نتائج البحث عن (قُدْوَة) 50 نتيجة

(الْقدْوَة) القدو

(الْقدْوَة) القدة يُقَال فلَان قدوة إِذا كَانَ يقْتَدى بِهِ ولي بك قدوة
قُدْوَة
من (ق د و) الأسوة أو المثال الذي يتشبه به غيره فيعم مثل ما يعمل، والأصل تتشعب منه الفروع.
القُِدْوَةُ، مثلثةً وكعِدَةٍ: ما تَسَنَّنْتَ به، واقْتَدَيْتَ به.وتَقَدَّتْ به دابَّتُه: لَزِمَتْ سَنَنَ الطَّريقِ، وتَقَدَّى هو عليها.وطَعامٌ قَدِيٌّ وقَدٍ: طَيِّبُ الطَّعْمِ والرِيحِ. قَدِيَ، كَرَضِيَ، قَدًى وقَدَاوةً، وقَدَا يَقْدُو قَدْواً.وما أقْداهُ: ما أطْيَبَهُ.(وأقْدَى: أسَنَّ، وبَلَغَ المَوْتَ، واسْتَقَامَ في الخَيْرِ وفي طَريقِ الدينِ،وـ المِسْكُ: فاحَتْ رائِحَتُهُ) .والقَدْوُ: القُرْبُ، والقُدُومُ من السَّفَرِ،كالإِقْداءِ، وبالكسر: الأصْلُ تَتَشَعَّبُ منه الفُروعُ.والقَدْوَى، كسَكْرَى: الاسْتقامةُ.
القدوة: بالكسر والضم: الاقتداء بالغير ومتابعته والتأسي به، ذكره أبو البقاء.
13 - القدوة الحسنة:.
تعني القدوة هنا أن يكون المربي أو الداعي مثالا يحتذى به في أفعاله وتصرفاته، وقد أشاد القرآن الكريم بهذه الوسيلة فقال عز من قائل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: 4]، وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم – ولا يزال- قدوة للمسلمين جميعاً، والقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيبة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام بكل ما يحمله من مبادئ وقيم تدعو إلى الخير وتحث على الفضيلة..
ولأثر القدوة في عملية التربية، وخاصة في مجال الاتجاهات والقيم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة المسلمين طبقا لما نص عليه القرآن الكريم، وقد استطاع بفضل تلك القدوة أن يحمل معاصريه قيم الإسلام وتعاليمه وأحكامه، لا بالأقوال فقط، وإنما بالسلوك الواقعي الحي، وقد حرصوا على تتبع صفاته وحركاته ورصدها والعمل بها، وما ذلك إلا حرصا منهم على تمثل أفعاله صلى الله عليه وسلم، لقد كان المثل الأعلى لهم..
وقد تمثلت في الرسول صلى الله عليه وسلم صفات جليلة جعلت منه قدوة بالفعل.
والقدوة الحسنة هي المثال الواقعي للسلوك الخلقي الأمثل، وهذا المثال الواقعي قد يكون مثالاً حسياً مشاهداً ملموساً يقتدي به، وقد يكون مثالاً حاضراً في الذهن بأخباره وسيره وصورة مرتسمة في النفس بما أثر عنه من سير وقصص وأنباء من أقوال أو أفعال..
والقدوة الحسنة تكون للأفراد على صفة أفراد مثاليين ممتازين، وتكون للجماعات على صفة جماعات مثالية ممتازة ....
ووجه القرآن الكريم بصراحة تامة إلى القدوة الحسنة، فقال الله تعالى في سورة (الأحزاب):.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21]..
ففي هذا النص إرشاد عظيم من الله تبارك وتعالى للمؤمنين أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة لهم، يقتدون به، في أعماله، وأقواله، وأخلاقه، وكل جزئيات سلوكه في الحياة فهو خير قدوة يقتدي بها الأفراد العاديون، والأفراد الطامحون لبلوغ الكمال الإنساني في السلوك..
وجعل الله الذين آمنوا معه وصدقوا وأخلصوا واستقاموا أمثلة رائعة يقتدى بها في معظم الفضائل الفردية والاجتماعية..
ولئن انتقل الرسول صلوات الله عليه إلى جوار ربه، فإن سيرته التي تحتوي على جزئيات سلوكه ماثلة لنا..
وفيما بلغنا من تراجم أصحابه رضوان الله عليهم ما يكفي لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم..
ثم إن كل عصر من العصور من بعدهم لا يخلو من وجود طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تصلح لأن تكون قدوة حسنة، قلت هذه الطائفة أو كثرت، فقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)) (¬1)..
وروى الإمام مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) (¬2)..
وروى البخاري ومسلم عن معاوية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) (¬3)..
فلا يخلو عصر من عصور الأمة المحمدية من طائفة صالحة، تصلح لأن تكون في عصرها قدوة حسنة للأفراد..
¬_________.
(¬1) رواه أبو داود (2484)، وأحمد (4/ 437) (19934)، والحاكم (2/ 81). وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (7294)..
(¬2) رواه مسلم (156)..
(¬3) رواه البخاري (3641)، ومسلم (1037) واللفظ له.

6 - أن يكون قدوة حسنة لرعيته.

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

6 - أن يكون قدوة حسنة لرعيته.
1 - قال الله تعالى: ( ... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) (الفرقان/74)
2 - قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة/24).

4 - خ م د س: إبراهيم بن أبي عبلة، الإمام القدوة، شيخ فلسطين، أبو إسحاق العقيلي الشامي المقدسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

4 - خ م د س: إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي عَبْلَةَ، الإِمَامُ القُدْوَةُ، شَيْخُ فِلَسْطِيْنَ، أَبُو إِسْحَاقَ العُقَيْلِيُّ الشَّامِيُّ المقدسيُّ. [الوفاة: 151 - 160 ه]
مِنْ بَقَايَا التَّابِعِيْنَ. وُلِدَ بَعْدَ السِّتِّيْنَ،
وَرَوَى عَنْ: وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، وَبِلاَلِ بنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَخَالِدِ بنِ مَعْدَانَ، وَخَلْقٍ سِوَاهُم. وَقِيْلَ: إِنَّهُ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ، وَإِلاَّ فَرِوَايَتُه عَنْهُ مُرْسَلَةٌ.
وَقِيْلَ: يُكنى أَبَا العَبَّاسِ، وَقِيْلَ: أَبَا سَعِيْدٍ وَأَبَا إِسْمَاعِيْلَ، إِبْرَاهِيْمَ بنَ شِمْرِ بنِ يَقْظَانَ بنِ مُرْتَحِلٍ الرَّمْلِيَّ.
لَهُ فَضْلٌ وَجَلاَلَةٌ،
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ إِسْحَاقَ وَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ، وَابْنُ شَوْذَبٍ، وَعَمْرُو بنُ الحَارِثِ وَمَاتَ أَيْضاً قَبْلَه، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَبَقِيَّةُ بنُ الوَلِيْدِ، وَمُحَمَّدُ بنُ حِمْيَرَ، وَأَيُّوْبُ بنُ سُوَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ المَقْدِسِيُّ، وَآخَرُوْنَ كَثِيْرُوْنَ. -[22]-
وَثَّقَهُ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَكَانَ الوَلِيْدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ يَبْعَثُهُ بِعَطَاءِ أَهْلِ القُدْسِ فيُفرقه فِيْهِم.
قَالَ الحَاكِمُ: قُلْتُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ: إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي عَبْلَةَ؟ قَالَ: الطُّرُقُ إِلَيْهِ لَيْسَتْ تَصفُو، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ.
عَبْدُ اللهِ بنُ هَانِئ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ هِشَامٌ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرفنَاكَ وَاخْتَبرنَاكَ وَرَضِينَا بِسِيْرتِكَ وَبِحَالِكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَخْلِطَكَ بِنَفْسِي وَخَاصَّتِي، وَأُشرِكَكَ فِي عَمَلِي، وَقَدْ وليتُك خَرَاجَ مِصْرَ، قُلْتُ: أَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ رَأْيُك يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، فَاللهُ يُثِيبُك وَيَجزِيْكَ، وَكَفَى بِهِ جَازِياً وَمُثِيباً، وَأَمَّا أَنَا فَمَا لِي بِالخَرَاجِ بَصَرٌ، وَمَا لِي عَلَيْهِ قُوَّةٌ، فَغَضِبَ حَتَّى اخْتلجَ وَجْهُه، وكان في عينه حَوَلٌ، فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظراً مُنْكَراً، ثُمَّ قَالَ: لَتَلِيَنَّ طَائِعاً أَوْ كَارِهاً، فَأَمْسكتُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السماوات وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}}، فوَاللهِ مَا غَضبَ عَلَيْهنَّ إِذْ أبَيْن وَلاَ أَكرَهَهُنَّ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدتْ نَوَاجِذُه وَأَعْفَانِي.
دَهْثَم بنُ الفَضْلِ: سَمِعْتُ ضَمْرَةَ يَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ لَذَّةَ العَيْشِ إِلاَّ فِي أَكلِ المَوْزِ بِالعَسَلِ فِي ظلِّ الصَّخرَةِ، وَحَدِيْثِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَفصحَ مِنْهُ.
وَرَوَى ضَمْرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِلْعَلاَءِ بنِ زِيَادٍ: إِنِّي أَجِدُ وَسوَسَةً فِي قلبي، فقال: أنا أُحبُّ لَوْ أَنَّكَ مُتَّ عَامَ أوَّل، أَنْتَ العَامَ خَيْرٌ مِنْكَ عَامَ أَوَّلَ. -[23]-
مُحَمَّدُ بنُ حِمْيَرٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: مَنْ حَملَ شَاذَّ العِلْمِ حَملَ شَرّاً كَثِيْراً. مُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ المَقْدِسِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَبْلَةَ وَهُوَ يَقُوْلُ لِمَنْ جَاءَ مِنَ الغَزْوِ: قَدْ جِئْتُم مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ، فَمَا فَعَلتُم فِي الجِهَادِ الأَكْبَرِ، جِهَادِ القَلْبِ.
قَالَ ضَمْرَةُ: تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي عَبْلَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُهم أَنَّ ابْنَ أَبِي عَبْلَةَ، رَوَى نَحْوَ المائَةِ حَدِيْثٍ. وَقَدْ جَمَعَ الطَّبَرَانِيُّ كِتَابَ حَدِيْثِ شُيُوْخِ الشَّامِيِّيْنَ، فَجَاءَ مُسْنَدُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ فِي سَبْعِ وَرَقَاتٍ، وَشَطرُهَا مَنَاكِيْرُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ إِلَى إِبْرَاهِيْمَ.

419 - م د ت ن: وهيب بن الورد أبو أمية، ويقال: أبو عثمان المكي العابد القدوة مولى بني مخزوم، واسمه عبد الوهاب،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

419 - م د ت ن: وُهَيب بْن الورد أَبُو أُمية، ويقال: أَبُو عثمان الْمَكِّيُّ العابد القدوة مولى بني مخزوم، واسمه عَبْد الوهاب، [الوفاة: 151 - 160 ه]
وَهُوَ أخو عَبْد الجبار بْن الورد. -[250]-
يروي عَن رَجُل عَن عائشة، وعن حميد بْن قيس الأعرج، وعمر بْن محمد بْن المنكدر.
وَعَنْهُ: بشر بْن منصور السليمي، وابن الْمُبَارَك، وعبد الرزاق، ومحمد بْن يزيد بْن خنيس، وإدريس بن محمد الروذي.
وقال إدريس: مَا رَأَيْت أعبد مِنْهُ.
وقال ابْن الْمُبَارَك: قِيلَ لوهيب أَيَجِدُ طَعْمَ العبادة من يعصي الله؟ قال: لا، ولا ومن يهم بالمعصية.
وقال محمد بن يزيد الخنيسي: سَمِعْت سُفْيَان الثوري إذا حدّث فِي المسجد الحرام، وفرغ قال: قوموا إلى الطبيب، يعني وهيبا.
وقال وهيب: إن استطعْتَ أن لا يسبقك إِلَى اللَّه أحدٌ فافعَلْ.
قُلْتُ: هَذَا عَلَى سبيل المبالغة فِي الاجتهاد، وإلا فقد سَبَقَ - واللهِ - السابقون الأوّلون، فضلا عَن الأنبياء المستحيل سبْقُهم.
وقال مُحَمَّد بْن يزيد: حلف وُهَيْب أن لا يراه اللَّه، ولا أحدٌ من خلقه ضاحكًا حَتَّى تأتيه الملائكة عند الموت فيخبرونه بمنزلته، وكانوا يرون لَهُ الرؤيا أَنَّهُ من أَهْل الجنة فإذا أُخبر بها اشتدّ بكاؤه، وقال: قد خشيت أن يكون هَذَا من الشيطان.
وقال: عجبًا للعالم كيف تجيبه دواعي قلبه إلى الضحك، وقد علم أن لَهُ فِي القيامة روعات ووقفات وفزعات، ثُمَّ غُشي عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو حاتم الرازي: كانت لوهيب أحاديث ومواعظ وزهد.
وقال ابن مَعِين: ثقة.
وقال النَّسائيّ: لَيْسَ بِهِ بأس.
وقال وُهَيْب: قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السلام: حب الفردوس، وخوف جهنم يُورثان الصبرَ عَلَى المشقّة، ويبعدان العبد من راحة الدنيا.
قَالَ ابْن حبان: توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة.

186 - عبد الله العمري الزاهد، هو السيد القدوة أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

186 - عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ، هُوَ السَّيِّدُ الْقُدْوَةُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ الزَّاهِدُ، [الوفاة: 181 - 190 ه]
أَحَدُ الأَعْلامِ.
رَوَى الْقَلِيلَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ: أَبِي طُوَالَةَ عبد الله بن عبد الرحمن،
وَعَنْهُ: ابن الْمُبَارَكُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَابِدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ العاملين، قانتا لله حنيفا، منعزلا عَنِ النّاسِ إِلا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانَ يُنْكِرُ عَلَى مَالِكِ اجْتِمَاعَهُ بِالدَّوْلَةِ.
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هُوَ عَالِمُ الْمَدِينَةِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ، وَالنَّاسُ عَلَى خِلافِ سُفْيَانَ فِي هَذَا.
قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ مَرَّةً يَقُولُ: إِنْ كَانَ أحد فهو العمري. قال ذلك لما حدثنا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَضْرِبُ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ، فَلا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ ".
وَأَخْبَرَنَا بِهِ عَالِيًا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ، قال: أخبرنا الموفق عبد اللطيف، قال: أخبرنا ابن البطي، قال: أخبرنا علي بن محمد الأنباري، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: حدثنا محمد بن مخلد، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن غالب، قال: حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِهَذَا.
قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ مِنْطَبِقٌ عَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِأَنَّهُ عَالِمُ زَمَانِهِ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي وَقْتِهِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي وَقْتِهِ.
وروى الطّبريّ في " تاريخه " بإسنادٍ عن بعض أولاد عبد الله بن عبد العزيز العُمريّ، أنّ الرشيد قال: والله ما أدري ما آمُرُ في هذا العُمريّ، أكرهُ أن أقدمَ -[878]- عليه، وله سَلَفٌ أكرمهم، وإنّي أحب أن أعرف رأيه - يعني فينا - فقال عَمْر بن بزيع، والفضل بن الربيع: نحن له، فخرجا من العَرْج إلى موضعٍ يُقال له: خَلْص، حتى وردا عليه بالبادية في مسجدٍ له، فأناخا راحلتيهما بمن معهما، وأتياه على زِيّ الملوك في حشمة، فجلسا إليه، فقالا: يا أبا عبد الرحمن نحن رُسُلُ مَن وراءنا من أهل المشرق يقولون لك: اتق الله، وإنْ شئت فانهض، فقال: وَيْحكما، فيمن ولمن؟ قالا: أنت! قال: والله ما أحبّ أنّي لقيت الله - عَزَّ وَجَلَّ - بمحجمة دمِ مسلم، وأنّ لي ما طَلَعَتْ عليه الشمس، فلمّا آيسا منه قالا: إن معنا عشرين ألفًا تستعين بها، قال: لا حاجه لي بها، قالا: أعطِها مَن رأيت، قال: أعطياها أنتما، فلما آيسا منه ذهبا ولحقا بالرشيد، فحدثاه، فقال: ما أبالي ما أصنعُ بعد هذا، قال: فحج العمري في تلك السنة، فبينا هو في المسعى اشترى شيئا، فإذا بالرشيد يسعى على دابة، فعرض له العمري، فأتاه حتّى أخذ بلجام الدّابّة، فأهْوَوْا إليه، فكفّهم الرشيد، وكلّمه - يعني وعظه - فرأيت دموع الرشيد تسيل على مَعْرفة دابّته، ثمّ انصرف.
وروى عليّ بن حرب الطّائيّ، عن أبيه قال: مضى هارون الرشيد على حمار، ومعه غلام إلى العُمريّ فوعظه، فبكى الرشيد، وحُمِلَ مَغْشِيًّا عليه.
قال إسماعيل بن أبي أُوَيْس: كتب عبد الله العُمريّ إلى مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما بكُتُب أغلَظَ لهم فيها، وقال: أنتم علماء تميلون إلى الدنيا وتلبسون اللين، وتدعون التقشف، فكتب له ابن أبي ذئب كتابًا أغلظ له، وجاوَبه مالك جواب فقيه.
وقيل: إن العمري وعظ الرشيد مرة، فتلقّى قَوله بنعم يا عمّ. فلمّا ذهب أتبعه الأمين والمأمون بكيسين فيهما ألفا دينار، فلما يأخذها، وقال: هو أعلم بمن يفرّقها عليه، ثم أخذ من الكيسين دينارّا، وقال: كرهتُ أن أجمع عليه سوء القول وسوء الفعل. وشخص إليه بعد ذلك إلى بغداد، فكره الرشيد مجيئَه، وجمع العمريّين، وقال: ما لي ولابن عمْكم؛ احتَمَلْتُه بالحجاز فأتى إلى دار ملكي يُريد أن يُفسد عليّ أوليائي، رُدُّوه عنّي. قالوا: لا يقبل منّا، فكتب إلى الأمير موسى بن عيسى أن يرفَق به حتّى يرده.
أحمد بن زهير: حدثنا مُصْعَب الزُّبَيْريّ قال: كان العُمريّ جسيما أصفر، -[879]- لم يكن يقبل من السلطان، ولا من غيره، ومَن وُلّي من معارفه وأقاربه لا يكلّمه، وقد وُلّي أخوه عمر المدينة وكرْمان واليمامة، فهجره حتّى مات. ما أدركت بالمدينة رجلا أهْيَبَ عند السلطان والعامّة منه، وكان ابن المبارك يَصِلُه فيقبل منه.
قال: وقدِم الكوفة يريد أن يخوّف الرشيد بالله، فرجفت لقدومه الدّولة، حتّى لو كان نزل بهم مائة ألف من العدوّ، ما زاد من هيبته، فرجع من الكوفة، ولم يصل إليه.
قال يحيى بن أيّوب العابد: حدَّثني بعض أصحابنا قال: كتب مالك بن أنس إلى العُمريّ: إنّك بَدَوْت، فلو كنتَ عند مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فكتب إليه: إنّي أكره مجاورة مثلك، إنّ الله لم يرك متغيّر الوجه فيه ساعة قطّ.
وقيل: كانت أم العمري أنصارية.
وكان زاهدًا، قوْالا بالحقّ، متألِّهًا، متعبدًا، منعزلا بناحيةٍ غربيّ المدينة.
ويروى أن العُمريّ كان يلزم المقبرة كثيرًا، ومعه كتاب ينظر فيه، فقال: ليس شيء أوعظ من قبر، ولا آنَسَ من كتاب.
عمر بن شبة، حدثنا أبو يحيى الزُّهْريّ قال: قال عبد الله بن عبد العزيز عند موته: بنعمة ربيّ أحدث، لو أن الدُّنيا تحت قدمي ما يمنعني من أخْذها إلا أن أزيل قدمي، ما أزلْتُها، إني لم أصبح أملك إلا سبعة دراهم من لحا شجر فَتَلْتُهُ بيدي.
قال المسيّب بن واضح: سمعتُ العمري الزاهد بمسجد منى يشير بيده، ويقول:
لله دَرُّ ذوي العقول ... والحرص في طلب الفضول
سُلاب أكسية الأرامل ... واليتامى، والكهول
والجامعين المكثرين ... من الجباية، والغلول
وَضَعوا عقولهم من الدنيا ... بمُدْرَجَةِ السيول
وَلَهَوْا بأطراف الفروع ... وأغفَلُوا علم الأصول
وتتبّعوا جمْعَ الحُطام ... وفارقوا أثر الرسول
ولقد رأوا غِيلان رَيْبِ ... الدهر غُولا بعد غُولِ -[880]-
أخبرنا أحمد بن سلامة كتابةً، عن أبي الفضائل الكاغدي، قال: أخبرنا أبو علي الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قال: حدثنا سُفيان قال: دخلتُ على العُمريّ الصّالح، فقال: ما أحد يدخل علي أحب إلي منك، وفيك عَيْب، قلت: ما هو؟ قال: حُبُّ الحديث، أما إنّه ليس من زاد الموت أو من إبزار الموت.
وقال أبو المنذر إسماعيل بن عَمْر: سمعتُ أبا عبد الرحمن العُمريّ الزّاهد يقول: إنّ من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بأن ترى ما يُسخطه، فتجاوزه، ولا تأمر، ولا تنهي خوفًا ممّن لا يملك لك ضرًا ولا نفعا، من ترك الأمر بالمعروف من مخافة المخلوقين نُزعت منه الهيبة، فلو أمر بعض ولده لاستخفّ به.
قال محمد بن حرب المكّيّ: قدِم العُمريّ فاجتمعنا إليه، فلمّا نظر إلى القصور المحدقة بالكعبة نادى بأعلى صوته: يا أصحاب القصور المشيَّدة اذكروا ظُلْمة القُبُور الموحشة، يا أهل التنعُّم والتلذُّذ اذكروا الدُّودَ والصَّديد، وبلاء الأجسام في التراب، ثم غلبته عينه فقام.
أخبرنا إسحاق الأسدي، قال: أخبرنا ابن خليل، قال: أخبرنا الكاغدي، قال: أخبرنا أبو علي، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا إسحاق الخزاعي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا سليمان بن محمد بن يحيى قال: سمعتُ عبد الله بن عبد العزيز العُمريّ يقول: قال لي موسى بن عيسى: يُنهى إلى المؤمنين أنك تشتمه وتدعو عليه، فبأيّ شيء استجزتَ ذلك؟ قلت: أمّا شَتْمُهُ فهو - واللهِ - أكرم عليّ من نفسي، لقرابته مِنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأما الدُّعاء عليه فوالله ما قلت الَّلهُمّ إنّه قد أصبح عِبئًا ثقيلا على أكتافنا، ولا تطيقه أبداننا، وقذى في جُفُوننا، لا تطرف عليه جفوننا، وشجيً في أفواهنا لا تسيغه حلوقنا، فاكفنا مؤونته، وفرِّقْ بيننا وبينه، ولكن قلت: الَّلهُمّ إنْ كان تَسَمَّى بالرشيد ليُرشِد فأرشِدْهُ، أو لغير ذلك فراجِعْ به، الَّلهُمّ إنْ -[881]- له في الإسلام بالعباس على كلّ مؤمن حقًّا، وله بنبيّك قرابة ورحِم، فقرّبْه من كلّ خير، وباعِدْه من كل سوء، وأسْعِدْنا به، وأصْلِحْه لنفسه ولنا، فقال موسى: رحِمك الله أبا عبد الرحمن كذلك لعمري الظن بك.
أَنْبَأَنَا ابْنُ سَلامَةَ، عَنْ أَبِي الْفَضَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْحَدَّادَ أخبرهم، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا موسى بن محمد بن كثير السريني، قال: حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي، قال: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " الزَّبَانِيَةُ أَسْرَعُ إِلَى فَسَقَةِ الْقُرْآنِ مِنْهُمْ إِلَى عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، فَيَقُولُونَ: يُبْدَأُ بِنَا قَبْلَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ؟ فَيُقَالُ: لَيْسَ مَنْ عَلِمَ كَمَنْ لا يَعْلَمُ "، تَفَرَّدَ بِهِ الْعُمَرِيُّ، وَهُوَ خَبَرٌ مُنْكَرٌ، وَشَيْخُ الطَّبَرَانِيِّ لا أَعْرِفُهُ.
قال مُصْعَب الزُّبَيري: مات العُمريّ سنة أربعٍ وثمانين ومائة، وله ستُّ وسُتُّون سنة.

354 - خ د ن: المعافى بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة، أبو مسعود الأزدي الموصلي الحافظ القدوة،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

354 - خ د ن: الْمُعَافَى بن عِمران بن نُفَيْلِ بن جابر بن جَبَلَة، أبو مسعود الأزْديُّ المَوْصليُّ الحافظ القُدْوة، [الوفاة: 181 - 190 ه]
شيخ أهل المَوْصل وعالمهم وزاهدهم.
مولده بعد العشرين ومائة.
سَمِعَ: ثور بن يزيد، وهشام بن حسّان، وابن جُرَيْج، وجعفر بْن بُرْقان، وحنظلة بْن أبي سُفيان، وسيف بن سُليمان، وأفلح بن حُمَيْد، وموسى بن عبيدة، ومسعرا، والأوزاعيّ، وعبد الحميد بن جعفر، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وسفيان الثَّوْريّ، وطبقتهم.
وَعَنْهُ: بقيّة، وابن المبارك، ووَكِيع، وموسى بن أعْيَن - وهم من أقرانه - وبِشْر الحافي، والحسن بن بِشْر، وإبراهيم بن عبد الله الهَرَويّ، ومحمد بن جعفر الوَرْكانيّ، ومحمد بن -[977]- عبد الله بن عمّار، وعبد الله بن أبي خُداش، وآخرون.
وله ترجمة في " تاريخ يزيد بن محمد الأزدي " في بضع وعشرين ورقة، فقال: حدثنا موسى بن هارون الزيات قال: حدثنا أحمد بن عثمان قال: سمعت محمد بن داود الحداني قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: خرج علينا الأوزاعيّ، ونحن ببيروت أنا والمُعَافَى بن عِمران وموسى بن أَعْيَن، ومعه كتاب " السُّنَن " لأبي حنيفة، فقال: لو كان هذا الخطأ في أمّةٍ لأوسعهم خطًأ.
قال الأزْديّ: صنّف الْمُعَافَى في الزُّهد، والسُّنَن، والفِتَن، والأدب، وغير ذلك.
وقال أحمد بن يونس: كان سُفيان الثَّوْريّ يقول: الْمُعَافَى بن عِمران ياقوتة العلماء.
وقال بِشْر بن الحارث: إني لأذْكر الْمُعَافَى اليوم فأنتفع بذِكره، وأذكر رؤيته فأنتفع.
وقال وكيع: حدثنا المعافى وكان من الثقات.
وعن بشر الحافي قال: كان ابن المبارك يقول: حدَّثني الرجل الصالح؛ يعني الْمُعَافَى.
أحمد بن عبد الله بن يونس، عن الثَّوْريّ قال: امتحنوا أهل المَوْصل بالمُعَافَى.
وَرُوِيَ عن الأوزاعيّ قال: لا أقدّم على المَوْصليّ أحدًا.
قال ابن سعد: كان الْمُعَافَى ثقة خيرًا فاضلا، صاحب سُنَّةٍ.
بشر بن الحارث: سمعت المعافى يقول: سمعتُ الثَّوْريّ يقول: إذا لم يكن لله في العبد حاجة نبذة إلى السلطان.
قال بِشْر: كان الْمُعَافَى يحفظ الحديث والمسائل، سألته عن الرجل يقول للرجل: أقعدْ هنا ولا تَبْرَح، قال: يجلس حتّى يأتي وقت صلاة ثمّ يقوم.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ: حدثنا الْمُعَافَى - ولم أرَ أفضل منه - يُسأل عن تجصيص القبور فكرهه. -[978]-
وقال علي بن مضاء: حدثنا هشام بن بهرام قال: سمعتُ الْمُعَافَى يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.
قال الهيثم بن خارجة: ما رأيت رجلا آدب من الْمُعَافَى.
وورد أن الْمُعَافَى كان أحد الأسخياء الموصوفين؛ أفنى ماله الجود والحقوق، كان إذا جاءه مغلة أرسل إلى أصحابه ما يكفيهم سنة، وكانوا أربعة وثلاثين رجلا.
قال بِشْر: كان الْمُعَافَى في الفرح والحُزن واحدًا، قتلت الخوارج له ولدين فما تبيّن عليه شيء، وجمع أصحابه وأطعمهم، ثمّ قال لهم: آجركم الله في فلان وفلان. رواها جماعة.
عن بِشْر: قَالَ محمد بْن عَبْد اللَّه بْن عمار: كنتُ عند عيسى بن يونس فقال: أسمعت من الْمُعَافَى؟ قلت: نعم. قال: ما أحسب أحدًا رأى الْمُعَافَى وسمع من غيره يريد بعِلمه الله.
قال بِشْر: سمعتُ الْمُعَافَى يقول: أجمع العلماء على كراهة السُّكْنَى؛ يعني ببغداد.
وقيل لبشر الحافي: نراك تعشق الْمُعَافَى بن عِمران. فقال: وما لي لا أعشقه وقد كان سُفيان يسمّيه الياقوتة!
قال عليّ بن حرب: رأيت الْمُعَافَى أبيض الرأس واللّحية، عليه قميص غليظ، وكُمّه تَبِين منه أطراف أصابعه.
وقال يحيى بن مَعِين: ثقة.
وقال بِشْر: كان الْمُعَافَى صاحب دنيا واسعة وضياع كثيرة.
قال رجلٌ: ما أشدُّ البرد اليوم، فالتفت إليه الْمُعَافَى وقال: استدفأت الآن؟ لو سكتَّ لكان خيرًا لك.
قلت: وَقَعَ لِي مِنْ عَوَالِي الْمُعَافَى حَدِيثٌ؛ أَخْبَرَنَا علي بن أحمد العلوي قال: أخبرنا محمد بن أحمد القطيعي قال: أخبرنا أبو بكر ابن الزاغوني.
(ح)، وأخبرنا أحمد بن إسحاق الهمذاني قال: أخبرنا عمر بن محمد السهروردي قال: أخبرنا هبة الله بن أحمد القصار، قالا: أخبرنا محمد -[979]- ابن محمد الهاشمي قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال: حدثنا محمد؛ يعني ابن أبي سمينة، قال: حدثنا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كُنْتُ أَسْكُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَهُ عَنْ جَمِيعِ أَزْوَاجِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ ". تَابَعَهُ وَكِيعٌ عَنْ صَالِحٍ.
أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ.
قال عليّ بن حسين الخوّاصّ وغيره: مات الْمُعَافَى بن عِمران سنة أربع وثمانين ومائة.
وقال ابن عمّار وَسَلَمَةُ بن أبي نافع: مات سنة خمسٍ وثمانين.
وقال الهيثم بن خارجة وغيره: سنة ست.
وللمعافى تريجمة في " حلية الأولياء ".

156 - عبد الله بن أبي رفاعة راشد، أبو عبد الرحمن، الخولاني مولاهم، المصري الزاهد القدوة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

156 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي رِفاعة راشد، أبو عَبْد الرَّحْمَن، الخَوْلانيّ مولاهم، الْمَصْرِيّ الزَّاهد القُدْوة. [الوفاة: 191 - 200 ه]
كَانَ يقال هُوَ أفضل أهل الإسكندرية، مات سنة مائتين، وعاش ثمانيًا وستّين سنة.
ذكره ابن يونس مختصرًا.

223 - عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطية، وقيل: ابن عسكر، وقيل: ابن أحمد بن عطية السيد القدوة، أبو سليمان الداراني العنسي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

223 - عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطّية، وقيل: ابن عسكر، وقيل: ابن أحمد بن عطيّة السيّد القُدْوة، أبو سليمان الدّارانيّ العَنْسيّ، [الوفاة: 211 - 220 ه]
قيل: أصله واسطيّ.
وُلِد في حدود الأربعين ومائة، أو قبل ذلك،
وَرَوَى عَنْ: سُفْيان الثَّوريّ، وأبي الأشهب، وعبد الواحد بن زيد، وعَلْقَمَة بن سُوَيْد، وعليّ بن الحسن الزّاهد، وصالح بن عبد الجليل.
وَعَنْهُ: تلميذه أحمد بن أبي الحواري. وهاشم بن خالد، وحُمَيْد بن هشام العَنْسيّ، وعبد الرحيم بن صالح الدّارانيّ، وإسحاق بن عبد المؤمن، وعبد العزيز بن عُمَير، وإبراهيم بن أيّوب الحورانيّ، وآخرون.
قَالَ أبو الْجَهْم بْن طلاب: حدثنا أحمد بْن أَبِي الحواريّ قَالَ: كَانَ اسم أَبِي سليمان عبد الرحمن بْن أحمد بْن عطيّة العنْسيّ من صَلِيبة العرب.
وقال حُمَيْد بْن هشام: قلت لأبي سليمان عبد الرحمن بْن أحمد بْن عطيّة، فذكر حكاية.
واختلف على أبي الْجَهْم فقال أبو أحمد الحاكم، عنه، عن ابن أبي الحواري: اسمه عبد الرحمن بن عَسْكَر.
قَالَ ابن أَبِي الحواري: سَمِعْتُ أبا سليمان رحمة اللَّه عَلَيْهِ يَقُولُ: صلِّ خلف كلّ مبتدعٍ إلّا القَدَريّ لَا تصل خلفه، وإنْ كَانَ سلطانًا.
وقال: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: كنت بالعراق أعمل، وأنا بالشام أعرف.
قَالَ: وسمعته يَقُولُ: لَيْسَ لِمَن أُلْهِم شيئًا من الخير أن يعمل بِهِ حتّى يسمعه من الأثر. فإذا سمعه من الأثر عمل بِهِ وحمد اللَّه حيث وافق ما في قلبه.
وقال الخَلْديّ: سَمِعْتُ الْجُنَيْد يَقُولُ: قَالَ أبو سليمان الدّارانيّ: ربّما يقع في قلبي النُّكْتَة من نُكَتِ القوم أيّامًا فلا أقبل منه إلّا بشاهدَيْن عَدْلَيْن: الكتاب والسُّنَّة. -[370]-
قَالَ الجنيد: وقال أبو سليمان: أفضل الأعمال خلاف هوى النَّفْس.
وقال: لكل شيء عِلم، وعِلْم الخِذْلان تَرْكُ البُكاء. ولكلّ شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبَعُ البَطَن.
وقال أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ يَقُولُ: أصل كلّ خير الخوف من اللَّه، ومفتاح الدُّنيا الشِّبَع، ومفتاح الآخرة الْجُوع.
وقال الحاكم: أخبرنا الخلدي قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري السقطي قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: قدَّم إليّ أهلي مرَّةً خبزًا وملْحًا، فكان في الملح سمسمة فأكلتها، فوجدت رانَها عَلَى قلبي بعد سنة.
وقال أحمد: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: مَن رَأَى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.
وعنه قَالَ: إذا تكلّف المتعبّدون أن يتكلّموا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم.
وقال أحمد: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: إنّ في خلْق اللَّه خلقًا لو زُيِّن لهم الْجِنان ما اشتاقوا، فكيف يُحَبّون الدُّنيا وقد زهَّدهم فيها.
وسمعته يَقُولُ: لولا اللّيل لما أحببتُ البقاء في الدّنيا. وما أحبّ البقاء في الدّنيا لتشقيق الأنهار وغرْس الأشجار، ولَرُبّما رَأَيْت القلبَ يضحك ضحكًا.
وقال أحمد: رَأَيْت أبا سليمان حين أراد أن يُلبّي غُشِي عَلَيْهِ، فلمّا أفاق قَالَ: بلغني أنّ العبد إذا حجّ من غير وجهه، فلبّى قِيلَ لَهُ: لَا لَبَّيْك ولا سَعْدَيْك حتّى تطرح ما في يديك، فما يؤمنا أن يقال لنا مثل هذا؟ ثم لبّى.
وقال الْجُنَيْد: شيءٌ يُروَى عَنْ أَبِي سليمان أَنَا أستحسنه كثيرًا، قوله: من اشتغل بنفسه شُغِل عَنِ النّاس، ومن اشتغل بربّه شُغِل عَنْ نفسِهِ وعن النّاس.
وقال عمر بن بحر الأسدي: سَمِعْتُ ابن أَبِي الحواريّ قال: سَمِعْتُ أبا سليمان يَقُولُ: مَن وَثِق بالله في رزقه زاد في حُسْن خلقه، وأعقبه الحِلْم، وسَخَتْ نفسُهُ في نَفَقَته، وقَلَّت وساوِسُهُ في صلاتِهِ.
وعن أَبِي سليمان قَالَ: الفُتُوَّة أن لَا يراك اللَّهُ حيث نهاك، ولا يفقدَكَ حيثُ أمرك. وللشيخ أَبِي سليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كلام جليل من هذا النَّمْط. -[371]-
وقد أَنْبَأَنَا أبو الغنائم بْن علّان، عَنِ القاسم بن علي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا طاهر بن سهل، قال: أخبرنا عبد الدائم الهلالي، قال: أخبرنا عبد الوهاب الكلابي قال: سمعت محمد بن خريم العقيلي قال: سَمِعْتُ أحمد بْن أَبِي الحواريّ يَقُولُ: تمنيت أن أرى أبا سليمان الدّارانيّ في المنام، فرأيته بعد سنة، فقلت لَهُ: يا معلّم، ما فعل اللَّه بك؟ قَالَ: يا أحمد دخلت من باب الصغير، فلقيت وسق شيح، فأخذتُ منه عُودًا، فلا أدري تخلّلت بِهِ أم رَمَيْتُ بِهِ؟ فأنا في حسابه من سنة.
قَالَ أبو زُرْعة الطَّبريّ: سألت سعيد بْن حَمْدون عَنْ موت أَبِي سليمان الدّارانيّ فقال: سنة خمس عشرة ومائتين.
وكذا ورّخ وفاته أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، والقَرَّاب.
وقيل: سنة خمسٍ ومائتين، قاله ابن أَبِي الحواريّ.

241 - عبد الله بن محمد، الشيخ القدوة أبو محمد الراسبي البغدادي الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

241 - عبد الله بن محمد، الشيخ القدوة أبو محمد الراسبي البغدادي الزّاهد، [المتوفى: 367 هـ]
تلميذ أبي محمد الجريري، وابن عطاء.
أخذ عنه أبو عبد الرحمن السُّلَمي، وقال: أقام بالشّام مدّةً، ثم رجع إلى بغداد ومات بها.
ومن كلامه: البلاء صُحْبَةُ مَن لا يوافِقُكَ ولا تستطيع تَرْكَهُ.
وقال: الهمومُ عقوباتُ الذُّنُوب.
وقال: المحبَّةُ إن ظَهَّرَتْ فَضَحَتْ، وإنْ كُتِمتْ قَتَلْتَ.

351 - إبراهيم بن ثابت، الزاهد القدوة، أبو إسحاق الدعاء،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

351 - إبراهيم بن ثابت، الزّاهد القُدْوَة، أبو إسحاق الدّعّاء، [المتوفى: 370 هـ]
بغداديّ كبير، لقي الْجُنَيْد، وحفظ عنه.
حَكَى عَنْهُ: يوسف القوّاس، وعلي بن الحسن القَزْويني، وغيرهما.
قال السلَمي: لقي الْجُنَيْدِ وَصَحب المشايخ، وكان من أورع الشيوخ وأزهدهم وألزمهم لطريقة الشريعة. قلت له: أوَصِني، قال: دع ما تندم عليه.
وقال هلال بن المحسّن: بلغ المائة، ومات في صفر سنة سبعين.

263 - عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، الإمام الصالح القدوة، أبو عبد الله بن بطة العكبري الفقيه الحنبلي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

263 - عُبَيْد اللَّه بْن محمد بْن مُحَمَّد بْن حمدان، الْإمَام الصالح القدوة، أَبُو عَبْد اللَّه بْن بُطّة العُكْبرِي الفقيه الحنبلي. [المتوفى: 387 هـ]
سَمِعَ: أَبَا القاسم البَغَوي، وابْن صاعد، وأبا ذر ابن الباغندي، وأبا -[613]- بَكْر بْن زياد، وإِسْمَاعِيل الورّاق، والمَحَامِلي، ومُحَمَّد بْن مخلد، وأَبَا طَالِب أحْمَد بْن نصر الحافظ، ومُحَمَّد بْن أحْمَد بْن ثابت العُكْبرِي، ورحل في الكهولة، فسمع بدمشق عَلِيّ بْن أَبِي العقب، وسمع بحمص أحْمَد بْن عُبَيْد، وآخرين.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو نُعَيم الحافظ، وَأَبُو الفتح بْن أَبِي الفوارس، وَأَبُو القاسم عُبَيْد اللَّه الْأزهري، وعَبْد العزيز الْأزْجِي، وأَحْمَد بْن مُحَمَّد العتيقي، وَأَبُو مُحَمَّد الجوهري، وَأَبُو إِسْحَاق البَرْمَكِي، وَأَبُو الفضل مُحَمَّد بْن أحْمَد بْن عيسى السعدي نزيل مصر، وآخرون. وآخر من روى عَنْهُ بالإجازة، أبو القاسم علي بن أحمد ابن البسري؛ رَوَى عَنْهُ كتاب " الْأبانة الكبرى فِي السُّنَّة " تأليفه.
قَالَ عَبْد الواحد بْن عَلِيّ العُكْبَرِي: لم أر فِي شيوخ الحديث، ولا فِي غيرهم أحسن هيئة من ابن بطّة.
قال الخطيب: حدثني أبو حامد الدلويي قَالَ: لما رجع ابن بطّة من الرحلة، لازم بيته أربعين سنة، لم ير يومًا منها فِي سوق، ولا رؤي مفطرًا إلا فِي عيد، وكان أمارًا بالمعروف، لم يبلغه خبرُ أمرٍ منكرٍ إلا غيَّره.
وقَالَ أَبُو مُحَمَّد الجوهري: سَمِعْتُ أخي الْحُسَيْن يَقُولُ: رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، فقلت: يا رَسُول اللَّه، قد اختلفت عليّ المذاهب. فَقَالَ لي: " عليك بابن بطة "، فأصبحت، ولبست ثيابي، ثم أصعدت إلى عكبرا، فدخلت وابن بطّة فِي المسجد، فلما رآني، قَالَ لي: صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَدَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقَالَ العتيقي: تُوُفِّي ابن بطّة فِي المحرّم. قَالَ: وكان مستجاب الدعوة.
وقَالَ ابن بُطّة: ولدت في شوال سنة أربع وثلاثمائة، وكان لأبي ببغداد شركاء، فَقَالَ أحدهم لأبي: ابعث بابنك إلى بغداد يسمع الحديث. قَالَ: هُوَ صغير. قَالَ: أَنَا أحمله معي، فحملني معه، فجئت، فإذا ابن منيع يقرأ عَلَيْهِ الحديث، فَقَالَ لي بعضهم: سَل الشَّيْخ أن يخرج إليك -[614]- مُعْجَمَه ليُقرأ عَلَيْهِ، فسألت ابنه، فَقَالَ: إنه يريد دراهم كثيرة، فقلت: لامّي طاقُ مَلْحَم آخُذُه منها وأبيعه، قَالَ: ثم قرأنا عَلَيْهِ كتاب " المُعْجَم " فِي نفرٍ خاصّ، فِي نحو عشرة أيام، وذلك فِي آخر سنة خمس عشرة، وأوّل سنة ستّ عشرة، فاذكره. وقد قَالَ: حدثنا إِسْحَاق الطَّالَقاني سنة أربع وعشرين ومائتين، فقال المُسْتَمْلي: خذوا هذا قبل أن يولد كلّ محدث على وجه الأرض، اليوم وسمعت المُسْتَمْلي وهو أَبُو عَبْد اللَّه بْن مهران يَقُولُ لَهُ: من ذكرت يا ثَبْتَ الْإسلام؟.
قُلْتُ: وَابْنُ بَطَّةَ ضَعِيفٌ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ عِلانَ وَالْمُؤَمَّلُ الْبَالِسِيُّ كتابةً أن أبا اليمن الكندي أخبرهم، قال: أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَلِيٍّ الْأسَدِيُّ، قَالَ لِي أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ: رَوَى ابْنُ بَطَّةَ، عَنِ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: " طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ".
قَالَ الخطيب: هذا باطل، والحمل فِيهِ عَلَى ابن بطة.
قلت: يعني أنه لم يحدث البَغَوي، وتفرد بِهِ ابن بطة، فيجوز أن يكون غلط فِيهِ، وقفز من سند إلى متن آخر، لقلّة إتقانه، لا أنّه تعمّد وضعه.
قال الخطيب: وأخبرنا العتيقي، قال: حدثنا ابن بطة، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا مصعب، قال: حدثنا مالك عن هشام بن عروة، فذكر حديث " قَبْض العِلْم ". قَالَ الخطيب: وهو باطل بهذا الْأسناد.
قلت: والكلام فِي هذا، كالكلام فِي الَّذِي قبله، لعلّه دخل عَلَى ابن بطة حديث فِي حديث. -[615]-
وقَالَ الخطيب: حدّثني عَبْد الواحد بْن عَلِيّ، قَالَ: قَالَ لي الْحَسَن بْن شهاب: سَأَلت ابن بطة: أَسَمِعْتَ من البَغَوي حديث عَلِيّ بْن الْجَعْد؟ فَقَالَ: لا. قَالَ عَبْد الواحد: وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نُسْخَة بحديث عَلِيّ بْن الجعد قد حكّها، وكتب بخطّه سماعه فيها، فذكرت ذَلِكَ للحسن بْن شهاب، فعجب منه. قَالَ عَبْد الواحد: وروى ابن بطة، عَنِ النّجّاد، عَنْ أحمد بن عبد الجبار العطاردي، فأنكر عَلَيْهِ عَلِيّ بْن يَنَال، وأساء القول فيه، حتى همت العامة بابن ينال، فاختفى. وكان ابن بطة قد خرَّج تِلْكَ الْأحاديث فِي تصانيفه فتتبعها وضرب عَلَى أكثرها.
قَالَ الخطيب: وحدّثني التنوخي قَالَ: أراد أَبِي أن يخرجني إلى عكبرا لأسمع من ابن بطة " معجم البَغَوي "، فجاءه أَبُو عَبْد اللَّه بْن بُكَير، فَقَالَ: لا تفعل، فإن ابن بطة لم يسمعه.
قَالَ الخطيب: وحَدّثَنِي أحْمَد بْن الْحَسَن بْن خَيْرُون قَالَ: رَأَيْت كتاب ابن بطة " بمعجم البَغَوي " فِي نسخةٍ كانت لغيره، وقد حكّ اسم صاحبها، وكتب اسمه عليها.

قلت: وقد قَالَ ابن الْجَوْزِي: قرأت بخط أبي القاسم ابن الفرّاء أخي القاضي أَبِي يَعْلَى، قَالَ: قابلت أصل ابن بطة بالمُعْجَم، ورأيت سماعه فِي كل جزء، إلا أنّي لم أر الجزء الثالث أصلا.
قَالَ الخطيب: قَالَ لي الْأزهري، ابن بطة ضعيف ضعيف، وعندي عَنْهُ " مُعْجَم البَغَوي " ولا أُخرّج عنه في الصحيح شيئاً. قلت له: فكيف كان؟ قال: لم أر له بِهِ أصلا؟ وإنما دفع إلينا نسخة طريّة بخطّ ابن شهاب، فنسخنا منها، وقرأنا عَلَيْهِ. شاهدت عند حمزة بْن مُحَمَّد بْن طاهر الدّقّاق نسخة " بالغريب " لمحمد بْن عُزَيْز، وعليها سماع ابن السُّوسَنْجِردي منْ -[616]- ابْن بطة، عَنِ ابن عُزَيْز، فسألت حمزة، فأنكر أن يكون ابن بطة سَمِعَ الكتاب، وقَالَ: ادّعى سماعه.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ كُتُبَ ابْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ الدينوري عن ابن قتيبة، وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلا رَوَى عَنْهُ سِوَى ابْنِ بَطَّةَ.
وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي " الْأبَانَةِ " فقال: حدثنا إسماعيل الصفار، قال: حدثنا ابن عرفة، قال: حدثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَلَّمَ اللَّه مُوسَى، يَوْمَ كَلَّمَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَنَعْلانِ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ، فَقَالَ: مَنْ ذَا الْعِبْرَانِيُّ الَّذِي يُكَلِّمُنِي مِنَ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: أَنَا اللَّه ". تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ بَطَّةَ برفعه، وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي آخِرِهِ، وَهُوَ فِي جُزْءِ ابْنِ عَرَفَةَ بِدُونِهِمَا.
وَقَالَ الخطيب: حدثنا الحسن بن شهاب، قال: حدثنا ابن بطة، قال: حدثنا حفص بن عمر بأردبيل، قال: حدثنا رجاء بن مرجى بسمرقند، قال: حدثنا يَحْيَى الْوُحَاضِيُّ. (ح) قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وحدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصفار بحمص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، قال: حدثنا مروان بن محمد؛ قالا: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ ". -[617]-
هذا الحديث إنما حُفظ من حديث يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال، وهنا كما ترى رواه رجلان نبيلان عن سُليمان، لكن لم يصح السند إليهما.
قَالَ الْخَطِيبُ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ الأسدي، قال: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ شِهَابٍ، أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ كتب عنه أبو الحسن ابن الفرات كتاب " السنن " لرجاء بن مُرَجّى، حدّثه بِهِ عَنْ حفص بْن عُمَر الْأردبيلي، عَنْ رجاء، فأنكر ذَلِكَ الدارقُطني، وزعم أن حفصًا لَيْسَ عنده عن رجاء، وأَنَّهُ يَصْغُر عَنْ ذَلِكَ، فكتبوا إلى أردبيل، وكان ولد حفص بن عمر حيّا يستخبرونه، فعاد جوابهم بأن أَبَاهُ لم ير رجاء قطّ، وأن مولده بعد موت رجاء بسنين. قَالَ عَبْد الواحد: فتتبع ابن بطة النُّسَخَ التي كُتِبَت عَنْهُ، وجعلها عَنِ ابن الراجيان، عَنِ الفتح بْن شُخْرُف، عَنْ رجاء.
قلت: رحم اللَّه ابْن بطة، فَبدون ما أوردنا يُضْعِف المحدّث.
وقد تُوُفِّي فِي المحرّم.

188 - عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد، الشيخ القدوة، أبو الفرج الفقيه الحنبلي، الواعظ الشيرازي الأصل الحراني المولد، وكان يعرف في بغداد بالمقدسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

188 - عبد الواحد بن محمد بن عليّ بن أحمد، الشّيخ القُدْوة، أبو الفَرَج الفقيه الحنبليّ، الواعظ الشّيرازيّ الأصل الحرّانيّ المولد، وكان يُعرف في بغداد بالمقدسيّ. [المتوفى: 486 هـ]
سمع بدمشق من أبي الحسن عليّ ابن السّمْسار، ومن عبد الرّزّاق بن الفضل الكَلاعيّ، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصَّابونيّ. ورحل إلى بغداد، ولزِم القاضي أبا يَعْلَى، وتردَّد إليه سِنين عديدة، ونسخ واستنسخ تصانيف القاضي، وبرع في الفقه. وسافر إلى الرَّحْبَة، ثمّ رجع إلى دمشق، وبَثَّ بها مذهب أحمد، وبأعمال بيت المقدس، وصنَّف التّصانيف في الفِقْه والأُصُول.
قال أبو الحسين ابن الفرّاء: صحِب والدي، وسافر إلي الشّام وحصل له الأتباع والغلمان.
قال: وكانت له كرامات ظاهرة، ووقعات مع الأشاعرة، وظهر عليهم بالحجّة في مجالس السّلاطين بالشّام.
قال أبو الحسين: ويقال إنّه اجتمع بالخضر مرّتين، وكان يتكلّم على الخاطر، كما كان يتكلّم على الخاطر الزاهد ابن القَزْوينيّ، وكان تُتُش يعظّمه، لأنّه تمّ له معه مكاشفة، وكان ناصرًا لاعتقادنا، متجرِّدًا في نشره. وله تصانيف في الفقه والوعْظ والأُصُول.
وأرَّخ وفاته ابن الأكْفَانيّ في يوم الأحد الثّامن والعشرين من ذي الحجّة بدمشق.
قلت: وقبره مشهور بجبَّانة باب الصَّغير، يُزار ويُقْصَد، ويُدعى عنده. وله ذُرّيّة فُضَلاء، وكان أبوه الشّيخ أبو عبد الله صوفيًّا من أهل شيراز، قدم الشام، وكان يعرف بالصافي. -[564]-
ذكر ابن عساكر ترجمة لأبي الفَرَج فقال: سكن دمشق وكان صوفيا. سمع أبا الحسن ابن السّمْسار، وأبا عثمان الصّابونيّ. وصنَّف جزءًا في قِدم الحروف، رأيته يدلُّ على تقصير كثير.

254 - هشام بن محمد بن سعيد، القدوة، أبو علي المغربي الطليطلي الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

254 - هشام بْن محمد بْن سَعِيد، القُدوة، أبو عليّ المغربيّ الطُّلَيْطُليّ الزّاهد، [المتوفى: 516 هـ]
نزيل بغداد.
مِن كبار المشايخ، له كلام في الحقيقة، ونظم في الزُّهْد، حكى عَنْهُ جماعة، ذكره ابن النجار.

199 - عمر بن يوسف، القدوة، الزاهد، أبو حفص ابن الحذاء القيسي الصقلي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

199 - عمر بن يوسف، القُدوة، الزّاهد، أبو حفص ابن الحذّاء القَيْسيّ الصَّقَليّ، [المتوفى: 526 هـ]
نزيل الثَّغْر. -[452]-
سمع منه: السِّلَفيّ، عن أبي بكر عتيق بن علي السمنطاري بصقلية: قال: حدثنا أحمد بن إسحاق المهراني، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، قال: حدثنا تمتام، قال: حدثنا القَعْنَبيّ بحديث الّذي تفوته العصر.
قال السِّلَفيّ: كان من مشاهير الزُّهاد وأعيان العُباد، له مجدٌ كبير عند أهل صَقَلّية، وكان من أهل العلم، تمنع علي مِن الرّواية كثيرًا تورُّعًا، وجرى بيني وبينه خطبٌ طويل، وقفت على سماعه من السّمنْطاريّ بموطّأ القَعْنَبيّ، بهذا الإسناد، وُلِد بصَقَلّية سنة ثلاثين وأربعمائة، وحجّ سنة إحدى وخمسين، وقرأ على جماعة القرآن، توفي في المحرم، رحمه الله.

245 - أحمد بن علي بن إبراهيم، الشيخ أبو الوفاء الشيرازي، القدوة، الزاهد، الفيروزآبادي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

245 - أحمد بن عليّ بن إبراهيم، الشَيخ أبو الوفاء الشيرازي، القدوة، الزاهد، الفيروزآبادي، [المتوفى: 528 هـ]
شيخ الرِّباط الّذي حِذَاء جامع المنصور ببغداد.
قَدِم بغداد وسمع من: أبي طاهر الباقِلّانيّ، وأبي الحسن الهكّاريّ، شيخ الإسلام، وخدم المشايخ، وسكن بالرّباط المذكور، ويُعرف برباط الزَّوْزَنيّ.
قال ابن السّمعانيّ: اتّفقَت الأَلْسُن على مدحه، صحب المشايخ بفارس، وكان يحفظ من كلام القوم وسِيَرَهم وأحوالهم، ومن الأشعار المناسبة لذلك شيئًا كثيرًا، واتَّفق أنّ أبا عليّ المغربيّ أحضر رجلًا يقال له محمد المغربيّ إلى الشَيخ أبي الوفاء وأثنى عليه، وقال: إنّه يصلح لخدمتك، فاستخدمه الشَيخ وقرّبه، وكان يسعى في مَهَمّاته، فضاق منه أبو عليّ المغربيّ، فقال لأبي الوفاء: أريد أن تُخْرجه من الرباط ولا يخدمك، فقال: ما يحسُن هذا، تُثنى على رجلٍ فنقربه، ثم تضيق منه فنخرجه، هذا لَا يليق، فعمل أبو عليّ:
إن خلي أبا الوفا ... في صفائي أبى الوفا
باع ودي بود من ... لُطْفه غاية الجفا
وقال أبو الفَرَج ابن الجوزيّ: كان أبو الوفاء على طريقة مشايخه في سماع الغناء والرَّقْص، وكان يقول لشيخنا عبد الوهاب: إني لأدعو في وقت السَّماع، وكان شيخنا يتعجَّب ويقول: أَلَيْس يعتقد أنّ ذلك وقت إجابة. -[469]-
وهذا غاية القبيح.
وحكى أبو الوفاء أنّ فقيرًا كان يموت وعياله يبكون، ففتح عينيه، وقال: لم تبكون لموتي؟ قالوا: لَا، الموت لَا بدّ منه، ولكن نبكي على فضيحتنا، لأنّه ليس لك كَفَن، فقال: إنّما نفتضح لو كان لي كفن.
قال ابن الجوزيّ: تُوُفّي أبو الوفاء في حادي عشر صفر، وصلّى عليه خلْق، منهم أرباب الدّولة، وقاضي القُضاة، ودُفن على باب الرّباط، وعمل له الخادم نَظَر بعد يومين دعوة عظيمة، أنفق فيها مالًا على عادة الصُّوفيَّة، واجتمع فيها خلْق.
وكان أبو الوفاء ينشد أشعارًا رقيقة، أنشد مرة، وهو لأبي منصور الثعالبي:
وخط نمَّ في حافّات وجهٍ ... له في كلّ يومٍ ألفُ عاشقٍ
كأنّ الرّيحَ قد مرّت بمسكٍ ... وذرت ما حوته على الشّقائقِ

257 - الحسين بن أبي الذكر محمد بن عبد الله بن حسين، القدوة، أبو عبد الله المصري، الجوهري، الزاهد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

257 - الحسين بن أبي الذّكْر محمد بن عبد الله بن حسين، القُدوة، أبو عبد الله المصريّ، الجوهريّ، الزّاهد، [المتوفى: 528 هـ]
النّاطق بالحكمة.
قال السِّلَفيّ: قرأنا عليه، عن أبي إسحاق الحبّال، وغيره، وكان حلو الوعظ، وتوفي في جمادى الأولى.

343 - عبد الواحد بن الفضل بن محمد بن علي، أبو بكر ابن القدوة أبي علي الفارمذي الطابراني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

343 - عبد الواحد بن الفضل بن محمد بن علي، أبو بكر ابن القدوة أبي علي الفارمذي الطابراني. [المتوفى: 530 هـ]
كان جليل القدر، حَسَن الأخلاق، مُكرِمًا للغرباء، سافر وصحِب المشايخ، وكان بقيَّة أولاد الشَيخ، سمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، وكان قد سمع بمرْو من: أبي الخير محمد بن أبي عمران، وبنَيْسابور من: أبي بكر بن خَلَف الشّيرازيّ.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه بطوس، وتوفي في صَفَر.

394 - علي ابن القدوة الكبير أبي علي الفضل بن محمد، أبو الحسن الفارمذي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

394 - عليّ ابن القدوة الكبير أبي عليّ الفضل بن محمد، أبو الحسن الفارمذيُّ. [الوفاة: 521 - 530 هـ]
بقية مشايخ الصوفية بالطَّابران. سمع " متفق " الجوزقي من أحمد بن منصور بن خلف. وسمع من أبي القاسم القُشَيْري، ومن شيخ وقته أبي القاسم الكُركاني، وحدَّث.
ذكره عبد الغافر، فقال: لزم طريقة المشايخ، بارك الله في أنفاسه العزيزة، وأبقاه ركناً في الطَّريقة. -[523]-
قلت: كان حيًّا بعد العشرين.

27 - عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن غالب بن تمام بن عطية، الإمام الكبير، قدوة المفسرين، أبو محمد ابن الحافظ الناقد الحجة أبي بكر المحاربي، الغرناطي، القاضي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

27 - عبد الحقّ بْن غالب بْن عبد الملك بْن غالب بْن تمّام بْن عطيَّة، الإمام الكبير، قُدْوة المفسّرين، أبو محمد ابن الحافظ النّاقد الحُجَّة أَبِي بَكْر المحاربيّ، الغَرْناطيّ، القاضي. [المتوفى: 541 هـ]
حدث عن: أبيه، وأبي عليّ الغسّانيّ الحافظ، ومحمد بْن الفَرَج الطّلاعيّ، وأبي الحسين يحيى بْن البَيَاز، وخلْق سواهم.
وكان فقيهًا، عارفًا بالأحكام، والحديث، والتفسير، بارع الأدب، بصيرًا بلسان العرب، ذا ضبْطٍ وتقييد، وتحرٍ، وتجويد، وذهنٍ سيّال، وفكرٍ إلى موارد المُشكل ميّال، ولو لم يكن لَهُ إلّا تفسيره الكبير لكَفَاه.
وكان والده من حفّاظ الأندلس، فاعتني بِهِ، ولحِق بِهِ المشايخ، وقد ألّف " برنامجًا " ضمّنه مَرْوِيّاته.
وُلِد في سنة ثمانين وأربعمائة.
حدَّث عَنْهُ: أولاده، والحافظ أبو القاسم بْن حُبيش، وأبو محمد بْن عُبَيد اللَّه السّبتيّ، وأبو جعفر بْن مضاء، وعبد المنعم بْن الفَرَس، وأبو جعفر بْن حَكَم، وآخرون، مات بحصْن لُورقة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. -[788]-
وقد ولي قضاء المرية في سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكان يتوقّد ذكاءً، - رحمه اللَّه -.
قَالَ الحافظ ابن بَشْكُوال: تُوُفّي سنة اثنتين وأربعين، وقال: كَانَ واسع المعرفة، قويّ الأدب، متفنّنًا في العلوم، أخذ الناس عَنْهُ.

388 - رسلان بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله، الجعبري الأصل، الدمشقي النشار الزاهد القدوة، رضي الله عنه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

388 - رسلان بْن يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عبد الله، الجعبري الأصل، الدمشقي النشار الزّاهد القُدْوة، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. [الوفاة: 551 - 560 هـ]
قال شمس الدِّين الْجَزَريّ: رسلان معناه بالتُّرْكي أسد، قال: وقال الشَّيْخ نجم الدِّين مُحَمَّد بْن إسرائيل الشاعر: سمعت المشايخ الذين أدركتهم من أصحابه يقولون: إنّه من قلعة جَعْبَر من أولاد الأجناد، صحِب شيْخه أَبَا عامر المؤدِّب، وهو مقبور فِي القُبة التي بظاهر باب تُوما، وتُعرف بتُرْبة الشَّيْخ رسلان فِي القبر القِبْليّ، والشّيخ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي الأوسط، والشّيخ أبو المجد خادم الشَّيْخ رسلان فِي القبر الثّالث. وصحِب أبو عامر الشيخ ياسين، وهو صحب الشيخ مَسْلَمَة، وهو صحِب الشَّيْخ عقيل، وهو صحِب الشَّيْخ عليّ بْن عليم، وهو صحِب الشَّيْخ أبا سعيد أَحْمَد بْن عِيسَى الخزّاز، وهو صحِب السَّريّ السقطي. -[194]-
قال: وكان الشَّيْخ رسلان يعمل فِي صنعة النَّشْر فِي الخشب، فذكروا عَنْهُ أنّه بقي مدَّة عشرين سنة يأخذ ما يحصل له من أُجرته ويعطيها لشيخه أبي عامر، وشيخه يُطْعمه، فتارةً يجوع وتارةً يشبع. وقيل عَنْهُ - وهو أشهر: إنّه كان يقسم أجرته أثلاثًا؛ ثُلث يُنْفقه، وثُلث يتصدَّق به، وثُلث يكتسي به ولمصالحه. وكان أوّلًا يتعبَّد بمسجدٍ صغير داخل باب تُوما جوار بيته ودُكَان النَّشْر، ثُمَّ انتقل إلى مسجد درب الحجر وقعد بالجانب الشرقيّ منه، وكان ينام هناك. وكان الشَّيْخ أبو البَيَان فِي الجانب الغربيّ، وبقيا على ذَلِكَ زمانّا يتعبّدان، وكلّ واحدٍ منهما بأصحابه فِي ناحيةٍ من المسجد. ثُمَّ خرج إلى ظاهر باب تُوما إلى مسجد خَالِد بْن الوليد، وهو مكان خيمة خَالِد لمّا حاصر دمشق، وعَبَد اللَّه فِيهِ إلى أنّ تُوُفّي بعد الأربعين وخمسمائة.
وحكى الشَّيْخ دَاوُد بْن يحيى بْن دَاوُد الحريريّ - وكان صدوقًا - قال: حكى لي جماعة أنّ الشَّيْخ رسلان لمّا شرع فِي بُنْيان المعبد، سيَّر إليه الشَّيْخ أبو البيان ذَهَبًا مع بعض أصحابه حَتَّى يصرفه فِي العمارة، فَلَمّا اجتمع به وعرض عليه الصُّرَّة قال الشيخ رسلان: ما يستحي شيخك يبعث لي هذا، وفي عَبّاد اللَّه من لو أشار إلى ما حوله لصار ذَهَبًا وفضَّة! وأشار بيده، فرأى الرَّسُول الطّين ذَهَبًا وفضَّة، وقال: عُدْ إليه. فقال: واللهِ ما بقيت أرجع، بل أكون فِي خدمتك إلى المَّوت. وانقطع عنده.
وقال الشَّيْخ دَاوُد: كان الشَّيْخ أَحْمَد ابن الرفاعي قد دار النخيل الذي له، وعيّن على واحدةٍ، وقال لأصحابه: إذا استوت هذه أهديناها للشيخ رسلان. فمرّ بها بعد مدَّة فوجد أكثر ما عليها قد راح، فسألهم فقالوا: لم يطلع إليها أحد، لكن فِي كلّ يوم يجيء إليها بازٌ أشهب يأكل منها ولا يقرُب غيرَها، ثُمَّ يطير. فقال لهم: الباز الَّذِي يجيء هُوَ الشَّيْخ رسلان، فلذلك يقال له: الباز الأشهب.
قال داود: لما احتضر الشَّيْخ أبو عامر المؤدِّب سألوه أنّ يوصي إلى ولده عامر، فقال: عامر خراب، ورسلان عامر. فَلَمّا تُوُفّي قام الشَّيْخ رسلان مقامه، ولم يجئ من عامر حاله.
قال شمس الدين ابن الْجَزَريّ: صلّيتُ العصر فِي مسجدٍ كان فِيهِ الشَّيْخ رسلان داخل باب توما، فقال لي يوسف المؤذن: يا سيدي، هذا البئر حفره -[195]- الشَّيْخ رسلان بيده، وأهل هذه النّاحية يشربون منه للبركة، ومن أوجعه جوفه أو حصل له أَلَمٌ يشرب منه فيُعافى بإذن اللَّه، وقد جرّبه جماعة، ثُمَّ أراني طبقة وقال: هذا بيت الشيخ رسلان، وإلى جانب الطبقة دكان حياكة، فقال: في هذا المكان كان يعمل بالمنشار، وهنا كلمه المنشار مرتين، وفي الثالثة كلمه وتقطع ثلاث قطع، وقال: يا رسلان، ما لهذا خُلِقت ولا بهذا أُمِرتْ. فترك العمل وجلس فِي هذا المعبد؛ وهو مسجد صغير. وعاد نور الدِّين الشهيد اشترى دارا مجاورة للمسجد وكبر وبنى له منارة ووقف عليه.
قال: وحكى لي الشيخ يوسف المؤذن عن الشرف الحصري أنّ نور الدِّين الشّهيد سيّر إلى الشَّيْخ رسلان ألف دينار مع مملوكٍ، وقال: إنْ أخذها منك فأنت حُرٌّ لوجه اللَّه. فجاء بها إليه وهو يبني المعبد الَّذِي بظاهر دمشق، فقال له: ما يستحي محمود يبعث هذه، وفي عَبّاد اللَّه من لو شاء لجعل ما حوله ذهبا وفضة! فرأى المملوك الحيطان والطّين ذَهَبًا وفضَّة، فتحيِّر وقال: يا سيّدي، قد جعل عتقي على قبولك هذا الذهب. فأخذها وصرفها فِي الحال على المساكين والأرامل والأيتام، ففُرِّقت بحضور المملوك.
وذكر أيضًا أنّ الشَّيْخ رسلان أعطى نور الدِّين من المنشار الَّذِي كلّمه وتقطع قطعة، قال: فأوصى نور الدين لأصحابه وأهله إذا مات أن يضعوها في كفنه.
قلت: والشيخ علي الحريري صحب المغربل صاحب الشيخ رسلان، ويقال: إنَّ هذه القُبَّة بناها الشَّيْخ رسلان على شيخه أبي عامر لمّا أعطاه بعض التّجار مبلغًا من المال، فالله أعلم.
ومناقب الشَّيْخ رسلان كثيرة، اقتصرنا منها على هذا، فرحِمَه اللَّه ورضى عَنْهُ، وكان عُرْيًا من العِلْم بخلاف الشَّيْخ أبي البيان.

158 - علي بن أبي نصر ابن الهيتي، الشيخ القدوة الزاهد الشيخ أبو الحسن الهيتي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

158 - علي بن أبي نصر ابن الهيتي، الشيخ القدوة الزاهد الشيخ أبو الحسن الهِيتَيّ [المتوفى: 564 هـ]
من سادة مشايخ العراق، صاحب أحوال وكرامات وأخلاق، وفَقْر، صحِب الشَّيْخ عَبْد القادر، وغيره.
قَالَ ابن النّجّار: كَانَ يسكن بزَرِيران بقرب المدائن، وله بها رباط يقيم بِهِ، وعنده جماعة من المنقطعين إلى اللَّه، وكان يتكلَّم عَلَى الخواطر، وله قَبُولٌ عظيم بين العوامّ، ويقال: ناهز المائة. مات رضي اللَّه عَنْهُ فِي جُمادى الأولى سنة أربعٍ وسِتين وخمسمائة.

198 - علي بن خلف بن غالب الأنصاري الشلبي، ابن غالب، الإمام القدوة العارف أبو الحسن،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

198 - علي بْن خَلَف بْن غالب الْأَنْصَارِيّ الشِّلْبيّ، ابن غالب، الْإِمَام القُدْوة العارف أَبُو الْحَسَن، [المتوفى: 565 هـ]
شيخ الصوفية، ونزيل قصر كتامة ثم نزيل قُرْطُبة.
سَمِعَ " الموطأ " من أَبِي القاسم بْن رضا، وروى عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه بْن مُعَمَّر، وقرأ عَلَى وليد بْن موفَّق الْجَيّانّي " تجريد الصِّحاح " لرزِين العَبْدَرِيّ عَنْ مؤلفه. وكتب السّرّ مدَّةً لصاحب شَقُّورَة. وله تصانيف. وكان ذا سُنَّة واتّباع وتمسُّك بالأثر.
أخذ عَنْهُ أيّوب بْن عَبْد اللَّه الفِهْريّ، وعبد الجليل القصْريّ، وغيرهما. وكان مبرّزًا فِي التّصوُّف، خيِّرًا، رحيمًا، متعبِّدًا.
قَالَ ابن الزُّبَيْر: بقي إلى سنة خمس وستين وبلغ الثّمانين.

162 - علي بن أحمد بن محمد بن عمر بن حسن، أبو الحسن العلوي الحسيني الزيدي البغدادي القدوة السيد الفقيه الشافعي المحدث.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

162 - علي بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر بْن حَسَن، أَبُو الْحَسَن العَلويّ الحسيني الزيدي البغدادي القُدْوَة السيد الفقيه الشافعي المحدث. [المتوفى: 575 هـ]
قال ابْن الدبيثي: أحد الأعيان والزهاد والنساك. حفظ القرآن وحصل الفقه، وكتب الكثير من الحديث وجمعه. وكان نبيلًا، جامعًا لِصفات الخير. سمعتُ شيخنا ابْن الأخضر يعظم شأنه ويُثني عَلَيْهِ ويصف زُهده ودينه. وقال: أوّل سماعه سنة سبع وأربعين وإلى آخر عمره. سمع الحافظ ابْن ناصر، وابن الزاغونيّ، ونصر ابن العُكْبَري. وانتخبَ لنفسه أجزاء، وحدث بها وسمع منه شيوخه وأقرانه تَبَركًا به، منهم عُمَر القُرَشي، وعمر العُليميّ، وأبو المواهب بْن صَصْرَى. وكان ثقة صدوقًا. وُلِد سنة تسعٍ وعشرين وخمسمائة، وتُوُفي فِي شوال وأبواه فِي الحياة، ودُفِنَ بداره. ووقف كتبه، وانتفع بها الناس.
وقيل: إن الوزير عضُد الدين ابْن رئيس الرؤساء لما عادَ إلى الوزارة بعث إليه بألف دينار، وكان نذَرها إن عاد إلى الوزارة، فلمّا سمع المستضيء بذلك بعث إلى الشريف بألف دينار أخرى، وبعثت إليه بنفشه أمّ الخليفة بألف دينار، فلم يتصرف فِيهَا بل بنى مسجدًا واشترى كُتُبًا كثيرة وقفها فِيهِ وانتفع بها الناس.

10 - حياة بن قيس بن رحال بن سلطان الأنصاري، الحراني، الزاهد، شيخ حران وصالحها، قدوة الزهاد بها.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

10 - حياة بْن قَيْس بْن رحال بْن سلطان الْأَنْصَارِيّ، الحرَّاني، الزَّاهد، شيخ حرّان وصالحها، قُدوة الزهاد بها. [المتوفى: 581 هـ]
كان عبدًا لله صالحًا، ناسكًا، قانتًا للَّه، صاحب أحوال وكرامات، وصدق وإخلاص، وجدٌّ واجتهاد، وتعفُّف وانقباض.
كَانَتِ الملوك والأعيان يزورونه ويتبرَّكون بلقائه. وكان كلمة إجماع بَيْنَ أهل بلده.
وقيل: إن السّلطان نور الدّين بْن زنكي زَارَه واستشاره فِي جهاد الفِرَنج، -[726]- فقوَّى عَزمه ودعا لَهُ، ولما توجَّه السّلطان صلاح الدّين إلى حرب صاحب المَوْصِل دخل عَلَى الشَّيْخ حياة وطلب منه الدُّعاء، فأشار عليه بترك المسير إلى المَوْصِل، فلم يقبل، وسار إليها فلم يظفر بها.
ومن شيوخه: أَبُو عَبْد اللَّه الحُسين البواري الرجل الصالح تلميذ الشَّيْخ مُجلّي بْن ياسين.
وللشيخ حياة سيرةٌ فِي نحو مجلَّد كَانَتْ عِنْد ذُريته، فلما استولت التتار الغازانية عَلَى الشام نُهِبت فيما نُهب بالصالحية. وَقَدْ بَلَغَنا عنه أنه كان ملازمًا لزاويته بحرّان نحوًا من خمسين سنة لم تَفُته الجماعةُ إلا من عُذرٍ شرعيّ.
وكان بَشُوش الوجه، ليِّن الجانب، رحيم القلب، سخيًّا كريمًا، محبًا لله، راجيًا عفوه وكرمه، صاحبَ ليلٍ وتهجُّد.
انتقل إلى اللَّه فِي ليلة الأربعاء سلْخ جُمادى الأولى سنة إحدى وثمانين هَذِهِ، وله ثمانون سنة، رحِمَه اللَّه، ولم يخلف بحران بعده مثله.
نقلتُ كثيرًا من ترجمته من " تاريخ " صاحبنا العدل الجليل شمس الدّين أَبِي المجد مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ابن الْجَزَريّ، وَهُوَ تاريخ مفيد استفدت منه أشياء مطبوعة لا تكاد توجد إلا فِيهِ. وَقَدْ كُنْت انتخبتُ منه مجلّدًا هُوَ الآن ملك الفقيه المحدث الأوحد صاحبنا صلاح الدّين خليل بْن كيكلديّ الشافعي، حفظه اللَّه وأصلحَه.

303 - عبد الواحد بن علي ابن القدوة أبي عبد الله محمد بن حموية، أبو سعد الجويني، البحيراباذي الشافعي الصوفي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

303 - عَبْد الواحد بْن عَلِيّ ابْن القُدْوَة أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن حَمُّوَية، أَبُو سعد الْجُوَيْنيّ، البحيراباذيّ الشّافعيّ الصُّوفيّ. [المتوفى: 588 هـ]
وُلِد سنة تسعٍ وعشرين وخمسمائة.
وسَمِع من وجيه الشّحّاميّ. وببغداد من أَبِي الوقت. وبَهَمَذَان من شَهْرَدار بْن شيرُوَيْه، وأبي الفضل أحمد بْن سعد.
وحدَّث ببغداد، ومكة، ودمشق.
رَوَى عَنْهُ عَلِيّ بْن المفضل الحافظ، والتاج ابن أَبِي جَعْفَر، وآخرون. وتُوُفّي بالرّيّ.
ومِمَّن رَوَى عَنْهُ ابن أخته تاج الدّين عَبْد السلام، وأَبُو طاهر الْحَسَن بْن أَحْمَد التَّمِيمِيّ.
ووَهِم من قال: إنَّه تُوُفّي سنة خمسٍ وثمانين. وَقَدْ ذكر أبو حامد ابن الصابوني أن سنة ثمانٍ وهْمٌ أيضًا، وقَالَ: فَإِن شيخنا أَبَا طاهر التَّمِيمِيّ سَمِع منه " مشيخة وجيه " فِي المحرَّم سنة تسعٍ وثمانين.

327 - محمد بن عبد المنعم بن أبي البركات محمد بن طاهر بن سعيد ابن القدوة أبي سعيد فضل الله ابن أبي الخير، أبو البركات الميهني الصوفي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

327 - مُحَمَّد بْن عَبْد المُنعم بْن أَبِي البركات مُحَمَّد بن طاهر بن سعيد ابن القدوة أَبِي سَعِيد فضل اللَّه ابن أَبِي الخير، أبو البركات المِيهَنيّ الصُّوفيّ. [المتوفى: 596 هـ]
تُوُفّي ببغداد فِي ذي الحجَّة. وكان رجلًا صالحًا.
سمع من أَبِيهِ، وشُهْدَة، والمبارك بْن عليّ بْن خُضَيْر.
وكان شيخ رباط البِسْطاميّ.
عاش أربعًا وخمسين سنة. وكان سَمْحًا جوادًا، ذا فُتُوَّة، كان يؤثر بمداسه ويمشي حافيًا. لَقَبُه: رُكْن الدّين.

139 - عتيق بن يحيى بن محمد بن سبيع، الإمام القدوة أبو بكر المذحجي الأندلسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

139 - عتيق بْن يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن سُبَيْع، الإمام القدوة أَبُو بَكْر المذحجيُّ الأندلسيُّ. [المتوفى: 603 هـ]
أخذ عَنْ أَبِي إِسْحَاق قرقول، وصالح بْن عَبْد المَلِك الأوسيّ، وولي خطابة غَرناطة، وكان كبيرَ الشأن.
مات في شوَّال عَنْ سبعينَ سنة.

361 - محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، الإمام القدوة الزاهد، أبو عمر المقدسي الجماعيلي، رحمة الله عليه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

361 - مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة بْن مِقْدام بْن نصر، الإِمام القدوة الزّاهد، أَبُو عُمَر المقدسيّ الْجَمّاعيليّ، رحمة الله عَلَيْهِ. [المتوفى: 607 هـ]
قَالَ ابن أُخته الحافظ ضياء الدّين: مولده في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجمَّاعيل، شاهدته بخطّ والده. سَمِعَ الكثير بدمشق من والده، ومن أَبِي المكارم عَبْد الواحد بن هلال، وأبي تميم سلمان بن علي الرحبي، وأبي الفهم عبد الرحمن ابن أَبِي العجائز الأزْديّ، وأبي نصر عَبْد الرَّحيم بْن عَبْد الخالق اليُوسُفيّ، وخلْق يطول ذِكرهم. وبمصر من عَبْد اللَّه بْن بَرّيّ النَّحْويّ، وإسماعيل بْن قاسم الزّيّات، وغيرهما.
قلت: روى عَنْهُ أخوه الشّيخ الموفّقُ، وولداه الشرف عَبْد الله، والشمس عَبْد الرَّحْمَن، والضّياء مُحَمَّد، والزّكيّ عبد العظيم، والشمس ابن خليل، والشهاب القوصي، والزين ابن عَبْد الدّائم، والفخر عليّ، وآخرون.
قَالَ الضّياء: بَابُ في اجتهاده: كَانَ لا يكادُ يسمع دعاءً إلّا حفِظه ودَعا بِهِ، ولا يسمع ذِكرَ صلاةٍ إلّا صَلَّاها، ولا يسمع حديثًا إلّا عَمِلَ بِهِ. وكان يُصلّي بالنّاس في نصف شعبان مائة ركعة وهو شيخ كبير، وكان أنشطَ الجماعة، وكان لا يترك قيامَ اللّيل من وقت شُبُوبِيته؛ سافرتُ معه إِلى الغزاة فأراد بعضُنا يسهر، ويحرسنا، فَقَالَ لَهُ الشيخ أَبُو عُمَر: نَم. وقام هُوَ يُصلّي. وكذا حدثني عنه أحمد -[173]- ابن يونس المقدسيّ أَنَّهُ قام في سَفَرٍ يُصلّي ويحرسهم.
وسمعتُ آسية بنت مُحَمَّد، وهي الّتي كانت تُلازمه في مرضه، تَقُولُ: إنّه قلَّل الأكل قبلَ موته في مرضه حتّى عاد كالعود. وقالت: مات وهو عاقد عَلَى أصابعه، يعني يُسَبِّح، وسمعتُها تحدّث عَنْ زوجته أمّ عَبْد الرَّحْمَن، قالت: كَانَ يقوم باللّيل فإذا جاءه النّوم عنده قضيب يضرب بِه رِجله، فيذهب عَنْهُ النّوم، وكان كثيرَ الصّيام سَفَرًا وحَضَرًا.
وحدّثني ولده عَبْد الله: أَنَّهُ في آخر عمره سَردَ الصّوم، فلامه أهله، فَقَالَ: إنّما أصوم أغتنم أيّامي، لأنّي إنْ ضعفت، عجزت عَنِ الصّوم، وإنْ متَ، انقطع عملي. وكان لا يكاد يَسْمَعُ بجنازة إلّا حضرها قريبة أو بعيدة، ولا مريضاً إلا عاده، لا يكاد يسمع بجهاد إلّا خرج فيه. وكان يقرأ في كلّ ليلة سُبعًا من القرآن مرتّلًا في الصّلاة، ويقرأ في النّهار سُبعًا بين الظُّهر والعصر، وإذا صلّى الفجر وفرغ من الدّعاء والتّسبيح قرأ آياتِ الحرس وياسين والواقعة وتبارك، وكان قد كتب في ذَلِكَ كرّاسة وهي معلّقة في المحراب، ربّما قرأ فيها خوفًا من النُّعاس، ثُمَّ يُقرئ ويلقّن إِلى ارتفاع النّهار، ثُمَّ يُصلّي الضُّحي صلاةً طويلة.
وسمعتُ ولدَه أبا مُحَمَّد عَبْد الله يَقُولُ: كَانَ يسجد سجدتين طويلتين: إحداهما في اللّيل والأخرى في النّهار يُطيل فيهما السُّجود، ويُصلّي بعد أذان الظُّهر قبل سُنّتها في كلّ يومٍ ركعتين يقرأ في الأولى أول " المؤمنين "، وفي الثاني آخر " الفُرقان " من عقيْب سجدتها، وكان يُصلّي بين المغرب والعشاء أربع ركعات يقرأ فيهنّ " السجدة " و" ياسين " و" تبارك " و" الدخان "، ويُصلّي كلّ ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التّسبيح ويُطيلها، ويصلّي يوم الجمعة ركعتين بمائة " {{قل هو الله أحد}} ". وحكى ولده عَنْ أهله: أَنَّهُ كَانَ يُصلّي في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة.
ثُمَّ أورد عَنْهُ أورادًا كثيرة من الأذكار.
قَالَ الضّياء: وكان يزور المقابرَ كُلَّ جمعة بعد العصر، ولا يكاد يأتي إلّا ومعه شيء من الشّيح في مِئزره أو شيء من نبات الأرض، وكان يقرأ كلّ ليلة -[174]- بعد عشاء الآخرة آيات الحَرسَ لا يكاد يتركُها. وسمعتُ أَنَّهُ كَانَ إذَا دخل منزله قرأ " آية الكرسيّ " وعَوَّذ بكلمات، وأشار بيده إِلى ما حوله من الدُّور والجبل يحوطها بذلك، ولا ينام إلّا عَلَى وضوء، وإنْ أحْدَثَ توضّأ، وإذا أوى إِلى فراشه قرأ " الحمد " و " آية الكرسيّ " و " الواقعة " و " تبارك " و " {{قل يا أيّها الكافرون}} "، وربّما قرأ " ياسين "، ويُسَبّح ثلاثًا وثلاثين، ويُحَمِّد ثلاثًا وثلاثين، ويُكَبِّر أربعًا وثلاثين، ويقول: " «اللّهمّ أسلمت نفسي إليك. . .» " الحديثَ، وغير ذَلِكَ، وكان يَقُولُ بين سُنَّة الفجر والفرض أربعين مرَّة: " يا حيُّ يا قَيومُ لَا إلّه إلَّا أنتَ ".
وسمعتُ آسية بنت مُحَمَّد ابنة بنته تَقُولُ: كَانَ سَيّدي لا يترك الغُسْلَ يوم الجمعة ولا يكاد يومئذ يخرج إلّا ومعه شيء يتصدّق بِهِ، رحمه الله تَعَالَى.
سَمِعْتُ خالي الإِمام موفّق الدّين يَقُولُ: لمّا قدِمْنا من أرضِ بيت المقدس كُنّا نتردّد مَعَ أخي نسمع درس القاضي ابن عصرون في الخلاف ثُمَّ إننا انقطعنا، فلقي القاضي لأخي يومًا، فَقَالَ: لِمَ انقطعت عَنِ الاشتغال؟ فَقَالَ لَهُ أخي: قَالُوا: إنّك أشعريّ. فَقَالَ: ما أَنَا أشعريّ، ولكن لو اشتغلت عليّ سنة ما كَانَ أحد يكون مثلك، أو قَالَ: كنت تصير إمامًا.
قَالَ الضّياء: وكان رحمه الله يحفظ الخِرَقيّ ويكتبه من حفظه. وكان قد جمع الله لَهُ معرفةَ الفقه والفرائض والنّحو، مَعَ الزُّهْد والعمل وقضاء حوائج النّاس. وكان يَحمل هَمَّ الأهل والأصحاب، ومن سافر منهم يتفقد أهاليهم، ويدعو للمسافرين، ويقوم بمصالح النّاس، وكان النّاس يأتون إِلَيْهِ في الخصومات والقضايا، فيُصلح بينهم، ويتفقّد الأشياءَ النّافعة كالنّهر، والمصانع والسّقاية، وكانت لَهُ هيبة في القلوب. وسألت عَنْهُ الإِمام موفّق الدّين، فَقَالَ فيه: أخي وشيخنا ربّانا وعَلَّمنا وحَرَصَ علينا، وكان للجماعة كوالدهم يَحْرَصُ عليهم، ويقوم بمصالحهم، ومن غاب عن أهله قام هُوَ بهم، وهو الّذي هاجر بنا، وهو الّذي سَفّرنا إِلى بغداد، وهو الّذي كَانَ يقوم في بناء الدَّير، وحين رجعنا من بغداد، زوَّجنا، وبنى لنا دُورنا الخارجة عَنِ الدَّير. وكان مُسارعًا إِلى الخروج في الغزوات قلّ ما يتخلّف عَنْ غزاة. سَمِعْتُ ولده أبا مُحَمَّد عَبْد الله يَقُولُ: إنّ الشيخ جاءته امرأة، فشكت إِلَيْهِ أنّ أخاها حُبِس، وأوذي، فسقط مغشِيًّا عَلَيْهِ. ولمّا جرى للحافظ عَبْد الغنيّ مَعَ أهل البِدَع وفعلوا ما فعلوا، جاءه -[175]- الخبر، فخرّ مَغِشِيًّا عَلَيْهِ، فلم يُفِقْ إلّا بعد ساعة، وذلك لرقَّة قلبه وشدَّة اهتمامه بالدّين وأهله. وسمعتُ ولده يَقُولُ: إنّه كَانَ يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، وكان كثيرًا ما يتصدّق ببعض ثيابه، ويبقى مُعْوزًا ويكون بِجُبَّةٍ في الشّتاء بغير ثوب من تحتها يتصدّق بالتّحتانيّ، وكثيرًا من وقته بلا سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إِلى خرقة أو مات صغيرٌ قطع منها لَهُ، ويلبس الخشن، وينام عَلَى الحصير، وربّما تَصَدَّق بالشّيء وأهله محتاجون إِلَيْهِ أكثر ممّن أخذه.
قَالَ الضّياء: وكان ثوبه إِلى نصف ساقه وكمّه إِلى رُسغه، سَمِعْتُ والدتي تَقُولُ: مكثنا زمانًا لا يأكل أهل الدّير إلّا من بيت أخي؛ تطبخ عمّتك ويأكل الرجال جميعًا والنّساء جميعًا.
قَالَ: وكان إذَا جاء شيء إِلى بيته، فرّقوه عَلَى الخاصّ والعامّ، وسمعت محمود بْن همام الفقيه يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا عُمَر يَقُولُ: النّاس يقولون: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه الحمّام. وأنا أقول: لا علمَ إلّا ما دخل مع صاحبه القبر. ومن كلامه: إذَا لم تتصدّقوا لم يتصدَّق أحدٌ عنكم، والسائل إن لم تعطوه أنتم أعطاه غيرُكم. وكان يُحبّ اللّبن إذَا صُفّي بخِرْقة، فعُمِل لَهُ مرة فلم يأكله، فقالوا لَهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: لحُبّي إيّاه تركتُه. ولم يذقه بعد ذَلِكَ.
سَمِعْتُ أبا العَبَّاس أَحْمَد بْن يونس بْن حسن، قَالَ: كُنّا نزولًا عَلَى بيت المقدس مَعَ الشّيخ أَبِي عُمَر وقتَ حصار المسلمين لها مَعَ صلاح الدّين، وكان لنا خيمة، وكان الشيخ أَبُو عُمَر قد مضى إِلى موضع، وجعل يُصلّي فيها في يومٍ حارّ. فجاء المَلِك العادل فنزل في خيمتنا، وسأل عَنِ الشيخ، فمضينا إِلى الشيخ وعرفناه، فقال: أيش أعمل به؟! ولم يجئ إِلَيْهِ فمضى إِلَيْهِ عُمَر بْن أَبِي بَكْر وألحَّ عَلَيْهِ، فَما جاء، وأطال العادل القعودَ، قَالَ: فرجعت إِلى الشيخ، فَقَالَ: أنْزَل لَهُ شيئًا، قَالَ: فوضعت لَهُ ولأصحابه أقراصًا كانت معنا فأكلوا وقعدوا زمانًا ولم يترك الشيخ صلاته، ولا جاء.
سَمِعْتُ أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن مُحَمَّد بْن الأزهر يَقُولُ: ما رأيتُ أحدًا قطّ لَيْسَ عنده تكلُّف غير الشيخ أَبِي عُمَر.
سَمِعْتُ شيخنا أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن عَبْد الواحد، قَالَ: سَمِعْتُ أخي -[176]- الحافظ يَقُولُ: نحن إذَا جاء إنسان اشتغلنا بِهِ عَنْ عملنا، وأمّا خالي أَبُو عُمَر فيه للدّنيا وللآخرة يخالط النّاس وهو في أوراده لا يخليها.
سَمِعْتُ أبا أَحْمَد عَبْد الهادي بْن يوسف يَقُولُ: كَانَ الشيخ أَبُو عُمَر يقرأ بعضَ اللّيالي فربّما غشي عَلَى بعض النّاس من قراءته.
وأمّا خُطَبه، فكان إذا خطب تَرِقُ القلوبُ، ويبكي بعض النّاس بكاءً كثيرًا، وكان ربّما أنشأ الخطبة وخطب بها. وكان يُسَمِّعنا ويقرأ لنا قراءة سريعة من غير لحن. ولا يكاد أحد يقدم من رحلة إلّا قرأ عَلَيْهِ شيئًا من مسموعاته.
وكتب الكثيرَ بخطّه المليح من المصاحف والكتب مثل " الحلية " لأبي نعيم، و " الإبانة " لابن بطة، و " تفسير " البغوي، و " المغني " لأخيه. وسمعته يَقُولُ: ربّما كتبت في اليوم كرّاسين بالقطع الكبير. وكان يكتب لأهله المصاحفَ وللنّاسِ " الخِرَقيّ " بغير أجر.
وقد سَمِعْتُ أنّ النّاس كانوا يأتون إِلَيْهِ يقولون: اكتُبْ لنا إِلى فلان الأمير. فيقول: لا أعرفه. فيقال: إنّما نريد بركةَ رقعتك. فيكتب لهم فتُقْبَل رقعتُه. وكان يكتب كثيرًا إِلى المعتمد الوالي وإلى غيره، فَقَالَ لَهُ المعتمد: إنّك تكتب إلينا في قومٍ لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهي أن لا نردّ رقعتك. فَقَالَ: أمّا أَنَا، فقد قضيتُ حاجتي، إنّي قضيتُ حاجة مَن قصدني، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا رقعتي وإلّا فلا، فَقَالَ لَهُ: لا نردها، أو كما قَالَ.
وكان الناسُ قد احتاجوا إِلى المطر، فطلع إِلى مغارة الدَّم ومعه جماعة من محارمه النّساء، فصلّى بهن، ودعا في المطر حينئذ، وجرت الأدوية شيئًا لم نره من مُدَّة.
وسمعت أبا عَبْد الله بْن راجح يَقُولُ: كَانَ لِنور الدّين أخ استعان بالفرنج عَلَى أخيه، ونور الدّين مريض، فجاء الفرنج، فخرجنا مَعَ الشيخ أبي عُمَر إِلى مغارة الدّم وقرأنا عشرة آلاف مرة " {{قل هو الله أحد}} " و " {{إنا أنزلناه في ليلة القدر}} " ودعونا، فجاء مطر عظيم عَلَى الفرنج أشغلهم بنفوسهم ورَدُّوا.
سَمِعْتُ عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر، حَدَّثَني ابن الصُّوريّ، صديق والدي، قَالَ: جئنا يومًا إِلى والدك ونحن جياع وكنّا ثلاثةً، فأخرج لنا سكرجة فيها لبن، -[177]- وسكرجة فيها عسل وكُسَيْرات، فأكلنا وشبعنا، فنظرت إِلَيْهِ كأنّه لم ينقص.
قلتُ لخالي أَبِي عُمَر: أشتهي أن تهبني جزءًا بخطّك من الأجزاء الّتي سمعناها عَلَى أَبِي الفرج الثّقفيّ، فأرسل الأجزاء إليَّ، وقال لي: خذ لك منها جزءًا، واترك الباقي عندك، فأخذت جزءًا ورددتها، فبعدَ موته سألتُ عنها فَما وجدت بقي منها إلا جزء أو جزءان، فندمتُ إذ لم أسمع منه.
سَمِعْتُ الإمام مُحَمَّد بْن عُمَر بْن أَبِي بَكْر يَقُولُ: دعاني الشيخ أَبُو عُمَر ليلة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأني وقال: إذَا قرأ الإنسان قبل الأكل " {{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إلا هو}} " و " {{لإيلاف قريش}} " ثُمَّ أكل فإنه لا يَضُرُّه.
وسمعت الإمام أبا بَكْر بْن أَحْمَد بْن عُمَر البغداديّ، قَالَ: جاء الشيخ أَبُو عُمَر فَقَالَ: تمضي معي إِلى كفربطْنا، وكنت مشتغلًا بقراءة القرآن فقلت في نفسي: أمشي معه، فأشتغل عَنِ القراءة بالحديث في الطّريق، فلمّا خرجنا من البلد، قال: تعال أنا وأنت نقرأ حتّى لا نشغلك عَنِ القراءة.
سَمِعْتُ الإمام أبا بَكْر عَبْد الله بْن الحَسَن بْن الحسن ابن النّحّاس يَقُولُ: كَانَ والدي يحبّ الشيخ أبا عُمَر، فَقَالَ لي يوم جمعة: أَنَا أُصلّي الجمعة خلف الشيخ، ومذهبي أنّ " بسم الله الرَّحْمَن الرحيم " من الفاتحة، ومذهبه أنّها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون في صلاتي نقص، فقلت لَهُ: اليوم قد ضاق الوقت، قال: فبعد هذا مضينا إِلى المسجد فوجدناه، فسَلّم عَلَى والدي وعانقه ثُمَّ قَالَ: يا أخي صلِّ وأنت طيّبُ القلب فإنّني ما تركت " بسم الله الرَّحْمَن الرحيم " في فريضةٍ ولا نافلةٍ مذ أَمَمْتُ بالنّاس. فالتفت إليَّ والدي، وقال: احفظْ.
سمعت أبا غالب مظفر بن أسعد ابن القلانسيّ، قَالَ: كَانَ والدي يُرسل إِلى الشيخ أَبِي عُمَر شيئًا كلّ سنة، فأرسل إليه مرَّة دينارين فردّهما، قَالَ: فضاق صدري، ثُمَّ فكّرتُ، فوجدتها من جهة غير طيبة، قَالَ: فبعث إليه غيرهما من جهة غير طيّبة، فقبلهما أو كما قَالَ.
حَدَّثَني أَبُو مُحَمَّد عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر، قَالَ: حكت زوجته - يعني أمّ عَبْد الرَّحْمَن آمنه بنت أَبِي موسى - أنّها لم تحمل بولدٍ قطّ إلّا علمت من كلامه وحاله ما حَمْلُها من ذكر أو أنثى، فمرَّةً أتاه رجل بغنيمة هدية، فَقَالَ: هذه -[178]- نتركها حتّى تِلدي ونشتري أخرى ونذبحها عقيقة. قالت: ويجيء لنا ابن؟ فضحك، فولد لَهُ بعد أيام ابنه سُلَيْمَان. وفي مرَّة أخرى حملتُ، فَقَالَ: كَانَ اسم أَبِي أَحْمَد ففي هذه النّوبة أُسمي ابْنَهُ أَحْمَد، فولدتُ لَهُ ابنَهُ أَحْمَد. ومرة أخرى حملتْ ورآها وهي تُخاصم بنتها، فَقَالَ: هذا حالك وهي واحدة، فكيف إذَا صارت اثنتين؟ فولَدَتْ بنتًا. وأمثال ذَلِكَ.
وسمعت أَحْمَد بْن عَبْد المَلِك بْن عُثْمَان، قَالَ: جاء أَبُو رضوان وآخر إِلى الشيخ أَبِي عُمَر، فقالا لَهُ: إن قُراجًا قد أخذ فلانًا وحبسه، فادعُ عَلَيْهِ، فباتا عند الشيخ، فلمّا كَانَ الغد، قَالَ: قُضِيَتْ حاجتكم، فلمّا كَانَ بعد ساعة إذَا جنازة قُراجا عابرة.
سَمِعْتُ أبا مُحَمَّد عَبْد الرّزّاق بْن هبة الله بْن كتائب، قَالَ: سَمِعْتُ رجلًا صالحًا يَقُولُ: أقام الشيخ أَبُو عُمَر قطبًا ستّ سنين. ثُمَّ ذكر الضّياء حكايتين في أنّ أبا عُمَر صار القُطبَ في أواخر عمره، وقال: سمعتُ أبا بَكْر بْن أَحْمَد بْن عُمَر المقرئ يَقُولُ: إنه رأى رجلًا من اليمن بمكة، فذكر أنّهم يستسقون بالشيخ أَبِي عُمَر وأنّه من السبعة، أو كما قَالَ.
سَمِعْتُ الزاهد أَحْمَد بْن سلامة النجار، قال: حدثنا الفقيه عبد الرزاق ابن أَبِي الفهم: أنّ رجلًا مغربيًّا جاء إِلى دمشق، فسأل عَنْ جبل قاسيون، فدُلّ عَلَيْهِ، فجاء إِلى الشيخ أَبِي عُمَر، فَقَالَ: ما قدمتُ من الغرب إلّا لزيارتك وأنا عائد إِلى الغرب، فقيل لَهُ: أيشٍ السبب؟ فامتنع فألحّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: كَانَ لي شيخ بالمغرب لا يخرج إلّا لصلاةٍ ثُمَّ يعود إِلى البيت، فسألتُ عَنْهُ بعض اللّيالي فقيل: لَيْسَ هُوَ هنا، فلمّا أصبحتُ، قلت: أين كنت البارحة، قَالَ: إنّ الشيخ محمدًا بجبل قاسيون أُعطي القطابة، فمشينا إِلى تهنئته البارحة. أو ما هذا معناه.
ثُمَّ ذكر الضّياء حكايتين أيضاً في أنه قطب، ثُمَّ قَالَ: فحكيتُ لأبي مُحَمَّد عَبْد الله بْن أَبِي عُمَر شيئًا من هذا، فَقَالَ: جاء إِلى والدي جماعة من المشايخ فاستأذنوا عَلَيْهِ، وسلّموا عَلَيْهِ، ثُمَّ خرجوا، ثُمَّ جماعة آخرون، ووصفَ كثرة مَن جاء إِلَيْهِ في ذَلِكَ اليوم، فقلت لَهُ: تعرفهم؟ فَقَالَ: لا، وأنا أتفكرّ إِلى اليوم في كثرتهم، يعني فكأنّه أشار إِلى أَنَّهُ قطب ذَلِكَ الوقت. كَانَ أَبُو عُمَر - رحمه -[179]- الله - لا يكاد يسمع بشيء لا يجوز قد عُمِلَ إلّا اجتهد في تغييره، وإنْ كَانَ بعض الملوك قد فعله، كتب إِلَيْهِ؛ حتّى سمعنا عَنْ بعض ملوك الشام قَالَ: هذا الشيخ شريكي في ملكي، أو كما قال. وكان له هيبة حتّى إنْ كَانَ أحدنا ليشتهي أن يسأله عَنْ شيء فَما يَجسُر أن يسأله، وإذا دخل المسجد، سكتوا وخفضوا أصواتهم، وإذا عَبَر في طريق والصّبيان يلعبون هربوا، وإذا أمَرَ بشيءٍ لا يجسر أحد أن يخالفه. وسمعت خالي موفّق الدّين بعد موته يَقُولُ: كَانَ أخي يكفينا أشياء كثيرة ما نقوي لما يفعل. وكان الله قد وضع للشيخ المحبَّة في قلوب الخَلْق. وكان لَيْسَ بالطّويل ولا بالقصير، أزرق العينين وليس بالكثير، يميل إلى الشقرة، عاليَ الجبهة، حسنَ الثَّغْرِ، صبيحَ الوجه، كثَّ اللّحية، نحيفَ الجسم، أول زوجاته عمّتي فاطمة، وكانت أسنّ منه كَبِرَتْ وأُقعدت وماتت قبله بأعوام، وولدت لَهُ عُمَر، وخديجة، وآمنة، وأولادًا غيرهم ماتوا صغارًا. وتزوَّج عليها طاووس، امرأة من بيت المقدس، وولدت ابنتين، فماتت هي وبناتها في حياته. ثُمَّ تزوج فاطمة الدّمشقيَّة فولدت لَهُ عَبْد الله، وزينب، وماتت قبل أمّ عُمَر. ثُمَّ تزوَّج آمنة بنت أَبِي موسى فولدت لَهُ جماعةً كبر منهم أَحْمَد، وعبد الرَّحْمَن، وعائشة، وحبيبة، وخديجة الصُّغرى.
ومن شِعره:
ألمْ يَكُ مَنْهَاة عَن الزَّهْوِ أَنَّني ... بَدَا لِي شَيْبُ الرَّأْس والضَّعْفُ والأَلَمْ
ألمَّ بي الخَطْبُ الَّذي لَوْ بَكَيْتُه ... حَيَاتِي حَتَّى ينفذ الدَّمعُ لم أُلَمْ
وله مَرْثيَّة في ابنه عُمَر. وله هذه الأرجوزة، وهي طويلة فمنها:
إنِّي أقُولُ فَاسْمَعُوا بياني ... يا مَعْشَرَ الأصْحَابِ والإِخْوَانِ
أُوصِيكُم بالعَدْلِ والإِحْسَانِ ... والبِرِّ والتَّقْوى مَعَ الإِيمَانِ
فَاسْتَمْسِكُوا بَطَاعةِ الرِّحْمن ... واجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ
سَمِعْتُ آسيةَ بنت مُحَمَّد بْن خَلَف تَقُولُ: لمّا كَانَ اليوم الّذي تُوُفّي فيه سيدي؛ وصانا فيه، واستقبل القبلة وقال: اقرؤوا " ياسين "، وكان يَقُولُ: " {{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون}} " اللّهم ثبّتكم عَلَى الكتاب والسُّنَّة.
وسمعت أهلنا يقولون: إن الماء الذي كَانَ يخرج من تغسيله من السّدْر -[180]- وغيره نَشَّفَهُ النّاس في خِرقهم ومقانعهم.
وسمعت أبا إِسْحَاق إِبْرَاهيم بْن مُحَمَّد بْن الأزهر غير مرَّةٍ يَقُولُ: حزرتُ مَن حضر جنازة الشيخ أَبِي عُمَر عشرين ألفًا.
وسمعت مُحَمَّد بْن طَرْخان بْن أَبِي الحَسَن الدّمشقيّ ومسعود بْن أَبِي بَكْر المقدسيّ، أنّ عَبْد الوليّ بْن مُحَمَّد حدّثهم: أَنَّهُ كَانَ يقرأ عند قبر الشيخ أبي عمر سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى " {{بقرة لا فارض ولا بكر}} " قال: فقلت: " لا ذلول " يعني غلط، قَالَ: فَرَدّ عليَّ الشيخ أَبُو عُمَر من القبر، قَالَ: فخفتُ وفزعتُ وارتعدتُ وقمت. وهذا لفظ حكاية مُحَمَّد بْن طَرخان عن ولده عبد الولي. قَالَ والده: وبقي بعد ذَلِكَ أيامًا ثُمَّ مات. وهذه الحكاية مشتهرة.
سَمِعَت عليّ بْن ملاعب العراقي المؤدب، قال: قرأت سورة الكهف عند قبر الشيخ أَبِي عُمَر، فسمعته من القبر يَقُولُ: " لا إله إلا الله ".
ثُمَّ ذكر الشيخ الضّياء بابًا في زيارة قبره، فذكر في ذَلِكَ ثلاثة منامات، ثُمَّ ذكر منامات رُئيت لَهُ بعد موته، ثُمَّ ذكر قصيدة ابن سعد يرثيه بها وهي أربعة وثلاثون بيتًا، ثُمَّ أخرى لَهُ اثنا عشر بيتًا، ثُمَّ قصيدة لأبي الفضل أَحْمَد بْن أسعد بْن أَحْمَد المزدقانيّ ستة وثلاثون بيتًا. وقال: تُوُفّي عشيَّة الاثنين من الثّامن والعشرين من ربيع الأول.
وقال أبو المظفّر الواعظ: حَدَّثَني الزّاهد أَبُو عُمَر، قَالَ: هاجرنا من بلادنا، ونزلنا بمسجد أَبِي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا بِهِ مدَّة ثُمَّ انتقلنا إِلى الجبل، فَقَالَ الناس: الصالحية الصالحية! ينسبونا إِلى مسجد أَبِي صالح لا أنّنا صالحون، ولم يكن بالجبل عمارة إلّا دير الحورانيّ وأماكن يسيرة. -[181]-
قَالَ أَبُو المظفّر: كَانَ معتدّل القامة، حسنّ الوجه، عَلَيْهِ أنوار العبادة، لا يزال متبسِّمًا، نحيلَ الجسم من كثرة الصّلاة والصيام. صلّيت الجمعة في سنة ستٍّ والشيخ عَبْد الله اليونينيّ إِلى جانبي فلمّا كَانَ في آخر الخطبة والشيخ أَبُو عُمَر يخطب نهض الشيخ عَبْد الله مُسرعًا وصعد إِلى مغارة توبة، وكان نازلًا بها، فظننتُ أَنَّهُ احتاج إِلى وضوء أو آلمه شيء، فصلّيت وطلعت وراءه وقلت لَهُ: خير ما الّذي أصابك؟ فَقَالَ: هذا أَبُو عُمَر ما تحلّ خلفه صلاة؛ يَقُولُ عَلَى المنبر المَلِك العادل وهو ظالم فَما يَصْدُق. قلت: إذَا كانت الصّلاة خلفه لا تصحّ فخلف مَنْ تَصِحّ؟ فبينا نحن في الحديث إذ دخل الشيخ وسَلّم وحل مئزره وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله الصّلاة، ثُمَّ قَالَ ابتداءً: قد روي في الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «وُلِدْتُ في زَمَنِ الملِكِ العادِلِ كِسْرى» ". فنظر إليَّ الشيخ عَبْد الله وتبسّم وأكل وقام الشيخ أَبُو عُمَر فنزل، فقال لي الشيخ عبد الله: ماذا إلّا رَجُل صالح.
قَالَ أَبُو المظفّر: وأصابني قولنج فدخل عليّ أَبُو عُمَر وبيده خَرُّوب مدقوق فَقَالَ: استفّ هذا، وعندي جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضرّه، فَما التفتُّ إِلى قولهم، وأكلته، فبرأت في الحال. وقلت لَهُ يومًا - وما كَانَ يردّ أحدًا في شفاعة - وقد كتب رقعة إِلى المَلِك المُعَظَّم: كيف تكتب هذا والملك المُعَظَّم عَلَى الحقيقة هُوَ الله؟ فتبسم ورمى إليَّ الورقة، وقال: تأمّلها، وإذا قد كتب المعَظِّم وكسر الظّاء، فعجبت من ورعه.
قلت: وفي هذا ومثله إنّما يُلحظ العَلَمِيَّة لا الصّفة مثل: عليّ، ورافع، والحكم، مَعَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يرخّص في التّسمية لما قَلَّ استعماله في -[182]- العَلَمِيَّة إذَا لُمح فيه النعتُ مثل: برة، أمّا إذَا شاع استعماله وغلب، فلا يسبق إِلى الذّهن إلّا العَلَمية.
وقال الإمام أَبُو شامة: أوّل ما زرتُ قبره - يعني أبا عُمَر - وجدت بتوفيق الله رقَّة عظيمة وبكاء، وكان معي رفيق فوجد مثل ذَلِكَ. قَالَ: وأخبرني بعضُ الثّقات أنه رأى الإِمام الشّافعيّ في المنام فسأله: إِلى أين تمضي؟ قَالَ: أزور أَحْمَد بْن حنبل، قَالَ: فاتّبعتُه أنظر ما يصنع، فدخل دارًا فسألت: لمن هي؟ فقيل: للشيخ أَبِي عُمَر، رحمه الله.
قلت: وله آثار حميدة، منها مدرسته بالجبل وهي وقف عَلَى القرآن والفقه، وقد حفظ فيها القرآن أمم لا يحصيهم إلّا الله.
ومن أولاده: الخطيب الإِمام شرف الدّين عَبْد الله خطبَ بالجامع المظفّريّ مدَّة طويلة، وهو والد الإمامين؛ العلّامة الزاهد العابد العزّ إِبْرَاهيم بْن عَبْد الله، وفي أولاده علماء وصلحاء، وقاضي القضاة شرف الدّين حسن بْن عَبْد الله.
ومن أحفاده: الجمال أبو حمزة أَحْمَد بْن عُمَر ابن الشّيْخ أَبِي عُمَر وهو جدّ شيخنا شيخ الجبل، وقاضي القضاة ومُسند الشّام تقيّ الدّين سُلَيْمَان بْن حمزة. وآخر مَن مات من أولاد الشيخ - رحمه الله - ولده الإِمام العلّامة شيخ الإِسلام شمس الدّين أَبُو الفَرَج، رَضِيَ الله عنهم أجمعين وأثابهم الجنَّة.

394 - عبد الجليل بن موسى بن عبد الجليل القصري، الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو محمد الأنصاري الأوسي الأندلسي القرطبي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

394 - عَبْد الجليل بْن موسى بْن عَبْد الجليل القصريّ، الإِمام القُدوة شيخ الإسلام أَبُو مُحَمَّد الأنصاريّ الأوسيّ الأندلسيّ القُرطُبيّ. [المتوفى: 608 هـ]
وشُهِرَ بالقصريّ لنزوله قصَر عَبْد الكريم، وهو قصر كُتامة.
حمل " الموطأ " عَنْ أَبِي الحَسَن بْن حُنَيْن الكِنانِيّ محدّث فاس. وصَحِبَ الشيخ أبا الحَسَن بْن غالب الزّاهد بالقصر ولازمه، وكان رأسًا في العلم والعمل، منقطعَ القرين، فارغًا عَنِ الدّنيا. صَنَّف " التّفسير " وشَرَحَ الأسماء الحُسْنى. وله كتاب " شُعَب الإِيمان " وكلامه في العرفان بديع مُقَيَّدٌ بظواهر الأثر.
ذكره ابنُ الزّبير، فبالغ في وصفه، وقال: كلامه في طريقة التّصوّف سهلٌ محرَّر، مضبوطٌ بظاهر الكتاب والسُّنَّة.
وله مشاركةٌ في علومٍ شَتَّى، وتصرُّفٌ في العربية. ختم به بالمغرب التّصوّف عَلَى الطّريقةِ الواضحة، ورُزقَ من عَلِيِّ الصّيتِ والذِّكْرِ الجميل ما لم يُرزق كبيرُ أحَدٍ من النّاس. مات بسبتةَ في سنة -[192]- ثمان وستمائة. حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو عَبْد الله الأزْديّ، وأَبُو الحَسَن الغافقيّ، وغيرُهما.

96 - علي بن حميد، الزاهد العارف القدوة الكبير، أبو الحسن ابن الصباغ.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

96 - عَليّ بن حُميد، الزاهد العارفُ القُدوة الكبير، أَبُو الحَسَن ابن الصَّبَّاغ. [المتوفى: 612 هـ]
تُوُفِّي بقَنا من صعيد مصر، ودُفن برباطه. وَكَانَ قد لقي المشايخ والصلحاء، وانتفع به خلق، وظهرت بركاته على الذين صَحبوه، وهدّى اللَّه بِهِ خلْقًا كثيرًا، وَكَانَ حسن التَّربية للمُريدين، يتفقّد مصالحهم الدّينية، وَلَهُ أحوالٌ ومقامات.
تُوُفِّي في النّصف من شعبان.
قَالَ الحَافِظ عَبْد العظيم: اجتمعت بِهِ بِقَنا سنة ست وستمائة.

201 - إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور، الشيخ العماد المقدسي الحنبلي الزاهد القدوة أبو إسحاق رضي الله عنه،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

201 - إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الواحد بْن عَليّ بْن سُرور، الشَّيْخ العِماد المَقْدِسِيّ الحَنْبَلِيّ الزاهد القدوة أَبُو إِسْحَاق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، [المتوفى: 614 هـ]
أخو الحَافِظ عَبْد الغنيّ.
ولد بجمّاعيل في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، فهو أصغر من الحافظ بسنتين، وهاجر إلى دمشق في سنة إحدى وخمسين، والبلاد حينئذٍ للفرنج، لعنهم اللَّه، فيمن هاجر من المقادسة.
وَسَمِعَ من أَبِي المكارم عَبْد الواحد بن هِلال، وأبي تميم سَلمان بن علي الرحبي، وَأَبِي نصر عَبْد الرَّحِيم بن يوسف البَغْدَادِيّ، وأبي المعالي بن صابر، وجماعةٍ، وببغداد صالح بن المبارك ابن الرِّخْلة، وأبي محمد ابن الخَشَّاب النَّحْوِيّ، وَعَبْد اللَّه بن عَبْد الصَّمَد السُّلمي، وشُهدة الكاتبة، وَأَبِي الحُسَيْن عَبْد الحقّ اليُوسُفيّ، وجماعةٍ. وبالمَوْصل من أَبِي الفضل عَبْد اللَّه بن أَحْمَد الخطيب.
رَوَى عَنْهُ الضِّيَاء المَقْدِسِيّ، وابنُ خليل، والبِرزالي، وَالقُوصِيّ، وَالزَّكيّ المُنْذِريّ، وابنُ عَبْد الدّائم، وَالشَّيْخ شمس الدين عَبْد الرَّحْمَن، وابنه الشَّيْخ -[396]- شمس الدين محمد، والفخر ابن البخاري، والشمس محمد ابن الكَمال، والتّاج عَبْد الوَهَّاب ابن زين الأُمناء، وآخرون.
قَالَ الضِّيَاء: كَانَ لَيْسَ بالآدَم كثيرًا، ولا بالطويل، ولا بالقصير، واسع الجَبهة، مفروق الحاجبين، أشْهل العينين، فيهما اتّساع، قائم الْأنف، يجزُّ شَعره من عند أذنيه، وَكَانَ في بصره ضَعف. سافر إلى بَغْدَاد مرَّتين؛ الْأولى في سنة سبعٍ وستين صُحبة الموفَّق، بعد أنْ حَفِظ القرآن، وغيره، وَقِيلَ: إِنَّهُ حفظ " الغريب " للعُزيري، وحفظ " الخِرقي "، وألقى الدّروس من تفسير القرآن، ومن " الهداية ". واشتغل بالخِلاف عَلَى ناصح الإِسْلَام ابن المنِّي، وقد شاهدتُهُ يُناظر غير مرة. وسافر سنة إحدى وثمانين في صُحبة ابن أخيه العزّ ابن الحَافِظ.
وَكَانَ عالمًا بالقراءات، والنَّحْو، والفرائض. وقرأ القراءات عَلَى أَبِي الْحَسَن عَليّ بْن عساكر البَطائحي، وأقرأ بها، وصنّف الفروق في المسائل الفقهية، وصنّف كتابًا في الْأحكام لم يتمَّه. وَكَانَ من كثرة اشتغاله وأشغاله لَا يتفرّغ للتّصنيف، وَكَانَ لَا يكاد يفتر من الإشغال إمّا بإقراء القرآن، أَو الْأحاديث، أَوْ بإقراء الفقه، والفرائض. وأقام بحَرَّان مُدَّة، فانتفعوا بِهِ. وَكَانَ يشغل بالجبل إِذَا كَانَ الإِمَام موفّق الدين في المدينة، فَإِذَا صعِد الموفّق نزل هُوَ، فأشغل في المدينة. وَسَمِعْتُ الموفّق يَقُولُ: ما نقدر نعمل مثل العماد. كَانَ يتألف النَّاس ويُقرّبهم، حَتَّى أَنَّهُ ربّما كرَّرَ عَلَى إِنْسَان كلمات يسيرة من سَحَرٍ إلى الفجر.
قَالَ الضِّيَاء: وَكَانَ يكون في جامع دمشق من الفجْر إلى العِشاء لَا يخرج إِلَّا لِما لَا بُدّ لَهُ منه، يقرئ النَّاس القرآن، والعِلم، فَإِذَا لم يتفق لَهُ من يشتغل عَلَيْهِ، اشتغل بالصلاة. فسألت مُوَفَّق الدين عَنْهُ، فَقَالَ: كَانَ من خيار أصحابنا، وأعظمهم نفعًا، وأشدّهم وَرَعاً، وأكثرهم صَبراً عَلَى تعليم القرآن، والفقه. وَكَانَ داعيةً إلى السُّنة وتعلُّم العلم والدين. وأقام بدمشق مُدَّة يعلّم -[397]- الفُقراء ويطعمهم، ويبذل لهم نفسه، ويتواضع لهم. وكان من أكثر الناس تواضعاً واحتقاراً لنفسه، وخوْفًا من اللَّه، وما أعلم أنني رَأَيْت أشدّ خوفًا منه. وَكَانَ كثير الدُّعاء والسؤال لله، وَكَانَ يطيل الرُّكوع والسجود بقصد أن يقتدي بِصَلاةِ رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَلا يقبل من أحد يعذله في ذَلِكَ. ونُقلت لَهُ كرامات كثيرة؛ هَذَا كتبه بخطّه مُوَفَّق الدين.
قَالَ الضِّيَاءُ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ، وَلَا أَتَمَّ منها بخشوع وخُضوع، وحُسن قيام وقعودٍ؛ قيل: إِنَّهُ كَانَ يُسبّح فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ عَشَراً، يَتَأَنَّى فِي ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلّمَ قَدْ أَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ: " أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعاذ "؟! فَلَا يَرجع، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُونُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَمْضِي أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ وَيَقْضِي حَاجَتَهُ وَيَأْتِي، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْكَعْ. وَرُبَّمَا رَوَى أَنَّ أَنَسًا قال: لم أرَ أحداً أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْفَتَى، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: فَحَزَرْنَا فِي سُجُودِهِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ. وَرَوَى ثابت أَنَّ أنسًا قَالَ: أَلَا أصلي بكم صلاة رَسُول اللَّه؟ قَالَ ثابت: وَكَانَ يصنع شيئًا لَا أراكم تصْنعونه، كَانَ إِذَا رفع رأسه من الركوع، انتصب قائمًا حَتَّى يَقُولُ القائل: قد نُسَيّ.
وأمّا صلاته، فَكَانَ يقضي صلوات، فربما قضى في اليوم والليلة صلوات أيّام عديدة. وسمعت الإمام عبد المحسن بن عبد الكريم المَصْرِيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخ العماد يَقُولُ: فاتتني صلاة العصْر قبل أن أبلغ وقد أعدتها مائة مرة، وأنا أريد أن أعيدها أَيْضًا. وأمّا صيامه فَكَانَ يصوم يومًا ويفطر يومًا. -[398]-
وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَاءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، إِذَا دَعَا كَانَ الْقَلْبُ يَشْهَدُ بِإِجَابَةِ دُعَائِهِ مِنْ كَثْرَةِ ابْتِهَالِهِ وَإِخْلَاصِهِ، وَقَدْ رُوي أَنَّ اللَّهِ يُحِبُّ المُلحّين فِي الدُّعَاءِ. وَكَانَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ يَمْضِي إِلَى مَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ بِبَابِ الصَّغِيرِ، فَيَدْعُو وَيَجْتَهِدُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ إِلَى قُرْبِ الْعَصْرِ، لَا يَكَادُ يَفُوتُهُ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوي عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الظُّهر وَالْعَصْرِ استُجيب لَهُ، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا أَصَابَنِي أَمْرٌ غَائِظٌ، فَتَوَخَّيْتُ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَدَعَوْتُ إِلَّا رَجَوْتُ الْإِجَابَةَ. قَالَ: وَكَانَ يُفتح عَلَيْهِ من الْأدعية شيء ما سَمِعْتُهُ من غيره قطّ، وجرى بيننا ذِكر إجابة الدعاء، فَقَالَ: ما رَأَيْت مثل هَذَا الدعاء، أَوْ قَالَ: أسرع إجابة: " يا اللَّه يا اللَّه أَنْتَ اللَّه، بلى، واللَّه أَنْتَ، لَا إله إِلَّا أَنْتَ، اللَّه اللَّه اللَّه اللَّه إِنَّهُ لَا إله إِلَّا اللَّه ". ومن دعائه المشهور: " اللَّهمَّ اغفر لأقسانا قلبًا، وأكبرنا ذنبًا، وأثقلنا ظهرًا، وأعظمنا جُرماً، وأقلنا حياءً منك، ووفاءً بعهدك، وأكثرنا تخليطًا وتفريطًا، وتقصيرًا، وتعثيرًا، وتسويفًا، وطول أمل مَعَ قُرب أجل، وسوء عمل ".
وَكَانَ يدعو: " يا دليل الحيارى دلّنا عَلَى طريق الصَّادقين، وأجعلنا من عبادك الصَّالحين، واجذبنا إليك جَذبة حَتَّى نموتَ عليها، وأصلح ما بيننا وبينك، ولا تمقُتنا، وإن كُنْت مَقَتَّنا، فاغفر لنا، ولا تُسقِطنا من عينك، يا كريم ".
ومن ورعه، كَانَ إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازًا كثيرًا. وَسَمِعْتُ عن بعض الشَّافِعِيَّة أَنَّهُ كَانَ يتعجب من فتاويه ومن كثرة احترازه فيها. وَكَانَ إِذَا أخذ من لحيته شَعرةً، أَوْ برى قلمًا، احتفظ بذلك، ولا يدعه في المسجد ويُخرجه. سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّزَّاق بْن هبة اللَّه قَالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخ عَبْد اللَّه البطائحي يَقُولُ: أشكلت عَليّ مسألة في الوَرَع، فما -[399]- وجدت من أفتاني فيها إِلَّا العِماد. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا دخل الخَلاء فنَسِيَ أن يُسمّي، خرج فسمّى ثُمَّ دخل.
وأمّا زُهده، فما أعلم أَنَّهُ قطّ أدخل نفسه في شيء من أمر الدُّنْيَا، ولا تعرَّض لها، ولا نافس فيها. وقد كَانَ يُفتح لأصحابنا بعض الْأوقات بشيء فما أعلم أَنَّهُ حضر يومًا قطُّ عندهم في شيء من ذَلِكَ، وما علمتُ أَنَّهُ دخل إلى عند سلطان ولا والٍ، ولا تعرّف بأحدٍ منهم، ولا كانت لَهُ رغبة في ذَلِكَ.
وَكَانَ قويًا في أمر اللَّه، ضعيفًا في بَدَنه، لَا تأخذه في اللَّه لومة لائم. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لرجل: كيف وَلَدك؟ قَالَ: يُقبِّل يدك. فَقَالَ: لَا تكذب! وَكَانَ كثير الْأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. لَا يرى أحدًا يسيء صلاته إِلَّا قَالَ لَهُ وعلّمَهُ. وبلغني أَنَّهُ خرج مرَّةً إلى فُسّاق، فكسر ما معهم، فضربوه، ونالوا منه، حَتَّى غُشي عَلَيْهِ، فأراد الوالي ضربهم، فَقَالَ: إن تابوا ولزِموا الصَّلَاة فلا تؤذهم، وهم في حِلٍّ. فتابوا، ورجعوا عمّا كانوا عَلَيْهِ.
سمعتُ شيخنا مُوَفَّق الدين قَالَ: من عُمري أعرفه - يعني العماد - وَكَانَ بيتنا قريبًا من بيتهم - يعني في أرض القدس - ولمّا جئنا إلى هنا فما افترقنا إِلَّا أن يسافر، ما عرفت أَنَّهُ عصى اللَّه معصية.
سَمِعْتُ والدي يَقُولُ: أَنَا أعرف العماد من صِغره، وما أعرف لَهُ صَبوةً ولا جهلة.
وذكر شيخُنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بن عيسى البُزُورِيّ الواعظُ شيخَنَا عمادَ الدين في طبقات أصحاب ابن المّنِّي، فَقَالَ: فَقهَ، وبَرَع، وكَملَ، وجمعَ بين العلم والعمل، أحد الورِعين الزُّهّاد، وصاحبُ ليلٍ واجتهادٍ، متواضعٌ، صَلِفٌ، ظريفٌ. قرأ القرآن بالقراءات، وَلَهُ المعرفة الحسنة بالحديث، مَعَ كثرة السَّماع، واليد الباسطة في الفرائض، والنَّحْو، إلى غير ذَلِكَ من الفضائل، لَهُ الخطُّ المليح المشرق بنور التقوى.
ولَيْسَ لله بمستَنكَرٍ ... أنْ يَجمعَ العالم في واحدِ
هَذَا مَعَ طيب الْأخلاق، وحُسن العِشرة، فما ذاق فم المودَّة أعذب من أخلاقه، فسبحان من صبَّرني عَلَى فِراقه. -[400]-
سمعتُ الإِمَام أَبَا إِبْرَاهِيم محاسن بن عَبْد الملك التَّنُوخِيّ يَقُولُ: كَانَ الشَّيْخ العماد جوهرة العَصر.
قَالَ الضِّيَاء: أعرف وَأَنَا صغيرٌ أَنَّ جميعَ مَنْ كَانَ في الجبل يتعلَّم القرآن كَانَ يقرأ عَلَيْهِ، وخَتَّمَ جماعةً من أصحابنا، وَكَانَ لَهُ صبر عظيم عَلَى من يقرأ عَلَيْهِ. سَمِعْتُ بعضهم يَقُولُ: إِنَّ مَنْ قرأ عَلَى الشَّيْخ العِماد لَا ينسى الختمة أبدًا. وَكَانَ يتألّف النَّاس، ويلطُف بالغُرباء والمساكين، حَتَّى صار من تلاميذه جماعةٌ من الْأكراد والعرب والعجَم، وكان يتفقّدهم ويطعمهم ما أمكنه. ولقد صحبه جماعةٌ من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لِما شاهدوا منه. وَكَانَ سخيًا جوادًا، بيته مأوى النَّاس، وَكَانَ ينصرف كل ليلة إلى بيته من الفقراء جماعة كبيرة. وَكَانَ يتفقد النَّاس ويسألُ عن أحوالهم كثيرًا، ويلقاهم بالبِشر الدائم. وَكَانَ من إكرامه لأصحابه يظنّ كلُّ أحدٍ أَنَّ ما عنده مثله، من كثرة ما يُكرمه، ويأخذ بقلبه. وَكَانَ يبعث بالنّفقة سرًّا إلى النَّاس، فعل ذَلِكَ كثيرًا.
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن حسن بن مُحَمَّد الهَكّارِيّ المُقْرِئ بحَرّان يَقُولُ: رأيتُ في النّوم قائلًا يَقُولُ لي: العماد - يعني إِبْرَاهِيم بن عَبْد الواحد - من الْأبدال. فرأيته خمس ليالٍ كذلك.
قَالَ الضِّيَاء: وقد سمعتُ خلْقًا من النَّاس يمدحونه بالصلاح، والزُّهد، والوَرَع، ولا يشكُّون أَنَّهُ من أولياء اللَّه وخاصّته، ومن الداعين إلى محبته وطاعته.
سَمِعْتُ الزاهد أَحْمَد بْن سلامة بْن أَحْمَد بْن سَلمان الحرّاني، قال: حَدَّثَنِي الشَّيْخ خليفة بن شُقير الحَرَّانيّ - وَكَانَ من أعبد أهل زمانه؛ كَانَ يصلي من بُكرة إلى العَصْر، وَكَانَ يقوم طول الليل - قَالَ: مضيت مرَّةً إلى زيارة القُدس عَلَى رِجليَّ، فوصلت وَأَنَا جائع، فنمت، فَإِذَا رجل يوقظني، فَإِذَا رجل ومعه طبيخ، فَقَالَ: اقعد كلْ! فَقُلْتُ: كيف آكل، وَأَنَا لَا أعلم من أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ حلال، وما عملته إِلَّا لأجلك. فأكلتُ، ثُمَّ جاءني مرَّةً ثانية فَقَالَ: جاءني أربعة رجال فقالوا: جزاك اللَّه خيرًا، حيث أوصلت المعروف إلى أهله، -[401]- أَوْ ما هَذَا معناه. فَقُلْتُ: ومن أنتم؟ قَالُوا: نَحْنُ أقطاب الْأرض، فَقُلْتُ: فمن سيِّدكم؟ قَالُوا: الشَّيْخ العماد المَقْدِسِيّ.
حَدَّثَنِي أَبُو الربيع سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم بن رَحمة، قَالَ: كُنْت عند الشَّيْخ العماد في المسجد، فَكَانَ يوم يُفتح لي بشيء لَا يطعمني شيئًا، ويوم لَا يُفتح لي بشيء يرسل إليَّ بشيء. وَقَالَ: جرى لي هَذَا كثيرًا.
وَسَمِعْتُ أَبَا موسى عبد الله ابن الحَافِظ عَبْد الغني، قَالَ: حَدَّثَنِي مكي الشاغوري المؤذِّن، قَالَ: كنتُ يومًا أمشي خلف العِماد في سوق الكبير، فَإِذَا صوت طُنبور، فَلَمَّا وصلنا إلى عند صاحبه، قَالَ الشَّيْخ: لَا حول ولا قوة إِلَّا باللَّه، ونفض كُمّه، فرأيت صاحب الطنبور قد وقع وانكسر الطنبور، فَقِيلَ لصاحبه: أيش بك أيش جرى عليك؟ فَقَالَ: ما أدري.
سمعتُ عَبَّاس بن عَبْد الدائم الكَتّاني يَقُولُ: كنتُ يومًا مَعَ العماد في مقابر الشُّهداء، فرجعنا وَأَنَا خلفه، فَقُلْتُ في نفسي: اللَّهمَّ إني أحبه فيكَ، فاجعلني رفيقه في الجنَّة. قَالَ: فالتفتَ إليَّ وَقَالَ: إِذَا لم تكن المحبَّة للَّه فما تنفع شيئًا، أَوْ كما قَالَ.
تُوُفِّي العماد - رحمة اللَّه عَلَيْهِ - عشاء الآخرة ليلة الخميس السادس عشر من ذي القِعْدَة، وَكَانَ صلّى تِلْكَ الليلة المغرب بالجامع، ثُمَّ مضى إلى البيت، وَكَانَ صائمًا، فأفطر عَلَى شيءٍ يسير. وَلَمَّا أُخرجت جنازته اجتمع خلقٌ، فما رَأَيْت الجامع إلا كأنه يوم الْجُمُعة من كثرة الخَلْق، وصلّى عليه شيخُنا مُوَفَّق الدين. وكان المُعتمِد يطرد النَّاسَ عَنْه، وإلا كانوا من كَثرة مَن يتبرك بِهِ يخرقون الكَفَن، وازدحموا حَتَّى كادَ بعض النَّاس أن يهلك، وخرجَ إلى الجبل خلقٌ كثيرٌ، وما رَأَيْت جنازة قطُّ أكثر خلْقًا منها، خرج القُضاة والعُدول، ومن لَا نعرفُهم. وحُكي عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا جاءه الموت جعل يَقُولُ: " يا حيُّ يا قَيومُ لَا إله إلَّا أَنْتَ، برحمتك أستغيث فأغِثني "، واستقبل القبلة، وتشهّد، ومات.
قال: وتزوّج أربع نِسوة، واحدة بعد واحدة، منهنّ خديجة بنت الشَّيْخ أَبِي عُمَر، وآخرهن عزيَّة بنت عَبْد الباقي بن عَليّ الدِّمَشْقِيّ، فولدت لَهُ القاضي -[402]- شمس الدين مُحَمَّدًا قاضي مِصْر، والعماد أَحْمَد ابن العماد.
وسمعتُ التَّقيّ أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الغني، قَالَ: رَأَيْت الشَّيْخ العماد في النّوم عَلَى حِصان، فَقُلْتُ لَهُ: يا سيدي، إلى أَيْنَ؟ قَالَ: أزورُ الْجَبّار.
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ الحَسَن بن جَعْفَر الإصبهاني يَقُولُ: رَأَيْت العماد فِي النوم، فَقُلْتُ: ما فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: " يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وجعلني من المُكرَمين ".
وَسَمِعْتُ الإِمَام الواعظ أَبَا المظفَّر يوسف سِبط الْجَوْزيّ يَقُولُ: لَمَّا كانت الليلة التي دُفن فيها العماد، رأيته في مكان مُتّسع، وَهُوَ يرقى في دَرَج عرفات، فَقُلْتُ: كيف بت؟ فإني بت أحمل همّك؟ فأنشدني:
رَأَيْت إلهي حينَ أُنزلْتُ حُفرتي ... وفارَقْتُ أصحابي وأهلي وجِيرتي
فَقَالَ: جُزيتَ الخيرَ عنّي فإنّني ... رضيتُ، فها عَفوي لديكَ ورحمتي
رَأَيْت زمانًا تأمَلُ الفوزَ والرِّضا ... فوُقِّيت نيراني ولُقِّيت جَنّتي
قَالَ الضِّيَاء: وسمعتُ الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عُبيد بن هَارُون السَّوادي، صاحب الشَّيْخ العماد وخادمه يَقُولُ: رَأَيْت الشَّيْخ في النوم وَهُوَ ينشد هذه الْأبيات وأنشدنيها.
وَسَمِعْتُ الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عُثْمَان بن حامد بن حسن المَقْدِسِيّ يَقُولُ: رَأَيْت الحقَّ عزَّ وجل في النوم والشيخ العماد عن يمينه، ووجهه مثل البدْر، وَعَلَيْهِ لباسٌ ما رأيتُ مثله. أَوْ ما هَذَا معناه.
وَقَالَ أَبُو شامة: شاهدتُ الشَّيْخ العماد مُصلّياً في حلقة الحنابلة مرارًا، وَكَانَ مُطيلاً لأركان الصَّلَاة، قيامًا، وركوعًا، وسجودًا، وَكَانَ يصلّي إلى خزانتين مجتمعتين موضع المحراب، وجُدّد المحراب سنة سبع عشرة وستمائة.
قُلْتُ: ثُمَّ جُدّد هَذَا المحراب في سنة ستٍّ وستين.
وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر في " مرآته ": كَانَ الشَّيْخ العماد يحضر مجلسي دائمًا -[403]- وَيَقُولُ: صلاح الدين يوسف فتح السَّاحل، وأظهر الإِسْلَام، وَأَنْتَ يوسف أحييت السُّنّة بالشام.
قَالَ أَبُو شامة: يشير إلى أَنَّهُ كَانَ يورد كثيرًا من كلام جَدّه أَبِي الفرَج، ومن خُطبه ما يتضمن إمرار آيات الصفات، وما صح في الْأحاديث عَلَى ما ورد من غير ميلٍ إلى تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، ومشايخ الحنابلة العُلَمَاء هَذَا مختارهم، وَهُوَ جيّد.
قُلْتُ: وَقَالَ الزَّكيّ المُنْذِريّ: إِنَّهُ تُوُفِّي ليلة السابع عشر من ذي القِعْدَة فُجاءةً. ثُمَّ وجدت في " وفيات " الضِّيَاء بخطّه أَنَّهُ تُوُفِّي ليلة السابع عشر، وبخطّه في ترجمة العماد أَنَّهُ تُوُفِّي في السادس عشر، واللَّه أعلم.

479 - محمد بن ثروان بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الباقي، الزاهد القدوة، أبو عبد الله القضاعي القيسي التدمري، شيخ تدمر.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

479 - مُحَمَّد بن ثَروان بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الباقي، الزاهد القدوة، أَبُو عبد الله القضاعي القيسي التدمري، شيخ تدمر. [المتوفى: 617 هـ]
تُوُفِّي في رمضان من السنة وَلَهُ ثلاثٌ وستون سنة، وقد صحب والده الشَّيْخ الكبير ثروان صاحب الشَّيْخ أَبِي البيان القُرَشِيّ الدِّمَشْقِيّ، رحمهم اللَّه.
نقلته من تعاليق عَلَم الدِّين البِرْزَاليّ.

508 - أحمد بن عمر بن محمد، الزاهد القدوة الشيخ نجم الدين الكبري، أبو الجناب الخيوقي الصوفي، شيخ خوارزم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

508 - أَحْمَد بن عُمَر بن مُحَمَّد، الزَّاهد القُدوة الشَّيْخ نجم الدِّين الكُبْريّ، أَبُو الْجَنَّاب الخِيوَقيّ الصُّوفِيّ، شيخُ خُوَارِزْم. [المتوفى: 618 هـ]
سَمِعْتُ أَبَا العلاء الفَرَضِيّ يَقُولُ: إنّما هُوَ نجم الكُبراء، ثُمَّ خُفِّفَ وغُيّر وَقِيلَ: نجم الدِّين الكُبْرَيّ. وَهُوَ من خِيوَق، وَيُقَال: خِوَق؛ وَهِيَ من قُرى خُوَارِزْم.
قَالَ عُمَر ابن الحاجب: طافَ البلاد وَسَمِعَ بها الحديث، واستوطن خُوَارِزْم، وصارَ شيخ تِلْكَ النَّاحية، وَكَانَ صاحبَ حديث وسُنَّة، وملجأ للغُرباء، عظيمَ الجاه لَا يخاف في اللَّه لومة لائم. سَمِعَ بالإسكندرية من أَبِي طاهر السِّلَفيّ، وبهمذان من الحَافِظ أَبِي العلاء، وَمُحَمَّد بن بُنَيْمان، وبنيسابور من أَبِي المعالي الفُرَاويّ.
رَوَى عَنْهُ عَبْد العزيز بن هِلالة، وشَمْخ خطيب دارَيّا، وناصر بن منصور العُرْضيّ، وسيف الدِّين الباخَرْزيّ تلميذُه، وآخرون.
وَقَالَ ابن نُقْطَة: هُوَ شافعي المذهب، إمام في السنة. وأثنى عليه.
وقال ابن هلالة: جلستُ عنده في الخلوة مرارًا، فوجدتُ من بركته شيئًا عظيمًا، وشاهدت في خلوتي عنده أمورًا عجيبة. وَسَمِعْتُ من يخاطبني بأشياء حَسَنة. -[538]-
وَقَالَ آخر: كَانَ النّجم الكُبْرَى فقيهًا، شافعيًا، زاهدا، عارفا، فسر القرآن العظيم في اثنتي عشرة مُجَلَّدة، ودخل الشَّام ونزل بخانكاه القصر بحلب.
قُلْتُ: وَكَانَ شيخنا عماد الدِّين الحَزّامي يُعَظّمه، ولكن في الآخر أراني لَهُ كلامًا فيه شيءٌ من لوازم الاتّحاد؛ وَهُوَ - إن شاء اللَّه - سالم من ذَلِكَ، فَإِنَّهُ محدِّث معروف بالسُّنَّة والتَّعبُّد، كبير الشأن. ومن مناقبه أَنَّهُ استشهد في سبيل اللَّه، وَذَلِكَ أَنَّ التَّتَار لَمَّا نزلت عَلَى خُوَارِزْم في ربيع الْأَوَّل من السنة، خرجَ فيمن خرج ومعه جماعة من مُريديه، فقاتلوا عَلَى باب خُوَارِزْم حَتَّى قتلوا مُقبلين غير مدبرين.
ولقد اجتمع بِهِ الفخر الرَّازِيّ صاحب التّصانيف وفقيه آخر، وقد تناظرا في معرفة الله وتوحيده فأطالا الجدال، فسألا الشَّيْخ نجم الدِّين عن علم المعرفة، فقال: واردات ترد على النفوس تعجز النّفوس عن ردّها. فسأله فخر الدِّين: كيف الوصول إلى إدراك ذَلِكَ؟ قَالَ: تترك ما أنت فيه من الرياسة والحظوظ. أَوْ كما قَالَ لَهُ، فَقَالَ: هَذَا ما أقدر عَلَيْهِ. وانصرف عَنْهُ، وأمّا رفيقه فَإِنَّهُ تَزَهَّد وتجرَّدَ، وَصَحِبَ الشَّيْخ فَفُتِحَ عَلَيْهِ. وهذه حكاية حكاها لنا الشَّيْخ أَبُو الحُسَيْن اليونيني، ولا أحفظها جيدًا.
وممن أخذ عَنْهُ أَحْمَد بن عَليّ النَّفْزيّ، وَعَبْد العزيز بن هلالة.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ نَافِعٌ الْهِنْدِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وتسعين قال: أخبرنا سعيد بن المطهر الباخرزي قال: أَخْبَرَنَا شَيْخُنَا أَبُو الْجَنَّابِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الخيوقي سنة خمس عشرة وستمائة قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، بِقِرَاءَتِي. (ح) وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ وَغَيْرُهُ عَالِيًا عَنِ ابْنِ كليب؛ قالا: أخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرنا الصفار قال: حدثنا الحسن بن عرفة قال: حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: " {{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}} " -[539]-، قَالَ: " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا، الْحُسْنَى: وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ ".
هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ؛ انْفَرَدَ بِهِ سَلَمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقٍ - عَنْ نُوحٍ الْجَامِعِ شَيْخِ مَرْوَ، وَلَيْسَ بِثِقَةٍ، بَلْ تَرَكُوهُ، وَقَدْ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

575 - الحسن بن أحمد بن يوسف، الزاهد القدوة أبو علي الإوقي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

575 - الحسن بن أحمد بن يوسف، الزاهد القدوة أبو علي الإوقي. [المتوفى: 630 هـ]
منسوب إلى أوه؛ قاله عبد القادر الرهاوي، وهي من أعمال العجم.
سَمِعَ الكثير من السِّلَفيّ، وسَمِعَ من عبد الواحد بن عَسكر، والمُفَضَّل بن عليّ المَقْدِسيّ، ومحمد بن عليّ بن مُحَمَّد الرّحبيّ، والمشرف بن المؤيّد الهمذانيّ.
وأقام بالقُدس أربعين سَنَةً. وكان زاهدًا، عابدًا، قانتًا، كثير المجاهدة. من أصحاب الأحوال والمقامات، ما لَهُ شغلٌ إلّا التلاوة والانقطاع بالمسجد الأقصى.
قال عُمَر بن الحاجب: سألتُ أَبَا عَبْد اللَّه البِرْزَاليّ عَنْهُ فَقَالَ: زاهدُ أهل -[917]- زمانه، كثير التلاوة والعبادة والاجتهاد، معرضٌ عن الدُّنيا، صليبٌ في دينه.
قلت: وكان لَهُ أجزاء يُحَدِّث منها.
روى عنه الضياءُ، والكمال بن الدُّخْميْسي، والكمال العَديميّ وابنه أبو المجد، والقاضي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن صاعد، والرضي أبو بكر القُسَنطيني، وأبو المعالي الأبَرْقُوهيّ، وغيرهم.
تُوُفّي الإِوَقيّ - بكسر الهمزة - في عاشر صفر.

36 - عبد الله بن يونس الأرمني، الشيخ الزاهد القدوة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

36 - عَبْد اللَّه بْن يُونُس الأرْمَنِيُّ، الشَّيْخ الزاهد القُدوة [المتوفى: 631 هـ]
نزيلُ سَفْح قاسيُون، وهو من أرْمينيَة الرُّوم، وقيلَ من قُونية.
جالَ فِي البلاد، ولَقِيَ الصُّلحاءَ والزُّهادَ. وكان صاحبَ أحوالٍ ومجاهداتٍ. وكانَ سَمحًا، لطيفًا، متعفِّفًا، لازمًا لشأنِه، مطَّرحَ التكلّف. ساحَ مُدَّةً وبَقِيَ يَتَقَنَّعُ بالمُباحاتِ. وكان متواضعًا، سَيِّدًا، كبيرَ القدر، لَهُ أصحاب ومريدون. ولَا يكاد يمشي إلا وحدَه، ويشتري الحاجةَ بنفسه ويحملُها. وكانت لَهُ جنازةٌ مشهودةٌ. وكان قد حفظ القرآن، و" كتاب القُدُوري "، فوَقَعَ برجلٍ من الأولياءِ، فدلّه عَلَى الطريق إلى اللَّه.
وقد طَوَّل أَبُو المظفَّر الْجَوْزيُّ ترجمتَه، رحمه اللَّه تعالى.
وتُوُفّي فِي التاسع والعشرين من شوَّال، وزاويتهُ مطلةٌ عَلَى مقبرة الشيخ -[48]- الموفَّق.

87 - حمزة بن أحمد بن عمر ابن الزاهد القدوة أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، أبو عبد الله المقدسي الحنبلي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

87 - حمزةُ بْن أَحْمَد بْن عُمَر ابن الزّاهد القُدوة أَبِي عُمَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة، أَبُو عَبْد اللَّه المقدسيُّ الحنبليُّ. [المتوفى: 632 هـ]
والِد قاضي القضاة تقيِّ الدّين الحنبليُّ.
سَمِعَ الكثير، ولم يُحدَّثَ لأنه مات قبلَ أوانِ الرواية بقرية جمَّاعيلَ، فِي جُمَادَى الآخرة فِي حياة والده الجمالُ أَبِي حمزة، ورُبِّيت أولادُه يتامى، وجاءَ منهم مثل: قاضي القضاةِ، وأخيه المقرئ ناصر الدّين دَاوُد، والفقيه شمس الدين محمد.

116 - غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين، الشيخ القدوة الزاهد أبو علي الأنصاري السعدي المقدسي النابلسي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

116 - غانمُ بْن عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم بْن عساكر بْن حُسين، الشَّيْخ القُدوةُ الزاهدُ أَبُو عَلِيّ الأنصاري السعدي المقدسي النابلسي، [المتوفى: 632 هـ]
أحد مشايخ الطريق.
وُلِد بقريةِ بُورينَ من عمل نابُلُس سنةَ اثنتين وستين وخمسمائة. وسَكَنَ القُدس عامَ أنقذَه السلطان من الفرنج سنة ثلاثٍ وثمانين، وساحَ بالشامِ، ورأى الصالحينَ. وكان زاهدًا، عابدًا، مُخْبِتًا، قانتًا لله، مُؤْثِرًا للخمولِ والانقباضِ، صاحبَ أحوالٍ وكراماتٍ.
حكى ابنهُ الشَّيْخ عَبْد اللَّه أنَّ أَبَاهُ أخبره أن رجلاً من الصديقين اجتمعَ بِهِ ساعة، قَالَ: فَلَمَّا وَقَعَتْ يدي فِي يده انتزعت الدُّنيا من قلبي، ولما نَهَضْتُ قَالَ لي: " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هي المأوى ". فَجَعَلْتُ هذه الآية قدوتي إلى اللَّه، وسلكتُ بها فِي طريقي، -[83]- وجعلتُها نصبَ عيني لِكُلِّ شيءٍ قالتْه لي نفسي: فإنْ قَالَتْ لي: كُلْ، أجوعُ، وإن قالت: نم، سهرت، وإن قالت: استرح، أَتْعَبْتُها.
قَالَ ابنُه عَبْد اللَّه: انقَطَعَ رحمه اللَّه تحتَ الصخرةِ فِي الأقباء السليمانية سنةَ ستينَ، وصَحِبَ الشَّيْخ عَبْد اللَّه الأُرْمَوِي بقيةَ عمره وعاشا جميعًا مصطِحَبْين.
قَالَ: وحجَّ ثلاثَ مرَّات مُحْرمًا من القدس، فقال: رجَعْتُ من الحجِّ وأنا مريض لَا أستطيعُ الكلامَ، فانطرحتُ فِي البرية، فجاءني مغربيٌ فسَلم، فأومَأت لَهُ، فقال: قم. فأقامَني وجَعَلَ يدَه تحت جناحي، ثمّ سارَ بي يُحدِّثني بما أَنَا فِيهِ وبما يكون منّي، لَا أشكُّ أني سائر فِي الهواء غيرَ أنِّي قريبٌ من الأرض مقدارَ ساعةٍ، ثمّ قالَ: أجلسْ ونَمْ فَنِمْتُ ونامَ معي فاستيقظتُ، فلم أجدْه، ووَجَدْتُ نفسي قريبًا من الشامِ وأنا طيبٌ، ولم أحتَجَ بعدَ ذَلِكَ إلى طعامٍ ولا شرابٍ حتّى دخلتُ بيتَ المقدسِ.
ثمّ أخذ ولدُهُ عَبْد اللَّه يَصِفُ توكُلَه وفناءه ومحبّته ورضاه ومقاماته، وأن أخلاقَه كريمةٌ وهيبتَه عظيمةٌ، وأنَّه بَقِيَ عشرينَ سنة بقميصٍ واحد وطاقيةٍ عَلَى رأسه، ثمّ سأله الفقراءُ أن يَلْبَسَ جُبَّةً فلَبِسَ، وأنه ما لقي أحداً إلا تبسم لَهُ.
قَالَ: ورأيتُ ابن شير المغربيَّ، وحجَّ سنةً، ثمّ قدم وحضر عند الفقراء، فقال: كيف كَانَ وصولُ الشَّيْخ؟ قَالُوا: الشَّيْخ ما حجَّ. فقال: والله لقد سلمتُ عَلَيْهِ عَلَى الجبل وصافحتهُ، ثمّ أتى إِلَيْهِ وسلم عَلَيْهِ، وقال: يا شيخ غانم أما سَلَّمتُ عليكَ بالجبلِ؟ فَتَبسَّمَ وقال: يا شمسَ الدّين هذا يكونُ بحُسْنِ نظرِك والسكوتُ أَصْلَحَ.
وحكى الشيخُ القُدوة إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه الأرمويُّ، قَالَ: حضرتُ مَعَ والدي سماعًا حضّره الشَّيْخ غانم والشيخ طيٌ والشيخ عليٌ الحريري فلمّا تكَلَّمَ الحادي حَصَلَ للشيخ غانم حالٌ، فحملني وقامَ بي، ودارَ مِرارًا، فَنظَرْت، فإذا بي فِي غير ذَلِكَ الموضع، ورأيتُ بلادًا عجيبةً، وأشجارًا غيرَ المعهودة، وناسًا مُوَشحينَ بوزراتٍ، حتى رَأَيْت شخصًا خارجًا من باب حديقةٍ وهو يسوقُ بقرةً، فهالَني ذَلِكَ. فلما جلس بي الشَّيْخ، قَالَ لَهُ الشَّيْخ طيٌ أو غيره: أيش كانت وظيفةُ وُلِد الشَّيْخ عليك فِي هذه القومَةِ؟ فلم ينطق. فقال والدي: الشَّيْخ عَبْد اللَّه فرج ولدي فِي إقليم الهند وجاء، فسكت الشَّيْخ غانم. هَذِهِ الحكاية -[84]- يرويها قاضي القضاة أبو الْعَبَّاس بْن صصرى، والشيخ علاء الدّين عَلى ابن شيخنا شمس الدّين مُحَمَّد سِبْطِ الشَّيْخِ غانم.
وقد أفردَ سيرة الشَّيْخ غانم فِي " جُزءِ " مليحٍ حفيدُ شيخنا شمس الدّين المذكور المولى الإمامُ أَبُو عبد الله محمد ابن الشَّيْخ علاء الدّين - أبقاهما اللَّه ورحمهما -. وقال: تُوُفّي فِي غُرَّةِ شَعْبان سنة اثنتين وثلاثين، ودُفَن فِي الحضرة التي بها صاحبه ورفيقُه الشيخ عبد الله الأرموي بسفح قاسيون.

213 - نصر بن عبد الله بن عبد العزيز بن بشير، القدوة أبو عمرو الغافقي الأندلسي الفرغليطي، نزيل قيجاطة، ويعرف بالشقوري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

213 - نصر بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد العزيز بْن بِشْير، القدوةُ أَبُو عَمْرو الغافقيُّ الأندلُسيُّ الفَرْغُليِطي، نزيلُ قيجاطة، ويعرف بالشقوري. [المتوفى: 633 هـ]
قال الأبار: سمع من جده لأمه نصر بن علي، وعبد الله بن سهلٍ الكفيف. وبقرطبة من عبد الرحمن بن أحمد بن بقي، وأَبِي القاسم بْن بَشْكُوال. وبمُرْسِيَةَ من أَبِي عبد الله بن عبد الرحيم. وأجاز له أَبُو الحَسَن بْن هُذَيل، وأَبُو طاهرٍ السِّلَفيّ. وتصدَّرَ بقَيْشاطة للإقراء، فأُخذَ عَنْهُ وسُمِعَ منه. وكان من أهلِ الزُّهدِ والفضلِ، يُشارُ إِلَيْهِ بإجابةِ الدَّعوة. عُمِّرَ وأسنَّ وأُسِرَ عندَ تَغَلُّب الرُّوم عَلَى قَيْشاطة فِي سنةِ إحدى وعشرين. ثم تخلصَ بعد ذَلِكَ. وقَدِمَ قُرْطُبَة فأخَذَ عنه أبو القاسم ابن الطَّيْلَسان، وقال: تُوُفّي بِلُورَقَةَ عامَ ثلاثةٍ وعشرينَ وستمائة، ومولده سنة خمسٍ وثلاثين وخمسمائة.
قَالَ: وقالَ ابنُ فَرْقَدَ: كَتَبَ أَبُو عَمْرو الغَافقيُّ لي ولابنيَّ محمدٍ وأَحْمَد فِي جُمَادَى الأولى سنة سبعٍ وعشرين وستمائة. وقال ابنُ فَرْتون: تُوُفّي سنة ثلاثٍ وثلاثين.
قلتُ: هذا أصحٌ من قولِ ابن الطَّيْلَسان.

263 - عبد القادر بن عبد الله ابن الفقيه القدوة الشيخ عبد القادر الجيلي، أبو محمد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

263 - عبدُ القادر بْن عَبْد اللَّه ابْن الفقيه القدوة الشَّيْخ عَبْد القادر الْجِيليُّ، أَبُو مُحَمَّد. [المتوفى: 634 هـ]
سَمِعَ من أَبِي الْحُسَيْن عَبْد الحقَ. وحدَّثَ. وماتَ بسَوادِ بغدادَ فِي ربيع الآخر.

427 - محمد ابن الإمام القدوة أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى بن روبيل، الفقيه الحافظ القاضي المحدث المقرئ أبو عبد الله الأنصاري البلنسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

427 - مُحَمَّد ابنُ الْإمَام القدوة أَبِي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عيسى بن رُوبِيل، الفقيهُ الحافظُ القاضي المُحَدِّثُ المُقرئ أَبُو عَبْد اللَّه الأَنْصَارِيُّ البَلَنْسيّ. [المتوفى: 636 هـ]
ذكره أبو العباس ابن الغماز في " مشيخته "، وأنه أخذ عن أَبِي عَبْد اللَّه بن نوح، ومُحَمَّد بن سعَيِد المُراديّ، وأَبِي الخَطَّابِ بن واجب، وابن اليتيمِ الأندرشيِّ، وسَمَّى عدة. وَلِيَ قضاءَ دانِيَةً وخَطابَتها. تلوتُ عَلَيْهِ برواياتٍ. وأخّذتُ عَنْهُ كثيرًا. ماتَ فِي المحرمَّ عامَ ستة.

148 - أحمد بن عيسى ابن العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. الإمام الحافظ الزاهد القدوة، سيف الدين ابن المجد الحنبلي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

148 - أحمد بن عيسى ابن العلّامة مُوَفَّق الدِّين عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدَامة. الإِمَام الحافظ الزّاهد القدوة، سيف الدين ابن المجد الحنبليّ. [المتوفى: 643 هـ]
وُلِدَ سنة خمسٍ وستّمائة. وسمع: أبا اليمن الكندي، وأبا القاسم ابن الحَرَسْتانيّ، وداود بْن ملاعب، وَأَحْمَد بْن عَبْد اللَّه السُّلَميّ العطّار، وموسى بْن عَبْد القادر، وابن أَبِي لُقْمة، وجدّه. وتخرج بخاله الشَّيْخ الضّياء. ورحل إلى بغداد سنة ثلاثٍ وعشرين، فسمع: الفتح ابن عبد السلام، وعلي بن بوزندار، وهذه الطّبقة. ثُمَّ رحل سنة ستٍّ وعشرين.
وكتب بخطّه المليح ما لا يوصف. وصنَّف وخرَّج، وسوَّد مسوَّدات لم يتمكّن من تبييضها، وكان ثقة حُجّة، بصيرًا بالحديث ورجاله، عاملًا بالأثر، صاحب عبادة وتهجُّد وإنابة. وكان إمامًا فاضلًا ذكيًّا، حادّ القريحة، تامّ المروءة، كثير الأمر بالمعروف والنَّهي عَن المُنْكَر، ولو طال عُمره لساد أهل زمانه عِلْمًا وعملًا، فرحمه الله ورضي عنه.
حدثنا عَنْهُ الشّهاب أَبُو بَكْر الدَّشْتيّ. ومات قبل أوان الرّواية فإنّه عاش ثمانيًا وثلاثين سنة.
وتوفي - بعد أن لقن خلقًا كثيرًا وتديَّن لذلك وسعى بكلّ ممكن - فِي أوّل شعبان. ومحاسنه جمَّة.

615 - عبد الوهاب بن يوسف بن محمد بن خلف الفقيه أبو محمد ابن الفقيه أبي الحجاج، الأنصاري، القصري، المغربي، المالكي الفقيه القدوة، المعروف بابن رشيق، بالتصغير.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

615 - عَبْد الوهّاب بْن يوسف بْن مُحَمَّد بْن خَلَف الفقيه أَبُو مُحَمَّد ابن الفقيه أَبِي الحَجَّاج، الأَنْصَارِيّ، القَصْريّ، المغربيّ، المالكيّ الفقيه القُدْوة، المعروف بابن رُشَيّق، بالتّصْغير. [المتوفى: 650 هـ]-[640]-
شيخٌ عالِم، صالح، خيّر، ذو مُروءة وفُتُوَّة وتعفُّف وفَقْر.
حمل عَن أَبِيهِ الرّاوي عَن عياض، وأبي بكر ابن العربيّ، وعن عَبْد الجليل القَصْريّ مصنِّف " شُعَب الإِيمَان "، وتصدّر بالجامع العتيق بمصر.
كتب عَنْهُ الرشيد العطار حكاية.
ومات ليلة عيد الفطر عَن ثلاثٍ وستّين سنة.
وأمّا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر بْن رُشَيق - بالضمّ والخِفَّة - وأخوه حسين، فسمع منهما الدّمياطيّ "أربعيّ القُشَيْريّ " بسماعهما مِن ابن أَبِي المجد الحربيّ.
وحَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه سبْط ابْن رُشَيّق أنّ جَدّه الزّاهد عَبْد الوهّاب بقي أيّامًا عديدة عَلَى وضوءٍ واحدٍ واشتهر هذا.
وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه عَن أُمّه أنّ أباها قَالَ لهم ليلة عيد الفِطْر: أَنَا مثل اللّيلة أموت، قَالَتْ: فصام رمضان كلَّه فِي العام الآتي، وجلس اليوم الأخير منه يسبّح ويذكر اللَّه، ثم بقي فى آخر النهار يقول لي: انظري هَل غابت الشّمس. فكنت أخرج وأعود فأقول: لا، ما غابت. فلمّا غابت تُوُفّي فِي الحال، رحمه اللَّه ورضي عَنْهُ.

35 - محمد ابن الشيخ القدوة عبد الله بن عثمان بن جعفر، الشيخ أبو عبد الله اليونيني الزاهد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

35 - محمد ابن الشّيخ القُدوة عبد الله بن عثمان بن جعفر، الشيخ أبو عَبْد الله اليُونينيّ الزاهد. [المتوفى: 651 هـ]
ذكره خطيب زَمْلكا، فقال: كان صاحب كرامات ورياضات، زاهدا ورِعاً متواضعا، لا يمكِّن أحدًا من تقبيل يده حتى يقبل أيضًا يد ذلك الرجل. حدثني الْحَسَن بن مظفَّر قال: طلعنا إلى زاوية الشَّيْخ فتلقانا الشَّيْخ مُحَمَّد، فقال فيما حَدَّثَنَا: يا فُقراء، كان سيدي الشَّيْخ قد جهزني إلى الحجاز، فلما كانت الليلة التي تُوُفّي فيها رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ في النّوم وهو يُعزّيني فِي الشَّيْخ فورّخْنا تلكَ الليله، فلما وصلْنا وجدناه قد تُوُفّي فيها.
قال خطيلب زمْلَكا: وقد اختلفوا على ما قيل فيمن يكون شيخًا بعد الشَّيْخ عَبْد الله، فقال بعضهم: الشَّيْخ الفقيه، وقال آخرون: يكون الشَّيْخ توبة، وقال بعضهم: الشَّيْخ عَبْد الله بن عَبْد العزيز. فحدثني الشَّيْخ إسرائيل قال: فرأى الشَّيْخ الفقيه فِي النوم الشَّيْخ عَبْد الله وهو يقول: أنت والشيخ توْبة أصحابي، والشيخ عَبْد الله مُريدي، وولدي مُحَمَّد ما هُوَ صغير. فلما أصبح أخبر الفُقراء بما رَأَى، فلما قدِم الشَّيْخ مُحَمَّد من الحج بسطوا له السّجّادة وقاموا حوله.
تُوُفي إلى رحمة الله في رجب.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت