة مباشرةً، ويريدون مع هذا تأسيس بيت في فلسطين والمساهمة في تطويرها، أن يستعملوا الحساب المغلق وأن يودعوا أموالهم فيه شرط ألا يزيد المبلغ الإجمالي عن ثلاثة ملايين مارك تستعمل لشراء بضائع ألمانية أياً كان نوعها. وأثناء تنفيذ الاتفاقية، اعترضت بعض العناصر في وزارة الخارجية الألمانية على هذه المساهمة النازية في بناء المُستوطَن الصهيوني. كما قام المستوطنون الألمان في فلسطين (من أتباع جماعة فرسان الهيكل) بالضغط ولكن دون جدوى، إذ أن هتلر نفسه قرر وجوب الاستمرار في العمل بالاتفاقية.
ويبدو أن الهدف الأساسي والمباشر من الاتفاقية كان (من المنظور النازي) كسر طوق المقاطعة اليهودية في العالم للبضائع الألمانية في أنحاء العالم. وفي محاولة لتوضيح الموقف النازي، قال وزير الاقتصاد الألماني لوزير الخارجية إن الاتفاقية تقدم أحسن ضمان لأقوى تأثير مضاد لإجراءات المقاطعة اليهودية للبضائع الألمانية. كما أكد القنصل الألماني العام في القدس الفكرة نفسها حين قال: "بهذه الطريقة، يمكن أن نقوم نحن الألمان بحملة ناجحة في مواجهة المقاطعة اليهودية في الخارج ضد ألمانيا. وقد يمكننا أن نحدث ثغرة في الحائط". ولاحَظ القنصل أنه في الصراع الدائر، بين الصهاينة التوطينيين (في الخارج) والصهاينة الاستيطانيين (في فلسطين) ، بدأت موازين القوى تتغيَّر لصالح المستوطنين: «إن فلسطين هي التي تعطي الأوامر، ومن الأهمية بمكان أن نحطم المقاطعة في فلسطين في المقام الأول، وسيترك هذا أثره على الجبهة الأساسية في الولايات المتحدة «.

وقد أيَّده في ذلك فريتز رايخرت عميل الجستابو في فلسطين حين قال: "إن مهمتنا الأساسية هي أن نمنع، انطلاقاً من فلسطين، توحيد صفوف يهود العالم على أساس العداوة لألمانيا ... لقد دمرنا مؤتمر المقاطعة في لندن من تل أبيب لأن رئيس الهعفراه في فلسطين، بالتعاون الوثيق مع القنصلية الألمانية في القدس، أرسل برقيات إلى لندن أحدثت الأثر المطلوب".
ويقول إدوين بلاك: "إن احتمالات انهيار الاقتصاد الألماني بدأ بالتناقص بسرعة بمرور الوقت. فحينما عقد أُنترماير اجتماعاً لاتحاده الدولي في أمستردام في أواخر يوليه 1933، كانت الفرصة لا تزال جيدة. ومع نهاية أغسطس، عند انعقاد المؤتمر الصهيوني الثامن عشر (1933) ، كانت الفرصة صعبة لكنها ممكنة".

فماذا حدث في هذا المؤتمر؟ لعل دراسة الوقائع وتوقيتها يعطينا صورة دقيقة ومثيرة عن المعركة بين المستوطنين الصهاينة وصهاينة الخارج التوطينيين وكيفية إدارتها، وكذلك عن بعض الأساليب التي استخدمها المستوطنون لإحكام قبضتهم على الفريق المعادي. فقد وُقِّعت الاتفاقية بشكل مبدئي في 17 أغسطس 1933 وسُوِّيت كل النقط الفنية المعلقة في 22 أغسطس بعد افتتاح جلسات المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في براغ (تشيكوسلوفاكيا) . وقد أدرك النازيون الأهمية غير العادية للمؤتمر وركزوا كل جهودهم عليه حتى يتسنى إفشال المحاولات الرامية لإصدار قرارات من شأنها دعم المقاطعة اليهودية. وبعد افتتاح جلسات المؤتمر، ألقى سوكولوف خطبة ملتهبة عن يهود ألمانيا وبؤسهم دون أي ذكر للمقاطعة. ولكن النازيين كانوا يودون إحراز المكاسب الإعلامية التي يطمحون إليها، ولهذا أعلنوا عن الاتفاقية يوم 24 أغسطس، وهو اليوم الذي كان محدداً لمناقشة وضع يهود ألمانيا في المؤتمر، وقد تناقلت صحف أوربا الخبر، وألقى سوكولوف خطبة ملتهبة قال فيها: "إن اليهود يحترمون إسبانيا القديمة أكثر من ألمانيا الحديثة لأن خروج اليهود جميعاً أفضل من إهانتهم على هذا النحو". ورغم أن ألفاظه جاءت غاضبة شكلاً إلا أن مضمونها كان نازياً صهيونياً، فهو لا يتحدث عن حقوق اليهود في أوطانهم وإنما عن حقهم في الخروج الكامل والنهائي منها.
وقدَّم الصهاينة التصحيحيون قراراً محدداً خاصاً بالمقاطعة، ولكن العماليين نجحوا في فرض قرارهم. وكان النازيون قد أوقفوا مجلة يوديش روندشاو عن الصدور مدة ستة أشهر، فرُفع عنها الحظر وصدرت في اليوم نفسه وهي تحمل مقالاً تتباهى فيه بأن المؤتمر الصهيوني هزم بأغلبية ساحقة اقتراح التصحيحيين الذي كان يهدف إلى تحويل المنظمة الصهيونية إلى وحدة مقاتلة. وصدرت الصحف النازية مرحبة هي الأخرى بالموقف الإيجابي للمؤتمر.

وحينما افتتحت جلسة 25 أغسطس، انهالت برقيات الاحتجاج من يهود العالم لأن الاتفاقية ستهز مصداقية حركة المقاطعة اليهودية من جذورها وتقضي عليها تماماً في نهاية الأمر. فصعَّد النازيون حملتهم الإعلامية الذكية، وأعلنوا يوم 27 أغسطس عن صفقة برتقال ضخمة مع المستوطن الصهيوني (أشار إليها أحد صهاينة الخارج بـ «البرتقالة الذهبية» قياساً على «العجل الذهبي» ) . وأرسل أُنترماير برقية يطلب فيها أن ينكر المؤتمر أن مثل هذه الصفقة قد أبرمت، وهدد بأنه إن كان الأمر حقيقة ولم يتم إلغاء الصفقة، فإن المنظمة الصهيونية الأمريكية ستنسحب من المنظمة الصهيونية. وفي يوم 31 أغسطس، نشرت الحكومة الألمانية النص الكامل لاتفاقية الهعفراه، فقُوبل الحدث بعدم تصديق من جانب يهود الخارج. ونشرت جويش كرونيكل النص باعتباره نكتة نازية رائعة، كما أنكرت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية أية علاقة لها بالموضوع، ولكنها تراجعت عن ذلك بالتدريج واعترفت بإبرام الاتفاقية.

وفي يوم 2 سبتمبر، طرح العماليون مشروع قرار يحكم سيطرتهم الكاملة على الصهاينة التوطينيين جاء فيه: "كجزء من الانضباط الصهيوني، لا يُسمَح لأي فرد أو مجموعة داخل المنظمة الصهيونية أن يشتغل بالسياسة الخارجية، أو أن يتصل بالحكومات الأجنبية أو بعصبة الأمم، أو أن يقوم بأية نشاطات سياسية من شأنها المساس بصلاحيات اللجنة التنفيذية". ويتضمن هذا القرار تحريماً لكل أشكال الاحتجاج ضد النازية وضمن ذلك اتفاقية الهعفراه. وقد تم التصويت على القرار الساعة الثالثة صباحاً ووُفق عليه، وأُجِّل التصويت على الاتفاقية ذاتها حتى آخر يوم. وبعد طرح مشروع قرار عمالي ومشروع قرار مضاد، قام الزعيم العمالي برل كاتزنلسون فتحدث عن الانضباط وكيف أن مناقشة الهعفراه خرق له، وبيَّن للمؤتمرين أنه توجد، في كل الاجتماعات الديموقراطية، مسائل مهمة لا يمكن مناقشتها. ثم اختتم كلمته قائلاً إن على كل هيئة صهيونية أن تعترف بأن إرتس يسرائيل لها أولوية على أي شيء آخر، وأهم واجب هو إنقاذ حياة اليهود وممتلكاتهم من الخطر الذي يتعرضون له (ورغم أنه استخدم لغة الإنقاذ والإغاثة إلا أنه أحاطها بالإطار الأيديولوجي بتأكيده أولوية المستوطن على أي شيء آخر) . وقد وافق المؤتمر على مشروع القرار العمالي، الذي لم يأت فيه سوى أنه لن يتم اتخاذ أي شيء من شأنه أن يتعارض مع موقف المؤتمر فيما يتصل بالمسألة اليهودية الألمانية، أي أنه لن يقوم أي شخص بأي نشاط وسيُترك الأمر برمته للجنة التنفيذية. وقد وافق المؤتمرون في الجلسة نفسها على أن يصبح علم المنظمة هو علم الدولة، وأن يصبح نشيد الهاتيكفاه النشيد الوطني للدولة عند إنشائها، وأنشد المؤتمرون النشيد واختتمت أعمال المؤتمر. وقد أدركت جويش كرونيكل في 3 سبتمبر أن الاتفاقية لم تكن نكتة نازية خفيفة بل حقيقة صهيونية نازية ثقيلة مريرة، ونشرت جرائد أخرى أنباء الاتفاقية وما حدث في المؤتمر.

وكان المؤتمر اليهودي العالمي الثالث على وشك الانعقاد في جنيف في 8 سبتمبر. ولما كانت أنباء الاتفاقية قد أصبحت معروفة ولم يعد هناك أي لبس أو إبهام، فقد كان من الممكن اتخاذ قرار في هذا الشأن. وكانت هذه الفرصة كما يقول إدوين بلاك، هي "الفرصة الأخيرة "أمام اليهود والصهاينة لكي يتخذوا قراراً حاسماً (وخصوصاً أن حركة المقاطعة في الأوساط غير اليهودية كانت آخذة في التزايد) . ولكن المؤتمر اليهودي اجتمع وفشل في اتخاذ قرار محدد بخصوص المقاطعة نتيجة الضغط الصهيوني، واكتفى بتأييد المعارضة التلقائية بين الجماهير. وقد تم إفشال المؤتمر بإشراف الزعيم الصهيوني الأمريكي ستيفن وايز، وكان قد أفشل قبلاً اجتماع أُنترماير في أمستردام ولندن. وحينما عُرضت الاتفاقية مرة أخرى على المؤتمر الصهيوني التاسع عشر (1935) ، بهدف نقضها، رُفض مشروع القرار وتقرر وضع نشاطات الهعفراه كافة تحت إشراف الإدارة الصهيونية.
وقد حققت اتفاقية الهعفراه نجاحاً باهراً من وجهة نظر النازيين والصهاينة. فقد نجح النازيون في تصديع أسس المقاطعة اليهودية لألمانيا دون أن يضطروا إلى إجراء أي تعديل في سياستهم تجاه اليهود. وأما بالنسبة إلى المستوطنين، فإن فترة الهعفراه تُعُد أهم فترة في تاريخ المُستوطَن إذ تم تزويده بعدد كبير من أعضاء المادة البشرية المطلوبة وبرأس المال اللازم للبنية التحتية. وقد بلغ عدد اليهود الألمان الذي هاجروا إلى فلسطين في الفترة الواقعة بين عامي 1933 و1941 (بموجب الاتفاقية) نحو 52.300 ويُشكِّلون 25% من مجموع المهاجرين اليهود إلى فلسطين خلال الفترة نفسها. وكان بينهم 6.529رأسمالياً يمثلون إضافة اقتصادية ضخمة للمستوطن و6.700مهاجر من أبناء الطبقة الوسطى المثقفة غالبيتهم من الأطباء والمحامين والمهندسين والصناعيين.

كما ذكر ناحوم جولدمان في مذكراته أنه حينما قابل رئيس وزراء تشيكوسلوفاكيا عام 1935، اتهم الرئيس الصهاينة برفضهم الاشتراك في المحاولات الرامية إلى مقاطعة هتلر، بل تخريبها بإبرامهم اتفاقية الهعفراه. وكان تعليق جولدمان الوحيد على ذلك أنه شعر حينذاك بالبؤس والخجل إلى درجة لم يشعر بها من قبل، وأن رئيس الوزراء كان على حق فيما يقول. ومما يجدر ذكره أن اتفاقية الهعفراه ظلت سارية المفعول حتى عام 1939 مع نشوب الحرب العالمية الثانية، ثم توقف العمل بموجبها ولكن دون أن تُلغى رسمياً.
المجالس اليهودية
‏Judenrat
» المجالس اليهودية» ترجمة للعبارة الألمانية «يودين رات Judenrat» . وهي مجالس كان يقيمها النازيون بين الجماعات اليهودية التي تقع تحت سلطتهم. وكان سلوك أعضاء المجالس يندرج تحت واحد من أربعة أنماط:
1 ـ تعاون من نوع ما في المجالات الاقتصادية والمادية.
2 ـ استعداد للاستجابة للمطالب النازية حين يتعلق الأمر بمصادرة الممتلكات والأشياء المادية الأخرى، مع رفض كامل لتسليم اليهود.
3 ـ قبول اضطراري لإبادة جزء من الجماعة اليهودية على أمل إنقاذ الجزء الآخر.
4 ـ خضوع كامل للمطالب النازية نظير حماية مصالح القيادة اليهودية.
ويبدو أن القيادات اليهودية القديمة كانت تسلك وفق النمطين الأولين. ولكن النمطين الثالث والرابع سادا في المراحل الأخيرة حينما ترأست المجالس اليهودية شخصيات يهودية جديدة لم تضطلع بدور القيادة من قبل.

وكان النازيون يحاولون، قدر المستطاع، أن يضموا إلى هذه المجالس العناصر الصهيونية أو اليهودية القومية باعتبارها عناصر حديثة تشاركهم الرؤية في أن أوربا ليست وطن اليهود، وأنه يجب إخلاؤها منهم، وأن كفاح اليهود (باعتبارهم شعباً عضوياً [فولك] ) يجب أن ينصرف إلى الهجرة لا إلى المقاومة والثورة. وقد نجحت هذه المجالس في إدارة أمور الجماعات وضمان سكوتها. وكان كثير من الصهاينة أعضاء في هذه المجالس، بل يُقال إن النازيين كانوا يفضلون الصهاينة على غيرهم من اليهود بسبب اتفاق الفريقين في المنطلقات الفكرية بينهما.
وتُثير المجالس اليهودية قضية التعاون مع النازيين. وقد عَرَّفت الموسوعة اليهودية (جودايكا) التعاون بأنه علاقة تعني قدراً من المشاركة، وأنها اتفاق إرادي حر بين فريقين. ومن ثم خَلُصت الموسوعة إلى أنه لا يمكن اتهام المجالس اليهودية بالتعاون مع النازيين، لأنها كانت مجرد أداة سلبية خاضعة للضغط النازي تنفذ ما يُطلب منها. كما أن المقاومة على أي حال لم تكن تُجدي فتيلاً لأن المخطط النازي كان لابد أن ُينفَّذ مهما كان حجم المقاومة.

ووجهة النظر التي تطرحها الموسوعة اليهودية مقبولة إلى حدٍّ كبير، وتتسم بشيء من التعاطف الإنساني المطلوب مع أفراد وجدوا أنفسهم تحت سكين الجلاد فسلكوا سلوكاً إجرامياً قد لا يوافقون عليه بالضرورة، ولهذا فلا يمكن أن يُعدوا مسئولين عما ارتكبوه من جرائم. لكن التعاطف الإنساني يجب ألا َيعرف أية حدود، ويجب ألا ُيميِّز بين اليهود والأغيار، ولذا ينبغي أن يُطبَّق هذا المعيار على كل من تعاون مع النازيين، فهم أيضاً كانوا يعيشون في ظل الإرهاب النازي، وكثيرون منهم نفذوا تعليمات النازي خشية الإرهاب، ومن ثم لم يكن هناك أي قدر من المشاركة والاختيار الحر. وانطلاقاً من ذلك، فإن محاكمة مجرمي الحرب، خصوصاً من صغار الموظفين، تصبح مسألة غير قانونية وغير إنسانية. بل إن قبول مثل هذه الأطروحة يجعل من الممكن استبعاد جميع المتعاونين تقريباً من قوائم الاتهام، بل تبرئة ساحتهم. فالنظام النازي كان نظاماً حديثاً شمولياً حقق مستوى عالياً من الكفاءة العميقة في الوصول إلى جميع الأفراد وفي محاصرتهم إعلامياً، وكان يمتلك جهازاً أمنياً تنفيذياً قادراً على الحركة السريعة، وعلى معاقبة كل المنحرفين. وكان المنحرفون من الألمان يُعاقبون بقسوة بالغة، لأنهم أعضاء في الشعب الألماني العضوي (المختار) وانحرافهم أمر غير مفهوم وغير مبرر، ويتطلب إنزال عقوبات عليهم تفوق ما ينزل على البشر العاديين من عقوبات.

أما افتراض عدم جدوى المقاومة من البداية فهو افتراض خاطئ، إذ يمكن للمرء تخيل ملايين الضحايا من اليهود وغير اليهود وقد رفضوا أن يستقلوا القطارات التي تقلهم إلى معسكرات السخرة والإبادة تحت ظروف الحرب، فلعل مثل هذه المقاومة كانت ستوقف آلة الحرب الألمانية أو على الأقل ترهقها لدرجة تجعل القيادة تعدل عن تنفيذ مخططها الإبادي. وهنا تبرز مسئولية مجالس اليهود، فهي التي قامت بتهدئة الضحايا بشتى الوسائل وبإقناعهم بالرضوخ حتى تم تنفيذ المخطط النازي أو معظمه. ويذهب أيزياه ترانك (في كتاب له صدر عام 1972) إلى أن هناك من يرى أنه لو لم يتبع اليهود تعليمات المجالس اليهودية لتمكن ما يزيد عن نصفهم من الهرب من الإبادة.
ويرى المفكر الديني اليهودي ريتشارد روبنشتاين أن تراث يهود العالم، منذ أن تركوا فلسطين بعد تحطيم الهيكل، ولَّد فيهم قابلية للاستسلام والخنوع، وأن هذه القابلية هي التي جعلت بإمكان المجالس اليهودية أن تلعب هذا الدور، وأن تضع أعضاء الجماعات اليهودية في براثن النازي.
رابطة الثقافة اليهودية
‏Juedischer Kulturbaund

«رابطة الثقافة اليهودية» (بالألمانية: يوديشر كولتوربوند Juedischer Kulturbund) منظمة ألمانية يهودية تأسست في ألمانيا النازية عام 1933، بمبادرة من النظام النازي وبعض المثقفين الألمان اليهود مثل كورت باومان وكورت سنجر ويوليوس باب وفرنر ليفي. وتصدر الجماعة عن الإيمان بفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ. حيث ذهبوا إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية هم أعضاء في شعب عضوي (فولك) ، ومن ثم لا يحق لهم المشاركة أو المساهمة في الحياة الثقافية العامة في ألمانيا، وهو افتراض قبله الصهاينة وكثير من المثقفين اليهود في ألمانيا وخارجها قبولاً تاماً. وكان مفهوم الشعب العضوي هو القيمة الحاكمة والمسلمة النهائية في المنظومة النازية، ولذا بارك جوبلز وزير الدعاية النازي نفسه فكرة تأسيس الرابطة التي استمرت في نشاطها حتى عام 1941، وكانت بمنزلة المنبر الأساسي للكُتَّاب والموسيقيين اليهود. وقد بلغ عدد أعضائها 17 ألفاً ثم زاد إلى 19 ألفاً بعد عدة شهور، وكان يعمل فيها عدد كبير من الموظفين و125 من الموسيقيين والممثلين والمغنين، وكانت تطبع بعض منشوراتها بالعبرية واليديشية (الوعاء الثقافي لتراث الشعب العضوي) .

ونظراً لنجاح الرابطة، تم في عام 1938 تأسيس شبكة قومية من فروع الرابطة في كل أنحاء ألمانيا بلغ عددها 168 فرعاً، وبلغ عدد أعضائها 180 ألفاً (أي أنها كانت تضم معظم يهود ألمانيا الراشدين) ، بل بلغ حجم العضوية في برلين وحدها ما بين 12 ألفاً و18 ألفاً. وبلغ عدد الفنانين اليهود التابعين للرابطة حوالي ألفين. وقامت الرابطة بتنظيم ما يقرب من 8457 برنامجاً تشمل محاضرات وحفلات ومسرحيات وعروضاً فنية. وحققت إيراداً بلغ مليوناً وربع مليون مارك. كما كان لها جريدتها الخاصة. وقد شاركت الرابطة بنشاط ملحوظ في الدعاية النازية، سواء في الداخل أم في الخارج. ففي الداخل، قامت الرابطة بزيادة التماسك العضوي والوعي اليهودي بين أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي يعني زيادة عزلتهم وإعطاء مصداقية للرؤية النازية لليهود. أما بالنسبة للخارج، فكانت تعطي صورة مشرقة للحكم النازي في علاقته باليهود وفي سماحه لهم بالإفصاح عن هويتهم العضوية. ورغم أن أغلب البرامج الثقافية والعلمية المقدمة من قبَل الرابطة كانت تخضع لرقابة البوليس السري (جستابو) وغرفة الفنون والثقافة ثم لرقابة قيادات الحزب النازي في برلين، إلا أن السلطات النازية حرصت على استمرار نشاط الرابطة حتى بعد أحداث عام 1938، حينما تم الهجوم على الممتلكات اليهودية وإلقاء أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية في معسكرات الاعتقال، واستجابت لمطالب رؤساء الرابطة الخاصة بالسماح لهم باستخدام المسارح الألمانية لتقديم عروض الرابطة وتأسيس دور عرض سينمائي خاصة بها. كما عرضت تقديم دعم مالي لها، وقامت بتقديم الأرباح التي حققتها من خلال جريدتها ودور العرض السينمائي إلى المنظمات المختصة بتنظيم هجرة أعضاء الجماعة اليهودية إلى خارج ألمانيا. وقد نجح بعض قادة الرابطة في الهجرة، وتم حل الرابطة بشكل نهائي عام 1941 بأمر من الحكومة.

ولم تكن هذه الرابطة حادثة عرضية في تاريخ علاقة النازيين بالجماعة اليهودية. فقد أظهر النازيون دائماً اهتماماً غير عادي بالثقافة اليهودية باعتبارها تعبيراً عن أن الشعب اليهودي شعب عضوي مستقل. ولذا، أسست السلطات النازية أهم متحف يهودي في العالم آنذاك في تشيكوسلوفاكيا (ولا يزال هذا المتحف قائماً) . وفي مستوطنة تيريس آينشتات، ازدهرت الثقافة اليهودية، وكانت الفرق الموسيقية تقدم عروضاً للزوار الأجانب وتصور الأفلام وتوزعها على العالم.
ولم يكن سلوك النازيين (هذا) ينم عن أي تسامح أو اضطهاد، وإنما هو تعبير عن إيمان بأن القومية العضوية تشكل أرضية تفاهم مشتركة بينهم وبين الصهاينة، وهي أرضية لا توجد بينهم وبين أي فريق يهودي آخر.
تيريس آينشتات
‏Thereseinstadt
» تيريس آينشتات Thereseinstadt» مدينة في تشيكوسلوفاكيا (وتُسمَّى «تيريزين» بالتشيكية) حولها النازيون إلى مستوطنة نموذجية بين عامي 1941 و1945. رُحِّل إليها حوالي 150.000يهودي من يهود وسط أوربا وغربها من المتميِّزين أو المسنين أو اليهود من أبناء الزيجات المختلطة. وقد أيد زعماء الجماعة اليهودية في تشيكوسلوفاكيا الخطة، باعتبار أن هذا يعني بقاء يهود تشيكوسلوفاكيا في وطنهم. ويُقال إن الهدف النازي من تأسيس هذه المستوطنة النموذجية كان إعلامياً بحيث تقدم للإعلام العالمي باعتبارها مثالاً على "حياة اليهود الجديدة تحت حماية الرايخ الثالث" (وهو اسم أحد الأفلام التي صُورت في المستوطنة (.

وقد أدار المستوطنة مجلس من الكبراء يضم القادة اليهود ويترأسه أحد كبراء اليهود كانت تعينه السلطات الألمانية. وتمتعت المستوطنة بحريات كثيرة، حيث كان لها نظامها التعليمي ونظامها البريدي المستقل ومكتباتها وهويتها الثقافية. ومن ثم، كان من مسئوليات مجلس الكبراء الحفاظ على النظام في المستوطنة وتوزيع العمل فيها وتوطين المستوطنين الجدد والعناية بالصحة وبالمسنين والأطفال والإشراف على النشاط الثقافي. كما كان يتبع المستوطنة نظام قضائي مستقل (أي أن تيريس آينشتات كانت تتمتع بالحكم الذاتي) . وقد سمحت السلطات النازية لسلطات الصليب الأحمر بزيارة المستوطنة وبالاجتماع بمجلس الكبراء.
وقد رُحِّل حوالي 140.937 يهودياً إلى مستوطنة تيريس آينشتات من بينهم 33.529 ماتوا فيها، أي حوالي 25%، ورُحِّل حوالي 88.196إلى معسكرات الاعتقال. وحينما تم تحرير المستوطنة وكان يوجد فيها 17.247 شخصاً.
وتثير هذه المستوطنة الكثير من القضايا:
1 ـ يُلاحَظ اشتراك المجالس اليهودية مع السلطات النازية في كل الأنشطة سواء الإعداد والتخطيط للمستوطنة أو إدارتها أو مقابلة مندوبي الصليب الأحمر الدولي. وهذا التعاون يثير واحدة من أهم القضايا الأساسية في ظاهرة الإبادة النازية لليهود، أي مدى اشتراك قيادات الجماعات اليهودية في عملية الإبادة.
2 ـ وتثير المستوطنة قضية ترشيد الإبادة، فلم يكن النازيون مجرد جزارين على الطريقة التقليدية، وإنما كانوا يلجأون إلى التخطيط العلمي الدقيق وإلى التفرقة بين اليهود المتميِّزين واليهود العاديين.
3 ـ ويمكن التساؤل أيضاً عما إذا كان هدف النازيين هو توظيف اليهود أم إبادتهم.

4 ـ ولا تختلف علاقة المستوطنة بالسلطات النازية عن علاقة أية دولة في العالم الثالث بالقوة الإمبريالية التي تحكمها، والحريات التي كان يتمتع بها سكان المستوطنة لا تزيد كثيراً عن تلك التي تعرضها الحكومة الصهيونية على سكان الضفة الغربية باسم الحكم الذاتي، وهو ما يجعلنا نذهب إلى القول بأن التجربة النازية جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية.
5 ـ ومن القضايا الأخرى التي تثيرها المستوطنة، عدد اليهود الذين تمت إبادتهم عن طريق أفران الغاز. فالموسوعة اليهودية (جودايكا) تتحدث عن أن ربع سكان هذه المستوطنة المثالية التي تتمتع بظروف خاصة ماتوا بسبب ظروف الحرب، وأنه في أبريل 1945 وصل إلى تيريس آينشتات 14.000 سجين من معسكرات الاعتقال الأخرى، فاجتاحت الأوبئة سكان المستوطنة وهلك منهم ومن المرحلين الجدد الآلاف، واستمرت الأوبئة في حصدهم حتى بعد سقوط النظام النازي. فإذا كانت الأوبئة قد حصدت حياة الألوف قبل بعد انتهاء الحرب، ألا يثير هذا قضية عدد اليهود الذين أُبيدوا عن طريق أفران الغاز؟
جيتو وارسو
‏Warsaw Ghetto
أسس النازيون جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم يُنقل إليها عشرات الآلاف من اليهود. ومن أشهر هذه المناطق جيتو وارسو ولودز وريجا في بولندا ومستوطنة تيريس آينشتات «النموذجية» في بوهيميا.

ومن أهم الجيتوات جيتو وارسو الذي بلغ عدد القاطنين فيه عام 1941 حوالي نصف مليون يهودي يعيشون في رقعة صغيرة حولها حائط ارتفاعه ثمانية أقدام، وكان له اثنان وعشرون مدخلاً يقف على كلٍّ منها ثلاثة جنود، أحدهم ألماني والثاني بولندي مسيحي والثالث بولندي يهودي. وكان التعريف الذي تبناه الألمان للهوية اليهودية هو تعريف قوانين نورمبرج وهو أن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة (وهو التعريف الذي تبنته فيما بعد دولة إسرائيل والذي يستند إليه قانون العودة الصهيوني) .
ويجب النظر إلى تجربة الجيتو هذه في ضوء المخطط النازي ذي الطابع الصهيوني الواضح الذي ينطلق من تصور استقلال اليهود كشعب عضوي منبوذ له شخصيته القومية المستقلة. ولذا كان للجيتو مؤسساته المستقلة الخاصة به (عملة خاصة ـ وسائل نقل خاصة ـ خدمة بريدية ـ مؤسسات الرفاه الاجتماعي) . كما سُمح لجيتو وارسو بأن يكون له نظامه التعليمي، وبأن يفتح المكتبات لبيع الكتب واستعارتها، وبأن يصدر جريدته اليومية بل كان له ميليشيا ومحاكم خاصة به، أي أن الجيتو كان بمثابة دولة صغيرة منعزلة ثقافياً واقتصادياً عما حولها، وهو بهذا استمرار لتقاليد القهال والإدارة الذاتية والشتتل التي يمجدها الصهاينة في كتاباتهم، وهو يشبه في كثير من الوجوه الدولة الصهيونية المشتولة في الشرق الأوسط.

وكان يدير الدويلة/الجيتو «سلطة يهودية» أو «مجلس كبراء» ، تُعيِّن السلطات النازية أعضاءه. ولكن استقلالية الدويلة/الجيتو لم تكن كاملة، إذ كان الجيتو يقوم باستيراد كل المواد الخام والطعام والملابس التي يحتاجها من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية (الملابس والمصنوعات الجلدية) التي كان ينتجها الجيتو. كما كان على المجلس أن يقدم عدداً من العمال يومياً يبيعون عملهم لتسديد واردات الجيتو. وكان العامل البولندي، يهودياً كان أم غير يهودي، يتقاضى ربع ما يتقاضاه العامل الألماني.
ولا ندري هل وضع النازيون مخططاً لإبادة يهود جيتو وارسو (بالمعنى الخاص للكلمة، أي بمعنى التصفية الجسدية) من خلال فرض وضع اقتصادي غير متكافئ عليهم بحيث يمكن استنزافهم لصالح النازيين، أم أن عملية الإبادة تمت كنتيجة حتمية، ليست بالضرورة متعمدة، للبنية الاستغلالية التي فرضها النازيون؟ فقيمة السلع التي كان ينتجها الجيتو والخدمات التي يقدِّمها كانت دائماً دون حد الكفاف ولا تفي بالاحتياجات المادية الأساسية للعاملين اليهود الأساسيين، الأمر الذي كان يعني سوء التغذية داخل الجيتو وتناقص عدد سكانه مع ضمان تدفق فائض القيمة بشكل مستمر إلى النازيين. وقد أدَّى عدم تكافؤ العلاقة بين الدولة النازية والدويلة/الجيتو اليهودية إلى أن السكان زادوا فقراً وزادت حاجتهم إلى المواد الغذائية، فكانوا يموتون جوعاً ويهلكون بالتدريج وببطء دون أفران غاز.

وقد قام أحد الباحثين بدراسة إحصائية دقيقة لهذه الإبادة التدريجية البطيئة (عن طريق التجويع) مستخدماً جيتو وارسو أساساً لدراسة الحالة. فأشار إلى أن الفترة من 1939 إلى 1942، أي خلال ستة وثلاثين شهراً، شهدت زيادة عدد الوفيات بشكل ملحوظ. فحسب معدل الوفيات بين أعضاء الجماعة اليهودية قبل الحرب كان من المفروض أن يكون عدد الوفيات 12.600 في العام. ولكن الجوع والمرض (وكذا غارات الحلفاء وأحكام الإعدام) أدَّت معاً إلى موت 88.568 ألفاً في العام، وهو عدد يشكل 19% من مجموع سكان جيتو وارسو البالغ عددهم خمسمائة ألف، الأمر الذي يعني أنه كان من الممكن اختفاء كل سكان الجيتو خلال ثمانية أعوام دون أفران غاز. ويمكن أن نضيف أن هذه العملية كانت ستتسارع في السنوات الأخيرة بسبب زيادة ضعف وهزال سكان الجيتو، ومن ثم، فإن خمس أو ست سنوات كانت كافية في تصوُّرنا لإتمام هذه العملية.
وكانت علاقة الدولة النازية بدويلة/جيتو وارسو علاقة كولونيالية لا تختلف كثيراً عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الدولة الصهيونية بالسلطة الفلسطينية في غزة وأريحا (كما يتخيلها الصهاينة) . وربما كان الفارق الأساسي هو درجة التحكم، إذ أن جيتو وارسو كان كياناً صغيراً متخلفاً، ومن ثم كان بالإمكان التحكم فيه بدرجة كاملة أو شبه كاملة، على عكس الضفة الغربية وغزة حيث يوجد كيان حضاري مركب يعود إلى أعماق آلاف السنين ويتسم بتجذره، كما أن سكان " المناطق " المحتلة لم يتوقفوا قط عن المقاومة. وكل هذا جعل التحكم في فلسطين المحتلة بعد عام 1967 أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً.
ويدل سلوك الإسرائيليين تجاه السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا أنهم استبطنوا هذا الجانب من تجربة يهود أوربا مع النازية. فهم يحاولون أن تكون علاقتهم مع هذه السلطة تشبه في معظم الوجوه علاقة الحكم النازي بالسلطة اليهودية في جيتو وارسو أو مستعمرة تيريس آينشتات.

جماعة شتيرن والنازية
‏Stern and Nazism
جماعة صهيونية مراجعة حاولت التعاون مع النازيين باعتبار أن ثمة فارقاً عميقاً بين ما سمته الجماعة «مضطهدي الشعب اليهودي» وأعدائه. فمضطهدو الشعب اليهوي أمثال هامان وهتلر موجودون في كل زمان (فالصهاينة يؤمنون بحتمية العداء لليهود واليهودية) . ولكن الأمر جدُّ مختلف بالنسبة لأعداء اليهود، فهؤلاء هم الأجانب الذين يهيمنون على فلسطين ويمنعون اليهود من العودة إليها لينهوا حالة المنفى ويؤسسوا وطنهم القومي فيها. وبناءً على هذه الأطروحة الصهيونية الراديكالية لم يجد أعضاء شتيرن أية غضاضة في التفاوض مع النظم الشمولية بهدف التعاون الوثيق معها. فعقدوا اتفاقاً مع حكومة موسوليني تعترف بمقتضاه الحكومة الفاشية بالدولة الصهيونية على أن يقوم أعضاء شتيرن بالتنسيق مع القوات الإيطالية حين تقوم بغزو فلسطين.
ولكن التعاون مع النازيين كان هو الهدف الحقيقي. ولتحقيق هذا الغرض أرسل أعضاء شتيرن مندوباً إلى بيروت (التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للنازيين) للتفاوض مع قوات المحور. وقد قابل هذا المندوب، في يناير 1941، مواطنين ألمانيين أحدهما هو أوتو فون هنتج، رئيس القسم الشرقي في وزارة الخارجية الألمانية، والذي كان يشعر بالإعجاب العميق بالصهيونية.

وبعد الحرب اكتُشفت وثيقة (في أرشيف السفارة الألمانية في أنقرة) أرسلتها جماعة شتيرن للحكومة الألمانية تتصل بإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوربا واشتراك أعضاء جماعة شتيرن إلى جانب القوات النازية في الحرب ضد قوات الحلفاء. وتنص الوثيقة على أن إجلاء الجماهير اليهودية من أوربا هو شرط مسبق لحل المسألة اليهودية. وقد عبَّر كاتب الوثيقة عن وجود نقط تماثل بين النازية والصهيونية. (وصفت شتيرن نفسها بأنها حركة تشبه الحركات الشمولية في أوربا في أيديولوجيتها وبنيتها) . كما تذكر الوثيقة وجود مصالح مشتركة بين النازيين والصهيونية، وتُعبِّر عن تقدير جماعة شتيرن للرايخ الثالث لتشجيعه النشاط الصهيوني داخل ألمانيا وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين. وتؤكد الوثيقة ضرورة التعاون بين ألمانيا الجديدة والفولك العبري في المجال السياسي والعسكري.
ولم يتلق الجانب الصهيوني رداً، ولذا أرسلت جماعة شتيرن مندوباً آخر في ديسمبر من نفس العام إلى تركيا (بعد احتلال البريطانيين للبنان) ولكن قُبض على هذا العميل.
وكان إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، عضواً في جماعة شتيرن. ويؤكد الباحث الإسرائيلي باروخ نادل أن شامير كان يعرف بخطة شتيرن للتعاون مع النازيين. وحينما عُيِّن وزيراً للخارجية ثار الرأي العام العالمي بسبب تعيين إرهابي مثله (قام بتدبير عملية اغتيال اللورد موين في القاهرة عام 1942 والكونت فولك برنادوت عام 1948) ، ولكن أحداً لم يتطرق إلى ماضيه النازي.
عصبة الأشداء
‏Brit Habiryonim

«عصبة الأشداء» (أي الأقوياء) (بالعبرية: «بريت هابريونيم» ) جماعة صهيونية مراجعة أسسها آبا أحيمئير (1898 ـ 1962) ومجموعة من المثقفين الصهاينة مثل الشاعر أوري جرينبرج. وكان معظم مؤسسي الجمعية أعضاء في منظمات صهيونية عمالية ثم استقالوا منها. وقد تبنت الجماعة صياغة صهيونية لا تخفي إعجابها بالفكر النازي أو العنصرية النازية. وكما قال أحد كبار الصهاينة التصحيحيين «نحن التصحيحيين نكن الإعجاب الشديد لهتلر، فهو الذي أنقذ ألمانيا ولولاه لهلكت خلال أربعة أعوام، وسنتبعه إن هو تخلى عن معاداته لليهود» . وكانت مجلة عصبة الأشداء في فلسطين تزخر بالمقالات التي تمجد هتلر والهتلرية. وكان من بين هتافات أعضاء العصبة «ألمانيا لهتلر، وإيطاليا لموسوليني، وفلسطين لجابوتنسكي» . كما مجَّد أعضاء الجمعية الجوانب العسكرية في تاريخ العبرانيين، فكانوا يشبهون أنفسهم بجماعة حملة الخناجر، وهم فريق من جماعة الغيورين كانت تغتال الرومان واليهود الذين يتحالفون معهم، وذلك أثناء التمرد اليهودي الأول في فلسطين بين عامي 66 و73 ميلادية (واسم الجمعية نفسه «بريت هابريونيم» هو اسم إحدى الجمعيات الإرهابية اليهودية في تلك الفترة) . وكان أتباع الجمعية يرون أن الاغتيال السياسي ليس جريمة وإنما هو فعل ذو هدف ومعنى، وأن الدم والحديد هما الطريق الوحيد للتحرر. وكما قال أحميئير، فإن "الماشيَّح لن يأتي راكباً على حمار"، وهو ما يعني أن الماشيَّح الصهيوني سيأتي راكباً دبابة، حاملاً القنابل العنقودية! وتعود أهمية الجمعية إلى تأثيرها في حركة التصحيحيين ككل، فقد تحولت مجلتهم (التي صدرت ابتداءً من يناير 1932) إلى لسان حال العمال التصحيحيين، وشنت حملات شعواء على المعسكر العمالي بأسره.

ورغم أن جابوتنسكي كان يحاول أحياناً أن يحتفظ بمسافة بينه وبين أعضاء الجمعية، إلا أنه كان يُعبِّر في خطاباته عن إعجابه بهم وتعاطفه معهم. ولم يتخذ أي إجراء تنظيمي ضدهم بل أطلق على أحيمئير (بنبرة لا تخلو من التهكم) اسم «معلمنا ومرشدنا الروحي» ، كما أن الحاخام إسحق كوك دافع عنهم. وتذكر موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن مناحيم بيجين انضم إلى الجناح الراديكالي لحركة التصحيحيين الذي كان مرتبطاً بعصبة الأشداء (لم تذكر الموسوعة في المدخل عن أحميئير أي شيء عن اتجاهاته النازية المذكورة، واكتفت بالإشارة إلى أفكاره "الراديكالية") . وقد استمرت العلاقة بين بيجين وأحميئير حتى بعد إعلان الدولة، فسمح بيجين، باعتباره رئيس حزب حيروت، بأن يكتب أحميئير في الجريدة اليومية للحزب، إلى أن مات عام 1962.
ألفريد نوسيج (1864-1943)
‏Alfred Nossig
أحد مؤسسي الحركة الصهيونية مع هرتزل، وأهم شخصية يهودية صهيونية متورطة في التعاون مع النازيين، وهو فنان وشاعر وموسيقار من أصل بولندي وخلفية ثقافية ألمانية، كانت مواهبه متعددة ومتنوعة عبَّر عنها من خلال الأدب (قصائد ومسرحيات ومقالات في النقد الأدبي) والموسيقى (لبريتو لإحدى الأوبرات) والنحت (عُرضَت تماثيله في معظم أرجاء أوربا وذاعت شهرته كنحات) . وقد بدأ حياته، شأنه شأن معظم الزعماء الصهاينة، خصوصاً الذين كانوا من أصل ثقافي ألماني، بالمطالبة بالاندماج الكامل لليهود، ثم أصبح محرراً في إحدى الصحف البولندية. وفي عام 1887، نشر كتيبه محاولة لحل المسألة اليهودية (بالبولندية) ، حيث اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين والدول المجاورة. وقد ترك هذا الكتيب أثراً عميقاً على المثقفين اليهود في أوربا وخصوصاً في جاليشيا. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح نوسيج نشيطاً في المجال الصهيوني فألَّف الكتب ودبج المقالات عن موضوع الاستيطان وغيره.

وقد يتصوَّر البعض أن ثمة تناقضاً بين نزعته الاندماجية الأولى ونزعته الصهيونية بعد ذلك. ولكن هذا النمط معروف تماماً بين مؤسسي الحركة الصهيونية، ولا سيما أصحاب الخلفية الثقافية الألمانية. فهؤلاء يهود غير يهود، بمعنى أنهم حاولوا الاندماج بل الانصهار في الأغلبية لرفضهم لهويتهم اليهودية (الدينية والعرْقية) . ولكن المجتمع صنفهم «يهوداً» . ولهذا، أخذوا يبحثون عن طريقة أخرى للتخلص من اليهود، ووجدوا ضالتهم في الحل الصهيوني، الذي يرمي إلى نقل (ترانسفير) يهود أوربا خارجها، إلى أن يفرغها من يهودييها في نهاية الأمر. وهذه عملية ستقضي على الفائض البشري وتُسهِّل اندماج القلة التي ستبقى.
شارك نوسيج في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، واصطدم مع هرتزل لأسباب لا تذكرها المراجع التي عدنا إليها. ولكنه استمر في حضور المؤتمرات الصهيونية، وصوت ضد مشروع شرق أفريقيا (باعتبار أنه مشروع بريطاني، بينما كان متحمساً للمشروع الاستعماري الألماني) . ويبدو أن نوسيج كان عضواً في العصبة الديموقراطية، إذ أنه ساهم (عام 1902) مع مارتن بوبر وحاييم وايزمان وليو موتسكين في تأسيس أول دار نشر صهيونية في برلين نشرت العديد من الكتب. ويُعتبَر نوسيج واضع أساس علم الإحصاء الخاص بين الجماعات اليهودية، فنشر أعمالاً بين عامي 1887 و1903 ووضع أساس إنشاء المعهد الإحصائي والسكاني (الديموجرافي اليهودي.)

وهدف الصهيونية (حسب تعريف معظم مؤسسيها) هو نقل اليهود من أوربا وإفراغها منهم لحل المسألة اليهودية، ونوسيج ينتمي إلى هذه المنظومة الفكرية التوطينية (الترانسفيرية) . فكان معظم فكره يدور حول تهجير اليهود، وكان هذا يأخذ شكل محاولة زيادة وعيهم بهويتهم اليهودية العضوية حتى َيضمُر ويذوي إحساسهم بالانتماء إلى أوربا. وقد أنجز نوسيج ذلك من خلال أعماله الفنية مثل تماثيله: «اليهودي التائه» و «يهودا المكابي» و «الملك سليمان» و «الجبل المقدَّس» (كان نوسيج يود أن توضع على جبل الكرمل رمزاً للدولة اليهودية) . كما أسس عام 1908 منظمة استيطانية تُسمَّى إيكو AIKO للتعجيل بنقل اليهود. فهو، شأنه شأن نوردو، كان في عجلة من أمره. ولعل طول الانتظار هو الذي دفعه إلى التعاون مع النازيين، لأنهم أيضاً ذوو نزعة توطينية ترانسفيرية. فعمل كمخبر للسلطات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وعيَّنه تشيرنياكوف، رئيس مجلس اليهود في وارسو إبان حكم النازي، عضواً في المجلس ورئيساً لقسم الفنون. ونظراً لمعرفته الوثيقة بأعداد اليهود وتوزعهم ومراحلهم العمرية المختلفة (بسبب دراساته التي أسلفنا الإشارة إليها) ، ونظراً لرغبته العميقة في إفراغ أوربا من يهودييها، وضع نوسيج خطة متكاملة لإبادة اليهود الألمان المسنين والفقراء (غير النافعين) وتهجير الباقين أو إبادتهم. وقد اكتشف أعضاء المقاومة اليهودية في جيتو وارسو تعاونه مع النازي وأنه عضو في الجستابو، فحُكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص ونُفِّذ الحُكم في 22 فبراير 1943. وقد اختفى نوسيج تماماً من الأدبيات الصهيونية والغربية.
مردخاي رومكوفسكي (1877-1944 (
‏Mordechai Rumkowski

صهيوني بولندي ورئيس المجلس اليهودي في جيتو لودز خلال الحرب العالمية الثانية. وُلد في روسيا ثم استقر في مدينة لودز مع بداية القرن العشرين. كان عضواً في الحزب الصهيوني العمومي، وقام بتمثيله في لجنة الجماعة اليهودية في لودز. كان رومكوفسكي مؤمناً بأن التعاون مع الألمان سيُعزِّز وضع اليهود، خصوصاً إذا زادت مساهمتهم وأهميتهم بالنسبة للمجهود الحربي الألماني. ولهذا عُيِّن، بعد احتلال الألمان لمدينة لودز عام 1939، رئيساً للمجلس اليهودي فيها، أي كبيراً لليهود، ومنحه المسئولون الألمان في جيتو لودز (الذي ضم 170 ألف يهودي) سلطات إدارية واسعة. وتَعزَّز موضعه القيادي بسبب مهارته التنظيمية، فكان مسئولاً عن إقامة الورش التي أمر الألمان بإنشائها لاستغلال عمل اليهود، والتي بلغ عددها 120 ورشة. ومع مرور الوقت، عمل رومكوفسكي على تركيز جميع السلطات في يده وأصبحت إدارته أكثر استبداداً. وعندما أمرت السلطات الألمانية الجيتو بإصدار عملة نقدية خاصة به (باعتباره كياناً يهودياً مستقلاً بدلاً من استخدام العملة البولندية أو الألمانية) ، طُبعت على الأوراق المالية الجديدة صورته.
اشترك رومكوفسكي في عمليات ترحيل ونقل يهود لودز إلى معسكرات الاعتقال الألمانية، وكان مسئولاً مع معاونيه عن تحديد من سيتم ترحيله، الأمر الذي جلب عليه كراهية كثير من سكان الجيتو. وقد ضمت قوائم المرحلين كثيراً من معارضيه داخل الجيتو. وخلال الفترة بين يناير ومايو عام 1942، تم ترحيل 52 ألف يهودي من الجيتو بمعاونة رومكوفسكي الذي ظل مؤمناً بأن التعاون مع الألمان هو أفضل سبيل لتخفيف وطأة هذه المأساة. وقد قام الألمان بتصفية الجيتو في نهاية الأمر عام 1944، ورُحِّل رومكوفسكي مع أسرته إلى معسكر أوشفيتس حيث مات.

وتُعَدُّ شخصية رومكوفسكي شخصية مثيرة للجدل في الأدبيات اليهودية التي تؤرخ لفترة الإبادة النازية، حيث يحمِّله البعض مسئولية إبادة يهود جيتو لودز. وهو يُعَدُّ مثلاً جيداً على ذلك التعاون بين قيادات الجماعات والمجالس اليهودية من جهة والسلطات النازية من جهة أخرى.
آدم تشرنياكوف (1880-1932 (
‏Adam Czerniakow
صهيوني بولندي ورئيس مجلس الجماعة اليهودية في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية. وأول رئيس للمجلس اليهودي في وارسو، والذي شكلته سلطات الاحتلال النازية.
كان تشرنياكوف من النشطين في مجال شئون الجماعة اليهودية في بولندا عقب الحرب العالمية الأولى، واهتم بشكل خاص بشئون الحرفيين اليهود الذين كانوا يشكلون 40% من تعداد الجماعة، وقام بالتدريس في شبكة المدارس اليهودية المهنية في وارسو. وانتُخب في الفترة بين عامي 1927 و1934 عضواً في مجلس مدينة وارسو، كما انتُخب قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة عضواً في المجلس التنفيذي للجماعة اليهودية، ثم عيَّنه عمدة وارسو بعد اندلاع الحرب رئيساً لمجلس الجماعة اليهودية. وبعد احتلال القوات الألمانية للمدينة، عينته السلطات النازية رئيساً للمجلس اليهودي، وأوكلت إليه مهمة تنظيم الجماعة اليهودية في جيتو خاص بها، وكان على اتصال وثيق بالسلطات النازية، خصوصاً مع قوميسار الجيتو الألماني. وقد وجه بعض أعضاء الجماعة اليهودية انتقادات حادة للمجلس اليهودي ونشاطه وحاول بعضهم إقصاء تشرنياكوف. ويُقال إن تشرنياكوف لم يصدق، عندما بدأت عمليات ترحيل اليهود إلى معسكرات الاعتقال، أنه سيتم ترحيل اليهود بالفعل. ولكنه أدرك في نهاية الأمر أبعاد المخطط، فرفض التعاون مع الألمان ورفض التوقيع على أوامر الترحيل ولم يجد مخرجاً من مأزقه سوى الانتحار.

وقد ترك تشرنياكوف يوميات دوَّن فيها جميع الأحداث الهامة التي جرت داخل الجيتو وجميع ملاحظاته ومشاهداته. وتعتبر هذه اليوميات مرجعاً مهماً لأوضاع وظروف جيتو وارسو إبان الاحتلال النازي.
وتثير حياة تشرنياكوف قضيتين: أولهما قضية مدى مسئولية القيادات اليهودية عن نجاح النازيين في تنفيذ مخططهم. أما القضية الثانية فهي خاصة بمدى معرفة العالم الخارجي بما كان يدور في ألمانيا من عمليات تهجير وقمع وإبادة، إذ يذهب بعض الدراسين إلى أن العالم بأسره لم يكن يعرف شيئاً عما يدور في ألمانيا النازية وعن عمليات الإبادة، ومن ثم لم يتخذ أية إجراءات للحيلولة دون وقوع مثل هذه العمليات، بينما تصر الأدبيات الصهيونية على أن العالم ترك اليهود وحدهم لمصيرهم، الأمر الذي يعني صدق المعادلة الصهيونية البسيطة: اليهود ضد الأغيار. ولكن تشرنياكوف (وهو، كما بيَّنا، واحد من أهم الشخصيات القيادية اليهودية وكان يعيش داخل بولندا ويترأس الجيتو اليهودي في وارسو، وكانت تربطه علاقة يومية مع السلطات النازية) لم يكن يعرف شيئاً عن الترحيل أو عن أفران الغاز ولم يصدق ما كان يحدث من حوله، وقد تعاون مع النازيين، كما تُقرِّر المراجع الصهيونية، لأنه لم يكن يدرك إطلاقاً ما كان يحدث من حوله، ولم يصل إلى مسامعه شيء إلا في عام 1942، أي قرب نهاية الحرب، فكيف كان يمكن للعالم الخارجي أن يعرف عن الاعتقال والتهجير والإبادة؟
حاييم كابلان (1880-1942 (
‏Hayyim Kaplan

مرب بولندي صهيوني دوَّن يومياته في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا. وُلد في بلوروسيا وتلقى تعليماً تلمودياً في المدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، ثم درس في المعهد الحكومي التربوي في فلنا. وفي عام 1902، استقر في وارسو حيث أسس مدرسة ابتدائية عبرية كانت جديدة في نوعها، وظل مديراً لها لمدة أربعين عاماً، وكان كابلان شديد التحمس للغة العبرية ومن العارفين بها والدارسين لها. وقد تبنى في تدريسه للعبرية الأسلوب أو المنهج المباشر، فكان يدرسها كلغة حية متداولة باستخدام اللهجة السفاردية. وأصدر كابلان عدة كتب بالعبرية يدعو فيها إلى تبني هذا المنهج في التدريس، وذلك رغم المعارضة القوية من المؤمنين بالأساليب التقليدية. كما اشترك كابلان بشكل نشط في جمعية الكُتَّاب والصحفيين اليهود في وارسو ونشر العديد من المقالات وأصدر العديد من المجلات العبرية واليديشية على مدى الأعوام الأربعين التي عمل بها في التدريس. كما أصدر، إلى جانب ذلك، كتباً خاصة بالنحو العبري وكتباً للأطفال تتناول ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» و «التاريخ اليهودي» . وكان كابلان من المؤمنين بالقومية اليهودية، أي الصهيونية، والتاريخ اليهودي الواحد، وكانت يهوديته ذات طابع قومي حيث لم يكن متمسكاً بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية. وقد اتجه إلى فلسطين في عام 1936 حيث كان ينوي الاستقرار مع ابنيه اللذين هاجرا للاستيطان بها من قبل، إلا أنه عاد إلى وارسو بعد أن فشل في العثور على عمل.

وتعود أهمية كابلان إلى أنه دوَّن يومياته وهو في جيتو وارسو أثناء الاحتلال النازي لبولندا وقبل أن يُدمَّر الجيتو بأكمله. وقد بدأ كابلان في كتابة يومياته بالعبرية ابتداءً من عام 1933 وسجل فيها الأحداث اليومية لمجتمع الجيتو، كما سجل أفكاره وحواراته مع أصدقائه وانطباعاته العديدة. وقد أدان كابلان القيادات اليهودية في الجيتو ومن بينها آدم تشرنياكوف رئيس المجلس اليهودي، الذي كان يقوم بتسليم اليهود إلى النازيين والذي انتحر فيما بعد. وقد نجح كابلان في تهريب يومياته إلى خارج الجيتو قبل أن يلقى حتفه عام 1942.
وتتضمن اليوميات إدراكاً كاملاً للتشابه البنيوي بين النازية والصهيونية، إذ يُعبِّر كابلان عن دهشته لاضطهاد النازيين لليهود رغم أن الحل النازي هو نفسه الحل الصهيوني: الاعتراف باليهود كشعب عضوي منبوذ وطنه فلسطين ومن ثم يتعيَّن عليه أن يهاجر إليها. وقد دوَّن كابلان في مذكراته أن هذه الكلمات كانت جديدة على النازيين تماماً، وأنهم لم يصدقوا آذانهم حينما سمعوا ذلك لأول مرة من أحد اليهود. وهذه الملاحظة تدل على مدى جهل كابلان بمستوى المعرفة النازية بالمسألة اليهودية والعقيدة الصهيونية، وتدل على أنه لم يكن متابعاً للتعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة في ألمانيا النازية.
وتُرجمت يوميات كابلان إلى لغات عدة منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والدنماركية واليابانية، ونُشرت بالإنجليزية تحت عنوان مخطوطات العذاب.
كورت بلومنفلد (1884-1963 (
‏Kurt Blumenfeld

أحد الزعماء الصهاينة في ألمانيا، والقوة المحركة للمنظمة الصهيونية فيها. وهو يهودي ألماني وُلد لأسرة مندمجة، ولكنه خَلُص إلى أنه لا جدوى من الانعتاق وأن اليهود لن يكون في وسعهم الاندماج في المجتمع الألماني. تزوج بلومنفلد من فتاة من شرق أوربا، وبعد أن درس في كلية الحقوق في إحدى الجامعات الألمانية، انضم إلى المنظمة الصهيونية وأصبح سكرتيرها الأول عام 1909، ثم أصبح السكرتير العام للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية (ورئيس قسم النشر) ، وترأس تحرير مجلة دي فيلت لسان حال المنظمة. وبعد الحرب العالمية الأولى، قام بحملات واسعة لجمع التبرعات للصندوق القومي اليهودي وأصبح رئيساً للمنظمة الصهيونية الألمانية عام 1924، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1933، أي عندما تولى هتلر السلطة في ألمانيا. وقد هاجر بلومنفلد عندئذ إلى فلسطين واستوطن فيها وأصبح الرئيس التنفيذي للصندوق القومي اليهودي في فلسطين. ومات بلومنفلد عام 1963، ولكن المصادر الصهيونية لا تَذكُر شيئاً عن نشاطه السياسي منذ عام 1944 حتى وفاته، أي مدة عشرين عاماً، وهو أمر يحتاج إلى دراسة.

كان بلومنفلد يرى نفسه «نبي» الصهيونية الألمانية في عصر ما بعد الاندماج وفشله، وبدأ يعلن عن مواقفه ويقوم بالجولات الإعلامية داخل ألمانيا وخارجها بوصفه مسئولاً صهيونياً، كما دأب على إلقاء خطب نارية ورفع شعارات سببت كثيراً من الحرج لأعضاء الأقلية اليهودية في ألمانيا. وكان بلومنفلد وراء إصدار ما يُسمَّى «قرار بوزن» الذي أصدرته المنظمة الصهيونية الألمانية عام 1912 وحدَّدت فيه الصهيونية كحركة قومية تُترجم نفسها إلى هجرة إلى فلسطين «الوطن القومي لليهود» . ووصف بلومنفلد هذا القرار بأنه كان بمنزلة إعلان للهجوم على صهيونية الإحسان (الغربية) ، أي الصهيونية التوطينية، وأن الصهيونية بصدوره أصبحت حركة ذات طابع قومي (استيطاني) واضح (وقد اعترف بلومنفلد أيضاً بأن الأعضاء وافقوا على قراره لأنهم لم يدركوا تضميناته السياسية الراديكالية (.
رودولف كاستنر (1906-1957 (
‏Rudolph Kastner
أحد زعماء الحركة الصهيونية في المجر. ترأس عدداً من المنظمات الشبابية الصهيونية، ورأس تحرير مجلة أوج كيليت Uj Kelet (أي «الشرق الجديد» ) ، وكان نائب رئيس المنظمة الصهيونية في المجر، ثم أصبح مسئولاً عن «إنقاذ» المهاجرين اليهود من بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يشغل منصب رئيس لجنة الإغاثة في بوادابست التابعة للوكالة اليهودية.

قام كاستنر بالاتصال بالمخابرات المجرية والنازية (التي كان لها عملاء يعملون داخل المجر، حتى قبل احتلال القوات الألمانية لها) ، ثم استمر في التعاون مع النازيين بعد احتلالهم للمجر. وتشير بعض الدراسات إلى أن أيخمان حضر إلى المجر ومعه 150 موظفاً وحسب، وكان يتبعه عدة آلاف من الجنود المجريين، هذا بينما كان يبلغ عدد يهود المجر ما يزيد عن 800 ألف، وهو ما يعني استحالة ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال (السخرة والإبادة) إن قرروا المقاومة. ومع هذا نجح أيخمان في مهمته بفضل تعاون كاستنر معه، إذ يبدو أن كاستنر أقنع أعضاء الجماعة اليهودية في المجر بأن النازيين سيقومون بنقلهم إلى أماكن جديدة يستقرون فيها أو إلى معسكرات تدريب مهني لإعادة تأهيلهم وليس إلى معسكرات الاعتقال. ومقابل ذلك سمحت السلطات النازية (عام 1941) بإرسال 318 يهودياً ثم 1386 يهودياً من أحد معسكرات الاعتقال إلى فلسطين ( «يهود من أفضل المواد البيولوجية» على حد قول أيخمان) .
استقر كاستنر في فلسطين عام 1946، وانضم إلى قيادة الماباي ورُشِّح للكنيست الأول. وانتقلت معه مجلة أوج كيليت، وأصبح رئيساً لتحريرها، بل كان يُعَدُّ مسئولاً عن شئون يهود المجر (أو من تبقى منهم) في الحزب الحاكم.

ولكن في عام 1952 أرسل المواطن الإسرائيلي مايكل جرينوولد كتيباً لبعض القيادات الصهيونية اتهم فيها كاستنر بالتعاون مع النازيين، وأنه قام بالدفاع عن أحد ضباط الحرس الخامس (الإس. إس.) أثناء محاكمات نورمبرج الأمر الذي أدَّى إلى تبرئته وإطلاق سراحه. وقد قام الحزب الحاكم في إسرائيل بمحاولات مضنية لإنقاذ كاستنر وتبرئته. كما بيَّن كاستنر أثناء محاكمته أنه لم يكن يسلك سلوكاً فردياً وإنما تَصرَّف بناءً على تفويض من الوكالة اليهودية (التي أصبحت الدولة الصهيونية عام 1948) . ولم يكن كاستنر مبالغاً في قوله فالمواطن الإسرائيلي جويل براند كان على علم ببعض خفايا القضية وبمدى تورط النخبة الحاكمة في عملية المقايضة الشيطانية التي تمت. وقد طُلب منه الإدلاء بشهادته، ولكنه آثر ألا يفعل وبدلاً من ذلك كتب كتاباً بعنوان الشيطان والروح يقول فيه «إن لديه حقائق تبعث على الرعب وتدمغ رؤوس الدولة اليهودية (الذين كانوا رؤساء الوكالة اليهودية) » . وأضاف قائلاً «إنه لو نشر مثل هذه الحقائق لسالت الدماء في تل أبيب» .
وقد قضت المحكمة الإسرائيلية بأن معظم ما جاء في كتيب جرينوولد يتطابق مع الواقع. وبعد إشكالات قضائية كثيرة، حُسمت المسألة (لحسن حظ الحزب الحاكم) حينما أطلق «أحدهم» الرصاص على كاستنر وهو يسير في الشارع. وقد تمت الجريمة رغم ورود تحذيرات لسلطات الأمن الإسرائيلية عن وجود مؤامرة لاغتيال كاستنر، بل كانت السلطات تعرف موعد تنفيذ المؤامرة. وقد سجل موشيه شاريت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هذه الكلمات في مذكراته: "كاستنر. كابوس مرعب. حزب الماباي يختنق. بوجروم.". ويشير براند في كتابه إلى أن "رجال السياسة الذين يتسمون بالحذر، كانوا لا يعرفون ماذا سيفعلون مع هذا الرجل بعد محاكمته"، وكانوا يفكرون في "إسكاته".
العرب والمسلمون والإبادة النازية ليهود أوربا
‏Arabs, Moslems, and the Nazi Extermination of European Jewry

لعل من الضروري أن نتناول إشكالية تخصنا وحدنا كعرب وكمسلمين ومسيحيين وهي موقفنا من الإبادة النازية لليهود. أما موقفنا من الإبادة النازية كمسلمين وكمسيحيين فهو واضح تماماً لا لبس فيه. فالقيم الأخلاقية الدينية (الإسلامية والمسيحية واليهودية) لا تسمح بقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. وقد جاء في الذكر الحكيم: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً". (المائدة ـ 32) .
ويحاول الغرب إقحام الجريمة النازية داخل التاريخ العربي حتى يُبرِّر غرس الدولة الصهيونية الاستيطانية في وسط الوطن العربي، تعويضاً لليهود عما لحق بهم من أذى داخل التشكيل الحضاري الغربي وداخل حدود أوربا الجغرافية. وتحاول الدعاية الصهيونية، بممالأة الغرب، أن تنجز ذلك من خلال آليتين أساسيتين:
1 ـ تحاول الدعاية الصهيونية جاهدة أن تصوِّر المقاومة العربية للغزو الصهيوني لفلسطين وكأنها دعم مباشر أو غير مباشر للإبادة النازية، لأنها حالت في بعض الأحيان دون دخول المهاجرين اليهود لفلسطين. ومثل هذه الحجة لا أساس لها من الصحة. فالمقاومة العربية لم تكن ضد مهاجرين يبحثون عن المأوى وإنما كانت ضد مستوطنين جاءوا لاغتصاب الأرض وطرد أصحابها، تحت رعاية العالم الغربي، وبدعم من حكومة الانتداب البريطانية (ومن النازيين أنفسهم) ، وفي الوقت الذي كانت الدول الغربية توصد أبوابها دون المهاجرين اليهود. ومهما فعل الصهاينة (يؤيدهم في هذا العالم الغربي دون تحفُّظ) يظل حق المقاومة حقاً إنسانياً مشروعاً بل اجباً على كل إنسان يحترم إنسانيته، ويظل رفض الإنسان للظلم تعبيراً عن نبله وعظمته، بل إنسانيته.

2 ـ تحاول الدعاية الصهيونية أن تبين أن بعض الساسة العرب أظهروا تعاطفاً مع النظام النازي. وهذه أكذوبة أخرى. فمعظم الحكومات العربية وقفت مع الحلفاء (فالعالم العربي على أية حال كان يقع في دائرة الاستعمار الغربي) . كما أن النظرية النازية العرْقية كانت تضع العرب والمسلمين في مصاف اليهود، ولذا فأي تحالف مزعوم كان تحالفاً مؤقتاً لا يختلف عن حلف ستالين/هتلر. وهؤلاء الساسة (وبعض القطاعات الشعبية) ممن أظهروا التعاطف مع النازيين فعلوا ذلك لا كُرهاً في اليهود أو حباً في النازيين، وإنما تعبيراً عن عدائهم للاسعمار الإنجليزي والاستيطان الصهيوني. وهو، على أية حال، تعاطف يُعبِّر عن سذاجة وعن عدم مقدرة على القراءة الجيدة للأحداث، وعن عدم إلمام بطبيعة الغزوة النازية ومدى تَجذُّرها في المشروع الحضاري والإمبريالي الغربي ومدى رفضها العنصري للمسلمين والعرب. ولم يُترجم هذا التعاطف العام نفسه إلى اشتراك فعلي في الجريمة النازية، التي تحتفظ بخصوصيتها كظاهرة حضارية غربية.
ولكن كل هذه المحاولات الدعائية الإعلامية الغربية الصهيونية لا تغيِّر شيئاً من الحقائق التاريخية أو الجغرافية أو الأخلاقية، الدينية والإنسانية. فالإبادة النازية لا تُشكِّل جزءاً من التاريخ العربي أو تواريخ المسلمين، ولم يلوث العرب والمسلمون أيديهم بدماء ضحايا النازية من يهود أو سلاف أو غجر. وهذه المحاولات تُبيِّن في نهاية الأمر اتساق الغرب مع نفسه، الذي يُكفر عن جريمة إبادية ارتكبها في ألمانيا بأخرى لا تقل عنها بشاعة في وطننا العربي.

ومن المعروف أنه حينما حدث احتكاك مباشر بين المسلمين والعرب من جهة والإبادة النازية من جهة أخرى فإن موقف المسلمين والعرب كان يتسم بالإنسانية. فعلى سبيل المثال قامت الأقلية المسلمة في بلغاريا بدور كبير في حماية أعضاء الجماعات اليهودية من الإبادة، كما أن الملك محمد الخامس عاهل المغرب رفض تسليم رعاياه اليهود إلى حكومة فيشي الفرنسية الممالئة للنازي.
وأثناء كتابة هذه الموسوعة لاحظت تكرار كلمة «مسلم» في مقال عن التدرج الاجتماعي في معسكر أوشفيتس، وقال مرجع آخر إن الضحايا الذين كانوا يُقادون لأفران الغاز كانوا يسمونهم تسمية «غريبة» . وقد تبيَّن بعد قراءة عدة مراجع وموسوعات إلى أنهم كانوا يسمون في واقع الأمر «ميزلمان Muselmann» أي «مسلم» بالألمانية، وقد ورد ما يلي في مدخل مستقل في الموسوعة اليهودية Enyclopedia Judaica (جزء 12 ص 537 ـ 538) عنوانه «مسلم» :
«ميزلمان» أي مسلم بالألمانية، هي إحدى المفردات الدارجة في معسكرات (الاعتقال) والتي كانت تُستخدَم للإشارة للمساجين الذين كانوا على حافة الموت، أي الذين بدأت تظهر عليهم الأعراض النهائية للجوع والمرض وعدم الاكتراث العقلي والوهن الجسدي. وكان هذا المصطلح يُستخدَم أساساً في أوشفيتس ولكنه كان يُستخدَم في المعسكرات الأخرى» .
هذه هي المعلومة، فكأن العقل الغربي حينما كان يدمر ضحاياه كان يرى فيهم الآخر، والآخر منذ حروب الفرنجة هو المسلم. ومن المعروف في تاريخ العصور الوسطى أن العقل الغربي كان يربط بين المسلمين واليهود، وهناك لوحات لتعذيب المسيح تصور الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يقوم بضرب المسيح بالسياط.

إن التجربة النازية هي الوريث الحقيقي لهذا الإدراك الغربي، والنازيون هم حملة عبء هذه الرؤية، وهم مُمثِّلو الحضارة الغربية في مجابهتها مع أقرب الحضارات الشرقية، أي الحضارة الإسلامية. وهم لم ينسوا قط هذا العبء حتى وهم يبيدون بعضاً من سكان أوربا. وهم في هذا لا يختلفون كثيراً عن الغزاة الأسبان للعالم الجديد الذين كانوا يبيدون سكانه الأصليين وكانوا يسمونهم «الترك» أي «المسلمين» . كل ما في الأمر أن نطاق الحقل الدلالي لكلمة «مسلم» تم توسيعه لتشير "للآخر" على وجه العموم، سواء أكان من الغجر أم السلاف أم اليهود (وهذا لا يختلف كثيراً عن توسيع نطاق الحقل الدلالي لكلمة "عربي" في الخطاب الصهيوني لتصبح "الأغيار") . وقد حاول كاتب مدخل «مسلم» في الموسوعة اليهودية أن يفسر أصل استخدام الكلمة، فهو يدَّعي أن الضحايا سُموا «مسلمين» استناداً إلى طريقة مشيهم وحركتهم: "إنهم كانوا يجلسون القرفصاء وقد ثُنيت أرجلهم بطريقة «شرقية» ويرتسم على وجوههم جمود يشبه الأقنعة". والكاتب في محاولة التفسير هذه لم يتخل قط عن عنصريته الغربية أو الصور النمطية الإدراكية، كل ما في الأمر حاول أن يحل كلمة «شرقيين» العامة محل كلمة «مسلمين» المحددة.
مسلم
‏Muselmann
انظر: «العرب والمسلمون والإبادة النازية ليهود أوربا» .

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - التحديث - التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية: دورهم فيه وأثره فيهم
‏Modernization: Role of Members of Jewish Communities and its Impact on Them
«التحديث» (في إطار المنظومة المعرفية العلمانية الشاملة) هو عملية تعديل البيئة الاجتماعية والرؤية المعرفية والأخلاقية بحيث يُخضَع الواقع بأسره (الإنسان والبيئة أو الطبيعة) للقواعد والإجراءات العامة وغير الشخصية ويزداد التحكم فيه، فتُستبعَد كل المطلقات (الأخلاقية والإنسانية والدينية) من الدنيا وتُصفَّى كل الثنائيات ويصبح مصدر المعرفة هو العقل وما يصله من معطيات من خلال الحواس. وينبع من هذه المعرفة نسق أخلاقي يجعل الأخلاق مترادفة مع المنفعة واللذة (وهذه العملية هي في جوهرها عملية ترشيد وعلمنة وفرض للواحدية المادية) . وينتج عن ذلك أن الشخصية التقليدية تتحول بالتدريج إلى المواطن الحديث القادر على الاستجابة للقانون العام، والذي لا يدين بالولاء إلا للدولة (المطلقة) أو الوطن والذي يفضل الدخول في علاقات تعاقدية واضحة محدَّدة. وهو بذلك، يصبح منتجاً ومستهلكاً بالدرجة الأولى. كما أن البيئة الاجتماعية نفسها تسيطر عليها مؤسسات الدولة التي تحل محل المؤسسات التقليدية مثل الكنيسة أو الأسرة، أي أن الجماعة العضوية المترابطة (جماينشافت) تتحول إلى المجتمع التعاقدي (جيسيلشافت) . ويؤدي كل هذا إلى تزايد هيمنة المؤسسات الحديثة التي يصبح بوسعها توظيف الواقع (الإنسان والطبيعة) وتعظيم الإنتاج (من خلال توحيد السوق وتوحيد القوانين والنظم الاقتصادية) وزيادة الدخل (عن طريق وضع الخطط وإقناع الناس بها من خلال الإعلام) . وتصاحب هذه العملية نمو الديموقراطية، وانتشار التعليم، وزيادة الإبداع والحراك الاجتماعي، ونزع القداسة عن الرموز والأفراد، وتزايُد تكيُّف المرء مع القيم والمخترعات الجديدة التي تظهر يوماً بعد يوم، وتعاظُم دور الإعلام والمخابرات. وقد عرَّف أحد العلماء الغربيين الإنسان الحديث بأنه الإنسان القادر على تغيير قيمه بعد إشعار قصير، أي أنه إنسان حركي للغاية لا يهدأ ولا يخضع لأية ثوابت أو مطلقات. كما

يُلاحَظ أن عملية التحديث يصاحبها تزايُد التركز في المدن، والاغتراب، وانتشار الإباحية والنزعات العدمية. ويمكن وصف التحديث بأنه علمنة المجتمع.
وعملية التحديث، سواء في الشرق الإسلامي أم في الغرب، هي أهم عملية تاريخية في هذا العصر، وهي سمته الأساسية، فهي تمس كل جوانب المجتمع الإنساني من الاقتصاد إلى أسلوب الحياة. ويعود تاريخ عملية التحديث والعلمنة في الغرب إلى بدايات عصر النهضة، وقد زادت حدتها مع بداية القرن التاسع عشر، ووصلت هذه المرحلة إلى نهايتها مع الحرب العالمية الأولى حيث تحولت المجتمعات الغربية من كونها مجتمعات زراعية إقطاعية وشبه إقطاعية إلى مجتمعات تجارية وأخيراً إلى مجتمعات صناعية رأسمالية إمبريالية. وقد تركت هذه العملية التاريخية أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية، ولا يمكن فهم الحركات السياسية والفكرية وحركة الهجرة بين اليهود إلا بفهم أثر عملية التحديث فيهم ودورهم فيها.
وقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في تحديث العالم الغربي والشرق العربي من خلال كونهم جماعة وظيفية وسيطة. ولكنه كان دوراً محدوداً بسبب ارتباطهم إما بالطبقة الحاكمة، كما هو الحال في الغرب، أو بالاستعمار في الشرق، إذ أن عملية التحديث لابد أن تتم في صلب المجتمع ذاته وأن يقوم بها أعضاء المجتمع الذين يعيشون فيه وينتمون إليه انتماءً كاملاً.
وقد هاجر يهود البلاد العربية والعالم الإسلامي إلى العالم الغربي أو الدولة الصهيونية قبل أن تتصاعد عملية التحديث في هذا الجزء من العالم، ولذا لم تُبذَل محاولات لتحديثهم ودمجهم في المجتمع.

أما يهود العالم الغربي، فقد كانت تجربتهم مختلفة، إذ تصاعدت معدلات التحديث في المجتمع الغربي ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر ودخلت عليه تحولات عميقة غيَّرت بنيته ورؤيته تماماً، وهي تحولات كان اليهود بمعزل عنها، وبخاصة في شرق أوربا، حيث كانوا لا يزالون يلعبون دور الجماعة الوظيفية الوسيطة. ومع نهاية القرن الثامن عشر، كان اليهود من أكثر القطاعات البشرية تَخلُفاً في كل أرجاء أوربا. ومن هنا وجدت الحكومات المركزية المطلقة، التي كانت تود توحيد السوق القومي والسيطرة على كل جوانب الحياة، أن من الضروري تحديث اليهود حتى تتم عملية دمجهم.
وفي الأدبيات التي تتناول ذلك الموضوع، يرد المصطلح مرادفاً لمصطلحات مثل «دمج اليهود» أو «صبغهم بالصبغة البولندية أو الروسية أو النمساوية في بولندا أو روسيا أو النمسا» أو «تحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج» أو تخليصهم من «هامشيتهم» الإنتاجية أو «إصلاحهم» أو «تحويلهم إلى عنصر نافع» . والصعوبات التي واجهت عملية التحديث هذه ومدى نجاحها وفشلها هي التي تشكل جوهر ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» .
وقد كانت عملية تحديث اليهود تتم في أحيان نادرة بناءً على اقتراح من دعاة التنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية، كما حدث في بولندا حين قدم أحدهم عام 1792 إلى البرلمان البولندي كتيباً بالفرنسية يقترح فيه الخطوات اللازم اتخاذها لتحديث اليهود. ولكن مثل هذه المبادرات اليهودية كانت نادرة، إذ أن عملية التحديث لم تكن تنبع من الحركيات الداخلية للجماعات اليهودية، وإنما من حركيات المجتمع الذي يحتويها. ولذا، كان التحديث في معظم الأحوال يتم بمبادرة من العالم غير اليهودي الذي يعيش اليهود بين ظهرانيه، كما كان يُفرَض عليهم فرضاً.

وقد أخذ التحديث شكلين أساسيين. أحد هذين الشكلين سياسي مباشر، وهو ما يُطلَق عليه الإعتاق، أي منح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية نظير أن يدينوا بالولاء للدولة التي عرَّفت القومية على أساس لا ديني (عرْقي أو إثني) ، وهو الأمر الذي خلق عند اليهود أزمة هوية، حيث إن تعريف الشريعة لليهودي على أنه من تهود أو من وُلد لأم يهودية يتضمن عناصر إثنية شبه قومية تتناقض مع فكرة الولاء الكامل للدولة ولقيمها الحضارية والسياسية في حياتهم العامة (على أن يحتفظوا بقيمهم الإثنية والدينية في حياتهم الخاصة إن شاءوا) . كما أخذ التحديث شكلاً اجتماعياً واقتصادياً أكثر عمقاً، مثل تشجيعهم على الاشتغال بالزراعة وتحريم اشتغالهم بالربا أو التجارة وغير ذلك من المحاولات والأشكال.
وقد تأثر أعضاء الجماعة اليهودية بهذا المناخ الثقافي وبالتحولات الاجتماعية التي واكبته، فيُلاحَظ أن الهوة التي تفصل بينهم وبين بقية أعضاء المجتمع أخذت تضيق بسرعة حتى اختفت تماماً في بعض البلاد مثل دول غرب أوربا والولايات المتحدة. وبالتالي، تحوَّلت القضية بالنسبة إلى اليهود من قضية حقوق ومزايا خاصة يحصلون عليها، كما كان الأمر من قبل، إلى قضية إعتاق واندماج، إذ أن الاندماج (حسب افتراض فكر الاستنارة والليبرالية) سيحل مشكلة الحقوق بشكل آلي. ولكن الأمور لم تكن بالبساطة التي تصوَّرها مفكرو عصر الاستنارة، فالجماعات اليهودية كان لها خصوصيتها المرتبطة بدورها كجماعة وظيفية وسيطة متميِّزة إثنياً ووظيفياً. لذا، لم تكن عملية الانتقال هينة أو سهلة، خصوصاً أن الفكر القومي العضوي انتشر في أوربا، وهو فكر استبعادي يطرح تصوراً للدولة القومية لا مجال فيه للتعدد الإثني أو الديني، ولا مكان فيه للأقليات.

ومع هذا، فَقَد اليهود تميُّزهم بدرجات متفاوتة، إذ أن ما يحدث عادةً أن القيم العامة التي تسود في الحياة العامة تبدأ في التغلغل في حياة أعضاء الأقليات الخاصة ثم تسود فيها فيفقدون أية خصوصية، دينية أو إثنية، ويصبحون مثل بقية أعضاء المجتمع في حياتهم الخاصة والعامة، فتتزايد معدلات الاندماج بينهم، بل يكتسب الاندماج حركية مستقلة، إذ يصبح نابعاً من داخل الأقليات ذاتهم بعد أن كان مفروضاً عليهم. ثم تظهر مشاكل جديدة لم يجابهها أعضاء الأقليات من قبل، مثل تزايُد معدلات الزواج المُختلَط والانصهار الكامل. والجماعات اليهودية مثل جيد على هذه الظاهرة، فبعد أن كانوا يشكون من معاداة اليهود ومن العزلة والعزل، تسري الآن الشكوى من الزواج المختلط ومن الانصهار. وكانت معدلات الاندماج تختلف من منطقة إلى أخرى في أوربا التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام من منظور معدلات التحديث وأشكاله:
1 ـ بلاد التحديث الناجح، وهي بلاد غرب أوربا ما عدا ألمانيا.
2 ـ بلاد التحديث الشمولي في وسط أوربا وألمانيا.
3 ـ بلاد التحديث المتعثر أو المتوقف في شرق أوربا، وبالأساس في بولندا وروسيا.
وقد اندمج اليهود في مجتمعات غرب أوربا، وبدأت عملية الاندماج في وسطها وشرقها، ولكنها تعثرت ثم توقفت. وقد ظهرت موجة من موجات معاداة اليهود في ثمانينيات القرن التاسع عشر في معظم أنحاء أوربا، وبخاصة في وسطها وشرقها. ونتيجةً لكل هذا، بدأت الهجرة اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ثم إلى الولايات المتحدة التي أصبحت تضم أكبر جماعة يهودية في العالم.

وقد ظهرت استجابات يهودية كثيرة لحركة التحديث، فكانت هناك اليهودية الإصلاحية والدعوة للاندماج والاستفادة من الفرص الثقافية والاقتصادية الجديدة، وهذا هو الحل الذي ساد أساساً في الغرب. أما في شرق أوربا، فقد ساد الفكر الحسيدي والأرثوذكسي. وتتلخص الاستجابة الحسيدية في تفضيل البقاء في الماضي وتجاهُل الحاضر، بينما تأخذ الاستجابة الأرثوذكسية شكل تفضيل البقاء في الماضي والعزلة مع محاولة التصدي للحاضر. ولكن كلتا الاستجابتين الحسيدية والأرثوذكسية لم تؤثرا في مصير اليهود ككل. أما الاستجابة الصهيونية واستجابة دعاة قومية الجماعات (سواء من البوند الاشتراكيين أو من الليبراليين) ، فإنهما تتجاوزان الإطار الديني التقليدي وترفضان الجيتو كإطار مرجعي وتقبلان المجتمع الغربي الحديث كحقيقة نهائية. ويمكن تصوُّر قومية الدياسبورا باعتبارها قامت بعلمنة الصيغة الحاخامية التقليدية التي عارضت النزعات المشيحانية وعارضت العودة الفعلية إلى فلسطين ونادت بتقبُّل الشتات (أي انتشار الجماعات اليهودية في أنحاء العالم) بوصفه حالة نهائية إلى أن يأذن الإله بغير ذلك. أما الصهاينة، فقد علمنوا الصيغة الشبتانية (نسبة إلى شبتاي تسفي) ، وهي صيغة مشيحانية تؤكد أهمية عودة اليهود الفعلية إلى فلسطين وإنشاء دولة يهودية قومية حديثة مثل كل الدول.

والصهيونية، رغم أنها إحدى الاستجابات اليهودية لعملية التحديث، وذلك باعتبارها محاولة لتقديم حل حديث للمسألة اليهودية (العنوان الفرعي لكتاب هرتزل دولة اليهود) ، فإنها استجابة سطحية للغاية. فقد امتصت كثيراً من ديباجات التحديث المختلفة، مثل العلمانية والاشتراكية، وطرحت شعارات تحديثية مثل «تطبيع اليهود» وغير ذلك من الشعارات مع احتفاظها ببنية تقليدية جيتوية. طرحت الصهيونية مفاهيم، مثل الشعب اليهودي والتاريخ اليهودي، تبدو كأنها مفاهيم حديثة، ولكن الباحث المدقق سيكتشف أن الشعب اليهودي هو الشعب المختار بعد علمنته، والتاريخ اليهودي، هو امتداد للتاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والذي يفترض علاقة خاصة مع الإله بعد أن تم صبغه بصبغة دنيوية. والدولة الصهيونية دولة وظيفية تجارية قتالية تشبه في كثير من النواحي الجماعات اليهودية الوظيفية الوسيطة.
ولقد أنجزت الصهيونية تحديث بعض أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا عن طريق ضمهم إلى المشروع الاستعماري الغربي، الذي حولهم إلى مستوطنين في فلسطين يعيشون داخل جيب غربي يدار بطريقة غربية حديثة. ولكن مجتمعات المستوطنين البيض لم يكن لها أي أثر تحديثي في المجتمعات الآسيوية والأفريقية التي تواجدت بين ظهرانيها. فمؤسسات المجتمع الاستيطاني المقصورة على المستوطنين تتسم بأنها مؤسسات حديثة تدار بطريقة حديثة، بما يتضمنه ذلك من محاولات للترشيد وتعظيم الربح وخلافه، ومع هذا تحاول هذه المؤسسات قصارى جهدها أن تمنع تطبيق المثل نفسه على المجتمعات المحيطة بها وتحاول أن تُبقيها في حالة التخلف والتجزئة، لأن تحديث هذه المجتمعات فيه قضاء على الخلية الاستيطانية وعلى فرص استغلال الأرض ومَنْ عليها من بشر. ولذا، نجد أن المجتمع الاستيطاني هو مجتمع حديث للغاية يبذل قصارى جهده لئلا تنتشر عملية التحديث!

وفي الحقيقة، فإن سلوك الصهاينة هو تعبير عن هذا النمط المألوف. فمنذ البداية، رفض الصهاينة التعامل مع القيادات الفلسطينية الحديثة، وكانوا يفضلون دائماً التعامل مع شيوخ القبائل، كما رفضوا أن ينظروا إلى الفلسطينيين كجزء من التشكيل العربي القومي الحديث، وفضلوا أن ينظروا إلى المنطقة ككل باعتبارها فسيسفاء من شيعة وسنة وأكراد وكاثوليك ودروز وأرثوذكس. كما يحاولون منع الفلسطينيين من إنشاء مؤسسات ذات طابع حديث، مثل الأحزاب السياسية التي تتمتع بحرية التعبير، ويرفضون الاعتراف بقيادتهم القومية.
ومع هذا، يمكن القول بأن النمط الصهيوني، برغم انتمائه إلى النمط الاستعماري، له تفرُّده. فهو لم يُعق المجتمع الفلسطيني عن النمو والتحديث، وإنما (نظراً لإحلاليته) شوَّه بنيةالمجتمع الفلسطيني الاجتماعية والثقافية تماماً، وذلك بطرده الفلسطينيين، أي أن هذه العملية ليست محاولة للقضاء على عملية تحديث المجتمع وحسب، وإنما تهدف أيضاً إلى القضاء على تاريخه بل وجوده.
إصلاح اليهود واليهودية
‏Reformation or Improvement of the Jews and Judaism
«إصلاح اليهود واليهودية» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى موضوع أساسي كامن في الخطاب السياسي الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهو إمكانية تحديث اليهود، أي تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة تقف على هامش المجتمع (التقليدي) إلى أعضاء مندمجين في طبقات المجتمع (الحديث) كافة. ومن أهم كلاسيكيات إصلاح اليهود كتاب كريستيان دوم بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود (1781) حتى يصيروا عناصر قادرة على الانتماء للدولة الجديدة نافعة لها.

وقد ترك كتاب دوم أثراً عميقاً في مفكري عصره، وظهرت كتابات أخرى تتبنَّى المقولة نفسها للأب هنري جريجوار وميرابو وغيرهما. وقد نوقشت قضية إصلاح اليهود في إطار مفهوم المنفعة (العقلاني المادي) . وتُجمع هذه الكتابات على إمكانية إصلاح اليهود عن طريق تطبيعهم، وجعلهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع في وظائفهم وأزيائهم ولغتهم، وذلك بتوجيههم (بعيداً عن التجارة) نحو الحرف اليدوية والمهن الصناعية، ومنعهم من استخدام «هذه الرطانة الألمانية العبرية الحاخامية» ، أي اليديشية التي يستخدمها اليهود، ومن ارتداء الأزياء الخاصة بهم، وكذلك منعهم من بيع الكحول. وكل هذه الإجراءات تعني، في واقع الأمر، فكّ عزلتهم كجماعة وظيفية وسيطة، ودفعهم إلى أن يُجَنَّدوا في الجيش حتى يتسنى تطبيعهم تماماً، ويصبحوا مادة بشرية نافعة.
وقد تبنَّى الصهاينة أيضاً هذا المصطلح أو المفهوم الذي يُستخدَم باعتباره مصطلحاً مترادفاً مع مصطلحات أخرى، مثل: «تطبيع اليهود» أو «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» أو تخليصهم من «هامشيتهم» و «شذوذهم» . لكن دوم طالب كذلك بأن يُحظَر على اليهود كتابة حساباتهم التجارية بالحروف العبرية حتى تزداد الثقة بينهم وبين جماهير الشعب المسيحي، وبأن يتم الإشراف على مدارسهم لاستبعاد العناصر غير الاجتماعية في ثقافتهم والموجهة ضد الآخرين أو الأغيار. وقد طالب كذلك بفرض الاتجاه العقلاني عليهم وتلقينهم احترام الدولة والاعتراف بواجباتهم تجاهها. ويمكن القول بأنه وضع مشروعاً يهدف إلى التخلص من كل أبعاد الخصوصية اليهودية.

لكن فكر دوم هو نتاج عصره، عصر الملكيات الأوتوقراطية المستنيرة وفكرة الاستنارة. ومن هنا، فإن برنامجه المجرد العام يشبه، في كثير من النواحي، برنامج جوزيف الثاني إمبراطور النمسا لتحديث اليهود ودمجهم. والواقع أن فكرة إصلاح اليهود مرتبطة بفكرة نفعهم وإمكانية حوسلتهم، فإصلاح اليهود يهدف إلى جعلهم نافعين يمكن تحويلهم إلى مادة استعمالية، ومن ثم فهو في جوهره عملية علمنة.
ولم تكن عملية الإصلاح مقصورة على اليهود وحسب، وإنما امتدت لتشمل اليهودية كذلك، ولا يختلف مشروع إصلاح اليهودية وتحديثها في أساسياته عن مشروع إصلاح اليهود. وكان هذا الإصلاح يأخذ شكل تحديث وتطبيع حتى تقترب اليهودية من المسيحية البروتستانتية (كانت ألمانيا مهد الإصلاح الديني المسيحي، وهي نفسها بلد الإصلاح الديني اليهودي) . وحاول الإصلاح الديني اليهودي التقليل من أهمية الشعائر وتخليص اليهودية من العناصر القومية فيها. واليهودية الإصلاحية هي ثمرة هذه المحاولة وتبعتها اليهودية المحافظة والتجديدية في الاتجاه نفسه.
نفع اليهود
‏Utility of the Jews
«نَفْع اليهود» مصطلح يعني النظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من منظور مدى نفعهم للمجتمعات التي يوجدون فيها، وهو واحد من أهم الموضوعات الأساسية، الواضحة والكامنة، التي تتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، وبخاصة النازية.

والدفاع عن اليهود من منظور نفعهم يتضمن داخله قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم كبشر لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة. فالعنصر النافع عنصر متحوسل يُستفاد منه طالما كان نافعاً ومنتجاً، كما يجب التخلص منه إن أصبح غير نافع وغير منتج. وهذا المقياس لم يُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم، وإنما على كل أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية المطلقة العلمانية التي تقوم بحوسلة الطبيعة والإنسان. ومفهوم نَفْع الإنسان مفهوم محوري في فكر حركة الاستنارة نابع من الواحدية المادية.

وقد كانت الجماعات اليهودية تضطلع بدور الجماعة الوظيفية في كثير من المجتمعات، فكان بعضها يضطلع بدور الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية في العصور القديمة، وتحولوا إلى جماعة وظيفية تجارية في العصور الوسطى في الغرب. وكان يُنظَر إليهم باعتبارهم مادة بشرية تُستجلَب للمجتمع كي تقوم بدور أو وظيفة محددة، ويتم قبولها أو رفضها في إطار مدى النفع الذي سيعود على المجتمع من جراء هذه العملية. ومما دعَّم هذه الرؤية، فكرة الشعب الشاهد التي تنظر إلى اليهود كأداة للخلاص، ومن ثم ينبغي الحفاظ عليهم بسبب دورهم الذي يلعبونه في الدراما الدينية الكونية، وهي الفكرة التي سادت أوربا الكاثوليكية الإقطاعية. وقد استقر اليهود في إنجلترا وفرنسا في العصور الوسطى في الغرب كأقنان بلاط وكمصدر نَفْع ودَخْل للإمبراطورية. وكان يُشار إليهم أحياناً على أنهم سلع أو منقولات. ويمكن القول بأنه قد يكون من الأدق النظر إلى اليهود باعتبارهم أدوات إنتاج وإدارة، لا باعتبارهم بشراً أو قوى إنتاج. وقد استقر اليهود في ألمانيا ثم في بولندا على هذا الأساس. وظهر بينهم يهود البلاط أو يهود الأرندا، وكانوا هم أيضاً جماعات وظيفية، وكان يُنظَر إليهم من حيث إنهم يؤدُّون وظيفةً ما، كما كان يُحكَم عليهم بمقدار النجاح أو الإخفاق في أدائها. ومن أكثر الأمثلة إثارةً على أن اليهود كان يتم التسامح معهم والتصريح لهم بالاستيطان كمادة نافعة، وضعهم في شبه جزيرة أيبريا، فقد كانت توجد عناصر يهودية كثيرة في بلاط فرديناند وإيزابيلا. بل إن أحد أثرياء اليهود لعب دوراً مهماً في عقد القرآن بينهما وفي توحيد عرش قشطالة وأراجون. وقام بعض أثرياء اليهود بتمويل حرب الملكين ضد المسلمين، وهو ما أدَّى إلى هزيمتهم وإنهاء الحكم الإسلامي. ومع هذا، تم طرد أعضاء الجماعات اليهودية بعد سبعة شهور فقط من إنجاز هذه العملية العسكرية التي مولوها، ذلك أن نجاحها قد أدَّى إلى

أن دورهم كجماعة وظيفية مالية نافعة لم يَعُد لازماً.
وقد كان وضع اليهود مستقراً تماماً داخل المجتمعات الغربية كجماعة وظيفية وسيطة ذات نَفْع واضح. ولكن هذا الوضع بدأ في التقلقل مع التحولات البنيوية العميقة التي خاضها المجتمع الغربي ابتداءً من القرن السابع عشر وظهور الثورة التجارية. ولم يَعُد بالإمكان الاستمرار في الدفاع عن وجود اليهود من منظور فكرة الشعب الشاهد (الدينية) . فظهرت فكرة العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تجعل الخلاص مشروطاً بعودة اليهود إلى فلسطين. ولكن هذه الأسطورة ذاتها لا تزال مرتبطة بالخطاب الديني، ولم يكن مفر من أن يتم الدفاع عن اليهود على أسس لادينية علمانية، كما لم يكن بد من طرح أسطورة شرعية جديدة ذات طابع أكثر علمانية ومادية. ومن ثم، ظهرت فكرة نَفْع اليهود للدولة، هذا المطلق العلماني الجديد، فتم الدفاع عن عودة اليهود إلى إنجلترا في القرن السابع عشر من منظور النفع الذي سيجلبونه على الاقتصاد الإنجليزي، حيث نُظر إليهم كما لو كانوا سلعة أو أداة إنتاج. وكان المدافعون عن توطين اليهود يتحدثون عن نقلهم على السفن الإنجليزية بما يتفق مع قانون الملاحة الذي صدر آنذاك ويجعل نَقْل السلع، إلى إنجلترا ومنها، حكراً على السفن الإنجليزية. كما أن كرومويل فكر في إمكانية توظيفهم لصالحه كجواسيس. وعمل اليهود في تلك المرحلة في وسط أوربا كيهود بلاط، وهم جماعة وسيطة يستند وجودها أيضاً إلى مدى نَفْعها.

وحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من منظور ضررهم وانعدام نَفْعهم، دافع أعضاء الجماعات اليهودية عن أنفسهم لا من منظور حقوقهم كبشر، وإنما من منظور نفعهم أيضاً. فكتب الحاخام سيمون لوتساتو عام 1638 كتاباً بالإيطالية تحت عنوان مقال عن يهود البندقية عدَّد فيه الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تعود على البندقية وعلى غيرها من الدول من وراء وجود اليهود فيها، فهم قد طوَّروا فروعاً مختلفة من الاقتصاد، يضطلعون بوظائف لا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها مثل التجارة، ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها. وهم يقومون بشراء العقارات، ومن ثم لا ينقلون أرباحهم خارج البلاد. إن اليهود من هذا المنظور يشبهون رأس المال الوطني (مقابل رأس المال الأجنبي) لابد من الحفاظ عليه والدفاع عنه.
وقد تبنَّى منَسَّى بن إسرائيل المنطق نفسه في خطابه لكرومويل حتى يسمح لليهود بالاستيطان في إنجلترا. كذلك تبنَّى أصدقاء اليهود المنطق ذاته، فطالب جوسيا تشايلد رئيس شركة الهند الشرقية عام 1693 بإعطاء الجنسية لليهود الموجودين في إنجلترا بالفعل. وأشار إلى أن هولندا قد فعلت ذلك وازدهر اقتصادها بالتالي. كما كتب جون تولاند عام 1714 كتيباً هاماً للغاية عنوانه الأسباب الداعية لمنْح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا دافع فيه عن نَفْع اليهود مستخدماً المنطلقات نفسها التي استخدمها لوتساتو.
ومن أهم المدافعين عن نَفْع اليهود، الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، حيث بيَّن أهمية دورهم في العصور الوسطى، وكيف أن طَرْد اليهود ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم اضطرهم إلى اختراع خطاب التبادل لنقل أموالهم من بلد إلى آخر، ومن ثم أصبحت ثروات التجار غير قابلة للمصادرة، وتمكنت التجارة من تحاشي العنف، ومن أن تصبح نشاطاً مستقلاًّ، أي أنه تم ترشيدها.

ولعل أدقَّ وأطرف تعبير عن أطروحة نَفْع اليهود ما قاله إديسون في مجلة سبكتاتور في 27 سبتمبر 1712 حين وصف بدقَّة تحوُّل اليهود إلى أداة كاملة، فاليهود منتشرون في كل الأماكن التجارية في العالم، حتى أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة والتي تترابط من خلالها الإنسانية. فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بغير قيمة في ذاتهم، غير أن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ هيكل البناء بتماسكه.

وقد استمر هذا الموضوع الكامن شائعاً في الفكر الغربي، ثم ازداد انتشاره وتواتره مع علمنة الحضارة الغربية وسيادة الفلسفات المادية النفعية التي تحكم على مجالات الحياة كافة، وليس على اليهود بمفردهم، من منظور المنفعة. ولذا، نجد أن فكرة نَفْع اليهود تزداد محورية في الفكر الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهي أيضاً المرحلة التي لم يَعُد فيها وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب مقلقلاً وحسب، بل صل فيها إلى مرحلة الأزمة. وقد تزامنت هذه العمليات الانقلابية مع ظهور فكر كلٍّ من آدم سميث في إنجلترا والفيزيوقراط في فرنسا، حيث كان كل منهما يطالب الدولة بتنظيم وزيادة ثروتها، كما كانا يتقبلان فكرة أن الهدف النهائي (والمطلق) لكل الأشياء هو مصلحة الدولة. ومن هنا، ظهر الفكر النفعي الذي يرى العالم كله من منظور المنفعة. وكان أعضاء الفريق الأول يرى أن الصناعة هي المصدر الأساسي للثروة، في حين كان أعضاء الفريق الثاني، بحكم وجودهم في بلد زراعي أساساً، يرون أن الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة. ولكن، مع هذا، تظل فكرة المنفعة هي الفكرة الأساسية. فأعلنت الأكاديمية الملكية في متز عن مسابقة عام 1785 لكتابة بحث عن السؤال التالي: هل بالإمكان جَعْل يهود فرنسا أكثر نفعاً وسعادة؟ ونشر كريستيان دوم كتابه الشهير عن موضوع نَفْع اليهود عام 1781 بعنوان بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود. كما نشرت كتابات عديدة بأقلام الكُتَّاب الفرنسيين الذين ساهموا في الثورة الفرنسية مثل ميرابو وغيره، دافعوا فيها عن نَفْع اليهود أو إمكانية إصلاحهم أو تحويلهم إلى شخصيات نافعة منتجة. وموضوع نَفْع اليهود يشكل إحدى اللبنات الأساسية في كتابات السياسي الإنجليزي والمفكر الصهيوني المسيحي اللورد شافتسبري، الذي اقترح توطين اليهود في فلسطين لأنهم جنس معروف بمهارته ومثابرته، ولأنهم سيوفرون رؤوس الأموال المطلوبة، كما أنهم سيكونون بمثابة إسفين

في سوريا يعود بالفائدة لا على إنجلترا وحدها، وإنما على العالم الغربي بأسره.
وقد سيطر الفكر الفيزيوقراطي وفكر آدم سميث على كثير من الحكام المطلقين، حيث كانت حكومات البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا واليهود فيما بينها، في أواخر القرن الثامن عشر، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا) . فتبنت هذه الحكومات مقياس المنفعة تجاه أعضاء الجماعات اليهودية، فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود وزيادة عدد النافعين، وطرد الضارين منهم أو عدم زيادتهم. كما كان معظم أعضاء الجماعة اليهودية مركَّزين في التجارة، وقد أخذت عملية تحويل اليهود إلى عناصر نافعة شكل تشجيعهم على العمل في الصناعة أو الزراعة، وهو ما يُسمَّى «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» . كما لم يكن ممكناً أن يُعتَق من اليهود سوى النافعين منهم. وكان يُنظَر إلى اليهود كمادة بشرية، فكانت تُحَدُّ حريتهم في الزواج حتى لا يتكاثروا. وكان الشباب يُجندون حتى يتم تحديثهم وتحويلهم إلى عناصر نافعة.

ولا يمكن فهم تاريخ الحركة الصهيونية ولا تاريخ العداء لليهود (بما في ذلك النازية) إلا في إطار مفهوم المنفعة المادية هذا. فقد تبنَّى المعادون لليهود هذا المفهوم وصدروا عنه في رؤيتهم وأدبياتهم، فراحوا يؤكدون أن أعضاء الجماعة اليهودية شخصيات هامشية غير نافعة، بل ضارة يجب التخلص منها، وتدور معظم الأدبيات العنصرية الغربية في القرن التاسع عشر حول هذا الموضوع، وهي أطروحة لها أصداؤها أيضاً في الأدبيات الماركسية، وضمن ذلك أعمال ماركس نفسه، حيث يظهر اليهودي باعتباره ممثلاً لرأس المال الطفيلي الذي يتركز في البورصة ولا يغامر أبداً بالدخول في الصناعة. وتظهر الأطروحة نفسها في كتابات ماكس فيبر الذي يرى أن رأسمالية اليهود رأسمالية منبوذة، بمعنى أنها رأسمالية مرتبطة بالنظام الإقطاعي القديم ولا علاقة لها بالنظام الرأسمالي الجديد (ومن المفارقات أن اليهودي الذي كان رمزاً لرأس المال المحلي المتجذر، أصبح هنا رمز رأس المال الأجنبي الطفيلي المستعد دائماً للرحيل والهرب) .
وقد وصل هذا التيار إلى قمته في الفكر النازي الذي هاجم اليهود لطفيليتهم وللأضرار التي يُلحقونها بالمجتمع الألماني وبالحضارة الغربية. وقد قام النازيون بتقسيم اليهود بصرامة منهجية واضحة إلى قسمين:
1 ـ يهود غير قابلين للترحيل، وهم أكثر اليهود نفعاً.
2 ـ يهود قابلون للترحيل (بالإنجليزية: ترانسفيرابلtranferable) وقابلون للتخلص منهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل disposable) ويُستَحسن التخلص منهم بوصفهم عناصر غير منتجة (أفواه تأكل ولا تنتج [بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters] حسب التعبير النازي المادي الرشيد الطريف) وبوصفهم عناصر ضارة غير نافعة لا أمل في إصلاحها أو في تحويلها إلى عناصر نافعة منتجة.

ومما يجدر ذكره والتأكيد عليه، أن هذا التقسيم تقسيم عام شامل، غير مقصور على اليهود، فهو يسري على الجميع، فقد صنَّف الألمان المعوقين والمتخلفين عقلياً وبعض العجزة والمثقفين البولنديين باعتبارهم «غير نافعين» ،أي قابلين للترحيل ويستحسن التخلص منهم. وقد سويت حالة كل هؤلاء (بما في ذلك اليهود) عن طريق الترحيل إلى معسكرات السخرة أو الإبادة، حسب مقتضيات الظروف والحسابات النفعية المادية الرشيدة المتجاوزة للقيم والغائيات الإنسانية.
وقد تقبُّل الصهاينة هذا الإطار الإدراكي، فنجد أن هرتزل يرى أن اليهود عنصر بشري فائض غير نافع يجب توظيفه وجعله عنصراً نافعاً للحضارة الغربية عن طريق تحويله إلى مستوطنين، بل عن طريق تحويل أعضاء الجماعات كافة إلى عُمَلاء للقوة الاستعمارية الراغبة في الاستفادة منهم. ويمكن القول بأن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي فكرة الشعب العضوي المنبوذ مضافاً إليها فكرة نَفْع اليهود. ويتحدث ناحوم سوكولوف بالطريقة نفسها عن اليهود وكيفية تحويلهم إلى مادة نافعة. كما كان مفكرو الصهيونية العمالية يصرون على إمكانية تحويل اليهود إلى عنصر نافع ومنتج من خلال غزو الأرض والعمل.

ويجب أن نشير هنا إلى ألفريد نوسيج الفنان الصهيوني الذي عاون هرتزل في تأسيس المنظمة الصهيونية وكان أحد زعماء الصهيونية في ألمانيا. وامتد به العمر إلى أن استولى النازيون على السلطة واحتلوا بولندا. فتعاون نوسيج مع الجستابو ووضع مخططاً لإبادة يهود أوربا باعتبارهم عناصر غير نافعة. وقد حاكمه يهود جيتو وارسو وأعدموه. وقد فعل رودولف كاستنر، المسئول الصهيوني في المجر، الشيء نفسه حينما تفاوض مع أيخمان (المسئول النازي) بخصوص تسهيل نَقْل يهود المجر (باعتبارهم عناصر غير نافعة قابلة للترحيل والإبادة) مقابل السماح لبعض الشباب اليهودي بالسفر إلى فلسطين والاستيطان فيها ( «شباب من أفضل المواد البيولوجية» على حد قول أيخمان أثناء محاكمته) .
وفي الاعتذاريات الصهيونية، قبل 1948، نجد أن الزعماء الصهاينة يصرون على مدى نَفْع القاعدة الصهيونية للمصالح الإمبريالية ومدى رخصها. وقد فعل ذلك كلٌّ من وايزمان وجابوتنسكي في خطاباتهم وخطبهم. وبعد إنشاء الدولة، لا يزال هذا بُعداً أساسياً في الإدراك الإسرائيلي للذات وفي الإستراتيجية الإسرائيلية، إذ تحاول الدولة الصهيونية أن تظل قاعدة يفوق نفعها كل ما تحصل عليه من معونات، وأن يظل دورها عنصراً أساسياً مهماً ونافعاً للغرب.

والتعبيرات المجازية التي تُستخدَم للإشارة إلى الدولة الصهيونية تؤكد كلها كونها أداة نافعة؛ فالدولة هي حصن ضد الهمجية الشرقية (وضد الأصولية الإسلامية في الوقت الحالي) ، وهي مؤخراً حاملة طائرات لأمريكا، وهي في كلتا الحالتين ليس لها قيمة ذاتية، وإنما تنبع قيمتها مما تؤديه من خدمات وما تجلبه من منفعة، فالدولة هنا وظيفة ودور وليست كياناً مستقلاً له حركياته. وهي تستمد استمرارها، بل وجودها، من مدى مقدرتها على أداء هذا الدور. ولذا فنحن نشير إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة مملوكية، علاقتها بالغرب تشبه علاقة المملوك بالسلطان فهي علاقة نفعية محضة، مستمرة طالما استمرت حاجة السلطان إلى الأداء المملوكي، ونحن نشير لها كذلك باعتبارها الدولة الوظيفية، أي الدولة التي تضمن استمرارها وبقاءها من خلال أدائها لوظيفتها. وربما يبيِّن هذا مدى أهمية الانتفاضة التي أثبتت أن الدولة الصهيونية غير قادرة على أداء دورها ووظيفتها كقاعدة إستراتيجية في الشرق الأوسط، وأن نفعها ليس كبيراً، وأن أداءها لوظيفتها أصبح أمراً مُكلِّفاً للغاية.
ومن هنا تحرُّك الدولة الصهيونية السريع لتجد لنفسها وظيفة جديدة، فبدلاً من أن تكون حاملة طائرات أو معسكراً للمماليك، ستصبح «سوبر ماركت» مثل سنغافورة، ومركزاً للسماسرة والصيارفة، وربما ركيزة أساسية لقطاع اللذة (ملاهي ـ كباريهات ـ مصحات ـ سياحة) . ومن هنا أهمية توقيع اتفاقية السلام والإصرار على ضرورة رفع المقاطعة العربية، حتى يتسنى للدولة الصهيونية أن تلعب دورها الجديد الذي لا يختلف كثيراً عن بعض الأدوار التي كان يلعبها أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب. إن الدولة الصهيونية ستصبح سوبر ماركت، أي فردوساً أرضياً يضم كل السلع التي يحلم بها الإنسان، فيذوب فيها ويفقد حدوده وينسى كل المُنغِّصات، مثل التاريخ، والذاكرة القومية، والهوية، والكرامة، والقيم الأخلاقية.

ومما يجدر ذكره أن سياسة البلاشفة تجاه اليهود لا تخلو من هذا المنظور النفعي. فعندما كان من مصلحة الاتحاد السوفيتي دَمْج اليهود تماماً، قررت الدولة السوفيتية أن هذا هو الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وذلك باعتبار أنه لا يوجد شعب يهودي. ولكن الاتحاد السوفيتي وجد في الأربعينيات أن من مصلحته الاعتراف بالشعب اليهودي وبدولته اليهودية في فلسطين، على أمل أن تشكل الدولة اليهودية خلية اشتراكية في الوسط العربي الإقطاعي المتخلف فتقوم بتثوير المنطقة، ومن ثم سمح بالهجرة السوفيتية، بل دافع المتحدثون السوفييت عن حقوق الشعب اليهودي بشراسة غير معهودة فيهم. وكان الاتحاد السوفيتي أول دولة اعترفت بشكل قانوني بالدولة الصهيونية وسمحت بهجرة يهود بولندا وغيرهم. وفي الوقت الحالي، يسمح الاتحاد السوفيتي مرة أخرى بهجرة اليهود السوفييت، بعد البريسترويكا، لإرضاء الغرب والحصول على التكنولوجيا المتقدمة والدعم المادي، وربما للتخلُّص من أعضاء الجماعة اليهودية، أي أن السوفييت يدورون في إطار النمط النفعي المادي، خصوصاً أن هذا التخلص يأخذ شكل تصدير السلعة البائرة للشرق.
المادة البشرية
‏Human Material

مصطلح «مادة بشرية» يُستخدَم في الأدبيات الصهيونية حتى الوقت الحاضر للإشارة إلى البشر بشكل عام، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية. وقد استخدمه هرتزل في كتابه دولة اليهود وفي مذكراته، وكذا ناحوم سوكولوف. ولا يزال المصطلح سائداً في إسرائيل. والعبارة تشبه عبارات أخرى مثل «فائض بشري» أو «الفائض اليهودي» ، وهي كلها جزء من الخطاب السياسي الغربي العلماني، وتصلح للإشارة إلى الإنسان، لا باعتباره مطلقاً، وإنما باعتباره مادة استعمالية نسبية يمكن توظيفها وحوسلتها. وقد تبنَّى الصهاينة هذا المصطلح، حيث طرحوا المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً يهدف إلى تحويل الفائض البشري اليهودي غير النافع إلى مادة استيطانية نافعة تُوظَّف في خدمة الاستعمار الغربي في أي مكان من العالم (ثم استقر الأمر على فلسطين) . وهذا المصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية العلمانية للإنسان التي تخلع عنه كل قداسة وتحوسله وتنظر إليه بمقدار نفعه أو ضرره. وهو مصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية المعرفية الإمبريالية للعالم الذي تراه كله مسرحاً لنشاط الإنسان الغربي يهيمن عليه ويوظفه لصالحه. والعبارة تصف، وبدقة شديدة، رؤية الإنسان الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كان يُنظَر إليهم ابتداءً من القرن السابع عشر كأداة تُستخدَم ويُحكَم عليها بمقدار نفعها. وقد تبنَّى النازيون المصطلح نفسه بالنسبة إلى الجنس البشري ككل، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية.

وفي إسرائيل، أشار أيخمان، في دفاعه عن نفسه، إلى الصفقة التي عقدها الصهاينة مع النازيين، حيث قام الصهاينة بتهدئة اليهود الذين كانوا في طريقهم إلى أفران الغاز في نظير تسليمهم بعض العناصر اليهودية الشابة التي وصفها أيخمان بأنها من أفضل المواد البيولوجية التي يمكن ترحيلها إلى فلسطين. ومصطلح «المادة البشرية» مرتبط، في افتراضاته المعرفية، بمصطلحات أخرى مثل «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» و «تطبيع اليهود» .
سيمون لوتساتو (1583-1663)
‏Simon Luzzato
حاخام إيطالي، من أهم كتبه مقال عن يهود البندقية (1638) وهو محاولة للدفاع عن اليهود على أساس نفعهم. فهم يضطلعون بوظائف لا يستطيع غيرهم الاضطلاع بها، مثل التجارة، كما يطوِّرون فروعاً مختلفة من الاقتصاد. ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها، ولا ينقلون أرباحهم خارج البلاد (وهذا وصف دقيق لما نسميه بالجماعة الوظيفية الوسيطة) . وقد بيَّن لوتساتو إمكانية زيادة ريع الدولة بتشجيع النشاطات اليهودية، وأشار إلى الفوائد التي جنتها الدولة من علاقتها بهم. وهذه كانت أول مرة تُستخدَم أطروحة نَفْع اليهود التي دافع عنها بعد ذلك جون تولاند في إنجلترا عام 1714، كما دافع عنها مفكرو عصر الاستنارة.

وكان لوتساتو من أوائل المؤلفين الذين قدموا تحليلاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، فوصف اليهود بأنهم جبناء ومخنثون وجهلة لا يمكنهم أن يحكموا أنفسهم، يهتمون بمصالحهم وحسب ولا يهتمون بالصالح العام. وبيَّن لوتساتو أن سلوك اليهود الاقتصادي يُعبِّر عن الطمع والجشع، وأنهم يعيشون أسرى الماضي ولا يهتمون بالحاضر، كما يبالغون في اتباع تعاليم دينهم وشعائره. ولكن اليهود، مع هذا، يتمتعون أيضاً ببعض الصفات الحميدة، مثل الثبات والاحتمال والصمود والحفاظ على العقيدة وعلى نظام الأسرة، وهم مطيعون ويخضعون لأي شخص إلا إخوانهم في الدين. ونقائص اليهود، كما يرى، هي نتيجة الجبن والضعف لا القوة والوحشية. وقد ألَّف لوتساتو كتابه هذا وهو في حالة أزمة، إذ اكتُشف أن بعض العائلات اليهودية التجارية كانت متورطة في عملية غش تجارية على نطاق واسع.
منَسَّى بن إسرائيل (1604-1657 (
‏Manasseh Ben Israel
يهودي من المارانو، وحاخام ومؤلف، وُلد في البرتغال وعمل فيها، ثم فر أبواه واستقرا في أمستردام حيث أصبح منَسَّى حاخاماً في أحد المعابد (1622 ـ 1639) . أسس أول مطبعة عبرية في أمستردام عام 1626 نشرت عدة كتب من بينها معجم لأحد كتب المدراش وكتاب نحو اللغة العبرية وطبعة لكتاب المشناه. وقد كان منَسَّى نفسه مؤلفاً غزير الإنتاج، وتعرَّف إلى كثير من الشخصيات المهمة في عصره، مثل هيوجو جروتيوس وملكة السويد كريستينا، وكان يعرف كذلك رمبرانت الذي رسم صورته.

ويعد منَسَّى شخصية نماذجية للقيادة الجديدة التي تسلمت زمام الجماعات اليهودية من الحاخامات والتجار الهامشيين. فهو أولاً من يهود المارانو الذين كان تكوينهم الثقافي مُركَّباً، إذ كانوا على معرفة بكلٍّ من الحضارة الغربية المسيحية والتقاليد الدينية اليهودية. وقد انتقل من شبه جزيرة أيبريا إلى أمستردام في هولندا، أي من اقتصاد إقطاعي تقليدي وحضارة كاثوليكية إلى الاقتصاد الجديد والحضارة ذات التوجه البروتستانتي التجاري. وفكَّر منَسَّى في الاستيطان في البرازيل، أي في التحرك مع التشكيل الغربي الاستيطاني. تلقَّى تعليماً حديثاً وتقليدياً وكان يؤمن إيماناً عميقاً بالقبَّالاه، وانشغل بالحسابات القبَّالية لمعرفة موعد وصول الماشيَّح، وتوصل إلى أن ذلك لن يتحقق إلا بعد أن يتم تشتيت اليهود في كل أطراف الأرض. وقد كان هذا المفهوم القبَّالي هو الديباجة التي استخدمها للدفاع عن ضرورة إعادة توطين اليهود في إنجلترا، وذلك في كتابه أمل إسرائيل الذي ترجمه إلى الإنجليزية عام 1650 ولكن إلى جوار الديباجة القبَّالية كانت توجد ديباجة تجارية دنيوية. والواقع أن تداخل الديباجتين الدينية والدنيوية هو إحدى سمات الصهيونية الأساسية. وقد استرعى الكتاب اهتمام كرومويل (حكم في الفترة من 1648 حتى 1668) الذي دعا منَسَّى إلى زيارة إنجلترا لمناقشة الموضوع. وكان منَسَّى على اتصال بجماعات المارانو التي كانت قد استقرت بالفعل في الأراضي البريطانية، وانتهت المفاوضات بالفشل شكلياً. ولكن كرومويل أعطى أمره، مع هذا، للسلطات بالتغاضي عن استقرار اليهود. كما أن كرومويل منح منَسَّى معاشاً سنوياً قدره مائة جنيه.
ويعود اهتمام كرومويل بطلب منَسَّى واليهود عامة إلى عدة أسباب:

1 ـ كان الكسب التجاري هو الحافز الأساسي نحو اتخاذ خطوة توطين اليهود. فالحرب الأهلية التي سبقت العهد البيوريتاني، ألحقت ضرراً بالغاً بمركز إنجلترا كقوة تجارية وبحرية. وحين استقرت المنافسة بين التجار البيوريتان والألمان، أراد التجار الإنجليز الاستفادة من خبرات التجار المارانو واتصالاتهم الدولية، وبخاصة أنهم كانوا يعرفون الإسبانية والبرتغالية لغة الكتلة الكاثوليكية التجارية المعادية للكتلة البروتستانتية الناشئة في هولندا وإنجلترا.
2 ـ كان كرومويل يطمح إلى تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جواسيس يزوِّدونه بمعلومات عن السياسات التجارية للدول المنافسة له، وعن المؤامرات التي يديرها أنصار الملكية في الخارج، بفضل اتصالاتهم وتنقلهم في أوربا، في وقت كان فيه الحصول على معلومات أمراً صعباً للغاية.
3 ـ كان كرومويل يطمح أيضاً إلى أن يستثمر التجار اليهود بعض رؤوس أموالهم الضخمة في الاقتصاد الإنجليزي.
ومن أهم مؤلفات منَسَّى الأخرى، كتابه الموفِّق، الذي حاول فيه أن يُوفِّق بين المتناقضات الواضحة في الكتاب المقدَّس، كما ألَّف كتاباً عن هنود العالم الجديد يُوضِّح فيه أنهم أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. أما كتابه الدفاع عن اليهود (الذي نُشر بعد وفاته عام 1666) فقد بيَّن فيه أن الدين يجب أن يظل مسألة اختيارية، وبالتالي يجب ألا يُسمح للسلطات الدينية بأن تفرض شيئاً على أتباع الدين قسراً. وقد وجد مندلسون أن الكتاب من الأهمية بمكان بحيث طلب إلى أحد أصدقائه ترجمته، وكتب هو مقدمة له. ويُعَدُّ الكتاب، بذلك، من الكتب التي مهدت لحركة التنوير والعلمنة بين اليهود.
جون تولاند (1670- 1722)
‏John Toland

مفكر إنجليزي ودبلوماسي وعالم إنجيلي، وُلد ونشأ كاثوليكياً، ولكنه هرب وهو في سن السادسة عشرة ودخل الكنيسة الأنجليكانية. كان نشيطاً للغاية في المناقشات الدينية والسياسية في عصره (في بداية القرن الثامن عشر) . كما كان من أوائل المفكرين الذين اتخذوا موقفاً عقلانياً من الدين، ومن المدافعين عن فلسفة الربوبية، أي عن الإيمان بالرب دون حاجة إلى دين أو وحي إلهي، وهي أولى حلقات علمنة العقل الغربي. وفلسفته، في جوهرها، فلسفة حلولية. ورغم تأثره بالفلسفة التجريبية الإنجليزية (لوك) ، إلا أنه ظل عقلانياً على نمط برونو (ترجم بعض أعماله) وديكارت وإسبينوزا (كتب تعليقات على أعماله) ولايبنتس (تعرَّف إليه وتراسلا بعض الوقت) ، وسواء أكان تجريبياً أم عقلانياً، فإن تولاند كان حلولياً. ويُقال إنه هو الذي نحت كلمة «بانثيزم pantheism» الإنجليزية.
نشر تولاند عام 1696 كتابه المسيحية لا تحتوي على أية أسرار حيث يذهب فيه إلى أن المسيحية ديانة عقلية يستطيع العقل البشري أن يدركها دون حاجة إلى وحي إلهي، وهذه هي الربوبية. وقد اتُّهم الكتاب بمعاداة عقيدة التثليث وأثار ضجة في حينه ظهرت في عدد الردود عليه التي زادت عن الخمسين. وفي عام 1698، كتب تولاند حياة ملتون التي يثير فيها قضايا تتصل بالعهد الجديد (وهل نصه محرف أو لا؟) . وفي العام الذي يليه، نشر كتاب أمينتورا أو الدفاع عن حياة ملتون (1699) طوَّر فيه أطروحته السابقة. ويمكننا رؤية تَصاعُد معدلات العلمنة في كتابه المنشور عام 1720 بعنوان تيترا ديموس الذي يتضمن مقالاً يُقدِّم تفسيرات علمية طبيعية للمعجزات التي وردت في العهد القديم.

وقد كان تولاند يعرف اللغة السلتية، فدرس العقائد الدينية البدائية في إنجلترا، كما قام بدراسة العقيدة اليهودية في مراحلها الأولى. واستناداً إلى هذا، ألَّف كتابه خطابات لسيرينا عن أصل الأديان، وحاول أن يُبيِّن فيه (على طريقة الربوبيين) أن الكهنة (القساوسة) هم الذين أفسدوا الدين وتاريخ خلود الروح بين الوثنيين وأصل عبادة الأوثان.
وقد بدأ تولاند يتجه نحو الدعوة لما يُسمَّى «الدين الطبيعي» ويُفسِّر معجزات العهد القديم تفسيراً طبيعياً مادياً. وتعمَّقت اتجاهات المادية الواحدية لديه، فترجم أحد أعمال جيوردانو برونو عام 1514 عن العالم اللامتناهي والعوالم اللانهائية. وآخر كتب تولاند هو الحلولية (1720) وهو كتاب غامض يضم شرحاً لفلسفة الحلولية ولبعض الأناشيد الغنوصية التي تسخر من العقيدة المسيحية ومحاولة لتقديم عقائد الحركة الماسونية ودفاع عن الإلحاد.

ولا تنبع أهمية تولاند من كتاباته الحلولية وشبه الوثنية وحسب، وإنما من كتاباته الصهيونية أيضاً، فقد نشر عام 1714 كتاباً يُسمَّى الأسباب الداعية لمنح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا. ويطالب الكتاب بمنح الجنسية البريطانية لليهود حتى يتم اجتذاب المزيد منهم ليستوطنوا في إنجلترا كعناصر نافعة. وبعد أربعة أعوام، نشر تولاند كتاباً آخر بعنوان نازارينوس عن الإبيونيين يضم ملحقاً يحتوي على أفكار صهيونية، فرؤية تولاند رؤية حلولية كمونية مادية تُهمِّش الإله أو تلغيه وتضع الإنسان في مركز الكون، ولذا فإن العالم بأسره يصبح بالنسبة له مادة نافعة استعمالية يمكن توظيفها. ولكن الإنسان هنا هو كائن لا حدود له ولا قيود عليه، هو مرجعية ذاته. ولذا، يتحول التمركز الإنساني الهيوماني حول الإنسان إلى تمركز عرْقي مادي حول الإنسان الغربي. وحينما يُطبِّق تولاند هذا على الآخر (اليهود) ، فإنه يرفضهم تماماً ويُعبِّر عن احتقاره العميق لهم ولتراثهم التلمودي، الذي يرى أنه لا جدوى من ورائه ويؤدي إلى تشوه ما يسميه «الشخصية اليهودية» .
وكحل للمسألة اليهودية، يطرح تولاند حلاًّ علمانياً إمبريالياً، فهو ينظر لليهود باعتبارهم مادة نافعة أو على الأقل مادة يمكن إصلاحها لتصبح نافعة، وهنا تظهر الصهيونية كتطبيق عملي للرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، إذ يقترح تولاند أن تقوم القوى العالمية (أي الغربية) بمساعدة اليهود على استرجاع أرضهم.
ويمكن أن نرى في كتابات تولاند كل عناصر المُركَّب الإدراكي الغربي الحديث للعالم ولليهود (مقابل المركب القديم الوسيط) وهي رؤية تدور في إطار رؤية حلولية كمونية.
إسحق دي بنتو (1715-1787)
‏Isaac De Pinto

أحد أثرياء اليهود، وأحد أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية. من أصل ماراني برتغالي، وُلد في هولندا واستقر بين باريس ولندن ابتداءً من عام 1751. له مؤلفات فلسفية عن المادية، ودراسات عن البورصة والترف والثورة الأمريكية. وقد عارض الثورة الأمريكية، وعبَّر عن تأييده للحقوق الاقتصادية للدول المستعمرة. نشر دي بنتو دراسة عن الدورة المالية والائتمان بدأ كتابتها أثناء إقامته في باريس عام 1761، وهي محاولة للرد على نظرية الفيزيوقراط حيث يذهبون إلى أن الزراعة (ومن ثم الأرض) هي المصدر الأساسي لثروة الأمم وليس الصناعة. ودافع عن الائتمان ودورة رأس المال باعتبارهما الأشكال الأساسية في الاقتصاد مقابل ما سماه «جنون الأرض» . ورغم أن هذه قضية اقتصادية عامة شغلت المفكرين السياسيين والاقتصاديين في القرن الثامن عشر، إلا أنها ارتبطت بشكل مباشر بالجماعة اليهودية التي لم تكن ممثَّلة على الإطلاق في الاقتصاد الزراعي، بل كانت مرتبطة تماماً بالاقتصاد التجاري الصناعي. وقد بيَّن دي بنتو أن الاقتصاد الثابت (الزراعي) يُجمِّد المجتمع بأسره مع أن حركية النشاط التجاري (العناصر الخارجية) يمكن أن تحقق حراكاً اجتماعياً. ولم يذكر دي بنتو اليهود مباشرة إلا في آخر الكتاب، حيث بيَّن أن العهد القديم لا يعارض الإقراض بالربا.

وفي الفترة ذاتها، وإبان إقامته في باريس، نشر فولتير ملحوظاته السلبية عن اليهود، فكتب دي بنتو خطاباً مفتوحاً له عام 1762 بعنوان دفاع الأمة اليهودية: تأملات نقدية. وجاءت في الكتاب أطروحة شديدة الأهمية، وهي أن الجماعات اليهودية في العالم اكتسبت خصائصها الحضارية من المجتمعات التي تعيش فيها، وأنها، لذلك، لا علاقة للواحدة منها بالأخرى. وقد وظَّف هذه الأطروحة في الدفاع عن السفارد البرتغاليين، إذ بيَّن أنهم لا علاقة لهم باليهود الإشكناز، وأنهم (السفارد) لا يختلفون عن شعوب أوربا المستنيرة إلا في العقيدة، بل يتنافسون معهم «في الأناقة والذوق» . ولأن السفارد من نسل أنبل عائلات قبيلة يهودا وعاشوا في إسبانيا منذ السبي البابلي، فليس لهم أدنى علاقة عرْقية أو ثقافية بالإشكناز، بل إن السفارد يرفضون التزاوج أو الاتجار معهم. وبيَّن دي بنتو أنه يوافق فولتير على ما جاء في مقاله بشأن اليهود الإشكناز. غير أنه ينسب اضطلاعهم بوظائف وضيعة غير شريفة، مثل الربا، إلى معاناتهم وعذابهم والإذلال الذي تعرَّضوا ومازالوا يتعرَّضون له. وبهذا، فإن فكر بنتو يعتبر ثمرة من ثمرات عصر الاستنارة الذي يحاول تفسير تدهور أحوال اليهود على أساس تدهور أوضاعهم.
وكذلك، فإن دي بنتو قام بتأييد يعقوب رود ريجيز (1715 ـ 1780) حين تقدَّم بالتماس في عام 1760 إلى لويس الخامس عشر يطلب فيه ضرورة طرد اليهود الألمان (الإشكناز) ويهود أفينيون النازحين من الولايات البابوية. وقد وافقته الحكومة الفرنسية على طلبه الذي نُفِّذ في العام التالي.
آرون إيزاك (1730 – 1816)
‏Aron Isak

مؤسس الجماعة اليهودية في السويد وأول يهودي يُسمَح له بالإقامة فيها بصفة دائمة. وُلد في ألمانيا، واشتغل بائعاً متجولاً، ثم تعلَّم حفر الأختام ليصبح ماهراً ومتميِّزاً في هذه الحرفة. وخلال حرب السنوات السبع (1756 ـ 1763) ، كانت له تعاملات مع الجيش السويدي حيث تعرَّف إلى كثير من ضباطه الذين شجعوه بعد انتهاء الحرب على الهجرة إلى السويد نظراً لعدم وجود أحد يحترف مهنة حفر الأختام بها (أي أن دعوته ليستوطن في السويد تمت باعتباره صاحب كفاءة غير متوافرة في المجتمع المضيف) . وبالفعل، وصل إلى السويد عام 1774 ولكنه وجد أن إقامة اليهود بها ممنوعة وفقاً للقانون وتحت تأثير المؤسسة الدينية البروتستانتية اللوثرية، التي كانت تشترط على أي مهاجر لا يعتنق المذهب اللوثري أن يُغيِّر دينه. ورفض إيزاك اعتناق المسيحية ودخل مفاوضات طويلة مع الحكومة السويدية حتى يُسمَح له ولغيره من اليهود بالاستقرار في السويد وممارسة شعائرهم الدينية بشكل شرعي. ولم تكن الحكومة السويدية (وعلى رأسها الملك) تعارض استقرار إيزاك أو غيره من اليهود في السويد. ومن المؤكد أنها كانت على يقين من نَفْع اليهود والفائدة التي يمكن أن تجنيها من وراء استيطان أعضاء الجماعات اليهودية بها باعتبارهم جماعة وظيفية تُحوسَل لصالح الطبقة الحاكمة والملك بسبب نفعها لهم. ولذلك فقد خططت الحكومة لفتح باب الهجرة أمامهم، ولكن مساعيها في هذا المجال قُوبلَت بالرفض والمقاومة من كلٍّ من المؤسسة الدينية وأعضاء الطبقة المتوسطة والجماهير الشعبية.

ولابد أن أعضاء الطبقة البورجوازية الناهضة في السويد كانوا على علم بدور يهود الأرندا في بولندا، التي كانت على علاقة وثيقة بالسويد والتي احتلت السويد أجزاء منها بعض الوقت، ذلك أن طبقة النبلاء من الشلاختا استخدمت يهود الأرندا في ضرب البورجوازية البولندية وإحباط كل جهودها في تحقيق شيء من التراكم الرأسمالي والمشاركة في السلطة. ولذا، فإننا نجد أن معارضة استقرار أعضاء الجماعات اليهودية لم تكن مقصورة على المؤسسة الدينية، فقد قادها أعضاء البورجوازية في السويد، وبخاصة تلك القطاعات التي كانت ستُضار بشكل مباشر من استقرار اليهود، مثل فئة الصياغ وتجار الجواهر المسيحيين، بل انضم للمعارضة بعض اليهود المتنصرين (ربما بسبب تخوفهم مما قد تشكله هجرة أعضاء الجماعة اليهودية على نطاق واسع من منافسة لهم، ومن تهديد لمكانتهم الاجتماعية) .
وبدأت عملية توطين اليهود في السويد بفتح باب الهجرة أمامهم عام 1745، فوقفت المؤسسة الدينية والبورجوازية ضد هذا الإجراء. ولكن عمدة إستكهولم شجع آرون إيزاك على البقاء في السويد بعد أن رُفض طلبه أول مرة، أرشده إلى الإجراءات اللازمة لتقديم التماس للملك، وقد قُبل هذا الالتماس وسُمح لإيزاك بالإقامة هو وشقيقه وشريكه وأسرهم، كما سمحت السويد عام 1779 بحرية العبادة الدينية.
وتدعَّم وضع إيزاك بالتدريج، وبخاصة بعد أن قدم للملك السويدي خدمات مهمة خلال حربه ضد روسيا (1788 ـ 1789) ، واستقر وضع الجماعة اليهودية كما تزايد عدد أفرادها، وترأسها إيزاك بعد أن استقر في إستكهولم حتى وفاته. وفي عام 1804، انتهى إيزاك من كتابة مذكراته التي دبجها باليديشية.
حاييم سالومون (1740-1785)
‏Haym Salomon

تاجر ومالي أمريكي يهودي، وأحد الشخصيات البارزة في حرب الاستقلال الأمريكية. وُلد في بولندا ثم هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1775 حيث عمل في عدة مهام من تلك التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية (السمسرة ـ العمل كمتعهد عسكري ـ التجسس ـ الترجمة) ، وهو ما يُبيِّن تأثير الموروث الاقتصادي فيه. فافتتح أولاً مكتباً للسمسرة والتجارة بالعمولة في نيويورك، واستطاع بفضل درايته الواسعة باللغات وخبرته المالية وعلاقته الوثيقة بالعديد من الشخصيات المالية والتجارية الأوربية أن يتقدم سريعاً في وطنه الجديد. ثم عمل عام 1776 متعهد تموين للجيش الأمريكي. وبعد احتلال البريطانيين لمدينة نيويورك، سُجن بتهمة التجسس، ثم أُفرج عنه وعُيِّن مترجماً في قسم التموين في الجيش البريطاني. كذلك نجح سالومون في إدارة تجارة مربحة للتموين في نيويورك في ظل الوجود البريطاني. ولكنه قام في الوقت نفسه بتقديم المعلومات للجانب الأمريكي والمساعدة في تهريب السجناء الأمريكيين والفرنسيين، وهو ما اضطره إلى الفرار إلى فيلادلفيا عام 1778 عقب افتضاح أمره. وفي فيلادلفيا أسس مكتباً جديداً للسمسرة في الأوراق المالية والتجارية وقدم خدماته المالية للجيش الفرنسي المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يعمل سمساراً ومديراً لماليته. وفي عام 1781، اختير سالومون ليصبح مساعداً لروبرت موريس رئيس مكتب المالية (وقد وصفه موريس بأنه "نافع للصالح العام") . وقد أشرف سالومون على أغلب المعاملات المالية المهمة للدولة الأمريكية الجديدة، كما قام بتدبير قروض بلا فائدة لعدد كبير من الشخصيات الأمريكية المهمة (من بينهم بعض الرؤساء اللاحقين) . وفي عام 1784، وسَّع نطاق أعماله فافتتح في نيويورك بيتاً للسمسرة والبيع بالمزاد، كما ساهم في تأسيس أول معبد يهودي في فيلادلفيا، وعمل من أجل إقرار حقوق اليهود السياسية، وكان عضواً نشيطاً في الحركة الماسونية.

وقد تبيَّن بعد وفاته أنه مات مفلساً.
كريستيان دوم (1751-1820 (
‏Christian Dohm
كاتب ومؤرخ ألماني وأحد المدافعين عن إعتاق اليهود وإصلاحهم ودمجهم. درس اللاهوت وانخرط في سلك الحكومة الروسية، وكان يعمل مشرفاً على الأرشيف الملكي حيث قابل موسى مندلسون ونشأت بينهما صداقة. وقد ألَّف كتابه بخصوص إصلاح مكانة اليهود المدنية عام 1781 بناءً على طلب أحد أصدقائه لمناقشة أحوال يهود الألزاس واللورين والدفاع عنهم. وقد طرح دوم فكره منطلقاً من فكرة المنفعة ونفع اليهود، ومن فكر آدم سميث، وكذلك من فكرة القانون الطبيعي وتطبيقها في عالم الاقتصاد. ويعني هذا أنه انطلق من الإيمان بضرورة علمنة القطاع الاقتصادي علمنة تامة وتجريده من أية خصوصية قومية أو أخلاقية، بحيث يصبح الهدف الأوحد هو إنتاج الثروة وتعظيمها بكل السبل المتاحة. ولتحقيق هذا، لابد من تجنيد أكبر عدد ممكن من البشر، فكلما زاد عدد المنتجين زاد النفع ومن ثم زاد الرخاء. وقد أشار دوم إلى الولايات المتحدة (التجربة العلمانية الشاملة الكبرى) باعتبارها مثالاً على دولة نجحت في تجربتها الاقتصادية بسبب عدم التفرقة بين الناس، فهم بالنسبة إليها مادة بشرية منتجة، وأعطتهم جميعهم حقوقهم المدنية حتى يصبحوا نافعين منتجين. وانطلاقاً من هذا المفهوم الليبرالي العلماني، بدأ دوم في النظر إلى المسألة اليهودية مشيراً إلى أن شخصية اليهود الشريرة، ووضعهم المتدني في المجتمع، وضعف خدماتهم للاقتصاد القومي، ليست نابعة منهم هم أنفسهم ولا من دينهم. وقد لاحظ دوم أن العقيدة اليهودية تشجِّع اليهود على ضيق الأفق، وأنهم يتسمون بالمبالغة في البحث عن الربح بأية طريقة وبحب الربا، وهي عيوب ساعدت على تفاقمها العزلة التي يضربونها على أنفسهم بسبب مبادئهم الدينية وسفسطتهم الحاخامية. وأضاف أن الجرائم التي يرتكبها اليهود، مثل خرق قوانين الدولة التي تحدُّ من التجارة واستيراد وتصدير السلع

الممنوعة وتزييف النقود والمعادن الثمينة، هي نتيجة طبيعية وحتمية لعيوب الشخصية اليهودية. ولكنه يُلاحظ أن اليهود يتَّسمون أيضاً بالحكمة والعقل الثاقب، وهم مجدُّون ومثابرون ويمكنهم أن يشقُّوا طريقهم في أي موقف. ولنلاحظ أن الصفات الحميدة التي يكتشفها في اليهود هي ما يمكن أن نصنفه باعتباره صفات إجرائية (أو علمانية) لا علاقة لها بالأخلاق، فهم مادة بشرية جيدة.
ماذا حدث إذن لليهود حتى تشوَّهت شخصيتهم على هذا النحو؟ يرى دوم أن عوامل مختلفة مثل التعصب المسيحي، وموقف الدولة منهم منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، ومنعهم من الاشتغال بالزراعة، ولَّدت الشكّ في نفوسهم تجاه المسيحية والدولة القومية، فاهتموا بمصالحهم الاقتصادية دون مصالح الدولة، واشتغلوا بالتجارة اليهودية الصغيرة وحدها، وانهارت شخصيتهم، وازدادوا تمسكاً بديانتهم المفعمة بكره المسيحيين.

ويرى دوم أن اليهود من الممكن أن يصبحوا مواطنين يدينون بالولاء لوطنهم إذا أُلغيَت التفرقة ضدهم واضطهادهم، وإذا تم تلقينهم القيم العلمانية الجديدة التي تضمن الولاء للدولة (المطلق الجديد) . ثم يقترح استصدار عدة تشريعات تهدف إلى تحسين وضع اليهود، ومن ثم إصلاح شخصيتهم، فاقترح أن يحصل اليهود على حقوقهم المدنية كاملةً، وإلغاء القيود المفروضة على حركتهم الاقتصادية، وأن يتم تشجيعهم على الاشتراك في الثقافة السائدة (أي أن يتخلوا عن ثقافتهم اليديشية) وإتاحة فرص التعليم العلماني أمامهم. كما ذهب دوم إلى ضرورة الإشراف على مدارس اليهود لاستبعاد العناصر غير الاجتماعية في ثقافتهم التي تشجِّع عداءهم للأغيار. ونادى بضرورة أن يتم تشجيعهم على الاشتغال بالحرف اليدوية، وأن يتعلموا العلوم والفنون كافة، وأن يتعلموا احترام الدول واحترام كل واجباتهم تجاهها. كما طالب دوم بمنحهم حرية العبادة، وبناء المعابد، وحرية الالتحاق بالمدارس المسيحية أيضاً. فاليهود بهذه الطريقة يمكن أن يصبحوا نافعين بالنسبة إلى دولة تريد أن تزيد من عدد سكانها وقوتها الإنتاجية. واليهود على كل حال مفضلون عن أي مستوطنين جدد لأنهم ذوو جذور في البلاد التي يقطنونها أكثر من الأجنبي الذي عاش في البلد بعض الوقت. وقد لاحظ دوم أنه قد بدأ يظهر رعيل جديد من المثقفين اليهود من دعاة التنوير يتبنون هذه الأفكار المستنيرة.

ومع هذا، طالب دوم بأن يُعتَق اليهود لا باعتبارهم أفراداً، وإنما باعتبارهم مجموعة عضوية متماسكة، وأن يظلوا جماعة قومية دينية تبقى داخل الجيتو لها مؤسسات الإدارة الذاتية الخاصة بها، وألا يشغلوا وظائف عامة مهمَّة حتى لا يثيروا حفيظة المواطنين المسيحيين. ومعنى هذا أن دوم كان يود تحويل اليهود إلى مادة نافعة متماسكة تعيش في وسط المجتمع الألماني فيمكنه الاستفادة منها، على ألا تصبح جزءاً منه، وأن يظل اليهود في المجتمع دون أن يكونوا منه. وهذه هي بقايا رؤية اليهود كشعب شاهد أو أداة للخلاص أو جماعة وظيفية. وهي الرؤية الصهيونية لليهود ولإسرائيل في الشرق العربي، وهي أيضاً الرؤية النازية لأعضاء الجماعة اليهودية. وانطلاقاً من هذا، تم تأسيس معسكرات الاعتقال النازية وجيتو وارسو النازي. وغني عن القول أن الفيلسوف مندلسون عارض هذا الجانب من المشروع.
نابليون بونابرت (1769-1821)
‏Napoleon Bonaparte

إمبراطور فرنسا في الفترة بين 1804 ـ 1814، وهو يُعَدُّ من أهم القادة العسكريين في التاريخ ويتمتع بمقدرات إدارية. وُلد نابليون في جزيرة كورسيكا وتولى قيادة الجيش الجمهوري أثناء حروب الثورة الفرنسية، وأحرز نجاحاً كبيراً في حملته على إيطاليا (1796 ـ 1797) ، ولكن حملته على مصر (1798 ـ 1799) أخفقت تماماً. وعاد إلى فرنسا والحكومة الثورية على وشك الانهيار، فقام بانقلاب عسكري واستولى على الحكم وقاد حروب فرنسا «الثورية» . ثم أدخل إصلاحات على النظام التعليمي وفي مجال القانون ونظَّم العلاقة مع الكنيسة (1801) ، ثم أصبح إمبراطوراً عام 1804، وبدأ في تكوين أرستقراطية جديدة وبلاط ملكي. وقد امتدت رقعة الإمبراطورية الفرنسية في عهده لتضم كل أوربا تقريباً. وساهم في تحديث أوربا ومؤسساتها السياسية والإدارية من خلال غزواته. ولكن شوكة نابليون انكسرت حينما حاول غزو روسيا، وانتهى الأمر بأن هُزم تماماً ونُفي إلى جزيرة إلبا (1814) ثم إلى سانت هيلينا (1815) .
وتأخذ علاقة نابليون بالجماعات اليهودية ثلاثة أشكال، تستند في معظمها إلى مبدأ نَفْع اليهود:
1 ـ كانت جيوش فرنسا تكتسح النظم الإقطاعية في طريقها وتنصب نظماً أكثر ليبرالية. وقد وصلت هذه الجيوش حتى بولندا، حيث كانت توجد الكثافة السكانية اليهودية. وأينما حلَّت هذه الجيوش، كانت تقوم بإعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ووضْع أسس تحديث هوياتهم المختلفة. ورغم هزيمة جيوش فرنسا ونابليون، فإن العملية التاريخية التي بدأتها هذه الجيوش كان لها أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، لابد من الإشارة إلى أن نابليون قام بتجنيد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا واستغلهم كطابور خامس خلال حربه مع روسيا، أي أنه حولهم إلى جماعة وظيفية جاسوسية (لكن غالبية يهود روسيا الساحقة وقفت ضد نابليون وساعدت الحكومة القيصرية) .

2 ـ كان لعلاقة نابليون بأعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا أعمق الأثر فيهم. فبعد اندلاع الثورة وإعتاق اليهود في فرنسا، انتشر يهود الألزاس (الإشكناز) الذين كانوا متخلفين حضارياً ويعملون أساساً بالتجارة والأعمال الطفيلية كما كانوا يعملون بالربا، وهو ما أدَّى إلى ظهور مشكلة بينهم وبين فلاحي الألزاس. وقد نشأت مسألة يهودية إشكنازية في فرنسا لم يكن السفارد طرفاً فيها، فأبدى الإمبراطور اهتماماً بالقضية (عام 1806) دعا مجلس وجهاء اليهود في باريس، وجمَّد بشكل مؤقت الديون التي اقترضها الفلاحون من المرابين اليهود. وقام الوجهاء بمناقشة القضايا التي قدمتها لهم السلطات مثل: عادات الزواج بين اليهود، والأعمال التي يقومون بها، وواجبهم تجاه الدولة، ومدى إحساسهم بالولاء تجاهها والانتماء إليها. ووافق المجتمعون على أن ولاءهم يتجه إلى الدولة الفرنسية أساساً، وأن اليهود يشكِّلون جماعة دينية، لا جماعة قومية أو إثنية أو عرْقية. ثم دعا نابليون عام 1807 لعقد السنهدرين الأكبر، وأسَّس إدارة يهودية مركزية تعمل من خلال مجالس مختلفة هي المجالس الكنسية. ولا يزال هذا النمط هو المعمول به في فرنسا بل طُبِّق أيضاً في الجزائر. ثم أصدر نابليون قرارات تحد من النشاط التجاري والمالي لليهود؛ ليتحوَّلوا إلى عناصر نافعة في المجتمع مندمجة فيه، كما أصدر قرارات تشجعهم على الاشتغال بالزراعة والصناعة لدمجهم في المجتمع الفرنسي.

3 ـ قام نابليون بأولى حملات الثورة الفرنسية الاستعمارية في الشرق، فاحتل مصر عام 1798. وكانت حكومة الإدارة الفرنسية قد أعدت خطة لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين، وذلك مقابل تقديم المموِّلين اليهود قروضاً مالية للحكومة الفرنسية التي كانت تمر آنذاك بضائقة مالية. وكان المفروض أن يموِّل اليهود الحملة المتجهة صوب الشرق، وأن يتعهدوا ببث الفوضى وإشعال الفتنة وإحلال الأزمات في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي لتسهيل أمر احتلالها. ويبدو أن نابليون كان مطلعاً على الخطة. ولذا، فقد أصدر، بمجرد وصوله إلى مصر، بياناً يحث فيه اليهود على الالتفاف حول رايته لإعادة مجدهم الغابر ولإعادة بناء مملكة القدس القديمة، أي أن نابليون أصدر أول وعد بلفوري في تاريخ أوربا.
وكانت أهداف نابليون مركبة:
1 ـ كان نابليون يحذو حذو مؤسسي الإمبراطوريات الذين كانوا يهتمون بفلسطين لأهميتها الإستراتيجية، ولذا كانوا يحاولون غَرْس عنصر سكاني موال لهم. ويبدو أن نابليون وجد في يهود الشرق ضالته، حيث يمكن تحويلهم إلى مادة استيطانية تدور في مدار المصالح الفرنسية وتكون عوناً له في دعم نفوذه وتثبيت سلطانه. واليهود إن وُطِّنوا في فلسطين فإنهم سيكونون بمثابة حاجز مادي بشري يفصل ما بين مصر وسوريا، ويدعِّم الاحتلال الفرنسي، ويهدِّد المصالح البريطانية من خلال إغلاق طرق مواصلاتها إلى الهند. ويبدو أن نابليون كان يحاول كسب رضا وتأييد حاييم فارحي، اليهودي الذي كان يتمتع بنفوذ مالي في عكا ويتولى مسئولية تزويدها بالمؤن الغذائية. وأخيراً، فإن نابليون كان يهمه كسب ثقة يهود فرنسا ودعمهم المالي في صراعه الذي بات وشيك الوقوع مع حكومة الإدارة.

2 ـ ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن نابليون كان من نتاج عصر الاستنارة، وكان نفعياً لا يؤمن بأية عقيدة دينية، ولذا فإنه لم يكن ليتوانى عن استغلال الدين أو أية عقيدة أخرى. وعلى هذا، فإنه، في ندائه إلى يهود العالم، يتحدث عن حقوقهم التي وردت في العهد القديم وعن احترام الأنبياء (وهو لا يؤمن بأيٍّ منهم) . وحينما يصل إلى مصر، فإنه يتحدث عن الإسلام بإجلال شديد ويعلن أنه لم يأت إلى ديار المسلمين إلا للدفاع عن الإسلام ولحمايتهم من الظلم.
ومما يجدر ملاحظته أنه، على الرغم من أن سياسة نابليون بالنسبة ليهود فرنسا كانت ترمي إلى تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة لها سماتها وخصوصيتها إلى جزء من التشكيل الطبقي والحضاري الفرنسي، لا خصوصية له بل مندمج تماماً في محيطه، فإن سياسته في الشرق كانت تقف على الطرف النقيض من ذلك، فقد كانت ترمي إلى تأكيد خصوصية اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً، إذ أن هذه الخصوصية هي مصدر عزلتهم، وعزلتهم هي التي ستجعل بالإمكان تحويلهم إلى جماعة وظيفية قتالية استيطانية تُوطَّن في فلسطين لتقوم على خدمة الاستعمار الفرنسي والغربي.
ويُلاحَظ أن المسألة الشرقية، أي ضعف الدولة العثمانية والميراث الذي ستتركه بعد موتها، قد بدأت تلتقي بالمسألة اليهودية. وتتبدَّى عبقرية نابليون في أنه قرر توظيف المسألة اليهودية والجماعات اليهودية في حل المسألة الشرقية حلاًّ يتناسب مع مصالحه.
والنمط الكامن في تفكير نابليون هو أيضاً النمط الكامن في النظرية الاستعمارية الغربية تجاه الشرق وتجاه أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تبدى هذا النمط في وعد بلفور في بداية الأمر، ثم وصل ذروته مع توقيع الاتفاق الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة عام 1982.
تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج
‏Productivization of the Jews

«تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» عبارة إصطلاحية تُستخدَم للإشارة إلى المحاولات التي قامت بها حكومات فرنسا وروسيا وبولندا، وبعض حكومات وسط أوربا، مثل النمسا، لتحويل اليهود عن الاشتغال بالتجارة البدائية والربا وبعض الحرف الأخرى التي كانوا يقومون بها كجماعة وظيفية وسيطة، وتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة والحرف والوظائف الأخرى. وقد نجحت المحاولة في فرنسا، ولكنها تعثَّرت في جاليشيا وروسيا وغيرهما من المناطق، وهو ما اضطر الحكومة الروسية، على سبيل المثال، إلى إصدار قوانين مايو1881. ونحن نفضل استخدام مصطلح «تحديث اليهود» فهو أكثر عمومية وحياداً، ولا يحمل أية تضمينات قدحية، وخصوصاً أن اليهود لم يكونوا قط غير منتجين في المجتمعات الزراعية التقليدية، وإنما أصبحوا كذلك نتيجة تطور المجتمع. كما أن المصطلح يؤكد العلاقة بين التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي خاضتها الجماعات اليهودية في شرق أوربا والتحولات الاجتماعية المماثلة التي مرت بها الأقليات الاقتصادية والإثنية التي تلعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة في مجتمعات أخرى، كالصينيين في شرق آسيا.
وقد دخل المصطلح في الأدبيات الصهيونية العمالية التي تنطلق من الإيمان بهامشية وطفيلية يهود المنفى والشتات وتنادي بضرورة تطبيعهم.
تطبيع الشخصية اليهودية
‏Normalization of the Jewish Character

بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، شاع مصطلح «تطبيع» في الخطاب السياسي في مصر، بمعنى محاولة جعل العلاقات بين مصر والدولة الصهيونية علاقات عادية طبيعية مثل العلاقات التي تنشأ بين أي دولتين. ولكن المصطلح في الأدبيات الصهيونية، حينما يُستخدَم للإشارة إلى ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، تكون له مدلولات مختلفة تماماً. وقد شاع المصطلح في أوربا ابتداءً من القرن الثامن عشر مع مصطلحات أخرى إما مشابهة أو مرتبطة به، مثل «تحويل اليهود إلى قطاع منتج» أو «نفع اليهود» ، وهي كلها مصطلحات تفترض شذوذ وضع اليهود وهامشيتهم، وتؤكد الحاجة إلى تغييره عن طريق «إصلاح اليهود» وتحويلهم إلى مادة بشرية استعمالية نافعة يمكن توظيفها في خدمة المجتمع، وهذا يعني أن يصبح اليهودي إنساناً طبيعياً لا يختلف عن غيره من البشر (والإنسان الطبيعي هو مفهوم محوري في فكر عصر الاستنارة) الذي ركَّز على العناصر العامة في البشر، وحاول أن يقلل من أهمية الخصوصيات وأن يلغيها تماماً.

ولكن الظاهرة نفسها، بغض النظر عن المصطلح، تعود إلى تواريخ قديمة، فقد كانت الحاجة إلى تطبيع اليهود أو إصلاحهم تنشأ حينما يواجهون حضارة متفوقة، كما حدث عند التهجير البابلي. وبرزت الظاهرة ذاتها بشكل أكثر إثارة في العصر الهيليني، إذ بدأ أعضاء الجماعة اليهودية التي كانت متركزة أساساً في فلسطين ثم في مصر يشعرون بالإحساس بالنقص وبالتدني الحضاري إزاء الحضارة المتفوقة، فاصطنعوا أساليبها، وتأغرقت أعداد كبيرة منهم، وبخاصة أعضاء الطبقات الثرية، وبذلوا جهداً غير عادي ليصبحوا مثل الإغريق. وعلى سبيل المثال، كان بعض اليهود الذين يشتركون في الألعاب الأولمبية يجرون عملية جراحية تجميلية حتى يبدو وكأنهم لم يُختنوا (أي حتى يبدوا وكأنهم مواطنون طبيعيون) فلا يكونوا محط سخرية المشاهدين أو نساء الأغيار. ويمكن اعتبار الحركات المشيحانية أول محاولات تطبيع اليهود في الواقع. ولذا، كان من أهداف هذه الحركات إسقاط الأوامر والنواهي المسئولة عن تميُّز اليهود وعزلتهم.

ولكن عملية التطبيع التي تهمنا هي التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر نتيجةً للانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب، والتحولات البنيوية التي خاضتها المجتمعات الغربية، إذ أدَّت هذه التحولات إلى ظهور الدولة القومية الحديثة والرأسمالية الرشيدة والاقتصاد الحديث مما أدَّى إلى الاستغناء عن الجماعات الوظيفية، اليهودية وغير اليهودية، وقد تطلَّب هذا التحول نوعية جديدة من المواطنين ذوي كفاءات وولاءات محددة يختلفون بشكل جوهري عن عضو الجماعة الوظيفية. وقد كان مؤسسو الدولة القومية الحديثة في غرب أوربا ووسطها وشرقها يرون أن اليهود، بوضعهم الذي كانوا عليه، كجماعات وظيفية وسيطة، أصبحوا شخصيات هامشية غير منتجة وغير محددة الولاء أو الانتماء ودون دور محدد تلعبه، أي أن وَضْعهم لم يعُد طبيعياً في الإطار القومي المركزي الجديد. ولذا، ينبغي تطبيعهم، أي صبغهم بالصبغة القومية ليتم دمجهم في المجتمع. فأصدرت حكومة فرنسا ثم النمسا وروسيا وغيرها قرارات لإعادة صياغة هوية أعضاء الجماعات. وقد تفاوتت درجات نجاح المحاولة وإخفاقها من بلد إلى آخر.

والتطبيع هو أيضاً من أهم المفاهيم المحورية في الفكر الصهيوني، فهو العملية التي يتخلَّص اليهودي من خلالها من أمراض المنفى أو الشتات (الانتشار في العالم) خارج الوطن القومي، والتي تتمثل في عقلية استجداء الأغيار والاعتماد السياسي عليهم وتتمثَّل كذلك في ازدواج الولاء. وهي تعني أيضاً التخلُّص من أية قداسة يخلعها عليه تراثه الديني، وبالتالي يتعيَّن على اليهود الجدد من المستوطنين الصهاينة ألا ينغمسوا في أعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة مثل بني ملتهم أو جلدتهم من يهود المنفى، وعليهم أن يتحولوا إلى شعب يهودي منتج بمعنى الكلمة، يسيطر على كل مراحل العملية الإنتاجية، وبالتالي على مصيره الاقتصادي والسياسي. كما أن عليهم أن يطرحوا كل المفاهيم الدينية مثل «الشعب المختار» و «الالتزام بأداء الأوامر والنواهي» ، وأية مطلقات دينية أو أخلاقية. وقد عبَّر المفكر الصهيوني العمالي دوف بير بوروخوف عن القضية نفسها بقوله إن اليهود أعضاء في هرم إنتاجي (أي أنهم مادة إنتاجية) ، وأن الحل الصهيوني يتلخَّص في أن يقف الهرم الإنتاجي اليهودي على قاعدته، بحيث يتركز اليهود في العمليات الإنتاجية في قاعدة الهرم ويعملون بأيديهم وتصبح أغلبيتهم من العمال والفلاحين، أما المهنيون والعاملون في القطاع التجاري والمالي فإنهم يصبحون قلة في قمة الهرم، شأنهم في هذا شأن قرنائهم في أي مجتمع آخر. وهذا ما يُطلَق عليه مصطلح «العمل العبري» و «غزو العمل» ، أي أن يستولى الصهيوني على الأرض عن طريق العنف الذي يُطهِّره من مخاوف المنفى، ويعمل فيها بيديه ويسيطر على كل مراحل الإنتاج. وهو، إن فعل، يكون قد أنجز الثورة الصهيونية الحقَّة، فاستولى على الأرض وزرعها، وعلى الهيكل الاقتصادي وعمل فيه، وعلى الهيكل السياسي وتحكَّم فيه. ثم تحوَّل هو نفسه من شخصية هامشية خائفة لا سيادة لها، إلى شخصية شجاعة منتجة ذات سيادة قومية، وبذلك

يكون قد تم تطبيعه، ويصير اليهود شعباً، مثلهم مثل كل الشعوب، لهم وطنهم ولغتهم وجيشهم. ومن هنا، لا يكون الاستيطان الإحلالي (الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والعمل فيها) مجرد فعل خارجي يحمل مدلولاً اقتصادياً محدوداً، وإنما فعل شامل ذو أبعاد سياسية وقومية، وفي نهاية الأمر نفسية. وهو أيضاً يحل مشكلة المعنى بالنسبة للصهاينة، ويُعقلن وجودهم في فلسطين التي تلفظهم والتي يقاتل أهلها ضدهم.
ولكن التطبيع في السياق الصهيوني يعني أيضاً التغريب، أي أن يصبح لليهود وطن يؤسَّس على النسق العلماني الغربي. فالصهاينة يرون دولتهم الاستيطانية جزءاً من التشكيل الإمبريالي الغربي. وقد أسس الصهاينة دولتهم، التي حوَّلت الدين إلى رموز قومية خالية من المضمون الأخلاقي على طريقة الدول الغربية الحديثة، المتمسكة بقيم المنفعة وبالقوة كوسيلة لحل كل مشاكلها. وبعد حرب 1967، مع تلاشي ما تبقى من أوهام عن روح الريادة والعمل العبري، ازدادت الروح النفعية والاستهلاكية. ولذا، زادت حدة التطبيع، وأصبح يهود إسرائيل مثل كل الشعوب، والأمريكيين على وجه الخصوص. وربما يفسر هذا نزوح كثير من الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الاستهلاكية، فهذه هي النتيجة المنطقية لمنطق التطبيع بمعنى التغريب.

ولكن، يبدو أن الدولة الصهيونية لم تنجح تماماً في أن تُطبِّع نفسها أو سكانها، فهي دولة تعتمد على الغرب، وتنتشر فيها الجريمة، كما أن عدداً كبيراً من سكانها يشتغلون بأعمال السمسرة ويرفضون العمل اليدوي، وهو الأمر الذي كشفت عنه الانتفاضة بشكل واضح وجليّ. أما أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وهم أكبر جماعة يهودية في العالم، فقد تم تطبيعهم وعلمنتهم تماماً، فقد تبنُّوا أسلوب الحياة الأمريكي دون تحفُّظ. ونصفهم لا يؤمن بالخالق، كما أن الأغلبية الساحقة ممن يظنون أنهم يؤمنون بالعقيدة اليهودية ينتمون إلى اليهودية الإصلاحية والمحافظة والتي لا تعترف بها اليهودية الأرثوذكسية، ولا يقيمون شعائر السبت، وإن احتفلوا به فهم يرونه جزءاً من عطلة نهاية الأسبوع (الويك إند) بما تتضمنه من نشاطات علمانية عديدة لا يربطها رابط بشعائر السبت. بل يُقال إن يهود الولايات المتحدة أكثر ملكية من الملك، وأكثر طبيعية وأمريكية من الأمريكيين أنفسهم. وثمة رأي يذهب إلى أن النشاط الصهيوني، الهستيري في شكله، المترهل في مضمونه، والذي لا يتجاوز في واقع الأمر دفع التبرعات والاشتراك في التظاهرات ووضع اللافتات على السيارات، ولا يأخذ شكل سلوك ديني في المنزل أو هجرة إلى إسرائيل، ما هو إلا تغطية لعملية التطبيع الجذرية التي تتم بين أعضاء الجماعة اليهودية، والتي تترجم نفسها إلى أمركة كاملة وانصهار تام في المجتمع الأمريكي. ولهذا السبب، يطلق بعض الصهاينة على يهود الولايات المتحدة اسم «الهيلينيين الجدد» .
وغنيٌّ عن القول إن مفهوم شذوذ الشخصية اليهودية مفهوم محوري في أدبيات معاداة اليهود، وبخاصة في الفكر النازي. وقد وجد النازيون أن حلَّ قضية الشذوذ هذه لا يتم عن طريق تطبيع اليهود كما يقترح الصهاينة، وإنما عن طريق إبادة العناصر غير النافعة منهم.
المسألة اليهودية
‏The Jewish Question

«المسألة اليهودية» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية وفي غيرها بصيغة المفرد، وهو مصطلح يفترض أن ثمة مشاكل محدَّدة ثابتة لا تختلف تقريباً باختلاف الزمان والمكان، يواجهها اليهود وحدهم ولا يواجهها غيرهم من أعضاء الجماعات أو الأقليات الدينية أو الإثنية. ولذا تتم الإشارة إليها بعبارة «المسألة اليهودية» (الواحدة) لا «المسائل اليهودية» المتنوعة بتنوع تجارب أعضاء الجماعات اليهودية عبر الزمان والمكان. وحلَّ هذه المسألة يكون عن طريق التخلص من اليهود، إما عن طريق تهجيرهم إلى وطنهم القومي اليهودي، وهذا هو (الحل الصهيوني) ، أو عن طريق طردهم (الحل المعادي لليهود) ، أو إبادتهم (الحل النازي) .

ويمكن تصنيف المصطلح، بشكله هذا، ضمن مصطلحات شبيهة أخرى، مثل «الشخصية اليهودية» التي تفترض وجود شخصية يهودية ثابتة مستقلة عما حولها من ظروف. و «التاريخ اليهودي» ، الذي يفترض وجود تاريخ مستقل له سماته المحددة، ووحدته الواضحة، وفتراته المتتالية التي تعرَّف بالعودة إلى جوهر يهودي أو وجود مستقل، هو أمر يتناقض مع الواقع التاريخي الحي المركب. فالمشاكل التي واجهها يهود الإمبراطورية الرومانية هي جزء من تاريخ هذه الإمبراطورية، والمشاكل التي واجهها يهود المدينة أيام الرسول (عليه الصلاة والسلام) ناجمة عن وجودهم داخل التشكيل الحضاري الإسلامي في الجزيرة العربية، كما أن المشاكل التي واجهها يهود روسيا في القرن التاسع عشر الميلادي كانت نابعة من وجودهم داخل التشكيل السياسي الروسي في عهد القيصرية، تماماً كما أن المشاكل التي واجهوها بعد عام 1917 هي جزء من تاريخ روسيا السوفيتية. أما من هاجر من يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة، فقد أصبح تاريخه وكذلك مشاكله جزءاً من تاريخها. ومع أن هذا لا ينفي وجود مشاكل خاصة نابعة من خصوصية وَضْع أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذه التشكيلات، فإنه لا يوجد عنصر مشترك واحد يجمع بين هذه المشاكل الخاصة، إذ أن هذه الخصوصية نفسها مستمدة من طبيعة علاقة الجماعة اليهودية بالمجتمع الذي تعيش في كنفه (وتتشكَّل في إطاره) وليس لها علاقة بخصوصية يهودية تشمل كل اليهود. وقد غيَّر حدث ضخم، مثل الثورة البلشفية، نوعية المشاكل التي كان يواجهها أعضاء الجماعة اليهودية. فبعد أن كان يُفرَض عليهم الانعزال داخل منطقة الاستيطان، أصبح يتهددهم الاندماج، وبعد أن كانوا بعيدين تماماً عن مؤسسات صُنْع القرار، أصبحوا قريبين منها، لدرجة أن أعداء اليهود والبلاشفة كانوا يسمون الثورة البلشفية «الثورة اليهودية» . بل كانت هناك داخل التشكيل السياسي الروسي القيصري ثم البلشفي عدة تشكيلات يهودية مختلفة لكلٍّ

مشاكلها الخاصة، فيهود جورجيا واجهوا مشاكل تختلف نوعياً عن مشاكل يهود اليديشية. أما اليهود القرَّاءون، فلم يواجهوا مشاكل حقيقية نظراً لأن الحكومة القيصرية اعتبرتهم جماعة منتجة، وبالتالي فإنها لم تُطبِّق عليهم أياً من القرارات التي طبقتها على يهود اليديشية. كما أن تواتر المسائل اليهودية داخل المجتمعات البشرية لا يعني بالضرورة أن هذه المسائل متشابهة أو أن الواحدة لها علاقة بالأخرى. فقد تتشابك المسائل كما حدث حينما هاجر يهود اليديشية بأعداد كبيرة إلى ألمانيا وقوضوا وضع يهود ألمانيا ومكانتهم. ولكن، مع هذا، تظل كل مشكلة أو مسألة يهودية مستقلة ولا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى سياقها التاريخي والحضاري والاجتماعي.
لكل هذا، يكون مصطلح «المسألة اليهودية» الذي يَفترض أن هناك مسألة يهودية واحدة، عالمية وعامة، مصطلحاً منافياً تماماً للحقائق المتعيِّنة للتاريخ، ومن ثم فإن قيمته التصنيفية والتفسيرية ضعيفة إلى أقصى حد. ومن الأفضل استخدام صيغة الجمع والتحدث عن «مسائل يهودية» . وحين يُستخدَم المصطلح في صيغة المفرد، فإنه يشير، في واقع الأمر، إلى المشاكل التي واجهها أعضاء الجماعات اليهودية (في القرن التاسع عشر) في أوربا، وبخاصة في شرقها، وبذلك تُستبعَد الجماعات اليهودية الأخرى كافة. وهذا التحديد الزماني المكاني يعطي المصطلح مضموناً حقيقياً ودلالة ومقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية.

ويجب التمييز بين المسألة اليهودية في العصر الحديث من جهة، وبين المذابح التي كانت تُدبَّر ضد أعضاء الجماعة اليهودية في الماضي من جهة أخرى. ورغم أن كلاًّ من الظاهرتين ينبع من أساس واحد وهو كون اليهود جماعة وظيفية وسيطة، فإن أوجه الاختلاف بين الظاهرتين أساسية وجوهرية، فالمذابح التي دُبِّرت ضد أعضاء الجماعة اليهودية حتى بداية القرن السابع عشر تقريباً كانت، في كثير من الأحيان، من قبيل الثورة الشعبية ضد جماعة وظيفية إثنية تُشكِّل أجزاء من الطبقة الحاكمة وتُعَدُّ أداتها. أما المسألة اليهودية الحديثة، فهي مرتبطة بظهور الرأسماليات المحلية وتآكل دور الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية "نافعة" وتحولها إلى فائض بشري ومحاولة الدولة القومية التخلص من هذا الفائض البشري عن طريق دمجه أو تصديره أو تحويله إلى عنصر بشري نافع. وهي عملية لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية وإنما كانت تسري على أعضاء الجماعات الإثنية والدينية الأخرى في المجتمع، أي أنها مرتبطة بآليات وحركيات خاصة بالمجتمع الغربي بعد تآكل النظام الإقطاعي وانتقاله من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الرأسمالي، وأخيراً بالتشكيل الإمبريالي الغربي. ويجب الانتباه إلى أن مسألة يهود شرق أوربا في القرن التاسع عشر ليست مسألة فريدة، فهي نمط متكرر في معظم المجتمعات التي تنتقل من النمط الزراعي التقليدي في الإنتاج إلى النمط الحديث. وعلى هذا، توجد مسألة هندية أو عربية في أفريقيا، ومسألة إيطالية أو يونانية في مصر، ومسألة صينية في جنوب شرق آسيا، ولعل التشابه بين المسألة الصينية في الفلبين والمسألة اليهودية في بولندا أمر ملحوظ بشكل ما ويستحق الإشارة إليه. لقد كان أعضاء الجماعة الصينية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة فكانوا يعملون وسطاء بين المستعمرين الإسبان والعنصر الفلبيني المحلي، تماماً كما كان اليهود وسطاء بين النبلاء البولنديين (الشلاختا) والفلاحين

والأقنان الأوكرانيين داخل مؤسسات الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا. وكان الصينيون يعيشون في جيتو يُسمَّى «باريان Parian» خارج مانيلا، تماماً كما كان اليهود يعيشون في الجيتوات والشتتل. وكان يُحظَر خروج الصينيين من الجيتو الخاص بهم بعد الساعة الثامنة. وقد طُرد الصينيون من الفلبين عدة مرات (1569 و1755) ودُبِّرت المذابح والهجمات ضدهم (في سنوات 1603 و1639 و1662 و1764) ، وفُرضت عليهم ضرائب خاصة باهظة. وتركَّز الصينيون في مانيلا في الأعمال التجارية والمالية، ونظموا أنفسهم داخل مؤسسات تشبه القهال. وكان الصينيون يضطلعون بدور مهم في المجتمع الفلبيني، ولكنهم بعد استقلال الفلبين فقدوا دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، فحدثت محاولات للتخلص منهم بطردهم أو دمجهم عن طريق تحديثهم.
ويمكن القول بأن المسألة اليهودية في أوربا، في العصر الحديث، هي محاولة لتحديث أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا بهدف دمجهم في مجتمعاتهم بعد أن فقدوا دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، وهي محاولة حققت درجات متفاوتة من النجاح والإخفاق. ولفهم هذه الظاهرة، لابد أن نتعامل مع مركب من الأسباب الاقتصادية والسياسية والتاريخية والثقافية التي أدَّت إلى ظهورها، ومع الطريقة التي حاولت كل دولة التعامل بها مع الجماعات اليهودية ومع الجماعات الإثنية والدينية كافة، كما يجب أن نتعامل مع العناصر التاريخية والسياسية التي أدَّت إلى نجاح أو تعثُّر أو توقُّف هذه المحاولات. ويمكن القول بأن جذور المسألة اليهودية تعود إلى ما أسميناه «المسألة العبرانية» الناجمة عن ضعف الدولة العبرانية القديمة سواء في مواردها البشرية أو في مواردها المادية ووجودها في منطقة مهمة إستراتيجياً بين عدة إمبراطوريات عظمى، وهو ما أدَّى إلى تحوُّلها إلى معبر لهذه الإمبراطوريات، وجعل المجتمع العبراني مجتمعاً طارداً لقطاعات من سكانه وأصبح مصدراً أساسياً للمادة البشرية.

وقد أدَّى هذا الوضع، في نهاية الأمر، إلى انتشار اليهود، كما جعل عندهم قابلية لأن يتحولوا إلى جماعات وظيفية (قتالية أو استيطانية أو تجارية) . ومع العصور الوسطى، كانت معظم الجماعات اليهودية في الغرب جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظيفة التجارة والربا وجمع الضرائب وأعمال مالية وإدارية مماثلة أخرى. لكن التجارة التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعة الوسيطة هي ما يُطلق عليه «التجارة البدائية» . فالتاجر اليهودي لم يكن يُوظِّف أمواله في الإنتاج، كما كان يفعل تجار مدن العصور الوسطى الكبيرة، ولا يشتري مواد أولية ولا ينفق على صناعة الأقمشة جزءاً من رأسماله، بل كان مجرد وسيط يوزع منتجات لا يسيطر عليها ولا يخلق ظروف إنتاجها. وهكذا، لم تكن التجارة اليهودية تنطوي على أسلوب معيَّن لإنتاج فائض القيمة، وإنما كانت، على عكس التجارة المسيحية التي كانت تجارة تبادلية مرتبطة بالاقتصاد والإنتاج ذاته، تعيش على فائض القيمة الذي ينتجه الفلاحون، فهي تجارة توجد في الشقوق بين المجتمعات. وحينما تحوَّل الرأسمالي اليهودي إلى الإقراض كان إقراضه أيضاً استهلاكياً، على عكس الإقراض المصرفي الذي كان يساهم مباشرة في إنتاج فائض القيمة لأنه كان يُموِّل المشاريع التجارية والصناعية الكبيرة. ولقد لعب اليهود دور التاجر والمرابي والخمَّار ووكيل السيد الإقطاعي والوسيط في جميع الأمور. والمجتمع الإقطاعي المستند إلى إنتاج القيم الاستعمالية لا يتناقض مع الرأسمالية بشكلها التجاري الربوي البدائي، بل يضمن بقاءها واستمرارها. ولذلك لم يكن هناك وجود لأية مسألة يهودية في المجتمعات الإقطاعية، فالتاجر والمرابي اليهوديان كانا يقومان بدور حيوي مهم، إذ كان التاجر يُورِّد للمجتمع الإقطاعي السلع التي يحتاج إليها ويُصدِّر الفائض الإنتاجي، بينما كان المرابي يقرض الأمير الإقطاعي، وكذلك الفلاح، لشراء السلع الكمالية. بل إن التاجر أو المرابي اليهودي كانا

أداة في يد النخبة الحاكمة الإقطاعية. وبهذا، كان اليهود أقنان بلاط (مماليك تجارية) يُستخدَمون لامتصاص الثروة من المجتمع ولضرب الطبقات التجارية الصاعدة. وقد ظهر، بين اليهود، يهود البلاط، وهم من كبار المموِّلين الذين كانوا يقومون بإدارة الشئون المالية لبعض الإمارات الألمانية والدول الغربية في عصر الملكية المطلقة، ويساعدون حكامها على تأسيس صناعات جديدة وارتياد آفاق اقتصادية لم يرتدها أحد من قبل. ولكن الوضع لم يختلف كثيراً، إذ كان يهود البلاط مرتبطين ارتباطاً كاملاً بالنخبة الحاكمة، وظل نشاطهم الاقتصادي محصوراً بحدود الملكيات والإمارات المطلقة. كل هذا كان يعني أن أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية (أقنان بلاط أو يهود بلاط) كانوا خارج التشكيلات البورجوازية والرأسمالية الغربية الصاعدة التي يشير إليها ماكس فيبر باعتبارها «الرأسمالية الرشيدة» . كما أن تبعيتهم هذه كانت تعني أن نشوء رأسمالية يهودية مستقلة مستحيل، إذ كان الحاكم يصادر أموالهم حينما يصلون إلى درجة عالية من الثراء كما حدث لكثير من يهود البلاط.
وهذا الوضع في حد ذاته لا يخلق مسألة يهودية، بل إن مثل هذه المسألة تبدأ في الظهور حينما تتناقص حاجة المجتمع إلى اليهودي كتاجر أو مراب أو مدير مالي أو متعهد عسكري، وذلك بعد أن تنشأ طبقات تجارية ومالية محلية أو بعد أن تضطلع الدولة نفسها بمثل هذه الوظائف. وهذه عملية تتطور بالتدريج إلى أن يستغني المجتمع عن الجماعات الوظيفية الوسيطة تماماً.
وقد بدأ تقلقل وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة في غرب أوربا (في إنجلترا وفرنسا) في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين وطُردوا منهما، كما طُردوا من إسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي. وكان يتم طردهم من الولايات الألمانية حتى القرن السابع عشر الميلادي، ولكنهم كانوا ينتقلون من واحدة إلى الأخرى، ولذا لم يتم طردهم منها نهائياً.

وقد كان اليهود يحلون مشكلتهم بالتقهقر إلى الماضي، إذ هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى شرق أوربا، وبخاصة بولندا، حيث لعبوا دورالتاجر والمرابي ومحصِّل الضرائب مرة أخرى، واستمر وضعهم مزدهراً حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. ولكن، بنشوء طبقات رأسمالية محلية في مجتمعات شرق أوربا، وتزايد دور الدولة فيها، بدأ اليهود يواجهون مشكلة التأقلم مع الوضع الجديد. فمراكز التجارة الإقطاعية كانت قد بدأت تنحل لتحل محلها مدن صناعية وتجارية جديدة، وهو ما ضيَّق الخناق على جماهير التجار اليهود وأدَّى إلى تدفُّق المهاجرين إلى مناطق أكثر قدرة على استيعابهم داخل روسيا ذاتها في بداية الأمر، ثم إلى غرب أوربا، وأخيراً إلى الولايات المتحدة.

وعند هذه النقطة، تُطرَح قضية مدى نَفْع اليهود ومدى إنتاجيتهم، وتُثار الأسئلة الخاصة بازدواج الولاء، بكون اليهود يشكلون دولة داخل دولة. وبالتالي، فإن المسألة اليهودية (أي بداية الاستغناء عن الجماعات الوظيفية اليهودية) بدأت مع الثورة التجارية وظهور الدولة القومية المركزية (المطلقة ثم الليبرالية ثم الشمولية) التي قامت بتوحيد جميع مناحي الحياة ودمج المواطنين كافة، وطالبتهم بالولاء الكامل والانتماء غير المشروط لها، وحاولت أن تصهرهم جميعاً (بما في ذلك أعضاء الأقليات) في بوتقة واحدة ينتظمها إطار واحد. وعلى هذا، أُعطىَ اليهود حقوقهم السياسية (أي تم إعتاقهم) ، وفُتحت أمامهم مجالات الحراك الاجتماعي، وسُمح لهم بالعمل في جميع الوظائف وفي الخدمة العسكرية، وأُسقطت حوائط الجيتو. ولكنهم طُولبوا في المقابل بأن يصلحوا أنفسهم وأن يتخلوا لا عن انعزاليتهم وحسب، وإنما عن خصوصيتهم أيضاً، فالمُثُل السائدة في الغرب آنذاك كانت هي مُثُل عصر الاستنارة "الأممية" التي تدور حول فكرة الإنسان الطبيعي. ومن ثم تعيَّن على أعضاء الجماعات اليهودية ألا يستخدموا سوى لغة الوطن الأم وأن ينبذوا اليديشية أو أية لغات أو لهجات أو رطانات سرية أو علنية خاصة بهم. وبخاصة في المعاملات التجارية حتى لا يغشوا أحداً (مثلما حُرِّم على الصينيين استخدام الصينية في المعاملات التجارية في الفلبين) ، كما طولبوا بتغيير أزيائهم وأسمائهم، بل إدخال إصلاحات على عقيدتهم الدينية بحذف الجوانب القومية من عقيدتهم لتصفية أي اشتباه في ازدواج الولاء. كما أصبح مفروضاً على اليهود عدم تدريس التلمود إلا بعد سن معينة. وكانت الدولة تقوم بتدريب حاخامات في مدارس دينية يهودية تشرف عليها، كما كانت تتدخل في تعليم اليهود كلَّ شيء بما في ذلك تعليمهم الدين، بل كانت تتدخل أحياناً في تحديد سن الزواج وعدد الأطفال المصرَّح بإنجابهم.

التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة والمسألة اليهودية
‏Modernization, Emergence of Rational Capitalism and the Jewish Question
أدَّت عمليات التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة إلى تدهور وَضْع أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب بسبب فقدانهم دورهم، وهو ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . ولكن التحديث نفسه وكذا الرأسمالية الرشيدة هما اللذان أدَّيا إلى حل المسألة. ويمكن تقسيم أوربا إلى ثلاث مناطق أساسية، وأساس التصنيف هو نمط التحديث السائد ومدى قوة أو ضعف الرأسمالية الرشيدة:
1 ـ غرب أوربا (إنجلترا وفرنسا وهولندا وغيرها) ، ثم الولايات المتحدة فيما بعد، وهي دول التحديث الحر: وهي مجتمعات حققت معدلات عالية من التقدم الاقتصادي في فترة مبكرة، وكان لها مشروع استعماري قوي ساهم في حل معظم مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وحقق قدراً من الوفرة ساعد على خفض حدة الصراعات الطبقية والتوترات الاقتصادية الداخلية.
وقد قامت الطبقة البورجوازية بعملية التحويل الاجتماعي في هذا البلد وتبنَّت مُثُلاً ليبرالية منفتحة. وكانت الرؤية القومية التي سادت هذه المجتمعات هي الأخرى منفتحة، فكانت مسألة الانتماء للوطن مسألة غير عضوية أو عرْقية، وإنما مسألة انتماء قومي متاح لكل من وُلد داخل المجتمع ونشأ على أرضه وكان على استعداد للاضطلاع بوظيفته وأداء واجبه. ولذا، لم تستبعد المُثُل القومية في هذه المجتمعات أعضاء الجماعات اليهودية، وإنما فتحت الأبواب والفرص أمامهم فحققوا الحراك الاجتماعي الذي يحتاجون إليه.

وحتى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن معظم هذه البلاد تضم جماعات يهودية كبيرة، إما لعدم وجود يهود فيها أصلاً أو لأنهم طُردوا منها في مرحلة سابقة. وحينما استوطن اليهود مرةً أخرى في هذه البلاد، ابتداءً من القرن السادس عشر الميلادي أي مع بدايات التحديث، فإنهم استقروا في بلاد تحددت فيها الملامح الأساسية للاقتصاد التجاري الرأسمالي، وكانت تضم طبقة تجارية محلية قوية لا تخشى منافسة رأس المال اليهودي بل ترحب به لحاجتها إلى الاستثمارات في المشاريع الرأسمالية والاستعمارية المختلفة. وقد تم توطين أعضاء الجماعات اليهودية في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر، ثم في العالم الجديد داخل هذا الإطار.
وقد كان اليهود الذين استقروا في هذه البلاد من أصل سفاردي ولديهم كثير من الكفاءات المطلوبة والاتصالات الدولية المهمة، كما كانوا متقدمين من الناحية الحضارية. ثم انضمت إليهم عناصر من الإشكناز شكلوا الأغلبية فيما بعد واستوعبوا كثيراً من عناصر الحضارة الغربية حولهم.
ورغم أن العنصر الإشكنازي كان متمايزاً حضارياً ووظيفياً، إلا أن هذا التمايز تقوَّض بمرور الوقت من خلال المعدلات السريعة للتحديث وفتح باب الحراك الاجتماعي، وكذلك من خلال التقاليد السياسية الليبرالية السمحة. واستمرت عملية دمجهم في المجتمع حتى زال التمايز الوظيفي والاقتصادي تماماً، ثم تبعه التمايز السياسي والحضاري.

لم تكن عملية التحديث سهلة أو متيسرة في أول الأمر، بل كانت بعض الحكومات مثل فرنسا تضطر إلى استصدار قوانين خاصة لفرض التحديث على اليهود الإشكناز في الألزاس واللورين. كما حدثت بعض المشاكل والتراجعات والترديات مثل حادثة دريفوس (في فرنسا) . ولعل ظهور الفكر العرْقي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وانتشاره فيها، هو شكل من أشكال التردي. وقد ظهرت بعض التوترات ذات الطابع العرْقي في إنجلترا في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، وذلك بعد هجرة يهود شرق أوربا بأعداد متزايدة، كما ظهرت التوترات نفسها فى الولايات المتحدة مع أزمتها الاقتصادية في الثلاثينيات. لكن مثل هذه المشاكل والتوترات لا تختلف كثيراً عن تلك التي تنشأ في أي مجتمع في فترات الأزمات الاقتصادية، بين أعضاء الأقليات فيها من جهة وبعض العناصر المتطرفة من أعضاء الأغلبية الذين يُضخِّمون خطر أعضاء الأقلية من جهة أخرى، وهي عادةً ما يتم التغلب عليها، كما حدث بالفعل في نهاية الأمر.
2 ـ وسط أوربا (النمسا وألمانيا) ، وهي دول التحديث المختلط والشمولي والتحديث تحت رعاية الدولة: وقد بدأ التحديث في هذه الدول وغيرها من دول وسط أوربا في وقت متأخر قليلاً، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وتم تحت إشراف بعض العناصر التقليدية في المجتمع (الملك وبعض النبلاء) أو بإشراف الحكومة، أي أن عملية التطور الصناعي لم تتم حسب النمط الرأسمالي الحر وإنما بتدخل الحكومة.

ولم يكن لهذه الدول مشروع استعماري قوي يساهم في تخفيف حدة التوترات الاجتماعية والاقتصادية (أو أن مشروعها الاستعماري تم إجهاضه على يد دول غرب أوربا ولصالحها) ، كما لم تَسُد المُثُل البورجوازية الليبرالية فيها، لأن الطبقة البورجوازية لم تكن قوية بما فيه الكفاية ولم تتول قيادة كل الطبقات، وقنعت في غالب الأمر بدور التابع. وعلى مستوى الرؤية القومية، ظهرت فكرة القومية العضوية (الجامعة الألمانية) ، وفكرة الشعب العضوي (الفولك) ، وهي التي حددت مسألة الانتماء القومي على أساس عضوي ثقافي ضيق، ثم حوَّلته في مرحلة لاحقة إلى مسألة انتماء عرْقي أو انتماء قومي ديني (القومية المسيحية) . وهذا الأمر ينطبق على ألمانيا أكثر من انطباقه على الإمبراطورية النمساوية المجرية، التي كانت تشجع التعددية كما هو الحال مع الإمبراطوريات المتعددة القوميات. وإن كان هذا لم يمنع من انتشار الرؤية الألمانية العضوية في النمسا التي كانت دائماً في محيط ألمانيا الثقافي.
ولم يكن هناك جماعة يهودية كبيرة في وسط أوربا. فيهود ألمانيا، على سبيل المثال، لم يزد عددهم على 1% من عدد السكان، ولذا، فإنهم لم يكونوا جماهيراً بمعنى الكلمة. وقد حققوا معدلات عالية من الاندماج في محيطهم الثقافي، فكانوا يتحدثون اللغة الألمانية ويتبعون أسلوب الحياة السائد في المجتمع، وازداد الزواج المُختلَط بينهم. وقد برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من الرأسماليين (من ورثة يهود البلاط) ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. إلا أن ثمة عناصر أخرى فصلتهم عن محيطهم الثقافي وخلقت لهم وضعاً خاصاً وأعاقت عملية التحديث، منها:

أ) يُلاحَظ أن الهجرة من شرق أوربا في منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1880، والتي كانت هجرة داخلية أي من بلد أوربي إلى آخر، كانت تقذف بأعداد كبيرة من يهود اليديشية المتخلفين، المتمايزين حضارياً وطبقياً، إلى ألمانيا والنمسا. وحينما ضم هذان البلدان أجزاء من بولندا، ضما معها أعداداً كبيرة من يهود اليديشية، الذين هاجرت أعداد منهم إلى المدن الألمانية والنمساوية وبدأوا يصبغون الجماعات اليهودية فيها بصبغة يهودية فاقعة. وكان هؤلاء المهاجرون يُشكِّلون التربة الخصبة للأفكار الصهيونية، كما كانوا يفرضون على يهود هذه البلاد تبنِّي الصهيونية التوطينية حلاًّ لمشاكل اللاجئين. ولا يمكن فهم دعوة هرتزل للصهيونية، وهو اليهودي المندمج بل المنصهر، إلا بإدراك أنه كان مهدداً بفقدان موقعه الطبقي ومكانته الاجتماعية وانتمائه الحضاري بسبب وفود الآلاف من يهود اليديشية. وقد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا لا يزيد عن بضع مئات في أواخر القرن الثامن عشر، ثم قفز عددهم إلى نحو 176 ألفاً مع بداية القرن العشرين.
ب) ورغم أن يهود ألمانيا والنمسا كانوا مندمجين في محيطهم الثقافي، فإنهم كانوا يتميَّزون طبقياً ووظيفياً. فعدد كبير منهم، وبخاصة في ألمانيا، كان من العاملين بالتجارة وشئون المال وبنسبة تفوق نسبتهم إلى عدد السكان. وبعد تَصاعُد عملية التحديث في ألمانيا، وبخاصة بعد حرب عام 1870 وضم الألزاس واللورين. ومع بدايات المشروع الاستعماري الألماني، ازداد المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية نشاطاً، وازداد وجودهم وضوحاً حتى ارتبط اليهود في الوجدان الشعبي بالمشروع الحر والاستغلال الرأسمالي والمضاربات، هذا على الرغم من وجود أعداد كبيرة من اليهود المتسولين والفقراء.

جـ) ارتبطت عناصر يهودية أخرى بالحركات الثورية، بحيث ارتبط اليهود في الوجدان البورجوازي في هذه الدول بالشيوعية والحركات الفوضوية والثورية، وزادت هذه العناصر تميُّز اليهود وعزلتهم عن كثير من الطبقات والقطاعات داخل المجتمع. وظل الجو في وسط أوربا مشحوناً بالكراهية العنصرية ضد أعضاء الجماعات اليهودية حتى الحرب العالمية الأولى، حين تحوَّلت النمسا إلى بلد صغير لا أهمية له، وتم تحطيم ألمانيا وإذلالها والقضاء على مشروعها الاستعماري، ثم تحويلها هي ذاتها إلى شبه مستعمرة. وعندما عاودت ألمانيا التحديث، تم ذلك تحت مظلة الدولة وتحت لواء فلسفة شمولية ترفض كلاًّ من البلشفية والليبرالية، وتطرح رؤية عرْقية عضوية صارمة تُهمِّش مختلف أعضاء الجماعات الذين لا ينتمون انتماءً عضوياً كاملاً إلى الأغلبية، وبخاصة اليهود الذين تركَّزوا في اليمين واليسار. وقد سقط رأس المال الذي يملكه الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية ضحية هذه العملية وهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفلسطين، بما تبقى من ثرواتهم.
3 ـ شرق أوربا (أي روسيا وبولندا ورومانيا) ، وهي الدول ذات الاقتصاد الرأسمالي المتخلف التي تعثَّر فيها التحديث وتوقف، ثم استؤنف على النمط الاشتراكي: وقد بُذلَت محاولات شتى في هذه البلاد لتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، وخُصِّصت الجوائز للحرفيين وأصحاب العمل الذين يُشغِّلون الصناع اليهود، وأُرسل ألوف اليهود لاستصلاح الأراضي في بعض المناطق الروسية. وحاولت الحكومة إدخال التعليم العلماني بين اليهود ليكتسبوا خبرات تؤهلهم للتعامل مع البنيان الاقتصادي الجديد، واستمرت هذه المحاولات التي ساهم فيها أثرياء اليهود في الغرب حتى عام 1880 تقريباً، ولذلك يُلاحَظ أن الهجرة اليهودية، حتى ذلك الوقت، كانت هجرة داخلية إلى المراكز الصناعية.

ومما ساعد على تخفيف حدة الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج، في مرحلة ما قبل عام 1880، أن النمط الرأسمالي (في مراحله الأولى) كان يتم بأشكال بدائية، وهو ما أتاح لعدد من اليهود أن يجدوا مجالاً رحباً للعمل في التجارة (في المدن الصناعية الجديدة) وفي الحرف. وقد ظهرت حركة التنوير اليهودية تعبيراً عن تقبُّل اليهود واليهودية لعملية التحديث.
ولكن محاولات تحديث اليهود تعثَّرت في شرق أوربا، وتفاقمت المسألة اليهودية لأسباب مركبة يرجع بعضها إلى طبيعة تركيب الدولة الروسية وطبيعة النظام الاجتماعي السائد فيها وفي دول شرق أوربا، والبعض الآخر يرجع إلى بعض السمات الخاصة بالجماعة اليهودية في روسيا وبولندا، ومن هذه الأسباب:
1 ـ بدأت عملية التحديث، في روسيا وبولندا، في مرحلة متأخرة جداً، إذ كان اقتصادهما، حتى بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، اقتصاداً يشبه من الناحية الأساسية اقتصاد البلاد التي يُقال لها متخلفة. ولم يكن لبولندا أو رومانيا مشروعات استعمارية مستقلة، بل كانتا مستعمرتين من قبل روسيا والدولة العثمانية. أما روسيا، فقد كان لها مشروعها الاستعماري الجديد في آسيا على حدودها مع تركيا في منطقة البحر الأسود، وعلى حدودها مع بولندا وأوكرانيا وغيرهما، وعلى حدودها مع الصين واليابان. ولكن هذا المشروع بدأ متأخراً أيضاً ولم يكن قد آتى أُكله بعد نظراً لحداثته ولعدم كفاءة البيروقراطية الروسية وعدم وجود رأس المال الروسي الكافي للاستثمار فيه. بل يُقال إن المشروع الاستعماري لروسيا القيصرية كان يُشكّل عبئاً على الخزانة الروسية، ولذا كان بعض المفكرين الروس يطالبون الدولة القيصرية بالانسحاب من مستعمراتها. ولهذا، لم يساهم المشروع الاستعماري الروسي في حل المشاكل الداخلية للدولة، بل لعله زادها تفاقماً.

2 ـ لم تسُد المُثُل الليبرالية لا في المجال الاقتصادي ولا في المجال السياسي. ويعود هذا إلى عدة أسباب من بينها حجم الدولة الروسية الضخم، وهذه هي إحدى سمات التشكيل الحضاري المتعدِّد القوميات المترامي الأطراف والذي تلعب الدولة فيه دائماً دوراً مركزياً في عمليات النهضة كما تُشكِّل عنصر التوحيد الأساسي. ومن ناحية أخرى، فإن البورجوازية الروسية كانت ضعيفة وهزيلة إلى أقصى حد، ولذا فإن عملية التحديث تمت بقيادة الحكومة الأرستقراطية الروسية الملتصقة بالكنيسة. كما أن القومية البولندية كانت دائماً ملتصقة بالكنيسة الكاثوليكية. وقد سادت مُثُل قومية عضوية منغلقة تجعل الانتماء مسألة ثقافية عضوية أو مسألة عرْقية أو دينية.
3 ـ لم تكن عملية الدمج في دول شرق أوربا تتم داخل إطار حضاري منفتح يفترض المساواة بين الأفراد ويُظهر الاحترام للتراث الحضاري لكل الأقليات، وإنما كان ثمة افتراض بأن حضارة الأغلبية المسيحية أكثر أهمية، وأنَّ من واجب اليهود اللحاق بركب هذه الحضارة.
4 ـ لم تكن عملية الدمج والتحديث والإعتاق تتم عن طريق الإقناع أو عن طريق إظهار النتائج الإيجابية والمكاسب التي قد تحرزها الجماهير اليهودية، وإنما كانت هذه العملية تتم عن طريق الإرهاب والقسر، الأمر الذي كان يثير مخاوف الجماهير اليهودية فتندفع عائدة إلى الجيتو (الفعلي والنفسي) حيث الأمن والطمأنينة.

5 ـ ونظراً لتميُّز الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية وارتباطهم بالطبقات الحاكمة وبالنظام الإقطاعي داخل نظام الإقطاع الاستيطاني والأرندا، كانت الحركات القومية والثورية الصاعدة تناصبهم العداء ولا تحاول تجنيدهم في صفوفها (إلا في حالات نادرة) ، إذ كان اليهود يُعَدُّون من الغرباء والأعداء. وبعد الحرب العالمية الأولى، استُؤنف التحديث في روسيا. أما بولندا وغيرها من دول شرق أوربا، فقد خرجت من الحرب بعد أن عانت من دمار رؤوس الأموال والممتلكات والحياة. وقد ضعفت السوق المحلية تماماً، وحلَّت محلها وحدات اقتصادية صغيرة متنافسة. وقد تدخلت حكومات هذه الدول، وكانت دولاً مركزية حديثة، فقامت بالدفاع عن مصالحها ومصالح طبقاتها الوسطى على حساب الأقليات التي تعيش داخل حدودها. ومما زاد التناقض تفاقماً أن انخفاض مستوى المعيشة كان يعني، أحياناً، ارتفاع مستوى معيشة أعضاء الجماعة اليهودية نظراً لاشتغالهم بالتجارة ولوجود كفاءات لديهم لم تكن متوافرة لبقية أعضاء المجتمع. كما أن تحويلات المهاجرين اليهود، من الخارج (الولايات المتحدة وغيرها من الدول) إلى ذويهم، ساهمت في هذا الإنعاش أيضاً. كل هذه العناصر ساهمت في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن بقية المجتمع وعمَّقت وضعهم كغرباء، وهذا ما جعل الدول لا تكترث بدمجهم وتحديثهم، بل تبذل قصارى جهدها أحياناً لطردهم. ومن هنا، فقد تبنَّت الحكومات الرجعية في هذه الدول سياسة صهيونية تجاه المسألة اليهودية.

6 ـ ومما ساعد أيضاً على تعثُّر عملية تحديث اليهود أن مجتمعات شرق أوربا كانت تخوض تحولات اقتصادية وسياسية عميقة بسبب سرعة معدل النمو الاقتصادي والحضاري في هذه المجتمعات، فهي مجتمعات لم تكن تمارس عملية النمو على النمط الأوربي الغربي البطيء الذي استغرق مئات السنين، وإنما كانت مجتمعات تنمو على نمط العالم الثالث، حيث تحاول الدولة القومية الجديدة أن تقوم بالثورة التجارية والقومية والاجتماعية والصناعية في وقت واحد، رغم ما قد يكون بين هذه الثورات من تناقض في الأهداف والوسائل في بعض الأحيان. كما أن معدلات النمو السريع لا تسمح بتاتاً بالعمل البطيء أو الخطأ المحتمل ومحاولة علاجه، بل تتطلب تحديد الأهداف والاندفاع نحوها. كما أن عملية التحول البطيئة تسمح لأعضاء الأقليات بأن يكتسبوا الخبرات المطلوبة للعمل في الاقتصاد الجديد، وأن يكتسبوا الهوية الجديدة الملائمة للمجتمع الجديد. ففي روسيا مثلاً، كانت المراحل الأولى للانتقال إلى الرأسمالية بطيئة نوعاً، كما أسلفنا، ولم تكن حركة شاملة بعد. غير أن النمو الرأسمالي لم يتوقف عند هذه المرحلة، بل اتسعت رقعة الصناعة لتشمل الصناعة الخفيفة أيضاً، فكان ذلك بمثابة ضربات قاضية دمرت الاقتصاد الإقطاعي ودمرت معه الفروع الرأسمالية الحرفية، حيث كان اليهود يتركَّزون بنسبة مرتفعة. وهكذا، تشابكت عملية تحويل التاجر اليهودي لما قبل الرأسمالية إلى عامل حرفي أو تاجر رأسمالي مع عملية أخرى وهي القضاء على العمل الحرفي لليهودي. ولكن الحرفي اليهودي لم يتمكن من التحول إلى عامل بسبب منافسة الفلاحين الروس المقتلَعين من مزارعهم ذات المستوى المعيشي المنخفض.

7 ـ ومما زاد الأمور تشابكاً وتعقُّداً أن الحرفي اليهودي كان يعمل في كثير من الأحيان فيما يمكن تسمَّيته «الحرف اليهودية» التي وُلدت في الظروف الخاصة بالشتتل والجيتو اليهودي. فلم يكن الحرفي اليهودي يعمل من أجل الفلاحين المنتجين، بل كان يعمل من أجل التجار والصيارفة والوسطاء، ولذلك نجد أن إنتاج السلع الاستهلاكية هو الشاغل الرئيسي للحرفي اليهودي، ذلك لأن زبائنه يتألَّفون من رجال متخصصين في تجارة الأموال والبضائع وغير منتجين أساساً. أما الحرفي غير اليهودي، فإن ارتباطه بالاقتصاد الزراعي جعله لا يُنتج سلعاً استهلاكية، لأن الفلاح يكفي نفسه بنفسه. وهكذا، كان الحرفي غير اليهودي (الحدّاد) يوجد إلى جانب الفلاح، وإلى جانب رجل المال اليهودي كان يوجد الحرفي اليهودي (الخياط) . وقد ساعد على تطوُّر الحرفي المسيحي ارتباطه بالتاجر المسيحي الذي كان يُوظِّف أمواله في حرف متخصصة غير مرتبطة بالنظام الإقطاعي (مثل نسج الأصواف) ، وهي حرف كان الغرض منها الإنتاج للتصدير وليس للاستهلاك المباشر، أي أنها تقع خارج نطاق النظام الإقطاعي وتُمثِّل نواة الاقتصاد الجديد، وبالتالي فهي لم تسقط مع الاقتصاد القديم. وانعكس هذا الوضع على الطبقة العاملة اليهودية، فكانت الحرف الأقل قابلية للتطور إلى صناعة محصورةً في أيدي الحرفيين اليهود، على حين انحصرت المهن الأكثر قابلية لهذا التطور في أيدي الحرفيين غير اليهود. فمثلاً نجد أن 99% من صانعي الأقفال كانوا من غير اليهود، في حين كان 94% من الخياطين من اليهود. ويُلاحَظ أن أول الكوادر العمالية التي وُجدَت في صناعات التعدين والنسج قد تشكَّلت بصورة مطلقة من غير اليهود.

8 ـ وثمة عناصر أخرى زادت من حدة المسألة اليهودية في أوربا الشرقية، من أهمها أن الأغلبية العظمى من يهود أوربا ويهود العالم كانت موجودة في بولندا وأوكرانيا التي كانت تتبعها. وقد تم تقسيم بولندا عدة مرات، وتم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية فيها بين عدة دول، لكل منها لغتها وسياستها وتوجُّهها الحضاري. فضمت روسيا الجزء الأكبر من الجماعة اليهودية وحاولت ترويس اليهود، أي صبغهم بالصبغة الروسية. وضمت ألمانيا جزءاً آخر، واعتبرت اليهود مواطنين ألمانيين نتيجةً لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) ، وذلك حتى تضرب بهم السكان السلاف. وُضمَّت جاليشيا إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حاولت أن تفرض عليها الولاء والانتماء إليها. أما بولندا، فكانت تطالب من تبقَّى من اليهود فيها بأن يصبغوا أنفسهم بصبغة بولندية. وقد تضاعف عدد يهود رومانيا بعد أن ضمت مقاطعات كانت توجد فيها نسبة عالية من اليهود. وكانت هذه التقسيمات تتم بسرعة وتتضمن تحولات حضارية جوهرية وعميقة دون أن تكون هناك الفسحة الزمنية اللازمة لإنجاز التحول المطلوب.

ويُلاحَظ أنه أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، وقبل قيام الثورة البلشفية، كانت الحدود الجغرافية في المنطقة الحدودية التي يقطنها اليهود في حالة سيولة كبيرة، إذ أصبحت جاليشيا وبكوفينا وبولندا الروسية وليتوانيا مسرحاً للعمليات العسكرية تتحرك فيها الجيوش الألمانية والروسية. وقامت القوات الألمانية في بولندا بمحاولة تجنيد اليهود باعتبارهم عنصراً ألمانياً، وأصدرت القيادة العسكرية الألمانية منشورات بالعبرية واليديشية إلى «إخواننا اليهود» . وقام الروس البلاشفة أيضاً بطرح أنفسهم باعتبارهم محرِّري اليهود وكل الأقليات. ومن ثم فقد طالبوا أعضاء الجماعة اليهودية بمساندتهم والتحالف معهم. وقد انتهزت العناصر الأوكرانية هذه الفرصة وهاجمت العناصر اليهودية المحلية. وتسبَّب ذلك في إخفاق أعضاء الجماعة في تحديد ولائهم وفي تحديث أنفسهم كما هو مطلوب منهم، وكما حدث فعلاً بين بني ملَّتهم في غرب أوربا.
وبعد هذا الحديث العام والشامل عن مسألة يهود شرق أوربا من ناحية العناصر المشتركة، يمكننا أن نقلِّل من مستوى التعميم قليلاً ونركِّز على روسيا. ونحن في واقع الأمر، حين نتحدث عن يهود شرق أوربا أو يهود اليديشية، نتحدث عن روسيا التي ضمت بولندا مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي فظلت تابعة لها حتى الحرب العالمية الأولى. وبالتالي، فإن روسيا كانت تضم داخل حدودها الأغلبية الساحقة من يهود اليديشية، أي معظم يهود العالم. ومن أهم الأسباب التي ساهمت في عرْقلة عملية تحديث أعضاء الجماعة اليهودية في الإمبراطورية القيصرية ما يلي:

1 ـ كان يهود بولندا يلعبون دوراً تجارياً محدداً ونشطاً في بولندا بسبب إحجام الأرستقراطية البولندية عن العمل في التجارة. وكان النبيل الإقطاعي يفقد منزلته الطبقية إن عمل في التجارة، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام اليهود. وحينما ضُمَّت أعداد كبيرة منهم إلى روسيا، وجدوا أنفسهم داخل تشكيل حضاري جديد توجد داخله طبقات تجارية كبيرة ونشيطة، خصوصاً أن النبلاء الروس لم يكن مُحرَّماً عليهم الاشتغال في التجارة. وقد شهدت الصناعة والتجارة الروسيتان حركة انتعاش عام 1807، بعد أن فرض نابليون على روسيا مقاطعة إنجلترا تجارياً، وكانت روسيا في واقع الأمر مستعمرة لإنجلترا من الناحية التجارية. وأدَّى نهوض الحركة التجارية في روسيا إلى ضعف نشاط التجار اليهود.
2 ـ لم يكن في روسيا جماعات يهودية تُذكَر حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، بل كان محظوراً على اليهود دخول روسيا. وإن تم التصريح لهم بالدخول، كان عليهم مغادرتها في الحال. ولما ضمَّت روسيا أجزاءً من بولندا، وضمَّت معها أعداداً كبيرة من اليهود، وجدت روسيا نفسها تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم له صفاته الحضارية المميزة ولغته الغريبة وعقيدته أو عقائده الفريدة التي يدين بها. ولم يكن لدى البيروقراطية الروسية أية معرفة باليهود أو لغتهم أو مشاكلهم.

3 ـ كانت روسيا دولة تحكمها ملكية مطلقة، ولذا فإن مؤسسات الحكم فيها لم تكن مؤسسات حديثة قادرة على مساعدة الأقليات على الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى. بل ربما كان الوضع في روسيا أكثر سوءاً من غيرها من الدول لضخامتها وفساد موظفيها الذين كانوا في العادة مرتشين لا يؤمنون بأهمية العمل الذي يقومون به ولا يدركون أبعاده التاريخية والاجتماعية. وحتى حينما كانت تتوافر النية الصادقة، لم تكن هذه البيروقراطية تمتلك الأدوات اللازمة لترجمة الأفكار الإصلاحية إلى واقع اجتماعي جديد. ولذا، فإن اليهود، الذين كانوا راغبين بإخلاص في أن يخضعوا لعملية التحديث، وجدوا أنفسهم مواجَهين بمؤسسات هزيلة ليس لديها الإمكانات المطلوبة. ويمكن أن نضرب مثلاً بمحاولة بعض أعضاء الجماعة اليهودية الاستجابة إلى محاولات تحديثهم عن طريق العمل بالزراعة (ليخرجوا بذلك من مسام المجتمع الإقطاعي ويدخلوا في قطاع المهن المنتجة) ؛ غير أن هذه المحاولة ارتطمت ابتداءً بحقيقة أن الجماعة اليهودية كانت من الجماعات القومية الروسية التي ليس لها أرض. وتم التغلب على هذه العقبة بأن خصصت الدولة القيصرية مساحات من الأرض لتوطينهم. ولكن، لم تكن هناك خطة واضحة للتوطين، فحين تقدمت عدة أسر يهودية عام 1806 إلى حاكم مقاطعة موخيليف لتوطينها في إحدى المناطق المخصصة لهم، لم يتم ذلك إلا بعد مفاوضات طويلة، فاتفق وزير الداخلية مع حاكم الولاية على أن يخصص لهم ستون ألف إيكر (يعادل الإيكر نحو أربعة آلاف متر مربع) من أراضي الإستبس على ضفاف أحد الأنهار. وبعد معاينة الموقع، تقدَّمت نحو 779 أسرة يهودية للاستيطان هناك. ولكن الحكومة لم تقدِّم لهم سوى مساعدات مالية ضئيلة للغاية أنفقها المستوطنون الجدد وهم بعد في الطريق. وعند وصولهم إلى المكان المحدد لهم، وجدوا أن السلطات لم تكن على استعداد لاستقبالهم، وفتكت بهم الأمراض. ومع هذا، فقد استمر تدفُّق اليهود إلى أن

أُلغي مشروع التوطين عام 1810.
4 ـ ارتطمت محاولة تحويل اليهود إلى مزارعين بحركة إعتاق أخرى هي حركة تحرير الأقنان عام 1860، وهذه الحركة الأخيرة ضيَّقت الرقعة الزراعية التي يمكن توطين اليهود فيها. وكما بيَّنا من قبل، كان تحرير الأقنان واليهود وأعضاء الأقليات الأخرى جزءاً من حركة واحدة تهدف إلى بناء الدولة المركزية القومية الحديثة في روسيا.
5 ـ وكانت الكتلة البشرية اليهودية في تلك المنطقة (روسيا وبولندا) تُشكِّل معظم يهود العالم، وهي كتلة منعزلة إلى حدٍّ كبير عن محيطها السلافي على المستوى الحضاري والديني والوظيفي، يتحدث أعضاؤها اليديشية ويرتدون أزياء مغايرة لتلك السائدة في المجتمع، ويطلقون لحاهم وسوالفهم بطريقة غريبة. وقد كانت تهيمن عليهم قيادات أرثوذكسية وحسيدية تقليدية غير مدركة للانقلابات الحضارية الاقتصادية التي كانت تحدث في أوربا آنذاك. وكانت أغلبية يهود شرق أوربا من أتباع الحسيدية، كما أن اليهودية نفسها (كنسق ديني) كانت قد وصلت إلى مرحلة من التحجر والتخلف بعد جفاف الفكر التلمودي وبعد هيمنة الحسيدية والقبَّالاه، بحيث أصبح من العسير عليها التأقلم مع الوضع الجديد. ولذا، قوبلت محاولات التحديث في أغلب الأحيان بمعارضة حادَّة من قبل الجماهير اليهودية التي كانت تشعر بأن عملية التحديث هذه ستفقدها مهاراتها وقناعتها التقليدية وستدخلها في عالم غريب عليها. كما أن هذه الجماهير كانت تشعر بأن دعاة الاندماج والتحديث ليسوا إلا نخبة مستفيدة لديها ـ وحدها ـ الكفاءات اللازمة للدخول في هذا العالم الجديد الغريب. وإلى جانب كل هذا، لم يكن يهود شرق أوربا، رغم عزلتهم وتميُّزهم، يشكِّلون وحدة على نحو ما كانوا حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، فقد تهدّم نظام الشتتل تماماً، وانتشرت العلمانية في صفوفهم، وانصرف كثير من الشباب عن العقيدة اليهودية، بل سلكوا درب الجماعات الثورية.

6 ـ وكان من الممكن أن تخف حدة المشكلة عن طريق الهجرة من روسيا وبولندا ورومانيا إلي الولايات المتحدة. وبالفعل، راحت جماهير اليهود غير القادرة على التأقلم تهاجر بالمئات ثم بالآلاف ثم بمئات الآلاف، حتى بلغ عدد من هاجر من يهود اليديشية عدة ملايين. ولكن، لم ينتج عن هذه الهجرة أي تخفيف من حدة الموقف، إذ أن نسبة تزايُد اليهود كانت مرتفعة جداً، شأنها في هذا شأن نسبة تزايُد سكان أوربا بعد الثورة الصناعية. وعلى سبيل المثال، تضاعف يهود جاليشيا على مدى خمسين عاماً. أما في روسيا، فرغم معدلات الهجرة العالية إلى الولايات المتحدة، ورغم اندماج أعداد لا بأس بها، فإن معدل تزايُد السكان اليهود كان يفوق معدل الهجرة والاندماج ويفوق معدل الزيادة بين الروس أنفسهم. فقد كان عدد اليهود عام 1850 نحو 2,350,000، ولكنه تضاعف خلال خمسين عاماً ليصبح 5000.000 عام 1895. ومن المعروف أن عدد سكان كيشينيف كان قد زاد من عشرة آلاف إلى ثمانية عشر ألفاً في عشرين عاماً، قبل قوع المذبحة التي كثيراً ما تُذكَر في الأدبيات الصهيونية. ويذكر أبراهام ليون أن عدد اليهود قد تضاعف خمس مرات بين عامي 1825 و1925، فتكون نسبة الزيادة أكثر مرة ونصف المرة من نسبة الزيادة بين شعوب أوربا.

وقد أدَّى كل هذا إلى تعثُّر عملية التحديث عدة سنوات، ثم إلى توقفها شبه الكامل مع بداية القرن العشرين. وأدَّى هذا، بالتالي، إلى تصعيد حدة الصراع الطبقي وإلى الثورات الاجتماعية الحادة التي انتهت بالثورة البلشفية. وتمثَّل هذا التعثر في صدور قوانين مايو عام 1881 التي حرَّمت على أعضاء الجماعة اليهودية الانتقال خارج منطقة الاستيطان اليهودية في روسيا، وفي المذابح المتكررة التي وقعت في ذلك الوقت. ويمكن التأريخ لظهور الحركة الصهيونية بين اليهود بهذا التاريخ. ففي هذه الفترة طُرح بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل جدي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، وهو الحل الذي يرى ضرورة إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين ليهاجر إليها اليهود. وقد تحالفت العناصر الصهيونية، متمثلة في الصهيونية التوطينية في الغرب، مع الصهيونية الاستيطانية في شرق أوربا، ومع بعض القطاعات الدينية التي اكتشفت خطر سقوط الجيتو على اليهودية كما عرفوها وخبروها. والحل الصهيوني لمسألة يهود شرق أوربا هو، في جوهره، الحل الاستعماري الذي يتلخص في تصدير المشاكل إلى الشرق، سواء أكانت هذه المشاكل متمثلة في الفائض السلعي أم كانت متمثلة في الفائض البشري الذي كان اليهود يشكِّلون نسبة كبيرة منه. وفي هذه الحالة، تم ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية (أي تقسيم الدولة العثمانية) ،فيتم حل المسألة اليهودية (فائض يهودي لا نَفْع فيه) بتصديره إلى الشرق وتوطينه في فلسطين، ويقوم المستوطنون هناك بتأسيس قاعدة للاستعمار الغربي تحمي مصالحه. وهكذا، ينجح الغرب في التخلص من فائضه البشري ويوظفه في خدمته. أما الفائض اليهودي ذاته، فإنه ينجح بذلك في تحقيق الانتماء إلى الغرب خارج أوربا ولكن من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، وذلك بعد أن فشل في تحقيق هذا الانتماء داخلها من خلال التشكيل الحضاري والقومي الغربي. وقد طُرحت تصورات لحل المسألة اليهودية من بينها الاندماج

وقومية الدياسبورا.
وقد قُدِّر للمسألة اليهودية أن تُحَلّ، ولكن الصهيونية لم تكن المسئولة عن ذلك في واقع الأمر. بل إن ظهور الصهيونية يعوق إتمام هذه العملية التي ستؤدي في نهاية الأمر إلى تحوُّل اليهودية إلى انتماء ديني وحسب، وإلى سقوط الأوهام الدينية القومية التي أفرزها وضع الجماعات اليهودية المتميِّزة كجماعة وظيفية وسيطة. وقد اندمج يهود غرب أوربا في مجتمعاتهم، وازداد هذا الاندماج بعد انحسار موجة هجرة يهود اليديشية. وفي ألمانيا، حُلَّت المسألة نتيجة لظروفها الخاصة بالطريقة النازية، أي بالإبادة، وذلك بعد فشل محاولات التهجير القسري لليهود. أما في الولايات المتحدة، ورغم أن الجذور الجيتوية اليديشية (الشرق أوربية) لا يزال لها أثر في التكوين الاقتصادي والنفسي للجماعة اليهودية، مثل تركُّزهم في أحياء خاصة بهم وزيادة عددهم في الصناعات الاستهلاكية والمهن الحرة، إلا أن أعضاء الجماعة اليهودية قد حققوا على وجه العموم الاندماج الاقتصادي والحضاري شبه الكامل. ومن ثم، فإن الهجرة من صفوف يهود أمريكا إلى إسرائيل تكاد تنعدم. وقد حلَّت الثورة البلشفية المسألة اليهودية في روسيا، ثم في بولندا، بتحقيق المساواة بين الأقليات الدينية والعرْقية كافة.
ومن الضروري، ونحن ندرس المسألة اليهودية، أن نميِّز بينها وبين المسألة الإسرائيلية. فالمسألة اليهودية هي مشكلة يهود أوربا، وبخاصة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. أما المسألة الإسرائيلية، فهي مشكلة التجمع الاستيطاني الصهيوني، خصوصاً جيل الصابرا الذي وُلد على أرض فلسطين، ونشأ فيها، ولا يعرف لنفسه وطناً آخر. وقد تشابكت المسألتان، ولكن يظل لكل مسألة حركياتها وآلياتها ومسرحها التاريخي والجغرافي المختلف.

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - التحديث - رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ما عدا الولايات المتحدة

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الرأسمالية اليهودية
‏Jewish Capitalism
«الرأسمالية اليهودية» مصطلح يفترض وجود تشكيل رأسمالي يهودي مستقل، وهو أمر مناف للواقع، ولذا فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون الأمريكيون من اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» .
البورجوازية اليهودية
‏Jewish Bourgeoisie

«البورجوازية» كلمة مأخوذة بالنسب إلى كلمة «بورج» أي «المدينة» ، وهي كلمة موجودة في عدة لغات أوربية. وعبارة «البورجوازية اليهودية» تفترض وجود طبقة بورجوازية مستقلة عن البورجوازيات المختلفة وهو ما يعني أيضاً وجود «تاريخ يهودي مستقل» . وحيث إن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يلعبون دوراً مستقلاًّ عن المجتمعات التي يوجدون فيها، فلا يمكن الحديث عن بورجوازية يهودية بشكل عام، وإنما يمكن الحديث عن «اليهود من أعضاء البورجوازية الإنجليزية» أو «اليهود من أعضاء البورجوازية الأمريكية» وهكذا. ومع هذا، فقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب دوراً متميِّزاً نوعاً ما في نشوء الرأسمالية، وهي قضية ناقشها كل من ماركس وفيبر وسومبارت.
الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية
‏Jewish Capitalists
من المصطلحات الشائعة في الخطاب السياسي العربي والغربي مصطلح «الرأسمالية اليهودية» و «البورجوازية اليهودية» و «رأس المال اليهودي» . وهي مصطلحات، شأنها شأن مصطلحات مثل «الشخصية اليهودية» و «القومية اليهودية» ، تفترض أن ثمة وجوداً اقتصادياً يهودياً مستقلاًّ عن التشكيلات الاقتصادية المختلفة وتطوُّراً اقتصادياً يهودياً مستقلاً عن التطورات الاقتصادية العامة في المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. وهذا افتراض غير دقيق ومقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة، ويؤدي في النهاية إلى عدم فهم حركيات التطور والتغيير بين أعضاء تلك الجماعات. ولذا، فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية» أو أي مصطلح مماثل يفيد عدم وجود رأسمالية يهودية مستقلة. فالرأسمالية الأمريكية، على سبيل المثال، تضم رأسماليين أمريكيين لهم انتماءات إثنية مختلفة، فالانتماء الإثني الخاص هو الفرع والجزء، والرأسمالية الأمريكية هي الأصل والكل.

ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دوراً فعالاً في نشوء وتطوُّر الرأسمالية في العالم الغربي، ولكن لا يمكن اعتبارهم مسئولين عن ظهورها. فتطوُّر الرأسمالية في الغرب مرتبط بظواهر لم يكن لليهود أي دور فيها، مثل: حركات الاكتشاف والقرصنة، ثم الاستعمار التجاري الاستيطاني في القرن السادس عشر، والإصلاح الديني، والترشيد والعلمنة. وقد تناول كلٌّ من ماركس وفيبر وسومبارت هذه القضية.
أما من ناحية تطوُّر اليهود كرأسماليين في إطار الحضارة الغربية، فهذا مرتبط بوضعهم كجماعة وظيفية تضطلع بوظائف مالية محددة، فقد كان منهم من اشتغل بالتجارة والربا، وكان منهم من اشتغل بالأعمال المالية الأخرى، مثل يهود الأرندا ويهود البلاط، ثم كان منهم أخيراً الرأسماليون المحدثون. وكان أعضاء الجماعة في وظائفهم المختلفة، حتى الانقلاب التجاري، تابعين للحاكم أو الطبقة الحاكمة وليس لهم أي استقلال اقتصادي عن النظم التي وجدوا فيها، فكانوا تابعين لها يعيشون على أطرافها وفي خدمتها. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية استفادوا من العلاقات الدولية التي نشأت بينهم، فكان يهود البلاط يستوردون الحبوب من يهود الأرندا ويوفرون لبعضهم البعض نظاماً ائتمانياً يسهل عملية انتقال البضائع والأرباح، ولكنهم مع هذا ظلوا أساساً جزءاً من كل.
ويمكن تقسيم دور بعض أعضاء الجماعات اليهودية كرأسماليين داخل التشكيل الحضاري الغربي، إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الرأسماليون من يهود اليديشية في شرق أوربا، خصوصاً روسيا. وبلغ بعضهم درجات عالية من الثراء وتخصَّصوا في بعض الصناعات والسلع مثل السكك الحديدية والغلال، كما حدث مع أسرة جونزبرج. ولكنهم كانوا قلة نادرة تعيش خارج منطقة الاستيطان بعيداً عن أية جماهير يهودية وكانت حريصة على الاندماج في المجتمع الروسي. أما داخل منطقة الاستيطان ذاتها، فكان يوجد صغار الرأسماليين الذين امتلكوا نحو نصف الصناعات داخل المنطقة. ولم يكن هؤلاء قوة سياسية حقيقية، فقد كانوا يعانون ـ شأنهم شأن بقية قطاعات المجتمع الروسي ـ من التناقض الأساسي في روسيا القيصرية بين الشكل السياسي المتكلس والوضع الاقتصادي المتطور. وكانوا يستأجرون عمالاً من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن كثيراً ما كانت تنشأ الصراعات الطبقية بين هؤلاء وأولئك فينظم العمال ضدهم الإضرابات، ويحاولون هم استئجار عمال غير يهود.
وقد قامت الثورة البلشفية بالقضاء على الرأسمالية الروسية بما في ذلك الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، استمر بعض التجار اليهود في ممارسة نشاطهم، بل ازدهروا في فترة النظام الاقتصادي الجديد (نيب) ، بل كانت هناك نسبة من اليهود بين تجار السوق السوداء في الستينيات. ولكننا في هذه الحالة لا نتحدث عن رأسماليين يمتلكون وسائل الإنتاج وإنما نتحدث عن صغار الانتهازيين وتجار العملة وما شابه ذلك. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور الاقتصاد الحر في روسيا وأوكرانيا وغيرهما من الجمهوريات التي تُوجَد بها جماعات يهودية كبيرة نسبية، نتوقع أن تشتغل أعداد كبيرة منهم في القطاع التجاري والصناعي الاستهلاكي (وهذا هو النمط السائد في الغرب) .

2 ـ في وسط أوربا، خصوصاً ألمانيا، برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية الرأسماليين، وهؤلاء هم ورثة يهود البلاط ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. وقد تم القضاء على هؤلاء مع استيلاء هتلر على الحكم، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة وفلسطين بما تبقَّى من رؤوس أموالهم وصُودرت أموال الباقين.
3 ـ أما الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في بلاد غرب أوربا والولايات المتحدة، فلهم مكانة مختلفة إذ يُلاحَظ أن النُخَب الحاكمة في هذه البلاد، بعد أن ظهرت فيها ثورة تجارية، وبعد أن ظهرت فيها طبقة بورجوازية محلية، وجدت أن استيطان الجماعات اليهودية فيها سيساعدها على تحقيق كثير من طموحاتها وسيزودها بكثير من الخدمات. ومن هذا المنظور، تم توطين اليهود في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر ثم في العالم الجديد. وقد ازدهر الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد، ولكن نسبتهم ظلت صغيرة كما ظل رأس المال الذي يمتلكونه والصناعات التي يديرونها تتضاءل في الأهمية قياساً إلى المصانع ورؤوس الأموال الضخمة في هذه البلدان. وقد لاحظ كارل ماركس في المسألة اليهودية أن أصغر رأسمالي أمريكي يجعل روتشيلد يشعر وكأنه شحاذ.

ولعبت عائلة روتشيلد في إنجلترا وفرنسا، وعائلات مونتيفيوري وساسون ومونتاجو في إنجلترا، دوراً مهماً في القطاع المالي والمصرفي في بلدهم حيث ساهموا في تمويل الحكومات والحروب وفي تطوير الرأسمالية في أوربا وفي تمويل المشاريع الرأسمالية الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر. كما تخصَّص الرأسماليون اليهود في إنجلترا مثل إسرائيل سيف وسيمون ماركس في القطاع التجاري، وبخاصة في مجال المتاجر المتكاملة متعددة الأقسام. وفي فرنسا، برز خلال القرن العشرين بعض رجال الصناعة المهمين من اليهود مثل مارسل داسو وأندريه سيتروين. ولكن رغم أهمية دورهم وحيويتهم فلم يكن لهم دور يهودي مستقل.
أما الرأسماليون من يهود الولايات المتحدة، فإن تجربتهم مختلفة إلى حدٍّ ما، فقد استقروا في مجتمع استيطاني يتسم بدرجات عالية من العلمنة والحركية، وقد استفاد المهاجرون اليهود من هذا الوضع وراكموا الثروات (انظر الأبواب المعنونة «فرنسا» ـ «إنجلترا» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ) .
أما بالنسبة لدور أعضاء الجماعات اليهودي في تطوُّر الرأسمالية في العالم العربي، فلا تمكن دراسته إلا في سياق الغزو الاستعماري الغربي للمنطقة وتحويل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي إلى مادة استيطانية تدور في فلك المنظومة الإمبريالية الغربية.
وستتناول مداخل هذا الباب بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، نبدؤها بعائلة روتشيلد التي كان لها فروع مختلفة في أوربا ثم نتناول بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا ثم إنجلترا وألمانيا وروسيا وجنوب أفريقيا وكندا. ثم ننتقل بعد ذلك إلى الشرق الأقصى، ونركز على الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في مصر كدراسة حالة مُمثِّلة، وأخيراً بقية العالم العربي.
عائلة روتشيلد
‏The Rothschilds

عائلة من رجال المال ويهود البلاط الذين تحوَّلوا بالتدريج إلى رأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية، ويعود أصل العائلة إلى فرانكفورت في القرن السادس عشر. والاسم «روتشيلد» منقول من عبارة ألمانية تعني «الدرع الأحمر» وتشير كلمة «درع» هنا إلى ذلك الدرع الذي كان على واجهة منزل مؤسِّس العائلة إسحق أكانان. وقد حققت عائلة روتشيلد مكانة بارزة في عالم المال والبنوك في أوربا بدءاً من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. وتاريخ تطوُّر العائلة هو أيضاً تاريخ يهود البلاط واختفائهم وتحوُّلهم إلى مجرد أعضاء في الرأسمالية الغربية الرشيدة ثم التشكيل الإمبريالي الغربي (الذي كان يُخطِّط لاقتسام الدولة العثمانية والاستيلاء على ثروات الشرق) . ودعم الأسرة للمشروع الصهيوني في فلسطين، ليس تعبيراً عن وجود مصالح يهودية مستقلة وإنما تعبير عن معدلات الاندماج في الحضارة الغربية في تشكيلها القومي والإمبريالي.
وكان ماجيراشيل روتشيلد (1743 ـ 1812) تاجر العملات القديمة هو الذي وسَّع نطاق العائلة في مجال المال والبنوك، بعد أن حقق ثروة طائلة أثناء حروب الثورة الفرنسية من خلال عمله في بلاط الأمير الألماني وليام التاسع. وقد تفرَّق أبناؤه الخمسة وتوطنوا وأسسوا أفرعاً لبيت روتشيلد في خمسة بلاد أوربية هي: إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا بالإضافة إلى ألمانيا. وبالتالي، فقد أقاموا شبكة من المؤسسات المالية المرتبطة ببعضها البعض.

أسس الابن الأكبر نيثان ماير روتشيلد (1777ـ 1836) فرع بيت روتشيلد في إنجلترا، وتزوج أخت زوجة موسى مونتفيوري الثري والمالي اليهودي وزعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا. وأتاحت له هذه الزيجة دخول أوساط المجتمع اليهودي السفاردي في إنجلترا سريعاً. واكتسب نيثان ماير روتشيلد مكانة مرموقة في عالم المال أثناء الحروب النابليونية حيث ساهم في تمويل إنفاق الحكومة الإنجليزية على جيشها في أوربا، واستعان في ذلك بأخيه جيمس روتشيلد المقيم في فرنسا، كما ساهم في تمويل التحويلات البريطانية إلى حلفائها في أوربا. وقد استطاعت عائلة روتشيلد، خلال تلك الفترة، تدبير ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني للحكومات الأوربية. وبعد الحرب، كانت هذه العائلة هي الأداة الرئيسية في تحويل التعويضات الفرنسية إلى الحلفاء وفي تمويل القروض والسندات الحكومية المخصصة لعمليات إعادة البناء. واكسبته هذه المعاملات المالية مكانة متميِّزة في جميع أنحاء أوربا ودعمت مركز مؤسسته كواحدة من أبرز المؤسسات المالية الأوربية في تلك الفترة.

وكان نيثان روتشيلد يتسم بالدهاء المالي والتجاري. فخلال فترة الحروب النابليونية، نجح هو وإخوته، من خلال عمليات تهريب السلع من إنجلترا إلى أوربا، في تحقيق مكاسب ضخمة. كما استغل إمكانياته في الحصول على المعلومات والأخبار بشكل سريع نسبياً، بفضل شبكة الاتصالات التي أسستها العائلة فيما بينها، لتحقيق أرباح طائلة لمؤسسته. وكان نيثان من أوائل من علموا بانتصار إنجلترا على قوات نابليون في معركة ووترلو. وكان ذلك يعني ارتفاع أسعار سندات الحكومة الإنجليزية. إلا أن نيثان أسرع ببيع حجم كبير من سنداته حتى يوهم الجميع بأن إنجلترا خسرت الحرب، وهو ما دفع الكثيرين إلى التخلص من السندات التي في حوزتهم، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى انخفاض أسعار هذه السندات بشكل حاد. وهنا قام بشراء هذه السندات بثمن بخس مُحقِّقاً من وراء ذلك أرباحاً طائلة حيث قفزت أسعار السندات إلى أعلى، عقب إعلان خبر انتصار إنجلترا وهزيمة نابليون. وظل نيثان يستغل قدرته على الحصول على المعلومات والأخبار سواء الخاصة بالتطورات السياسية أو الخاصة بالأمور المالية في التلاعب من خلال عمليات البيع والشراء الواسعة النطاق في أسعار الأسهم والسندات مُحقِّقاً لنفسه ولمؤسسته مكاسب ضخمة.

وبعد وفاة نيثان ماير، تولَّى أكبر أبنائه ليونيل نيثان روتشيلد (1806ـ 1879) إدارة مصالح بيت روتشيلد في لندن. وكان ليونيل أول عضو يهودي في البرلمان الإنجليزي. وقد اشترك في عمليات مالية مهمة، من بينها تدبير قرض قيمته 16 مليون جنيه لتمويل حرب القرم. كما قدم ليونيل التمويل اللازم لدزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا، الذي كانت تربطه به صداقة وثيقة، لشراء نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875، وهي عملية تمت في كتمان وسرية تامة بعيداً عن الخزانة البريطانية، ولم يُبلَّغ البرلمان البريطاني بها إلا بعد إتمامها. ولا شك في أن مساهمة بيت روتشيلد في تقديم القروض للخديوي إسماعيل ولأعيان مصر، وما تبع ذلك من تَضخُّم المديونية المالية لمصر ثم ما جر ذلك وراءه من امتيازات أجنبية ثم تَدخُّل بريطاني في آخر الأمر بحجة الثورة العرابية، كل ذلك تم في إطار المصالح الإمبريالية الرأسمالية التي كانت تسعى لفصل أهم أجزاء الإمبراطورية العثمانية عنها تمهيداً لتحطيمها وتقسيمها.
وقد اشترك ليونيل روتشيلد أيضاً في إقامة السكك الحديدية في فرنسا والنمسا بالتعاون مع فروع بيت روتشيلد في البلدين. وقد بادر روتشيلد بإقامة هذه المشاريع بعد أن تبيَّن له مدى نجاح وأهمية السكك الحديدية في إنجلترا التي كانت أول دولة تطوِّرها، وهو ما يعكس تبادل فروع بيت روتشيلد للخبرات والتجارب فيما بينها. كما قامت مؤسسته بتمويل جهود الاستعماري سيسل رودس لإقامة إمبراطورية ضخمة لصناعة وتجارة الماس في جنوب أفريقيا.

ويُلاحَظ أن الزواج من داخل العائلة ظل النمط الغالب بين أعضائها، وهو تقليد كان يهدف إلى الحفاظ على الثروة داخل العائلة وتدعيم العلاقات فيما بينها. وقد تمسكت العائلة بقاعدة صارمة في زواج الأبناء. ففي حين كان يُسمَح لبنات روتشيلد بالزواج من غير اليهود، لم يُسمَح بذلك للذكور الذين كان يئول لهم النصيب الأكبر من ثروة العائلة وإدارة أعمالها. ومن الواضح أن المعيار المُستخدَم هنا معيار غير يهودي، وقد كان آل روتشيلد يحاولون بذلك الحفاظ على الثروة لا على الانتماء اليهودي. وقد كان اليهودي، حسب الشريعة، هو من يولد لأم يهودية، ولذا فإن زواج بنات روتشيلد من غير اليهود كان يعني أن أولادهم (اليهود الحقيقيين) سينشأون في بيوت غير يهودية وأن آباءهم من الأغيار.
وتزوج ليونيل روتشيلد من ابنة عمه كارل روتشيلد (الذي كان قد استقر في نابولي) . واهتمت الزوجة بالمشاريع الخيرية للعائلة، وبخاصة بناء المدارس اليهودية الحرة. ونالت هذه المدارس اهتماماً خاصاً من العائلة، وكانت هذه المدارس قد أقيمت أساساً لخدمة أبناء المهاجرين اليهود الأوائل من شرق أوربا الذين جاءوا بثقافتهم اليديشية وتقاليدهم الدينية، وهو ما كان يثير قلقاً بين أعضاء الجماعة اليهودية المندمجين في إنجلترا؛ لما قد يمثله ذلك من تهديد لمواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه المدارس بالتالي، كانت تهدف إلى استيعابهم ودمجهم وصبغهم بالثقافة الإنجليزية. وقد أصبح دعم عائلة روتشيلد للصهيونية (فيما بعد) أداة لإبعاد هذه الهجرة برمتها عن بلادهم بعد أن تزايد حجمها في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه كان دعماً صهيونياً توطينياً.

وقد تولَّى ناثانيل ماير روتشيلد (1840 ـ 1915) إدارة بيت روتشيلد بعد وفاة والده، وأصبح أول فرد في عائلة روتشيلد يحصل على لقب لورد. كما ورث البارونية من عمه سير أنتوني دي روتشيلد (1810 ـ 1876) . وقد كانت له علاقات صداقة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع، ومع كلٍّ من بلفور ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك. وقد اهتم ناثانيل روتشيلد بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا التي تدهورت بسبب تعثُّر عملية التحديث وتعرُّض جميع الأقليات للاضطهاد. فرفض تدبير القروض للحكومة القيصرية احتجاجاً على ذلك رغم أن والده ظل يمثل الحكومة الروسية في المجالات المالية لمدة 20 عاماً. ورغم عدم تعاطفه مع الصهيونية، إلا أنه رحب بمشاريع هرتزل لتوطين اليهود.
أما ابنه الأكبر ليونيل والتر روتشيلد (1868 ـ 1937) ، فقد ترك عالم المال والبنوك وتخصَّص في علوم الأحياء والطبيعة. وتعود أهمية ليونيل والتر إلى أنه كان يمتلك حديقة حيوانات خاصة، كما أن وعد بلفور أخذ شكل خطاب موجه إليه. وقد أيد ليونيل منذ عام 1917 الجهود الدبلوماسية لكلٍّ من حاييم وايزمان (الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل) وناحوم سوكولوف الرامية إلى إصدار تعهُّد بريطاني بشأن تأسيس «وطن قومي» لليهود. وكان ليونيل روتشيلد يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين لابد أن يأخذ شكل دولة لا شكل وطن قومي وحسب، وأن هذا يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم مصالح عائلة روتشيلد. وعند إصدار وعد بلفور، كان روتشيلد رئيساً شرفياً للاتحاد الصهيوني لبريطانيا وأيرلندا. كما كان أثناء الحرب العالمية الأولى من مؤيدي إنشاء الفيلق اليهودي الذي دخل فلسطين مع الجيش البريطاني.

ومن الجدير بالذكر أن عائلة روتشيلد، مثلها مثل غيرها من عائلات أثرياء اليهود المندمجين في المجتمع البريطاني، كانت في البداية رافضة لصهيونية هرتزل السياسية بسبب تَخوُّفهم مما قد تثيره من ازدواج في الولاء، وهو ما يشكل تهديداً لمكانتهم ووضعهم الاجتماعي. وقد ساهمت العائلة في تأسيس «عصبة يهود بريطانيا League of British Jews» المناهضة للصهيونية. لكن هذا الموقف تبدَّل فيما بعد حيث تبيَّن أن وجود كيان صهيوني استيطاني في المشرق العربي يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، وذلك إلى جانب أن الصهيونية كان يتم تقديمها في ذلك الوقت كحل عملي لتحويل هجرة يهود شرق أوربا إلى فلسطين بعيداً عن إنجلترا وغرب أوربا.
كما استقر في بريطانيا جيمس أرماند دي روتشيلد (1878 ـ 1957) ابن إدموند دي روتشيلد، والذي حصل على الجنسية البريطانية، وأصبح عضواً في البرلمان البريطاني وخدم في الجيش البريطاني في كلٍّ من فرنسا وفلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان من بين مهامه تجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود في فلسطين للالتحاق بالفيلق اليهودي. كما أُلحق ضابطاً بمشاريع عديدة في فلسطين، وترأَّس هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين التي كانت تدير المستوطنات التي أسسها والده في فلسطين. وخصَّص في وصيته عند وفاته مبالغ كبيرة لإقامة مشاريع من أهمها إنشاء مبنى الكنيست في القدس.

وفي فرنسا، أسس جيمس ماير دي روتشيلد (1792 ـ 1868) فرع بيت روتشيلد في باريس عام 1812. وأصبح شخصية مالية احتفظت بنفوذها الواسع في عالم المال رغم تغيُّر الحكومات، فعمل على تدبير القروض لملوك البوربون، وكان مقرباً للملك لويس فيليب حيث تولى إدارة استثماراته المالية الخاصة، كما قدَّم قروضاً عديدة للدولة. كما شارك لفترة طويلة من عمره في رسم السياسة الخارجية الفرنسية. وفي أعقاب ثورة 1848، استمر بيت روتشيلد في تقديم خدماته المالية وقام بتدبير القروض لنابليون الثالث. وشهدت هذه الفترة منافسة شديدة بين بيت روتشيلد وبين المؤسسة المالية المملوكة للأخوين اليهوديين إسحق وإميل بيريير داخل فرنسا وخارجها. كما حصل جيمس ماير على امتياز بناء سكك حديد الشمال الفرنسية التي ظلت ملكاً لعائلة روتشيلد حتى عام 1940.
وقد ورثه خمسة أبناء من بينهم ماير ألفونس جيمس دي روتشيلد (1827 ـ 1905) والذي تولَّى من بعده إدارة بيت روتشيلد عام 1854، وترأَّس سكك حديد الشمال، كما أصبح أيضاً عضواً في مجلس إدارة بنك فرنسا. وبعد هزيمة فرنسا عام 1870 ـ 1871 في الحرب الفرنسية البروسية، أدار ماير ألفونس روتشيلد المفاوضات الخاصة بالتعويضات والديون الفرنسية الواجب سدادها للجانب البروسي.

ومن بين الأبناء الخمسة أيضاً، إدموند روتشيلد (1845 ـ 1934) الذي تعود أهميته إلى دعمه للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين (انظر: «إدموند روتشيلد» ) . وترأَّس حفيده إدموند (1926 ـ) رئاسة لجنة التضامن مع إسرائيل في عام 1967 التي ترأَّسها من قبله جي دي روتشيلد (1909 ـ) وهو حفيد ماير ألفونس. وقام إدموند خلال الخمسينيات والستينيات باستثمارات عديدة في إسرائيل، بخاصة في قطاعي السياحة والعقارات. كما ترأَّس جي النداء اليهودي الموحَّد. وعند وقوع فرنسا تحت الاحتلال الألماني عام 1940، تم الاستيلاء على ممتلكات العائلة وفرَّ أفرادها إلى إنجلترا والولايات المتحدة حيث ظلوا طوال فترة الحرب. واستعادت العائلة الجزء الأكبر من ممتلكاتها وثرواتها عقب انتهاء الحرب.
وفي النمسا، أسس سولومون ماير دي روتشيلد (1774 ـ 1855) آخر يهودي بلاط في أوربا فرع الأسرة في فيينا. وكان صديقاً لمترنيخ زعيم الرجعية الأوربية الذي ساعده في التغلب على أزمات مالية عديدة، وصدر قرار إمبراطوري بمنح سولومون وإخوته الأربعة البارونية وذلك عام 1822 بعد بضعة أيام من حصول حكومة مترنيخ على قرض ضخم من بيت روتشيلد. كما أن علاقة سولومون روتشيلد بأفراد أسرته المنتشرين في أرجاء أوربا أتاحت له أن يكون مصدر معلومات مهماً لمترنيخ حول التطورات السياسية الجارية على الساحة الأوربية. ويُقال إنه ساعد مترنيخ على الهرب أثناء ثورة 1848 وأخفاه في منزله. ومن أهم إنجازات سولومون روتشيلد بناء أول خط سكك حديدية في النمسا وتأسيس بنك كريديتا نستالت النمساوي الذي أصبح فيما بعد بنك الدولة النمساوية. وخلفه ابنه سولومون روتشيلد (1803 ـ 1872) الذي عُيِّن في البرلمان النمساوي.

وشهدت الأسرة تدهوراً حاداً في وضعها في ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها أوربا بعد الحرب العالمية الأولى والتي انتهت باستيلاء النظام النازي على مؤسستهم عام 1938 بعد ضم النمسا إلى ألمانيا النازية. وتمت تصفية فرع بيت روتشيلد في النمسا بعد رحيل لويس دي روتشيلد (1882 ـ 1955) إلى الولايات المتحدة.
وفى ألمانيا، واصل أمشل ماير فون روتشيلد (1773 ـ 1855) أعمال الأسرة في فرانكفورت، وقدَّم قروضاً كبيرة لعديد من الحكام الألمان. وكان أمشل أكبر مموِّلي الحركة اليهودية الأرثوذكسية. وخلفه ماير كارل (1820 ـ 1886) من نابلي، وكان رجعياً في آرائه ومؤيداً لبروسيا وبسمارك. وقد انقرض فرع الأسرة في فرانكفورت بموت وليام كارل (1828 ـ 1901) .
وقد أسس كارل ماير روتشيلد (1788 ـ 1855) فرع نابلي، وقدم خدمات مالية عديدة للدويلات الإيطالية، وخصوصاً الدولة البابوية، إلا أن هذا الفرع كان أقل الفروع أهمية، وقد أُغلق بعد عام 1861.
ويتضح مما سبق أن عائلة روتشيلد، كغيرها من العائلات اليهودية المالية الكبيرة في أوربا، كانت في البداية من يهود البلاط ثم أصبحت تشكل جزءاً من نسيج الرأسمالية الرشيدة الذي كان آخذاً في التشكُّل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي فترة اتسمت بتحولات عميقة داخل المجتمعات الأوربية وبتزايُد حدة الاضطرابات السياسية والصراعات العسكرية وبتنامي الأطماع الاستعمارية. فشارك بيت روتشيلد في تمويل الجيوش والحروب، وفي تسوية التعويضات والديون، وفي تمويل مشاريع إعادة بناء ما دمرته الحروب وفي تقديم القروض للعديد من الملوك والزعماء، وفي تمويل المشاريع والمخططات الاستعمارية والتي كان المشروع الصهيوني في فلسطين في نهاية الأمر يشكل جزءاً منها.

وقد تضاءلت أهمية عائلة روتشيلد مع نمو النظام المصرفي الرأسمالي الحديث القائم على العلاقات بين المؤسسات المالية المختلفة والذي حل محل نظام التجارة والربا القديمين. كما أن نمو حجم التعاملات المالية في العالم قلَّص حجم رأس المال المتوافر في يد الرأسماليين اليهود (من عائلة روتشيلد وغيرهم) قياساً إلى حجم رؤوس الأموال المُتداوَلة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وذلك رغم ازدياده من الناحية المطلقة. ويُعَدُّ اسم روتشيلد، في الأدبيات اليهودية والصهيونية، رمزاً للثري اليهودي الخيِّر الذي يجزل العطاء لإخوانه في الدين ولا ينساهم البتة. أما في أدبيات العداء لليهود، فهو مثل للجشع والطمع وامتصاص الدماء والتآمر العالمي من جانب الصيارفة اليهود.
إميل (1800-1875) وإسحق (1806-1880) بريير
‏Emile and Isaac Pereire

أخوان فرنسيان يهوديان من رجال المال والاقتصاد والصحافة، ولدا في فرنسا لعائلة سفاردية من أصل برتغالي، وتأثرا بفكر سان سيمون الاشتراكي النزعة وانضما إلى دائرته، وكتبا عديداً من المقالات السياسية والاقتصادية في الصحف الفرنسية لاقت اهتماماً واسعاً. وفي عام 1832، قام إميل بريير بتحرير جريدة جلوب السان سيمونية ثم جريدة لي ناسيونال الصادرة عن الحزب الجمهوري في الفترة ما بين عامي 1832 و1835. وكان لاهتمام إميل بريير بالمشاريع الصناعية الحديثة، وخصوصاً السكك الحديدية، أن فتح باب التعاون في هذا المجال بين الأخوين بريير من جهة وبين عائلة روتشيلد من جهة أخرى، فاشتركا معاً في بناء خطوط السكك الحديدية المهمة في فرنسا. ولكن هذا التعاون لم يدم طويلاً إذ انتقل الأخوان بريير للتعاون مع واحد من أكبر منافسي عائلة روتشيلد وهو المالي اليهودي الثري آشيل فولد الذي عيَّنه نابليون الثالث (لويس بونابرت) وزيراً للمالية عام 1849 واشترك الطرفان معاً عام 1852 في تأسيس مصرف كريدي موبيليه وهو أول مصرف استثماري حديث في فرنسا نجح في جذب إيداعات آلاف المستثمرين الصغار. وأصبح هذا المصرف الذراع المالي للإمبراطورية الفرنسية، وساهم في إدخال تغييرات جذرية في سوق المال الفرنسي، كما نجح في الحصول على امتيازات بناء السكك الحديدية في فرنسا والنمسا وإسبانيا وروسيا.
وقد شكَّل الأخوان بريير، ومصرفهما الجديد، تهديداً مباشراً لنفوذ عائلة روتشيلد وقوتها المالية في أوربا، الأمر الذي دفعها لتعبئة جميع مواردها لمواجهة هذه المنافسة الخطيرة. وانتهى هذا الصراع الضاري، الذي امتدت أحداثه بين أوربا وأمريكا اللاتينية، بانهيار مصرف كريدي موبيليه عام 1867 وضياع أموال آلاف المودعين، الأمر الذي أفقد الأخوين بريير الكثير من مصداقيتهما ومكانتهما.

وقد كان الأخوان بريير عضوين في البرلمان الفرنسي خلال حقبة الستينيات من القرن التاسع عشر. كما أصدر إسحق، في الفترة ما بين عامي 1876 1880، جريدة لا ليبرتيه (الحرية) والتي سجَّل فيها آراءه الخاصة حول القضايا السياسية والاقتصادية والصناعية. ولعل الصراع الضاري الذي دار بين الأخوين بريير من جهة وعائلة روتشيلد من جهة أخرى يبين أن الحديث عن " رأسمالية يهودية مستقلة ذات مصالح مستقلة " لا أساس له من الصحة، وأنه تصوُّر صهيوني معاد لليهود في آن واحد. ومع هذا، فحينما اضطر إدموند درومون للاستقالة من جريدة لا ليبرتيه اتهم إسحق بريير بالعنصرية وكتب كتابه فرنسا اليهودية الذي يبين فيه مؤامرة الرأسمالية اليهودية ضد فرنسا وفقرائها.
أندريه سيتروين (1878-1935 (
‏Andre Citroen
من رجال الصناعة الفرنسيين. نجح بعد الحرب العالمية الأولى في تصميم وإنتاج سيارة السيتروين الصغيرة التي نالت إقبالاً شعبياً كبيراً. أما خلال الحرب العالمية الأولى، فقد لعب دوراً مهماً في مجال صناعة الذخيرة الفرنسية إذ أسس مصنعاً أنتج ملايين القنابل. وبعد الحرب، حوَّل سيتروين مصنعه إلى مصنع سيارات لإنتاج سيارات صغيرة، وقد نجح نجاحاً ساحقاً (وسُمِّي «هنري فورد الفرنسي» ) . وعند وفاته عام 1935، كان ثُلُث السيارات في فرنسا يحمل شعار «ماركة سيتروين» .
ومن أهم إسهاماته، مسابقة السيارات سيتروين عبر أفريقيا. وهي مسابقة أثبتت ثلاثة أشياء:
1 ـ أنه يمكن إقامة خط اتصال دائم وسريع بين الجزائر وغرب أفريقيا.
2 ـ أدَّى السباق إلى إنشاء محطات على الطريق الذي يربط المستعمرات الفرنسية.
3 ـ فتح السباق المجال أمام استخدام السيارات في حركة الاكتشافات.

ولعل هذا هو إسهام سيتروين الأساسي في خدمة التشكيل الاستعماري الغربي الفرنسي. ومن إسهاماته الأخرى أنه أول من وضع نظام إشارات مرور ضوئية في باريس، واستخدم برج إيفل في الإعلانات الضوئية. وكان أول من استخدم الأضواء الكاشفة المسلطة على قوس النصر في ميدان الكونكورد.
ورغم جهوده لتوسيع نشاط مؤسسته داخل وخارج فرنسا، إلا أنه اضطر إلى تصفية أعماله عام 1934 إثر مشاكل مالية مترتبة عن أزمة الكساد العالمي. وقد تم إعادة تنظيم المؤسسة بعد أن انتقلت ملكيتها لشركة ميشلن الفرنسية.
مارسل داسو (1892-1986 (
‏Marcel Dassault
مهندس فرنسي ومصمم ومنتج الطائرات. تنصَّر بعد عامين من إطلاق سراحه من معسكرات الاعتقال النازية، وعمل بالسياسة، وانتُخب في البرلمان الفرنسي. وصمَّم أول طائرة نقل تعمل بأربعة محركات، وطائرات المستير والميراج المقاتلة التي استخدمتها قوات الطيران الإسرائيلية. وقد صمَّمت الصناعات العسكرية الإسرائيلية طائرة الكفير بعد أن سربت تصميمات طائرات الميراج من شركة داسو.
عائلة جولدسميد
‏The Goldsmid Family

عائلة مالية بريطانية من يهود الإشكناز تعود جذورها إلى هارون جولدسميد، الذي تُوفي عام 1782، وكان قد استقر في لندن في منتصف القرن الثامن عشر قادماً من أمستردام. وأسَّس في لندن مع ابنه الأكبر جورج جولدسميد (1743 ـ 1812) مؤسسة تجارية باسم هارون جولدسميد وابنه والتي أصبحت فيما بعد تحمل اسم جولدسميد وإلياسون. أما ابنه الثاني أشر جولدسميد (1750 ـ 1822) ، فأسس مع يعقوب موكاتا مؤسسة موكاتا وجولدسميد للسمسرة في مجال بيع وشراء سبائك الذهب والفضة. وأصبح أخواه بنيامين جولدسميد (1755 ـ 1808) وأبراهام جولدسميد (1756 ـ 1810) من رجال المال المرموقين في لندن، وبخاصة خلال حروب الثورة الفرنسية، حيث أسسا معاً عام 1777 مؤسسة للسمسرة في الأوراق المالية، ونجحا خلال فترة الحرب في كسر احتكار المؤسسات المصرفية الكبيرة على القروض العامة وهو ما أتاح للحكومة شروطاً أفضل في هذا المجال. وقد كان الأخوان من المقربين إلى العائلة المالكة البريطانية. وكان لهذه العلاقة أثر في التمهيد لانعتاق اليهود في بريطانيا فيما بعد. وقد أسَّس بنيامين أول مؤسسة إشكنازية خيرية كبيرة في بريطانيا وأدَّى النشاط المالي المهم للعائلة وعلاقتها بصفوة المجتمع البريطاني إلى تآكُل هيمنة الأرستقراطية السفاردية على الجماعة اليهودية في لندن.
وقد انتحر بنيامين أثر أزمة نفسية، كما انتحر شقيقه أبراهام من بعده نتيجة أزمة مالية حادة تعرضت لها مؤسسة العائلة.
ومن أبرز أفراد العائلة:

ـ سير إسحق ليون جولدسميد (1778 ـ 1859) ابن أشر جولدسميد. وهو أول من حمل من بين أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا لقب «البارونية» . وكان جولدسميد شريكاً في مؤسسة موكاتا وجولدسميد وحقَّق ثروة كبيرة من خلال تمويل عمليات بناء السكك الحديدية. وتركَّز نشاطه في البرتغال وتركيا والبرازيل ومنحه ملك البرتغال عام 1846 لقب بارون بالميرا تقديراً لجهوده في حل الخلافات المالية بين البرتغال والبرازيل.
وكان جولدسميد ممن دافعوا بقوة عن قضية إعتاق اليهود في إنجلترا، كما كان من مؤسسي كلية يونفيرستي كوليج في لندن والتي تُعَدُّ من أوليات مؤسسات التعليم العالي غير الطائفية في إنجلترا. وقد لعب جولدسميد دوراً بارزاً أيضاً في تأسيس المعبد الإصلاحي في إنجلترا.
ـ سير فرانسيس هنري جولدسميد (1808 ـ 1878) ابن إسحق ليون جولدسميد، والذي دافع مع والده عن قضية إعتاق يهود إنجلترا إلى أن تحقَّق ذلك بالفعل عام 1859. دخل البرلمان عام 1860 وظل عضواً به حتى وفاته، ودخل البرلمان معه أيضاً أخوه فريدريك ديفيد (1816 ـ 1866) . وقد كان جولدسميد أول يهودي يُسمَح له بالانضمام إلى سلك المحاماة البريطاني عام 1833. وقد اهتم جولدسميد بقضايا يهود شرق أوربا، وعُيِّن نائباً لرئيس الجمعية الأنجلو يهودية عام 1871.
ـ سير جوليان جولدسميد (1838 ـ 1896) ابن فريدريك ديفيد. وقد كان أيضاً عضواً في البرلمان، كما قاد الجمعية الإنجليزية اليهودية (ترأَّسها في الفترة 1886 ـ 1895) في مساعيها من أجل الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية خارج بريطانيا، كما ترأَّس اللجنة الروسية اليهودية (منذ تأسيسها عام 1882 وحتى عام 1894) التي أثارت قضية أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا القيصرية.

وكان ألبرت إدوارد وليامسون جولدسميد من أبرز أفراد العائلة المؤيدين للصهيونية. وُلد في بومباي بالهند حيث كان والده هنري إدوارد جولدسميد (1812 ـ 1855) ، الذي كان ينتمي إلى فرع العائلة المتنصِّر، يشغل عدة مناصب مهمة في إدارة الاحتلال البريطاني للهند. وتخرَّج ألبرت من الكلية العسكرية الملكية عام 1866 واشترك في حرب البوير (1899 ـ 1902) في جنوب أفريقيا. وعاد ألبرت إلى العقيدة اليهودية واهتم بالشئون اليهودية، فساهم في مشاريع البارون دي هيرش لإعادة توطين يهود شرق أوربا في دول أمريكا اللاتينية، وسافر إلى الأرجنتين عام 1892 حيث مكث لمدة عام ساعد خلاله في توزيع الأراضي على المُستوطنين اليهود. وكان ألبرت من المتحمسين لهرتزل، وساعد عام 1898 في تأسيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي، كما اشترك عام 1903 في لجنة العريش التي شُكلَت لبحث إمكان توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء.
عائلة ساسون
‏The Sassoon Family
عائلة يهودية سفاردية من التجار ورجال الصناعة والمال حقَّقت ثراءً كبيراً ومكانة مرموقة في بلاد الشرق، وهو ما دعا إلى وصفها بـ «روتشيلد الشرق» . كما ساهمت من خلال شبكاتها التجارية والمالية الواسعة في خدمة مصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية وأطماعها المتنامية في تلك الفترة، وبخاصة في الهند والصين.

وتعود جذور العائلة إلى العراق حيث كان مؤسس العائلة الشيخ ساسون بن صالح (1749 ـ 1829) يعمل كبيراً للصيارفة لدى والي بغداد، كما ظل رئيساً للجماعة اليهودية في بغداد لمدة أربعين عاماً. وقد انتقل ابنه ديفيد ساسون (1793 ـ 1864) إلى الهند عام 1833 حيث استقر في بومباي التي كانت تُعتبَر آنذاك بوابة التجارة للهند والشرق الأقصى. واتسعت تجارته لتشمل العراق وإيران والصين ووسط آسيا واليابان وإنجلترا. واحتكر تجارة الغزل الهندي والمنسوجات الإنجليزية والأفيون (وهي ثلاث سلع ارتبطت بآليات الاستعمار البريطاني في الشرق) . واكتسب ساسون الجنسية البريطانية عام 1853 ووصل حجم ثروته عند وفاته إلى خمسة ملايين من الجنيهات.
وقد ورثه ثمانية أبناء، تولَّى أكبرهم عبد الله (ألبرت فيما بعد) ساسون (1817 ـ 1897) إدارة تجارة أبيه ومد نشاطها إلى قطاع الصناعة حيث افتتح أول مصنع كبير للنسيج في بومباي، كما أنشأ أول مرفأ بحري على ساحل الهند الغربي، الأمر الذي مهَّد لتحوُّل بومباي إلى ميناء حديث. وكانت بومباي، مثلها مثل غيرها من مدن الشرق، تشهد تحولاً اقتصادياً كبيراً في تلك الفترة نتيجة افتتاح قناة السويس عام 1869. كما اتسع نشاط شركة ساسون إلى مجال التأمين والبنوك والزراعة أيضاً. وانتقل عبد الله (ألبرت) إلى إنجلترا في أواسط السبعينيات من القرن التاسع عشر حيث أصبحت لندن المركز الرئيسي لشركة ساسون. وكان أول من انتقل من الإخوة إلى إنجلترا، عام 1858، هو ساسون ديفيد ساسون (1832 ـ 1867) حيث بدأت الدوائر التجارية في لندن التعرف من خلال نشاطه على قوة وإمكانيات بيت ساسون. ونجح ساسون في دفع مصالح الشركة في إنجلترا إلى الأمام من خلال نشاطه في سوق القطن أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

وحصل ألبرت (عبد الله) على البارونية عام 1890 تقديراً لجهوده ونشاطه في الهند. كما كانت له ولأخويه رءوبين (1853 ـ 1905) وآرثر (1840 ـ 1912) علاقة صداقة وطيدة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع. وبانتقال مركز نشاط العائلة من الهند إلى إنجلترا، شهدت الأسرة تحولاً سريعاً من أسرة يهودية شرقية شديدة التدين إلى أسرة يهودية بريطانية زاد اندماج أعضائها في المجتمع الإنجليزي الغربي وزاد ارتباطهم بالطبقة البورجوازية الصناعية البريطانية التي كانت تشهد ازدهاراً وتدعيماً لثرائها وقوتها في تلك الفترة. وارتبطت عائلة ساسون بعائلة روتشيلد المالية الثرية، حينما تزوج إدوارد ساسون بن ألبرت ساسون (1856 ـ 1912) ابنة جوستاف روتشيلد في باريس عام 1887. وقد كان إدوارد أول فرد في عائلة ساسون يعمل في السياسة، حيث كان عضواً في البرلمان، وعمل من خلال هذا المنصب على تحسين الاتصالات التلغرافية بين الهند وإنجلترا.
واستمر سولومون ساسون (1841 ـ 1894) في متابعة أعمال الأسرة في الشرق، وكان والده قد أرسله في سن مبكرة إلى شنغهاي وهونج كونج لمتابعة تجارة الأسرة، فأصبح رئيس الجماعة اليهودية هناك. ثم عاد إلى الهند عام 1877 حيث تولَّى إدارة الشركة حتى تاريخ وفاته. كما ترأَّس بنك بومباي وغرفة التجارة. ومن بين الإخوة الثمانية، انفصل إلياس ساسون (1820 ـ 1880) عن الشركة الأم، وأسس هو وابنه يعقوب (1844 ـ 1916) شركة خاصة بهما ومنافسة للشركة الأم. واتسعت أعمالها لتشمل بلاد الشرق وأوربا وأفريقيا وأمريكا وحققت نجاحاً فاق نجاح الشركة الأم. وتولَّى يعقوب إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، ووسع أعمالها في الهند، وأسَّس مصنعاً ضخماً للنسيج وأول مصنع للصباغة في بومباي. كما أسَّس البنك الشرقي المحدود (إيسترن بانك ليمتد) ومقره الرئيسي لندن.

وكان آخر كبار رجال المال والأعمال في عائلة ساسون هو فيكتور ساسون (1881 ـ 1961) ابن إدوارد إلياس ساسون والأخ الأصغر ليعقوب ساسون حيث ساهم في القطاع الصناعي في الهند وكان عضواً في البرلمان ورئيساً للجماعة اليهودية البريطانية في الهند. إلا أن التحولات التي كانت جارية في الهند في تلك الفترة، وكذلك تنامي حركة التحرر الوطني، أدَّتا إلى انكماش أعماله فيها. فاتجه إلى تأسيس مؤسسة مصرفية في هونج كونج عام 1930 ونقل أعماله من الهند إلى الصين حيث عُرف بأنه «الرجل الذي شيَّد شنغهاي الحديثة» . إلا أنه مع احتلال اليابان لشنغهاي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تولِّي الحكومة الشيوعية الحكم في الصين واستيلائها على مصالح الشركة، نقل فيكتور أعماله إلى جزر الباهاما عام 1948 ولم يترك ابناً يرثه بعد وفاته.
ويتضح، مما سبق، أن ثروة عائلة ساسون ونشاطها المالي والتجاري ارتبطا إلى حدٍّ كبير بمصالح الإمبراطورية البريطانية حيث نما مع نمو الاستعمار البريطاني ومصالحه الرأسمالية في الشرق، وأخذ يخبو مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وتنامي حركات التحرر الوطني في الهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق.
عائلة مونتاجو
‏The MontaguFamily
عائلة يهودية إنجليزية من رجال المال والسياسة، من أصل سفاردي. وفي عام 1853، أسَّس صمويل مونتاجو (1832 ـ1911) البنك التجاري: صمويل مونتاجو وشركاه، الذي ساهم من خلال نشاطه في مجال المبادلات المالية في تحويل لندن إلى المركز الرئيسي للمقاصة في سوق المال العالمي. وظلت الخزانة تستشيره في العديد من الشئون المالية. وحصل صمويل عام 1907 على لقب «بارون» ، كما أصبح عضواً في البرلمان.

واهتم مونتاجو بالشئون اليهودية، فسافر إلى فلسطين وروسيا والولايات المتحدة، إلا أنه ظل معارضاً بشدة للصهيونية. وكان ولداه الاثنان لويس صمويل مونتاجو (1869 ـ 1927) وإدوين صمويل مونتاجو (1879 ـ 1924) من معارضي الصهيونية أيضاً. حيث عارض إدوين، الذي احتل عدة مناصب سياسية مهمة، وعد بلفور. وساهمت ضغوطه على الوزارة البريطانية في تعديل النص الأصلي بحيث لا تصبح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها دولة كل يهود العالم وإنما دولة من يرغبون في الهجرة إليها. وقد أعرب عن أسفه لأن حكومته اتجهت إلى الاعتراف بشعب لا وجود له. كما أعرب أخوه عن أنه لا يعتبر اليهودية سوى ديانة. ويُعتبَر موقف عائلة مونتاجو من الحركة الصهيونية تعبيراً عن بعض الاتجاهات بين أعضاء الجماعات اليهودية المندمجين التي رفضت الصهيونية واعتبرتها تعبيراً عن عقلية الجيتو في خلطها بين الدين والقومية، كما رأت أن اليهود لا يشكلون سوى أقليات دينية يعتنق أعضاؤها الديانة اليهودية وينتمون مثلهم مثل غيرهم من المواطنين إلى دولتهم القومية التي هي مصدر ثقافتهم ومركز ولائهم. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية تشكل عقبة في طريق الاندماج السوي.
سامسون جدعون (1699-1762 (
‏Samson Gideon
من رجال المال الإنجليز. حقق ثروة كبيرة من خلال المضاربات، وكان من العناصر البارزة في تدبير القروض للحكومة البريطانية في منتصف القرن الثامن عشر. وساهمت استشارته المالية للحكومة البريطانية في الحفاظ على الاستقرار المالي للبلاد في فترات الحروب والقلاقل السياسية. وقد تزوج من امرأة غير يهودية، وتنصَّر أبناؤه.
هنري دي ورمز (1840-1903 (
‏Henry Deworms

تاجر ورجل دولة بريطاني يهودي. وُلد لعائلة يهودية تجارية ثرية ذات أصول ألمانية. درس القانون ثم التحق بتجارة والده. وفي عام 1880، دخل البرلمان عن حزب المحافظين واختير عام 1885 سكرتيراً برلمانياً لدى المجلس التجاري للحكومة البريطانية. وفي عام 1888، أصبح عضواً في المجلس الملكي الخاص (بالإنجليزية: بريفي كاونسيل Privy Council) ، وعُيِّن في العام نفسه وحتى عام 1892 وكيلاً لوزير الخارجية لشئون المستعمرات. وفي عام 1895، رُفع إلى مرتبة النبلاء.
وكان لورمز اهتمام بالشئون والقضايا اليهودية لا يختلف كثيراً عن اهتمامات الساسة الإنجليز من غير اليهود. فقد ناصر قضية يهود رومانيا داخل البرلمان البريطاني، واحتل منصب أمين صندوق ونائب رئيس المعبد الموحَّد، كما ترأَّس الجمعية الإنجليزية اليهودية في الفترة بين عامي 1872، 1886 إلا أنه أُرغم على الاستقالة بعد زاوج ابنته من مسيحي.
إرنست كاسل (1852-1921)
‏Ernest Cassel

مالي بريطاني وُلد في مدينة كولونيا بألمانيا ابناً لمصرفيّ ألماني يهودي. انتقل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعمل كاتباً لدى تاجر حبوب، ثم انضم فيما بعد إلى مؤسسة مصرفية مملوكة لعائلة يهودية، ونجح في تسوية بعض مشاكل المؤسسة في السويد وتركيا وأمريكا اللاتينية. وبعد أن حقَّق كاسل قدراً كبيراً من النجاح في هذه المؤسسة، اتجه إلى تأسيس مؤسسة مالية خاصة به وأصبح من الشخصيات المالية العالمية. إذ شملت عملياته المالية تمويل الحكومات الأجنبية، مثل حكومات الصين والمغرب، وحكومات أمريكا اللاتينية. كما ساهم في تمويل عملية تأسيس البنك الأهلي المصري وبناء خزان أسوان. ومُنح كاسل لقب «سير» تقديراً لخدماته للإمبراطورية البريطانية في مصر. وكان من المقربين للملك إدوارد السابع سواء باعتباره صديقاً أو باعتباره مستشاراً مالياً. وتحوَّل كاسل عن دينه واعتنق المسيحية الكاثوليكية، كما تزوجت حفيدته ووريثته إدوينا كاسل (1901 ـ 1960) من الإيرل ماونتباتن، عم ملكة بريطانيا.
سيمون ماركس (1888-1964)
‏Simon Marks
من رجال التجارة والصناعة في إنجلترا، وكذلك من مؤيدي الحركة الصهيونية، وهو صاحب مجموعة متاجر ماركس وسبنسر المتكاملة (متعددة الأقسام) . هاجر والده إلى إنجلترا قادماً من روسيا عام 1882، وبدأ عمله كبائع متجول وتدرَّج في تجارته حتى فتح العديد من المتاجر الصغيرة التي نمت وتطورت إلى أن أصبحت مجموعة ضخمة من المتاجر المتكاملة المعروفة باسم «ماركس وسبنسر» . وكان النمو الصناعي، الذي تزايدت وتيرته منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد أفرز طبقة وسطى متنامية وفي حاجة إلى مثل هذه المتاجر. وكانت خبرات أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك تراثهم التجاري، تؤهلهم لاقتحام هذه المجالات التي كانت لا تزال في بدايتها، وبالتالي تتسم بقدر كبير من المخاطرة.

وقد تولَّى سيمون إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، فحققت في ظل قيادته نجاحاً تجارياً ومالياً ضخماً. وقد شاركه في أعماله إسرائيل موسى سييف، زميل الدراسة وصهره (تزوج كلٌّ منهما أخت الآخر) . وقد كان ماركس وسييف من مؤيدي الصهيونية، وقد ساعدا حاييم وايزمان في مجهوداته للحصول على وعد بلفور. كما شارك ماركس في المفاوضات السياسية بين القيادات الصهيونية والحكومات البريطانية حتى قيام دولة إسرائيل. كما اشترك في البعثة الصهيونية لمؤتمر باريس للسلام. ساهم هو وسييف في تأسيس معهد دانيال سييف للبحوث عام 1934 في فلسطين، والذي تطوَّر عنه معهد حاييم وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام دولة إسرائيل. وساهم ماركس في دعم التطور الاقتصادي لإسرائيل كما قدَّم ملايين الجنيهات كتبرعات لها.
وجاء تأييد ماركس للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين، باعتبارها حلاً لمشكلة يهود شرق أوربا الذين كانت هجرتهم إلى الغرب تهدد أوضاع ومكانة اليهود المندمجين. وكانت الحركة الصهيونية تعكس ارتباط مصالحه ومصالح غيره من أثرياء اليهود بمصالح الرأسمالية الإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي.
وقد حصل ماركس على لقب «سير» عام 1944 تقديراً لخدماته خلال الحرب العالمية الثانية. كما حصل على لقب «بارون» عام 1961.
إسرائيل سييف (1889-1972 (
‏Israel Sief
من رجال التجارة والصناعة البريطانيين، وكذلك من مؤيدي الصهيونية. وُلد في إنجلترا لعائلة من أصل ليتواني هاجرت إلى إنجلترا حيث أسَّس والده تجارة ناجحة لاستيراد المنسوجات. والتحق سييف بتجارة أبيه ثم التحق عام 1915 بمؤسسة ماركس وسبنسر المملوكة لصديقه وصهره سيمون ماركس. ونجحا سوياً، خلال 50 عاماً من العمل المشترك، من تطوير الشركة وتحديث تجارة التجزئة. وقد تولَّى سييف رئاسة الشركة بعد وفاة سيمون ماركس عام 1964.

وكان سييف ومعه ماركس وصهره هاري ساخر من مؤيدي الصهيونية. وقد كان سييف سكرتيراً للجنة الصهيونية التي ذهبت إلى فلسطين عام 1918 برئاسة وايزمان.
أسس سييف عام 1934 معهد ديفيد سييف للبحوث في فلسطين والذي تطوَّر عنه معهد وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام إسرائيل. وترأَّس سييف بعض المنظمات الصهيونية في بريطانيا، كما ساهمت زوجته ربيكا في تأسيس التنظيم النسائي للمنظمة الصهيونية العالمية.
وحماس سييف للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يعود إلى أنها تشكِّل حلاًّ لمشكلة يهود شرق أوربا الذين هددت هجرتهم إلى الدول الغربية مكانة ومصالح اليهود المندمجين فيها. كما كانت مصالح أثرياء اليهود في بريطانيا مرتبطة بمصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل سييف على لقب «بارون» عام 1966.
فيكتور جولانز (1893-1967 (
‏Victor Gollancz
ناشر إنجليزي ومؤلف، وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية مرموقة وتلقَّى دراسته في جامعة أكسفورد. وقد تمرَّد جولانز على أرثوذكسية أسرته وعلى القيم المحافظة للطبقات الوسطى بصفة عامة ومال إلى الاشتراكية وإلى الفكر السلمي فيما بعد، إلا أنه ظل شديد الشغف بالدين إلى درجة شبه صوفية. وتأثر أثناء دراسته باليهودية الليبرالية، إلا أنه اتجه أكثر نحو المسيحية. واعتبر أن رسالة النبي عيسى ليست إلا تتويجاً للتراث اليهودي، ولكنه مع هذا لم يعتنق المسيحية.

ودخل جولانز مجال النشر في العشرينيات. وفي عام 1927، أسَّس دار نشر خاصة به. ومع وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا، وجه جولانز نشاطه نحو النشر السياسي، وأسَّس بالتعاون مع جون ستارشي وهارولد لاسكي نادي كُتَّاب اليسار الذي عمل على توفير الكتب السياسية بأسعار ضئيلة. وتحوَّل هذا النادي إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق، وضم في فترة الذروة 60.000 عضواً، إلا أن المعاهدة الألمانية السوفيتية لعام 1939 والتي اعتبرها جولانز خيانة لا تُغتفَر عجَّلت بنهاية النادي.
وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، نشط جولانز في مجال القضايا الإنسانية والسلمية، فساعد على غوث وإنقاذ ضحايا النازية، كما ساعد ضحايا الحرب من الألمان، ودعا إلى المصالحة مع ألمانيا وإلى إعادة بنائها، كما اشترك في أنشطة الجمعيات والمنظمات البريطانية العاملة لإلغاء عقوبة الإعدام. كما كان جولانز من أوائل من نادوا بنزع السلاح النووي وبتوحيد أوربا.
أما بشأن فلسطين، فقد أيد جولانز الوجود الصهيوني على أرضها، وحارب منذ عام 1945 سياسة الحكومة البريطانية تجاه الاستيطان اليهودي بها، وعمل على تأمين دخول اللاجئين من اليهود إلى فلسطين، وأيَّد إقامة دولة إسرائيل. إلا أنه أثار الجدل في الأوساط الصهيونية والإسرائيلية بسبب دعوته إلى ضرورة قيام اليهود بمساعدة وغوث الفلسطينيين بعد حرب 1948 (وفيما بعد في قطاع غزة) .
وقد ظل جولانز ينادي بالمصالحة بين اليهود والألمان وبين اليهود والعرب، وعارض محاكمة أيخمان في إسرائيل كما عارض عقوبة الإعدام الصادرة ضده، وأصدر عام 1961 كتاباً بعنوان قضية أدولف أيخمان ليعبِّر عن موقفه هذا. وكان عضواً في مجلس إدارة الجامعة العبرية في الفترة ما بين عامي 1952 و1964. وحصل على وسام الشرف من ألمانيا عام 1953، وهو أول شخص غير ألماني يحصل على مثل هذا الوسام، وحصل على لقب سير عام 1965.
سيجموند ووربورج (1902-1982 (

‏Sigmund Warburg
مالي بريطاني يهودي وُلد في ألمانيا لعائلة واربورج المالية الثرية، وتلقَّى تعليمه في المدارس الألمانية. وكان أول طالب يهودي يلتحق بواحدة من المدارس الألمانية البروتستانتية العريقة. تلقَّى تدريبه المالي والمصرفي في مؤسسة العائلة في هامبورج ثم في المؤسسة المالية لآل روتشيلد في لندن ثم في عدد من المؤسسات المالية الأمريكية من بينها مؤسسة كون لويب وشركاه التي كان اثنان من أفراد فرع عائلة ووربورج بالولايات المتحدة شريكين بها. وفي عام 1930، عاد إلى ألمانيا حيث أصبح شريكاً في مؤسسة ووربورج وأسَّس أول فرع لها في برلين. ومع مجئ النازي إلى الحكم، انتقل سيجموند ووربورج إلى إنجلترا (عام 1933) . وفي عام 1934، اشترك مع ماكس ووربورج ومجموعة من المصارف في إقامة مؤسسة مالية صغيرة في أمستردام هي دوتش انترناشيونال كوربوريشن مهمتها مساعدة يهود ألمانيا على إخراج أموالهم خارج البلاد وتحويلها إلى إنجلترا والولايات المتحدة وفلسطين. وفي إنجلترا، أقام ووربورج عام 1938 مؤسسته المالية الخاصة والتي أصبحت تعرف منذ عام 1946 باسم «إس. جي. ووربورج S.G. Warburg» . وقد اكتسب ووربورج المواطنة البريطانية عام 1939 وعمل مع المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نمت مؤسسة ووربورج سريعاً وتحولت إلى واحدة من أهم المصارف الاستثمارية البريطانية وكان لها دور ريادي في تحديث هذا القطاع المصرفي في إنجلترا. وحقق ووربورج مكانة مرموقة في الدوائر المصرفية الدولية ومُنح لقب «سير» عام 1966.

ورغم أن ووربورج كان في البداية رافضاً للصهيونية إلا أنه ساهم في توطين المهاجرين اليهود في فلسطين خلال الثلاثينيات. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، توسَّط لديه حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون ليضغط على الحكومة البريطانية حتى تفتح باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين وحتى تُسرع بإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وقدَّم ووربورج مساهمات مالية عديدة لإسرائيل، بخاصة لمعهد وايزمان للعلوم، وشارك في دفع عملية التقارب بين مصر وإسرائيل في أعقاب مبادرة الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، وهو ما مهَّد الطريق أمام توقيع معاهدة السلام بين البلدين. كما طرح خطة اقتصادية شاملة أطلق عليها اسم «الاستثمار من أجل السلام» تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط من خلال فتح المنطقة أمام الاستثمارات الأوربية والأمريكية، وهو الإطار الذي تدور فيه ما تُسمَّى محادثات السلام العربية الإسرائيلية.
جوزيف مندلسون (1770-1848 (
‏Joseph Mendelssohn
مالي يهودي ألماني، والابن الأكبر لموسى مندلسون (1729 ـ 1786) رائد حركة الاستنارة اليهودية. وأسَّس عام 1795 مؤسسة مصرفية أصبحت من أكبر المؤسسات المالية، وساهمت في تحويل برلين إلى مركز مالي دولي. وشاركت مؤسسته في تحويل التعويضات الفرنسية بعد هزيمة نابليون، كما نشطت في مجال تمويل بناء السكك الحديدية في ألمانيا وخارجها، وفي تدبير القروض لروسيا على وجه الخصوص.
وكان مندلسون وأخوه أبراهام مندلسون (1776 - 1835) ، الذي شاركه في أعماله المالية لفترة من الوقت، من اليهود المندمجين والمرتبطين بدوائر اليهود المؤمنين بفكر الاستنارة. وقد تنصَّر أحد أبناء جوزيف مندلسون كما تنصَّر أبراهام وزوجته وأبناؤه.
وتم ضم بنك مندلسون عام 1939 إلى بنك ألماني آخر بعد مجيء النازي للسلطة في ألمانيا.
إميل راتناو (1838-1915 (
‏Emil Rathenau

مهندس، ومن رجال الصناعة الألمان. وكان أول من أدخل نظام الهاتف في الخدمة البريدية في برلين. كما اهتم باختراعات أديسون في مجال الكهرباء، فأسَّس شركة للبحث والتطوير في هذا المجال وهي شركة ايه. إي. جي. AEG التي أصبحت، في ظل إدارته وإدارة ابنه وولتر من بعده، من أكبر المؤسسات الصناعية في أوربا، ومن أهمها في مجال المعدات الكهربائية.
وولتر راتناو (1867-1922 (
‏Walther Rathenau
رجل دولة وصناعة، ومفكر ألماني. ابن رجل الصناعة الألماني إميل راتناو (1838 - 1915) مؤسس شركة الكهرباء الألمانية العملاقة آيه. إي. جي. AEG وقد ترأَّس راتناو هذه الشركة بعد وفاة أبيه وعمل على توسيع وتنويع نشاطها بحيث أصبحت من أكبر المؤسسات الألمانية والأوربية.
وقد عمل بالسياسة، فالتحق خلال الحرب العالمية الأولى بوزارة الحربية الألمانية حيث أسَّس قسم المواد الخام، واستطاع من خلال هذا المنصب تطبيق نظرياته حول الاقتصاد الموجَّه والتخطيط المركزي. وبالفعل، يعود إليه الفضل، من خلال البرنامج الذي وضعه لتعبئة موارد البلاد، في أن تواصل ألمانيا الحرب لمدة أربعة أعوام برغم مصاعبها الاقتصادية الحادة. واشترك بعد الحرب في المفاوضات الخاصة بتعويضات الحرب، وعُيِّن عام 1922 وزيراً لخارجية ألمانيا (جمهورية وايمار) ووقَّع من خلال هذا المنصب اتفاقية رابالو مع الاتحاد السوفيتي. وتعرَّض راتناو لانتقادات حادة من المنظمات والتيارات اليمينية بسبب سياساته المتعلقة بدفع التعويضات للحلفاء والتصالح مع روسيا البلشفية. وساهمت العناصر المعادية لليهود في زيادة حدة هذه الاتهامات إلى أن اغتيل راتناو عام 1922 على أيدي عناصر يمينية متطرفة.

وظل موقف راتناو من عقيدته وهويته اليهودية مُبهماً، فأول عمل نشره هو مقال أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم «شعب الخوف» (بالألمانية: فورخت فولك Furcht Volk) الذين طوروا ملكاتهم الفكرية للدفاع عن أنفسهم. وقد تراسل مع فيلهلم شواز (1863 ـ 1941) وهو من دعاة فكرة الفولك الألمانية وأحد المعادين لليهودية. واعتبره راتناو من أعز أصدقائه. وكتب راتناو عام 1909 في مجلة نيو فراي برس مقالاً يحتوي هذه العبارة: «يوجد ثلاثمائة شخص يعرف كل واحد منهم الآخر، هم الذين يتحكمون في المصير الاقتصادي لأوربا ويختارون حلفاءهم من هذه الحلقة» . وقد فُسِّرت هذه الجملة بأنها دليل على مدى صدق بروتوكولات حكماء صهيون.
وكان راتناو من اليهود المندمجين شديدي الاعتزاز بألمانيتهم. ومن ثم، عارض الصهيونية وظل يدعو إلى ضرورة اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الألماني بل إلى انصهارهم، حتى اتُهم بأنه يهودي كاره لنفسه، خصوصاً أنه وجه انتقاداً عميقاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ومع هذا، انتقد راتناو وبشدة اتجاه اليهود نحو التنصُّر حيث اعتبر ذلك شكلاً من أشكال الانتهازية التي لا تهدف إلا لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية.
وتأثر في مرحلة لاحقة من حياته بالأفكار الصوفية، وبدأ يُظهر تقديراً لما اعتبره مساهمات اليهود الفكرية والأخلاقية والاقتصادية للإنسانية. وانعكست هذه الاتجاهات في كتاباته وفي فلسفته الخاصة التي جمعت بين مسحة صوفية وبين رؤية واقعية للحياة. فأدان راتناو الإيمان المطلق بالتكنولوجيا وبكلٍّ من العقلانية والمادية، ودعا إلى العودة إلى القيم الروحية. ومن ناحية أخرى، دعا إلى إقامة مجتمع تعاوني واقتصاد قائم على الميكنة والتخطيط المركزي تقوده صفوة مثقفة. وأيَّد في الوقت نفسه الليبرالية السياسية والفردية الأخلاقية.
عائلة جونزبورج
‏The Guenzburg Family

عائلة روسية يهودية شهيرة تخصَّص أعضاؤها في أعمال الصيرفة، وكانوا قادة الجماعة اليهودية في روسيا لمدة ثلاثة أجيال، كما كانوا بمثابة الوسطاء (شتدلان) بين يهود روسيا والسلطات القيصرية. وقد بدأ ازدهار هذه الأسرة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر حينما حصلوا على امتيازات مصانع لتقطير الخمور وعملوا كمتعهدين عسكريين. وزاد نطاق استثمارهم من خلال مصرف جونزبرج الذي أُسِّس في بطرسبرج عام 1859. واستثمروا أموالهم في السكك الحديدية ومناجم الذهب وحققوا مكاسب كثيرة. وكانت أسرة جونزبرج تمثل دوق هس ـ دارمستادت في روسيا، ومنحهم الدوق لقب بارون عام 1871 كما منحهم حق توارثه. وكان أعضاء أسرة جونزبرج من المدافعين عن مُثُل حركة التنوير والمحاولات الرامية إلى دمج اليهود، وكانوا من معارضي النشاطات الصهيونية. ومؤسس العائلة هو البارون جوزيف يوزيل (1812 ـ 1868) الذي ساهم في تأسيس جماعة نشر الثقافة بين يهود روسيا (1863) وتبرَّع من أجل تطوير التعليم اليهودي وكذلك لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وكان ابنه الثاني البارون هوراس (نفتالي هرز) (1833 ـ 1909) شريكاً في المصرف الذي كانت تمتلكه الأسرة ومستشاراً في الدولة وقنصلاً لدوق هس.
عائلة بولياكوف
‏The Poliakoff Family
عائلة يهودية روسية من رجال المال والصناعة كان لها دور مهم بقيادة الإخوة الثلاثة يعقوب وصمويل وإليعازر في تأسيس البنوك وبناء السكك الحديدية في روسيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

اشترك يعقوب بولياكوف (1872 ـ 1909) في تأسيس العديد من البنوك الروسية، كما احتل منصب نائب رئيس هيئة الاستيطان اليهودية في روسيا. أما أخوه صمويل بولياكوف (1837 ـ 1888) ، فكان من أهم من ساهموا في بناء السكك الحديدية في روسيا والتي كانت ذات أهمية كبيرة في صادرات روسيا من الحبوب، كما ساهم في بناء السكك الحديدية الإستراتيجية في رومانيا خلال الحرب الروسية - التركية (1877ـ 1878) . واهتم صمويل بمجال التعدين، وأسس بعض البنوك العقارية المهمة في روسيا. كما اهتم بالتعليم المهني، فأسَّس مدرسة فنية لتعليم بناء السكك الحديدية وأخرى للتعدين، وبادر بتأسيس منظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) التي كانت تهدف إلى إعادة تأهيل اليهود تأهيلاً مهنياً وإلى تعليمهم الحرف المختلفة، وهو ما قد يساعد على تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج. أما أليعازر بولياكوف (1842 ـ 1914) ، فقد اشترك في بناء السكك الحديدية مع أخيه. وكان من أبرز رجال البنوك في موسكو، فأسَّس بنك بولياكوف عام 1877. كما ساهم في تطوير الصناعات في روسيا وإيران. وحصل كلٌّ من الإخوة الثلاثة على لقب «نبيل» .
وكان الإخوة بولياكوف يشكلون جزءاً من البورجوازية الروسية التي بدأ يدخلها مموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع بداية عملية التنمية والتحديث. وكانت هذه البورجوازية تشكل شريحة صغيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وتتجه بحكم ارتباط مصالحها بالدولة الروسية نحو الاندماج في المجتمع الروسي والانفصال عن الجماهير اليهودية. ونظراً لأن المسألة اليهودية في روسيا كانت تُشكِّل خطراً بالنسبة لهذه الشريحة، فإننا نجد أن مساهمات الإخوة بولياكوف، مثلهم مثل غيرهم من أثرياء اليهود المُتروِّسين، كانت تأخذ اتجاهين:

1 ـ إعادة تأهيل أعضاء الجماعة اليهودية لكي يشكلوا عنصراً اقتصادياً منتجاً يسهل لهم عملية الاندماج في المجتمع الروسي، وهو ما كانت تسعى إليه أيضاً الدولة القيصرية.
2 ـ إعادة توطين الفائض البشري من أعضاء الجماعة اليهودية خارج روسيا من خلال نشاط هيئة الاستيطان اليهودية.
وهذه أيضاً هي أهداف ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي صهيونية يهود العالم الغربي المندمجين الذين يحاولون مساعدة البلاد التي يعيشون في كنفها على التخلص من الفائض البشري اليهودي.
بارنت بارناتو (1852-1897 (
‏Barnett Barnato
من رجال المال والتعدين. وُلد في إنجلترا، ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا عام 1873 حيث التحق بشقيقه الذي كان يعمل في تجارة الماس. وقد بدءا معاً، هو وشقيقه، في شراء حقوق التنقيب عن الماس، ثم استطاعا في عام 1881 تأسيس شركة بارناتو للتعدين التي أصبحت المنافس الأكثر خطورة لشركة دي بيرز للتعدين المملوكة لسيسل رودس والتي كانت تهدف إلى السيطرة على صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وانتهى التنافس بين الشركتين بفوز سيسل رودس ودمج الشركتين عام 1888 لتكونا معاً «مناجم دي بيرز الموحَّدة» التي أصبحت الشركة الرئيسية المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم، وقد احتفظ بارناتو في هذه الشركة بمنصب المدير مدى الحياة.
واتجه بارناتو، بعد ذلك، إلى تطوير مناجم الذهب التي كانت قد اكتُشفت حديثاً، وأصبحت مجموعة شركات بارناتو من كبريات الشركات المنتجة للذهب. وتُوفي بارناتو منتحراً عام 1897 حيث ألقى بنفسه من السفينة التي كانت تقله إلى إنجلترا.
ليونيل فيلبس (1855-1936)
‏Lionel Philips

من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وُلد في لندن ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا بعد اكتشاف مناجم الماس هناك. ولعب دوراً مهماً في تنظيم صناعة الماس في جنوب أفريقيا وفي التنظيم المالي والتطوير الفني لمناجم الذهب، وترأَّس بعض الشركات التعدينية المهمة، كما كان رئيساً لغرفة المناجم. وحُكم عليه بالغرامة والنفي بعد تورُّطه في مؤامرة سياسية كانت تهدف إلى الإطاحة بالحكومة، إلا أنه عاد للبلاد بعد حرب البويرBoer
(1899 ـ 1902) وأصبح عضواً في البرلمان ومُنح البارونية عام 1912.
سولومون جول (1865-1931 (
‏Sololmon Joel
من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وقد كان هو وأخواه أولاد أخى بارنيت بارناتو رجل المال والتعدين اليهودي الثري وورثته. وتعاون جول وشقيقاه مع عمهم في تطوير مناجم الذهب في جنوب أفريقيا. وبعد انتحار عمه ومقتل أحد أخويه، أصبح جول مدير إمبراطورية عمه المالية والتعدينية التي كانت تشمل نصيباً في شركة دي بيرز للماس وهي الشركة المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم.
وقد تميَّز جول بإنفاقه الباذخ والاستعراضي، وهو ما كان يميِّز الجيل الجديد من أثرياء ومليونيرات جنوب أفريقيا في بدايات القرن العشرين.
إرنست أوبنهايمر (1880-1957 (
‏Ernest Oppenheimer

من رجال الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وُلد في ألمانيا والتحق في سن مبكرة بشركة لتجارة الماس في لندن وقد أرسلته عام 1902 إلى جنوب أفريقيا حيث حقق نجاحاً كبيراً في مجال تجارة الماس. وأسَّس عام 1917 المؤسسة الأنجلو ـ أمريكية التي أصبحت تسيطر على شبكة واسعة من المصالح الصناعية والمالية والتعدينية. وفي عام 1929، ترأَّس أوبنهايمر مجلس إدارة شركة دي بيرز العملاقة للماس، وبالتالي أصبح على رأس صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وأصبحت هذه الشركة، في ظل إدارته، الشركة المسيطرة على تجارة الماس في العالم. كما كانت له مساهمات مهمة في اكتشاف وتطوير مناجم الذهب بعد الحرب العالمية الثانية.
وحصل أوبنهايمر على لقب «سير» عام 1921، وكان عضواً في البرلمان لمدة 14 عاماً. ورغم إنفاقه، هو وزوجته الأولى، بسخاء على المصالح والأعمال الخيرية اليهودية، إلا أنه تنصَّر عند زواجه الثاني من كاثوليكية، كما تنصَّر ابنه هاري فردريك (1908) الذي تولَّى إدارة إمبراطورية أبيه التعدينية والمالية والصناعية، كما ساهم في تطوير صناعة الماس في إسرائيل.
صمويل برونفمان (1891-1971 (
‏Samuel Bronfman
من رجال الصناعة الكنديين. التحق في سن مبكرة بتجارة أبيه في مجال الفندقة، ثم دخل مجال تجارة الخمور. ونجح، بعد فترة، في امتلاك أكبر معمل لتقطير الخمور في كندا والعالم. وأصبح برونفمان من أبرز الشخصيات العاملة في مجال تقطير الخمور في العالم.
ترأَّس برونفمان الفرع الكندي للمؤتمر اليهودي، كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، وشارك بشكل بارز في مجهودات المنظمات اليهودية للضغط على الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945 لبحث وضع فلسطين وتأمين الوجود الصهيوني بها. وقد اتسع إنفاقه الخيري، وبخاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية الخاصة بالجماعة اليهودية والخاصة بالنشاطات الصهيونية.

ويُعتبَر موقف برونفمان من الصهيونية مثل موقف غيره من اليهود المندمجين في المجتمعات الرأسمالية والذين يعتبرونها مصدراً للهوية الحضارية في ظل مجتمعات تآكلت فيها القيم الحضارية والأخلاقية، وتشكل هذه الهوية بالنسبة إليهم انتماءً حضارياً دينياً وليس انتماءً سياسياً قومياً. كما أن تأييدهم لإسرائيل ينبع من كونها مركزاً وقاعدة للحضارة والمصالح الغربية في الشرق.
دور الجماعات اليهودية الاقتصادي في مصر في العصر الحديث
‏Economic Role of the Jewish Communities in Egypt in Modern Times
ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان لعدد من العائلات والشخصيات اليهودية المصرية شأن كبير في أحوال مصر الاقتصادية وفي شئونها المالية والتجارية والصناعية. وكانت أغلب هذه العائلات من اليهود السفارد الذين وفدوا إلى مصر خلال القرن التاسع عشر وانضووا تحت الرعويات الأجنبية حتى يستفيدوا من الامتيازات القانونية والاقتصادية الممنوحة للأقليات الأجنبية في مصر خلال تلك الفترة، والتي أتاحت لهذه الأقليات، في ظل الوجود الاستعماري البريطاني، احتلال مكانة داخل الاقتصاد المصري لا تناسب حجمها الحقيقي. وقد قامت هذه العائلات اليهودية بتمثيل المصالح الأوربية المختلفة داخل مصر، سواء كانت فرنسية أو بريطانية أو إيطالية أو غيرها، وقامت بدور الوسيط لرأس المال الأوربي الباحث عن فرص الاستثمار داخل البلاد، أي أنها لعبت دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالاستعمار الغربي (ومما يجدر ملاحظته أن هذا الدور نفسه قامت به بعض الجماعات الأوربية وشبه الأوربية الأخرى، خصوصاً اليونانيين الذين حققوا قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية مماثلة تقريباً لما حققته طبقة كبار الأثرياء من اليهود) .

وتركَّز نشاط هذه العائلات اليهودية في الأنشطة المالية الربوية والائتمانية والتجارية، واندمجت بيوتات المال اليهودية في علاقات ووساطة مع البنوك الأوربية وارتبط نشاطها بالدرجة الأولى باقتصاديات زراعة وتجارة القطن وخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية البريطانية التي كانت تخطِّط لتحويل مصر إلى مزرعة للأقطان. ولعبت مجموعة عائلات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى وموصيري الدور الأكبر في هذا المجال وفي الاقتصاد المصري بشكل عام.
لقد ساهمت الجماعات المصرفية اليهودية في عملية التوسع الزراعي في مصر، واشتركت في عملية تصفية الدائرة السنية عام 1880 وبيعها لكبار الملاك الجدد ثم في تأسيس البنك العقاري المصري في العام نفسه بالتعاون مع رأس المال الفرنسي، للقيام بعمليات إقراض القطاع الزراعي الخاص الجديد وتمويل أعمال الزارعة وشراء الأقطان. وفي عام 1897، قامت هذه الجماعات المصرفية، بالتعاون مع رأس المال البريطاني، بتأسيس البنك الأهلي المصري بهدف تمويل المشروعات الخاصة بالتوسع الاقتصادي والاستعماري البريطاني في مصر مثل مشروع بناء خزان أسوان وقناطر أسيوط أو تنظيم شبكة الري في حوض النيل إلى جانب تمويل عمليات شراء ما تبقَّى من أراضي الدائرة السنية من قبل كبار الملاك.

واشتركت العائلات اليهودية أيضاً في تأسيس الشركات العقارية العديدة التي أقيمت في إطار مبيعات أراضي الدائرة السنية ثم في إطار الحجوزات العقارية بعد تَراكُم الديون على كبار وصغار الملاك المصريين نتيجة انخفاض الطلب على القطن المصري. وقد تأسَّس أكثر هذه الشركات في الفترة ما بين عامي 1880 و1905، وقامت بامتلاك الأراضي واستغلالها وبإقامة المشروعات العقارية والصناعية عليها وكذلك المضاربة فيها لتحقيق تَراكُم سريع لرأس المال. ومن أهم هذه الشركات شركة أراضي الشيخ فضل، وشركة وادي كوم أمبو. ومن أهم المشاريع الصناعية الزراعية التي أقامها اليهود على أراضي الدائرة السنية شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية التي أُقيمت عام 1897 بالتعاون مع رأس المال الفرنسي واحتكرت لفترة طويلة إنتاج السكر في مصر.
وساهم أعضاء الجماعات اليهودية أيضاً في إقامة الهياكل الأساسية اللازمة للتوسع الزراعي، وخصوصاً اللازمة لنقل وتجارة القطن وغيرها من المحاصيل الزراعية، فاهتموا بإنشاء خطوط النقل الحديدية مثل شركة سكك حديد قنا ـ أسوان (1895) ، وشركة سكك حديد الدلتا المصرية المحدودة وهما أهم شركتين لنقل الأقطان والسكر من الأراضي ومعامل التكرير. كما ساهموا في تأسيس شركة ترام الإسكندرية (عام 1896) التي كانت تقوم بنقل الأقطان إلى البورصة، واشتركوا أيضاً في إدارة بعض الشركات الملاحية مثل شركة الملاحة الفرعونية التي سُجلت عام 1937 وكانت تحتكر تقريباً نقل البضائع المصرية بحرياً. وإلى جانب مساهمتهم في تأسيس كثير من شركات النقل البري والبحري، ساهم أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في عملية التوسع العمراني التي صاحبت التوسع الزراعي. فساهموا، على سبيل المثال، في تأسيس حي سموحة بالإسكندرية وحي المعادي بالقاهرة، وفي إدارة العديد من شركات تقسيم وبيع الأراضي وشركات صناعة البناء.

كما لعب المموِّلون اليهود من أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في مجال تصدير القطن والمحاصيل الزراعية، وكان أكثر من 50%من الشركات المصدرة للقطن في الإسكندرية (قبل التأميم) مملوكة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يحتلون مواقع إدارية مهمة في الشركات الأخرى، كما تركزوا في القطاعات الخاصة وفي تصدير بعض المحاصيل الزراعية المهمة مثل البصل والأرز. ونشطوا في عمليات استيراد السلع والوكالة التجارية للشركات الأجنبية، وبخاصة مع بداية العشرينيات، لاستغلال وفرة الأموال في أيدي أغنياء الحرب والرواج الذي جاء في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وقد قامت المحلات التجارية الكبيرة المملوكة للعائلات اليهودية، مثل محلات شيكوريل وشملا وبنزيون وعدس وغيرها، بتسويق هذه الواردات السلعية، خصوصاً المنسوجات البريطانية.
وقد ارتبطت العائلات اليهودية، سواء من خلال المؤسسات المالية والائتمانية أو من خلال المؤسسات التجارية التي كانت تمتلكها والتي كان أفرادها يحتلون فيها مواقع إدارية مهمة، بشبكة من علاقات العمل المتداخلة تدعمها علاقات المصاهرة.
ويمكن تقدير مدى مساهمة أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال عضويتهم في مجالس إدارة الشركات المساهمة التي سيطرت على أهم قطاعات الأعمال في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن اليهود احتلوا 15,4% من المناصب الرئاسية و16% من المناصب الإدارية عام 1943، وانخفضت هذه النسبة إلى 12,7% و12,6% عامي 1947 و1948، وإلى 8,9% و9,6% عام 1951. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة اليهود في مجالس إدارة الشركات المساهمة كانت 18% عام 1951. والواقع أن هذه نسب مرتفعة إذا ما قورنت بنسبتهم لإجمالي السكان والتي بلغت عام 1950 نحو 0,4% فقط.

وكان معظم رأس المال اليهودي متمركزاً عام 1956، وقبل قرارات التأميم، في الشركات العقارية يليه قطاع حلج وغزل ونسج القطن ثم التأمين والبنوك. وكانت هذه القطاعات هي أكثر القطاعات ربحية في الاقتصاد المصري، وبخاصة خلال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينيات.
وفي شأن دور أعضاء الجماعات اليهودية في اقتصاد مصر، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى عمليات التأميم عام 1956، يمكننا أن نلاحظ ما يلي:
1 ـ لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً لا باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أعضاء في التشكيل الاستعماري الغربي الذي أتوا معه (وقد جاءت معهم أيضاً الأقليات الغربية الأخرى مثل اليونانيين والإيطاليين والإنجليز ... إلخ) واستقروا ضمن إطار الامتيازات الأجنبية وأسسوا علاقات مع المجتمع هي في جوهرها علاقات استعمارية. ولذا، يُلاحَظ بشكل ملموس غياب يهود مصر المحليين، خصوصاً القرّائين، عن هذا القطاع الاقتصادي النشيط، فلم يكن عندهم رأس المال ولا الكفاءات ولا الاتصالات للاضطلاع بمثل هذا الدور.
2 ـ يُلاحَظ أن كبار المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين الاقتصاد العالمي الغربي والاقتصاد المحلي. وقام أعضاء الجماعات اليهودية بدور ريادي نشيط في عدد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية الجديدة التي يتطلب ارتيادها كفاءة غير عادية وجسارة، وهو الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات الوظيفية، وقد اشترك فيه معهم المموِّلون من أعضاء الجاليات الأجنبية الأخرى.
3 ـ تركَّز هؤلاء المموّلون في صناعات وقطاعات مالية قريبة من المستهلك (حلج القطن ـ المصارف ـ تسويق السلع ـ العقارات ... إلخ) وهي قطاعات بعيدة عن الصناعات الثقيلة. ويعزى نشاط أعضاء الجماعات اليهودية في قطاع الزراعة إلى نظام ملكية الأراضي في مصر الذي فتح الباب على مصراعيه للأجانب (اليهود وغيرهم (.

4 ـ ومع تزايُد فاعلية القوى الوطنية ونشاطها في القطاع الاقتصادي، بدأ نشاط الطوائف الأجنبية يتراجع بما في ذلك نشاط المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية.
5 ـ وحينما تم التأميم عام 1956، كان ذلك تتويجاً لتصاعُد هذه الحركة واختزالاً لبقية المرحلة. وقد كان قرار التأميم موجَّهاً ضد المموِّلين الأجانب والمصريين ممن كان الحكم المصري يرى أن نشاطهم يربط الاقتصاد الوطني بعجلة الاستعمار الغربي ويعوق عمليات التنمية من خلال الدولة والتي تبناها هذا النظام الوطني. ولذا، فقد هاجر كثير من هؤلاء المموِّلين وغيرهم من المموِّلين الأجانب والمصريين.

لكل ما تقدَّم، يكون من الصعب جداً الحديث عن «رأسمالية يهودية في مصر» أو «مخطَّط يهودي للهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الوطني في مصر» . فقدوم أعضاء الجماعات اليهودية إلى مصر ونشاطهم الاقتصادي فيها وخروجهم منها تم داخل إطار الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك بُعد يهودي يعطي خصوصية يهودية لنشاط الجماعة اليهودية في مصر. وإذا كان هناك 10% من المناصب الإدارية الرئاسية في أيد يهودية، فإن نحو 90% من هذه المناصب تظل في أيد غير يهودية، ونسبة كبيرة منها في أيدي اليونانيين والإيطاليين وغيرهم. وإذا كان ثمة تعاطُف مع الحركة الصهيونية، فإنه لم يأخذ شكل ظاهرة عامة أو نمط متكرر وإنما كان اتجاهاً فردياً يمكن تفسيره هو الآخر في إطار انتماء المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيل الاستعماري الغربي. وتجب الإشارة إلى أن تأييد بعض الأثرياء اليهود للنشاط الصهيوني يمكن أن نضعه في إطار ما يُسمَّى «الصهيونية التوطينية» ، فقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر هجرة أعداد من يهود شرق أوربا (الإشكناز) إليها، كان أغلبهم من الشباب الفقير وكانوا يختلفون ثقافياً وعقائدياً وطبقياً عن الأرستقراطية السفاردية المصرية. كما تورَّط كثير منهم في الأنشطة المشبوهة، خصوصاً الدعارة، وهو ما دفع السفارد لإطلاق لقب «شلخت» ، أي الأشرار، عليهم. وكان وجودهم يهدد بخلق أعباء مادية ومشاكل اجتماعية محرجة لأثرياء اليهود. ولذلك، فقد كان دعم بعض أعضاء الأرستقراطية السفاردية للأنشطة الصهيونية في مصر يهدف إلى تحويل هذه الهجرة إلى فلسطين بعيداً عن مصر. كما سعى بعضهم لدى السلطات المصرية لوقف الهجرة اليهودية القادمة إلى مصر كليةً.
هذا، ويمكن القول بأن وضع يهود مصر والدور الذي اضطلعوا به هو نمط متكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية وأعضاء الجماعات الوظيفية الغربية الأخرى في العالم العربي ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر.
عائلة رولو

‏The RoloFamily
«رولو» اسم عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر واحتفظت بالجنسية البريطانية. وقد امتلك روبين رولو مؤسسة تجارية تخصَّصت أساساً في استيراد النيلة (صبغة) . وفي عام 1870، أسس ولداه جياكومو (يعقوب) (1847 ـ 1917) وسيمون، مع بعض الشركاء، مؤسسة مالية وتجارية باسم «روبين رولو وأولاده وشركاهم» . وتعاونت عائلة رولو من خلال هذه المؤسسة مع عائلتي قطاوي وسوارس في العديد من المشاريع التي أقاموها بالتعاون مع المالي البريطاني سير إرنست كاسل ـ خصوصاً مشاريع الدائرة السنية وإقامة سكك حديد حلوان وتأسيس البنك العقاري المصري والبنك الأهلي المصري. وخلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1907، صفَّى جياكومو المؤسسة ثم أقام مع أبنائه الثلاثة مؤسسة رولو وشركاه والتي جمعت بين الأنشطة المصرفية والمالية وتجارة الجملة في القطن والسكر والأرز والفحم والبن، كما امتلكت حصصاً كبيرة في بعض الشركات العقارية الكبرى (مثل: شركة وادي كوم أمبو وشركة أراضي الشيخ فضل) وشركة مصانع السكر. وعند وفاته، ترك جياكومو رولو ثروة من العقارات تُقدَّر بنحو 70 ألف جنيه. أما ابنه الأكبر روبير جياكومو رولو (1876 ـ؟) ، فقد درس في بريطانيا، وانتُخب رئيساً للطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة 1934 ـ 1948. وكان روبير جياكومو مناهضاً للصهيونية، واستقال من رئاسة الطائفة عام 1948 قبل اندلاع حرب فلسطين مباشرة بسبب خلافه مع حاخام الإسكندرية المؤيد للصهيونية.

أما روبير رولو (1869 ـ؟) ، فحقق مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ودرس القانون في باريس ثم تولَّى رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات التي ساعد أباه في تأسيسها. وكان مستشاراً قانونياً للملك فؤاد الأول ومقرباً له فقام بدور الوسيط بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني، وعملت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وحصل هو على لقب «سير» عام 1938. وكان روبير جياكومو من كبار أعضاء الجماعة اليهودية في مصر، ولكنه لم يشارك في شئونها.
عائلة سوارس
‏The Suares Family

«سوارس» اسم عائلة سفاردية من أصل إسباني استقرت في مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحصلت على الجنسية الفرنسية. وقد أسَّس الإخوة الثلاثة، روفائيل (1846 ـ 1902) ويوسف (1837 ـ 1900) وفيلكس (1844 ـ 1906) ، مؤسسة سوارس عام 1875. وفي عام 1880، قام روفائيل سوارس، بالتعاون مع رأس المال الفرنسي ومع شركات رولو وقطاوي، بتأسيس البنك العقاري المصري، كما قام بالتعاون مع رأس المال البريطاني الذي مثَّله المالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل بتأسيس البنك الأهلي المصري عام 1898 وتمويل بناء خزان أسوان. كما اشترك سوارس مع كاسل وعائلة قطاوي في شراء 300 لف فدان من أراضي الدائرة السنية وإعادة بيعها إلى كبار الملاك والشركات العقارية. كذلك اشترك سوارس مع رأس المال الفرنسي في تأسيس شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية عام 1897 والتي ضمتها عام 1905 شركة وادي كوم أمبو المساهمة، وكانت من أكبر المشاريع المشتركة بين شركات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى، وكانت واحدة من أكبر الشركات الزراعية في مصر. وفي مجال النقل البري، أسست العائلة شركة «سوارس لعربات نقل الركاب» ، وتعاونت مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية. كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سُمِّي أحد الميادين باسم «ميدان سوارس» (مصطفى كامل الآن) . وامتلكت عائلة سوارس حصصاً وأسهما في العديد من الشركات، واحتل كثير من أفرادها مواقع رئاسية وإدارية في كثير منها. فتولى ليون سوارس (ابن فليكس سوارس) إدارة شركة أراضي الشيخ فضل وإدارة شركة وادي كوم أمبو. وعند وفاة أبيه، ترك ليون مؤسسة سوارس ليخلف أباه في إدارة البنك الأهلي والبنك العقاري المصري. ولم تلعب عائلة سوارس دوراً كبيراً في شئون الجماعة اليهودية باستثناء إدجار سوارس الذي تولَّى رئاسة الجماعة في الإسكندرية في الفترة من 1914 ـ 1917.
عائلة شيكوريل

‏The Cicurel Family
عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي. وقد جاء مورينو شيكوريل إلى مصر قادماً من تركيا واستقر فيها، وعمل بأحد محلات عائلة هانو اليهودية، ثم اشترى المحل عام 1887. وفي عام 1909، افتتح محلاًّ جديداً في ميدان الأوبرا والذي حوَّله أبناؤه سالومون ويوسف وسالفاتور إلى واحد من أكبر المحلات التجارية في مصر. وفي عام 1936، انضمت لهم عائلة يهودية أخرى، فأصبحوا يمتلكون معاً مجموعة محلات أركو.
وقد كان يوسف (بك) شيكوريل من مؤسسي بنك مصر (عام 1920) ، كما كان أخوه سلفاتور (بك) شيكوريل عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات وعضواً في مجلس إدارة الغرفة التجارية المصرية ثم رئيساً لها. وكان ضمن البعثة الاقتصادية المصرية التي سافرت إلى السودان بهدف تعميق العلاقات التجارية بين البلدين وفتح مجالات جديدة أمام رؤوس الأموال المصرية في السودان. وفي عام 1946، ترأَّس سلفاتور الطائفة الإسرائيلية خلفاً لرينيه قطاوي (وكان آخر رئيس لها) ، كما ترأَّس المنظمة الصهيونية بالقاهرة وكان من مؤسسي جماعة أصدقاء الجامعة العبرية.
عائلة قطاوي
‏The Cattaui Family

عائلة مصرية يهودية برز عدد من أفرادها في النشاط السياسي والاقتصادي في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وترجع أصولها إلى قرية قطا شمالي القاهرة. بدأ دور هذه العائلة مع نزوح أليشع حيدر قطاوي إلى القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر حيث حصل ابنه يعقوب (1801 ـ 1883) على امتيازات من الحكومة للقيام بأنشطة تجارية ومالية، وكان أول يهودي مصري يمنح لقب «بك» . كما حصل على لقب «بارون» من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حملت العائلة جنسيتها. وقد أوكلت إليه نظارة الخزانة في فترة حكم الخديوي عباس الأول (1849 ـ 1854) ، واحتفظ بهذا المنصب خلال حكم الوالي سعيد والخديوي إسماعيل، وتولَّى في أواخر أيامه رئاسة الجماعة اليهودية في القاهرة التي كانت تُسمَّى «الطائفة الإسرائيلية» . وبعد وفاته، خلفه ابنه موسى قطاوي (1850 ـ 1924) في رئاسة الطائفة، واختير عضواً في البرلمان المصري، كما مُنح لقب الباشوية. وكان موسى قطاوي من كبار رجال المال والبنوك، وتولَّى إدارة عدد من الشركات وساهم في تمويل مشاريع السكك الحديدية في صعيد مصر وشرق الدلتا ومشاريع النقل العام في القاهرة بالتعاون مع عائلات سوارس ورولو ومنَسَّى.

وبعد وفاة موسى، انتقلت رئاسة الطائفة إلى يوسف أصلان قطاوي (1816 ـ 1942) الذي درس الهندسة في باريس وعمل عند عودته موظفاً في وزارة الأشغال العامة. ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة أصول صناعة السكر وعاد إلى مصر ليؤسس مصنعاً للسكر، واختير عضواً في العديد من المجالس الاستشارية للمؤسسات الصناعية والمالية واشترك عام 1920 بالتعاون مع طلعت حرب ويوسف شيكوريل في تأسيس بنك مصر. وفي عام 1915، كان يوسف قطاوي عضواً في الوفد المصري الساعي إلى التفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال لمصر، كما اختير عام 1922 عضواً في اللجنة التي أُسندت إليها مهمة وضع دستور مصري جديد في أعقاب الثورة المصرية (1919) والتصريح البريطاني بمنح مصر استقلالها الشكلي (1923) . وقد عمل يوسف أصلان قطاوي وزيراً للمالية عام 1924 ثم وزيراً للمواصلات عام 1925، وانتُخب عام 1923 عضواً في مجلس النواب عن دائرة كوم أمبو، كما كان عضواً في مجلس الشيوخ في الفترة من 1927 وحتى 1936. ونشر عام 1935 دراسة بالفرنسية تدافع عن سياسة الخديوي إسماعيل الاقتصادية. وقد تزوج من عائلة سوارس اليهودية الثرية وكانت زوجته وصيفة للملكة نازلي.
وبعد وفاة يوسف أصلان، انتُخب ابنه أصلان ليشغل مقعد أبيه في مجلس الشيوخ عام 1938، كما عمل سكرتيراً عاماً لمصلحة الأملاك الأميرية التابعة لوزارة المالية ومندوباً عن الحكومة المصرية في شركة قناة السويس ومندوباً للحكومة في البنك الأهلي المصري. أما ابنه الثاني رينيه، فقد اختير عام 1943 رئيساً للجماعة اليهودية في القاهرة. وكان عضواً في البرلمان كما كان يدير عدة مشروعات اقتصادية، ونشر بين عامي 1931 و 1936 ثلاثة مجلدات تشكل تأريخاً لفترة حكم محمد علي. وكان يوسف قطاوي من مؤسسي جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية. وفي عام 1957، غادر الأخوان رينيه وأصلان مصر واستقرا في أوربا.

أما آخر الشخصيات البارزة في عائلة قطاوي، وهو جورج قطاوي، فقد كانت اهتماماته أدبية في المقام الأول حيث نشر عدة دراسات عن الأدبين الإنجليزي والفرنسي، كما كان يكتب الشعر بالفرنسية. وقد اعتنق المذهب المسيحي الكاثوليكي مع العديد من المثقفين المصريين اليهود السفارد الذين تخلوا عن اليهودية.
وعلى عكس ما تدَّعي بعض المصادر الصهيونية، ليس ثمة ما يشير إلى تعاطُف الشخصيات الرئيسية في عائلة قطاوي مع المشروع الصهيوني من بعيد أو قريب، ولا إلى قيامهم بأية أنشطة من شأنها دعم هذا المشروع. بل عارض كلٌّ من يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي الصهيونية، حينما تولَّى كلٌّ منهما رئاسة الطائفة اليهودية في مصر. وحذر رينيه قطاوي يلون كاسترو، زعيم الحركة الصهيونية في مصر، من الدعوة للهجرة إلى فلسطين باعتبار أن ذلك يمس علاقة الجماعة بالسلطات المصرية. كما دعت عائلة قطاوي إلى اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع المصري وشجع يوسف أصلان قطاوي تأسيس «جمعية الشبان اليهود المصريين» (1934/1935) وجريدة الشمس الأسبوعية الصادرة بالعربية، وقد كان هدفهما «تمصير» أعضاء الجماعة وتعميق انتمائهم للوطن المصري.
عائلة مِنَسَّى
‏The Menasce Family

«منَسَّى» أو «دي منَسَّى» أو «منَسَّه» ، لكن النطق الشائع في مصر هو «منشه» . ويُوجَد شارع في الإسكندرية يُسمَّى «شارع منشَّه» . ومنَسَّه عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر من إسبانيا، ويعود أول ذكر لوجودها في مصر إلى القرن الثامن عشر. بدأ يعقوب دي منَسَّى (1807 ـ 1887) حياته صرَّافاً في حارة اليهود، وتدرَّج في عمله حتى أصبح صراف باشا للخديوي إسماعيل. ثم أسس بالتعاون مع يعقوب قطاوي مؤسسة مالية وتجارية (بيت منَسَّى وأولاده) أصبح لها أفرع في مانشستر وليفربول ولندن وباريس ومارسيليا وإستانبول، كما اشترك بالتعاون مع الخديوي إسماعيل في تأسيس البنك التركي المصري، وارتبط نشاطه بكثير من شركات ومشاريع عائلتي قطاوي وسوارس.
وفي عام 72/1873، مُنح يعقوب دي منَسَّى الحماية النمساوية، وفي عام 1875 مُنح لقب البارونية والجنسية النمساوية المجرية تقديراً للخدمات التي قدمها للتجارة النمساوية المجرية ـ المصرية. وترأَّس يعقوب دي منَسَّى الطائفة اليهودية في القاهرة عام 1869، ثم انتقل عام 1871 إلى الإسكندرية حيث أسَّس معبد منَسَّى ومقابر منَسَّى ومدارس منَسَّى، وترأَّس ابنه ديفيد ليفي دي منَسَّى (1830ـ 1885) رئاسة الطائفة في الإسكندرية وخلفه في رئاستها ابنه جاك (1850 ـ 1916) الذي احتفظ بها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حينما اعتبرته السلطات البريطانية عدواً لأنه كان يحمل الجنسية النمساوية المجرية. وقد نقل جاك أعمال الأسرة من الأعمال المالية والمصرفية إلى تجارة القطن والسكر المربحة، واشترى مساحات واسعة من الأراضي في دلتا وصعيد مصر. ووصلت ثروته عند وفاته إلى ما بين 300 و500 ألف جنيه مصري.

أما الشقيق الأصغر فليكس يهودا (1865 ـ 1943) ، فدرس في فيينا وأسَّس فرع بيت منَسَّى في لندن وترأَّس الطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1926 و1933. وكان فليكس دي منَسَّى صديقاً لحاييم وايزمان، فأسَّس وترأَّس اللجنة المؤيدة لفلسطين عام 1918 كما مثَّل الحركة الصهيونية المصرية في لندن لدى المؤتمر الثاني عشر (1921) .
أما ابنه جان قطاوي دي منَسَّى (1896 ـ؟) فقد اعتنق الكاثوليكية وانضم إلى الرهبان الدومينيكان وقام بالدعوة إلى المسيحية في الإسكندرية (وهذا نمط متكرر بين اليهود السفارد الذين كانوا يعيشون في الشرق العربي) .
عائلة موصيري
‏The Mosseri Family
«موصيري» اسم عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية. وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده. وتزوج الابن الأكبر نسيم (بك) موصيري (1848 ـ 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، وأصبح نائب رئيس الطائفة الإسرائيلية في القاهرة وهو منصب توارثته العائلة من بعده. ولم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 ـ 1940) ابن نسيم (بك) ، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 ـ 1934) وجاك (1884 ـ 1934) وموريس، بنك موصيري. حقَّق إيلي موصيري مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في إنجلترا وتزوج من ابنة فليكس سوارس. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل صدقي، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوربية اليهودية مثل بيوت روتشيلد ولازار وسليجمان، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر.

ومن أفراد العائلة الآخرين جوزيف موصيري الذي أسَّس شركة «جوزي فيلم» للسينما عام 1915 والتي أقامت وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي وتحوَّلت إلى واحدة من أكبر الشركات العاملة في صناعة السينما المصرية. أما فيكتور موصيري (1873ـ 1928) ، فكان مهندساً زراعياً مرموقاً وكانت له إسهامات مهمة في مجال زراعة القطن وصناعة السكر.
وقد ارتبط اثنان من أعضاء عائلة موصيري بالنشاط الصهيوني، فقد أسَّس جاك موصيري الذي درس في إنجلترا وحضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (عام 1913) المنظمة الصهيونية في مصر (عام 1917) . أما ألبير موصيري (1867 ـ 1933) ، فدرس الطب في فرنسا حيث تعرَّف إلى هرتزل ونوردو، وبدأ في إصدار جريدة صهيونية باسم «قديماه» وخدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى كطبيب. وبعد الحرب، ترك الطب وبدأ (عام 1919) في إصدار جريدة أسبوعية في القاهرة بعنوان إسرائيل صدرت في البداية بالعبرية فقط ثم بالعربية والفرنسية بعد ذلك. وقد استمرت زوجته في إصدار الجريدة بعد وفاته وحتى عام 1939 حينما هاجرت إلى فلسطين. وقد خدم ابنهما مكابي موصيري (1914 ـ 1948) كضابط في البالماخ وقُتل في إحدى العمليات العسكرية أثناء حرب 1948.
فيكتور هراري (1857-1945 (
‏Victor Harari

مموِّل مصري يهودي سفاردي اسمه (سير) فيكتور. جاء والده إلى مصر في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر قادماً من بيروت. وقد أكمل هراري دراسته في إنجلترا وفرنسا، ثم عمل موظفاً في وزارة المالية المصرية وأصبح مدير الحسابات المركزية ثم مدير الخزانة، كما كان مندوب الحكومة المصرية في لجنة إصلاح ميزانية الأوقاف. وفي عام 1905، بدأ نشاطه الخاص وأصبح مُمثِّلاً للمالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل، وترأَّس عدداً من الشركات التي أُقيمت بالتعاون بين كاسل ومجموعة قطاوي ـ سوارس ـ منَسَّى ـ رولو، وانتخب عام 1929 عضواً بمجلس إدارة البنك الأهلي المصري. وحصل على لقب سير عام 1928 تقديراً للخدمات التي قدَّمها للحكومة البريطانية.
يوسف بتشوتو (1857-1945)
‏Joseph Betshoto
اقتصادي مصري يهودي وُلد في الإسكندرية لعائلة سفاردية ذات أصول إيطالية قدمت إلى مصر من حلب. وقد بدأ حياته موظفاً في مؤسسة تجارية، وأسَّس عام 1896 تجارته الخاصة فأقام عام 1917 شركة لاستيراد المنسوجات القطنية. واكتسب بتشوتو سمعة طيبة كخبير اقتصادي، كما كان عضواً في مجالس إدارة عدد من الشركات وعضواً بالغرفة التجارية بالإسكندرية. وعُيِّن عام 1922 عضواً بالمجلس الاقتصادي للحكومة المصرية. وكان بتشوتو متعاطفاً مع الحركة الوطنية المصرية، فانضم إلى حزب الوفد وانتُخب عضواً بمجلس النواب ثم دخل مجلس الشيوخ عام 1924. كما كان نائباً لرئيس اللجنة المؤيدة لفلسطين والتي تأسست عام 1918 ورئيساً للبناي بريت (أبناء العهد) في الإسكندرية.

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت