نتائج البحث عن (ليس بشيء) 4 نتيجة

قال السخاوي في (فتح المغيث) (2/123): (---- ، على أنا قد روينا عن المزني قال: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول: فلان كذاب ، فقال لي: يا إبراهيم اكسِ ألفاظك ، أحسِنْها ، لا تقل: فلان كذاب ، ولكن قل: حديثه ليس بشيء ؛ وهذا يقتضي أنها حيث وُجدت في كلام الشافعي تكون من المرتبة الثانية(1).
وفي كلام السخاوي هذا نظر ، والظاهر أن الشافعي أرشد المزني إلى تخفيف ألفاظه عند الطعن في الكذابين والمتهمين من الرواة والاكتفاء بما يدل على سقوط حديثهم وتركه ، ومن المعلوم أنه لا يلزم من عبارة الشافعي هذه ما قاله السخاوي فإنه لا يلزم منها أن يمتنع الشافعي من إطلاق لفظة (حديثه ليس بشيء) على غير الكذابين والوضاعين ، ممن هو ساقط متروك ، وهذا ظاهر ؛ وإن كان الأحسن في كلمات النقاد أن تكون كل لفظة مختصة بمعنى واحد أو حكم واحد.
نعم إن وردت هذه اللفظة في كلام الشافعي احتملت بقوة أن يكون الراوي كذاباً أو متروكاً ، فحينئذ نحتاج للنظر في القرائن ؛ وذلك بخلاف (حديثه ليس بشيء) عند الجمهور فإن المتبادر أن يكون الراوي متروكاً مع احتمال أن يكون ضعيفاً فقط ، وأما أن يكون كذاباً عندهم فهو احتمال بعيد.
__________
(1) أي من مراتب التجريح عند السخاوي ، وهي مرتبة (كذاب) و (وضاع) و (دجال) وما يقوم مقامها في تجريح الراوي ووضعه في هذه المرتبة نفسها ؛ وتبع السخاوي في هذا الدكتور قاسم علي سعد فعدَّ في (مباحث في علم الجرح والتعديل) (ص51-52) لفظة (لاشيء) عند الشافعي في مرتبة وضاع وكذاب ونحوهما ، وتوكأ على تفسير السخاوي لكلمة الشافعي المذكورة.
معنى كلمة (الشيء) في العرف واللغة معروفٌ، فهو الاسم الذي يصح أن يطلق على كل موجود ؛ وأما قول أهل الحديث في الراوي (ليس بشيء) فهو على طريق المبالغة في الذم ، فلذلك وُصف بصفة المعدوم ، وكأنه وصف بذلك لأنه لا يُنتفع بمروياته؛ قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) في ترجمة خالد بن أيوب البصري (3/321): (ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: خالد بن أيوب لا شيء ، يعني ليس بثقة ؛ وسمعت أبي يقول: هو مجهول منكر الحدبث ).
وقال المنذري في (جزئه الذي أجاب فيه على مسائل في الجرح والتعديل) (ص55): (وأما قولهم: فلان ليس بشيء ، ويقولون مرة: ليس حديثه بشيء ؛ فهذا يُنظر فيه ، فإن كان الذي قيل فيه هذا قد وثقه غيرُ هذا القائل واحتج به ، فيحتمل أن يكون قوله محمولاً على أنه ليس حديثه بشيء يُحتج به ، بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار والاستشهاد وغير ذلك.
وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهوراً بالضعف ولم يوجد من الأئمة من يحسِّن أمرَه فيكون محمولاً على أن حديثه ليس بشيء يحتج [به] ولا يعتبر به ولا يستشهد به ؛ ويلتحق هذا بالمتروك ؛ والله عز وجل أعلم)
. انتهى كلام المنذري.
تنبيه: قول من قال إن ابن معين كان أحياناً يريد بقوله في الراوي (ليس بشيء) تقليل حديثه لا تضعيفه دعوى لا تصح ، وإليك أدلة رد تلك الدعوى.
قال الحاكم أبو عبد الله في كثير بن شنظير - على ما في ترجمته من (تهذيب التهذيب): (قول ابن معين فيه (ليس بشيء) ، هذا يقوله ابن معين إذا ذُكر له الشيخ من الرواة يقلُّ حديثُه ، ربما قال فيه: ليس بشيء ، يعني لم يُسند من الحديث ما يشتغل به)(1).
وقال الحاكم في سلم بن زرير كما في (تهذيب التهذيب) (4/130): (أخرجه محمد [يعني البخاري] في الأصول ، ومسلم في الشواهد، وضعفه يحيى بن معين ، لقلة اشتغاله بالحديث ، وقد حدث بأحاديث مستقيمة )(2).
وقال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام) (5/565): ((وقول ابن معين فيه [يريد صالح بن رستم البصري] " لا شيء " معناه(3) فيه أنه ليس كغيره ، فإنه قد عُهد يقول ذلك فيمن يقل حديثه فاعلم ذلك ).
وقال في موضع آخر من (بيان الوهم والإيهام): (وما روى ابن أبي خيثمة عن ابن معين من قوله فيه [أي في بكار بن عبد العزيز الثقفي] " ليس بشيء " ، إنما يعني بذلك قلة حديثه ، وقد عُهد يقول ذلك في المقلين ، وفسر قوله فيهم ذلك بما قلناه ).
ونقل عنه ابن حجر في (هدي الساري) (ص 421) أنه قال: (ليس بشيء عند ابن معين يعني أحاديثه قليلة).
ويظهر أن هذا نقلٌ بالمعنى للعبارة السابقة.
وقال ابن حجر في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري من (هدي الساري) (ص590): (وثقه ابن معين في رواية ابن الجنيد وغيره ، وقال في رواية ابن أبي خيثمة عنه: ليس بشيء) إلى أن قال:
(قلت: احتج به الجماعة ، وذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الروايات (ليس بشيء) يعني أن أحاديثه قليلة جداً ).
وقال المعلمي في (طليعة التنكيل) (ص49): (فابن معين مما يطلق: ليس بشيء ، لا يريد بها الجرح ، وإنما يريد أن الرجل قليل الحديث ---- ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من (التنكيل) ؛ وحاصله أن ابن معين قد يقول: (ليس بشيء) على معنى قلة الحديث ، فلا تكون جرحاً، وقد يقولها على وجه الجرح كما يقولها غيره ، فتكون جرحاً، فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابن معين (ليس بشيء) قليل الحديث وقد وُثق وجب حمل كلمة ابن معين على قلة الحديث لا الجرح ، وإلا فالظاهر أنها جرح )(4).
وذكر الدكتور أحمد محمد نور سيف في مقدمته لـ(تاريخ الدوري عن ابن معين) أن لفظة (ليس بشيء) و (ليس بثقة) و (ضعيف) تعني عند ابن معين غالباً الضعف الشديد ، وذكر أيضاً أنه قد يطلق (ليس بشيء) ويريد بها التجهيل ، وأحياناً يريد بإطلاقها حالة دون أخرى ، فيرى الراوي مقبولاً في حالة غير مقبول في غيرها ؛ وذكر حالات أخرى لذلك ، ثم نبه على ضرورة استقراء ودراسة هذا المصطلح من ابن معين ؛ وانظر المقدمة المذكورة (1/115-119 و 204-209).
وقال الدكتور قاسم علي سعد في (مباحث في علم الجرح والتعديل) (ص60) بعد أن نقل طائفة من أقوال من قالوا أن مراد ابن معين بلفظة (ليس بشيء) قلة الحديث:
(وكأن الذهبي لم يتنبه لهذا التنوع عند ابن معين في هذه اللفظة ، فقال في (الميزان) في ترجمة عبد العزيز بن المختار البصري الدباغ (2/643): (ثقة حجة ، وما عرفت سببَ قول ابن معين فيما سمعه يقول أحمد بن زهير: ليس بشيء ).
ولا يحتمل هنا إلا أنه قصد أن أحاديثه قليلة ، وذلك لأن ابن معين وثق عبد العزيز كما في تاريخ الدوري.
وقال الذهبي في (الميزان) أيضاً في ترجمة ثعلبة بن سهيل الطُّهَوي (1/371): (قال أبو الفتح الأزدي: قال ابن معين: ثعلبة بن سهيل ليس بشيء. قلت: هذه رواية منقطعة ، والصحيح ما روى إسحاق الكوسج عن ابن معين: ثقة ، أو لعل ليحيى فيه قولان [كذا]. والله أعلم.
ولو تبين له مقصد الإمام ابن معين في لفظة (ليس بشيء)
في بعض الروايات لما شكك في أحد قوليه(5). والله أعلم ). انتهى كلام الدكتور قاسم.
وقال مؤلفا (تحرير التقريب) الدكتور بشار والشيخ شعيب (1/41):
(وقول ابن معين في الراوي ليس بشيء ، يعني أن أحاديثه قليلةٌ ، أحياناً ؛ ويعني تضعيف الراوى وسقوطه أحياناً ).
وقال الشيخ عبد الله السعد: ( "ليس بشيءٍ" عند ابن معين ، تعني أنّ الراوي ضعيف جداً، ولكن أحياناً تعني أنّ أحاديثه قليلة).
وقال عبد الفتاح أبو غدة في تعليقه على (الرفع والتكميل) (ص382-389) بعد أشياء ذكرها:
(فهذه ثلاثون شاهداً وقفت عليها مصادفةً خلال اشتغالي ومراجعاتي - والتتبع ينفي الحصر - تدل أوضح دلالة على أن ابن معين يريد فيها من قوله في الراوي (ليس بشيء) ضعْفَه لا قلةَ أحاديثِه).
ثم قال: (إن معنى التضعيف من هذه الجملة "ليس بشيء" هو المعنى الحقيقي لها ، والمستعملة فيه ، فلا يُعدل عنه إلا بقرينة صارفة تدل على أنه يريد من هذه الكلمة قلةَ أحاديث الراوي لا تضعيفه).
وانظر أيضاً تعليق عبد الفتاح أبو غدة على (الرفع والتكميل) (ص153-155) ، وعلى (قواعد في علوم الحديث ) للتهانوي (ص263) ، وعلى (المنار المنيف) للإمام ابن القيم (ص43) ، ومقدمة محمد عوامة لكتاب (الكاشف) للذهبي (1/67-68) - وفي كلامه بعض الفوائد - ، وترجمة جراح بن منهال من (التنكيل) (ص422).
ثم وجدت صاحب (تحرير علوم الحديث) قد قال (1/619-621): (ولم يبدُ لي صحةُ ما قاله الحاكم في أكثر من أطلق عليهم ابنُ معين هذه العبارة ، وهو قد أطلقها على عدد كثير من الراوة ، وجدت أكثرهم من المعروفين بالرواية ، لكنهم من الضعفاء والمتروكين والمتهمين ، ومثاله منتشر جداً في الروايات عن ابن معين.
نعم ، يوجد في بعضهم من يُمْكن وصفُه بقلة الرواية ، على ضعفه ، لكن لا يصِحُّ أن يُحمل عليه مراد يحيى ؛ لأنه الأقلُّ، مقارنةً بالصنف الآخر.
والصواب أن عبارة يحيى هذه: عبارة جرح مجملة في تحديد قدر الجرح وسببه----.
نعم ، ربما دل على شدة ضعف الموصوف بها أيضاً عند الناقد اقترانُها بما يدل على ذلك ، مثل قول علي بن المديني في أبي بكر الدَّاهريِّ: " ليس بشيء ، لا يكتب حديثه " فعبارة "لا يكتب حديثهُ " لا تقال إلا في شديد الضعف ، ومن يعود ضعفه في الأصل إلى روايته.
وقال يحيى بن معين في عمر بن موسى الوجيهيِّ: " ليس بشيء " ، وفي موضع آخر: " كذَّابٌ ، ليس بشيء " ----.
وقال يحيى بن معين في معلى بن زياد القُردوسيِّ: " ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه " ، فتعقبه ابنُ عدي بقوله: " لا أرى بروايته بأساً ، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يكتب حديثه ، وهو عندي لا بأس به "(6)
.
فتأمَّل استدراك ابن عدي ، فلم يتعقب يحيى في قوله ( ليس بشيء ) ، إنما في قوله: ( لا يكتب حديثه ) ، فدل على أن ( ليس بشيء ) وحدها عندهم لم تكن تدل على تفسير قدر الجرح لذاتها ، ويمكن حملُها على أدنى الجرح عندما يتبين من حال الراوي أنه لا يتجاوز ذلك.
ويلتحق بها قولهم: ( لا يساوي شيئاً ) ، وإن كانت قليلة الاستعمال ، فقد تتبعها فوجدتها كذلك).
قلت: ومن أقدم تفسيرٍ لقول ابن معين (لا شيء) ما حكاه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (2/1/321) في ترجمة خالد بن أيوب البصري إذ قال: (ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: خالد بن أيوب لا شيء ، يعني ليس بثقة ) ؛ قلت: والظاهر أن ابن معين لم يكن عنده فرق بين قوليه في الرواة (ليس بشيء) و(لا شيء) ؛ والله أعلم.
مناقشة التفسير الذي ادعاه الحاكم ومن تبعه أو وافقه
أقول: لا أعلم أحداً ذكر هذه المسألة قبل الحاكم ، ولا أعلم أحداً قبل ابن القطان تابعه عليها ، وابن حجر على سعة اطلاعه لم ينقلها عن غير ابن القطان ؛ وابن القطان ناقد محقق مجتهد ثاقب الفطنة وقاد الذهن(7) ولكن ما قاله دعوى عارية عن الدليل مخالفة للظاهر المعروف المشهور فلا تقبل منه.
وكذلك لا أعلم أحداً ممن تابعهما على هذه الدعوى ، ممن تقدم ذكرهم أو من غيرهم ، ذكر أنه استقرأ هذه القضية استقراء تاماً.
وإذا تبينَ هذا تبينَ أننا إذ أردنا ردّ هذه الدعوى فإننا لن نحتاج لردها - بعد ما تقدم - إلا إلى شيء واحد ، وهو توهين قول أول من ادعاها ، وهو أبو عبد الله الحاكم ؛ فإليك ذلك.
تفسير الحاكم لمصطلح ابن معين هذا أورده ابن حجر في ترجمة كثير بن شنظير من (تهذيب التهذيب) ؛ فإليك ترجمته لتكون أساساً لرد دعوى الحاكم وتوهينها وتوهيتها:
قال ابن حجر: (كَثِيْرُ بنُ شنْظِير المَازِنِيّ ، ويقال: الأَزْدِيّ ، أبو قُرّة البَصْرِيّ؛ روى عن: عطاء ، ومجاهد ، والحسن ، ومحمد وأنس ابني سيرين ، ويوسف بن أبي الحكم ، وغيرهم.
وعنه: سعيد بن أبي عروبة ، وحماد بن زيد ، وعبد الوارث بن سعيد ، وأبان بن يزيد العطار ، وحفص بن سليمان الغاضري ، وأبو عامر الخزاز ، وعباد بن عباد ، وبشر بن المفضل ، وجماعة.
قال عبد اللّه بن أحمد: سألت أبي عنه ، فقال: صالح ، ثم قال: قد روى عنه الناس(8)

واحتملوه ، وقال مرة: صالح الحديث.
وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح.
وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.
وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه ، وكان ابن مهدي يحدث عنه.
وقال أبو زرعة: لين.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال ابن عدي: أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة.
له في البخاري حديثان فقط ، أخرج مسلم أحدهما ، هو حديث جابر في السلام على المصلي ، وأبو داود ، والترمذي ، والاَخر وهو حديث جابر: (خمروا الآنية) ، وابن ماجه حديثان حديث أنس طلب العلم فريضة.
قلت(9):
وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.
وقال ابن عدي: ليس في حديثه شيء من المنكر.
وقال الأثرم: سئل أبو عبد اللّه عن كثير بن شنظير هو صحيح الحديث ، أو قيل: ثبت الحديث ، قال: لا ، ثم قال كلاماً معناه يكتب حديثه.
وقال الساجي: صدوق ، وفيه بعض الضعف ليس بذاك ، ويحتمل لصدقه.
وقال الحاكم: قول ابن معين فيه ليس بشيء هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثُه ، ربما قال فيه: ليس بشيء ، يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به.
وقال البزار: ليس به بأس.
وقال ابن حزم: ضعيف جداً).
انتهت الترجمة ، فإليك مناقشة دعوى الحاكم:
الرد على دعوى الحاكم من وجوه:
الوجه الأول: إن هذه الدعوى خلاف الظاهر ، لأنها خلاف الأصل ، وهو ما اشتهر من معنى هذه الكلمة في قول وعمل عامة المحدثين ، ومنهم ابن معين(10)
؛ فلا تقبل إلا بدليل متين(11) ؛ ولا سيما إذا كان من ادعاها مثل الحاكم ؛ فإن الحاكم - وإن كان من كبار أهل الحديث - ولكنه لم يكن من أهل الغوص على المعاني الدقيقة المحققين لصغير تفاصيلها وضيِّق فروعها ؛ بل إن له في نقده تسرعاً وأوهاماً غير قليلة وشطحات.
الوجه الثاني: إن هذا الراوي ، أعني كثير بن شنظير - كما ترى - مختلفٌ فيه بين علماء الجرح والتعديل ، فلا يلزمنا القول بأن ابن معين كان له فيه قولٌ واحد ، ولا سيما أن ابن معين له أقوال متعددة في كثير من الرواة ، فليس غريباً منه أن يكون له قولان في هذا الراوي.
فالقول أن ابن معين اختلف فيه كلامه أولى من تأويل بعض كلامه فيه بما هو خارج عن طريقة الاصطلاح ومخالف لأصل المحدثين في الكلام على الرواة ، ولا سيما أن كلمته الأخرى (صالح) ليست ببعيدة عن التجريح ، بل عدها بعض العلماء من ألفاظ التليين عند الأئمة ، وهو الظاهر ، بل عدها بعضهم إذا قالها ابن أبي حاتم أو أبوه تجريحاً.
وهذا مبني على افتراض أن الحاكم ذكر هذا التفسير في ترجمة كثير بن شنظير ، كصنيع ابن حجر.
الوجه الثالث: إن كثيراً هذا ليس مقلاً جداً ، كما مر بك.
وهذا الوجه مبني على ما بنيتُ عليه الوجهَ الثاني(12).
الوجه الرابع: إنه من المعروف أن الرواة المقلين أكثر بكثير جداً من الرواة المكثرين ، فلو كان التفسير الذي ادعاه الحاكم صحيحاً لاشتهر عن ابن معين ، لكثرة كلامه في الرواة ، مَن كان مقلاً منهم ومَن كان مكثراً(13).
وأخيراً فأنا لا أدعي أن ابن معين لم يقع منه البتةَ أنه قال في راو: (ليس بشيء) قاصداً بذلك قلة حديثه ؛ فربما وقع ذلك ؛ ولكنه على افتراض وقوعه فهو نادر بحيث لم يلتفت إليه المتقدمون سوى الحاكم.
ولذلك - وعلى افتراض التسليم بوقوعه أيضاً - فإنه لا يُقبل تفسير قول ابن معين في أحد من الرواة (ليس بشيء) بمعنى القلة ، إلا بعد قوة القرائن وانتفاء الموانع.
وانظر (لا شيء) و(حديثه ليس بشيء).
(14) وأما ابن حجر فإنه يتراءى لي أنه استأنس بهذه الكلمة استئناساً، ولم يحتج بها احتجاجاً، وأنه تساهل في نقلها ، لحاجته إليها ، ذاك لأن المعروف من عادة ابن حجر أنه إذا نقل شيئاً يرتضيه فإنه يصرح بإقراره وموافقته ، ولا سيما في الفصل التاسع من (مقدمة الفتح) فإنه فيه قائم مقام المدافع عن رجال الإمام البخاري.
وأما كلمة ابن القطان فإن ابن حجر اقتصر على نقلها عنه ونسبتِها إليه ، لم يزد على ذلك شيئاً ؛ ثم إن صنيع ابن حجر في كتبه غير موافق لهذا الأصل الذي نقله عن الحاكم وابن القطان.
__________
(1) أقول: هذا خلاف الظاهر فلا يقبل إلا بدليل ، ولا دليل ، ومن المعروف أن الرواة المقلين أكثر بكثير جداً من المكثرين ، وكلمة الحاكم هذه إما أن يكون ذكرها في ترجمة كثير هذا فتبعه في ذلك ابن حجر أو يكون قد ذكرها في ترجمة غيره وابن حجر هو الذي ذكرها في ترجمة كثير. وعلى فرض صحة هذه الدعوى التي قالها الحاكم فالحاكم ملوم في أحد الاحتمالين اللذين ذكرتهما دون الآخر ، وابن حجر ملوم على كلا الاحتمالين ، أما الحاكم فيلام إن كان ذكرها في ترجمة كثير ، لا إن كان ذكرها في ترجمة من لم يرو عنه الا نحو ثلاثة من الرواة نحو ثلاثة من الأحاديث ، وأما ابن حجر فإن كان قد سبقه الحاكم الى ذكرها في ترجمة كثير فهو ملوم لعدم التعقب ، وإلا فأولى كما هو واضح ، فلا وجه لذكرها في ترجمة كثير هذا لأنه ليس من المقلين الذين يتبادر الى الذهن عند سماع مثل كلمة ابن معين - على افتراض أن ما قاله الحاكم صحيح - انها قيلت فيهم بسبب اقلالهم. ومن روى عنه كل هؤلاء الذين ذكرهم المزي ويحتمل أن يوجد معهم غيرهم ففي وصفه بالاقلال نظر ، وكثرة كلام العلماء فيه تقوية وتضعيفاً ان لم تدل على اكثاره فهي دالة قطعاً على عدم اقلاله.
(2) وأما كلمة الحاكم في سلم بن زرير فلا دخل لها بما نحن فيه ، وإنما ذكرتها لأذكر وجهها بحسب ما ظهر لي ولأدفع ما قد يُظن من أنها مؤيدةٌ لمذهب الحاكم وابن القطان في هذه المسألة.
لم يقل الحاكم في سلم أن ابن معين قال فيه (ضعيف) وأنه يريد بذلك قلة اشتغاله بالحديث ، وإنما قال ان ابن معين ضعفه لقلة اشتغاله بالحديث ، ويظهرُ - بقليل من التأمل - أن ذلك ليس مما نحن بصدد الكلام فيه ، لأن موضوعنا هو معنى قول ابن معين (ليس بشيء) ، ليس موضوعنا قاعدة ابن معين في نقد المقلين.
إذا عُلم هذا فإنه يبقى أمر آخر ، وهو أن عبارة الحاكم هذه لا بد من توجيهها التوجيه اللائق بها ، فإنه لمن البعيد المستغرب أن يضعف إمامُ الجرح والتعديل أحداً من الرواة لمجرد قلة روايته ، ومتى كانت قلةُ الحديث عند العلماء سبباً للطعن في المقلين ؟ ولقد وثق ابن معين وأقرانه وتلامذته وغيرهم من الأئمة مئاتٍ من المقلين.
فلعل الحاكم أراد بقوله هذا أن سلماً ليس من أهل الرواية الذين يعنون بها ويضبطونها وإنما هو مقل صاحب أوهام وليس بصاحب حديث ولا الحديث من صنعته ، فيضعف لأوهامه فيه لا لمجرد قلة اشتغاله به ؛ ومن المقرر في أصول النقد أن أخطاء المقل تؤثر في حاله ملا يؤثر قدرُها في حال المكثر ، فالمكثر يُحتمل له من الخطأ ما لا يحتمل للمقل.
وبعد هذا بقي أن يقال: إن كان ما ذكره الحاكم في تعليل تضعيف ابن معين لسلم بن زرير قاله من عند نفسه من غير أن يأثرَه عن ابن معين نفسه فإنه يكون حينئذ اجتهاداً من الحاكم أو استنباطاً منه ، فليس بلازم أن يكون مصيباً فيه ، لاحتمال أن يكون قد بناه على استقراء ناقص ، واحتمال أنه كان مخطئاً في طريقة الاستنباط والاستدلال.
(3) أي مراد ابن معين.
(4) أقول: القلة والتوثيق لا تكفيان، لا بد من شيء آخر ، وهو قرينة السياق ، مثل أن يقارِن ابن معين بين قرينين فيقول: فلان مكثر ، وفلان ليس بشيء ؛ أو يُسأل عن راو مقل قليل العناية بالرواية مقروناً ببعض أقرانه من الحفاظ المكثرين ، فيجيب بقوله (ليس بشيء) أي لا يحسن أن يقارن بهؤلاء الحفاظ الأثبات المكثرين.
(5) وفي هذا الجزم نظر ، وما يبعد أن الذهبي وقف على كلام ابن القطان المتقدم أو كلام الحاكم ثم لم يرتضه ، ثم هل ثبت أن هذين كانا مقلين جداً ؟
ثم إن رد الرواية المنقطعة بل التي يرويها مع ذلك الأزدي أولى بكثير من حمل كلمة ابن معين على هذا المعنى الذي لم يثبت بدليل معتبر ، والذي يخالف قول الجمهور ، ويخالف أيضاً مذهب أبي حاتم أو ابنه ، بحسب ما يدل عليه ظاهر عبارته المذكورة في أول هذا الفصل.
(6) علق الجديع على هذا الموضع بقوله (الكامل ( 8 / 98 ) وفيه ( 8 / 97 ) نقل قوْل ابنِ معين من رواية ابن أبي مَريم عنهُ بإسناد صحيح. وهذا الرجل يَبدو أن الرواية فيه عن ابن مَعين قد تناقضت ، فقد روى عنه إسحاق بنُ منصور قوله فيه: " ثقة " ( الجرح والتعديل 4 / 1 / 331 ) ، وهوَ الصواب فيه ، وقد وثَّقه كذلك أبو حاتم الرازي وغيره. ورُبما قالَ يحيى تلك العبارة في رواية ابن أبي مريم في ( مُعلَّى ) آخر ، والله أعلم).
(7) وإن كان كثير المخالفة لأئمة الحديث في أصولهم ومنهجهم.
(8) هذه العبارة تدل على كثرة مروياته ، وهو ما يشعر به سياق ابن حجر فإنه ذكر في الرواة عنه ثمانية من كبار المحدثين ثم عطف عليهم جماعة.
بل قال المزي:
"روى عنه: أبان بن طارق, وأَبان بن يزيد العَطّار, والأسود بن شَيْبان, وبِشْر بن جَبَلة القُرَشيّ, وبِشْر بن المُفَضّل, والحارث بن نَبْهان, وحفص بن سُليمان الأسَديّ الغاضِريّ (ق), وحفص بن عمر البَزّاز, وحماد بن زيد, (خ م د ت), وحماد بن يحيى الأبَح, وسعيد بن أبي عَروبة, وصالح بن رُستم أبو عامر الخَزّاز, وعَبّاد بن عَبّاد المُهَلّبيّ, وعبد الوارث بن سعيد (خ م), وهشام بن حَسّان".
(9) هذا رمز الحافظ ابن حجر إلى انتهاء كلام المزي.
(10) قال المنذري رحمه الله في (جزئه) الذي أجاب فيه على مسائل في الجرح والتعديل (ص55):
(وأما قولهم (فلان ليس بشيء) ، ويقولون مرة: (ليس حديثه بشيء) ؛ فهذا ينظر فيه:
فإن كان الذي قيل فيه هذا قد وثقه غيرُ هذا القائل واحتج به ، فيحتمل أن يكون قولُه محمولاً على أنه ليس حديثُه بشيء يحتج به ، بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار والاستشهاد وغير ذلك.
وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهوراً بالضعف ولم يوجد من الأئمة من يحسن أمره فيكون محمولاً على أنه حديثه ليس بشيء يحتج [به] ولا يعتبر به ولا يستشهد به ؛ ويلتحق هذا بالمتروك والله عز وجل أعلم).
(11) ولا دليل ؛ فالحاكم لم يذكر مستنده فيما ادعاه ؛ وليس هو من تلامذة ابن معين ، بل بين الرجلين مفاوز.
(12) كلمة الحاكم هذه إما أن يكون ذكرها في ترجمة كثير هذا ، فتبعه في ذلك ابن حجر ، أو يكون قد ذكرها في ترجمة غيره وابن حجر هو الذي ذكرها في ترجمة كثير.
وعلى فرض صحة هذه الدعوى التي قالها الحاكم فالحاكم ملوم في أحد الاحتمالين اللذين ذكرتهما دون الآخر ، وابن حجر ملوم على كلا الاحتمالين.
أما الحاكم فيلام إن كان ذكرها في ترجمة كثير ، لا إن كان ذكرها في ترجمة مقلٍّ، كمن لم يُروَ عنه إلا نحو ثلاثة من الرواة نحو ثلاثة من الأحاديث.
وأما ابن حجر فإن كان قد سبقه الحاكم إلى ذكرها في ترجمة كثير فهو ملوم على إقراره وعدم تعقبه ، وإلا فهو ملوم من باب أولى ، كما هو واضح.
والحاصل أنه لا وجه لذكرها في ترجمة كثير هذا لأنه ليس من المقلين الذين يتبادر إلى الذهن عند سماع مثل كلمة ابن معين - على افتراض أن ما قاله الحاكم صحيح - أنها قيلت فيهم بسبب إقلالهم.
ومن روى عنه كل هؤلاء الذين ذكرهم المزي ويحتمل أن يوجد معهم غيرهم ففي وصفه بالإقلال نظر ؛ ثم إن كثرة كلام العلماء فيه تقوية وتضعيفاً إن لم تدل على إكثاره فهي دالةٌ قطعاً على عدم إقلاله

43 - باي بن أبي مسلم بن باي. أو باتي بمثناه؛ كذا وجدته بمثناه وليس بشيء، وصوابه باي بلا همز وبالتثقيل، أبو منصور الجيلي الفقيه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

43 - بايّ بن أبي مسلم بن بايّ. أو باتي بمُثَنّاه؛ كذا وجدته بمُثنّاه وليس بشيء، وصوابه بايّ بلا همز وبالتّثقيل، أبو منصور الجيليّ الفقيه. [المتوفى: 452 هـ]
قال أُبي: كان من أصحاب الشّيخ أبي حامد، سمعنا منه ببغداد.
وقال غيره: ولي قضاء ربع الكرْخ، وكان من أئمّة الشّافعيّة. روى الحديث عن ابن الجُندي.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت