نتائج البحث عن (فيه نظر) 3 نتيجة

يستعمل الجمهور هذه العبارة في تضعيف الرواة والأحاديث والأحكام ونحو ذلك ، وكذلك اصطلاح الإمام البخاري فيها ؛ فقد قال الحافظ المزي في (تهذيب الكمال) (18/265) في آخر ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق: (قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بيّن مسلم جَرْحَهُ في صدْرِ كتابه ؛ وأما البخاري فلم يُنبّه من أمره على شيء ، فدل أنه عنده على الاحتمال ، لأنه قد قال في "التاريخ": « كل من لم أبين فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال ، وإذا قلت: فيه نظر ، فلا يحتمل» ).
ولقد ادعى جماعة من العلماء المتأخرين رحمهم الله أن البخاري رحمه الله لا يُطلق عبارة (فيه نظر) إلا فيمن كان متهماً عنده ، وفيمن اشتد ضعفه فنزل إلى مرتبة المتروكين والساقطين؛ بل منهم من نسب إلى البخاري نفسِه تفسير اصطلاحه هذا بنحو هذا المعنى ؛ ولكن التحقيق العلمي كشف وهاء هذه الدعاوى وبين عدم صحتها؛ وإليك البيان والتدليل:
1- نقل الحافظ الذهبي عن البخاري أنه قال: (إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه).
فقد قال الذهبي في (السير) (12/440-441): (وقال بكر بن منير سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
قلت: صدق رحمه الله ، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه ؛ فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث ، سكتوا عنه ، فيه نظر ، ونحو هذا ؛ وقلَّ أن يقول: فلان كذاب ، أو كان يضع الحديث ؛ حتى إنه قال: "إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه"؛ وهذا معنى قوله لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً؛ وهذا هو والله غاية الورع)
.
2- قال الذهبي في (الميزان) (2/416): (وقد قال البخاري: "فيه نظر" ، ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً ).
3- قال الذهبي في (الميزان) أيضاً (3/51-52) في ترجمة عثمان بن فائد: (قال البخاري: "في حديثه نظر" ، وقلَّ أن يكون عند البخاري رجلٌ فيه نظر إلا وهو متهم )(1).
4- قال الحافظ العراقي في أوس بن عبد الله بن بريدة: (ضعيف جداً ، قال البخاري: فيه نظر ، وهذه العبارة يقولها البخاري في من هو متروك )؛ نقله ابن حجر في (القول المسدد) (ص10).
5- قال العراقي في (شرح ألفيته) (2/11): (فلان فيه نظر، وفلان سكتوا عنه: هاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه).
6- قال ابن حجر في (مقدمة الفتح) (ص480): (وللبخاري في كلامه على الرجال توق زائد وتحرٍّ بليغ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل ، فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه ؛ ونحو هذا ؛ وقلَّ أن يقولَ: كذاب ، أو وضاع ؛ وإنما يقول: كذبه فلان، رماه فلان ، يعني بالكذب).
وعبارة ابن حجر هذه ليست صريحة في معنى قول البخاري (فيه نظر)، بل هي محتملة ، وقد نقلتها على الاحتمال؛ مع أنه سيأتي عن ابن حجر تفسير صريح لمعنى قول البخاري (فيه نظر).
7- قال ابن خلدون في (المقدمة) (ص 295): (وياسين العجلي وإن قال فيه ابن معين: ليس به بأس ؛ فقد قال البخاري: فيه نظر؛ وهذه اللفظة من اصطلاحه قوية في التضعيف جداً).
8- قال السخاوي في (الإعلان بالتوبيخ) (ص125): (كان [البخاري] لمزيد ورعه قلَّ أن يقول: "كذاب" أو "وضاع" ؛ أكثر ما يقول "سكتوا عنه" ، "فيه نظر" ، "تركوه" ، ونحو هذا ؛ نعم ربما يقول: "كذبه فلان" أو "رماه فلان بالكذب" ).
9- قال السخاوي في (فتح المغيث) (2/122): (وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين الأخيرتين [يعني " فيه نظر" و "سكتوا عنه" ] فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير(2): إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها ؛ قلت [القائل السخاوي]: لأنه لورعه قل أن يقول: كذاب، أو وضاع ، نعم ربما يقول: كذبه فلان ، ورماه فلان بالكذب).
10- قال السيوطي في (تدريب الراوي) (1/394): (البخاري يطلق "فيه نظر"، و "سكتوا عنه" فيمن تركوا حديثه؛ ويطلق "منكر الحديث" على من لا تحل الرواية عنه).
11- قال العلامة المعلمي في (التنكيل) في ترجمة (جرير بن عبد الحميد) من قسم التراجم: (قال البخاري: "فيه نظر" ، وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري كما مر في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني ).
وترجم المعلمي في (التنكيل) (ص495) أبا نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانئ فقال بعد أن ذكر وصف ابن معين له بالكذب وأشار إلى أن ذلك لا يخلو من احتمال أن يكون على غير ظاهره الذي هو تعمد الكذب: (فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي ----.
فأما النخعي فقد قال العجلي: ثقة.
وقال أبو حاتم: لا بأس به يكتب حديثه.
وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان)
(2/416).
وقال البخاري: (فيه نظر وهو في الأصل صدوق).
وكلمة (فيه نظر) معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري لكن تعقيبه هنا بقوله: (وهو في الأصل صدوق) يخفف من وطأتها ) ؛ انتهى كلام المعلمي.
وقال المعلمي في (التنكيل) أيضاً (ص412): (وذكروا أن البخاري يقول: "فيه نظر" أو "سكتوا عنه" فيمن هو عنده ضعيف جداً ، قال السخاوي في "فتح المغيث": ---- )(3).
هذه الدعاوى كلها فيها نظر ، وأما ما نقله الذهبي من كلام معزوٍّ للبخاري فأراه غير ثابت عنه ، بل هو منكر عنه ، ولقد انتهى التحقيق إلى خلافه(4) ، فإليك ما يلي من النقول:
النقل الأول: قال المزي في (تهذيب الكمال ) في آخر ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق (تهذيب الكمال) (18/265): ( قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بيّن مسلم جَرْحَهُ في صدْرِ كتابه ؛ وأما البخاري فلم يُنبّه من أمره على شيء ، فدل أنه عنده على الاحتمال ، لأنه قد قال في "التاريخ ": "كل من لم أبين فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال ، وإذا قلت: فيه نظر ، فلا يحتمل" ).
النقل الثاني: قال المزي في (تهذيب الكمال) (19/416): (قال ابن يربوع في عثمان بن عمر التيمي: "هو على أصل البخاري محتمل" ).
النقل الثالث: قال الترمذي ، وهو تلميذ البخاري وأعلم الناس به ، في (العلل الكبير) عقب نقلِه قول البخاري في حكيم بن جبير (لنا فيه نظر ): (ولم يعزم فيه على شيء ).
كذا فهم الترمذي عبارة شيخه ، أنه متردد في في حكيم بن جبير أو متوقف فيه ، والتردد لا يقع من البخاري أو غيره من العلماء في حق المتهمين أو المتروكين.
النقل الرابع: كان لابن عدي - وهو جِدُّ خبير بالبخاري - أكثر من تفسير لقول البخاري (فيه نظر )، ويظهر أن هذه التفاسير تعتمد على اختلاف سياق كلام البخاري وعلى القرائن الأخرى ، كما يأتي بيانه من كلام الشيخ حاتم العوني.
النقل الخامس: قال الحافظ ابن حجر في كتابه (بذل الماعون ) في ترجمة أبي بلج الفزاري بياناً لمعنى قول البخاري (فيه نظر ): ( وهذه عبارته فيمن يكون وسطاً ).
النقل السادس: قال الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله في تعقيب له على كلام الذهبي والعراقي المتقدمين: (لا ينقضي عجبي حين أقرأ كلام العراقي، هذا، وكلام الذهبي، أن البخاري لا يقول: فيه نظر، إلا فيمن يتهمه غالباً؛ ثم أرى أئمة هذا الشأن لا يعبأون بهذا، فيوثقون من قال فيه البخاري: فيه نظر، أو يدخلونه في الصحيح) ؛ نقله الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على (الرفع والتكميل) ، انظر (ص388-392).
النقل السابع: قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في حاشية (الرفع والتكيل) بعد أن ذكر أحد عشر مثالاً شاهداً لكلام الأعظمي السابق: (والصواب عندي أن ما قاله العراقي ليس بمطرد، ولا صحيح على إطلاقه، بل كثيراً ما يقوله البخاري ولا يوافقه عليه الجهابذة، وكثيراً ما يقوله ويريد به إسناداً خاصاً، كما قال في (التاريخ الكبير) في ترجمة (عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد رائي الأذان): (فيه نظر، لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض) ؛ وكثيراً ما يقوله ولا يعني الراوي ؛ فعليك بالتثبت والتأني).
النقل الثامن: قام الأستاذ الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني بدراسة موازنة استقرائية ، جمع فيها المواطن التي أطلق فيها البخاري تلك اللفظة ، ووازنها بأقوال العلماء غيره في الذين قيلت فيهم ، فخرج بأن من قيل فيه انه ( فيه نظر ) فإنه تليين خفيف الضعف ، وأن البخاري في إطلاق هذه العبارة مثل غيره من الأئمة ، لا كما زُعم من أن له اصطلاحاً خاصاً به في إطلاقها؛ وقد كتب الدكتور مسفر خلاصة بحثه هذا في مقالة نشرها في "ملتقى أهل الحديث" ، سنة 2005هـ، تحت عنوان (قول البخاري: فيه نظر) ، ولكنه لم يتمها؛ ووصف الأصل بقوله (وقد ضمنت أهم نتائجه في مقدمة كتابي " قول البخاري: سكتوا عنه ونحوه " ---- وهذا البحث كتبته منذ عشرين عاماً تقريباً)؛ وذكر أنه غير مطبوع وأن عنوانه (قول البخاري فيه نظر ونحوه)،
وقال الدكتور مسفر في مقالة "الملتقى" المذكورة: (وأحب أن ألخص هنا تلك النتائج التي انتهيت إليها [يعني في بحثه المشار إليه]:
أولاً: تعددت ألفاظ البخاري في هذا المعنى ، وهذه ألفاظه أسوقها بحسب عدد مرات ورودها(5)
:
فيه نظر ، في إسناده نظر، في حديثه نظر ، فيه بعض النظر ، حديثه فيه نظر ، فيه نظر في حديثه ، فيه نظر في إسناده ، فيه نظر ولا يتابع عليه ، فيه نظر ، لم يصح حديثه ( لا يصح حديثه ) ، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه ، في صحة خبره نظر ، في حديثه نظر لا يحتمل ، لا يعرف إلا بحديث فيه نظر ، فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض، عنده مناكير وفيه نظر، في نفس الحديث نظر، في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر، في حفظه نظر، في موته نظر، في قصة وفاته نظر.
ولما كانت هذه الألفاظ مختلفة المؤدى والغرض فقد رأيت أن أجمع ما تقارب منها في اللفظ والنتيجة، أو في اللفظ دون النتيجة في مجموعة واحدة، مراعياً في ذلك اللفظ الذي وردت به، وحال الراوي الذي قيلت فيه، بعد سبر أقوال العلماء فيه، فتلخص لي من ذلك ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: التراجم التي قال فيها: فيه نظر ، ويلحق بها: فيه نظر في حديثه ، فيه بعض النظر ، فيه نظر ولا يتابع عليه ، فيه نظر لم يصح حديثه ، أو: لا يصح حديثه ، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه ، فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض ، عنده مناكير وفيه نظر ، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه.
المجموعة الثانية: التراجم التي قال فيها: في حديثه نظر ، وألحقت بها نوعين من التراجم:
النوع الأول: ألفاظ وردت في بعض التراجم تقارب ما تقدم في اللفظ وفي نتيجة الحكم على الرواة وهي: حديثه فيه نظر ، ( ولم يصح ) ولا يصح حديثه في حديثه نظر ، وفي حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر ، ولا يعرف إلا بحديث فيه نظر ، وفي صحة خبره نظر ، في حديثه نظر لا يحتمل.
النوع الثاني: ألفاظ تقارب ما تقدم في المعنى وتخالفه من حيث الحكم على من وردت في ترجمته ، ومن هذه قوله: في نفس الحديث نظر ، وهو حديث فيه نظر ، في حديث القميص نظر.
المجموعة الثالثة: التراجم التي قال فيها: في إسناده نظر ، والذين قيلت في تراجمهم على قسمين ، فمنهم من يشمله اسم الضعف أو الجهالة ، ومنهم من لا يرقى إليه الشك كالصحابة وبعض الثقات.
ثم ألحقت بالمجموعات الثلاث ثلاثة ألفاظ لا يمكن إدخالها فيما تقدم وهي: في حفظه نظر، في موته نظر ، في قصة وفاته نظر.
أمر آخر متعلق بما تقدم من تقسيم الألفاظ في المجموعات الثلاث ، وهو أن الدقة المتناهية في مثل هذه الحال غير ممكنة في نظري ، فبعض الألفاظ يمكن وضعها في مجموعتين ، وبعضها لا يمكن فيه ذلك ، فمثلاً قوله: " فيه نظر في حديثه " جعلتها في المجموعة الأولى ، مع أنه يمكن أن توضع في الثانية ، فشطرها الأول " فيه نظر " يعني أن النظر في الراوي نفسه ولذا جعلتها في المجموعة الأولى ، وشطرها الثاني " في حديثه " يعني أن النظر في حديثه ، والأمر سهل فالدراسة ستشملهما على الحالين.
نتائج دراسة المجموعة الأولى:
هذه المجموعة هي أكثر التراجم عدداً ، ولم أجد فيها غير ترجمة واحدة لا يمكن أن يعني البخاري صاحبها بذلك القول ، وصاحب هذه الترجمة صحابي ، وسنبدأ بذكره أولاً ثم ننظر في بقية تراجم المجموعة بعد ذلك.
قال البخاري في (التاريخ الكبير) ج4/ص319: صعصعة بن ناجية المجاشعي جد الفرزدق-----[إلى أن قال]: وإذن فالبخاري لا يعني صاحب الترجمة بهذه اللفظة بل يعني - والله أعلم - الحديث الوارد فيها ، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك مطولاً من طريق العلاء.
بعد هذا ننظر في التراجم التي عقب عليها البخاري بقوله " فيه نظر " وعددها إحدى وتسعون ترجمة - ثم بعد ذلك ننظر في العبارات الملحقة بها - ومن هؤلاء من ذكره الحافظ في التقريب ، لأنه ممن أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أو أحدهم ، ومنهم من لم يذكره ، وعدد الذين ذكرهم في التقريب ، وحكم عليهم فيه: ثمانية وخمسون راوياً ، وهذا تفصيل كلامه عليهم:
حكم على أربعين منهم بالضعف ، سواء كان ضعفهم شديداً أو يسيراً ، فمنهم من قال فيه: ضعيف ، أو: فيه ضعف ، أو: ضعفوه ، أو: لين ، أو: فيه لين ، أو: ليس بالقوي ، أو: متروك ، وقد يضيف إلى ما تقدم أوصافاً أخرى كقوله: شيعي ، أو: يتشيع ، أو: غلا في التشيع، أو: فيه رفض ونحو ذلك.
والبقية وعددهم ثمانية عشر ، ثلاثة منهم قال عنهم: صدوق ، واثنان قال عنهما: لا بأس به ، وأربعة قال عنهم: مقبول ، وبقيتهم بين: صدوق يخطئ ، أو: صدوق كثير الخطأ ، وبين: صدوق يهم ، أو: له أوهام ، أو: صدوق فيه لين ، أو: صدوق شيعي ، أو: صدوق يخطئ ، أو: صدوق يهم ويغلو في التشيع ، أو: صدوق إلا أنه عمي فصار يلقن ما ليس من حديثه.
وإذن فالثلثان من الضعفاء - وإن تفاوت ضعفهم - وأشد جرح أطلقه عليهم قوله عن بعضهم: " متروك " وعدد هؤلاء أربعة فقط من أربعين أطلق عليهم اسم الضعف.
أما الثلث فهم ممن يشمله اسم الصدق ، وإن وصف أكثرهم بما يؤثر في العدالة أو الضبط ، والذين يمكن قبول حديثهم - من غير اشتراط المتابعة ، أو: موافقة الثقات ، أو: عدم التفرد - خمسة فقط ، وهم من قال فيهم الحافظ: صدوق ، أو: لا بأس به --------.
أما الذين قال فيهم البخاري " فيه نظر " وليسوا ممن ذُكر في التقريب فعددهم ثلاثة وثلاثون راوياً ، ولمعرفة درجتهم اجتهدت في تلخيص حال كل منهم بحسب ما بلغني من أقوال العلماء فيهم ، وبحسب ما رأيته من حديثهم ، وكانت النتيجة شمول الضعف لهم جميعاً ، وإن اختلفت عبارتي في حال كل منهم ، فمنهم الضعيف ، والضعيف جداً ، ومنهم المجهول والمتروك ، والحكم بضعفهم ليس تشدداً مني بل هو واقع حالهم ، فإذا علمت أن خمسة عشر منهم لم يوثقهم أحدٌ البتة ، وثمانية ذكرهم ابن حبان في ثقاته فقط مع تضعيف الأئمة لهم ، زال ما يُتوهم من احتمال التشدد في التوثيق ----.
أما الألفاظ الملحقة بقوله فيه نظر ، وهي قوله: فيه نظر في حديثه ، فيه بعض النظر ، فيه نظر ولا يتابع عليه ، فيه نظر لم يصح حديثه ، أو: لا يصح حديثه ، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه ، فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض ، عنده مناكير وفيه نظر ، ليس بالقوي وفيه نظر ولا يصح حديثه ، وقد بلغت التراجم فيها تسعاً ، والضعف بين على أصحابها ، وأحسنهم حالاً من قال فيه ابن حجر: صدوق كثير الخطأ ----.
مما تقدم من التراجم - الموجزة هنا وهي مفصلة في البحث - تبين الضعف في أكثرها ، وأحسنهم سلمة الأبرش الذي قال فيه الحافظ: صدوق كثير الخطأ ، وعبد الله بن محمد الأنصاري ، مقبول ، والبقية بين ضعيف ومجهول ، وهم في عموم الأحوال لا يبعدون عن الذين قال عنهم: فيه نظر ، وإن كان قوله "فيه بعض النظر" يشعر بخفة ضعفهم ، فأحدهم - وهو بكير بن مسمار- مختلف فيه ، والثاني عبيد بن عبد الرحمن مجهول ، والثالث أحمد بن الحارث الغساني شديد الضعف ، أما سلمة فرغم قوله المتقدم فيه: عنده مناكير ، وفيه نظر ، وله قول آخر فيه هو: ووهّنه علي " إلا أنه خالف فيه جماعة وثقوه -----.
وقبل أن ننتهي إلى النتيجة النهائية ، أحب أن أذكر بكلام أهل العلم الذين جعلوا عبارة البخاري تلك في مرتبة الجرح الشديد:
فهذا الذهبي - وهو أول من وجدته يجعل هذه العبارة في هذه المرتبة - يقول: ... وكذا عادته ( يعني البخاري ) إذا قال "
فيه نظر " بمعنى أنه متهم ، أو ليس بثقة ، فهو عنده أسوأ حالاً من الضعيف ، انتهى ، وجعل هذا اللفظ في مقدمة الميزان مع المتروك ، فقال: ثم متروك ، وليس بثقة ، وسكتوا عنه ، وذاهب الحديث ، وفيه نظر ، وهالك ، وساقط. لكنه لم يعزه للبخاري بل عمم الحكم.
أما ابن كثير فيقول: من ذلك أن البخاري إذا قال في الرجل: سكتوا عنه أو فيه نظر فإنه يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده ، ولكنه لطيف العبارة في التجريح.
ويتابع العراقيُ الذهبيَّ في مراتبه ، ويزيد عليها بعض الألفاظ ، فقد جعل المرتبة الأولى من مراتب الجرح: فلان كذاب ، أو وضاع ، أو دجال.
والمرتبة الثانية: فلان متهم بالكذب ، أو الوضع ، وساقط ، ومتروك ، وفيه نظر وسكتوا عنه وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه ....
والمرتبة الثالثة: ضعيف جداً ، أو رد حديثه ، أو واه بمرة ....
أما السخاوي فجعل مراتب الجرح ستاً أولها صيغة المبالغة نحو: أكذب الناس ، والثانية: كذاب أو يضع الحديث ، والثالثة متهم بالوضع وساقط وهالك ، وقال: فيه نظر أو سكتوا عنه ... وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين العبارتين الأخيرتين فيمن تركوا حديثه ..... لأنه لورعه قلّ أن يقول: كذاب أو وضاع ، نعم ربما يقول: كذبه فلان ، ورماه فلان بالكذب ، فعلى هذا فإدخالهما في هذه المرتبة بالنسبة إلى البخاري خاصة ، مع تجوز فيه أيضاً وإلا فموضعهما منه التي قبلها - يعني المرتبة التي من ألفاظها: كذاب ، أو يضع الحديث ونحوه.
أما عند الحافظ ابن حجر ففي مرتبة هذا اللفظ عنده ( قياساً ): متروك ، ساقط ، واهي الحديث.
وبالنظر في أقوال المتقدمين [يعني العلماء الذين تقدم ذكرهم] نجد هذا اللفظ يتردد بين المرتبة الثانية من مراتب الجرح وهي: الوضع والكذب ، أو الثالثة وهي: التهمة بالوضع ، أو التي تليها وهي: متروك وساقط ونحوه ، وكل ذلك جرحٌ مؤثرُ عندهم لا يحتج بحديث صاحبه ولا يستشهد به ، بل ولا يعتبر بحديثه كما نص على ذلك السخاوي.
كما أنهم نصوا على اختصاص البخاري بالجرح الشديد بهذا اللفظ).
النقل التاسع: قال الشيخ خالد الدريس حفظه الله في ( الحديث الحسن لذاته ولغيره / دراسة استقرائية نقدية ) (1/406-415):
إذا ترجم البخاري في "
تاريخه الكبير " لراوٍ ولم يذكر فيه جرحًا ، فإنه يكون عنده ممن يحتمل حديثُهُ ، قال الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي في آخر ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق: « قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بيّن مسلم جَرْحَهُ في صدْرِ كتابه ؛ وأما البخاري فلم يُنبّه من أمره على شيء ، فدل أنه عنده على الاحتمال ، لأنه قد قال في "التاريخ ": ( كل من لم أبين فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال ، وإذا قلت: فيه نظر ، فلا يحتمل )»(6).
وفي موضع آخر قال ابن يربوع في عثمان بن عمر التيمي: «هو على أصل البخاري محتمل»(7).
وابن يربوع الإشبيلي الذي نقل هذا النص من كلام البخاري في (تاريخه) ولد سنة 444هـ ، وتوفي سنة 522هـ ، وقد قال فيه تلميذه ابن بشكوال: «كان حافظاً للحديث وعلله ، عارفًا بأسماء رجاله ونَقَلَتِه ، يبصر المعدَّلين منهم والمجرَّحين ، ضابطاً لما كتبه ، ثقةً فيما رواه ، وكتب بخطه علماً كثيراً ، وصحب أبا علي الغساني كثيراً واختص به وانتفع بصحبته ، وكان أبو علي يكرمه ويفضله ، ويعرف حقه ، ويصفه بالمعرفة والذكاء ، وجمع أبو محمد هذا كتبًا حسانًا ، منها: كتاب الإقليد في بيان الأسانيد ، وكتاب تاج الحلية وسراج البغية في معرفة أسانيد الموطأ ، وكتاب لسان البيان عما في كتاب أبي نصر الكلاباذي من الإغفال والنقصان ، وكتاب المنهاج في رجال مسلم بن الحجاج ، وغير ذلك»(8).
وقال ابن الأبار فيه: «الحافظ المحقق ... وله تواليف مفيدة ، وكان ظاهري المذهب»(9).
وقال الذهبي: «الأستاذ الحافظ المجوِّد الحجة»(10).
وفتشتُ عن مصنفاته في فهارس المخطوطات فلم أقف له على شيء موجود ، فيا للأسف والحسرة على ضياع مثلها.
وعلى أية حال ، أردت من ذكر كلام أهل العلم في الحافظ ابن يربوع أن أبيّن أنه من أهل الاعتناء الشديد بعلم الجرح والتعديل كما يظهر من كلام تلميذه ابن بشكوال ، ومن أسماء مصنفاته التي تدل دلالة واضحة على تخصصه في هذا الشأن ، فنقل مثل هذا الحافظ المحقق يعتد به إن شاء الله ، لعدم وجود طعن في صحة النقل ، وإن كان هذا النص غير موجود في كتاب (التاريخ الكبير) المطبوع ، فإني قرأته بأكمله ولم أقف على هذا النص.
ومن هنا أصبح من الملحِّ أن ننظر في بعض القرائن التي تجعل ثبوت ذلك النص ممكنًا وغير مدفوع ، فمن ذلك:
فصل:من الاحتمالات القوية جدًّا أن يكون ابن يربوع الإشبيلي نقل ذلك النص عن البخاري عن إحدى روايات (التاريخ الكبير) التي لم تعتمد في النسخة المطبوعة ، والأندلسيون يروون كتاب (التاريخ الكبير) من ثلاثة طرق عن البخاري(11) ، هي: رواية محمد بن عبد الرحمن بن الفضل الفسوي ، ورواية محمد بن سليمان بن فارس الدلال ، ورواية محمد بن سهل بن عبد الله المقرئ ، والمطبوع اعتمد في طبعه على عدة نسخ(12) ، ولم يذكر المحققون له إلا رواية محمد بن سهل(13).
ومما يؤكد اختلاف نسخ التاريخ الكبير ورواياته أنه في المطبوع ما صورته: «عبد الرحمن بن عائش الحميري»(14) فقط ، ووجدت البيهقي يذكر بسنده إلى أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: «عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ، له حديث واحد إلا أنهم يضطربون فيه»(15) ، فهذه الزيادة المهمة وردت في رواية ابن فارس ولم ترد في المطبوع ، فإما سقطت من إحدى النسخ ، أو من رواية ابن سهل المقرئ ، أو يكون البخاري حذفها ، ولكن الشاهد أن هناك زيادات وإضافات في روايات أو نسخ التاريخ الكبير----.
وبما تقدم يقوى الظن بأن ما نقله ابن يربوع من كلامٍ للبخاري يكون وجده في رواية من روايات التاريخ الكبير أو في نسخة من نسخِهِ ، والرجل كما ذكروا عنه من أهل التحقيق والإتقان والشهرة بالضبط.
2- رأيت البخاري استعمل مصطلح ( الاحتمال ) الذي ذكره في كلمته السابقة ، فقد قال في (ضعفائه الصغير) في عبد الله بن أبي لبيد المدني: «وهو محتمل»(16) ، وعبد الملك بن أعين: «يحتمل في الحديث»(17) ، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: «ليس بالقوي عندهم ... وهو محتمل»(18) ، ومُحِل بن محرز الضبي: «قال يحيى القطان: لم يكن بذاك ، قال ابن عيينة: لم يكن بالحافظ ، وهو محتمل»(19). ووجدته يقول في كتابه ( القراءة خلف الإمام ) في عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني: «وليس هو ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه ، وكان عبد الرحمن ممن يحتمل في بعض»(20) ، وقد قال عنه أيضًا في (العلل الكبير) للترمذي: «هو ثقة»(21) ، وقال في التاريخ الكبير: «ربما وهم»(22).
فهذا الاصطلاح يستعمله البخاري ، ولا يعني به التوثيق المطلق كما ظهر لنا من النصوص الخمسة السابقة ، وإنما يقوله في حق الرجل الذي له أوهام ولا يسقط حديثه ويضعف مطلقًا ، وربما كانت قريبة الشبه بمرتبة ( صدوق يخطئ ) ، والله أعلم.
وعلى أية حال ، فإن استعمال البخاري للفظة ( الاحتمال ) مما يدل على أنْ ليس في النص الذي نقله ابن يربوع ما يستنكر أو يخالف منهج البخاري واستعمالاته للمصطلحات.
3- من خلال اطلاعي على كتاب (التاريخ الكبير) لاحظت أن نصوص البخاري في تعديل الرواة وتوثيقهم قليلة جداً ، بل نادرة ، إذا ما قورنت بنصوصه التي ينتقد فيها الرواة بمثل قوله: «فيه نظر» و «منكر الحديث» و «لا يتابع عليه» و «لم يصح حديثه» ، ونحو هذه العبارات النقدية التي فيها طعن وجرح لبعض الرواة.
وكنت قبل أن أطلع على ما نقله ابن يربوع أسائل نفسي: لماذا يكثر البخاري من جرح الرواة ، ولا يكاد يوثق في (تاريخه الكبير) الكثير من ثقات المحدثين ومشاهيرهم ؟ فلما وقفت على كلامه تجلى لي منهجه وتبين الأمر.
ولعل في هذه الأمور ما يجعل القلب يركن إلى ثبوت الكلام الذي نقل عن البخاري في بيان منهجه في كتابه (التاريخ الكبير).
ويظهر أن قول البخاري: «ومن لم أبين فيه جُرحةً فهو على الاحتمال» يدخل فيه الثقة ومتوسط الحفظ وكل راوٍ ضُعّف ولم يشتد ضعفه ، ويوضح الأمر أكثر ويفسر مقصوده أنه قد قال: «كل من لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه فلا أروي عنه» ، فغير المحتمل عنده من يترك هو الرواية عنه ، وكل من تميَّزَ صحيح حديثه من سقيمه فهو يروي عنه ، وهو المحتمل عنده فيما يظهر لي.
والقاعدة السابقة لم أر من نبه عليها ، وإنما رأيت لبعض المشتغلين بالحديث وهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رسالة(23) يذهب فيها إلى أن الرجل إذا سكت عنه المتكلمون في الرجال كالبخاري وأبي حاتم وابن عدي يعد سكوتهم توثيقًا له ، وهذا كلام فيه نظر ، وقد تولى غير واحد من الباحثين الرد على الشيخ عبد الفتاح ، ولم أرَ أحدًا من الطرفين وقف على نص البخاري السابق ، وهو فيما أظن يحسم النزاع ، إذ إن لفظ الاحتمال لا يعني التوثيق المطلق ، بل هو - أعني النص السابق المروي عن البخاري - أشبه ما يكون بقول أبي داود في (سننه): «وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته ، ومنه ما لا يصح سنده ، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح ، وبعضها أصح من بعض»(24).
ولا يخفى أن حديثنا عن البخاري فقط ، ولا يدخل ابن أبي حاتم أو غيره معنا هنا.
انتهى كلام الشيخ خالد الدريس ؛ ونقلتُه عن كتابه بواسطة.
النقل العاشر: قال عبد الله بن يوسف الجديع في تعليقه على (المقنع) لابن الملقن (1/178) في قول البخاري (فيه نظر): (وقد ذكر بعض المتأخرين أن هذه اللفظة جرح شديد من البخاري ، والتحقيق يفيد غير ذلك ، فقد ثبت أن البخاري يقولها في كثير من الثقات ومن يقرب منهم ، والأشبه أن يقال: إنها من ألفاظ الجرح الخفيفة ؛ وفيها دلالة على التوقف في شأن الراوي ، وربما كانت لتردد البخاري في أمره ، أو أن يعلق قبول روايته على المتابعة والوفاق ، وعلى أي تقدير فإن الاشتباه في دلالة هذه يقتضي من الباحث المنصف أن يرجح دلالتها من خلال دلالة ألفاظ غير البخاري في الراوي المعين ، بمعنى أن يعدها من ألفاظ الجرح المجملة).
النقل الحادي عشر: قال عبد الله بن يوسف الجديع في (تحرير علوم الحديث ) (1/603-607) في شرح معنى قولهم ( فيه نظر ): (شاع استعمال هذه العبارة عن البخاريِّ ، واستعملها غيره من المتقدمين بقلَّة ، كأبي حاتم الرازي وابن عديِّ وأبي أحمد الحاكم وغيرهم ، وأكثرَ مِن استعمالها من المتأخرين أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني صاحب " الإكمال في ذكر من له رواية في مسند أحمد ".
وقد قال الذهبي في تفسير هذه اللفظة: "
قلَّ أن يكون عند البخاري رجل فيه نظر ، إلا وهو متهم "(25) ، وقال في موضع آخر: "
لا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً "(26).
قلت: لكن المتَتَبَّع لاستعمال البخاري لها لا يجد ما أطلقه الذهبي صواباً ، بل إنك تجده قالها في المجروحين على اختلاف درجاتهم ، كما قالها في بعض المجهولين الذين لم يتبيَّن أمرهم لقلة ما رَوَوا ، بل قالها في رواة هم عند غيره في موضع القبول).
ثم ذكر تسعةَ رواةٍ أمثلةً لهذه الأقسام الثلاثة التي أشار إليها؛ ثم قال:
(وأكثر الذين قال فيهم البخاري تلك العبارة هم ممن يكتب حديثه ويعتبر به ، وفيهم جماعة كانوا قليلي الحديث ، غير مشهورين به ، لا يَصِلون إلى حدِّ السُّقُوط ، خلافاً لما قاله الذهبي.
ومما يبين مراد البخاري بقوله هذا ، ما ذكره الترمذي عنه من قوله في ( حكيم بن جبير )
: "
لنا فيه نظر " ، قال الترمذي: " ولم يعزم فيه على شيء "(27).
فهذا يدل على أن هذه العبارة من البخاري فيمن هو في موضع تأمُّل وتوقُّف عنده ، فهي عبارة احترازٍ عن قبول حديث الراوي والاحتجاج به ، أو الاعتبار به ، ولكونِها توقفاً عن القبول ، فهي في جملة ألفاظ الجرح ، وإن لم يقصد البخاري إلحاق الجرح بمن أطلقها عليه.
وأكثر ما يُقال: هي من عبارات الجرح المجملة ، يبحث عن تفسيرها في كلام سائر النقاد في ذلك الراوي.
وإذا عرف هذا في دلالة هذا اللفظ ، تبين المراد بقوله أيضاً: ( في حديثه نظر ) ، فالمعنى فيه غير خارج عما ذكرت من توقف البخاري في قبول حديث ذلك الراوي ، أو إسناده ، تارة بسببه ، وتارة من جهة علة دونه في الإسناد ، لا يُقْضى معها بقبول خبره ، أو بالدلالة على أمره في إدخاله في جملة رواة العلم).
ثم ضرب لكل نوع مثالاً؛ ثم قال: (وما نسبه الذهبي إلى البخاري أنه قال: " إذا قلت: فلان في حديثه نظر ، فهو واه متهم "(28) ، فهذا لم أقف عليه مسنداً إلى البخاري في شيء [أي من الكتب]، ولا يدل عليه ما وقفنا عليه من استعمال البخاري.
وأما قول البخاري: ( في إسناده نَظَر ) فتوقُّفٌ منه في ثبوت إسناد معَّين جاء من رواية المذكور ، إذ أكثر ما أتت هذه العبارة في كلامه ، عقبَ حديث أو أثر يذكره في ترجمة الراوي ، فالهاء في قوله ( إسناده ) لا تعود على الراوي ، إنما تعود على الرواية المذكورة).
ثم أتى على ذلك بمثالٍ، ثم قال: (قلت: وعلى هذا الذي بيَّنْت عن استعمال البخاري يقع استعمال غيره ، إلا أن تقوم قرينةٌ على إرادة معنى مخصوص ؛ وذلك كاستعمال ابن عبد البرِّ لعبارة: " فيه نظر "(29) ، ففسرها العلائي بقوله "
أي في صحبته "(30) ؛ وقال السُّليمانيُّ في محمد بن المغيرة بن سنان الضبي فقيه الحنفية بهَمَذانَ: " فيه نظر " ، فقال الذهبي: " يشير إلى أنه صاحب رأي "(31) ؛ انتهى.
النقل الثاني عشر: قال الشيخ الدكتور حاتم العوني حفظه الله تعالى في كتابه ( المرسل الخفي ) (1/440): ( وأنبه هنا: أن قول البخاري (فيه نظر ) إن كان المقصود به الراوي ، فهي تليين خفيف ، وليست تلييناً شديداً كما ادعاه بعض الأئمة المتأخرين كالذهبي وابن كثير وغيرهما. وقد رد على هذا الفهم الخاظئ لتلك العبارة في صدورها من الإمام البخاري ، الأستاذ مسفر بن غرم الله الدميني في دراسة موازنة ، جمع فيها المواطن التي أطلق فيها البخاري تلك البخاري ، ووازنها بأقوال العلماء غيره في الذين قيلت فيهم ، فخرج بأن من قيل فيه انه ( فيه نظر ) فإنه تليين خفيف الضعف ، وأن البخاري في إطلاق هذه العبارة مثل غيره من الأئمة ، لا كما زعم من أن له اصطلاحا خاصا به في إطلاقها ؛ ولم أطلع على هذه الدراسة الموازنة التي قام بها الأستاذ الدميني وفقه الله ، لكنه ذكر القيام بها ولخص نتائجها في دراسة أخرى له ، عمن قال فيه البخاري "
سكتوا عنه" ، وذلك في رسالة أسماها "قول البخاري: سكتوا عنه".
والذي ذهب إليه الأستاذ الدميني مسبوق إلى نتيجته ، ولا أدري أأشار إلى من سبقه فيها أم لم يشر ؟! لأني لم أطلع على دراسته حول قول البخاري فيه نظر ، كما ذكرت آنفا. والذي سبقه إلى فهم قول البخاري ( فيه نظر ) هو أعلم الناس بالإمام البخاري ، ألا وهو تلميذه النقاد الجهبذ أبوعيسى الترمذي رحمه الله ! ، فقد نقل الترمذي في العلل الكبير أن البخاري قال عن حكيم بن جبير: "
لنا فيه نظر" فأعقبه الترمذي بقوله: "ولم يعزم فيه على شيء " ، كذا فهم الترمذي عبارة شيخه ، أنه متردد في في حكيم بن جبير أو متوقف فيه ، وهذا التردد هو شأن الرواة خفيفي الضعف ، الذين تتردد أحاديثهم بين التحسين والتضعيف ----.
ولابن عدي أكثر من تفسير لقول البخاري "
فيه نظر" ، فيظهر أن هذه التفاسير تعتمد على اختلاف سياق كلام البخاري وإلى حال الراوي أو المروي في واقعه ، كما يعلمه ابن عدي.
فمن ذلك أنه نقل عن البخاري أنه قال عن بكير بن مسمار: "
في حديثه بعض النظر" ، فأعقبه ابن عدي بقوله "لم أجد في رواياته حديثاً منكراً ، وأرجو أنه لا بأس به ، والذي قاله البخاري هو كما قال ، روى عنه أبو بكر الحنفي أحاديث لا أعرف فيها شيئاً منكراً ، وعندي أنه مستقيم الحديث----".
فانظر إلى قوله "
والذي قاله البخاري هو كما قال" ، مما يعني متابعته له ، ثم يقول عن بكير بن مسمار: "لا بأس به " و "مستقيم الحديث".
وتفسير آخر لابن عدي أنه ذكر في ترجمة ثعلبة بن يزيد الحماني أن البخاري قال عنه: "
سمع علياً ، روى عنه حبيب بن أبي ثابت ، فيه نظر ، لا يتابع في حديثه"، فقال ابن عدي بعد إخراجه حديثاً له: "ولثعلبة عن علي غير هذا ، ولم أر له حديثا منكراً في مقدار ما يرويه ، وأما سماعه من علي ففيه نظر ، كما قال البخاري" ؛ فها هو ابن عدي يفسر قول البخاري "فيه نظر" بأنه ينفي وينكر سماع ثعلبة من على رضي الله عنه !.
فهذان إمامان متقدمان من لباب الحديث وعلومه ومن أئمة الحديث ، لا يحملان قول البخاري "
فيه نظر" على أنه جرح شديد ، كما ادعي! وكفى بهما في الجلائل العظام ! فضلاً عن فهم عبارة كلهم أبو عذرها ، منهم بدأت وإليهم تعود !! ).
النقل الثالث عشر: قال الشيخ الدكتور حاتم العوني أيضاً في مقالة له نُشرت في (ملتقى أهل الحديث): (فقد اطلعت على بعض الحوار المثمر الذي دار حول قول البخاري "فيه نظر" ، ولي حول هذا الموضوع وقفات:
الوقفة الأولى: أن الرأي الذي كنت قد ذكرته في كتابي المرسل الخفي (1/440-442)
حول فَهْم عبارة البخاري تلك: لم يكن فهماً مرتجلاً مبنياً على مثالين أو ثلاثة.
وكيف لمن تحمَّل شيئاً من أمانة العلم ، ولمن عرف أن هذا العلم دين فلا يجوز التجرؤ على مسائله بغير تثبت = أن يصل إلى هذا الحد من الاستخفاف بالعلم ؟!
فلقد بنيت ذلك الرأي على عدة أمور:
الأول: دلالة اللفظ اللغوية ، البعيدة كل البعد عن إرادة الضعف الشديد.
وسيأتي بيان دلالتها ، وعلاقتها بالمعنى الاصطلاحي.
الثاني: أن الأصل في اللفظ الاصطلاحي بين العلماء أن يكون له دلالة متحدة بينهم ، إلا إذا جاء الدليل الصحيح الصارف له عن ذلك.
الثالث: أن الترمذي قد فَهِم كلام البخاري بما لا يبتعد به عن دلالته اللغوية ، وبما يوافق المعنى الاصطلاحي العام له.
وإذا فهم الترمذي كلام البخاري بما تأيد بما سبق ، والترمذي هو الإمام في الحديث والجرح والتعديل ، فهو بذلك أعرف الناس ( مع أقرانه ) بمعاني ألفاظ الجرح والتعديل. فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بعبارة جرح أو تعديل لأحد شيوخ الترمذي ؟! وكيف إذا كان هذا الشيخ ممن لازمهم الترمذي وأكثر من الاستفادة منهم ؟! وكيف إذا كان هذا الشيخ هو البخاري الذي كان الترمذي لا يكاد يصدر إلا عن رأيه واجتهاده ، ولايكاد يساويه في العناية بأقواله واجتهاداته أحدٌ من تلامذته ؟!!
الرابع: وقد فهم إمامٌ آخر كلام البخاري بغير فهم بعض المتأخرين ، وكنت قد ذكرته أيضاً في ( المرسل الخفي ) ، وهو ابن عدي. ولابن عدي عناية كبرى بالبخاري وكتبه ، وتتلمذ على جمع من الرواة عن البخاري ؛ ثم هو ذلك الإمام الفحل صاحب ( الكامل ) الذي وافق اسمه حقيقته.
الخامس: ثم وافق هذا كله استقراء ودراسة لأحد المتخصصين ، وهو الدكتور مسفر الدميني.
والاستقراء هو الحَكَمُ في مثل هذه المسائل !
ومع أني لم أكن اطلعت على هذا الاستقراء ، ولم أطلع عليه إلى الآن ، إلا أن الباحث الذي قام به ( وهو الدكتور مسفر الدميني ) قد ذكر نتيجة استقرائه في كتاب آخر له ، اطلعت عليه وعرفت منه تلك النتيجة. وهذا كله مما ذكرته بكل وضوح في ( المرسل الخفي ).
ولا أظن أن من شروط قبول نتيجة الاستقراء أن أطلع عليه بنفسي ، وإلا فلن نقبل كلّ دعاوى الاستقراء ، حتى لو ادّعاها كبار العلماء: كالذهبي وابن حجر وغيرهما ، لأننا لم نطلع على استقرائهم.
السادس: أنني كنت قد لاحظت من خلال البحوث والممارسة أن عبارة البخاري ( فيه نظر ) لا يطلقها للدلالة على الضعف الشديد غالباً ، وهذه الممارسة ليست استقراءً تاماً ، ولا هي مثالين أو ثلاثة ، غير أنها استقراء ناقص يفيد غلبة الظن.
فكيف إذا انضمّ هذا الاستقراء الناقص إلى ما سبق كله ؟!!
فهل من العدل والإنصاف أن نصوِّر هذا كله بأنه مثالٌ أو مثالان ؟!! وهل من الأدب أن يوصف من اجتهد هذا الاجتهاد بذلك الاستخفاف ؟!!!
عزائي في ذلك كله أننا في زمن الغُربة ، حتى بين طلبة العلم !!!
فلقد كان الأولى بمن لديه إشكال أو اعتراض يلوح في ذهنه أن يسأل صاحب ذلك الجهد ، سؤال المستفيد ، ليرى هل عنده جوابٌ عن إشكاله أو لا. أما أن يبادر بالاعتراض والنقض بذلك الأسلوب ، فهذا فيه ما فيه مما سبقت الإشارة إليه.
إن كثيراً من طلبة العلم يسيرون على منهج يقول: إن من تكلم أخيراً فهو صاحب الحق ، بغض النظر عن دليله وماذا قال !!
ولأبين لكم - إخواني - أن هذا هو واقع كثير من طلبة العلم ، فإنه لو كان أول من كتب في بيان معنى عبارة البخاري ( فيه نظر ) هو الذي يفسرها بالضعف الشديد ، وكان بذلك أول من أثار المسألة. واحتج لذلك بقول الذهبي في السير (12/441) نقلاً عن البخاري أنه قال: ( إذا قلت فلانٌ في حديثه نظر ، فهو متهمٌ واهٍ ).
فجئت أنا لأردَّ عليه قائلاً: إن هذا القول غير صحيح ، إذ أين قال البخاري هذا القول ؟!! أين عنه العلماء بهذا اللفظ ؟!! وكيف لنا أن نقبله وهو يعارض: دلالة اللغة ، ودلالة الاصطلاح العام ، وفهم الترمذي ( وكفى به ) ، وفهم ابن عدي ( وكفى به ) ، وفهم ابن حجر ( كما يأتي ) ، ويعارض الاستقراء التامَّ الذي قام به باحثٌ مختص ، والاستقراء الناقص الذي ظهر لي من خلال واقع كلام البخاري ؟!! إنه لا يمكن إلغاء هذه الدلالات كلها لمجرد عبارة تعارضها ، الله أعلم بصحتها ؟! فإن صحت ، فالله أعلم بسياقها ؟!
إنني لا أشك لو كان هذا هو الذي وقع ، لما أكثر أو كثيرٌ من طلبة العلم إلى قولي ، لأنه الأخير ، لا لأن ما فيه حقٌ مؤيدٌ بالدليل !!!
هذا مع أن تلك الدلائل ( بل بعضها ) كافٍ - حقاً وصدقاً - في عدم صحة الاعتماد على ما نقله الذهبي عن البخاري ، في تلك العبارة المبتورة عن سياقها ، إذ كم كان للسياق من صوارف تصرف اللفظ ( إذا كان مبتوراً ) عن ظاهره. هذا لو كانت العبارة ثابتةً صحيحةً ، فلم تكن ضعيفة عن البخاري ، أو رواية بالمعنى لكنها أخلت بالمعنى !!!
وأنا أطالب من أبي إلا الاحتجاج بنقل الذهبي بالجواب عن الأسئلة التالية:
هل كان الترمذي لا يفهم كلام شيخه ؟
هل كان ابن عدي يجهل مصطلح البخاري ؟
كيف توجِّه ذلك النقل مع نتيجة الاستقراء التامّ الذي هو الحَكَم في تفسير المصطلحات ؟
كيف نفعل مع أقوال البخاري الكثيرة المخالفة في دلالتها لما يقتضيه نقل الذهبي ؟
أجب عن هذه الإشكالات أولاً ، ثم اعترض بكلام الذهبي.
الوقفة الثانية: أما دعوى أن الذهبي استقرأ.. فإني لا أدري إلى متى نُبيح لأنفسنا أن ندعي ما لا دليل عليه ؟ ومتى سنترك ما نهانا الله عنه في قوله تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ؟!!
هل ادعى الذهبي ذلك ؟ أو ادعاه له أحدُ العلماء الذين اطلعوا على استقرائه هذا ؟!
ثم يأتي ما نقله الذهبي عن البخاري ، ليبين لنا أن الذهبي كان معتمداً في فهمه لكلام البخاري على هذه العبارة ، لا على الاستقراء المدَّعى. وقد أجبنا آنفاً بعضَ الجواب عن عبارة البخاري التي نقلها الذهبي ، وبيّنا ما يحوم حولها من الشكوك ، وما يحيط بها من الاحتمالات ، وما يعارضها ويعترضها من الإشكالات !!!
أما أن يبقى طلبة العلم على هذا المنهج ، وهو التسرع إلى دعاوى استقراءٍ ينسبونها إلى العلماء ، فماذا سيفعلون إذا اختلف العلماء ؟!
إذ لقائل أن يقول إن الحافظ ابن حجر قد استقرأ كلام البخاري ، فخرج بنتيجةٍ تقول عن قول البخاري ( فيه نظر ): ( وهذه عبارته فيمن يكون وسطاً ) كما في بذل الماعون له (32).
فماذا ستقول يا من اعتاد أن يدّعي الاستقراء لأي عبارة أطلقها أحدُ أهل العلم ؟!
الوقفة الثالثة: أما كلمة البخاري التي نقلها الذهبي فقد نقلها المزي
إذا قال البخاري في راو: (فيه نظر وهو في الأصل صدوق) ، فكلمة (فيه نظر) الأصل فيها أنه جرح في الراوي، ولكن وصْله لها بقوله: (وهو في الأصل صدوق) يخفف من وطأتها ؛ بين هذا المعنى العلامة المعلمي رحمه الله فقد ترجم في (التنكيل) (ص495) أبا نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانئ ، فقال بعد أن ذكر وصف ابن معين له بالكذب ، وأشار إلى أن ذلك لا يخلو من احتمال أن يكون على غير ظاهره الذي هو تعمد الكذب:
(فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي --- ، فأما النخعي فقد قال العجلي: (ثقة) ، وقال أبو حاتم: (لا بأس به يكتب حديثه) ، وروى عنه أبو زرعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في (لسان الميزان) (ج2ص416) ؛ وقال البخاري: (فيه نظر ، وهو في الأصل صدوق) ، وكلمة (فيه نظر) معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري لكن تعقيبه هنا بقوله (وهو في الأصل صدوق) يخفف من وطأتها ). انتهى.
وانظر (فيه نظر).

عبد الله بن محمد بن العباس البزار شيخ بغدادي روى له الخطيب هذا الحديث وقال فيه نظر

ميزان الاعتدال في نقد الرجال

أخبرنا ابن أبي عصرون، عن أبي روح، أخبرنا تميم
أبو سعيد، أخبرنا أبو أحمد الحاكم، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن العباس البزاز ببغداد،
حدثنا جبارة () ، حدثنا أبو إسحاق الحميسى، عن مالك، عن أنس، صليت خلف النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، ويقرءون مالك يوم الدين.
قال أبو أحمد: غريب عال.
قلت: أبو إسحاق خازم بمعجمتين وهو وجبارة ضعيفان.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت