نتائج البحث عن (نَهَيَ ) 43 نتيجة

نِهْيُ ابن خالِدٍ:
باليمامة وهو منهل وفيه من الأرحاء رحا ضأن ورحا إبل ورحا خيل، وقال بعض بني أسد:
سألت الرحا: أين المبيت؟ فأومأت ... إليّ الرحا أين لا تبت بالثعالب
يعني بني ثعلبة بن شمّاس.
فإن الرحا ما دام بالنهي حاضر ... لمحفوفة باللّؤم من كل جانب.
نِهْيُ تُرَبَةَ:
وهو الأخضر، ومسيرته طولا ثلاثة أيام وعرضه مسيرة يوم، قال أبو زياد: وفيه يقول القائل:
فإن الأخضر الهمجيّ رهن ... بما فعلت نفاثة والصّموت
قال أبو زياد: النهي منتهى سيل الوادي حيث ينتهي، فربما صار هناك نهي يشرب به الناس الأشهر ماء ناقعا غار في الأرض وربما شربوا به السنة، والهمجي لأن به مياها تسمّى الهماج.
نِهْيُ غُرَابٍ:قال أبو محمد الأسود الأعرابي في قول جامع بن عمرو بن مرخية:فظلّ خليلي مستكينا كأنه ... قذى في مواقي مقلتيه بقلقلأقول له مهلا ولا مهل عنده، ... ولا عند جاري دمعة المتقيّلبتأريج ذكرى من أميمة إن نأت، ... وإن تقترب يوما بها الدار ينجلوموقدها بالنهي سوق ونارها ... بذات المواشي أيما نار مصطليقال: قوله بالنهي أراد نهي غراب: وهو نهيقليب بين العبامة والعنابة في مستوى الغوطة والرمّة.
نِهْيُ الأكُفّ:
بكسر النون وتفتح، والهاء ساكنة، والياء معربة، بوزن ظبي، والأكفّ جمع كفّ، وقد ذكر معنى النهي في الذي قبله: وهو موضع في قوله:
وقلت تبيّن هل ترى بين ضارج ... ونهي الأكفّ صارخا غير أعجما

تحفة الحبائب، بالنهي عن صلاة الرغائب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحفة الحبائب، بالنهي عن صلاة الرغائب
ورقتان.
لقطب الدين: محمد بن محمد الخيضري، الشافعي، مفتي الشام.
أوله: (الحمد لله وسلام على عباده... الخ).
ألفه: سنة تسع وثمانين وثمانمائة.

تحقيق المراد، في أن النهي يقتضي الفساد

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تذكرة الأنام، في النهي عن القيام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تذكرة الأنام، في النهي عن القيام
للقاضي، عز الدين: عبد الرحيم بن محمد بن الفرات القاهري.
المتوفى: سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.
(نَهَيَ)النُّونُ وَالْهَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى غَايَةٍ وَبُلُوغٍ. وَمِنْهُ أَنْهَيْتُ إِلَيْهِ الْخَبَرَ: بَلَّغْتُهُ إِيَّاهُ. وَنِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ: غَايَتُهُ. وَمِنْهُ نَهَيْتُهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَمْرٍ يَفْعَلُهُ. فَإِذَا نَهَيْتُهُ فَانْتَهَى عَنْكَ فَتِلْكَ غَايَةُ مَا كَانَ وَآخِرُهُ. وَفُلَانٌ نَاهِيكَ مِنْ رَجُلٍ وَنَهْيُكَ، كَمَا يُقَالُ حَسْبُكَ، وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ بِجِدِّهِ وَغَنَائِهِ يَنْهَاكَ عَنْ تَطَلُّبِ غَيْرِهِ. وَنَاقَةٌ نَهِيَّةٌ: تَنَاهَتْ سِمَنًا. وَالنُّهْيَةُ: الْعَقْلُ، لِأَنَّهُ يَنْهَى عَنْ قَبِيحِ الْفِعْلِ وَالْجَمْعُ نُهًى.

وَطَلَبَ الْحَاجَةَ حَتَّى نَهِيَ عتَرَكَهَا، ظَفِرَ بِهَا أَمْ لَا، كَأَنَّهُ نَهَىنَفْسَهُ عَنْ طَلَبِهَا. وَالنَّهْيُ وَالنِّهْيُ: الْغَدِيرُ، لِأَنَّ الْمَاءَ يُنْتَهَى إِلَيْهِ. وَتَنْهِيَةُ الْوَادِي: حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ السُّيُولُ. وَيُقَالُ إِنَّ نِهَاءَ النَّهَارِ: ارْتِفَاعُهُ. فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَلِأَنَّ تِلْكَ غَايَةُ ارْتِفَاعِهِ.

وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ صَحَّ يَقُولُونَ النُّهَاءُ: الْقَوَارِيرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا. وَيُنْشِدُونَ:

تَرُضُّ الْحَصَى أَخْفَافُهُنًَّ كَأَنَّمَا...يُكَسَّرُ قَيْضٌ بَيْنَهَا وَنِهَاءُ.

7 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق:

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

7 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق:.
القرآن الكريم يوصي ويفرض ضرورة التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر، يقول سبحانه وتعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55]، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: 110]..
وإن التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي من أساليب التربية الإسلامية التي بدت خلال أحاديث المربي الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي طريقة التواصي دعوة كل مسلم إلى أن يكون مربيا يعلم أخاه المسلم، والتذكير بالخير والحق، والدعوة إليهما، والتنبيه إلى الشر والضرر والنهي عنهما، هو من صميم الأساليب التربوية الإسلامية لتنمية القيم والأخلاق الإسلامية في نفس المسلم، وفي الحديث الشريف أن أبا ذر لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاسمع من قوله، فرجع فقال: (رأيته يأمر بمكارم الأخلاق) (¬1)..
¬_________.
(¬1) رواه مسلم (2474).

ذم إفشاء السر والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم إفشاء السر والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم إفشاء السر والنهي عنه في القرآن الكريم:.
- قال تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: 83]..
قال مقاتل: (أَذاعُوا بِهِ: يعني أفشوه) (¬1)..
وقال القرطبي: (أذاعوا به: أفشوه وبثّوه في الناس) (¬2)..
قال ابن عباس: (قوله أذاعوا به، قال: «أعلنوه وأفشوه») (¬3)..
- وقال سبحانه: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: 3]..
قال القاسمي: (أشار تعالى إلى غضبه لنبيّه، صلوات الله عليه، مما أتت به من إفشاء السرّ إلى صاحبتها، ومن مظاهرتهما على ما يقلق راحته، وأن ذلك ذنب تجب التوبة منه) (¬4)..
قال القرطبي: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ: فلما أخبرت بالحديث الذي أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها وأظهره عليه) (¬5)..
- وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 27 - 28]..
قال ابن كثير: (كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون) (¬6)..
قال بعضهم: نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سرِّ المسلمين (¬7)..
وقال المراغي: (أي ولا تخونوا أماناتكم فيما بين بعضكم وبعض من المعاملات المالية وغيرها حتى الشئون الأدبية والاجتماعية، فإفشاء السر خيانة محرمة) (¬8)..
ذم إفشاء السر والنهي عنه في السنة النبوية:.
- عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (¬9)..
¬_________.
(¬1) ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (ص393)..
(¬2) ((جامع البيان في تأويل آي القرآن)) (7/ 252)..
(¬3) ((جامع البيان عن تأويل آي القرآن)) للطبري (7/ 253)..
(¬4) ((محاسن التأويل)) للقاسمي (9/ 274)..
(¬5) ((تأويل البيان عن تأويل آي القرآن)) للطبري (23 - 91)..
(¬6) ((تفسير القرآن العظيم)) (4/ 42)..
(¬7) ((جامع البيان في تأويل آي القرآن)) للطبري (11/ 120)..
(¬8) ((تفسير المراغي)) (9/ 139)..
(¬9) رواه مسلم (1437).

ذم التجسس والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم التجسس والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم التجسس والنهي عنه في القرآن الكريم:.
- نهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن التجسس في آية محكمة وصريحة تدل على حرمة هذا الفعل المشين والخصلة المذمومة, وتبين أثرها السيئ على المجتمع المسلم وعلى تماسكه وترابطه فقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: 12]..
قال ابن جرير وهو يتحدث عن تفسير هذه الآية: قوله: (ولا تجسسوا) يقول: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره وبه فاحمدوا أو ذموا، لا على ما لا تعلمونه من سرائره .. ثم ذكر أثر ابن عباس: (نهى الله المؤمن من أن يتتبع عورات المؤمن) (¬1)..
وقال الإمام البغوي: (نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها) (¬2)..
- ومن ذلك قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58]..
وأي إيذاء أكبر من تتبع عورات الناس, والبحث عن سوءاتهم, والتجسس عليهم, وإظهار ما ستره الله من ذنوبهم..
قال الشيخ ابن عثيمين: (التجسس أذية، يتأذى به المتجسس عليه، ويؤدي إلى البغضاء والعداوة ويؤدي إلى تكليف الإنسان نفسه ما لم يلزمه، فإنك تجد المتجسس والعياذ بالله، مرة هنا ومرة هنا، ومرة هنا، ومرة ينظر إلى هذا ومرة ينظر إلى هذا، فقد أتعب نفسه في أذية عباد الله) (¬3)..
- وقال تعالى وهو يتحدث عن المنافقين وعن صفاتهم: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة: 47]..
قال مجاهد: معناه وفيكم محبون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس (¬4)..
وقال الإمام القرطبي: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم (¬5)..
ذم التجسس والنهي عنه في السنة النبوية:.
ولقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن التجسس والتحذير منه, وبين أنه مفسد للأخوة, وسبب في تقطيع الأواصر والصلات, وسبيل إلى إفساد الناس:.
- فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً)) (¬6)..
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (التجسس أن لا تترك عباد الله تحت سترها فتتوصل إلى الاطلاع عليهم والتجسس عن أحوالهم وهتك الستر حتى ينكشف لك ما كان مستورا عنك) (¬7)..
¬_________.
(¬1) رواه الطبري في ((تفسيره)) (22/ 304)..
(¬2) ((تفسير البغوي)) (7/ 345)..
(¬3) ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (6/ 251 – 252)..
(¬4) ((تفسير البغوي)) (4/ 56)..
(¬5) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (8/ 157)..
(¬6) رواه البخاري (6064)، ومسلم (2563)..
(¬7) ((بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية)) لمحمد بن محمد الخادمي (2/ 295).

ذم الحسد والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم الحسد والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم الحسد والنهي عنه في القرآن:.
- قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق]..
قال الرازي: (كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد، وهو قوله: وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة) (¬1)..
وقال الحسين بن الفضل: (إنّ الله جمع الشرور في هذه الآية وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسّ الطبائع) (¬2)..
- وقال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109]،.
قال ابن عثيمين: (والآية تدل على تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة ... والحاسد لا يزداد بحسده إلا ناراً تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهاً لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد أو الحسود. مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلاً فيها؛ لأنه لابد أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة) (¬3)..
وقال الثعالبي: (وقيل: إن هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في: راعِنا [البقرة: 104] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفاراً من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمّد صلّى الله عليه وسلم) (¬4)..
وقال محمد رشيد رضا: (وقال: (حسدا من عند أنفسهم) ليبين أن حسدهم لم يكن عن شبهة دينية أو غيره على حق يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل، وإن ظهر لصاحبه الحق) (¬5)..
- وقال سبحانه: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: 54]..
قال القرطبي: (وهذا هو الحسد بعينه الذي ذمه الله تعالى) (¬6)..
وقال أبو السعود: (مفيدةٌ للانتقال من توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو شر الرذائل وأقبحها لاسيما على ما هم بمعزل من استحقاقه) (¬7)..
- وقال عز من قائل: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)..
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (والحسد مذموم وصاحبه مغموم وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ... ويقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل) (¬8)..
وقال الزجاج: (قيل: لا ينْبغي أَن يتمنى الرجل مَالَ غيره ومنْزلَ غيره، فإِن ذلك هو الحسد) (¬9)..
¬_________.
(¬1) ((مفاتيح الغيب)) (1/ 226)..
(¬2) ((الكشف والبيان)) للثعلبي (10/ 340)..
(¬3) ((تفسير الفاتحة والبقرة)) (1/ 360)..
(¬4) ((الجواهر الحسان)) (1/ 302)..
(¬5) ((تفسير المنار)) (1/ 346)..
(¬6) ((الجامع لأحكام القرآن)) (5/ 163) بتصرف يسير..
(¬7) ((إرشاد العقل السليم)) (2/ 190)..
(¬8) ((الجامع لأحكام القرآن)) (5/ 250)..
(¬9) ((معاني القرآن وإعرابه)) (2/ 45).

النهي عن السخرية والاستهزاء في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

النهي عن السخرية والاستهزاء في القرآن والسنة.
النهي عن السخرية والاستهزاء في القرآن الكريم:.
نهى الله سبحانه وتعالى عن السخرية والاستهزاء بكل أشكالها وأنواعها:.
- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11]..
قال ابن كثير: (ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، ... فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له؛ ... وقوله: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي: لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون ... وقوله: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. عن الشعبي قال: حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا. فنزلت: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ (¬1)) (¬2)..
وقال ابن جرير: (إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك) (¬3)..
- وقال سبحانه: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة: 1 - 4]..
(وَيْلٌ أي: وعيد، ووبال، وشدة عذاب لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله، فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. ومن صفة هذا الهماز اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام، ونحو ذلك) (¬4). (ولقد سجل القرآن الكريم عاقبة الساخرين والمستهزئين من المؤمنين وأخبر بانعكاس الوضعية يوم القيامة بصورة يصبح الساخرون موضع سخرية واستهزاء من طرف عباده المستضعفين في هذه الدنيا قال الحق سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: 28 - 34]) (¬5)..
النهي عن السخرية والاستهزاء في السنة النبوية:.
¬_________.
(¬1) رواه أبو داود (4962)، وابن ماجه (3030)، وأحمد (4/ 260) (18314)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6/ 466) (11516)، والطبراني (22/ 389) (968)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5/ 307) (6745). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود))..
(¬2) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (7/ 376)..
(¬3) ((جامع البيان في تأويل القرآن)) لابن جرير (22/ 376)..
(¬4) ((تيسير الكريم الرحمن)) للسعدي (ص 934)..
(¬5) ((قضايا اللهو والترفيه)) لمادون رشيد (ص 206).

ذم سوء الظن والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم سوء الظن والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم سوء الظن والنهي عنه من القرآن الكريم:.
- قال تعالى في ذم سوء الظن بالله تعالى وعاقبة من فعل ذلك: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 154.].
قال ابن القيم: (فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله .. وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله) (¬1)..
- وقال سبحانه في عاقبة من ظن به السوء: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت: 22 - 23]..
قال أبو حيان الأندلسي: (هذا الظن كفر وجهل بالله وسوء معتقد يؤدي إلى تكذيب الرسل والشك في علم الإله) (¬2)..
¬_________.
(¬1) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) لابن القيم (3/ 206) بتصرف يسير، ((فتح القدير)) للشوكاني (1/ 449)..
(¬2) ((البحر المحيط في التفسير)) لأبي حيان الأندلسي (9/ 300)

النهي عن الظلم في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

النهي عن الظلم في القرآن والسنة.
النهي عن الظلم في القرآن الكريم:.
الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها:.
- آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، قال تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ [غافر: 31]، وقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: 46]، وقال: وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ [آل عمران: 108].
(أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه؛ ولهذا قال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ [آل عمران:109] أي: الجميع ملْك له وعبيد له. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ أي: هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة) (¬1)..
- وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء: 40]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44]..
قال القرطبي: (أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا) (¬2)..
- آيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى للظالمين وتوعدهم بعقوبات في الدنيا والآخرة. يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] (يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم وأمثالهم، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (¬3)..
- وقوله تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: 42] وقال الله تعالى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18].
(أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير) (¬4)..
- وقال تعالى وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير [الحج:71] ألا لعنة الله على الظالمين [هود:18] وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر:24].
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: 51]..
- آيات جاء فيها وصف المعاصي بالظلم: ومنها قوله تعالى: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق: 1] وقوله تعالى: إنَّ الَذِينَ يَاًكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. [النساء: 10].
النهي عن الظلم في السنة النبوية:.
- عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا ... )) (¬5)..
¬_________.
(¬1) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (2/ 93)..
(¬2) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (5/ 195)..
(¬3) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (4/ 349)..
(¬4) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (7/ 137)..
(¬5) رواه مسلم (2577).

ذم العجب والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم العجب والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم العجب والنهي عنه من القرآن الكريم:.
أما العجب في القرآن الكريم فقد وردت فيه عدة آيات تبين خطره, وتنبه على أنه آفة تجر وراءها آفات دنيوية وعقوبات أخروية, فمن تلك الآيات:.
- قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: 25]..
(قال جعفر: استجلاب النصر في شيء واحد، وهو الذلة والافتقار والعجز ... وحلول الخذلان بشيء واحد وهو العجب ... ) (¬1)..
- وقال الله تبارك وتعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: 32 - 36]..
قال ابن عاشور رحمه الله: (ضرب مثلا للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمثل رجلين كان حال أحدهما معجبا مؤنقا وحال الآخر بخلاف ذلك فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تبابا وخسارة، وكانت عاقبة الآخر نجاحا، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الإرزاء، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسنن الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضا للصلاح والنجاح) (¬2)..
- وقال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: 37 - 38]..
يقول العز بن عبد السلام: (زجره عن التطاول الذي لا يدرك به غرضاَ، أو يريد: كما أنك لا تخرق الأرض ولا تبلغ الجبال طولاً فلذلك لا تبلغ ما تريده بكبرك وعجبك, إياساً له من بلوغ إرادته) (¬3)..
- وقال الله تبارك وتعالى: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: 18].
قال الإمام بن كثير رحمه الله:.
(لَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النَّاسِ إِذَا كَلَّمْتَهُمْ أَوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقَارًا مِنْكَ لَهُمْ وَاسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَلِنْ جَانِبَكَ وَابْسُطْ وَجْهَكَ إِلَيْهِمْ ... وقوله تعالى: ولا تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً أي خيلاء مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا عَنِيدًا، لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ يُبْغِضُكَ اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ أَيْ مُخْتَالٍ مُعْجَبٍ فِي نَفْسِهِ فَخُورٍ أَيْ عَلَى غَيْرِهِ)) (¬4)..
- وقال الله تبارك وتعالى: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 49]..
ذم العجب والنهي عنه من السنة النبوية:.
¬_________.
(¬1) ((تفسير السلمي)) (1/ 272)..
(¬2) ((التحرير والتنوير)) (15/ 315)..
(¬3) ((تفسير العز بن عبد السلام)) (2/ 219)..
(¬4) ((تفسير ابن كثير)) (6/ 339).

ذم الغدر والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم الغدر والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم الغدر والنهي عنه في القرآن الكريم:.
- قال تعالى: وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ [النحل: 92]..
قال ابن كثير: ( ... لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده، ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فانصدّ بسببه عن الدخول في الإسلام) (¬1)..
وقال ابن زيد، في قوله: تتخذون أيمانكم دخلا بينكم [النحل: 92] يغر بها، يعطيه العهد يؤمنه وينزله من مأمنه، فتزل قدمه وهو في مأمن، ثم يعود يريد الغدر، دَخَلا بَيْنَكُمْ [النحل: 92] قَالَ قَتَادَةُ: خِيَانَةً وَغَدْرًا (¬2)..
وقال المراغي: (أي تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتم- خديعة وغروراً ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر وترك الوفاء بالعهد، والنّقلة إلى غيرهم من أجل أنهم أكثر منهم عدداً وعدداً وأعز نفراً، بل عليكم بالوفاء بالعهود والمحافظة عليها في كل حال) (¬3)..
- قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 91]..
قال الطبري: (إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحق مما لا يكرهه الله) (¬4)..
قال الماوردي: (لا تنقضوها بالغدر بعد توكيدها بالوفاء) (¬5)..
- قوله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: 58]..
قال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ قد عاهدتهم خِيَانَةً أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي: عهدهم عَلَى سَوَاءٍ أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك) (¬6)..
وقال العلامة السعدي: (وإذا كان بينك وبين قوم عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه لا عهد بينك وبينهم. عَلَى سَوَاءٍ أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيءٍ مما منعه موجب العهد، حتى تخبرهم بذلك. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ بل يبغضهم أشد البغض، فلا بد من أمر بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة ... ودل مفهومها أيضاً أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته) (¬7)..
- قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً [الإسراء: 34]..
قال القاسمي: (لا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموهم، فتخفروها وتغدروا بمن أعطيتموه إياها) (¬8)..
¬_________.
(¬1) ((تفسير القرآن العظيم)) (4/ 600)..
(¬2) ((جامع البيان في تأويل آي القرآن)) للطبري (14/ 346)..
(¬3) ((تفسير المراغي)) (14/ 134)..
(¬4) ((جامع البيان في تأويل آي القرآن)) (14/ 340)..
(¬5) ((النكت والعيون)) (3/ 210)..
(¬6) ((تفسير القرآن العظيم)) (4/ 79)..
(¬7) ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)) (ص324)..
(¬8) ((محاسن التأويل)) (6/ 460).

ذم الغش والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم الغش والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم الغش والنهي عنه في القرآن الكريم:.
- وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10]..
قال الماوردي: (في الغل وجهان: أحدهما: الغش , قاله مقاتل. الثاني: العداوة , قاله الأعمش) (¬1)..
وقال الواحدي (¬2) وذكره البغوي أيضاً (¬3): (أي: غشًا وحسدًا وبغضًا)..
- قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]..
قال المراغي: (أمانة العبد مع الناس، ومن ذلك رد الودائع إلى أربابها وعدم الغش وحفظ السر ونحو ذلك) (¬4)..
قال صاحب تفسير المنار: (والأمانة حقٌّ عند المكلف يتعلَّق به حقُّ غيره ويُودِعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير؛ كالمال والعلم، سواء كان المودَع عنده ذلك الحق قد تَعاقَد مع المودِع على ذلك بعقد قولي خاص صرَّح فيه ... أم لم يكن كذلك، فإن ما جرى عليه التعامُل بين الناس في الأمور العامَّة هو بمثابة ما يَتعاقَد عليه الأفراد في الأمور الخاصة) (¬5)..
- وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [المائدة: 13]..
قال مقاتل: (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ: وهو الغش للنبيّ صلى الله عليه وسلم) (¬6)..
قال الواحدي: (أي: على خيانة، قال مقاتل: يعني بالخيانة: الغش للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (¬7)..
- وقال تعالى: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ [النحل: 92]..
قال الواحدي: (الدخل والدغل: الغش والخيانة، قال الزجاج: غشا ودغلاً) (¬8)..
وقال الماوردي: (الدخل: الغل والغش) (¬9)..
- وقال تعالى: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الأعراف:43]..
قال السمعاني: (الغل: الْغِشّ والحقد) (¬10)..
قال مقاتل: (يعني ما كان فِي الدُّنْيَا فِي قلوبهم من غش، يعني بعضهم لبعض) (¬11)..
وقال البغوي: (من غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا) (¬12)..
ذم الغش والنهي عنه في السنة النبوية:.
- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا. فقال: ((ما هذا يا صاحب الطّعام؟ قال: أصابته السّماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطّعام كي يراه النّاس؟ من غشّ فليس منّي)) (¬13)..
قال الخطابي: (معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي) (¬14)..
قال القاضي عياض: (معناه بيّن في التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئاً من أمرهم واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم) (¬15)..
قال العظيم آبادي: (والحديث دليلٌ على تحريم الغشِّ وهو مُجمَع عليه) (¬16)..
وقال الغزالي: (يدل على تحريم الغش ... ) (¬17)..
¬_________.
(¬1) ((النكت والعيون)) (5/ 507)..
(¬2) ((التفسير الوسيط)) (4/ 275)..
(¬3) ((معالم التنزيل في تفسير القرآن)) للماوردي (8/ 79)..
(¬4) ((تفسير المراغي)) (5/ 70)..
(¬5) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (5/ 138)..
(¬6) ((تفسير مقاتل)) (1/ 461)..
(¬7) ((التفسير الوسيط)) (2/ 167)..
(¬8) ((التفسير الوسيط)) (3/ 80)..
(¬9) ((النكت والعيون)) (3/ 211)..
(¬10) ((تفسير القرآن)) (2/ 183)..
(¬11) ((تفسير مقاتل)) (2/ 27)..
(¬12) ((معالم التنزيل في تفسير القرآن)) (3/ 229)..
(¬13) رواه مسلم (102)..
(¬14) ((معالم السنن)) (3/ 118)..
(¬15) ((المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)) للنووي (2/ 166)..
(¬16) ((عون المعبود شرح سنن أبي داود))؛ للعظيم آبادي (9/ 231).
(¬17) ((إحياء علوم الدين)) (2/ 75).

النهي عن الغضب في السنة النبوية

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

النهي عن الغضب في السنة النبوية.
- عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: ((لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب)) (¬1)..
قال الخطابي: (معنى قوله لا تغضب اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه) (¬2)..
وقال ابن التين: (جمع صلى الله عليه وسلم في قوله لا تغضب خير الدنيا والآخرة لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين) (¬3)..
وقال البيضاوي: (لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته ومن غضبه وكانت شهوة السائل مكسورة فلما سأل عما يحترز به عن القبائح نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره وأنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه) (¬4)..
وقال الباجي في (المنتقى): (قول السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم علمني كلمات أعيش بهن يحتمل أن يريد به أنتفع بها مدة عيشي، ويحتمل أن يريد به والله أعلم أستعين بها على عيشي، ولا تكثر علي فأنسى، ولعله عرف من نفسه قلة الحفظ فأراد الاختصار الذي يحفظه ولا ينساه فجمع له النبي صلى الله عليه وسلم الخير في لفظ واحد فقال له لا تغضب، ومعنى ذلك والله أعلم أن الغضب يفسد كثيرا من الدين؛ لأنه يؤدي إلى أن يؤذي ويؤذى، وأن يأتي في وقت غضبه من القول والفعل ما يأثم به ويؤثم غيره ويؤدي الغصب إلى البغضة التي قلنا إنها الحالقة والغضب أيضا يمنعه كثيرا من منافع دنياه ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تغضب يريد والله أعلم لا تمض ما يبعثك عليه غضبك وامتنع منه وكف عنه) (¬5)..
وقال ابن رجب في شرحه للحديث: (فهذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها؛ لكثرتها، فوصَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا يغضب، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مراراً، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يردِّدُ عليه هذا الجوابَ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير) (¬6)..
- وعن سليمان بن صرد قال: ((استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لست بمجنون)) (¬7)..
- وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (¬8)..
- وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يصطرعون فقال: ((ما هذا قالوا فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه قال أفلا أدلكم على من هو أشد منه رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه)) (¬9)..
(جعل الرسول صلى الله عليه وسلم البطولة في الناس ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب، وعرَّف الصُّرَعة من الرجال وهو بطل المصارعة، بأنه الذي يملك نفسه عند الغضب..
وأن ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب بطولة لا يستطيعها إلا الأشداء أقوياء الإرادة، والمؤمنون أقوياء الإيمان، فليس من السهل إذا غضب الإنسان أن يضبط نفسه ويكظم غيظه، ويكف عن الانتقام ممن أغضبه أو غاظه)
(¬10)..
- وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ((أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا)) (¬11)..
قال ابن رجب: (وهذا عزيز جداً، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول) (¬12)..
¬_________.
(¬1) رواه البخاري (6116)..
(¬2) ((فتح الباري)) لابن حجر (10/ 520)..
(¬3) ((فتح الباري)) لابن حجر (10/ 520)..
(¬4) ((فتح الباري)) لابن حجر (10/ 520)..
(¬5) ((المنتقى شرح الموطا)) للباجي (7/ 214)..
(¬6) ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/ 362)..
(¬7) رواه البخاري (6115)، ومسلم (2610)..
(¬8) رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609)..
(¬9) رواه البزار (13/ 475)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (1/ 329) (52). قال الهيثمي في ((المجمع)) (8/ 71): فيه شعيب بن بيان وعمران القطان، وثقهما ابن حبان وضعفهما غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسن سنده الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (3295)..
(¬10) ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) لعبد الرحمن حبنكة الميداني. (2/ 329)..
(¬11) رواه النسائي (1305)، وأحمد (4/ 264) (18351) من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه. وصحح إسناده الحاكم (1/ 705)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1301)..
(¬12) ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (1/ 372).

ذم الغيبة والنهي عنها في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم الغيبة والنهي عنها في القرآن والسنة.
ذم الغيبة والنهي عنها من الكتاب:.
- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12]..
قال الشوكاني: فهذا نهي قرآني عن الغيبة مع إيراد مثل لذلك يزيده شدة وتغليظاً، ويوقع في النفوس من الكراهة والاستقذار لما فيه ما لا يقادر قدره، فإن أكل لحم الإنسان من أعظم ما يستقذره بنو آدم جبلة وطبعاً، ولو كان كافراً أو عدواً مكافحاً، فكيف إذا كان أخاً في النسب أو في الدين؟ فإن الكراهة تتضاعف بذلك، ويزداد الاستقذار فكيف إذا كان ميتاً؟! فإن لحم ما يستطاب ويحل أكله يصير مستقذراً بالموت، لا يشتهيه الطبع، ولا تقبله النفس، وبهذا يعرف ما في هذه الآية من المبالغة في تحريم الغيبة، بعد النهي الصريح عن ذلك (¬1)..
- وقال تعالى: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [الهمزة:1]..
قال مقاتل بن سليمان: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اغتابه من خلفه) (¬2)..
(وَقَالَ قَتَادَةُ: يَهْمِزُهُ وَيَلْمِزُهُ بِلِسَانِهِ وَعَيْنِهِ، وَيَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ، ويطعنُ عَلَيْهِمْ) (¬3)..
- وقال تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36]..
قال الرازي: (الْقَفْوَ هُوَ الْبُهْتُ وَأَصْلُهُ مِنَ الْقَفَا، كَأَنَّهُ قَوْلٌ يُقَالُ خَلْفَهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْغِيبَةِ وَهُوَ ذِكْرُ الرَّجُلِ فِي غِيبَتِهِ بِمَا يَسُوءُهُ) (¬4)..
(وقيل: القَفْوُ: هو البهت، وأصله من القَفَا؛ كأنه يقال: خلفه، وهو في معنى الغيبة) (¬5)..
- قال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: 55]..
ذم الغيبة والنهي عنها من السنة:.
- عن ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنه قال: ((مَرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَما يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ثمَّ قَالَ بَلى أما أحَدُهُمَا فَكانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ وَأمَّا الآخَرُ فَكانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ. قَالَ ثُمَّ أخَذَ عُودا رَطْبا فكَسَرَهُ باثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا .. )) (¬6)..
¬_________.
(¬1) ((الفتح الرباني)) للشوكاني (11/ 5567 - 5568)..
(¬2) ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (4/ 837)..
(¬3) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (8/ 481)..
(¬4) ((مفاتيح الغيب)) للرازي (20/ 339)..
(¬5) ((اللباب في علوم الكتاب)) لأبي حفص الحنبلي (12/ 282)..
(¬6) رواه البخاري (6052)، ومسلم (292).

ذم الكبر والنهي عنه في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم الكبر والنهي عنه في القرآن والسنة.
ذم الكِبْرِ والنهي عنه من القرآن الكريم:.
ورد ذكر الكبر في القرآن في أكثر من موضع كلها تذمه وتذم المتخلقين به, وتمدح تاركيه, وتبين أنه سبب في هلاك الأمم ودمار القرى:.
- فالكبر يعتبر من أول الذنوب التي عصي الله تبارك وتعالى بها, قال الله تعالى مبيناً سبب امتناع إبليس عن السجود لآدم: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34]..
قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: (وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق) (¬1)..
وقال عوف بن عبد الله للفضل بن المهلب: إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: 34] (¬2)..
- والكبر سبب رئيس في هلاك الأمم السابقة: فهؤلاء قوم نوح ما منعهم عن قبول الدعوة والاستماع لنداء الفطرة والإيمان إلا الكبر فقد قال الله تعالى على لسان نبيهم نوح عليه السلام: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: 7]..
وهؤلاء قوم عاد ظنوا بسبب تكبرهم أنهم أقوى من في الوجود فقد قال الله عنهم: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [فصلت: 15 – 17]..
ويأتي ثمود من بعدهم فينهجون نفس النهج في الاستكبار والتعالي, فيردون دعوة الله عز وجل ويكذبون نبيه عليه السلام: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف: 75 - 76]..
وقال الله تعالى عن قوم نبي الله شعيب عليه السلام: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [الأعراف: 88]..
¬_________.
(¬1) ((جامع البيان)) للطبري (1/ 510)..
(¬2) ((مفاتيح الغيب)) (3/ 645).

النهي عن نقض العهد في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

النهي عن نقض العهد في القرآن والسنة.
ذم نقض العهد والنهي عنه من الكتاب:.
- قال تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [التوبة: 12]..
قال السدي: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام وطعنوا فيه، فقاتلوهم (¬1)..
وقال القرطبيُّ: (إذا حارب الذمي نقضَ عهدَه، وكان ماله وولده فيئا معه) (¬2)..
وقال الرازي: وإن نكثوا أيمانهم أي نقضوا عهودهم (¬3)..
- وقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [البقرة: 27]..
قال الطبري: وما يضل به إلا التاركين طاعة الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم في الكتب التي أنزلها إلى رسله وعلى ألسن أنبيائه باتباع أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبا عندهم أنه رسول من عند الله مفترضة طاعته. وترك كتمان ذلك لهم ونكثهم ذلك، ونقضهم إياه هو مخالفتهم الله في عهده إليهم فيما وصفت أنه عهد إليهم بعد إعطائهم ربهم الميثاق بالوفاء بذلك كما وصفهم به جل ذكره (¬4)..
وقال السدي: هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه (¬5)..
وقال السعدي: وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق (¬6)..
- وقال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 155]..
قال ابن كثير: وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم (¬7)..
قال ابن عباس: (هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه) (¬8)..
قال الزمخشري: وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك (¬9)..
قال الخازن: (فبسبب نقضهم ميثاقهم لعناهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا) (¬10)..
- وقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 13]..
¬_________.
(¬1) ((جامع البيان في تأويل آي القرآن)) للطبري (11/ 364)..
(¬2) ((الجامع لأحكام القرآن)) (8/ 83)..
(¬3) ((مفاتيح الغيب)) (15/ 534)..
(¬4) ((جامع البيان في تأويل آي القرآن)) للطبري (1/ 438)..
(¬5) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (1/ 211)..
(¬6) ((تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)) (1/ 47)..
(¬7) ((تفسير القرآن العظيم)) (2/ 447)..
(¬8) رواه الطبري في ((تفسيره)) (10/ 126)..
(¬9) ((الكشاف)) للزمخشري (1/ 585)..
(¬10) ((لباب التأويل في معاني التنزيل)) (1/ 443).

ذم النميمة والنهي عنها في القرآن والسنة

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

ذم النميمة والنهي عنها في القرآن والسنة.
ذم النميمة والنهي عنها من القرآن الكريم:.
- قال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 10 - 13]..
نجد بأن الله سبحانه وتعالى أورد عدة صفات للنمام في هذه الآية، وهي كما يلي:.
1 - حلاف: أي أن النمام كثير الحلف، وهو يعلم أن الناس لا يثقون به ولا يصدقونه لأنه كاذب، فهو بذلك يكثر الحلف ليدفع عن نفسه الكذب، يستقطب ثقة الناس بها..
2 - مهين: فالنمام هين في نفسه هين عند الآخرين، فلا يحترمه أحد..
3 - هماز: يعيب الناس ويهمزهم بالقول والإشارة..
4 - مشاء بنميم: أي كثير المشي بالنميمة بين الناس، وبما يفسد معيشتهم وقلوبهم، ويقطع صلاتهم، ويذهب محبتهم لبعضهم..
5 - مناع للخير: كثير المنع للخير عن نفسه وعن الآخرين، بل حتى منع عن نفسه الإيمان فلم يصل إلى قلبه..
6 - معتد: تجاوز العدل والحق. وهو يعتدي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين..
7 - أثيم: أي يعمل الآثار ويرتكب الذنوب والمعاصي..
8 - عتل: أي شديد الفضاضة والقسوة، أي أنه شخص كريه من جميع الجوانب..
9 - زنيم: أي أنه مشهور بخبثه ولؤمه وشره..
قال ابن حجر: (أي: دعيٍّ، واستنبط منه ابن المبارك أنّ ولد الزّنا لا يكتم الحديث، فعدم كتمه المستلزم للمشي بالنّميمة دليلٌ على أنّ فاعل ذلك ولد زنا) (¬1)..
- وَقَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1]..
(قيل: اللّمزة: النّمّام. عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: من هؤلاء هم الذين بدأهم الله بالويل؟ قال: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون أكبر العيب) (¬2)..
وقال مقاتل: (فأما «الهمزة» فالذي ينم الكلام إلى الناس وهو النمام) (¬3)..
- وَقَالَ تَعَالَى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4]..
(قيل كانت نمّامةٌ حمّالةٌ للحديث إفسادًا بين النّاس، وسمّيت النّميمة حطبًا؛ لأنّها تنشر العداوة بين النّاس كما أنّ الحطب ينشر النّار..
قال مجاهد: يعني حمالة النميمة، تمشي بالنميمة)
(¬4)..
- وَقَالَ تَعَالَى: فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:10]..
(أي؛ لأنّ امرأة نوحٍ كانت تقول عنه مجنونٌ، وامرأة لوطٍ كانت تخبر قومها بضيفانه حتّى يقصدوهم لتلك الفاحشة القبيحة الّتي اخترعوها حتّى أهلكتهم بذلك العذاب الفظيع) (¬5)..
ذم النميمة والنهي عنها من السنة النبوية:.
- عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة نمام))، وفي رواية ((قتات)) (¬6)..
وبيّن ابن الملقن المراد بعدم دخول الجنة للنمام بقوله: (وحمل على ما إذا استحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا يدخلها دخول الفائزين) (¬7)..
قال ابن بطال: (قال أهل التأويل: الهماز الذي يأكل لحوم الناس، ويقال: هم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت. والقتات: النمام عند أهل اللغة) (¬8)..
¬_________.
(¬1) ((الزواجر عن اقتراف الكبائر) لابن حجر الهيتمي (2/ 34)..
(¬2) ((جامع البيان في تأويل القرآن)) للطبري (24/ 596)..
(¬3) ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (4/ 839)..
(¬4) ((تفسير مجاهد)) لمجاهد بن جبر (ص759)..
(¬5) ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) لابن حجر الهيتمي (2/ 34)..
(¬6) رواه مسلم (105)..
(¬7) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) لابن الملقن (1/ 531)..
(¬8) ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (9/ 249).

وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الأَْمْرُ فِي اللُّغَةِ: كَلاَمٌ دَالٌّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْل، أَوْ قَوْل الْقَائِل لِمَنْ دُونَهُ: افْعَل.
وَأَمَرْتُ بِالْمَعْرُوفِ: أَيْ بِالْخَيْرِ وَالإِْحْسَانِ.
وَيَقُول ابْنُ الأَْثِيرِ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُل مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ، وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُقَبَّحَاتِ. وَهُوَ مِنَ
الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ، إِذَا رَأَوْهُ لاَ يُنْكِرُونَهُ (1) .
وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الأَْمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَدِينِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَصْل الْمَعْرُوفِ: كُل مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِعْلُهُ جَمِيلاً غَيْرَ مُسْتَقْبَحٍ عِنْدَ أَهْل الإِْيمَانِ، وَلاَ يَسْتَنْكِرُونَ فِعْلَهُ.
أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِي اللُّغَةِ ضِدُّ الأَْمْرِ، وَهُوَ قَوْل الْقَائِل لِمَنْ دُونَهُ: لاَ تَفْعَل.
وَالْمُنْكَرُ لُغَةً: الأَْمْرُ الْقَبِيحُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمُنْكَرُ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
فَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الاِصْطِلاَحِ: طَلَبُ الْكَفِّ عَنْ فِعْل مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (2) .
هَذَا، وَقَدْ عَرَّفَ الزُّبَيْدِيُّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ بِقَوْلِهِ: هُوَ مَا قَبِلَهُ الْعَقْل، وَأَقَرَّهُ الشَّرْعُ، وَوَافَقَ كَرَمَ الطَّبْعِ. وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ: هُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحِسْبَةُ:
2 - الاِحْتِسَابُ فِي اللُّغَةِ: الْعَدُّ وَالْحِسَابُ وَنَحْوُهُ، وَمِنْهُ احْتِسَابُ الأَْجْرِ عِنْدَ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبُهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَهُ (3) أَيِ: احْتَسَبَ الأَْجْرَ بِصَبْرِهِ عَلَى مُصِيبَتِهِ بِهِ، قَال
صَاحِبُ اللِّسَانِ: مَعْنَاهُ عَدَّ مُصِيبَتَهُ بِهِ فِي جُمْلَةِ بَلاَيَا اللَّهِ الَّتِي يُثَابُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا.
وَفِي الشَّرِيعَةِ يَتَنَاوَل كُل مَشْرُوعٍ يُؤَدَّى لِلَّهِ تَعَالَى، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، إِلَخْ، وَلِهَذَا قِيل: الْقَضَاءُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِسْبَةِ.
قَال التَّهَانُوِيُّ: وَاخْتَصَّ فِي الْعُرْفِ بِأُمُورٍ، مِنْهَا: إِرَاقَةُ الْخَمْرِ وَكَسْرُ الْمَعَازِفِ وَإِصْلاَحُ الشَّوَارِعِ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ. (4)
وَالْحِسْبَةُ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ مِمَّا لَيْسَ مِنِ اخْتِصَاصِ الْوُلاَةِ وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِمْ.
وَمِمَّا يُقَارِبُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ - النُّصْحُ وَالإِْرْشَادُ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَهُمَا فِي مُصْطَلَحِ (إِرْشَاد) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحَكَى الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَتَطَابَقَتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَأَحَادِيثُ الرَّسُول ﷺ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ. (5)
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}} . (6)
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ
بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ. (7)
قَال الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ أَصْل الدِّينِ، وَأَسَاسُ رِسَالَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَوْ طُوِيَ بِسَاطُهُ، وَأُهْمِل عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ، لَتَعَطَّلَتِ النُّبُوَّةُ وَاضْمَحَلَّتِ الدِّيَانَةُ، وَعَمَّتِ الْفَوْضَى، وَهَلَكَ الْعِبَادُ. (8)
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حُكْمِهِ، هَل هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَوْ نَافِلَةٌ؟ أَوْ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ تَابِعًا لِقَاعِدَةِ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ. عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:
الْمَذْهَبُ الأَْوَّل: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْل السُّنَّةِ، وَبِهِ قَال الضَّحَّاكُ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَالطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي مَوَاضِعَ:
أ - إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِهِ إِلاَّ هُوَ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِزَالَتِهِ.
ب - مَنْ يَرَى الْمُنْكَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ يَرَى الإِْخْلاَل بِشَيْءٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ.
ج - وَالِي الْحِسْبَةِ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، لاِخْتِصَاصِهِ بِهَذَا الْفَرْضِ. (9)
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ نَافِلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ شُبْرُمَةَ.
الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيل، وَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: إِنَّ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ يَكُونُ وَاجِبًا فِي الْوَاجِبِ فِعْلُهُ أَوْ فِي الْوَاجِبِ تَرْكُهُ، وَمَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبِ فِعْلُهُ أَوْ فِي الْمَنْدُوبِ تَرْكُهُ هَكَذَا، وَهُوَ رَأْيُ جَلاَل الدِّينِ الْبُلْقِينِيِّ وَالأَْذْرَعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (10)
الْقَوْل الثَّانِي: فَرَّقَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بَيْنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَال: إِنَّ الأَْمْرَ بِالْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَبِالنَّافِلَةِ نَافِلَةٌ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَكُلُّهُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَيَجِبُ النَّهْيُ عَنْ جَمِيعِهِ. (11)
الْقَوْل الثَّالِثُ: لاِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ وَعِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ، قَالُوا: إِنَّ مَقْصُودَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَزُول وَيَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، أَوْ يَقِل وَإِنْ لَمْ يَزُل بِجُمْلَتِهِ، أَوْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَخْلُفَهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَالأَْوَّلاَنِ مَشْرُوعَانِ، وَالثَّالِثُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَالرَّابِعُ مُحَرَّمٌ. (12)
أَرْكَانُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
4 - عَقَدَ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَبْحَثًا جَيِّدًا لأَِرْكَانِهِ، وَحَاصِلُهُ مَا يَلِي: الأَْرْكَانُ اللاَّزِمَةُ لِلأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ:
(أ) الأَْمْرُ.
(ب) مَا فِيهِ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (الْمَأْمُورُ فِيهِ) .
(ج) نَفْسُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (الصِّيغَةُ) .
(د) الْمَأْمُورُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ لِكُل رُكْنٍ مِنَ الأَْرْكَانِ شُرُوطُهُ الْخَاصَّةُ بِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلاً: الآْمِرُ وَشُرُوطُهُ:
أ - التَّكْلِيفُ، وَلاَ يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ، فَإِنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لاَ يَلْزَمُهُ أَمْرٌ، وَمَا ذُكِرَ يُرَادُ بِهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا إِمْكَانُ الْفِعْل وَجَوَازُهُ فَلاَ يَسْتَدْعِي إِلاَّ الْعَقْل.
ب - الإِْيمَانُ، وَلاَ يَخْفَى وَجْهُ اشْتِرَاطِهِ، لأَِنَّ هَذَا نُصْرَةٌ لِلدِّينِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لأَِصْلِهِ وَمِنْ أَعْدَائِهِ.
ج - الْعَدَالَةُ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّرْطِ، فَاعْتَبَرَهَا قَوْمٌ، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}} (13) . وقَوْله تَعَالَى: {{كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ}} (14) . وَقَال آخَرُونَ: لاَ تُشْتَرَطُ فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعِصْمَةُ مِنَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا، وَإِلاَّ كَانَ خَرْقًا لِلإِْجْمَاعِ، وَلِهَذَا قَال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلاَّ مَنْ لاَ يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ. وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فَأَعْجَبَهُ.
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الرَّأْيِ بِأَنَّ لِشَارِبِ الْخَمْرِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَكَذَلِكَ ظَالِمُ الْيَتِيمِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ لاَ فِي عَهْدِ الرَّسُول ﷺ وَلاَ بَعْدَهُ.
ثَانِيًا: مَحَل الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَشُرُوطُهُ:
أ - كَوْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعْرُوفًا فِي الشَّرْعِ، وَكَوْنُ
الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَحْظُورَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرْعِ.
ب - أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْحَال، وَهَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا فُرِغَ مِنْهُ.
ج - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِغَيْرِ تَجَسُّسٍ، فَكُل مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ لاَ يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: {{وَلاَ تَجَسَّسُوا}} (15) وَقَال: {{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}} (16) وَقَال: {{لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}} . (17)
د - أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ مُعْتَبَرٍ، فَكُل مَا هُوَ مَحَل اجْتِهَادٍ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلإِْنْكَارِ، بَل يَكُونُ مَحَلًّا لِلإِْرْشَادِ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِرْشَاد) . (18)
ثَالِثًا: الشَّخْصُ الْمَأْمُورُ أَوِ الْمَنْهِيُّ:
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَصِيرُ الْفِعْل الْمَمْنُوعُ مِنْهُ فِي حَقِّهِ مُنْكَرًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، إِذْ لَوْ شَرِبَ الصَّبِيُّ الْخَمْرَ مُنِعَ مِنْهُ وَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْل الْبُلُوغِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُمَيِّزًا، فَالْمَجْنُونُ أَوِ الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ لَوْ وُجِدَا يَرْتَكِبَانِ مُنْكَرًا لَوَجَبَ مَنْعُهُمَا مِنْهُ.
رَابِعًا: نَفْسُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
وَلَهُ دَرَجَاتٌ وَآدَابٌ. أَمَّا الدَّرَجَاتُ فَأَوَّلُهَا التَّعْرِيفُ، ثُمَّ النَّهْيُ، ثُمَّ الْوَعْظُ وَالنُّصْحُ، ثُمَّ التَّعْنِيفُ، ثُمَّ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ، ثُمَّ التَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ إِيقَاعُ الضَّرْبِ، ثُمَّ شَهْرُ السِّلاَحِ، ثُمَّ الاِسْتِظْهَارُ فِيهِ بِالأَْعْوَانِ وَالْجُنُودِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. (19)
مَرَاتِبُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
5 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَرَاتِبَ الأَْسَاسِيَّةَ لِلأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ثَلاَثٌ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (20)
فَمِنْ وَسَائِل الإِْنْكَارِ التَّعْرِيفُ بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَخَاصَّةً لأَِصْحَابِ الْجَاهِ وَالْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَلِلظَّالِمِ الْمَخُوفِ شَرُّهُ، فَهُوَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِهِ الْمَوْعِظَةَ. وَأَعْلَى الْمَرَاتِبُ الْيَدُ، فَيَكْسِرُ آلاَتِ الْبَاطِل وَيُرِيقُ الْمُسْكِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُهُ، وَيَنْزِعُ الْمَغْصُوبَ، وَيَرُدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا انْتَهَى الأَْمْرُ بِذَلِكَ إِلَى شَهْرِ السِّلاَحِ رَبَطَ الأَْمْرَ بِالسُّلْطَانِ.
وَقَدْ فَصَّل الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ مَرَاتِبَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ
وَقَسَّمَهَا إِلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ، تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حِسْبَة) .
هَذَا وَيَجِبُ قِتَال الْمُقِيمِينَ عَلَى الْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ، الْمُصِرِّينَ عَلَيْهَا الْمُجَاهِرِينَ بِهَا عَلَى كُل أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَرْتَدِعُوا - وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ - لأَِنَّنَا مَأْمُورُونَ بِوُجُوبِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ، وَالنَّكِيرِ بِمَا أَمْكَنَ بِالْيَدِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْ بِلِسَانِهِ، وَذَلِكَ إِذَا رَجَا أَنَّهُ إِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْل أَنْ يَزُولُوا عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. فَلَوْ قَدَرَ وَاحِدٌ بِالْيَدِ وَآخَرُونَ بِاللِّسَانِ تَعَيَّنَ عَلَى الأَْوَّل، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّأْثِيرُ بِاللِّسَانِ أَقْرَب، أَوْ أَنَّهُ يَتَأَثَّرُ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فِي حِينِ لاَ يَتَأَثَّرُ بِذِي الْيَدِ إِلاَّ ظَاهِرًا فَقَطْ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى ذِي اللِّسَانِ حِينَئِذٍ.
6 - وَلاَ يَسْقُطُ الإِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ أَصْلاً، إِذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَلَّفُ عَنِ الإِْنْكَارِ بِاللِّسَانِ وَقَدَرَ عَلَى التَّعْبِيسِ وَالْهَجْرِ وَالنَّظَرِ شَزْرًا لَزِمَهُ، وَلاَ يَكْفِيهِ إِنْكَارُ الْقَلْبِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْكَرَ بِالْقَلْبِ وَاجْتَنَبَ صَاحِبَ الْمَعْصِيَةِ. قَال ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَاهِدُوا الْكُفَّارَ بِأَيْدِيكُمْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا إِلاَّ أَنْ تَكْفَهِرُّوا فِي وُجُوهِهِمْ فَافْعَلُوا (21) .
أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَى الْقِيَامِ بِالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
7 - الأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا،
كَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْجِهَادِ. وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (22) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (23) وَمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَال: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْل الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، قُلْتُ:
قَوْسٌ وَلَيْسَ بِمَالٍ، أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنْ كُنْت تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا (24)
وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ ذَلِكَ (25) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال بِهِ أَبُو قِلاَبَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، " لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلاً بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ (26) وَجَعَل ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَهْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَحَقُّ
مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ (27)
عَلَى أَنَّ الْمُحْتَسِبَ الْمُعَيَّنَ يُفْرَضُ لَهُ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، مَا يُفْرَضُ لِلْقُضَاةِ وَأَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ، بِخِلاَفِ الْمُتَطَوِّعِ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَفَرِّغٍ لِذَلِكَ (28) . (ر: إِجَارَة) .
__________
(1) الفروق للقرافي 2 / 158، والأحكام السلطانية للماوردي ص 65
(2) الفروق للقرافي 2 / 113، 158
(3) سورة النساء / 34. وانظر القرطبي 5 / 32، 169، ومختصر تفسير ابن كثير 1 / 384، وابن عابدين 2 / 672
(4) النهاية لابن الأثير مادة: "
عرف "
(5) التعريفات للجرجاني، والمصباح المنير مادة (عرف) و (أمر) وشرح الإحياء 7 / 3
(6) حديث: "
من مات له ولد فاحتسبه. . . " أخرجه مسلم (4 / 2028 ط الحلبي) بلفظ " لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة "
(7) التهانوي من مادة احتساب 2 / 278 ط خياط بيروت. والحسبة في الإسلام لابن تيمية ص 8، 9
(8) شرح النووي على مسلم 2 / 22
(9) سورة آل عمران / 104
(10) حديث: "
من رأى منكم منكرا. . . " أخرجه مسلم 1 / 69 ط الحلبي
(11) إحياء علوم الدين 2 / 391
(12) شرح النووي على مسلم 2 / 23
(13) الزواجر لابن حجر الهيثمي 2 / 168
(14) شرح الأصول الخمسة ص 146
(15) الزواجر 2 / 168، 169، والحسبة ص 67 - 69
(16) سورة البقرة / 44
(17) سورة الصف / 3. وانظر الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لزين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الدمشقي الحنبلي المتوفى 865 هـ رقم 53 مخطوطة دار الكتب
(18) سورة الحجرات / 12
(19) سورة البقرة / 189
(20) سورة النور / 27
(21) الأشباه والنظائر للسيوطي 141ط التجارية، واستثنى منه: أ - ما لو كان الخلاف شاذا. ب - أو جرى في الترافع لحاكم يعتقد الحرمة ومثله السلطان، واختلف في والي الحسبة. (الأحكام السلطانية للماوردي 241) ج - أن يكون للقائم بالإنكار حق فيه، ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ من بعض ما فيه خلاف/514 إحياء علوم الدين 2 / 312، والآداب الشرعة 1 / 183، 186، والزواجر 2 / 161، والفتاوى الهندية 5 / 353، وجواهر الإكليل 1 / 251، والحطاب 3 / 348، والأحكام السلطانية للماوردى ص 241
(22) حديث: "
من رأى منكم منكرا. . . . " أخرجه مسلم 1 / 69 ط الحلبي
(23) الزواجر 2 / 161، وإحياء علوم الدين 2 / 319، وأحكام القرآن للجصاص 2 / 32، والفتاوى الهندية 5 / 353، وجواهر الإكليل 1 / 251
(24) ابن عابدين 5 / 34، والبدائع 4 / 184، 191، والمغني 6 / 134، 136، 138
(25) حديث: "
عثمان بن أبي العاص. . . " أخرجه الترمذي (1 / 409 - 410 ط الحلبي) . وأخرجه أحمد (4 / 21 ط الميمنية) وإسناده صحيح
(26) حديث عبادة بن الصامت "
إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها ". أخرجه أبو داود (3 / 702 ط عزت عبيد دعاس) وهو ثابت لكثرة طرقه. (التخليص لابن حجر 4 / 7، 8 ط شركة الطباعة الفنية المتحدة بمصر)
(27) الشرح الصغير، وحاشية الصاوي عليه 4 / 10، 34، ونهاية المحتاج 5 / 289، 290، والمغني 6 / 39، 140، وكشف الحقائق 2 / 157، والمهذب 1 / 405
(28) حديث "
زوج رسول الله ﷺ رجلا بما معه من القرآن. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 205 ط السلفية) ، ومسلم (2 / 1041 ط الحلبي)

بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - الْبَيْعُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ، سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهُ فِي مُصْطَلَحِ " بَيْع ". أَمَّا " الْمَنْهِيُّ عَنْهُ " فَهُوَ صِيغَةُ مَفْعُولٍ مِنَ النَّهْيِ.
وَالنَّهْيُ لُغَةً: الزَّجْرُ عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ: ضِدُّ الأَْمْرِ. وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْل عَلَى جِهَةِ الاِسْتِعْلاَءِ.

الأَْصْل فِي الْبَيْعِ الْحِل إِلاَّ لِطَارِئٍ:
2 - أَنَّ الأَْصْل فِي الْبَيْعِ هُوَ الإِْبَاحَةُ وَالصِّحَّةُ، حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيل عَلَى الْحَظْرِ أَوِ الْفَسَادِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ هُوَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ} (1) فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي إِبَاحَةِ جَمِيعِ الْبُيُوعِ. وَدَلِيل الْعُمُومِ هُوَ: أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِالأَْلِفِ وَاللاَّمِ، وَالْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالأَْلِفِ وَاللاَّمِ يُفِيدُ الْعُمُومَ عِنْدَ أَهْل
__________
(1) سورة البقرة / 275.

الأُْصُول، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَهْدٌ مُطْلَقًا، وَلاَ قَصْدٌ إِلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَاهِيَّةِ (1) .
فَصَارَ حَاصِل مَعْنَى الآْيَةِ: أَنَّ كُل بَيْعٍ حَلاَلٍ، أَخْذًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ.
غَيْرَ أَنَّ أَهْل الْعِلْمِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ هَذِهِ الآْيَةَ، وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا مَخْرَجَ الْعُمُومِ، فَقَدْ لَحِقَهَا التَّخْصِيصُ، لأَِنَّهُمْ - كَمَا يَقُول الرَّازِيُّ الْجَصَّاصُ، وَكَمَا سَيَأْتِي - مُتَّفِقُونَ عَلَى حَظْرِ كَثِيرٍ مِنَ الْبِيَاعَاتِ، نَحْوِ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ، وَبَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْمَجَاهِيل وَعَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الأَْشْيَاءِ.
وَقَدْ كَانَ لَفْظُ الآْيَةِ يُوجِبُ جَوَازَ هَذِهِ الْبِيَاعَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ مِنْهَا بِدَلاَئِل، إِلاَّ أَنَّ تَخْصِيصَهَا غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ اعْتِبَارِ عُمُومِ لَفْظِ الآْيَةِ، فِيمَا لَمْ تَقُمِ الدَّلاَلَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ (2) .

مُوجِبُ النَّهْيِ:
3 - مُوجِبُ النَّهْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ التَّحْرِيمُ إِلاَّ بِقَرِينَةٍ تَصْرِفُهُ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى غَيْرِهِ، كَالْكَرَاهَةِ
__________
(1) انظر التوضيح لصدر الشريعة، بهامش شرح التلويح عليه 1 / 54، ط محمد علي صبيح القاهرة 1377 هـ. 1957م.
(2) أحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص 1 / 469 ط الآستانة، سنة 1335 هـ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3 / 356 ط دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة 1387، 1967 م.

أَوِ الإِْرْشَادِ أَوِ الدُّعَاءِ أَوْ نَحْوِهَا (1) . وَهُنَاكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. وَفِي مُصْطَلَحِ: (نَهْي) .
فَإِذَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ أَوْ دَلِيلٌ يَصْرِفُ النَّهْيَ عَنِ التَّحْرِيمِ، كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْكَرَاهَةَ. وَهِيَ لُغَةً: ضِدُّ الْمَحَبَّةِ. وَاصْطِلاَحًا: تَشْمَل:
أ - الْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا، وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحُرْمَةِ أَقْرَبُ، بِمَعْنَى أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَحْذُورٌ دُونَ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ بِالنَّارِ كَحِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ، وَهُوَ الْمَحْمَل عِنْدَ إِطْلاَقِ الْكَرَاهَةِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - لَكِنَّهُ عِنْدَ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ حَرَامٌ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
ب - كَمَا تَشْمَل الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا، وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحِل أَقْرَبُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ أَصْلاً، لَكِنْ يُثَابُ تَارِكُهُ أَدْنَى ثَوَابٍ (2) ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ. وَيُرَادِفُ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا (خِلاَفُ الأَْوْلَى) وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَهُ أَيْضًا.
فَإِذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا: فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ:
__________
(1) مسلم الثبوت في ذيل المستصفى 1 / 396 ط بولاق سنة 1322 هـ، وشرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب 2 / 95 ط بولاق 1316 - 1319 هـ، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2 / 215، 275، ط دار الكتب العلمية بيروت.
(2) التنقيح والتوضيح مع شرح التلويح للتفتازاني 2 / 126.

أ - فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيًّا، يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، إِلاَّ لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى النَّدْبِ.
ب - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيل نَهْيًا، بَل كَانَ مُفِيدًا لِلتَّرْكِ غَيْرِ الْجَازِمِ، فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ.
وَبَيْنَ الْمَكْرُوهَيْنِ: تَحْرِيمًا وَتَنْزِيهًا (الإِْسَاءَةُ) وَهِيَ دُونَ الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا، وَفَوْقَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا. وَتَتَمَثَّل بِتَرْكِ السُّنَّةِ عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَخِفٍّ، فَإِنَّ السُّنَّةَ يُنْدَبُ إِلَى تَحْصِيلِهَا، وَيُلاَمُ عَلَى تَرْكِهَا، مَعَ لُحُوقِ إِثْمٍ يَسِيرٍ (1) .
وَإِذَا كَانَ الْحَنَفِيَّةُ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ لَفْظَ الْمَكْرُوهِ إِذَا أُطْلِقَ فِي كَلاَمِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ، مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ (2) . فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا عَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ مَتَى أُطْلِقَتْ لاَ تَنْصَرِفُ إِلاَّ لِلتَّنْزِيهِ (3) .
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ (الْكَرَاهَةَ) عَلَى مَا يُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

أَسْبَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ

4 - أَسْبَابُ النَّهْيِ عَقْدِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ عَقْدِيَّةٍ. وَالأَْسْبَابُ الْعَقْدِيَّةُ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْعَقْدِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِلاَزِمِ الْعَقْدِ:
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار عليه 1 / 89، 318، 319 ط بولاق سنة 1272 هـ.
(2) رد المحتار 1 / 150.
(3) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب 1 / 148، 149 ط مطبعة عيسى البابي الحلبي. القاهرة.

الأَْسْبَابُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْعَقْدِ:
مَحَل الْعَقْدِ: وَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ.
وَيَشْتَرِطُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ جُمْلَةً مِنَ الشُّرُوطِ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ:
5 - أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا حِينَ الْعَقْدِ (أَيْ غَيْرَ مَعْدُومٍ) فَلاَ يَقَعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، وَيُعْتَبَرُ بَاطِلاً.
وَيَتَمَثَّل هَذَا فِي الْبُيُوعِ الآْتِيَةِ: بَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلاَقِيحِ، وَحَبَل الْحَبَلَةِ، وَبَيْعِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
وَالْمَضَامِينُ: جَمْعُ مَضْمُونٍ، كَمَجْنُونٍ.
وَهِيَ: مَا فِي أَصْلاَبِ الْفُحُول، عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ كَابْنِ جُزَيٍّ. (1) أَمَّا الْمَلاَقِيحُ: فَهِيَ جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ وَمَلْقُوحٍ، وَهِيَ: مَا فِي أَرْحَامِ الأَْنْعَامِ وَالْخَيْل مِنَ الأَْجِنَّةِ (2) .
وَفَسَّرَ الإِْمَامُ مَالِكٌ الْمَضَامِينَ بِأَنَّهَا: بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إِنَاثِ الإِْبِل، وَأَنَّ الْمَلاَقِيحَ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُول. (3)
__________
(1) الدر المختار 4 / 102، وفتح القدير 6 / 50، والقوانين الفقهية ص 169 ط بيروت سنة 1977، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 176 ط الثالثة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة سنة 1375 هـ 1956 م، والمغني 4 / 276، والشرح الكبير في ذيله 4 / 27 ط بيروت سنة 1392 هـ.
(2) الدر المختار 4 / 102، وفتح القدير 6 / 50، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 176.
(3) الشرح الكبير للإمام الدردير بحاشية الدسوقي 3 / 57 ط عيسى البابي الحلبي، والمغني 4 / 276، والشرح الكبير في ذيله 4 / 27، وفتح القدير 6 / 50، ونصب الراية 4 / 10، 11.

وَأَمَّا بَيْعُ حَبَل الْحَبَلَةِ فَهُوَ بَيْعُ نِتَاجِ النِّتَاجِ، بِأَنْ يَبِيعَ وَلَدَ مَا تَلِدُهُ هَذِهِ النَّاقَةُ أَوِ الدَّابَّةُ، فَوَلَدُ وَلَدِهَا هُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ (1) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ بَيْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْبُيُوعِ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ غَيْرُ جَائِزٍ (2) ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ وَحَبَل الْحَبَلَةِ} (3) .
وَلِقَوْل سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: لاَ رِبَا فِي الْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنَ الْحَيَوَانِ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ وَحَبَل الْحَبَلَةِ (4)
وَلأَِنَّ فِي هَذَا الْبَيْعِ غَرَرًا، فَعَسَى أَنْ لاَ تَلِدَ
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 138، وشرح المحلي وحاشية عميرة عليه 2 / 175، 176، والمغني 4 / 276، والشرح الكبير في ذيله 4 / 27، والدر المختار بهامش ردالمحتار عليه 4 / 102.
(2) المغني 4 / 276، والشرح الكبير في ذيله 4 / 27.
(3) حديث ابن عباس " نهى عن بيع المضامين والملاقيح. . . " أخرجه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد، وضعفه جمهور الأئمة، (مجمع الزوائد 4 / 104 ط القدسي) .
(4) فتح القدير مع شرحي العناية والكفاية 6 / 50 ط بيروت.

النَّاقَةُ، أَوْ تَمُوتَ قَبْل ذَلِكَ، فَهُوَ بَيْعُ مَعْدُومٍ وَمَالُهُ خَطَرُ الْمَعْدُومِ (1) .
وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ: بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَلاَ مَعْلُومٍ وَلاَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ (2) .
وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ: بِالْجَهَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ تُعْلَمُ صِفَتُهُ وَلاَ حَيَاتُهُ، وَبِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحَمْل، فَأَوْلَى أَنْ لاَ يَجُوزَ بَيْعُ حَمْلِهِ (3) .

6 - وَمِنْ قَبِيل بَيْعِ الْمَعْدُومِ أَيْضًا:

بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْل.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال {: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفَحْل} (4) وَيُرْوَى: {عَنْ عَسْبِ الْفَحْل} . فَقَال الْكَاسَانِيُّ فِيهَا: وَلاَ يُمْكِنُ حَمْل النَّهْيِ عَلَى نَفْسِ الْعَسْبِ، وَهُوَ الضِّرَابُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِالإِْعَارَةِ، فَيُحْمَل عَلَى الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ حَذَفَ ذَلِكَ، وَأَضْمَرَهُ فِيهِ (5) ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْأَل الْقَرْيَةَ} (6) .
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 238، وفتح القدير 6 / 50.
(2) شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 70، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 175.
(3) المغني 4 / 276، والشرح الكبير 4 / 27، وكشاف القناع 3 / 166.
(4) حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 461 ط السلفية) .
(5) بدائع الصنائع 5 / 139.
(6) سورة يوسف / 82.

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ نَحْوَ هَذَا فِي تَأْوِيل الْحَدِيثِ، وَطَرَقُوا لَهُ ثَلاَثَةَ أَوْجُهٍ مِنَ الاِحْتِمَالاَتِ، وَنَصُّوا - كَغَيْرِهِمْ - عَلَى بُطْلاَنِ بَيْعِهِ، وَقَالُوا: يَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، وَيَبْطُل بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلاَ مُتَقَوَّمٍ، وَلاَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ (1) .

الشَّرْطُ الثَّانِي مَا يَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْعَقْدِ:
7 - أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَالاً، بِمَعْنَاهُ الْفِقْهِيِّ الاِصْطِلاَحِيِّ، وَهُوَ: مَا يَمِيل إِلَيْهِ الطَّبْعُ، وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْل وَالْمَنْعُ (2) . (ر: مُصْطَلَحُ: مَال) فَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ. وَذَلِكَ مِثْل بَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمَيْتَةَ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ أَمَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، أَمْ مَاتَتْ بِخَنْقٍ وَنَحْوِهِ مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ، وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} (3) وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، لِحَدِيثِ: {أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال} (4) .
__________
(1) تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي، بحاشيتي الشرواني والعبادي 4 / 292، وكشاف القناع 3 / 166، والمغني 4 / 277.
(2) الدر المختار نقلا عن درر الحكام 3 / 100.
(3) سورة المائدة / 3.
(4) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان. . . " أخرجه ابن ماجه 2 / 1073 ط عيسى الحلبي من حديث ابن عمر مرفوعا، وصوب الدارقطني وقفه على ابن عمر، نقله ابن حجر ثم عقب عليه بقوله: الرواية الموقوفة التي صحهها أبو حاتم وغيره، هي في حكم المرفوع. (التلخيص الحبير 1 / 26 ط شركة الطباعة الفنية) .

أَمَّا بَيْعُ الذِّمِّيِّ لِلْمَيِّتَةِ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهَا حَتْفَ أَنْفِهَا أَيْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلاَ قَتْلٍ - وَهِيَ: مَا تَنَفَّسَتْ حَتَّى انْقَضَى رَمَقُهَا - فَهِيَ لَيْسَتْ مَالاً بِالاِتِّفَاقِ.
وَأَمَّا مَا لَمْ يَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهِ، بَل مَاتَ خَنْقًا، أَوْ بِمَا يَدِينُ بِهِ الذِّمِّيُّ، وَلَيْسَ تَذْكِيَةً فِي شَرْعِنَا فَالرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَفِي فَسَادِهِ: فَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْجَوَازُ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ الْفَسَادُ، وَلاَ رِوَايَةَ فِي الْبُطْلاَنِ (1) .
وَأَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فِي بُطْلاَنِ الْبَيْعِ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا (2) .
وَدَلِيل التَّحْرِيمِ حَدِيثُ: {إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ} (3)
وَيَحْرُمُ وَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} (4) وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَسْفُوحِيَّةِ مُخْرِجٌ مَا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ،
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 101.
(2) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 13، وانظر أيضا الشرح الكبير للدردير 3 / 10، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 570.
(3) حديث " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة. . . " أخرجه البخاري من حديث جابر بن عبد الله (فتح الباري 4 / 424 ط السلفية) .
(4) سورة الأنعام / 145.

كَالْكَبِدِ وَالطِّحَال (1) ، وَقَدِ اسْتُثْنِيَا مِنْ تَحْرِيمِ الدَّمِ، بِحَدِيثِ {أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ} . . . " الآْنِفِ الذِّكْرِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالشَّوْكَانِيُّ بِإِجْمَاعِ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ (2) .
وَعِلَّةُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ انْتِفَاءُ الْمَالِيَّةِ، وَعِنْدَ الآْخَرِينَ نَجَاسَةُ الْعَيْنِ (3) .
وَمَنْ صَوَّرَ انْتِفَاءَ الْمَالِيَّةِ فِي مَحَل الْعَقْدِ: بَيْعَ الْحُرِّ. وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ بِهِ، بِجَعْلِهِ ثَمَنًا، بِإِدْخَال الْبَاءِ عَلَيْهِ (كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ بِهَذَا الْغُلاَمِ، وَهُوَ حُرٌّ) لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ: مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ. وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ (4) .
وَفِي الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا الْبَيْعِ، وَرَدَ حَدِيثُ: {ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ. رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَل ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ} (5) .
__________
(1) الدر المختار 4 / 101.
(2) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 13، ونيل الأوطار 5 / 144.
(3) انظر القوانين الفقهية (163) والشرح الكبير للدردير 3 / 10، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 157.
(4) الدر المختار 4 / 101، وبدائع الصنائع 5 / 140.
(5) حديث " ثلاثة أنا خصمهم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 447 ط السلفية) .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: التَّقَوُّمُ:
8 - وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْعَقْدِ - بَعْدَ كَوْنِهِ مَالاً - أَنْ يَكُونَ مُتَقَوَّمًا.
وَالتَّقَوُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ضَرْبَانِ:
عُرْفِيٌّ: وَيَكُونُ بِالإِْحْرَازِ، فَغَيْرُ الْمُحْرَزِ، كَالصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ، لَيْسَ بِمُتَقَوَّمٍ.
وَشَرْعِيٌّ: وَيَكُونُ بِإِبَاحَةِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
فَمَا لَيْسَ بِمُتَقَوَّمٍ مِنَ الْمَال بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ مَا كَانَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ، يَبْطُل بَيْعُهُ (1) .
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، بِشَرْطَيِ الطَّهَارَةِ وَالنَّفْعِ، كَمَا فَعَل الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (2) .
وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَغْنَى عَنْ شَرْطِ التَّقَوُّمِ هَذَا بِشَرْطِ الْمَالِيَّةِ، بِتَعْرِيفِ الْمَال عِنْدَهُ بِأَنَّهُ: مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وَيُبَاحُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ. وَهَؤُلاَءِ هُمُ الْحَنَابِلَةُ.
فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمَنْفَعَةِ، مَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلاً: كَالْحَشَرَاتِ، وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْخَمْرِ. وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِلْحَاجَةِ كَالْكَلْبِ. وَمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِلضَّرُورَةِ، كَالْمَيْتَةِ فِي حَال الْمَخْمَصَةِ (3) .
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 103.
(2) انظر القوانين الفقهية ص 163، والشرح الكبير للدردير 3 / 10، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 157.
(3) كشاف القناع 3 / 152.

9 - فَمِنْ أَمْثِلَةِ غَيْرِ الْمُتَقَوَّمِ: بَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ فَاسِدٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ هُوَ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ، وَيُلْحَقُ بِهِمَا بَاقِي نَجِسِ الْعَيْنِ (1) ، وَكَذَا كُل مَا نَجَاسَتُهُ أَصْلِيَّةٌ أَوْ ذَاتِيَّةٌ وَلاَ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ (2) . وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْل بِهِ (3) وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ: {إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ} (4) .
وَالْحَنَفِيَّةُ فَرَّقُوا بَيْنَ بَيْعِ الْمَذْكُورَاتِ بِثَمَنٍ أَوْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ بَاطِلٌ. وَبَيْنَ بَيْعِهَا بِأَعْيَانٍ أَوْ عُرُوضٍ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُل فِي الْخَمْرِ، وَيَفْسُدُ فِيمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْعُرُوضِ وَالأَْعْيَانِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الأَْصْل فِي الْبَيْعِ، وَلَيْسَتِ الْخَمْرُ وَنَحْوُهَا مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ، فَبَطَل الْبَيْعُ فِيهَا، فَكَذَا يَبْطُل فِي ثَمَنِهَا.
أَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ، مَقْصُودٍ بِالتَّمَلُّكِ، وَلَكِنْ فَسَدَتِ التَّسْمِيَةُ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ دُونَ الْخَمْرِ الْمُسَمَّى (5) .
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 175.
(2) الشرح الكبير للدردير 3 / 10، وشرح الخرشي على مختصر خليل بحاشية العدوي عليه 5 / 15 ط بيروت.
(3) كشاف القناع 3 / 152، والشرح الكبير بذيل المغني 4 / 13.
(4) حديث " إن الله حرم بيع الخمر والميتة. . . " سبق تخريجه (ف 7) .
(5) الدر المختار ورد المحتار 4 / 103، 104، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 4 / 44، 45 ط دار المعرفة. بيروت.

وَكَذَلِكَ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَيْعِ الْمَذْكُورَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَ الذِّمِّيِّ. وَفِي هَذَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ: وَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ الْخِنْزِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا أَهْل الذِّمَّةِ، فَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ تَبَايُعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِمَا يَلِي:
أ - أَمَّا عَلَى قَوْل بَعْضِ مَشَايِخِنَا، فَلأَِنَّهُ مُبَاحٌ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا لَهُمْ، كَالْخَل وَكَالشَّاةِ لَنَا، فَكَانَ مَالاً فِي حَقِّهِمْ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ. وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُشَّارِهِ بِالشَّامِ: أَنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا. وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْخَمْرِ مِنْهُمْ لَمَا أَمَرَهُمْ بِتَوْلِيَتِهِمُ الْبَيْعَ.
ب - وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا: حُرْمَةُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ؛ لأَِنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعَ هِيَ حُرُمَاتٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، فَكَانَتِ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، لَكِنَّهُمْ لاَ يُمْنَعُونَ مِنْ بَيْعِهَا، لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ حُرْمَتَهَا، وَيَتَمَوَّلُونَهَا، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ (1) .
فَيَقُول ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُعَلِّقًا عَلَى عِبَارَةِ الْكَاسَانِيِّ: وَظَاهِرُهُ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَوْ بِيعَتْ بِالثَّمَنِ (2) .
10 - وَمِنْ أَمْثِلَةِ غَيْرِ الْمُتَقَوَّمِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ،
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 143.
(2) رد المحتار 4 / 104.

الْمَيْتَةُ الَّتِي لَمْ تَمُتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، بَل مَاتَتْ بِالْخَنْقِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهَا مَالٌ عِنْدَ الذِّمِّيِّ كَالْخَمْرِ (1) . وَسَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي شَرْطِ الْمَالِيَّةِ.

11 - وَيَتَّصِل بِغَيْرِ الْمُتَقَوَّمِ: الْمُتَنَجِّسُ الَّذِي لاَ يَقْبَل التَّطْهِيرَ، كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَل وَاللَّبَنِ وَالْخَل.
وَالْمَشْهُورُ وَالأَْصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الأَْكْثَرِينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا؛ لأَِنَّ أَكْلَهَا حَرَامٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {سُئِل عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ، فَقَال:. . . وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ} (2) وَإِذَا كَانَ حَرَامًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: {أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَّلُوهَا أَيْ أَذَابُوهَا فَبَاعُوهَا} (3) . . .
وَلأَِنَّهَا نَجِسَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، قِيَاسًا عَلَى شَحْمِ الْمَيْتَةِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى نَجِسِ الْعَيْنِ (4) .
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 103. وراجع فيما تقدم (ف 7) .
(2) حديث: " وإن كان مائعا فلا تقربوه. . . " أخرجه أبو داود 4 / 181 تحقيق عزت عبيد دعاس من حديث أبي هريرة وإسناده صحيح كما ذكر ابن حجر (فتح الباري 1 / 344 ط السلفية) .
(3) حديث: " لعن الله اليهود. . . " أخرجه مسلم (3 / 1207 ط عيسى الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(4) القوانين الفقهية ص 163، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 157، وكشاف القناع 3 / 165، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 15.

وَقَدْ قَرَّرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِمْ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا اخْتِيَارًا، أَمَّا اضْطِرَارًا فَيَصِحُّ (1) .
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ رِوَايَةٌ وَقَعَتْ لِمَالِكٍ، هِيَ جَوَازُ بَيْعِهِ، وَكَانَ يُفْتِي بِهَا ابْنُ اللَّبَّادِ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، أَنَّ بَيْعَهُ لاَ يَجُوزُ، وَالأَْظْهَرُ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ مِمَّنْ لاَ يَغُشُّ بِهِ إِذَا بَيَّنَ؛ لأَِنَّ تَنْجِيسَهُ بِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ فِيهِ لاَ يُسْقِطُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ، وَلاَ يُذْهِبُ جُمْلَةَ الْمَنَافِعِ مِنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُتْلَفَ عَلَيْهِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَصْرِفُهُ فِيمَا كَانَ لَهُ هُوَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِيهِ، وَهَذَا فِي الزَّيْتِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لاَ يُجِيزُ غَسْلَهُ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ غَسْلَهُ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ - فَسَبِيلُهُ فِي الْبَيْعِ سَبِيل الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ (2) .
وَجَعَل ابْنُ جُزَيٍّ قِيَاسَ ابْنِ رُشْدٍ مِمَّا أَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ إِذَا بَيَّنَ. وَأَشَارَ إِلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الاِسْتِصْبَاحِ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ (3) .
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، هُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ، بِأَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ فِي إِنَاءٍ مَاءٌ يَغْلِبُهُ، وَيُحَرَّكُ بِخَشَبَةٍ حَتَّى يَصِل إِلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، جَازَ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى الثَّوْبِ
__________
(1) الشرح الكبير للدردير 3 / 10.
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير في الموضع نفسه.
(3) القوانين الفقهية ص 163.

الْمُتَنَجِّسِ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمُ الْمَنْعُ مِنَ الْبَيْعِ، لِتَعَذُّرِ التَّطْهِيرِ، لِحَدِيثِ الْفَأْرَةِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ لَمْ يَقُل فِي الْحَدِيثِ: {أَلْقَوْهَا وَمَا حَوْلَهَا} وَفِي رِوَايَةٍ: {فَأَرِيقُوهُ} (1) وَكَذَلِكَ الْخِلاَفُ عِنْدَهُمْ فِي بَيْعِ الْمَاءِ النَّجِسِ.
فَيَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، لإِِمْكَانِ تَطْهِيرِهِ بِالْمُكَاثَرَةِ.
وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِمَنْعِ الْجَوَازِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - كَمَا يَقُول الْقَلْيُوبِيُّ نَقْلاً عَنْ شَيْخِهِ - إِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، وَذَلِكَ نَظَرًا إِلَى النَّجَاسَةِ الآْنَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ صَحَّ عِنْدَهُمْ (2) .
وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيزُوا بَيْعَ الدُّهْنِ النَّجِسِ، رَوَوْا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، وَيَسْتَبِيحُ أَكْلَهُ، وَلأَِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى: لُتُّوا بِهِ السَّوِيقَ وَبِيعُوهُ، وَلاَ تَبِيعُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ، وَبَيِّنُوهُ. لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ الْجَوَازِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ: {لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا} (3) .
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 157، وتحفة المحتاج 4 / 235، 236، وحاشية الشرواني عليها. وحديث " ألقوها وما حولها. . . " وفي رواية: " فأريقوه ". أخرجه البخاري. (فتح الباري 9 / 668 ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.
(2) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 2 / 157.
(3) حديث " لعن الله اليهود " سبق تخريجه. ف / 10.

وَلأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ مُسْلِمٍ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ كَافِرٍ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَهُمْ.
وَلأَِنَّهُ دُهْنٌ نَجِسٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ، كَشُحُومِ الْمَيْتَةِ (1) .
هَذَا، وَأَمَّا الثَّوْبُ الْمُتَنَجِّسُ أَوِ الإِْنَاءُ الْمُتَنَجِّسُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ كُل مَا يَطْهُرُ بِالْغَسْل مِنَ الْمُتَنَجِّسَاتِ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ، لِمَا أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ التَّطْهِيرِ، وَطَهَارَتُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَإِنَّمَا عَرَضَ لَهَا نَجَاسَةٌ يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا.
وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ تَبْيِينَ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّوْبُ - مَثَلاً - جَدِيدًا أَمْ قَدِيمًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُفْسِدُهُ الْغَسْل أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشْتَرِي يُصَلِّي أَمْ لاَ، قَالُوا: لأَِنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجَبَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ (2) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا - خِلاَفًا لِلأَْصَحِّ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ، وَهُوَ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ النَّجَاسَةُ، وَأَجَازُوا الاِنْتِفَاعَ بِهِ فِي غَيْرِ الأَْكْل، كَالاِسْتِصْبَاحِ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَالدَّبَّاغَةِ وَغَيْرِهِمَا (3) .
وَفَرَّقُوا بَيْنَ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ وَبَيْنَ دُهْنِ الْمَيْتَةِ،
__________
(1) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 15، وكشاف القناع 3 / 156.
(2) الشرح الكبير للدردير 3 / 10، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 157، وكشاف القناع 3 / 6.
(3) الدر المختار 4 / 114.

فَإِنَّ هَذَا نَجِسٌ، لأَِنَّهُ جُزْؤُهَا، فَلاَ يَكُونُ مَالاً، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا، كَمَا لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ (1) وَاسْتَدَل لَهُ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ: {إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ. فَقِيل يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ} (2) .

12 - وَيَتَّصِل بِغَيْرِ الْمُتَقَوَّمِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالْمُتَنَجِّسَاتِ، بَيْعُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ وَجِلْدِهَا وَصُوفِهَا وَحَافِرِهَا وَرِيشِهَا وَنَحْوِهَا.
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِنَجَاسَتِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (3) وَهَذِهِ أَجْزَاءُ الْمَيْتَةِ، فَتَكُونُ حَرَامًا، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ} (4) . بَل نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ شَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِمُضْطَرٍّ، إِلاَّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ وَالْجُنْدُبَ، لِحِل أَكْلِهَا (5) .
__________
(1) رد المحتار 4 / 114، وانظر تبيين الحقائق 4 / 51.
(2) حديث " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة. . . " سبق تخريجه (ف 7) .
(3) سورة المائدة / 3.
(4) حديث " لا تنتفعوا من الميتة. . . " أخرجه الترمذي (4 / 222 ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عكيم وحسنه.
(5) انظر الشرح الكبير للدردير 3 / 10 وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 22، وكشاف القناع 3 / 155، 156.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَفَصَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ غَيْرِ الآْدَمِيِّ وَبَيْنَ الآْدَمِيِّ، وَبَيْنَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل الدَّبْغِ وَبَيْنَ جِلْدِهَا بَعْدَ الدَّبْغِ. قَالُوا:
أ - إِنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ قَبْل الدَّبْغِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا: {لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ} وَلأَِنَّ نَجَاسَتَهُ مِنَ الرُّطُوبَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ بِأَصْل الْخِلْقَةِ، فَصَارَ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ. بِخِلاَفِ الثَّوْبِ النَّجِسِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّ نَجَاسَتَهُ لَيْسَتْ بِأَصْل الْخِلْقَةِ، فَلاَ يُمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ.
ب - أَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ، لأَِنَّهُ طَهُرَ بِالدَّبَّاغِ.
ج - أَمَّا الْعَظْمُ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ بِأَصْل الْخِلْقَةِ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ كُل شَيْءٍ لاَ يَسْرِي فِيهِ الدَّمُ لاَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، كَالشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَالْوَبَرِ وَالْقَرْنِ وَالْحَافِرِ وَالْعَظْمِ - كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الطِّهَارَاتِ (1) - فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ، وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ الْكَاسَانِيُّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لَنَا هَذِهِ الأَْشْيَاءَ، وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الذَّكِيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ، فَيَدُل عَلَى تَأَكُّدِ الإِْبَاحَةِ، قَال تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَل لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَل لَكُمْ
__________
(1) انظر في طهارة هذه المذكورات - على سبيل المثال - مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي عليه ص 91 ط الثالثة، بولاق سنة 1318 هـ.

مِنْ جُلُودِ الأَْنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} (1) .
وَلأَِنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ لَيْسَتْ لِمَوْتِهَا، فَإِنَّ الْمَوْتَ مَوْجُودٌ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَهُمَا حَلاَلاَنِ بِالنَّصِّ، بَل لِمَا فِيهَا مِنَ الرُّطُوبَاتِ السَّيَّالَةِ وَالدِّمَاءِ النَّجِسَةِ، لاِنْجِمَادِهَا بِالْمَوْتِ. وَلِهَذَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِالدَّبَّاغِ، حَتَّى يَجُوزُ بَيْعُهُ، لِزَوَال الرُّطُوبَةِ عَنْهُ، وَلاَ رُطُوبَةَ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ تَكُونُ حَرَامًا (2) . بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ، وَمِنْهُمُ الزَّيْلَعِيُّ، عَلَى أَنَّ لُحُومَ السِّبَاعِ وَشُحُومَهَا وَجُلُودَهَا بَعْدَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ كَجُلُودِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدَّبَّاغِ، حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهَا وَالاِنْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الأَْكْل، وَذَلِكَ لِطَهَارَتِهَا بِالذَّكَاةِ. يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ (وَكَذَا لَحْمُهُ وَعَظْمُهُ وَشَعْرُهُ) فَلاَ يَطْهُرُ بِالتَّذْكِيَةِ وَلاَ بِالدَّبَّاغِ. وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ - فِيمَا سِوَى الْخِنْزِيرِ - بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَرَّرَ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ أَنَّهُ تُطَهِّرُ الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ جِلْدَ غَيْرِ الْمَأْكُول، دُونَ لَحْمِهِ، عَلَى أَصَحِّ مَا يُفْتَى بِهِ، وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بَيْعُ عَظْمِ الْفِيل وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ السِّبَاعِ.
__________
(1) سورة النحل / 80.
(2) بدائع الصنائع 5 / 142، وانظر الدر المختار ورد المحتار 4 / 114.

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يَجُوزُ، وَهُوَ عِنْدَهُ كَالْخِنْزِيرِ (1) .
أَمَّا عَظْمُ الآْدَمِيِّ وَشَعْرُهُ، فَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةُ. الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ. قَال الْكَاسَانِيُّ: لاَ لِنَجَاسَتِهِ " لأَِنَّهُ طَاهِرٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَةِ، لَكِنِ احْتِرَامًا لَهُ، وَالاِبْتِذَال بِالْبَيْعِ يُشْعِرُ بِالإِْهَانَةَ (2) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: {لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ} (3) فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الآْدَمِيَّ مُكَرَّمٌ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَابْتِذَالُهُ وَإِلْحَاقُهُ بِالْجَمَادَاتِ إِذْلاَلٌ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَبَعْضُ الآْدَمِيِّ فِي حُكْمِ كُلِّهِ. وَصَرَّحَ الْكَمَال مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِبُطْلاَنِ بَيْعِهِ (4) .

بَيْعُ الْكَلْبِ
13 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْكَلْبِ، أَيَّ كَلْبٍ
__________
(1) مراقي الفلاح (91) وهذه عبارة متن نور الإيضاح، وانظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبي 1 / 51.
(2) بدائع الصنائع 5 / 142.
(3) حديث " لعن الله الواصلة والمستوصلة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 378 ط السلفية) من حديث عبد الله بن مسعود.
(4) الدر المختار ورد المحتار 4 / 105.

كَانَ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، {أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ} (1) .
وَلِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ} (2) .
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ بِاتِّخَاذِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَأَجَازُوا بَيْعَ الأَْوَّل، وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّانِي.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَذَهَبُوا إِلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْكَلْبِ أَيَّ كَلْبٍ كَانَ حَتَّى الْعَقُورِ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (كَلْب) .
أَمَّا الْهِرُّ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِ، لأَِنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ
__________
(1) حديث: " نهى عن ثمن الدم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 426 ط السلفية) من حديث أبي جحيفة.
(2) حديث " نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 426 ط السلفية) ومسلم (3 / 1198 ط عيسى الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري.

الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ} (1) عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ، أَوْ عَلَى مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ مِنَ الْهِرَرَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (هِر) .

بَيْعُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْهَوَامِّ:
14 - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، إِذَا كَانَتْ مِمَّا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ بِحَالٍ. فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ جَازَ بَيْعُهُ إِلاَّ الْخِنْزِيرَ، فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، فَلاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ (2) .
لَكِنَّهُمْ ذَهَبُوا مَذَاهِبَ فِي تَفْسِيرِ النَّفْعِ الَّذِي يُجِيزُ بَيْعَ السِّبَاعِ:
15 - فَالْحَنَفِيَّةُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ - وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، ذَهَبُوا إِلَى إِطْلاَقِ النَّفْعِ، وَلَوْ بِالْجِلْدِ، وَبِدُونِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْ نُصُوصِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا: صَحَّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَلَوْ عَقُورًا، وَالْفَهْدِ وَالْفِيل وَالْقِرْدِ، وَالسِّبَاعِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا، حَتَّى الْهِرَّةِ، وَكَذَا الطُّيُورُ
__________
(1) حديث: " نهى عن ثمن الكلب. . . " أخرجه أبو داود (3 / 754 تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث جابر بن عبد الله وأصله في صحيح مسلم (3 / 1199 ط عيسى الحلبي) .
(2) انظر على سبيل المثال: الدر المختار 4 / 214، والشرح الكبير للدردير 3 / 11، وتحفة المحتاج 4 / 238، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 13.

أَيِ الْجَوَارِحِ مِنْهَا) عُلِّمَتْ أَوْ لاَ، سِوَى الْخِنْزِيرِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا وَبِجِلْدِهَا (1) .
وَعَلَّل الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا جَوَازَ بَيْعِهَا بِجَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا شَرْعًا، وَبِقَبُولِهَا التَّعْلِيمَ عَادَةً، ثُمَّ طَرَحَ هَذَا الضَّابِطَ قَائِلاً فِيهِ:
وَكُل مُنْتَفَعٍ بِهِ شَرْعًا، فِي الْحَال أَوْ فِي الْمَآل، وَلَهُ قِيمَةٌ. . جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ (2)
وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: جَوَازُ الْبَيْعِ يَدُورُ مَعَ حِل الاِنْتِفَاعِ (3) .
وَقَال الْبَابَرْتِيُّ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ الاِنْتِفَاعُ، ثَبَتَ فِي الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ. بِخِلاَفِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ، كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالزَّنَابِيرِ، لأَِنَّهَا لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا (4) . وَكَذَا غَيْرُ الْمُؤْذِيَةِ مِنْ هَوَامِّ الأَْرْضِ: كَالْخَنَافِسِ وَالْفَأْرَةِ وَالنَّمْل وَالْوَزَغِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ، أَوْ مِنَ الْبَحْرِ، كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ (5) .
16 - أَمَّا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فَهُوَ أَنَّ بَيْعَ الْهِرِّ وَالسَّبْعِ لِلْجِلْدِ جَائِزٌ، وَأَمَّا لِلَّحْمِ فَقَطْ، أَوْ لَهُ وَلِلْجِلْدِ
__________
(1) الدر المختار 4 / 214، وانظر بدائع الصنائع 5 / 142، 143.
(2) تبيين الحقائق 4 / 126.
(3) الدر المختار 4 / 111 نقلا عن المجتبى.
(4) العناية شرح الهداية 6 / 247، وانظر فتح القدير في الموضع نفسه 6 / 245، 246.
(5) فتح القدير 6 / 246.

فَمَكْرُوهٌ (1) . وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ لَحْمِ السِّبَاعِ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا سِبَاعُ الطَّيْرِ ذَوَاتُ الْمَخَالِبِ، فَلَحْمُهَا مُبَاحٌ عِنْدَهُمْ، كَالْبَازِ وَالْعِقَابِ وَالرَّخَمِ، وَكَرِهُوا الْوَطْوَاطَ.
وَأَمَّا سِبَاعُ الْبَهَائِمِ، فَلَهُمْ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الْكَرَاهَةُ. وَالْمَنْعُ. وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْعَادِي - الَّذِي يَعْدُو عَلَى الآْدَمِيِّ - كَالأَْسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ، فَيَحْرُمُ. وَبَيْنَ غَيْرِ الْعَادِي، كَالدُّبِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ مُطْلَقًا، فَيُكْرَهُ.
لَكِنَّ الَّذِي فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ كَرَاهَتُهَا، حَتَّى الْفِيل عِنْدَهُ - وَفِي عُهْدَتِهِ، كَمَا قَالُوا (2) -
17 - أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ: فَقَدْ فَسَّرُوا النَّفْعَ بِنَحْوِ الصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ، وَلَوْ مَآلاً، بِأَنْ يُرْجَى تَعَلُّمُ الْحَيَوَانِ. أَمَّا مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، الْفَوَاسِقُ الْخَمْسُ، وَكَذَا مَا لاَ يُرْجَى تَعَلُّمُهُ لِلصَّيْدِ، لِكِبَرِهِ مَثَلاً. فَالْفَهْدُ يُنْتَفَعُ بِهِ لِلصَّيْدِ، وَالْفِيل لِلْقِتَال، وَالْقِرْدُ لِلْحِرَاسَةِ، وَالْهِرَّةُ الأَْهْلِيَّةُ لِدَفْعِ نَحْوِ فَأْرٍ، وَالْعَنْدَلِيبُ لِلأُْنْسِ بِصَوْتِهِ، وَالطَّاوُوسُ لِلأُْنْسِ بِلَوْنِهِ (3) .
وَكَتَبَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ عَلَى قَوْل النَّوَوِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ: فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ وَكُل سَبُعٍ
__________
(1) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 10، 11.
(2) حاشية الدسوقي 2 / 115، 117.
(3) تحفة المحتاج 4 / 238، وانظر شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 3 / 25، 26.

لاَ يَنْفَعُ.
مُبَيِّنًا خِصَال انْتِفَاءِ النَّفْعِ، بِقَوْلِهِ: مِثْل: أَنْ لاَ يُؤْكَل، وَلاَ يُصَال وَلاَ يُقَاتَل عَلَيْهِ، وَلاَ يَتَعَلَّمُ، وَلاَ يَصْلُحُ لِلْحَمْل.
كَمَا قَرَّرَ أَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْعِ قَدْ يَكُونُ حِسًّا، وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا، وَأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْعِ يَنْفِي الْمَالِيَّةَ، فَأَخْذُ الْمَال فِي مُقَابَلَتِهِ قَرِيبٌ - كَمَا نَقَلَهُ عَنِ الرَّافِعِيِّ - مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِل (1) .
18 - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَهَبُوا - كَمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ اعْتَمَدَهَا السَّرَخْسِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا لاَ يَصْلُحُ لِلاِصْطِيَادِ، وَلاَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ بِحَالٍ:
(أ) وَمَثَّل الْحَنَابِلَةُ لِمَا لاَ يَصْلُحُ لِلاِصْطِيَادِ بِالأَْسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَالدُّبِّ، وَبِالرَّخَمِ وَالْحَدَأَةِ وَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ وَالنِّسْرِ وَالْعَقْعَقِ وَغُرَابِ الْبَيْنِ، وَبَيْضِهَا، لأَِنَّهُ لاَ نَفْعَ فِيهِ، فَأَخْذُ ثَمَنِهِ أَكْلٌ لِلْمَال بِالْبَاطِل، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَفْعٌ مُبَاحٌ كَالْحَشَرَاتِ، فَأَشْبَهَتْ الْخِنْزِيرَ.
فَأَمَّا مَا يَصْلُحُ لِلاِصْطِيَادِ، كَالْفَهْدِ وَكَالصَّقْرِ وَالْبَازِ، بِأَنْ كَانَتْ مُعَلَّمَةً أَوْ قَابِلَةً لِلتَّعْلِيمِ، فَإِنَّ فِيهَا نَفْعًا مُبَاحًا، فَيَصِحُّ بَيْعُهَا، وَبَيْعُ أَوْلاَدِهَا وَفِرَاخِهَا، وَبَيْضِهَا لاِسْتِفْرَاخِهِ، فَيُنْتَفَعُ بِهِ مَآلاً.
وَمَعَ ذَلِكَ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْقِرْدِ، لِلْحِفْظِ لاَ لِلَّعِبِ؛ لأَِنَّ الْحِفْظَ - كَمَا قَالُوا - مِنَ
__________
(1) حاشية عميرة على شرح المحلي، في ذيل حاشية القليوبي عليه 2 / 158.

الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ (1)
(ب) وَمَثَّل الْحَنَفِيَّةُ لِلْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، بِالآْتِي: مَعَ التَّفْصِيل تَطْبِيقًا عَلَيْهِ:
- الأَْسَدُ، إِنْ كَانَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ وَيُصْطَادُ بِهِ، يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِلاَّ فَلاَ.
- الْفَهْدُ وَالْبَازِي يَقْبَلاَنِ التَّعْلِيمَ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا عَلَى كُل حَالٍ.
- النَّمِرُ - كَمَا يَقُول الْكَمَال - لاَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ لِشَرَاسَتِهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحَالٍ، وَكَذَا الْكَلْبُ الْعَقُورُ عَلَى التَّخْصِيصِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
- الْقِرْدُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ:
الأُْولَى: جَوَازُ بَيْعِهِ لإِِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَصَحَّحَهَا الزَّيْلَعِيُّ.
وَالأُْخْرَى: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، لأَِنَّهُ لِلتَّلَهِّي، وَهُوَ مَحْظُورٌ، فَكَانَ بَيْعُ الْحَرَامِ لِلْحَرَامِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ.
وَصَحَّحَ هَذَا الْكَاسَانِيُّ، وَبَنَى عَلَيْهِ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ لَوْلاَ قَصْدُ التَّلَهِّي لَجَازَ بَيْعُهُ.
لَكِنَّ قَصْدَ التَّلَهِّي يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ، لاَ عَدَمَ الصِّحَّةِ، كَمَا قَال الْحَصْكَفِيُّ (2) .
__________
(1) كشاف القناع 3 / 153، 156، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 13.
(2) بدائع الصنائع 5 / 143، والهداية بشروحها، والفتح منها على التخصيص 6 / 245 - 247، وتبيين الحقائق 4 / 126، والدر المختار ورد المحتار 4 / 111، 214.

بَيْعُ آلاَتِ اللَّهْوِ وَالْمَعَازِفِ:
19 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمُ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ آلاَتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالْمَعَازِفِ إِلاَّ مَا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْهَا، وَصَرَّحُوا بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهَا (1) .
وَالتَّقْيِيدِ بِالْمُحَرَّمَةِ، لإِِخْرَاجِ بَيْعِ الشِّطْرَنْجِ، الَّذِي يَقُول الشَّافِعِيَّةُ بِحِلِّهِ، وَطَبْل الْغُزَاةِ وَنَحْوِهِ، فَمِنَ الْمُحَرَّمَاتِ: الطُّنْبُورُ، وَالْمِزْمَارُ، وَالشَّبَّابَةُ (وَهِيَ النَّايَةُ) وَالْعُودُ، وَالصَّنْجُ وَالرَّبَابُ.
فَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَرَيَانِ أَنَّ هَذِهِ الآْلاَتِ أُعِدَّتْ لِلْمَعْصِيَةِ، فَبَطَل تَقَوُّمُهَا، وَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُهَا، كَالْخَمْرِ (2) .
وَالْمَالِكِيَّةُ قَرَّرُوا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعًا شَرْعِيًّا، وَإِنْ قَل كَالتُّرَابِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لاَ تَجُوزُ فَهِيَ كَآلاَتِ اللَّهْوِ (3) .
وَالشَّافِعِيَّةُ قَرَّرُوا أَنَّ آلَةَ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةَ
__________
(1) انظر على سبيل المثال: بدائع الصنائع 5 / 144، والقوانين الفقهية (164) وشرح المحلي وحاشية القليوبي 2 / 158، وكشاف القناع 3 / 155.
(2) الهداية وشروحها، آخر باب الغصب 8 / 293.
(3) القوانين الفقهية (164) وانظر الشرح الكبير للدردير 3 / 10، وحاشية العدوي على الخرشي 5 / 15.

لاَ يُقْصَدُ مِنْهَا غَيْرُ الْمَعْصِيَةِ، وَلاَ نَفْعَ بِهَا شَرْعًا (1) .
وَالْحَنَابِلَةُ قَرَّرُوا أَنَّ كَسْرَ هَذِهِ الآْلاَتِ لاَ يَسْتَوْجِبُ الضَّمَانَ، وَأَنَّهَا كَالْمَيْتَاتِ (2) .
وَتَحْرِيمُ بَيْعِ الْمَعَازِفِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ بِتَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ وَآلاَتِ اللَّهْوِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى إِبَاحَتِهَا إِذَا لَمْ يُلاَبِسْهَا مُحَرَّمٌ، فَيَكُونُ بَيْعُهَا عِنْدَ هَؤُلاَءِ مُبَاحًا (3) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَعَازِفُ) .
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - خِلاَفًا لِصَاحِبَيْهِ - أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ آلاَتِ اللَّهْوِ كُلِّهَا، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، مُقَيَّدٌ بِأَنْ يُمْكِنَ اعْتِبَارُ مُكَسَّرِهَا مَالاً، فَفِيهَا نَفْعٌ مُتَوَقَّعٌ عِنْدَئِذٍ (4) .
وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَرَى الصَّاحِبَانِ أَنَّ آلاَتِ اللَّهْوِ مُعَدَّةٌ لِلْمَعْصِيَةِ، مَوْضُوعَةٌ لِلْفِسْقِ وَالْفَسَادِ
- كَمَا هُوَ تَعْبِيرُ الْكَاسَانِيِّ - فَلاَ تَكُونُ أَمْوَالاً فَيَبْطُل تَقَوُّمُهَا، كَالْخَمْرِ. يَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَمْوَالٌ لِصَلاَحِيَتِهَا لِمَا يَحِل مِنْ وُجُوهِ الاِنْتِفَاعِ، بِأَنْ تُجْعَل ظُرُوفًا لأَِشْيَاءَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ صَلَحَتْ لِمَا لاَ يَحِل فَصَارَتْ كَالأَْمَةِ الْمُغَنِّيَةِ،
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 158، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 27.
(2) المغني 5 / 445، 446، وانظر كشاف القناع 3 / 155.
(3) الدر المختار 5 / 135، وتحفة المحتاج 4 / 239.
(4) شرح المحلي على المنهاج 2 / 158.

وَهَذَا لأَِنَّ الْفَسَادَ بِفِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، فَلاَ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ. وَجَوَازُ الْبَيْعِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ (1) .

بَيْعُ الأَْصْنَامِ وَنَحْوِهَا:
20 - الْخِلاَفُ الْمَارُّ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي بَيْعِ آلاَتِ اللَّهْوِ، جَارٍ هُنَا فِي بَيْعِ الأَْصْنَامِ.
وَدَلِيل الْجُمْهُورِ عَلَى التَّحْرِيمِ انْتِقَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ شَرْعًا، وَنَصُّ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ} (2) .
وَدَلِيل أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقِلَّةِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْجَوَازِ: الاِنْتِفَاعُ بِهَا بَعْدَ الْكَسْرِ، فَنَفْعُهَا مُتَوَقَّعٌ، فَوُجِدَتِ الْمَالِيَّةُ وَالتَّقَوُّمُ فِي الْمَال، وَجَوَازُ الْبَيْعِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ يَجْرِيَانِ فِي الأَْصْنَامِ وَالصُّوَرِ (3) ، وَكَذَا الشَّوْكَانِيُّ (4)
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ مَا يُلْحَقُ بِالأَْصْنَامِ مَعَ بَعْضِ أَحْكَامِهَا:
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 144، والهداية بشروحها 8 / 293 بتصرف وإيجاز.
(2) حديث " إن الله حرم بيع الخمر والميتة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 424 ط السلفية) من حديث جابر بن عبد الله.
(3) حاشية عميرة على شرح المحلي 2 / 158.
(4) نيل الأوطار 8 / 143 أول كتاب البيوع.

نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ، وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الصُّوَرِ لِلصِّغَارِ صِحَّةً وَضَمَانًا (1) .
وَنَصُّوا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ النَّقْدِ الَّذِي عَلَيْهِ صُوَرٌ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنْهُ بِوَجْهٍ مَا (2) .
وَتَرَدَّدُوا فِي الصَّلِيبِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، هَل يُلْحَقُ بِالأَْصْنَامِ، أَوْ بِالنَّقْدِ الَّذِي عَلَيْهِ صُوَرٌ؟
(أ) فَرَجَّحُوا إِلْحَاقَهُ بِالصَّنَمِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ مِنْ شِعَارِهِمُ الْمَخْصُوصِ بِتَعْظِيمِهِمْ.
(ب) وَرَجَّحُوا إِلْحَاقَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي عَلَيْهِ صُوَرٌ إِنْ أُرِيدَ بِهِ ابْتِذَالُهُ بِالاِسْتِعْمَال (3) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَلِيَ الْبَيْعَ الْمَالِكُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
21 - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ أَوْ مُوَكِّلِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ يَبِيعُ بِالأَْصَالَةِ أَوِ النِّيَابَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَ فُضُولِيًّا بِأَنْ يُصَرِّحَ أَنَّهُ يَبِيعُ مِلْكَ غَيْرِهِ دُونَ إِذْنٍ، فَلاَ يَكُونُ شَرْطَ انْعِقَادٍ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْفُضُولِيِّ) .
__________
(1) حاشية القليوبي 2 / 158، ورد المحتار 1 / 437.
(2) تحفة المحتاج 4 / 239.
(3) المرجع السابق، وقارن بحاشية القليوبي 2 / 158.

وَدَلِيل هَذَا الشَّرْطِ مَا رُوِيَ {عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: يَأْتِينِي الرَّجُل يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ، لَيْسَ عِنْدِي مَا أَبِيعُهُ، ثُمَّ أَبْتَاعُهُ مِنَ السُّوقِ، فَقَال: لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ} (1) .
قَالُوا: الْمُرَادُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِكَ وَقُدْرَتِكَ.
وَقَال الْبَغَوِيُّ: النَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ بُيُوعِ الأَْعْيَانِ الَّتِي لاَ يَمْلِكُهَا (2) .
وَمَا رُوِيَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ: {نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ، وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ} (3) .
وَلأَِنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ، فَلاَ يَنْعَقِدُ فِيمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ (4) .
وَبِنَاءً عَلَيْهِ: لاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ الْكَلأَِ فِي مَنَابِتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، لأَِنَّهُ مُبَاحٌ بِالنَّصِّ،
__________
(1) حديث: " لا تبع ما ليس عندك " أخرجه الترمذي وحسنه من حديث حكيم بن حزام (تحفة الأحوذي 4 / 430 نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة) .
(2) نيل الأوطار 5 / 155 ط العثمانية.
(3) حديث: " نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم "، هو مركب من حديثين: الأول " لا تبع ما ليس عندك " أخرجه الترمذي من حديث حكيم بن حزام وحسنه (تحفة الأحوذي 4 / 430 ط السلفية بالمدينة المنورة) . وأما ترخيصه في السلم فقد ورد في صحيح البخاري (فتح الباري 4 / 428 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1227 ط عيسى الحلبي) من حديث: ابن عباس.
(4) بدائع الصنائع 5 / 146.

وَكَذَلِكَ الْمَاءُ فِي مَنَابِعِهِ مَا لَمْ يُحْرَزْ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: {الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلأَِ وَالنَّارِ} (1) وَكَذَا الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكُ فِي الْمَاءِ، كُل ذَلِكَ لاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ، لاِنْعِدَامِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِ، وَهُوَ الإِْحْرَازُ (2) .
فَإِذَا جُمِعَ الْكَلأَُ، وَصِيدَ الطَّيْرُ وَالسَّمَكُ، وَحُمِل الْمَاءُ مِنَ الْيَنَابِيعِ وَالأَْنْهَارِ الْعَامَّةِ مُلِكَ، وَجَازَ بَيْعُهُ. وَفِي هَذَا يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إِلاَّ مَا حُمِل مِنْهُ} (3) .
وَنَذْكُرُ هُنَا فُرُوعًا فِقْهِيَّةً تَطْبِيقِيَّةً لِهَذَا الشَّرْطِ:

أ - بَيْعُ الْفُضُولِيِّ:
22 - وَهُوَ مَنْ لَيْسَ بِوَكِيلٍ وَلاَ وَلِيٍّ عَنِ الْمَالِكِ، وَكَذَا سَائِرُ عُقُودِهِ:
__________
(1) حديث " المسلمون شركاء في ثلاث. . . " أخرجه أبو داود (3 / 751 تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث رجل من المهاجرين وإسناده صحيح (التلخيص لابن حجر 3 / 65 ط شركة الطباعة الفنية) .
(2) بدائع الصنائع 5 / 146، والدر المختار 4 / 106، 107، وكشاف القناع 3 / 160، 161.
(3) كشاف القناع 3 / 160، 161. وحديث " نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه. . . " أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأحوال ص 302 ط مطبعة عبد اللطيف حجازي عن عبد الله بن أبي بكر بن أبي مريم عن مشيخته، وفي إسناده جهالة بعض الرواة (الميزان للذهبي 4 / 498 ط عيسى الحلبي) وروى مسلم عن جابر قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء. . . " (صحيح مسلم 3 / 1197 ط عيسى الحلبي) .

- فَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ: أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ بَعْدَ ذَلِكَ. لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا {لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ} (1) وَلأَِنَّهُ تَمْلِيكُ مَا لاَ يَمْلِكُ، وَبَيْعُ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ (2) .
- وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَارَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ وَرَدَّهُ بَطَل. وَذَلِكَ لإِِطْلاَقَاتِ النُّصُوصِ فِي حِل الْبَيْعِ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الأَْصِيل وَالْوَكِيل، ابْتِدَاءً أَوْ بَقَاءً وَانْتِهَاءً. وَلِحَدِيثِ {عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، ثُمَّ عَادَ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ} ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال لَهُ: {بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ} (3) . وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنْ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِهِ.

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الشَّرْطِ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِبُطْلاَنِ
__________
(1) حديث " لا تبع ما ليس عندك " تقدم تخريجه (ف 21) .
(2) تحفة المحتاج 4 / 246، 247، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 16.
(3) بدائع الصنائع 5 / 149، والشرح الكبير للدردير 3 / 12، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 160، وكشاف القناع 3 / 157. وحديث عروة البارقي " بارك الله في صفقة يمينك. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 32 ط السلفية) .

بَيْعِ مَا يَلِي:
(1) بَيْعُ الْوَقْفِ: وَقَدْ صَرَّحُوا بِبُطْلاَنِهِ، حَتَّى الْحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ بَاطِلٌ لاَ فَاسِدٌ، فَلاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ (1) (ر مُصْطَلَحُ: وَقْف)
(2) - بَيْعُ أَرَاضِي بَيْتِ الْمَال: فَقَدْ قَرَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى رَقَبَتِهَا أَحْكَامُ الْوُقُوفِ الْمُؤَبَّدَةِ (ر مُصْطَلَحُ: أَرْض) وَأَرَاضِي الْجِزَى (ر مُصْطَلَحُ: جِزْيَة) .
(3) بَيْعُ الْمَسَاجِدِ، وَرِبَاعُ مَكَّةَ، وَالْحَرَمِ، وَبِقَاعِ الْمَنَاسِكِ (2) عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ. ر مُصْطَلَحَاتِ: (مَسْجِد، حَرَم، مَكَّة) .
(4) الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ وَالْجَامِدَةُ، فِي الأَْرَاضِيِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمُحَيَّاةِ. وَخِلاَفُ الْفُقَهَاءِ مَعْرُوفٌ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا. ر مُصْطَلَحُ: (أَرْض، مَعْدِن، إِحْيَاء) .

(5) ضَرْبَةُ الْغَائِصِ:
23 - الْغَائِصُ: مَنْ يَغُوصُ لاِسْتِخْرَاجِ اللآَّلِئِ مِنَ الْبَحْرِ، يَقُول: أَغُوصُ غَوْصَةً، فَمَا أَخْرَجْتُهُ مِنَ اللآَّلِئِ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا. وَمِثْلُهُ الْقَانِصُ، وَهُوَ الصَّائِدُ، يَقُول: بِعْتُكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ إِلْقَاءِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ مَرَّةً، بِكَذَا (3) .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 3 / 394.
(2) بدائع الصنائع 5 / 146، وكشاف القناع 3 / 160.
(3) الدر المختار ورد المحتار 6 / 109، وانظر الهداية وشروحها 6 / 53.

قَال: {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَْنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا إِلاَّ بِكَيْلٍ، وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ} (1) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ هَذَا الْبَيْعِ، لأَِنَّهُ بَيْعُ مَعْدُومٍ، وَبَيْعُ مَا لَمْ يُمْلَكْ، وَبَيْعُ مَجْهُولٍ، وَبَيْعُ غَرَرٍ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِبُطْلاَنِهِ. وَنَصَّ ابْنُ الْهُمَامِ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ بَاطِلٌ، لِعَدَمِ مِلْكِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ قَبْل الْعَقْدِ، فَكَانَ غَرَرًا، وَلِجَهَالَةِ مَا يَخْرُجُ (2) .
وَكَذَلِكَ الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَّل الْبُطْلاَنَ بِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ (3)

(6) بَيْعُ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ:
24 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَشْتَرِطُونَ الْقَبْضَ فِي التَّبَرُّعَاتِ، كَالصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا، فَمَا لَمْ تُقْبَضْ لاَ تَلْزَمُ وَلاَ تُفِيدُ الْمِلْكَ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْل " قَبْضِهَا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ {النَّهْيُ عَنْ شِرَاءِ
__________
(1) حديث " نهى عن شراء ما في بطون الأنعام. . " جزء من حديث أخرجه ابن ماجه (3 / 740 ط عيسى الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، ونقل الزيلعي عن عبد الحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به. (نصب الراية 4 / 15 ط المجلس العلمي بالهند) .
(2) فتح القدير 6 / 53.
(3) الدر المختار 4 / 109، وانظر تبيين الحقائق 4 / 47.

الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ} (1) وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ.
وَهَذَا خِلاَفًا لِلْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَآخَرِينَ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ فِي غَيْرِ الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، مِنَ اللُّزُومِ قَبْل الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا الْقَبْضُ شَرْطُ تَمَامٍ - كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ - لاَ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَالاِنْعِقَادُ وَاللُّزُومُ بِالْقَوْل. وَلِذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْل قَبْضِهَا لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا، خِلاَفًا لِمَا مُلِكَ بِالْمُعَاوَضَةِ وَلَمْ يُقْبَضْ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ.

(7) بَيْعُ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقَسْمِ:
25 - مِمَّا يَتَّصِل بِبَيْعِ مَا لَمْ يُمْلَكْ، مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْمُجَاهِدِ نَصِيبَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، قَبْل أَنْ يَقْسِمَهُ لَهُ الإِْمَامُ (2) .
وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِهَا فِي خُصُوصِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَْنْعَامِ. . وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ} (3) الْحَدِيثَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
__________
(1) حديث: " النهي عن شراء الصدقات حتى تقبض. . . " سبق تخريجه (ف 27) .
(2) بدائع الصنائع 6 / 123، والجمل على شرح المنهج 3 / 598، والإنصاف 7 / 119 - 220. وانظر القوانين الفقهية 170، 171، 242، والشرح الكبير للدردير 4 / 101، والدسوقي 3 / 151، 152.
(3) حديث أبي سعيد " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام " سبق تخريجه (ف 27) .

قَال: {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقْسَمَ} (1) .
وَيَرَى الْفُقَهَاءُ إِبَاحَةَ أَخْذِ الأَْطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الأَْقْوَاتِ مِنَ الْغَنَائِمِ قَبْل قِسْمَتِهَا لِلْحَاجَةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ، وَلَمْ يُبِيحُوا تَمَلُّكَهَا، وَلاَ تَمَوُّلَهَا - كَمَا عَبَّرَ الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - فَدَل هَذَا عَلَى مَنْعِ الْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ بَحَثُوا حُكْمَ بَيْعِهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا.
26 - فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ قَبْل الْقِسْمَةِ أَصْلاً، وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ؛ لأَِنَّ الْغَنَائِمَ لاَ تُمْلَكُ قَبْل الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ الاِنْتِفَاعُ لِلْحَاجَةِ، وَالْمُبَاحُ لاَ يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ، وَهَذَا نَصُّ الْمَرْغِينَانِيِّ فِي بِدَايَتِهِ: وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَنَائِمِ قَبْل الْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ (2) .
فَلَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنَ الْمَذْكُورَاتِ الْمُبَاحَةِ لَهُ، كَانَ بَيْعُهُ فُضُولِيًّا عِنْدَهُمْ، فَإِنْ أَجَازَهُ الإِْمَامُ رَدَّ ثَمَنَهُ إِلَى الْمَغَانِمِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَغَانِمُ قَدْ قُسِمَتْ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ غَيْرَ فَقِيرٍ، لأَِنَّهُ لِقِلَّتِهِ لاَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، فَتَعَذَّرَ إِيصَالُهُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيُتَصَدَّقُ بِهِ كَاللُّقَطَةِ. وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَهُ (3) .
__________
(1) حديث ابن عباس " نهى عن بيع الغنائم حتى تقسم. . . " جزء من الحديث المتقدم (ف 27) .
(2) انظر الهداية شرح البداية بشروحها 5 / 227، وانظر الدر المختار ورد المحتار 3 / 233.
(3) الدر المختار ورد المحتار 3 / 232، وانظر الهداية بشروحها 5 / 227.

27 - وَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: يَجُوزُ - مَعَ - الْكَرَاهَةِ - مُبَادَلَةُ الطَّعَامِ بِمِثْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ بِتَفَاضُلٍ أَوْ تَأْخِيرٍ فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ الْمُتَّحِدِ الْجِنْسِ (1) .
28 - وَالشَّافِعِيَّةُ خَالَفُوا فِي ذَلِكَ، وَقَرَّرُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صَرْفُ الطَّعَامِ إِلَى حَاجَةٍ أُخْرَى، بَدَلاً عَنْ طَعَامِهِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ إِلاَّ أَكْلَهُ فَقَطْ، لأَِنَّهُ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ لاَ التَّمْلِيكِ (2) .
وَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ.
هَذَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي بَحْثِ الْغَنَائِمِ، لَكِنْ فِي بَحْثِ حُكْمِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ، قَرَّرُوا خِلاَفَهُ. وَلِمَا قَرَّرَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ أَنَّ الشَّخْصَ لَهُ بَيْعُ مَا لَهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً، كَوَدِيعَةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ، عَلَّقَ الْقَلْيُوبِيُّ عَلَى قَوْلَةِ: " كَوَدِيعَةٍ " بِمَا نَصُّهُ: وَمُثْلَةُ غَلَّةُ وَقْفٍ وَغَنِيمَةٍ، فَلأَِحَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوِ الْغَانِمِينَ، بَيْعُ حِصَّتِهِ قَبْل إِفْرَازِهَا. قَالَهُ شَيْخُنَا. بِخِلاَفِ حِصَّتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهَا قَبْل إِفْرَازِهَا وَرُؤْيَتِهَا، وَاكْتَفَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِالإِْفْرَازِ فَقَطْ، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ (3) .
فَكَلاَمُ الْقَلْيُوبِيِّ هُنَا، نَقْلاً عَنْ شَيْخِهِ، يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ، مِنْ أَنَّ لَهُ الأَْخْذَ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ لاَ التَّمْلِيكِ.
__________
(1) شرح الخرشي 3 / 136، وانظر الشرح الكبير للدردير 2 / 194.
(2) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 4 / 223.
(3) المرجع السابق نفسه 2 / 213.

فَيَبْدُو أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مِلْكِ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهَا لاَ تُمْلَكُ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ، لَكِنْ لاَ بِمُجَرَّدِهَا، بَل إِنْ قَبِل مَا أُحْرِزَ لَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ اخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ اللَّفْظِ بِأَنْ يَقُول: اخْتَرْتُ مِلْكَ نَصِيبِي. وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ.
الثَّانِي: وَقِيل يَمْلِكُونَ قَبْل الْقِسْمَةِ بِالاِسْتِيلاَءِ مِلْكًا ضَعِيفًا يَسْقُطُ بِالإِْعْرَاضِ، وَوَجَّهَ هَذَا الشَّيْخُ عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: بِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَال، وَبَعِيدٌ بَقَاؤُهُ بِلاَ مَالِكٍ.
الثَّالِثُ: إِنْ سَلِمَتِ الْغَنِيمَةُ إِلَى الْقِسْمَةِ، بَانَ (أَيْ ظَهَرَ مِلْكُهُمْ) بِالاِسْتِيلاَءِ، وَإِلاَّ بِأَنْ تَلِفَتْ أَوْ أَعْرَضُوا فَلاَ مِلْكَ لَهُمْ (1) .
فَيَبْدُو أَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ عِنْدَ شَيْخِ الْقَلْيُوبِيِّ قَبْل الْقِسْمَةِ، بِنَاءً عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ.
29 - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ نَصَّ الْخِرَقِيُّ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ تُعْلَفُ فَضْلاً عَمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْمُقْسَمِ (2) .
وَعَلَّلُوا وُجُوبَ رَدِّ مَنْ فَضَل مَعَهُ طَعَامٌ كَثِيرٌ مِنَ الْغَنَائِمِ وَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، إِلَى مُقَسِّمِ تِلْكَ الْغَزْوَةِ بِأَنَّهُ: أَخَذَ مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ،
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج وحاشيتي القليوبي وعميرة عليه 4 / 224.
(2) المغني 10 / 487.

لأَِنَّ الأَْصْل تَحْرِيمُهُ، لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، كَسَائِرِ الْمَال، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْهُ مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى أَصْل التَّحْرِيمِ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ بَيْعُهُ (1) .
وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ هَذَا الأَْثَرَ، وَهُوَ: أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّا أَصَبْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ فِي شَيْءٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: دَعِ النَّاسَ يَعْلِفُونَ وَيَأْكُلُونَ، فَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِيهِ خُمُسٌ لِلَّهِ وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ (2)
وَفَصَّل الْقَاضِي مِنْ أَئِمَّتِهِمْ تَفْصِيلاً دَقِيقًا، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدِ ارْتَضَوْهُ، فَقَال: لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَازٍ أَوْ غَيْرِهِ.
- فَإِنْ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ يَبِيعُ مَال الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ وِلاَيَةٍ وَلاَ نِيَابَةٍ، فَيَجِبُ رَدُّ الْمَبِيعِ، وَنَقْضُ الْبَيْعِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، رَدَّ قِيمَتَهُ أَوْ ثَمَنَهُ، إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ إِلَى الْمَغْنَمِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ حُمِل كَلاَمُ الْخِرَقِيِّ
- وَإِنْ بَاعَهُ لِغَازٍ لَمْ يَحِل، إِلاَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِطَعَامٍ أَوْ عَلَفٍ، مِمَّا لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
__________
(1) المرجع السابق نفسه 10 / 487، والشرح الكبير في ذيله 10 / 472.
(2) المغني 10 / 488 وقال: رواه سعيد.

- فَإِنْ بَاعَهُ بِمِثْلِهِ، فَلَيْسَ هَذَا بَيْعًا فِي الْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا سَلَّمَ إِلَيْهِ مُبَاحًا وَأَخَذَ مِثْلَهُ مُبَاحًا، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الاِنْتِفَاعُ بِمَا أَخَذَ، وَصَارَ أَحَقَّ بِهِ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ صَاعًا بِصَاعَيْنِ، وَافْتَرَقَا قَبْل الْقَبْضِ جَازَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ. وَإِنْ بَاعَهُ نَسِيئَةً، أَوْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِيفَاؤُهُ، فَإِنْ وَفَّاهُ أَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ، عَادَتِ الْيَدُ إِلَيْهِ.
- وَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَالْبَيْعُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِهِ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلاَ ثَمَنَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَيْهِ (1) .
30 - وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الاِتِّجَاهَ الْعَامَّ فِي الْفِقْهِ
- بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا رُوِيَ مِنْ قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَعَنْ حَال مُبَادَلَةِ الطَّعَامِ بِالْمِثْل وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - هُوَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ الْمَغَانِمِ قَبْل الْقِسْمَةِ، كَمَا هُوَ نَصُّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، الَّذِي نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ.
وَفِي هَذَا يَقُول الشَّوْكَانِيُّ: مُقْتَضَى النَّهْيِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِهَا قَبْل الْقِسْمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ مِلْكَ - عَلَى مَا هُوَ الأَْظْهَرُ مِنْ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ - لأَِحَدٍ مِنَ الْغَانِمِينَ قَبْلَهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ أَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل (2) .
__________
(1) المغني 10 / 489، والشرح الكبير في ذيله 10 / 469.
(2) نيل الأوطار 5 / 149، 150.

31 - هَذَا حُكْمُ بَيْعِ الْغُزَاةِ الْغَانِمِينَ أَنْصِبَتَهُمْ وَمَا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ، قَبْل الْقِسْمَةِ.

أَمَّا حُكْمُ بَيْعِ الإِْمَامِ الْغَنَائِمَ قَبْل الْقِسْمَةِ، فَقَدْ عَرَضَ لَهُ الْحَنَفِيَّةُ فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَصِحُّ.
لأَِنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، يَعْنِي أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَقَلُّهَا تَخْفِيفُ إِكْرَاهِ الْحَمْل عَلَى النَّاسِ، أَوْ عَنِ الْبَهَائِمِ وَنَحْوِهِ، وَتَخْفِيفُ مُؤْنَتِهِ عَنْهُمْ، فَيَقَعُ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَلاَ يَقَعُ جُزَافًا، فَيَنْعَقِدُ بِلاَ كَرَاهَةٍ مُطْلَقًا (1) .
كَمَا عَرَضَ لَهُ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، وَلَهُمْ فِيهِ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: وُجُوبُ بَيْعِ الإِْمَامِ الأَْرْبَعَةَ الأَْخْمَاسَ مِنَ الْغَنَائِمِ، لِيَقْسِمَهَا بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ؛ لأَِنَّ قِسْمَةَ الأَْثْمَانِ أَقْرَبُ إِلَى الْمُسَاوَاةِ، لِمَا يَدْخُل التَّقْوِيمَ مِنَ الْخَطَأِ.
الآْخَرُ: عَدَمُ الْوُجُوبِ، بَل الإِْمَامُ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ شَاءَ بَاعَ وَقَسَمَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ قَسَمَ الأَْعْيَانَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ (2) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ.
32 - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ كَوْنَهُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ
__________
(1) فتح القدير 5 / 227.
(2) شرح الخرشي 3 / 136، وانظر الشرح الكبير للدردير 2 / 194، والقوانين الفقهية 100.

بَعْدَ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا. فَقَدْ يَمْلِكُ الإِْنْسَانُ مَالاً، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالْجَمَل الَّذِي شَرَدَ مِنْ صَاحِبِهِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ فِي هَذِهِ الْحَال، لأَِنَّ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ شَبِيهٌ بِالْمَعْدُومِ، وَالْمَعْدُومُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ - كَمَا تَقَدَّمَ (1) - فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ.
وَمِمَّا يُمَثِّل بَيْعَ غَيْرِ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ: السَّمَكُ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ امْتِلاَكِهِ، وَالطَّيْرُ الْمَمْلُوكُ إِذَا طَارَ فِي الْهَوَاءِ، وَالصَّيْدُ إِذَا انْفَلَتَ بَعْدَ صَيْدِهِ، وَمِنْهُ بَيْعُ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَالشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ.
وَالآْبِقُ: مَنْ تَرَكَ سَيِّدَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ كَدِّ عَمَلٍ.
وَلِهَذَا قِيل: إِنْ كَانَ هُرُوبُهُ مِنْ خَوْفٍ أَوْ تَعَبٍ، يُقَال لَهُ: هَارِبٌ (2) .
33 - وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ وَإِنْ تَرَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلاَنِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: مِنْ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْمُفْسِدِ يَرُدُّ الْعَقْدَ صَحِيحًا، لِقِيَامِ الْعَقْدِ مَعَ الْفَسَادِ، بِخِلاَفِ ارْتِفَاعِ الْمُبْطِل؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ مَعْدُومٌ مَعَهُ وَإِنْ رَجَّحَ الْكَمَال مِنْهُمُ الْفَسَادَ، لاِنْعِدَامِ الْقُدْرَةِ فِيهِ عَلَى التَّسْلِيمِ (3) .
وَعَلَّلُوا فَسَادَ هَذَا الْعَقْدِ:
- بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ (4)
__________
(1) راجع فيما تقدم (ف 5 وما بعدها) من هذا البحث.
(2) حاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 159، والمصباح.
(3) رد المحتار 4 / 113.
(4) حديث أبي سعيد: سبق تخريجه (ف 27) .

{نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَْنْعَامِ. . . وَعَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ} . - وَلأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَهُوَ شَرْطُ جَوَازِهِ (1) .
34 - وَمَعَ ذَلِكَ، لَوْ حَصَل بَيْعُ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، فَفِيهِ هَذِهِ الصُّوَرُ التَّفْصِيلِيَّةُ الْمَذْهَبِيَّةُ:

الأُْولَى: أَنْ يَبِيعَهُ الْمَالِكُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (2) ،، بَل قَطْعًا كَمَا يُعَبِّرُ الشَّافِعِيَّةُ (3) وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ: إِنْ حَصَل فِي يَدِ إِنْسَانٍ جَازَ بَيْعُهُ، لإِِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ (4) ، لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهِ (5) .
غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ فَصَّلُوا فِي صَيْرُورَةِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ قَابِضًا بَعْدَ الْبَيْعِ:
أ - فَإِنْ كَانَ قَبَضَ الآْبِقَ حِينَ وَجَدَهُ لِنَفْسِهِ، لاَ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى قَبْضِهِ لِسَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا، لأَِنَّ قَبْضَهُ هَذَا قَبْضُ غَصْبٍ، وَهُوَ قَبْضُ ضَمَانٍ، كَقَبْضِ الْمَبِيعِ.
ب - وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى قَبْضِهِ عِنْدَمَا وَجَدَهُ
__________
(1) تبيين الحقائق 4 / 49، وبدائع الصنائع 5 / 147.
(2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 112، وهو الذي يبدو من شرح الخرشي 5 / 16.
(3) حاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 159.
(4) المغني 4 / 271، والشرح الكبير في ذيله 4 / 24.
(5) كشاف القناع 3 / 162، وانظر الإنصاف 4 / 293.

لاَ يَصِيرُ قَابِضًا؛ لأَِنَّ قَبْضَهُ هُوَ قَبْضُ أَمَانَةٍ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى سَيِّدِهِ لاَ يَضْمَنُهُ، فَلاَ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ، وَهُوَ قَبْضُ الْمَبِيعِ، لأَِنَّهُ أَقْوَى، وَلأَِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَ قَبْل أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَالِكِهِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ (1) .

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ الْمَالِكُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِنْتِزَاعِ وَالتَّحْصِيل - لَكِنْ بِسُهُولَةٍ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمَالِكِيَّةِ (2) - وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (3) ، وَالْقَوْل الثَّانِي الْمُصَوَّبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقْتَضَى نَصِّ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ (4) .
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ (5) ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (6) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (7) .
وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنِ التَّسْلِيمِ.
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 112. وانظر الهداية وشروحها 6 / 59، والعناية على التخصيص.
(2) شرح الدردير 3 / 11.
(3) شرح المحلي على المنهاج 2 / 158، وانظر تحفة المحتاج 4 / 243.
(4) انظر الإنصاف 4 / 293، والمغني 4 / 271.
(5) الدر المختار ورد المحتار 4 / 112، وانظر تبيين الحقائق 4 / 50، وقارن بالبدائع 5 / 147.
(6) شرح المحلي على المنهاج 2 / 158.
(7) كشاف القناع 3 / 162 وانظر الإنصاف 4 / 293.

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ الْمَالِكُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي يَدِ أَحَدٍ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (1) ، وَفِي الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (2) .
لَكِنَّ الْقَلْيُوبِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، قَيَّدَهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُشْرِي قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ بِلاَ مَشَقَّةٍ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً، وَبِلاَ مُؤْنَةٍ لَهَا وَقْعٌ (3) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ جَوَازِهَا (4) .

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ.
وَالإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهَا، وَهِيَ مَحْمَل الْحَدِيثِ.

35 - وَيَتَّصِل بِبَيْعِ الآْبِقِ، بَيْعُ الْمَغْصُوبِ:
أ - فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ غَاصِبِهِ، جَازَ بِالاِتِّفَاقِ، وَعَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ بِالْجَوَازِ هُنَا (5) لأَِنَّ الْمَبِيعَ مُسَلَّمٌ بِالْفِعْل إِلَى الْمُشْتَرِي (6) ، (وَقَبْضُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، كَقَبْضِهِ قَبْلَهُ، فِي الْمَضْمُونِيَّةِ) . . وَقَيَّدَهُ - مَعَ
__________
(1) رد المحتار 4 / 112، والشرح الكبير للدردير 2 / 11، وتحفة المحتاج 4 / 243.
(2) الإنصاف 4 / 293.
(3) حاشية القليوبي على شرح المنهاج 2 / 158.
(4) كشاف القناع 3 / 162، والإنصاف 4 / 293.
(5) شرح المحلي على المنهاج 2 / 158، وانظر الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 25، والإنصاف 4 / 294.
(6) الشرح الكبير للدردير 3 / 11.

ذَلِكَ - الْمَالِكِيَّةُ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْغَاصِبَ عَزَمَ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ (1) .
ب - وَإِنْ بَاعَهُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ أَوْ رَدِّهِ صَحَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (2) ، وَهُوَ الْقَوْل الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. لَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِتَيَسُّرِ وُصُولِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي بِلاَ مُؤْنَةٍ وَلاَ مَشَقَّةٍ مَلْحُوظَةٍ عَلَيْهِ (3) ، فَإِنِ احْتَاجَ الرَّدُّ إِلَى مُؤْنَةٍ انْتَفَى الْمَنْعُ (4) . كَمَا قَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِكَوْنِ الْغَاصِبِ مُقِرًّا مَقْدُورًا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ لاَ. لأَِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ مَنْعُ شِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ (5) . وَالْمُقَرَّرُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَغْصُوبِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ مِنْ غَاصِبٍ (6) ، كَالْحَنَابِلَةِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ، لِعَجْزِ الْبَائِعِ بِنَفْسِهِ عَنِ التَّسْلِيمِ (7) . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (8) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ بَيْعَ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَوْ سَلَّمَ نَفَذَ، وَإِلاَّ لاَ.
__________
(1) شرح الخرشي 5 / 17.
(2) المرجع السابق نفسه، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 158، والإنصاف 4 / 294.
(3) تحفة المحتاج وحاشية الشبراملسي عليها 4 / 243.
(4) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 3 / 28.
(5) شرح الخرشي 5 / 17.
(6) القوانين الفقهية (164) وقارن بالشرح الكبير للدردير 3 / 11. وقارن بكشاف القناع 3 / 162.
(7) شرح المحلي على المنهاج 2 / 158.
(8) الإنصاف 4 / 294.

وَفَرَّقُوا بَيْنَ بَيْعِ الآْبِقِ - فَإِنَّهُ فَاسِدٌ بَل غَيْرُ مُنْعَقِدٍ - وَبَيْنَ بَيْعِ الْمَغْصُوبِ - فَإِنَّهُ صَحِيحٌ - بِأَنَّ الْمَالِكَ فِي بَيْعِ الْمَغْصُوبِ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ بِقُدْرَةِ الْحَاكِمِ، إِلاَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَمْ يَنْفُذْ لِلْحَال لِقِيَامِ يَدِ الْغَاصِبِ صُورَةً، فَإِذَا سَلَّمَ زَال الْمَانِعُ فَيَنْفُذُ.
وَهَذَا بِخِلاَفِ الآْبِقِ، لأَِنَّهُ - كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ -: مَعْجُوزُ التَّسْلِيمِ عَلَى الإِْطْلاَقِ إِذْ لاَ تَصِل إِلَيْهِ يَدُ أَحَدٍ، لِمَا أَنَّهُ لاَ يُعْرَفُ مَكَانُهُ، فَكَانَ الْعَجْزُ مُتَقَرِّرًا، وَالْقُدْرَةُ مُحْتَمَلَةً مَوْهُومَةً، فَلاَ يَنْعَقِدُ مَعَ الاِحْتِمَال، فَأَشْبَهَ بَيْعُ الآْبِقِ بَيْعَ الطَّيْرِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ وَبَيْعَ السَّمَكِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، كَذَا هَذَا (1) .

الأَْسْبَابُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِلاَزِمِ الْعَقْدِ

وَهِيَ:
الرِّبَا، وَمَا هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ، وَالْغَرَرُ.

وَفِيمَا يَلِي أَسْبَابُ النَّهْيِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرِّبَا.
36 - الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَضْلٌ - وَلَوْ حُكْمًا - خَالٍ عَنْ عِوَضٍ بِمِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ، مَشْرُوطٌ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فِي الْمُعَاوَضَةِ. (2) وَقَيْدُ الْحُكْمِيَّةِ، لإِِدْخَال رِبَا النَّسِيئَةِ وَأَكْثَرِ
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 147.
(2) انظر الدر المختار، ورد المحتار 4 / 176، 177. والتعريف المذكور للتمرتاشي في تنوير الأبصار

الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ؛ لأَِنَّ الرِّبَا نَوْعَانِ: رَبَا الْفَضْل، وَرِبَا النَّسِيئَةِ.
وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ (1) بِنَوْعَيْهِ: الْفَضْل وَالنَّسِيئَةِ، وَيَجْرِي رِبَا الْفَضْل وَرِبَا النَّسِيئَةِ فِي بَعْضِ مَسَائِل الصَّرْفِ وَتَفْصِيلُهُ فِي (الصَّرْفِ) .
وَالرِّبَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يَحِل فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (2) } وَفِي الْحَدِيثِ لَعَنَ اللَّهُ آكِل الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ. وَقَال: هُمْ سَوَاءٌ (3) وَلَيْسَ الْقَصْدُ هُنَا ذِكْرُ أَحْكَامِ الرِّبَا وَشُرُوطِهِ وَمَسَائِلِهِ، بَل يُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ تَحْتَ عِنْوَانِ (رِبا) .

وَالْقَصْدُ هُنَا التَّعَرُّفُ عَلَى أَحْكَامِ بَعْضِ الْبُيُوعِ الرِّبَوِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا فِي السُّنَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْبُيُوعِ مَا يَلِي:
__________
(1) المغني والشرح الكبير في ذيله 4 / 122
(2) سورة البقرة / 278 - 279
(3) حديث: " لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء. . . " أخرجه مسلم (3 / 1219 ط عيسى الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله. وانظر حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج 2 / 166

أ - بَيْعُ الْعِينَةِ:
37 - هُوَ: بَيْعُ الْعَيْنِ بِثَمَنٍ زَائِدٍ نَسِيئَةً لِيَبِيعَهَا الْمُسْتَقْرِضُ بِثَمَنٍ حَاضِرٍ أَقَل لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ، كَمَا عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ (1) وَهُنَاكَ تَعْرِيفَاتٌ وَصُوَرٌ أُخْرَى اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا وَفِي حُكْمِهَا.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْعِينَةِ) .

ب - بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ.
38 - الْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى النَّخِيل بِتَمْرٍ مَجْذُوذٍ مِثْل كَيْلِهِ خَرْصًا (أَيْ ظَنًّا وَتَقْدِيرًا) وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدَّرَ الرُّطَبُ الَّذِي عَلَى النَّخِيل بِمِقْدَارِ مِائَةِ صَاعٍ مَثَلاً بِطَرِيقِ الظَّنِّ وَالْحَزْرِ، فَيَبِيعَهُ بِقَدْرِهِ مِنَ التَّمْرِ (2) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَسَادِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْبَيْعِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ) .

ج - بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ:
39 - الْمُحَاقَلَةُ: بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ مِثْل كَيْلِهَا خَرْصًا (3) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُحَاقَلَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ)
__________
(1) ابن عابدين 4 / 279
(2) فتح القدير والهداية 6 / 53، وابن عابدين 4 / 109
(3) الهداية مع شروحها 6 / 54

د - بَيْعُ الْعَرَايَا:
40 - هُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْل بِتَمْرٍ فِي الأَْرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ (1) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْعَرَايَا.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعُ الْعَرَايَا)

هـ - بَيْعُ الْعُرْبُونِ:
41 - بَيْعُ الْعُرْبُونِ هُوَ: أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ وَيَدْفَعَ إِلَى الْبَائِعِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَهُوَ لِلْبَائِعِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (بَيْعُ الْعُرْبُونِ) .

و النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ:
42 - وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ: صَاعُ الْبَائِعِ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي (2)
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 238
(2) حديث: " نهى عن بيع الطعام. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 750 ط الحلبي) من حديث جابر وضعفه البوصيري، وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة، وجود إسناده ابن حجر كما في الدراية (2 / 155 ط مطبعة الفجالة) .

وَفِي مَعْنَاهُ وَرَدَ أَيْضًا حَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَال: كُنْتُ أَبْتَاعُ التَّمْرَ مِنْ بَطْنٍ مِنَ الْيَهُودِ يُقَال لَهُمْ: بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَأَبِيعُهُ بِرِبْحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا عُثْمَانُ إِذَا اشْتَرَيْتَ فَاكْتَل، وَإِذَا بِعْتَ فَكِل (1) .
كَمَا وَرَدَ أَيْضًا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. كَانَا يَبْتَاعَانِ التَّمْرَ، وَيَجْعَلاَنِهِ فِي غَرَائِرَ، ثُمَّ يَبِيعَانِهِ بِذَلِكَ الْكَيْل، فَنَهَاهُمَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعَاهُ حَتَّى يَكِيلاَ لِمَنِ ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا (2) .
وَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ تَدُل عَلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً، وَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْل الأَْوَّل، حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنِ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (3) .
وَنَصَّ ابْنُ الْهُمَامِ عَلَى أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (4) .
__________
(1) حديث: " يا عثمان إذا اشتريت. . . . " أخرجه أحمد (1 / 62 ط الميمنية) من حديث عثمان بن عفان وأورده الهيثمي في المجمع (4 / 98 ط القدسي) وقال: إسناده حسن
(2) حديث يحيى بن أبي كثير أخرجه عبد الرزاق (8 / 39) وفي إسناده انقطاع بين يحيى بن أبي كثير وبين الصحابي راوي الحديث (التهذيب لابن حجر 11 / 270 ط دائرة المعارف العثمانية)
(3) نيل الأوطار 5 / 161
(4) فتح القدير 6 / 139

وَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ الْقَبْضَ قَبْل بَيْعِ الْمَبِيعِ فِي الْجُمْلَةِ. فَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ - كَمَا يُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ - أَوْ هُوَ شَرْطٌ فِي (صِحَّةِ) قَبْضِ الْمَنْقُول مَعَ نَقْلِهِ. كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ (1) .
لَكِنْ قَامَ الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَيْل فِيمَا بِيعَ جُزَافًا. وَاسْتِثْنَاءُ الْجُزَافِ مِنَ الشَّرْطِ كَانَ أَخْذًا مِنْ مَعْنَى النَّصِّ، أَوْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ (2) .

43 - وَنَذْكُرُ هُنَا بَعْضَ الأَْمْثِلَةِ التَّطْبِيقِيَّةِ الْفِقْهِيَّةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِتَقَارُبِهِمَا فِيهَا.

الْمِثَال الأَْوَّل:
لَوْ كَانَ لِبَكْرٍ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، كَعَشَرَةِ آصُعٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَى بَكْرٍ مِثْلُهُ، فَلْيَطْلُبْ بَكْرٌ مِنْ زَيْدٍ أَنْ يَكِيلَهُ لَهُ، حَتَّى يَدْخُل فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ يَكِيل بَكْرٌ لِعَمْرٍو، لِيَكُونَ الْقَبْضُ وَالإِْقْبَاضُ صَحِيحَيْنِ؛ لأَِنَّ الإِْقْبَاضَ هُنَا مُتَعَدِّدٌ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الْكَيْل، فَلَزِمَ تَعَدُّدُهُ؛ لأَِنَّ الْكَيْلَيْنِ، قَدْ يَقَعُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ (3) .
فَلَوْ قَال بَكْرٌ لِعَمْرٍو: اقْبِضْ يَا عَمْرُو مِنْ زَيْدٍ عَنِّي مَالِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ، فَفَعَل عَمْرٌو، فَالْقَبْضُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَيْدٍ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ لِوُجُودِ
__________
(1) فتح القدير 6 / 139، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 217، 218، وشرح المنهج 3 / 173
(2) شرح المحلي وحاشية القليوبي 2 / 217، وحاشية الجمل 3 / 173، وتحفة المحتاج 4 / 419
(3) تحفة المحتاج 4 / 419

الإِْذْنِ، وَهُوَ إِذْنُ الدَّائِنِ، وَهُوَ بَكْرٌ فِي الْقَبْضِ مِنْهُ لَهُ بِطَرِيقِ الاِسْتِلْزَامِ، فَأَشْبَهَ قَبْضُهُ قَبْضَ وَكِيلِهِ.
لَكِنَّ هَذَا الْقَبْضَ فَاسِدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمْرٍو، لِكَوْنِهِ قَابِضًا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّ قَبْضَهُ مَشْرُوطٌ بِتَقَدُّمِ قَبْضِ بَكْرٍ وَلَمْ يُوجَدْ، وَلاَ يُمْكِنُ حُصُولُهُمَا، لِمَا فِيهِ مِنَ اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ، وَمَا قَبَضَهُ عَمْرٌو مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكِيلُهُ الْمَقْبُوضُ لَهُ، وَهُوَ بَكْرٌ، لِلْقَابِضِ، وَهُوَ عَمْرٌو، وَيَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ: أَنَّ هَذَا الْقَبْضَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْقَبْضِ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُ، بِخِلاَفِ الْوَكِيل.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الْمَقْبُوضُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُسَلَّمِ إِلَيْهِ، وَهُوَ زَيْدٌ، لِعَدَمِ الْقَبْضِ الصَّحِيحِ.
بِخِلاَفِهِ عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَقْبُوضُ مِلْكًا لِبَكْرٍ.
وَيَبْدُو أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الأَْخِيرَةَ هِيَ الرَّاجِحَةُ، فَعَلَيْهَا مَتْنُ الإِْقْنَاعِ.
وَلَوْ قَال: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ، صَحَّ الْقَبْضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، لأَِنَّهُ اسْتَنَابَهُ فِي قَبْضِهِ لَهُ، وَإِذَا قَبَضَهُ لِمُوَكِّلِهِ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَأَذِنَهُ فِي قَبْضِهَا عَنْ دَيْنِهِ.
هَذَا، وَإِنْ يَكُنِ الْمِثَال الْمَذْكُورُ، وَهُوَ الْمِثَال الأَْوَّل، فِي السَّلَمِ، لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ، لأَِنَّهُ الَّذِي

فِي كَلاَمِ الأَْصْحَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِثْل السَّلَمِ - كَمَا قَالُوا - دَيْنُ الْقَرْضِ وَالإِْتْلاَفِ (1) .

الْمِثَال الثَّانِي:
44 - لَوْ قَال بَكْرٌ لِعَمْرٍو: احْضُرِ اكْتِيَالِي مِنْ زَيْدٍ لأَِقْبِضَهُ لَكَ، فَفَعَل، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِعَمْرٍو، لِعَدَمِ كَيْلِهِ، وَيَكُونُ بَكْرٌ قَابِضًا لِنَفْسِهِ لاِكْتِيَالِهِ إِيَّاهُ (2) .

الْمِثَال الثَّالِثُ:
45 - لَوْ قَال بَكْرٌ لِعَمْرٍو، خُذْهُ بِهَذَا الْكَيْل الَّذِي قَدْ شَاهَدْتَهُ، فَأَخَذَهُ بِهِ صَحَّ، لأَِنَّهُ شَاهَدَ كَيْلَهُ وَعَلِمَهُ، فَلاَ مَعْنَى لاِعْتِبَارِ كَيْلِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً (3) .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ، وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ (4) . . .
وَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ.
وَلأَِنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا.
__________
(1) تحفة المحتاج 4 / 419، 420، وشرح المحلي وحاشية قليوبي عليه 2 / 217، 218، وحاشية الجمل 3 / 174، 175، والمغني 4 / 222، وكشاف القناع 3 / 308
(2) كشاف القناع 3 / 308، 309، والمغني 4 / 222
(3) نفس المراجع
(4) حديث: " نهى عن بيع الطعام. . . " سبق تخريجه ف / 42

الْمِثَال الرَّابِعُ:
46 - لَوْ قَال بَكْرٌ لِعَمْرٍو: احْضُرْنَا حَتَّى أَكْتَالَهُ لِنَفْسِي، ثُمَّ تَكْتَالَهُ أَنْتَ، وَفَعَلاَ، صَحَّ بِغَيْرِ إِشْكَالٍ.
وَلَوِ اكْتَال بَكْرٌ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَمْرٌو بِذَلِكَ الْكَيْل الَّذِي شَاهَدَهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَوْ تَرَكَهُ فِي الْمِكْيَال، وَدَفَعَهُ إِلَى عَمْرٍو، لِيُفَرِّغَهُ لِنَفْسِهِ صَحَّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْضًا صَحِيحًا؛ لأَِنَّ اسْتِدَامَةَ الْكَيْل بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ، وَلاَ مَعْنَى لاِبْتِدَاءِ الْكَيْل هَاهُنَا، إِذْ لاَ يَحْصُل بِهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ.
وَمَعَ أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ أَسْنَدَ إِلَى الشَّافِعِيَّةِ عَدَمَ صِحَّةِ الْقَبْضِ، لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْقَوْل بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَبْضُ الْمُشْتَرِي لَهُ فِي الْمِكْيَال إِجْرَاءً لِصَاعِهِ فِيهِ، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ نَصَّ عَلَى أَنَّ الاِسْتِدَامَةَ فِي نَحْوِ الْمِكْيَال كَالتَّجْدِيدِ، فَتَكْفِي (1) .

الْمِثَال الْخَامِسُ:
47 - لَوْ دَفَعَ بَكْرٌ إِلَى عَمْرٍو دَرَاهِمَ، فَقَال: اشْتَرِ لَكِ بِهَا مِثْل الطَّعَامِ الَّذِي لَكِ عَلَيَّ، فَفَعَل، لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ فُضُولِيٌّ إِذِ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ بِمَال غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ دَرَاهِمَ بَكْرٍ لاَ يَكُونُ عِوَضُهَا لِعَمْرٍو.
__________
(1) المغني 4 / 222، وحاشية الجمل 3 / 173، وتحفة المحتاج 4 / 410

وَالشَّافِعِيَّةُ يُعَلِّلُونَ بِأَنَّهُ: لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَال غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ، وَالدَّرَاهِمُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِهَا بَطَل الشِّرَاءُ، وَإِنِ اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، صَحَّ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالثَّمَنُ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَال: اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ فَفَعَل، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ (1) .
وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ حَقَّ الإِْنْسَانِ لاَ يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ قَبْضِهِ لِنَفْسِهِ، وَضَمِنَهُ الْغَرِيمُ الْقَابِضُ لاِسْتِيلاَئِهِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ قَبْضَهُ لِنَفْسِهِ فَرْعٌ عَنْ قَبْضِ مُوَكِّلِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ قَال: اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا (وَاقْبِضْهُ لِي) ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ، فَفَعَل، جَازَ، لأَِنَّهُ وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ، ثُمَّ الاِسْتِيفَاءِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: صَحَّ الشِّرَاءُ وَالْقَبْضُ الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي، لاِتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ، دُونَ الأَْوَّل.
لَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ قَاسُوهُ عَلَى مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الْوَالِدِ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَهِبَتِهِ لَهُ، وَقَبْضِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ.
وَالشَّافِعِيَّةُ يَمْنَعُونَ الْقِيَاسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ،
__________
(1) الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 420، والمغني 4 / 222، وكشاف القناع 3 / 309

وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ بِوَكَالَةٍ عَنْهُمَا.
كَمَا يَمْنَعُهُ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، لأَِنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ، فَقَبْضُهُ كَلاَ قَبْضٍ (1) .

الْمِثَال السَّادِسُ:
48 - اشْتَرَى اثْنَانِ طَعَامًا، فَقَبَضَاهُ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنَ الآْخَرِ قَبْل أَنْ يَقْتَسِمَاهُ:
أ - فَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يَجُوزَ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَهُ مُنْفَرِدًا، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَقْبُوضِ.
ب - وَيَحْتَمِل الْجَوَازَ، لأَِنَّهُ مَقْبُوضٌ لَهُمَا، يَجُوزُ بَيْعُهُ لأَِجْنَبِيٍّ، فَجَازَ بَيْعُهُ لِشَرِيكِهِ، كَسَائِرِ الأَْمْوَال.
وَلَوْ تَقَاسَمَاهُ وَافْتَرَقَا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِذَلِكَ الْكَيْل الَّذِي كَالَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا، فَاكْتَالَهُ وَتَفَرَّقَا، ثُمَّ بَاعَهُ إِيَّاهُ بِذَلِكَ الْكَيْل.
أَمَّا لَوْ تَقَاسَمَاهُ وَلَمْ يَفْتَرِقَا، وَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِذَلِكَ الْكَيْل، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ (2) . كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِثَال الرَّابِعِ.
49 - وَقَدْ تَنَاوَل الْحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَنَاوُلاً
__________
(1)) الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 420، وكشاف القناع 3 / 309، وحاشية القليوبي 2 / 218، والمغني 4 / 223، والشرح الكبير للدردير 3 / 152، 153
(2) المغني 4 / 223

خَاصًّا، بِالنَّصِّ وَالتَّفْصِيل وَالتَّعْلِيل. فَقَال الْمَرْغِينَانِيُّ مِنْهُمْ: مَنِ اشْتَرَى مَكِيلاً مُكَايَلَةً (أَيْ بِشَرْطِ الْكَيْل) أَوْ مَوْزُونًا مُوَازَنَةً (أَيْ بِشَرْطِ الْوَزْنِ) فَاكْتَالَهُ أَوِ اتَّزَنَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً، لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَلاَ أَنْ يَأْكُلَهُ، حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْل وَالْوَزْنَ (1) وَذَلِكَ لِحَدِيثَيْ جَابِرٍ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْمَذْكُورَيْنِ سَابِقًا (2)
وَلأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَذَلِكَ لِلْبَائِعِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي مَال الآْخَرِينَ حَرَامٌ، فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
وَلأَِنَّ الْكَيْل وَالْوَزْنَ وَالْعَدَّ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ، فَأَصْل الْقَبْضِ شَرْطٌ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ، فَكَذَا تَمَامُهُ (3) .
وَقَدْ قَيَّدَ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ بِالشِّرَاءِ، لأَِنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل الْكَيْل.
كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِل، وَهُوَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ، حَتَّى لَوْ بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ فَاسِدًا، بَعْدَ قَبْضِهِ مُكَايَلَةً، لَمْ يَحْتَجِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي إِلَى إِعَادَةِ الْكَيْل. قَال
__________
(1) تبيين الحقائق 4 / 81، والهداية بشروحها 6 / 81
(2) راجع فيما تقدم (ف 42)
(3)) تبيين الحقائق 4 / 82، والهداية بشروحها 6 / 139، 140، وراجع (ف 42)

أَبُو يُوسُفَ: لأَِنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، كَالْقَرْضِ (1) .
كَمَا أَلْحَقُوا بِالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ الْمَعْدُودَ الَّذِي لاَ يَتَفَاوَتُ، كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ، إِذَا اشْتَرَى مُعَادَّةً. وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ قَبْل الْعَدِّ ثَانِيًا لاِتِّحَادِ الْجَامِعِ، وَهُوَ: وُجُوبُ تَعَرُّفِ الْمِقْدَارِ، وَزَوَال احْتِمَال اخْتِلاَطِ الْمَالَيْنِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ لِلْبَائِعِ، خِلاَفًا لِمَا رُوِيَ عَنْهُمَا مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ الثَّانِي قَبْل الْعَدِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمَعْدُودَ مَعَ الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ فِي مَتْنِ الْكَنْزِ وَالتَّنْوِيرِ.
وَاسْتَثْنَوْا مِنَ الْمَوْزُونِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا بَعْدَ الْقَبْضِ قَبْل الْوَزْنِ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ أَوِ السَّلَمِ، كَبَيْعِ التَّعَاطِي، فَإِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ فِي الْمَوْزُونَاتِ إِلَى وَزْنِ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا، لأَِنَّهُ صَارَ بَيْعًا بِالْقَبْضِ بَعْدَ الْوَزْنِ.
وَيُلاَحَظُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ - كَغَيْرِهِمْ - الْمَبِيعَ مُجَازَفَةً، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ اشْتَرَى مُكَايَلَةً، لأَِنَّ كُل الْمُشَارِ إِلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي، فَلاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ اخْتِلاَطُ الْمِلْكَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَا إِذَا بَاعَ الثَّوْبَ مُذَارَعَةً، لأَِنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُشْتَرِي، إِذِ الذَّرْعُ وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ، لاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، بِخِلاَفِ الْقَدْرِ (2) .
__________
(1) رد المحتار 4 / 163
(2) فتح القدير 6 / 140، وقارن بحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 4 / 81، 82، والدر المختار 4 / 164.

وَيَبْدُو أَنَّ تَحْدِيدَ الأَْذْرُعِ لَيْسَ لَهُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ فِي أَيَّامِهِمْ؛ لأَِنَّ الثَّوْبَ فِي زَمَانِهِمْ، يُطْلَقُ عَلَى مَا يَكْفِي كِسَاءً وَاحِدًا، فَلاَ تَضُرُّ الزِّيَادَةُ فِيهِ، وَلاَ تَخْتَلِطُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ، بِخِلاَفِ الأَْثْوَابِ وَالأَْقْمِشَةِ فِي أَيَّامِنَا، حَيْثُ تُقْتَطَعُ مِنْهَا أَذْرُعٌ لِتُخَاطَ ثِيَابًا، فَإِنَّهَا مُقَابَلَةٌ بِالثَّمَنِ، وَتُعْتَبَرُ مِنَ الْقَدْرِ.
وَمَعَ أَنَّ بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ أَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ قَبْل إِعَادَةِ الْكَيْل، لَكِنَّ الشُّرَّاحَ فَسَّرُوهُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ خَبَرُ آحَادٍ، لاَ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ الْقَطْعِيَّةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1) .
وَمَعَ ذَلِكَ، فَلاَ يُقَال لآِكِلِهِ: إِنَّهُ أَكَل حَرَامًا، فَقَدْ نَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى أَنَّهُ: لَوْ أَكَلَهُ، وَقَدْ قَبَضَهُ بِلاَ كَيْلٍ، لاَ يُقَال: إِنَّهُ أَكَل حَرَامًا، لأَِنَّهُ أَكَل مِلْكَ نَفْسِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ آثِمٌ، لِتَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْكَيْل.
50 - وَمَعَ أَنَّ الْبَيْعَ قَبْل إِعَادَةِ الْكَيْل مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ صَرَّحُوا بِفَسَادِهِ.
وَهَذِهِ عِبَارَةُ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، قَال: إِذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا مِمَّا يُكَال أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ، فَاشْتَرَيْتَ مَا يُكَال كَيْلاً، وَمَا يُوزَنُ وَزْنًا، وَمَا يُعَدُّ عَدًّا، فَلاَ تَبِعْهُ حَتَّى تَكِيلَهُ وَتَزِنَهُ وَتَعُدَّهُ، فَإِنْ بِعْتَهُ قَبْل أَنْ تَفْعَل، وَقَدْ قَبَضَتْهُ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي الْكَيْل وَالْوَزْنِ (2) .
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 163
(2) ابن عابدين 4 / 163، وفتح القدير 6 / 140

وَعَلَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْفَاسِدَ هُوَ الْبَيْعُ الثَّانِي، وَهُوَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي قَبْل كَيْلِهِ، وَأَنَّ الأَْوَّل وَقَعَ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنْ أَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ حَتَّى يَكِيلَهُ، فَإِذَا بَاعَهُ قَبْل كَيْلِهِ، وَقَعَ الْبَيْعُ الثَّانِي فَاسِدًا؛ لأَِنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُ الْكَيْل مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ، فَإِذَا بَاعَهُ قَبْل كَيْلِهِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ قَبْل الْقَبْضِ، وَبَيْعُ الْمَنْقُول قَبْل قَبْضِهِ لاَ يَصِحُّ (1) .
51 - وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَّخِذَ التَّصَرُّفُ فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ بَعْدَ شِرَائِهِ هَذِهِ الصُّوَرَ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
الأُْولَى: أَنْ يَشْتَرِيَ مُكَايَلَةً، وَيَبِيعَ مُكَايَلَةً، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل أَنْ يَبِيعَهُ، حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْل لِنَفْسِهِ، كَمَا كَانَ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل، لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلاِحْتِمَال الزِّيَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (2) .
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ مُجَازَفَةً، وَيَبِيعَ كَذَلِكَ مُجَازَفَةً، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى كَيْلٍ، لِعَدَمِ الاِفْتِقَارِ إِلَى تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ مُكَايَلَةً، وَيَبِيعَ مُجَازَفَةً، فَلاَ يَحْتَاجُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي إِلَى كَيْلٍ، لأَِنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهُ مُجَازَفَةً، مَلَكَ جَمِيعَ مَا كَانَ مُشَارًا إِلَيْهِ، فَكَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ مُجَازَفَةً، وَيَبِيعَ مُكَايَلَةً،
__________
(1) رد المحتار 4 / 163
(2) راجع فقرة (42)

فَيَحْتَاجَ إِلَى كَيْلٍ وَاحِدٍ، إِمَّا كَيْل الْمُشْتَرِي، أَوْ كَيْل الْبَائِعِ بِحَضْرَتِهِ؛ لأَِنَّ الْكَيْل شَرْطٌ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيمَا بِيعَ مُكَايَلَةً، لِمَكَانِ الْحَاجَةِ إِلَى تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ الْوَاقِعِ مَبِيعًا، وَأَمَّا الْمُجَازَفَةُ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
فَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ، تَخْرُجُ هَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي حَقَّقَهَا ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهِيَ:
إِذَا مَلَكَ زَيْدٌ طَعَامًا، بِيعَ مُجَازَفَةً أَوْ بِإِرْثٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ عَمْرٍو مُكَايَلَةً سَقَطَ هُنَا صَاعُ الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ الأَْوَّل لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْكَيْل، وَبَقِيَ الاِحْتِيَاجُ إِلَى كَيْلٍ لِلْمُشْتَرِي فَقَطْ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ عَمْرٍو بِلاَ كَيْلٍ، فَهُنَا فَسَدَ الْبَيْعُ الثَّانِي فَقَطْ. ثُمَّ إِذَا بَاعَهُ عَمْرٌو مِنْ بَكْرٍ، فَلاَ بُدَّ مِنْ كَيْلٍ آخَرَ لِبَكْرٍ، فَهُنَا فَسَدَ الْبَيْعُ الأَْوَّل وَالثَّانِي، لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (1) .
52 - وَبِصَدَدِ الْكَيْل الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا، نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ:
أ - لاَ مُعْتَبَرَ بِكَيْل الْبَائِعِ قَبْل الْبَيْعِ مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ كَالَهُ لِنَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي عَنْ شِرَائِهِ هُوَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ صَاعَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَهُوَ الشَّرْطُ بِالنَّصِّ.
ب - وَلاَ مُعْتَبَرَ بِكَيْلِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ الثَّانِي، بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّ الْكَيْل مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ؛ لأَِنَّ بِهِ
__________
(1) شرح العناية على الهداية 6 / 139، 140 بتصرف

يَصِيرُ الْمَبِيعُ مَعْلُومًا، وَلاَ تَسْلِيمَ إِلاَّ بِحَضْرَتِهِ.
ج - وَإِنْ كَالَهُ أَوْ وَزَنَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي، فَفِيهِ اخْتِلاَفُ الْمَشَايِخِ:
- قِيل: لاَ يُكْتَفَى بِهِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ مَرَّتَيْنِ، احْتِجَاجًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
- وَقَال عَامَّتُهُمْ: كَفَاهُ ذَلِكَ، حَتَّى يَحِل لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ إِذَا قَبَضَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْكَيْل وَالْوَزْنِ صَيْرُورَةُ الْمَبِيعِ مَعْلُومًا، وَقَدْ حَصَل ذَلِكَ بِكَيْلٍ وَاحِدٍ، وَتَحَقَّقَ مَعْنَى التَّسْلِيمِ.
وَقَدْ بَحَثَ الْبَابَرْتِيُّ، فِي الاِكْتِفَاءِ بِالْكَيْل الْوَاحِدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَنَظَرَ إِلَى تَعْلِيل الْحُكْمِ فِي الأَْصْل، بِاحْتِمَال الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَقَرَّرَ: أَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ الاِكْتِفَاءُ بِالْكَيْل الْوَاحِدِ فِي أَوَّل الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، وَقَال: وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَيْلَيْنِ عَزِيمَةٌ، وَالاِكْتِفَاءَ بِالْكَيْل الْوَاحِدِ رُخْصَةٌ، أَوْ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ، لَكَانَ ذَلِكَ مَدْفَعًا جَارِيًا عَلَى الْقَوَانِينِ (أَيِ الْقَوَاعِدِ) لَكِنْ لَمْ أَظْفَرْ بِذَلِكَ (1) .

ز - بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ:
53 - الْكَالِئُ مَأْخُوذٌ مِنْ: كَلأََ الدَّيْنَ يَكْلأَُ، مَهْمُوزٌ بِفَتْحَتَيْنِ، كُلُوءًا: إِذَا تَأَخَّرَ، فَهُوَ كَالِئٌ
__________
(1) الهداية وفتح القدير مع شرح العناية 6 / 140، 141، وتبيين الحقائق 4 / 82

بِالْهَمْزِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ، فَيَصِيرُ مِثْل الْقَاضِي.
وَكَانَ الأَْصْمَعِيُّ لاَ يَهْمِزُهُ. قَال: هُوَ مِثْل الْقَاضِي، وَلاَ يَجُوزُ هَمْزُهُ.
وَبَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ هُوَ: بَيْعُ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: صُورَتُهُ: أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُل الدَّرَاهِمَ فِي طَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَل الأَْجَل يَقُول الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ وَلَكِنْ بِعْنِي إِيَّاهُ إِلَى أَجَلٍ. فَهَذِهِ نَسِيئَةٌ انْقَلَبَتْ إِلَى نَسِيئَةٍ. فَلَوْ قَبَضَ الطَّعَامَ، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ كَالِئًا بِكَالِئٍ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِذْ هُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (2) .
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَقَال: هُوَ النَّسِيئَةُ بِالنَّسِيئَةِ (3) .
وَفُسِّرَ أَيْضًا بِبَيْعِ الدَّيْنِ، كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ.
__________
(1) المصباح المنير ومختار الصحاح مادة: " كلأ "
(2) انظر على سبيل المثال كفاية الطالب 2 / 166، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 215، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 165
(3) حديث: " نهى عن بيع الكالئ بالكالئ " أخرجه البيهقي (5 / 290 ط دار المعارف العثمانية) وضعفه ابن حجر في بلوغ المرام (ص 193 ط عبد المجيد حنفي)

وَفِي بَيْعِ الدَّيْنِ صُورَتَانِ: بَيْعُهُ مِنَ الْمَدِينِ نَفْسِهِ، وَبَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَجُمْهُورُهُمْ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - لاَ يُجِيزُهُ، إِلاَّ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وَفِيمَا يَلِي عَرْضٌ لأَِهَمِّ الصُّوَرِ وَالتَّقَاسِيمِ الَّتِي يَطْرَحُهَا الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا الصَّدَدِ، مَعَ تِبْيَانِ أَحْكَامِهَا.
54 - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: وَيَتَّخِذُ الْعَقْدُ عَلَى الدَّيْنِ عِنْدَهُمْ صُوَرًا شَتَّى:
أ - فَسْخُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ أَيْ إِسْقَاطُهُ فِي شَيْءٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ عَنْ وَقْتِ الْفَسْخِ، سَوَاءٌ أَحَل الدَّيْنُ الْمَفْسُوخُ أَمْ لاَ، إِنْ كَانَ الْمُؤَخَّرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَفْسُوخُ فِيهِ مُعَيَّنًا كَالْعَقَارِ، أَمْ كَانَ مَنَافِعَ ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ كَرُكُوبِ دَابَّةٍ. فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَهُوَ مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ الأَْنْوَاعِ تَحْرِيمًا، وَتَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ.
ب - بَيْعُ الدَّيْنِ بِدَيْنٍ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَالاً: وَهَذَا مَمْنُوعٌ بِالسُّنَّةِ.
فَمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلآِخَرَ دَيْنٌ عَلَى عَمْرٍو، فَبَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَيْنَهُ بِدِينٍ صَاحِبِهِ، كَانَ مُحَرَّمًا بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ.
أَمَّا بَيْعُهُ بِمُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَعَقَارٍ، أَوْ بِمَنْفَعَةِ ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَ لِزَيْدٍ دَيْنٌ عَلَى عَمْرٍو،

فَبَاعَ زَيْدٌ ذَلِكَ الدَّيْنَ لِخَالِدٍ بِمَا ذُكِرَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
وَقَدِ اعْتُبِرَ الْعَقَارُ وَمَنَافِعُ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ قَبِيل الْحَاضِرِ وَلَوْ تَأَخَّرَ تَسْلِيمُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُضْمَنُ فِي الذِّمَّةِ إِذْ لاَ تَثْبُتُ الْمُعَيَّنَاتُ فِي الذِّمَّةِ فَهُمَا نَقْدٌ بِهَذَا الْمَعْنَى. أَيْ حَاضِرٌ يُنْقَدُ وَلاَ يَثْبُتُ بِالذِّمَّةِ.
ج - تَأْخِيرُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ عَيْنٌ، فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ، لِمَا فِيهِ مِنَ ابْتِدَاءِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَوَجْهُ كَوْنِ هَذَا مِنَ ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَغَل ذِمَّةَ صَاحِبِهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ (1) .
أَمَّا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَال غَيْرَ عَيْنٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ.
فَكُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلاَثِ يُقَال لَهُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لُغَةً، إِلاَّ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَالِكِيَّةِ سَمُّوا كُل وَاحِدٍ مِنْهَا بِاسْمٍ يَخُصُّهُ.
هَذِهِ أَقْسَامُ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْكَامُهَا.
أَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ بِالنَّقْدِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمَدِينُ حَيًّا حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَ الْبَيْعِ، وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَكَانَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ الأَْحْكَامُ (أَيْ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ) ، وَبِيعَ الدَّيْنُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ بِيعَ بِجِنْسِهِ وَكَانَ مُتَسَاوِيًا، لاَ أَنْقَصَ وَلاَ أَزْيَدَ، وَلَيْسَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ وَلاَ عَكْسَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْمَدِينِ عَدَاوَةٌ.
__________
(1) حاشية الدسوقي 3 / 61 - 63 مع تعليقات الشيخ عليش

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ قَبْل قَبْضِهِ، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنْ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: فَإِنْ وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا مُنِعَ الْبَيْعُ (1) .
55 - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: جَوَازُ الاِسْتِبْدَال عَنِ الثَّمَنِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ.
وَمَذْهَبُهُ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَنْعُ (2) .
وَدَلِيل الْمَذْهَبِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ نَفْسُهُ دَلِيل الْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: كُنْتُ أَبِيعُ الإِْبِل بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: لاَ بَأْسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ (3) .
قَالُوا: وَهَذَا تَصَرُّفٌ فِي الثَّمَنِ قَبْل قَبْضِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ (4) .
وَدَلِيل الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ: حَدِيثُ: إِذَا
__________
(1) نفس المراجع
(2) شرح المحلي على المنهاج 2 / 214، وشرح المنهج 3 / 164، والمغني 4 / 220، 221
(3) حديث ابن عمر: " كنت أبيع الإبل. . . " أخرجه أبو داود (3 / 651 تحقيق عزت عبيد دعاس) . ونقل البيهقي عن شعبة أنه أعله بالوقف على ابن عمر. (التلخيص لابن حجر 3 / 26 ط شركة الطباعة الفنية)
(4) المغني 4 / 221

اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلاَ تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ (1) .
فَإِنِ اسْتَبْدَل بِمُوَافِقٍ فِي عِلَّةِ الرِّبَا، كَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَل فِي الْمَجْلِسِ.
وَإِنِ اسْتَبْدَل بِغَيْرِ مُوَافِقٍ فِي عِلَّةِ الرِّبَا، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ (2) .
أَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَبَاطِلٌ فِي الأَْظْهَرِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ. كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ.
وَفِي قَوْلٍ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، يَصِحُّ، وَصَحَّحَهُ فِي أَصْل الرَّوْضَةِ، مُخَالِفًا لِلرَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، نَظَرًا لاِسْتِقْرَارِ الدَّيْنِ، كَبَيْعِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا قَبْضُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْل قَبْضِ أَحَدِهِمَا فِي الْبَيْعِ. وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الأَْكْثَرِينَ يُخَالِفُهُ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ (3) .
أَمَّا لَوْ كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ، بَطَل قَطْعًا بِلاَ خِلاَفٍ، اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ
__________
(1) حديث: " إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه. . . " أخرجه أحمد (3 / 402 ط الميمنية) وصححه ابن حبان كما في نصب الراية (4 / 33 ط المجلس العلمي بالهند)
(2) شرح المحلي على المنهاج 2 / 214، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 164 و 165، وتحفة المحتاج 4 / 406 - 407
(3) شرح المحلي 2 / 215، وانظر كشاف القناع 3 / 265

ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (1) .
56 - وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ بُطْلاَنُ بَيْعِ الدَّيْنِ بِدَيْنٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا.
وَذَكَرُوا لَهُ صُوَرًا، سِوَى مَا وَافَقُوا فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ بَعْضِ الصُّوَرِ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَقَال فِي ابْنِ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لاَ يَجُوزُ. وَقَال أَحْمَدُ: إِنَّمَا هُوَ إِجْمَاعٌ (2)
57 - بَقِيَ أَنْ نُشِيرَ إِلَى مَوْقِفِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُتَمَيِّزِ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَيْعِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ التَّصَرُّفَ الْجَائِزَ فِي الدَّيْنِ، هُوَ تَمْلِيكُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَوْ بِعِوَضٍ، وَلاَ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْحَصْكَفِيُّ عَنِ ابْنِ مَلِكٍ.
وَاسْتَثْنَوْا ثَلاَثَ صُوَرٍ أَجَازُوا فِيهَا تَمْلِيكَ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
الأُْولَى: إِذَا سَلَّطَ الدَّائِنُ غَيْرَهُ عَلَى قَبْضِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ وَكِيلاً قَابِضًا لِلْمُوَكِّل، ثُمَّ لِنَفْسِهِ.
الثَّانِيَةُ: الْحَوَالَةُ وَاسْتِثْنَاءُ جَوَازِهَا إِجْمَاعٌ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ.
__________
(1) حديث: " نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ". تقدم تخريجه (فقرة 53)
(2) كشاف القناع 3 / 265، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 172

الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ.
وَمَعْنَى عَدَمِ الْجَوَازِ هُنَا: عَدَمُ الاِنْعِقَادِ، وَبِذَلِكَ عَبَّرَ الْكَاسَانِيُّ فَقَال: وَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ مَالٍ حُكْمِيٍّ فِي الذِّمَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ فِعْل تَمْلِيكِ الْمَال وَتَسْلِيمِهِ، وَكُل ذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ. وَلَوْ شَرَطَ التَّسْلِيمَ عَلَى الْمَدِينِ لاَ يَصِحُّ أَيْضًا، لأَِنَّهُ شَرَطَ التَّسْلِيمَ عَلَى غَيْرِ الْبَائِعِ، فَيَكُونُ شَرْطًا فَاسِدًا، فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْعَجْزُ عَنِ التَّسْلِيمِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى التَّسْلِيمِ هَاهُنَا.
وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الْغَاصِبِ، وَلاَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ، إِذَا كَانَ الْغَاصِبُ مُنْكِرًا، وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْمَالِكِ (1) .
وَيُمْكِنُ لِزِيَادَةِ التَّفْصِيل وَالتَّصْوِيرِ، فِي بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، مُرَاجَعَةُ مُصْطَلَحِ: (رِبا، صَرْف، دَيْن) .

بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ:
58 - وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَفِي لَفْظٍ:
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 14، 166 نقلا عن الأشباه، وبدائع الصنائع 5 / 148، وانظر تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها 4 / 409

نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيِّ بِالْمَيِّتِ (1) وَيَتَوَزَّعُ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:

أَوَّلاً: هَل اللَّحْمُ كُلُّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ؟
59 - هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خِلاَفِيَّةٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ كَالأَْصْل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَهَا.
(أ) فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: هُوَ أَنَّ اللَّحْمَ أَجْنَاسٌ، بِاخْتِلاَفِ أُصُولِهِ:
فَالإِْبِل بِأَنْوَاعِهَا - الْعَرَّابِ وَالْبَخَاتِيِّ وَالْهَجِينِ، وَذِي السَّنَامَيْنِ، وَذِي السَّنَامِ الْوَاحِدِ - كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَكَذَا لُحُومُهَا.
وَالْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَالْغَنَمُ وَالْمَعْزُ جِنْسٌ وَاحِدٌ (2) . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ، فَقَال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} . . {وَمِنَ الإِْبِل اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ (3) }
__________
(1) حديث: " نهى عن بيع اللحم بالحيوان. . . ". وفي لفظ: " نهى عن بيع الحي بالميت. . . " أخرجه مالك (2 / 655 ط الحلبي) عن سعيد بن المسيب مرسلا، وذكر ابن حجر في التلخيص (2 / 10 ط شركة الطباعة) طرقا أخرى له يتقوى الحديث بها. وانظر فتح القدير (6 / 66 - 68)
(2) بدائع الصنائع 5 / 189
(3) سورة الأنعام / 143، 144

وَالْوَحْشُ أَصْنَافٌ: بَقَرُهَا صِنْفٌ، وَغَنَمُهَا صِنْفٌ، وَظِبَاؤُهَا صِنْفٌ.
وَالطَّيْرُ أَصْنَافٌ، كُل مَا انْفَرَدَ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ فَهُوَ صِنْفٌ.
ب - وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ (1) . (ج) وَيَبْدُو مِنْ تَمْثِيل الْمَالِكِيَّةِ لِلْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِبَيْعِ لَحْمٍ بَقَرِيٍّ بِكَبْشٍ حَيٍّ، وَلِغَيْرِ الْجِنْسِ بِبَيْعِ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ بِلَحْمِ طَيْرٍ أَوْ سَمَكٍ: أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ لُحُومَ الأَْنْعَامِ جِنْسًا، وَلُحُومَ الطَّيْرِ جِنْسًا، وَلُحُومَ الأَْسْمَاكِ جِنْسًا.
وَنَصَّ ابْنُ جُزَيٍّ عَلَى أَنَّ اللُّحُومَ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلاَثُهُ أَصْنَافٍ: فَلَحْمُ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ صِنْفٌ، وَلَحْمُ الطُّيُورِ صِنْفٌ، وَلَحْمُ الْحِيتَانِ صِنْفٌ (2) .

ثَانِيًا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ:
60 - لاَ يَسْتَجِيزُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، كَلَحْمِ شَاةٍ بِشَاةٍ حَيَّةٍ، وَذَلِكَ:
__________
(1) انظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 174، 175، والمغني 4 / 142، 143، والشرح الكبير في ذيله 4 / 142، 144
(2) القوانين الفقهية ص 168، 169، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3 / 55. وهذا ما أكده ابن الهمام، انظر فتح القدير 6 / 174

لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ - كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ - وَلأَِنَّهُ مَالٌ رِبَوِيٌّ، بِيعَ بِمَا فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ مَعَ جَهَالَةِ الْمِقْدَارِ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
وَلأَِنَّهُ بَيْعُ مَعْلُومٍ - وَهُوَ اللَّحْمُ - بِمَجْهُولٍ وَهُوَ الْحَيَوَانُ، وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ (1) .
فَهَذَا قَوْل مَالِكٍ، وَهُوَ مَحْمَل الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: أَنْ يُبَاعَ حَيَوَانٌ مُبَاحُ الأَْكْل بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، بِلاَ خِلاَفٍ.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الْبَيْعَ، وَلَكِنْ: مِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (لأَِنَّ أَحَدَهُمَا مَوْزُونٌ، وَالآْخَرُ مَعْدُودٌ) فَبَنَوْا عَلَيْهِ جَوَازَ بَيْعِهِمَا مُجَازَفَةً، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّهُ بَاعَ الْجِنْسَ بِخِلاَفِ الْجِنْسِ.
وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَهُمَا جِنْسًا وَاحِدًا، وَبَنَوْا مَذْهَبَهُمَا - أَيْ مَذْهَبَ الشَّيْخَيْنِ - عَلَى أَنَّ الشَّاةَ لَيْسَتْ بِمَوْزُونَةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ، مُجَازَفَةً وَمُفَاضَلَةً؛ لأَِنَّ رِبَا الْفَضْل يَعْتَمِدُ اجْتِمَاعَ الْوَصْفَيْنِ: الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، لَكِنْ بِشَرْطِ التَّعْيِينِ
__________
(1) انظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 174، 175، وكشاف القناع 3 / 255، والمغني 4 / 146 - 149، والشرح الكبير في ذيله 4 / 146، والشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه 3 / 54، وشرح الخرشي 5 / 68، والقوانين الفقهية (ص 169)

كَمَا عَبَّرَ الْحَصْكَفِيُّ (أَيِ التَّقَابُضَ) أَوْ يَدًا بِيَدٍ، كَمَا عَبَّرَ الْكَاسَانِيُّ - وَقَال: هُوَ الصَّحِيحُ - وَالْبَابَرْتِيُّ.
أَمَّا نَسِيئَةً فَلاَ يَجُوزُ، لأَِنَّهُمَا عِنْدَئِذٍ سَلَمٌ، وَهُوَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ النَّهْرِ.
لَكِنَّ الإِْمَامَ مُحَمَّدًا، شَرَطَ فِي جَوَازِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ الْمُفْرَزُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي فِي الشَّاةِ، لِيَكُونَ لَحْمُ الشَّاةِ بِمُقَابَلَةِ مِثْلِهِ مِنَ اللَّحْمِ، وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ الإِْسْقَاطِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ عَمَلاً بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَلأَِنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ نَسِيئَةً، فَكَذَا مُتَفَاضِلاً، كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ (1) .

. ثَالِثًا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ:
61 - كَبَيْعِ الشَّاةِ الْحَيَّةِ بِلَحْمِ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَبَيْعِ الشَّاةِ الْحَيَّةِ بِلَحْمِ طَيْرٍ أَوْ سَمَكٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (2) .
أَجَازَ هَذِهِ الصُّورَةَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 189، وانظر الهداية وشروحها 6 / 166، 167، والدر المختار ورد المحتار 4 / 184، وانظر تبيين الحقائق 4 / 91
(2) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 55

الشَّافِعِيَّةِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، عَلَيْهَا مَتْنُ الإِْقْنَاعِ.
وَعَلَّل ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، بِأَنَّهُمَا أَصْلاَنِ مُخْتَلِفَانِ، فَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا (مُطْلَقًا) مُجَازَفَةً، نَقْدًا وَنَسِيئَةً، لاِنْعِدَامِ الْوَزْنِ وَالْجِنْسِ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ الرِّبَا أَصْلاً (1) .
وَمَعَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوا - عَلَى اصْطِلاَحِهِمْ فِي أَجْنَاسِ اللُّحُومِ - بَيْعَ اللَّحْمِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا، لَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ حَالاً. أَمَّا إِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَلاَ يَجُوزُ، إِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ لاَ يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ، وَإِلاَّ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لأَِجَلٍ.
كَمَا قَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْقَوْل بِالْجَوَازِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللُّحُومَ أَجْنَاسٌ، وَعَلَّلُوا الْجَوَازَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ. قَالُوا: وَهَذَا فِي الْمَأْكُول، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَوَجْهُ الْجَوَازِ فِيهِ هُوَ: أَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ بَيْعُ مَال الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا.
وَعَلَّل مَنْ قَال مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِجَوَازِهِ: بِأَنَّهُ مَال الرِّبَا بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالأَْثْمَانِ.
وَلَمْ يُجِزْ هَذِهِ الصُّورَةَ - أَعْنِي بَيْعَ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ - الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ مِنْ
__________
(1) انظر بدائع الصنائع 5 / 189، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 175، والمغني 4 / 146 - 150، والشرح الكبير 4 / 146، وكشاف القناع 3 / 255

أَقْوَالِهِمْ، وَلاَ الْحَنَابِلَةُ فِي الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَصَرَّحُوا بِالْبُطْلاَنِ، وَذَلِكَ: لِعُمُومِ نَصِّ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقِينَ.
وَلأَِنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ (1) .
وَيُلاَحَظُ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْحَنْبَلِيِّ صَرَّحَ بِأَنَّ سَبَبَ الاِخْتِلاَفِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي اللَّحْمِ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لاَ يُجِيزُونَ الْبَيْعَ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ أَجْنَاسٌ يُجِيزُونَهُ (2) .
كَمَا يُلاَحَظُ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ: أَطْلَقُوا اللَّحْمَ فِي الْحَدِيثِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْمَ سَمَكٍ أَوْ أَلْيَةٍ أَوْ كَبِدًا أَوْ طِحَالاً. وَأَطْلَقُوا الْحَيَوَانَ، حَتَّى لَوْ كَانَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا، مَأْكُولاً كَالإِْبِل، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَالْحِمَارِ، فَبَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ مُطْلَقًا فِي الأَْظْهَرِ (3) .

رَابِعًا: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ.
62 - الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
__________
(1) كفاية الطالب وحاشية العدوي عليه 2 / 157، وحاشية الدسوقي 3 / 55، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 174، 175، والمغني 4 / 149 - 150، والشرح الكبير في ذيله 4 / 146، وكشاف القناع 3 / 255، وتحفة المحتاج 4 / 290
(2) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 146
(3) تحفة المحتاج 4 / 290، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 174، 175، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 66، 67

عَلَى جَوَازِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ جَازَ فِي ظَاهِرِ قَوْل أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ (1) .
كَمَا عَلَّل الشَّافِعِيَّةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنَ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: بِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ هُوَ بَيْعُ مَال الرِّبَا بِأَصْلِهِ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا. لَكِنَّ الأَْظْهَرَ عِنْدَهُمْ - كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا - تَحْرِيمُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ بِإِطْلاَقٍ لِلْحَدِيثِ (2) .

بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ:
63 - وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُئِل عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَال: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَال: فَلاَ إِذًا (3) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: لاَ يُبَاعُ رُطَبٌ بِيَابِسٍ (4)
__________
(1) المغني 4 / 150، والشرح الكبير في ذيله 4 / 146، وانظر كشاف القناع 3 / 255، ويؤخذ أيضا من الدر المختار 4 / 184، والشرح الكبير للدردير 3 / 55
(2) شرح المحلي على المنهاج 2 / 175
(3) حديث سعد بن أبي وقاص: " سئل عن بيع الرطب بالتمر، فنهى عن ذلك ". أخرجه النسائي (7 / 269 ط المكتبة التجارية) ونقل ابن حجر تصحيح ابن المديني له في بلوغ المرام (ص 193 ط عبد المجيد حنفي)
(4) حديث: " لا يباع رطب بيابس. . . . " أخرجه البيهقي (5 / 295 ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن أبي سلمة مرسلا. ونقل الزيلعي عن ابن عبد الهادي أنه قال: وهذا مرسل جيد، وهو شاهد لحديث سعد بن أبي وقاص يعني المتقدم. (نصب الراية 4 / 43 ط المجلس العلمي بالهند) وهو كلام البيهقي كذلك

وَلاَ يَسْتَجِيزُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الْبَيْعَ، وَنَحْوَهُ: كَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَاللَّبَنِ بِالْجُبْنِ، وَالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ، وَذَلِكَ:
لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، قَالُوا: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ الْجَفَافِ، وَإِلاَّ فَالنَّقْصُ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُسْأَل عَنْهُ، وَهِيَ مَجْهُولَةٌ الآْنَ (1) .
وَلأَِنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا، بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ وَلاَ يُبَاعُ شَيْءٌ مِنَ الرَّطْبِ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ، إِلاَّ الْعَرَايَا (2) .
وَرُبَّمَا اعْتَبَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنَ الْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ - بِتَفْسِيرِ ابْنِ جُزَيٍّ - بَيْعُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ رِبَوِيًّا أَمْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ، فَتَمْتَنِعُ فِي الرِّبَوِيِّ، لِتَوَقُّعِ التَّفَاضُل وَالْغَرَرِ، وَتَمْتَنِعُ فِي
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 170، وتحفة المحتاج 4 / 281
(2) المغني 4 / 132. وقارنها بعبارة المنهاج في المصدرين السابقين وهي: " لا يباع رطب برطب ولا بتمر، ولا عنب بعنب ولا بزبيب "، وعبارة المنهج: " فلا يباع رطب برطب ولا بجاف " انظر شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 56، والشرح الكبير للدردير 3 / 52

غَيْرِ الرِّبَوِيِّ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ، وَلِلْغَرَرِ (1) .
64 - وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْقَوْل بِالْجَوَازِ - كَمَا يَقُول الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ وَمُتُونُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَيْهِ.
وَنَصَّ الْحَصْكَفِيُّ عَلَى أَنَّهُ: يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبٍ بِرُطَبٍ، أَوْ بِتَمْرٍ مُتَمَاثِلاً. . فِي الْحَال لاَ الْمَآل، خِلاَفًا لَهُمَا، فَلَوْ بَاعَ مُجَازَفَةً لَمْ يَجُزِ اتِّفَاقًا (2) .
وَقَدِ اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (3) .
فَفِي وَجْهِ الاِسْتِدْلاَل بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُول أَبُو حَنِيفَةَ:
الرُّطَبُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا، أَوْ لاَ يَكُونَ. فَإِنْ كَانَ تَمْرًا، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ فِي أَوَّل الْحَدِيثِ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ تَمْرٍ، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ:
__________
(1) المغني 4 / 132، والقوانين الفقهية ص 168، 169
(2) الدر المختار 4 / 185
(3) حديث عبادة بن الصامت: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة. . . " أخرجه مسلم (2 / 1211 ط الحلبي

إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ. وَلَمْ يَأْخُذْ بِحَدِيثِ النَّهْيِ السَّابِقِ لأَِنَّهُ دَائِرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَزَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ مِمَّنْ لاَ يُقْبَل حَدِيثُهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ (1)
وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً (2) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا (3) .
وَلاِسْتِكْمَال مَبْحَثِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَمَا يَتَّصِل بِهِ مِنَ التَّفَاصِيل وَالأَْحْكَامِ. يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ (رِبا) .

بَيْعٌ وَسَلَفٌ:
65 - وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ (4) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
__________
(1) فتح القدير 6 / 168، 169، وانظر الهداية وشروحها في الموضع نفسه، وتبيين الحقائق 4 / 92، 93 وبدائع الصنائع 5 / 188
(2) حديث: " نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة " أخرجه أبو داود (658 ط عزت عبيد دعاس) وأعله الدارقطني والزيلعي بجهالة أحد رواته. (نصب الراية 4 / 43 ط المجلس العلمي)
(3) فتح القدير 6 / 169
(4) حديث " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع " أخرجه الترمذي (3 / 535 ط الحلبي) وقال: حسن صحيح

أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ، أَفَتَأْذَنُ لَنَا بِكِتَابَتِهَا؟ قَال: نَعَمْ. فَكَانَ أَوَّل مَا كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْل مَكَّةَ: لاَ يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ، وَلاَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ جَمِيعًا، وَلاَ بَيْعُ مَا لَمْ يُضْمَنْ. . . الْحَدِيثَ (1) .
وَقَدْ فَسَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى السَّلَفَ وَالْبَيْعَ بِأَنَّهُ قَوْل الرَّجُل لِلرَّجُل: أَبِيعُكَ دَارِي هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا، عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي كَذَا وَكَذَا.
وَبِهَذَا تَئُول الْمَسْأَلَةُ إِلَى مَوْضُوعِ الْبَيْعِ بِشَرْطٍ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِذَلِكَ، فِي الْجُمْلَةِ.
وَصَرَّحَ ابْنُ جُزَيٍّ بِأَنَّ الْبَيْعَ بِاشْتِرَاطِ السَّلَفِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لاَ يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنْ يَكُنْ بُطْلاَنُ الشَّرْطِ وَحْدَهُ رِوَايَةً وَاحْتِمَالاً عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (2) .
وَالْمَالِكِيَّةِ، حِينَمَا تَحَدَّثُوا عَنْ بُيُوعِ الآْجَال - وَهِيَ بُيُوعٌ ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، لَكِنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى
__________
(1) حديث: " لا يجوز شرطان في بيع واحد. . . " أخرجه النسائي كما في نصب الراية (4 / 19 ط المجلس العلمي بالهند) عن عطاء عن عبد الله بن عمرو، وقال: هذا خطأ، وعطاء هذا هو الخراساني، ولم يسمع من عبد الله بن عمرو
(2) نصب الراية 4 / 19، والقوانين الفقهية ص 172، والمغني 4 / 286، والشرح الكبير في ذيله 4 / 53 و 54

مَمْنُوعٍ - مَنَعُوا بَيْعَ مَا كَثُرَ قَصْدُ النَّاسِ إِلَيْهِ، تَوَصُّلاً إِلَى الرِّبَا الْمَمْنُوعِ، كَأَنْ كَانَ جَائِزًا فِي الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لِلتُّهْمَةِ، وَسَدِّ الذَّرِيعَةِ، وَمَثَّلُوا لَهَا: بِاجْتِمَاعِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، أَوْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، أَوْ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ.
وَصَوَّرُوا الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ بِصُوَرٍ ثَلاَثٍ:
الأُْولَى: بَيْعٌ جَائِزٌ فِي الظَّاهِرِ يُؤَدِّي - كَمَا يَقُول الدَّرْدِيرُ - إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ لِلتُّهْمَةِ، عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا الْبَيْعَ وَالسَّلَفَ الْمَمْنُوعَ.
وَذَلِكَ كَأَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَيْنِ بِدِينَارَيْنِ لِشَهْرٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ نَقْدًا، فَآل الأَْمْرُ إِلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ سِلْعَةً وَدِينَارًا نَقْدًا؛ لأَِنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهَا مُلْغَاةٌ كَمَا يَقُول الدُّسُوقِيُّ (1) ثُمَّ أَخَذَ عَنْهُمَا عِنْدَ الأَْجَل دِينَارَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنِ السِّلْعَةِ وَهُوَ بَيْعٌ، وَالآْخَرُ عَنِ الدِّينَارِ وَهُوَ سَلَفٌ.
فَهَذِهِ الصُّورَةُ تُؤَدِّي إِلَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِهِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَنْعِهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَتَابِعُوهُ، وَغَيْرُهُمْ (2) .
وَحَيْثُ تَكَرَّرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْبَيْعُ، مُنِعَتْ عِنْدَهُمْ، لِتُهْمَةِ قَصْدِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ.
الثَّانِيَةُ: بَيْعٌ وَسَلَفٌ بِشَرْطٍ مِنَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي. وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَمْنُوعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ؛ لأَِنَّ
__________
(1) الشرح الكبير للدردير 3 / 76
(2) الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3 / 76

الاِنْتِفَاعَ بِالْقَرْضِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ، إِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْبَائِعِ، أَوْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُثَمَّنِ - أَيِ الْمَبِيعِ - إِنْ كَانَ شَرْطُ السَّلَفِ صَادِرًا مِنَ الْمُشْتَرِي، فَفِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا.
الثَّالِثَةُ: بَيْعٌ وَسَلَفٌ بِلاَ شَرْطٍ، لاَ صَرَاحَةً وَلاَ حُكْمًا، وَهِيَ جَائِزَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (1) .

بَيْعٌ وَشَرْطٌ:
66 - وَرَدَ النَّهْيُ فِي السُّنَّةِ عَنْ (بَيْعٍ وَشَرْطٍ) وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (2) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْع، وَشَرْط)

أَسْبَابُ النَّهْيِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْغَرَرِ
67 - هَذَا هُوَ السَّبَبُ الثَّانِي مِنْ أَسْبَابِ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِلاَزِمِ الْعَقْدِ، وَكَانَ الأَْوَّل هُوَ الرِّبَا.
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (3) . وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَأْتِي.
__________
(1) شرح الدردير وحاشية الدسوقي 3 / 66، 67، 76
(2) حديث: " نهى عن بيع وشرط. . . . " أخرجه الطبراني في الأوسط، ونقل الزيلعي عن ابن القطان أنه ضعفه (نصب الراية 4 / 18 ط المجلس العلمي)
(3) حديث: " نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. . . " أخرجه مسلم (3 / 1153 ط الحلبي)

وَالْغَرَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْخَطَرُ.
وَلَهُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ تَعْرِيفَاتٌ شَتَّى.
فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا طُوِيَ عَنْكَ عِلْمُهُ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: التَّرَدُّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْغَرَضِ، وَالثَّانِي عَلَى خِلاَفِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا انْطَوَتْ عَنَّا عَاقِبَتُهُ، أَوْ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَغْلَبِهِمَا أَخْوَفُهُمَا.
وَيَرَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْغَرَرَ وَالْخَطَرَ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا جُهِلَتْ عَيْنُهُ.
وَيَرَى الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ أَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ: فَالْخَطَرُ: مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ وُجُودُهُ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْنِي فَرَسَكَ بِمَا أَرْبَحُ غَدًا.
وَالْغَرَرُ: مَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ، وَيُشَكُّ فِي تَمَامِهِ، كَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا (1) .
68 - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صُوَرٌ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا الْغَرَرُ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ، مِنْهَا: كَوْنُ الْمَبِيعِ مَالاً مَوْجُودًا مَمْلُوكًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْل فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَلاَ مَا سَيُخْرِجُهُ الصَّيَّادُ فِي شَبَكَتِهِ، وَلاَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ الْجَمَل الشَّارِدِ. إِلَخْ.
__________
(1) انظر المصباح المنير ومختار الصحاح، مادة " غرر "، وفتح القدير 6 / 136، وشرح العناية على الهداية 6 / 136، 137، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 55، وانظر تعريفا آخر لابن عرفة في حاشية العدوي على كفاية الطالب 2 / 137، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 161

وَالْغَرَرُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى أَصْل وُجُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَوْ مِلْكِيَّةِ الْبَائِعِ لَهُ، أَوْ قُدْرَتِهِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَهَذَا يُوجِبُ بُطْلاَنَ الْبَيْعِ، فَلاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَالآْخَرُ: مَا يَرْجِعُ إِلَى وَصْفٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ مِقْدَارِهِ، أَوْ يُورِثُ فِيهِ أَوْ فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الأَْجَل جَهَالَةً.
فَهَذَا مَحَل خِلاَفٍ. تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (غَرَر) .

وَفِيمَا يَلِي صُوَرُ الْغَرَرِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ فِيهَا بِخُصُوصِهَا، وَالْحُكْمُ الْفِقْهِيُّ فِيهَا، مِنَ الْبُطْلاَنِ أَوِ الْفَسَادِ. إِذِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ - كَمَا يَقُول النَّوَوِيُّ - أَصْلٌ مِنْ أُصُول الشَّرْعِ، يَدْخُل تَحْتَهُ مَسَائِل كَثِيرَةٌ جِدًّا (1) . مِنْهَا: بَيْعُ الْحَصَاةِ وَبَيْعُ الْمُلاَمَسَةِ وَبَيْعُ الْمُنَابَذَةِ. وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
وَمِنْهَا مَا يَلِي:

أ - بَيْعُ الْجَنِينِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ:
69 - وَهُوَ بَيْعُ الْحَمْل، كَمَا عَبَّرَتْ بَعْضُ الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ (2) .
وَالْجَنِينُ هُوَ: الْوَلَدُ مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَجِنَّةً، كَدَلِيلٍ وَأَدِلَّةٍ. وَمِثْل الْجَنِينِ أَيْضًا: الْمَلْقُوحُ وَالْمَلْقُوحَةُ، وَجَمْعُهُمَا مَلاَقِيحُ، وَهِيَ:
__________
(1) انظر نيل الأوطار 5 / 148
(2) انظر على سبيل المثال الهداية وشروحها 6 / 50

مَا فِي الأَْرْحَامِ وَالْبُطُونِ مِنَ الأَْجِنَّةِ، بِتَفْسِيرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْمَلاَقِيحِ بِمَا فِي ظُهُورِ الْفُحُول (1) .
وَوَرَدَ النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَيْعِ الْجَنِينِ مَا دَامَ مُجْتَنًّا حَتَّى يُولَدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَْنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ (2) .
وَتَقَدَّمَ الإِْجْمَاعُ - كَمَا صَرَّحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ - عَلَى بُطْلاَنِ هَذَا الْبَيْعِ (ر: ف 5) لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ وَلِلْغَرَرِ، فَعَسَى أَنْ لاَ يُولَدَ، وَلأَِنَّ فِيهِ جَهَالَةً فِي صِفَتِهِ وَحَيَاتِهِ، وَلأَِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَذِكْرُهُ هُنَا لِلْغَرَرِ فَقَطْ، لَكِنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الأَْوَّل مِنْهُ، وَهُوَ الْغَرَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ نَفْسِهِ، مِنْ حَيْثُ أَصْل وُجُودِهِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ مُسْتَوْجِبًا لِلْبُطْلاَنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، حَتَّى فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ، الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبُطْلاَنِ - وَبَيْنَ الْفَسَادِ.
__________
(1) شرح الكفاية على الهداية 6 / 50، والعناية في الموضع نفسه، والدر المختار ورد المحتار 4 / 102، وانظر الشرح الكبير للدردير 3 / 57، وشرح المحلي على المنهاج 3 / 70، والمغني 4 / 276، والشرح الكبير في ذيله 4 / 27
(2) حديث: " نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 740 ط الحلبي) ونقل الزيلعي عن عبد الحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به. . نصب الراية (4 / 15 ط المجلس العلمي بالهند)

ب - بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْل أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ:
70 - وَيُسَمَّى أَيْضًا الْمُخَاضَرَةَ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ.
وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ (1)
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْل حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُل حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ (2) .
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (3) .
وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَعَنْ بَيْعِ النَّخْل حَتَّى يَزْهُوَ، قِيل: مَا يَزْهُو؟ قَال: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ (4) . وَفِي بَعْضِ
__________
(1) حديث: " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 394 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1165 ط الحلبي)
(2) حديث: " نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1165 ط الحلبي)
(3) حديث: " لا تبتاعوا الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه مسلم (3 / 1167 ط الحلبي)
(4) حديث: " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 397 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1165 ط الحلبي)

الرِّوَايَاتِ عَنْ أَنَسٍ حَتَّى تُزْهَى، فَقِيل لَهُ: وَمَا تُزْهَى؟ قَال: تَحْمَرُّ (1) .
كَمَا جَاءَ بُدُوُّ الصَّلاَحِ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِل عَنْ صَلاَحِهَا، قَال: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا (2) .
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ (3) .
وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحِ التَّعْبِيرُ بِلَفْظٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ: التَّشْقِيحُ، وَهَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ فَقِيل: مَا تُشَقِّحُ؟ . قَال: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَل مِنْهَا (4) .
__________
(1) رواية: " حتى تزهى، فقيل: وما تزهى؟ . . . " أخرجها البخاري (الفتح 4 / 398 ط السلفية)
(2) حديث: " كان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 351 ط السلفية) ومسلم (3 / 1166 ط الحلبي)
(3) حديث: " نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد " أخرجه أبو داود (3 / 668 تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (2 / 19 ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي
(4) حديث: " نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 394 ط السلفية)

مَعْنَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ:
71 - فَسَّرَ الْفُقَهَاءُ بُدُوَّ الصَّلاَحِ بِمَعَانٍ شَتَّى: فَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا فِي تَفْسِيرِهِ: أَنْ تُؤْمَنَ الْعَاهَةُ وَالْفَسَادُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ - كَالْكَرْلاَنِيِّ - فَسَّرَهُ بِأَنْ تَصْلُحَ الثَّمَرَةُ لِتَنَاوُل بَنِي آدَمَ، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ (1) .
وَالْمَالِكِيَّةُ فَسَّرُوهُ تَفْسِيرًا مُخْتَلِفًا نِسْبِيًّا: فَهُوَ فِي التَّمْرِ: أَنْ يَحْمَرَّ وَيَصْفَرَّ وَيَزْهُوَ، وَفِي الْعِنَبِ: أَنْ يَسْوَدَّ وَتَبْدُوَ الْحَلاَوَةُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الثِّمَارِ: حُصُول الْحَلاَوَةِ، وَفِي الْخَسِّ وَالْعُصْفُرِ: أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِمَا، وَفِي سَائِرِ الْبُقُول: أَنْ تَطِيبَ لِلأَْكْل، وَفِي الزَّرْعِ وَالْحَبِّ: أَنْ يَيْبَسَ وَيَشْتَدَّ (2) .
وَأَرْجَعَ الشَّافِعِيَّةُ بُدُوَّ الصَّلاَحِ فِي الثَّمَرِ وَغَيْرِهِ كَالزَّرْعِ، إِلَى ظُهُورِ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ، فِيمَا لاَ يَتَلَوَّنُ مِنْهُ، أَمَّا فِيمَا يَتَلَوَّنُ فَبِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ أَوِ الصُّفْرَةِ. وَذَكَرُوا ثَمَانِي عَلاَمَاتٍ يُعْرَفُ بِهَا بُدُوُّ الصَّلاَحِ. أَحَدُهَا: اللَّوْنُ، فِي كُل ثَمَرٍ مَأْكُولٍ مُلَوَّنٍ، إِذَا أَخَذَ فِي حُمْرَةٍ، أَوْ سَوَادٍ أَوْ صُفْرَةٍ، كَالْبَلَحِ وَالْعُنَّابِ وَالْمِشْمِشِ وَالإِْجَّاصِ.
__________
(1) رد المحتار 4 / 38، وانظر حاشية الشلبي على تبيين الحقائق 4 / 12، وفتح القدير 5 / 489، وشرح الكفاية على الهداية 5 / 488
(2) انظر شرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 176 والقوانين الفقهية 172، 173

ثَانِيهَا: الطَّعْمُ، كَحَلاَوَةِ الْقَصَبِ وَحُمُوضَةِ الرُّمَّانِ.
ثَالِثُهَا: النُّضْجُ وَاللِّينُ، كَالتِّينِ وَالْبِطِّيخِ.
رَابِعُهَا: بِالْقُوَّةِ وَالاِشْتِدَادِ، كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ.
خَامِسُهَا: بِالطُّول وَالاِمْتِلاَءِ، كَالْعَلَفِ وَالْبُقُول.
سَادِسُهَا: الْكِبَرُ كَالْقِثَّاءِ، بِحَيْثُ يُؤْكَل.
سَابِعُهَا: انْشِقَاقُ أَكْمَامِهِ، كَالْقُطْنِ وَالْجَوْزِ.
ثَامِنُهَا: الاِنْفِتَاحُ، كَالْوَرْدِ. وَمَا لاَ أَكْمَامَ لَهُ كَالْيَاسَمِينِ، فَظُهُورُهُ، وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الأَْخِيرِ. وَوَضَعَ لَهُ الْقَلْيُوبِيُّ هَذَا الضَّابِطَ، وَهُوَ: بُلُوغُ الشَّيْءِ إِلَى صِفَةٍ أَيْ حَالَةٍ يُطْلَبُ فِيهَا غَالِبًا (1) .
وَوَضَعَ الْحَنَابِلَةُ هَذَا الضَّابِطَ: مَا كَانَ مِنَ الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ عِنْدَ صَلاَحِهِ، كَثَمَرَةِ النَّخْل وَالْعِنَبِ الأَْسْوَدِ وَالإِْجَّاصِ، فَبُدُوُّ صَلاَحِهِ بِتَغَيُّرِ لَوْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَبْيَضَ فَصَلاَحُهُ بِتَمَوُّهِهِ، وَهُوَ: أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ وَيَلِينَ وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَلَوَّنُ كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ، فَبِأَنْ يَحْلُوَ وَيَطِيبَ. وَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا أَوْ نَحْوِهِ، فَبِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، وَيُؤْكَل
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 235، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 204

طَيِّبًا صِغَارًا وَكِبَارًا، كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، فَصَلاَحُهُ بُلُوغُهُ أَنْ يُؤْكَل عَادَةً (1) .
وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ: هِيَ خَوْفُ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثُ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْل أَخْذِهَا (2) .
وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ (3) ؟
حُكْمُ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ:
72 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - بِوَجْهٍ عَامٍّ - عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ، غَيْرُ جَائِزٍ وَلاَ صَحِيحٍ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْل بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ (4)
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَصَّلُوا فِيهِ الْقَوْل، تَبَعًا لِتَقْيِيدِ الْعَقْدِ بِشَرْطٍ وَإِطْلاَقِهِ، وَلاَ يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ مِنْ هَذِهِ الأَْحْوَال:

الأُْولَى: أَنْ يَبِيعَهَا قَبْل الظُّهُورِ وَالْبُرُوزِ، أَيْ قَبْل انْفِرَاكِ الزَّهْرِ عَنْهَا وَانْعِقَادِهَا ثَمَرَةً، فَهَذَا الْبَيْعُ لاَ يَصِحُّ اتِّفَاقًا.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهَا بَعْدَ الظُّهُورِ، قَبْل بُدُوِّ
__________
(1) المغني 4 / 207
(2) المغني 4 / 202، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 233
(3) حديث: " أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 398 ط السلفية) ومسلم (3 / 1190 ط الحلبي)
(4) المغني 4 / 202

الصَّلاَحِ، بِشَرْطِ التَّرْكِ وَالتَّبْقِيَةِ عَلَى الشَّجَرِ حَتَّى تَنْضَجَ، فَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ إِجْمَاعًا، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ شَغْل مِلْكِ الْغَيْرِ.
أَوْ هُوَ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَةٍ أَوْ هُوَ إِعَارَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ فِي بَيْعٍ.
وَعَلَّلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
قَالُوا: وَمِثْل بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِشَرْطِ التَّرْكِ، بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْل أَنْ يَشْتَدَّ (1) .

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَبِيعَهَا بَعْدَ الظُّهُورِ، قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، فَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ (2) ، وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْبَيْعِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ، إِنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْل أَخْذِهَا، بِدَلِيل حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَارِّ، وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ: أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَال أَخِيهِ (3) ؟ وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلاَحُهُ.
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 38، وانظر فتح القدير 5 / 488 - 490، وتبيين الحقائق 4 / 12، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي 3 / 177، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 233، والمغني 4 / 202 وما بعدها
(2) فتح القدير 5 / 488، والمغني 4 / 202، وكشاف القناع 3 / 281
(3) حديث: " أرأيت إذا منع الله الثمرة. . . " تقدم تخريجه في التعليق على فقرة (71)

قَالُوا: وَالإِْجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال، مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْمَنْعِ فِي مَفْهُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَفَارَقَ مَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ، لأَِمْنِ الْعَاهَةِ فِيهِ غَالِبًا، بِخِلاَفِ مَا قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَبِهَذَا الْفَارِقِ يُشْعِرُ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ (1) ، وَهُوَ: لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ - أَيْ آفَةٌ أَهْلَكَتِ الثَّمَرَةَ - فَلاَ يَحِل لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَال أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ (2) .

73 - غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَيَّدُوا هَذَا الْحُكْمَ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، بِقُيُودٍ بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا انْفَرَدَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، نُشِيرُ إِلَيْهَا فِيمَا يَلِي: الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مُنْتَفَعًا بِهِ:
أ - فَالْحَنَفِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ مِنْ مَذْهَبِهِمْ - وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ عَلَى إِطْلاَقِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِشُمُول الاِنْتِفَاعِ لِمَا هُوَ فِي الْحَال أَوْ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَآل، أَوْ فِي ثَانِي الْحَال - كَمَا يُعَبِّرُونَ.
فَمِثْل الْقَصِيل (وَهُوَ الْفَصْفَصَةُ الَّتِي يُعْلَفُ بِهَا الْحَيَوَانُ) وَالْحِصْرِمِ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، لاِنْتِفَاعِ
__________
(1) المغني 4 / 202، وكشاف القناع 3 / 281، 282، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 2 / 233
(2) حديث: " لو بعت من أخيك ثمرا. . . " أخرجه مسلم (3 / 1190 ط الحلبي)

الْحَيَوَانِ وَانْتِفَاعِ الإِْنْسَانِ بِهِ (1) .
ب - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ فِي الْحَال، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ تَقْيِيدَ الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَجْهِ الَّذِي يُرَادُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ مِنْهُ كَمَا فِي الْحِصْرِمِ، بِخِلاَفِ الْكُمَّثْرَى؛ لأَِنَّ قَطْعَهُ فِي الْحَال إِضَاعَةُ مَالٍ - كَمَا عَلَّلَهُ الْمَالِكِيَّةُ - وَبِخِلاَفِ ثَمَرَةِ الْجَوْزِ، وَزَرْعِ التُّرْمُسِ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ نَفْسِهِ، لِعَدَمِ النَّفْعِ بِالْمَبِيعِ - كَمَا عَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ (2) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَكْثُرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلاَ يَتَمَالَئُوا عَلَيْهِ.
وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنْ تَخَلَّفَ وَاحِدٌ، مُنِعَ الْبَيْعُ (3) ، كَمَا يُمْنَعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ الْمَارِّ أَوِ الإِْطْلاَقِ، كَمَا يَأْتِي.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ أَنْ لاَ يَكُونَ مَا بِيعَ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ مُشَاعًا، بِأَنْ
__________
(1) فتح القدير 5 / 488، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي 3 / 176، والقوانين الفقهية (173)
(2) شرح المحلي على المنهاج 2 / 233، وشرح المنهج وحاشية الجمل عليه 3 / 201، 202، وكشاف القناع 3 / 282، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه 3 / 176
(3) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه 3 / 176

يَشْتَرِيَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا مُشَاعًا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ قَطْعُ مَا يَمْلِكُهُ، إِلاَّ بِقَطْعِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (1) .

74 - وَقَدْ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا، إِضَافَةً إِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْجَائِزَةِ، وَهِيَ بَيْعُ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَال، هَذِهِ الصُّوَرَ:
(1) أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا مَعَ الشَّجَرِ، أَوِ الزَّرْعِ الأَْخْضَرِ مَعَ الأَْرْضِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْفُقَهَاءُ؛ لأَِنَّ الثَّمَرَ فِيهَا وَالزَّرْعَ تَابِعَانِ لِلشَّجَرِ وَالأَْرْضِ، اللَّذَيْنِ لاَ تَعْرِضُ لَهُمَا عَاهَةٌ، كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ.
(2) أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ لِمَالِكِ الأَْصْل وَهُوَ الشَّجَرُ، أَوْ يَبِيعَ الزَّرْعَ لِمَالِكِ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ إِذَا بِيعَ مَعَ أَصْلٍ دَخَل تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضَعِ احْتِمَال الْغَرَرِ فِيهِ، كَمَا احْتُمِلَتِ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ.
نَصَّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَابِلَةُ، كَمَا نَصَّ عَلَى الأُْولَى الْجَمِيعُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ الصُّورَةَ التَّالِيَةَ:
(3) أَنْ يَبِيعَ الأَْصْل، وَهُوَ الشَّجَرُ أَوِ الأَْرْضُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِفَتْرَةٍ مَا، قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ، وَقَبْل
__________
(1) كشاف القناع 3 / 282

خُرُوجِهِمَا مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، يَلْحَقُ الثَّمَرُ أَوِ الزَّرْعُ بِالأَْصْل الْمَبِيعِ قَبْلَهُ (1) .

75 - الرَّابِعَةُ مِنْ أَحْوَال بَيْعِ الثَّمَرَةِ:
أَنْ يَبِيعَهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ - عَلَى الْخِلاَفِ فِي تَفْسِيرِهِ: بِظُهُورِ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ وَالتَّمَوُّهِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَبِأَمْنِ الْعَاهَةِ وَالْفَسَادِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَال كَمَا هُوَ نَصُّ ابْنِ الْهُمَامِ، وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ.
وَسَيَأْتِي بَعْضُ التَّفْصِيل الْمَذْهَبِيِّ فِيمَا إِذَا تَنَاهَى عِظَمُ الثَّمَرَةِ أَوْ لَمْ يَتَنَاهَ.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا الْجَوَازَ فِي هَذِهِ الْحَال - زِيَادَةً عَلَى بُدُوِّ الصَّلاَحِ بِتَفْسِيرِهِ عِنْدَهُمْ - بِأَنْ لاَ يَسْتَتِرَ بِأَكْمَامِهِ، كَالْبَلَحِ وَالتِّينِ وَالْعِنَبِ، وَالْفُجْل وَالْكَرَّاتِ وَالْجَزَرِ وَالْبَصَل. فَهَذَا النَّوْعُ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَوَزْنًا بِالأَْوْلَى.
أَمَّا مَا اسْتَتَرَ بِأَكْمَامِهِ - أَيْ بِغِلاَفِهِ - كَالْقَمْحِ فِي سُنْبُلِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَحْدَهُ جُزَافًا، وَيَجُوزُ كَيْلاً. وَإِنْ بِيعَ بِقِشْرِهِ أَيْ تِبْنِهِ، جَازَ جُزَافًا وَكَذَا كَيْلاً بِالأَْوْلَى.
أَمَّا مَا اسْتَتَرَ بِوَرَقِهِ كَالْفُول، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ
__________
(1) انظر رد المحتار 4 / 38، وتبيين الحقائق 4 / 12، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 176، وشرح الخرشي 5 / 185، وتحفة المحتاج 4 / 463، 464، وكشاف القناع 3 / 282، وتحفة المحتاج 4 / 46

جُزَافًا، لاَ مُنْفَرِدًا وَلاَ مَعَ وَرَقِهِ، وَيَجُوزُ كَيْلاً (1) .

76 - الْخَامِسَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَةَ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ مُطْلَقًا، فَلاَ يَشْتَرِطُ قَطْعًا وَلاَ تَبْقِيَةً، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
(أ) فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْل الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - وَإِنْ صَرَّحَ ابْنُ جُزَيٍّ بِأَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ - أَنَّ بَيْعَهَا كَذَلِكَ بَاطِلٌ: لإِِطْلاَقِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا، وَلأَِنَّ الْعَاهَةَ تُسْرِعُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ، لِضَعْفِهِ، فَيَفُوتُ بِتَلَفِهِ الثَّمَنُ، مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ (2) .
(ب) وَفَصَّل الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَرَّرُوا أَنَّهُ:
إِنْ كَانَ الثَّمَرُ بِحَالٍ لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الأَْكْل وَلاَ فِي عَلَفِ الدَّوَابِّ، فَفِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ: قِيل: لاَ يَجُوزُ، وَنَسَبَهُ قَاضِيخَانُ لِعَامَّةِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ لِلنَّهْيِ، وَلأَِنَّ الْبَيْعَ يَخْتَصُّ بِمَالٍ مُتَقَوَّمٍ، وَالثَّمَرُ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ، لأَِنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فِي ثَانِي الْحَال (أَيِ الْمَآل) إِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي الْحَال.
__________
(1) فتح القدير 5 / 488 و 489، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 176
(2) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 177، وشرح الخرشي 5 / 185، والقوانين الفقهية (ص 173) وشرح المحلي على المنهاج 2 / 233، والمغني 4 / 202، وتحفة المحتاج 4 / 261

وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَوْ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْمَذْهَبِ، إِذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَوْ مُطْلَقًا (1) .
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ فِي الْمَسَائِل الثَّلاَثِ السَّابِقَةِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، هَذِهِ الصُّورَةَ أَيْضًا.

77 - السَّادِسَةُ: إِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ، وَقَدْ بَدَا صَلاَحُهَا وَنُضْجُهَا، وَلَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا، وَشَرَطَ التَّرْكَ وَالتَّبْقِيَةَ إِلَى أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهَا:
(أ) فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ - كَمَا يَنُصُّ ابْنُ قُدَامَةَ - جَوَازُ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بَل جَوَازُهُ بِإِطْلاَقٍ.
- لأَِنَّ الْحَدِيثَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، فَمَفْهُومُهُ إِبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ عِنْدَهُمُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِبُدُوِّ الصَّلاَحِ غَايَةٌ، وَلاَ فَائِدَةٌ فِي ذِكْرِهِ.
- وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ وَتَعْلِيلُهُ بِأَمْنِ الْعَاهَةِ يَدُل عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لأَِنَّ مَا يُقْطَعُ فِي الْحَال لاَ يُخَافُ الْعَاهَةُ عَلَيْهِ، وَإِذَا بَدَا الصَّلاَحُ فَقَدْ أُمِنَتِ الْعَاهَةُ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ مُبْقًى، لِزَوَال عِلَّةِ الْمَنْعِ.
__________
(1) فتح القدير 5 / 489، ورد المحتار 4 / 38، والعناية بشرح الهداية للبابرتي 5 / 488، 489

وَلأَِنَّ النَّقْل وَالتَّحْوِيل يَجِبُ فِي الْمَبِيعِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ، فَإِذَا شَرَطَهُ جَازَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْل الطَّعَامِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ (1) .
(ب) وَالْحَنَفِيَّةُ قَرَّرُوا مُفَصِّلِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:
إِذَا شَرَطَ التَّرْكَ، وَلَمْ يَتَنَاهَ الْعِظَمُ وَالنُّضْجُ، فَقَدْ شَرَطَ فِيهِ الْجُزْءَ الْمَعْدُومَ، وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ بِمَعْنًى مِنَ الأَْرْضِ وَالشَّجَرِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، فَكَأَنَّهُ ضَمَّ الْمَعْدُومَ إِلَى الْمَوْجُودِ، وَاشْتَرَاهُمَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ (2) .
وَإِذَا شَرَطَ التَّرْكَ، وَقَدْ تَنَاهَى عِظَمُهَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ أَيْضًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ شَغْل مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَمِثْلُهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهَذَا لأَِنَّهُ يَحْصُل فِي الْمَبِيعِ زِيَادَةُ جَوْدَةٍ وَطَرَاوَةٍ، وَلِلْمُشْتَرِي فِيهِ نَفْعٌ.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَدِ اسْتَحْسَنَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَال كَمَا قَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: لاَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، لِتَعَارُفِ النَّاسِ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا، لأَِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْجُزْءِ الْمَعْدُومِ.
وَمَعَ أَنَّ الْبَابَرْتِيَّ وَالْكَرْلاَنِيَّ، مِنْ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ، لَمْ يُسَلِّمَا بِالتَّعَامُل فِي اشْتِرَاطِ التَّرْكِ، بَل
__________
(1) المغني 4 / 205
(2) الهداية وشرحها: الكفاية للكرلاني 5 / 489

قَرَّرَا أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ التَّرْكُ بِلاَ شَرْطٍ، وَالإِْذْنُ فِي تَرْكِهِ بِلاَ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ، لاَ شَرْطِ التَّرْكِ. فَفِي نَقْل الْكَرْلاَنِيِّ عَنِ الأَْسْرَارِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى (1) .
78 - وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ مُطْلَقًا، فَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّرْكَ وَلاَ الْقَطْعَ، وَلَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا: فَإِنْ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنٍ مُجَرَّدٍ مِنَ الْبَائِعِ، طَابَ لَهُ الْفَضْل وَالأَْكْل. وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ بِإِذْنٍ فِي ضِمْنِ الإِْجَارَةِ، بِأَنِ اسْتَأْجَرَ الأَْشْجَارَ إِلَى وَقْتِ الإِْدْرَاكِ، طَابَ لَهُ الْفَضْل أَيْضًا؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَاطِلَةٌ، لِعَدَمِ التَّعَارُفِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى اسْتِئْجَارِ الأَْشْجَارِ، وَلِعَدَمِ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي إِلَى اسْتِئْجَارِ الأَْشْجَارِ، لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ شِرَاءُ الثِّمَارِ مَعَ أُصُولِهَا، وَالأَْصْل فِي الْقِيَاسِ بُطْلاَنُ الإِْجَارَةِ، وَأُجِيزَتْ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ، وَلاَ تَعَامُل فِي إِجَارَةِ الأَْشْجَارِ الْمُجَرَّدَةِ، فَبَقِيَ الإِْذْنُ.
أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ فِي ذَاتِهِ، لِحُصُولِهِ بِجِهَةِ مَحْظُورِهِ، وَهِيَ حُصُولُهَا بِقُوَّةِ الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، فَيُقَوَّمُ ذَلِكَ قَبْل الإِْدْرَاكِ وَبَعْدَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْل مَا بَيْنَهُمَا.
أَمَّا إِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ بَعْدَمَا تَنَاهَى عِظَمُهَا، وَتَرَكَهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ
__________
(1) الهداية وشروحها 5 / 489، وتبيين الحقائق 4 / 12، والدر المختار، ورد المحتار 4 / 39

هَذَا تَغَيُّرُ حَالَةٍ، لاَ تَحَقُّقُ زِيَادَةٍ (1) .

هَل يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ بَيْعِ الثَّمَرِ بُدُوُّ صَلاَحِ كُلِّهِ؟
79 - يُمْكِنُ الْقَوْل بِوَجْهٍ عَامٍّ، أَنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الْبَيْعِ بُدُوُّ صَلاَحِ بَعْضِهِ - وَإِنْ قَل - لِبَيْعِ كُلِّهِ، بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْعَقْدِ وَالْجِنْسِ وَالْبُسْتَانِ، وَالْحَمْل عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ - كَالشَّافِعِيَّةِ - أَوِ الْجِنْسِ عِنْدَ آخَرِينَ - كَالْمَالِكِيَّةِ - وَإِنْ شَرَطَ بَعْضُهُمْ خِلاَفًا لآِخَرِينَ صَلاَحَ كُلِّهِ، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ إِلاَّ بَيْعُ مَا بَدَا صَلاَحُهُ (2) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلاً: إِنْ كَانَتْ شَجَرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبَدَا الصَّلاَحُ فِي بَعْضِ ثَمَرِهَا، جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلاَفًا.

ثَانِيًا: وَإِنْ بَدَا الصَّلاَحُ فِي شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهَل يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ جَمِيعِ الثَّمَرِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، وَوَجْهُهُ:
__________
(1) الهداية وشروحها 5 / 489، 490، وتبيين الحقائق 4 / 12، وبدائع الصنائع 5 / 166
(2) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 2 / 236، وانظر تحفة المحتاج بشرح المنهاج، وحاشية الشرواني 4 / 467، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه 3 / 177، والمغني مع الشرح الكبير 4 / 205، والدر المختار ورد المحتار 4 / 39

- أَنَّهُ بَدَا الصَّلاَحُ مِنْ نَوْعِهِ مِنَ الْبُسْتَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَجَازَ بَيْعُ جَمِيعِهِ، كَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ.
- وَأَنَّ اعْتِبَارَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ فِي جَمِيعِهِ يَشُقُّ، وَيُؤَدِّي إِلَى الاِشْتِرَاكِ وَاخْتِلاَفِ الأَْيْدِي، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعَ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ مَا بَدَا صَلاَحُهُ.
وَالْمَالِكِيَّةُ شَرَطُوا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، أَنْ لاَ تَكُونَ النَّخْلَةُ بَاكُورَةً، وَهِيَ الَّتِي تَسْبِقُ بِالزَّمَنِ الطَّوِيل، بِحَيْثُ لاَ يَحْصُل مَعَهُ تَتَابُعُ الطَّيِّبِ، فَإِنْ كَانَتْ بَاكُورَةً لَمْ يَجُزْ بَيْعُ ثِمَارِ الْبُسْتَانِ بِطَيِّبِهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَحْدَهَا (1) .
الآْخَرُ: هُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بَيْعُ مَا بَدَا صَلاَحُهُ.
لأَِنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، فَأَشْبَهَ الْجِنْسَ الآْخَرَ، وَأَشْبَهَ الْجِنْسَ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ الآْخَرِ (2) - كَمَا سَيَأْتِي -

80 - ثَالِثًا: إِنْ بَدَا الصَّلاَحُ فِي شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ أَشْجَارٍ مِنْ نَوْعٍ مَا، فَهَل يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ؟
__________
(1) المغني 4 / 205، 206، وانظر أيضا كشاف القناع 3 / 287، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 236، والقوانين الفقهية 173، وشرح الخرشي 5 / 185، وكفاية الطالب وحاشية العدوي عليه 2 / 154، 155
(2) المغني 4 / 205، 206، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه 2 / 236، ورد المحتار 4 / 39

فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَوْجُهٌ الْوَجْهُ الأَْوَّل: لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، هُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لاَ يَتْبَعُهُ، قَرَّرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ الأَْوْلَى، وَذَلِكَ:
- لأَِنَّ النَّوْعَيْنِ قَدْ يَتَبَاعَدُ إِدْرَاكُهُمَا، فَلَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ فِي بُدُوِّ الصَّلاَحِ، كَالْجِنْسَيْنِ.
- وَلأَِنَّ الْمَعْنَى هُنَا هُوَ تَقَارُبُ إِدْرَاكِ أَحَدِهِمَا مِنَ الآْخَرِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْحَاصِل بِالاِشْتِرَاكِ، وَاخْتِلاَفِ الأَْيْدِي، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ فِي النَّوْعَيْنِ، فَصَارَا فِي هَذَا كَالْجِنْسَيْنِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ مُتَقَارِبَ الإِْدْرَاكِ، فَبُدُوُّ صَلاَحِ بَعْضِهِ يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ جَمِيعِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَخَّرُ إِدْرَاكُ بَعْضِهِ تَأَخُّرًا كَثِيرًا، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا أَدْرَكَ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الْبَاقِي.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَلأَِبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، قَاسُوهُ عَلَى إِكْمَال النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فِي التَّكْمِيل، فَيَتْبَعُهُ فِي

جَوَازِ الْبَيْعِ، وَيُصْبِحُ كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ (1) .

81 - رَابِعًا: إِنْ بَدَا صَلاَحُ الثَّمَرِ فِي أَحَدِ بُسْتَانَيْنِ (مُتَقَارِبَيْنِ) مِنْ دُونِ الآْخَرِ، وَقَدْ بَاعَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَالثَّمَرَةُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ بُدُوَّ الصَّلاَحِ فِي شَجَرَةٍ مِنَ الْقَرَاحِ (الْمَزْرَعَةِ) صَلاَحٌ لَهُ وَلِمَا قَارَبَهُ وَجَاوَرَهُ، فَيَتْبَعُهُ، وَذَلِكَ: لأَِنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الصَّلاَحِ، فَأَشْبَهَا الْقَرَاحَ الْوَاحِدَ. وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ الأَْمْنُ مِنَ الْعَاهَةِ، وَقَدْ وُجِدَ. وَلاِجْتِمَاعِهِمَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْمَالِكِيَّةُ فَسَّرُوا الْقُرْبَ هُنَا وَالْجِوَارَ، بِتَلاَحُقِ الطَّيِّبِ بِالطَّيِّبِ عَادَةً، أَوْ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ.
وَابْنُ كِنَانَةَ مِنْهُمْ عَمَّمَ الْحُكْمَ فِي الْبَسَاتِينِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَلاَحَقُ طَيِّبَهُ بِطَيِّبِهِ.
وَابْنُ الْقَصَّارِ عَمَّمَ الْحُكْمَ فِي غَيْرِ الْمُتَجَاوِرَاتِ مِنَ الْبَسَاتِينِ، فَشَمِل الْبَلَدَ.
وَلَهُمْ قَوْلاَنِ فِي اشْتِرَاطِ تَلاَصُقِ الْبَسَاتِينِ، لَكِنَّهُمُ اسْتَظْهَرُوا أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْبَسَاتِينُ الْمُجَاوِرَةُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ الَّذِي فِيهِ الشَّجَرَةُ الْبَاكُورَةُ الَّتِي بَدَا صَلاَحُهَا. لَكِنَّهُمْ قَصَرُوا هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الثِّمَارِ، وَمِثْلُهَا الْمَقْثَأَةُ،
__________
(1) المغني 4 / 206. وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (4 / 457، 458) فقد علق اشتراط اتحاد المجلس في التبعية بقوله: أي لا نوع.

أَمَّا الزُّرُوعُ فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ يُبْسِ جَمِيعِ الْحَبِّ (1) .
الآْخَرُ: أَنْ لاَ يَتْبَعَ أَحَدُ الْبُسْتَانَيْنِ الآْخَرَ، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلَوْ كَانَا مُتَقَارِبَيْنِ، وَذَلِكَ:
- لأَِنَّ مِنْ شَأْنِ اخْتِلاَفِ الْبِقَاعِ اخْتِلاَفُ وَقْتِ التَّأْبِيرِ - كَمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ - فَلاَ بُدَّ مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْبُسْتَانِ الآْخَرِ.
- أَنَّ إِلْحَاقَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ بِاَلَّذِي بَدَا صَلاَحُهُ، هُوَ لِدَفْعِ ضَرَرِ الاِشْتِرَاكِ، وَاخْتِلاَفِ الأَْيْدِي، وَهَذَا الضَّرَرُ مُنْتَفٍ فِي الْبُسْتَانِ الآْخَرِ، فَوَجَبَ امْتِنَاعُ التَّبَعِيَّةِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْبُسْتَانَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ (2) .

82 - خَامِسًا: إِنْ بَدَا الصَّلاَحُ فِي جِنْسٍ مِنَ الثَّمَرِ، لَمْ يَكْفِ فِي حِل بَيْعِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، فَبُدُوُّ صَلاَحِ الْبَلَحِ لاَ يَكْفِي فِي حِل بَيْعِ نَحْوِ الْعِنَبِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ عِنَبٌ وَرُمَّانٌ، فَبَدَا صَلاَحُ الْعِنَبِ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الرُّمَّانِ
__________
(1) المغني 4 / 206، وانظر القوانين الفقهية (173) وشرح المحلي على المنهاج 2 / 236، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 173، وشرح الخرشي على مختصر سيدي خليل، وحاشية العدوي عليه 5 / 185
(2) تحفة المحتاج 4 / 457، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 236، والمغني 4 / 206، 288، وحاشية العدوي على شرح كفاية الطالب 2 / 154، والقوانين الفقهية (173) ، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 236

حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ - نَصَّ عَلَى هَذَا الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ بَاعَ كَذَلِكَ وَجَبَ شَرْطُ الْقَطْعِ فِي ثَمَرِ الآْخَرِ.

83 - أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ الْمَقَاثِئَ بِالثَّمَرِ، فِي الاِكْتِفَاءِ بِبُدُوِّ بَعْضِهَا، لِجَوَازِ بَيْعِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكْبُرَ وَتَطِيبُ لِلأَْكْل، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِهِمَا، فَأَمَّا الزَّرْعُ فَلاَ يَكْفِي فِي حِل بَيْعِهِ يُبْسُ بَعْضِهِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ يُبْسِ جَمِيعِ حَبِّهِ، وَذَلِكَ:
- لأَِنَّ حَاجَةَ النَّاسِ لأَِكْل الثِّمَارِ رَطْبَةً لِلتَّفَكُّهِ بِهَا أَكْثَرُ.
- وَلأَِنَّ الثَّمَرَ إِذَا بَدَا صَلاَحُ بَعْضِهِ، يَتْبَعُهُ الْبَاقِي سَرِيعًا غَالِبًا، وَمِثْلُهُ نَحْوُ الْقِثَّاءِ، بِخِلاَفِ الزَّرْعِ، وَلَيْسَتِ الْحُبُوبُ كَذَلِكَ، لأَِنَّهَا لِلْقُوتِ لاَ لِلتَّفَكُّهِ (1) .
وَبَقِيَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الأَْصْل، وَهُوَ الاِكْتِفَاءُ فِي الْحَبِّ بِبُدُوِّ صَلاَحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَل، بَل صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِالاِكْتِفَاءِ بِاشْتِدَادِ بَعْضِ الْحَبِّ، وَلَوْ سُنْبُلَةً وَاحِدَةً، وَوَجْهُهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَيْنَا بِطِيبِ الثِّمَارِ عَلَى التَّدْرِيجِ، إِطَالَةً لِزَمَنِ التَّفَكُّهِ، فَلَوْ شَرَطَ طِيبَ جَمِيعِهِ، لأََدَّى إِلَى أَنْ لاَ يُبَاعَ شَيْءٌ؛ لأَِنَّ السَّابِقَ قَدْ يَتْلَفُ، أَوْ تُبَاعُ الْحَبَّةُ، بَعْدَ الْحَبَّةِ، وَفِي كُلٍّ حَرَجٌ شَدِيدٌ (2) .
__________
(1) شرح الخرشي 5 / 185، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 177
(2) تحفة المحتاج 4 / 464، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 204. وانظر أيضا في التعليل حاشية عميرة على شرح المحلي 2 / 236، وكشاف القناع 3 / 287

84 - وَلَمْ يُوَاجِهِ الْحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَهِيَ اشْتِرَاطُ بُدُوِّ صَلاَحِ كُل الثَّمَرِ لِصِحَّةِ بَيْعِهِ، وَلاَ التَّفْصِيلاَتِ الَّتِي تَنْدَرِجُ فِيهَا؛ لأَِنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي أَصْلِهَا، وَهُوَ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ (وَكَذَا الْحَبُّ وَنَحْوُهُ) أَنَّهُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَوْ عَلَفًا لِلدَّوَابِّ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَهْل الْمَذْهَبِ إِذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ مُطْلَقًا، وَيَجِبُ قَطْعُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْحَال.
وَكُل الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ خِلاَفِ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ فِي اشْتِرَاطِ صَلاَحِ كُل الثَّمَرِ، وَصَلاَحِ كُل الْحَبِّ، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكُلُّهُ جَائِزُ الْبَيْعِ عِنْدَهُمْ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَكْلاً وَلاَ عَلَفًا، قَبْل بُدُوِّ الصَّلاَحِ:
فَذَهَبَ السَّرَخْسِيُّ (وَشَيْخُ الإِْسْلاَمِ خُوَاهَرْ زَادَهْ) إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ، لِلنَّهْيِ وَعَدَمِ التَّقَوُّمِ،
وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ - وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْمَرْغِينَانِيِّ - جَوَازُ بَيْعِهِ أَيْضًا، لأَِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ مَآلاً، وَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ حَالاً، بِاعْتِبَارِهِ مَالاً (1) .
لِهَذَا لَمْ يَبْحَثِ الْحَنَفِيَّةُ شَرْطِيَّةَ بُدُوِّ صَلاَحِ كُل
__________
(1) الهداية وشروحها 5 / 488 و 489، وتبيين الحقائق 4 / 12

الثَّمَرِ وَلاَ بَعْضِهِ (وَكَذَا الْحَبُّ) وَعِبَارَةُ مُتُونِهِمْ فِي هَذَا صَرِيحَةٌ، وَنَصُّهَا: وَمَنْ بَاعَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا، أَوْ قَدْ بَدَا، جَازَ الْبَيْعُ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعُهَا فِي الْحَال، وَإِنْ شَرَطَ تَرْكَهَا عَلَى النَّخْل فَسَدَ الْبَيْعُ، وَقِيل: لاَ إِذَا تَنَاهَتْ، وَبِهِ يُفْتَى (1)

بَيْعُ الْمُتَلاَحِقِ مِنَ الثَّمَرِ وَنَحْوِهِ:
85 - وَيَتَّصِل بِبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ - عَلَى الْخِلاَفِ الَّذِي فِيهِ - مَسْأَلَةُ مَا إِذَا بَاعَ ثَمَرَةً قَدْ بَدَا صَلاَحُهَا، وَكَانَتْ مِمَّا تُطْعَمُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ.
وَيَغْلِبُ تَلاَحُقُ ثَمَرِهَا، وَيَخْتَلِطُ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا بِالْمَوْجُودِ، كَالتِّينِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ، وَكَذَا فِي الزَّرْعِ كَالْبِرْسِيمِ (وَهُوَ الْفَصْفَصَةُ) وَكَذَا فِي الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَتُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الثَّمَرِ الْمُتَلاَحِقِ، وَفِيهَا بَعْضُ الْخِلاَفِ.
(أ) فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ قِيَاسًا: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَذَلِكَ:
لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ، فَأَشْبَهَ هَلاَكَهُ قَبْل التَّسْلِيمِ، كَمَا يَقُول الْمَرْغِينَانِيُّ وَالْكَمَال مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى صَدْرِ التَّعْلِيل
__________
(1) شروح الهداية 5 / 488، 489، ومتن تنوير الأبصار بشرحه الدر المختار ورد المحتار عليه 4 / 39

الْقَاضِي زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ جَمَعَ فِي الْعَقْدِ بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ، وَالْمَعْدُومُ لاَ يَقْبَل الْبَيْعَ، وَحِصَّةُ الْمَوْجُودِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ (1) .
وَعَلَّلَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ ثَمَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا قَبْل ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيْعِ أُصُولِهِ.
وَمَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ ثَمَرَةِ النَّخْل، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ، وَإِنْ كَانَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا صَلاَحُهُ، لأَِنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ يَجُوزُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُخْلَقْ فَلاَ (2) .
86 - (ب) وَمَذْهَبُ مَالِكٍ جَوَازُهُ، وَهُوَ أَيْضًا مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَالْحَلْوَانِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْل الْبُخَارِيِّ وَآخَرِينَ اسْتِحْسَانًا، وَذَلِكَ بِجَعْل الْمَوْجُودِ أَصْلاً فِي الْعَقْدِ، وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ تَبَعًا لَهُ، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ أَكْثَرَ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَابِدِينَ وَوَجَّهَهُ.
وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ هُوَ تَعَامُل النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ تَعَامَلُوا بِبَيْعِ ثِمَارِ الْكَرْمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَهُمْ فِي
__________
(1) شرح المحلي على المنهاج 2 / 237، والمغني 4 / 207، وكشاف القناع 3 / 212، والدر المختار 4 / 38، والهداية وفتح القدير 5 / 489، 492، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 206
(2) المغني 4 / 207

ذَلِكَ عَادَةٌ، وَفِي نَزْعِ النَّاسِ مِنْ عَادَتِهِمْ حَرَجٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ الْوَرْدِ عَلَى الأَْشْجَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَرْدَ لاَ يَتَفَتَّحُ جُمْلَةً، بَل يَتَلاَحَقُ بَعْضُهُ إِثْرَ بَعْضٍ (1) .
وَبَدَا مِنْ هَذَا أَنَّ جَوَازَ بَيْعِ الْمُتَلاَحِقَاتِ هُوَ مِنْ قَبِيل اسْتِحْسَانِ الضَّرُورَةِ، عِنْدَ مَنْ أَفْتَى بِهِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ تَمَسَّكُوا بِالنُّصُوصِ، وَنَفَوُا الضَّرُورَةَ هُنَا:
- لِجَوَازِ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ الأُْصُول.
- أَوْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي الْمَوْجُودَ بِبَعْضِ الثَّمَنِ، وَيُؤَخِّرَ الْعَقْدَ فِي الْبَاقِي إِلَى وَقْتِ وُجُودِهِ.
- أَوْ يَشْتَرِيَ الْمَوْجُودَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَيُبِيحُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الاِنْتِفَاعَ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ. وَلِهَذَا قَرَّرُوا أَنَّهُ لاَ ضَرُورَةَ إِلَى تَجْوِيزِ الْعَقْدِ فِي الْمَعْدُومِ مُصَادِمًا لِلنَّصِّ، وَهُوَ: النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ. (2)
وَفِي هَذَا يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لاَ يَخْفَى تَحَقُّقُ الضَّرُورَةِ فِي زَمَانِنَا، وَلاَ سِيَّمَا فِي مِثْل دِمَشْقِ الشَّامِ، كَثِيرَةِ الأَْشْجَارِ وَالثِّمَارِ، فَإِنَّهُ
__________
(1) القوانين الفقهية (173) ، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي 3 / 187. قارن بالدر المختار ورد المحتار 4 / 38 و 39، وتبيين الحقائق 4 / 12، وشرح الكفاية على الهداية 5 / 489، وفتح القدير 5 / 492
(2) تبيين الحقائق 4 / 12، وانظر رد المحتار 4 / 39.

لِغَلَبَةِ الْجَهْل عَلَى النَّاسِ، لاَ يُمْكِنُ إِلْزَامُهُمْ بِالتَّخَلُّصِ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ أَفْرَادِ النَّاسِ لاَ يُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَامَّتِهِمْ، وَفِي نَزْعِهِمْ عَنْ عَادَتِهِمْ حَرَجٌ - كَمَا عَلِمْتَ - وَيَلْزَمُ تَحْرِيمُ أَكْل الثِّمَارِ فِي هَذِهِ الْبُلْدَانِ، إِذْ لاَ تُبَاعُ إِلاَّ كَذَلِكَ.
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَخَّصَ فِي السَّلَمِ لِلضَّرُورَةِ، مَعَ أَنَّهُ بَيْعُ الْمَعْدُومِ، فَحَيْثُ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ هُنَا أَيْضًا، أَمْكَنَ إِلْحَاقُهُ بِالسَّلَمِ بِطَرِيقِ الدِّلاَلَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مُصَادِمًا لِلنَّصِّ، فَلِهَذَا جَعَلُوهُ مِنَ الاِسْتِحْسَانِ؛ لأَِنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ الْجَوَازِ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْفَتْحِ الْمَيْل إِلَى الْجَوَازِ، وَلِذَا أَوْرَدَ لَهُ الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، بَل إِنَّ الْحُلْوَانِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَمَا ضَاقَ الأَْمْرُ إِلاَّ اتَّسَعَ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُسَوِّغٌ لِلْعُدُول عَنْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. (1)
87 - وَالْمَالِكِيَّةُ، الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ، قَسَّمُوا هَذِهِ الْمُتَلاَحِقَاتِ، وَهِيَ ذَاتُ الْبُطُونِ، إِلَى قِسْمَيْنِ:
- مَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ.
- وَمَا لاَ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ.
وَالَّذِي لاَ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ قِسْمَانِ: مَا لَهُ آخِرٌ، وَمَا لاَ آخِرَ لَهُ.
وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُهَا:

أَوَّلاً: مَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ، وَهُوَ الْمُنْفَصِل غَيْرُ الْمُتَتَابِعِ. وَذَلِكَ فِي الشَّجَرِ الَّذِي يُطْعِمُ فِي السَّنَةِ بَطْنَيْنِ مُتَمَيِّزَيْنِ. فَهَذَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْبَطْنُ
__________
(1) انظر فتح القدير 5 / 492، ورد المحتار 4 / 39.

الثَّانِي بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْل صَلاَحِهِ بِبُدُوِّ صَلاَحِ الْبَطْنِ الأَْوَّل، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْقَطِعُ الأَْوَّل حَتَّى يَبْدُوَ طِيبُ الثَّانِي. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ قَوْلاً بِالْجَوَازِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَطْنَ الثَّانِي يَتْبَعُ الأَْوَّل فِي الصَّلاَحِ، لَكِنِ ابْنَ جُزَيٍّ جَعَل عَدَمَ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اتِّفَاقًا (1) .

ثَانِيًا: مَا يَخْلُفُ وَيُطْعِمُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، وَلاَ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ، وَلَهُ آخِرٌ. (أَيْ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا) كَالْوَرْدِ وَالتِّينِ، وَكَالْمَقَاثِئِ مِنَ الْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْجُمَّيْزِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ الْبُطُونِ بِبُدُوِّ صَلاَحِ الأَْوَّل.
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: خِلاَفًا لَهُمْ، أَيْ لِلأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ. فَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ الْمَذْكُورَاتِ، يُقْضَى لَهُ بِالْبُطُونِ كُلِّهَا، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي الْعَقْدِ.
وَلاَ يَجُوزُ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِشَهْرٍ وَنَحْوِهِ، لاِخْتِلاَفِ حَمْلِهَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ (2) .

ثَالِثًا: مَا يُخْلَفُ وَيُطْعَمُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، وَلاَ تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ وَهِيَ مُتَتَابِعَةٌ، لَكِنْ لاَ آخِرَ وَلاَ
__________
(1) الشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي عليه 3 / 177، و 878، وشرح الخرشي 5 / 185، 186، والقوانين الفقهية (173)
(2) القوانين الفقهية (173) ، والشرح الكبير للدردير 3 / 178، وشرح الخرشي 5 / 186

نِهَايَةَ لَهُ، أَيْ أَنَّ إِخْلاَفَهُ مُسْتَمِرٌّ، فَكُلَّمَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ لَهُ آخِرُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ طُول الْعَامِ، كَالْمَوْزِ - فِي بَعْضِ الأَْقْطَارِ - فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلاَّ بِضَرْبٍ مِنَ الأَْجَل، وَهُوَ غَايَةُ مَا يُمْكِنُ، وَلَوْ كَثُرَ الأَْجَل - عَلَى الْمَشْهُورِ - خِلاَفًا لاِبْنِ نَافِعٍ الَّذِي حَصَرَ الْجَوَازَ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِمَنْ نَفَى الزِّيَادَةَ عَلَى سَنَتَيْنِ.
وَمِثْل ضَرْبِ الأَْجَل فِي الْجَوَازِ، اسْتِثْنَاءُ بُطُونٍ مَعْلُومَةٍ (1) .

ج - بَيْعُ السِّنِينَ:
88 - رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ (2) . وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَبِيعَ مَا سَوْفَ تُثْمِرُهُ نَخْلَةُ الْبَائِعِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (3) .

د - بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ:
89 - وَمِمَّا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِهِ لِلْغَرَرِ: السَّمَكُ فِي الْمَاءِ. وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) نفس المراجع
(2) حديث: " نهى عن بيع السنين " أخرجه مسلم (3 / 1178 ط الحلبي)
(3) فيض القدير للمناوي 6 / 307

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرٌ (1) .
وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْل اصْطِيَادِهِ، كَمَا لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ إِذَا صِيدَ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ أَخْذُهُ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ، وَأَنَّهُ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُمْلَكْ، وَفِيهِ غَرَرٌ كَثِيرٌ فَلاَ يُغْتَفَرُ إِجْمَاعًا، وَلأَِنَّهُ لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِلاَّ بَعْدَ اصْطِيَادِهِ، فَأَشْبَهَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ، كَمَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ (2) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ بَاطِلٌ - بِاصْطِلاَحِهِمْ فِيهِ - وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ، إِذَا بِيعَ بِعَرْضٍ؛ لأَِنَّ السَّمَكَ يَكُونُ حِينَئِذٍ ثَمَنًا وَالْعَرَضُ مَبِيعًا، وَاذَا دَخَلَتِ الْجَهَالَةُ عَلَى الثَّمَنِ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، وَلَمْ يَكُنْ بَاطِلاً. فَإِنْ بِيعَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِعَدَمِ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ، إِذْ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ السَّمَكِ حِينَئِذٍ مَبِيعًا، وَالدَّرَاهِمُ أَوِ الدَّنَانِيرُ ثَمَنًا.
وَفِيهِ صُوَرٌ مِنَ الْجَوَازِ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ
__________
(1) حديث: " لا تشتروا السمك في الماء. . . . " أخرجه أحمد (1 / 388 ط الميمنية) وصوب الدارقطني والخطيب وقفه. (التلخيص لابن حجر 3 / 7 ط شركة الطباعة الفنية)
(2) تبيين الحقائق 4 / 45، والشرح الكبير للدردير 3 / 60، وانظر الإشارة إلى نظيره في شرح الخرشي 5 / 69، 75، والمغني 4 / 272

وَأَحْكَامٍ (1) يُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهَا إِلَى مَوْطِنِهِ مِنْ مُصْطَلَحِ (غَرَرٌ) .

90 - وَمِثْل بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِهِ.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ - خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - تَفْصِيلٌ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ بَعْدَ الإِْرْسَال فَيَصِحُّ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لاَ يَرْجِعُ بَعْدَ الإِْرْسَال، فَلاَ يَصِحُّ.
أَمَّا بَيْعُهُ قَبْل صَيْدِهِ، فَبَاطِلٌ عِنْدَهُمْ، كَمَا هُوَ الإِْجْمَاعُ (2) .
وَانْظُرْ بَعْضَ أَحْكَامِهِ، وَتَفْصِيلاَتِهِ، وَتَعْلِيلاَتِ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ فِي مُصْطَلَحِ (غَرَر، بَيْع)

هـ - بَيْعُ الْعَبْدِ الآْبِقِ:
91 - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ (3) فَيَحْرُمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْعُهُ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْعَهُ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ.
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 106، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 158، والمغني 4 / 272
(2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 107، وتبيين الحقائق 4 / 45، 46، وشرح الخرشي 5 / 69، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه 2 / 158، وكشاف القناع 3 / 162
(3) حديث: " نهى عن شراء العبد وهو آبق. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 740 ط الحلبي) ونقل الزيلعي عن عبد الحق الأشبيلي أنه قال: إسناده لا يحتج به، نصب الراية (4 / 15 ط المجلس العلمي بالهند)

وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْجَوَازَ بِبَيْعِهِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِلاَ مَشَقَّةٍ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً، وَبِلاَ مُؤْنَةٍ لَهَا وَقْعٌ.
وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَلَوْ عَلِمَ مَكَانَهُ أَوْ قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ، فَإِنْ حَصَل فِي يَدِ إِنْسَانٍ، جَازَ، لإِِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ.
وَقِيسَ عَلَيْهِ: الْجَمَل الشَّارِدُ، وَالْفَرَسُ الْعَائِرُ (1) ، وَالضَّال إِلاَّ مَنْ يَسْهُل عَلَيْهِ رَدُّهُ وَالْمَغْصُوبُ إِلاَّ لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَبَيْعُهُ مِنَ الْغَاصِبِ صَحِيحٌ قَطْعًا (2) .
وَهُنَاكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْع، غَرَر) .

و بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ:
92 - وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرٌ حَتَّى يُطْعَمَ، أَوْ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ، أَوْ سَمْنٌ فِي لَبَنٍ (3) .
وَالشَّوْكَانِيُّ يُصَرِّحُ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى
__________
(1) الفرس العائر: الشارد. (المصباح)
(2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 112، وبدائع الصنائع 5 / 148، وشرح المحلي 2 / 58، وكشاف القناع 3 / 162، والمغني 4 / 271
(3) حديث: " نهى أن يباع ثمر حتى يطعم. . . " أخرجه الدارقطني (3 / 14 ط دار المحاسن) والبيهقي (5 / 340 ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: تفرد برفعه عمر بن فروخ، وليس بالقوي، ورواه غيره موقوفا، وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس

فَسَادِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ مَجْهُول الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، فَأَشْبَهَ الْحَمْل.
وَتَرَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَوْل بِفَسَادِهِ لاِخْتِلاَطِ الْمِلْكَيْنِ، أَوْ بُطْلاَنِهِ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِهِ.
وَوَضَعَ ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ ضَابِطًا، وَهُوَ: أَنَّ كُل مَا بِيعَ بِغِلاَفِهِ لاَ يَجُوزُ بِاسْتِثْنَاءِ الْحُبُوبِ فِي قِشْرِهَا (1) ، وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ فِي (بَيْع، غَرَر) .

ز - بَيْعُ الصُّوفِ وَهُوَ عَلَى الظَّهْرِ:
93 - وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ آنِفًا. (ف / 92) .
وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى فَسَادِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، بِشَرْطِ جَزِّهِ فِي الْحَال، وَقَال الْمِرْدَاوِيُّ: فِيهِ قُوَّةٌ (2)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِهِ بِشَرْطِ جَزِّهِ خِلاَل أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ كَنِصْفِ شَهْرٍ. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالْفَسَادِ: النَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَوْصَافِ الْحَيَوَانِ وَهِيَ لاَ تُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، وَاخْتِلاَطُ الْمَبِيعِ
__________
(1) نيل الأوطار 5 / 149، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 28، والمغني 4 / 276، وكشاف القناع 3 / 166، والإنصاف 4 / 301، والدر المختار ورد المحتار 4 / 108. وانظر الهداية وشروحها 6 / 50، وتبيين الحقائق 4 / 46، وفتح القدير 6 / 51
(2) الإنصاف 4 / 301، وجواهر الإكليل 2 / 166، والدسوقي 3 / 203

بِغَيْرِهِ لأَِنَّهُ يَنْبُتُ مِنَ الأَْسْفَل، أَوِ اتِّصَالُهُ بِالْحَيَوَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِفْرَادُهُ كَأَعْضَائِهِ، أَوِ الْجَهَالَةُ وَالتَّنَازُعُ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ.
وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقِيسُهُ عَلَى بَيْعِ الْقَصِيل (الْفَصْفَصَةُ، أَوِ الْبِرْسِيمُ) وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ الشَّعِيرُ يُجَزُّ أَخْضَرَ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ (1) . وَفِيهِ تَفْصِيلاَتٌ وَصُوَرٌ تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع، غَرَر، جَهَالَة) .

ح - بَيْعُ السَّمْنِ فِي اللَّبَنِ:
94 - وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُتَقَدِّمُ. . . أَوْ سَمْنٌ فِي لَبَنٍ (2) وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لاَ يَمْتَازُ عَنْهُ، وَفِيهِ جَهَالَةٌ وَغَرَرٌ، ثُمَّ هُوَ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي فِي غُلُفِهَا، وَالَّتِي لاَ يُمْكِنُ أَخْذُهَا وَتَسْلِيمُهَا إِلاَّ بِإِفْسَادِ الْخِلْقَةِ. كَمَا يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِاسْتِثْنَاءِ الْحُبُوبِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ (3) .
__________
(1) الهداية وشروحها 6 / 50، 51، وتبيين الحقائق 4 / 46، وبدائع الصنائع 5 / 148، وكشاف القناع 3 / 166، والمغني 4 / 276، ونيل الأوطار 5 / 150، والمصباح المنير. مادة: " قصل "
(2) الحديث سبق تخريجه (ف 92)
(3) انظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه 4 / 46، ونيل الأوطار 5 / 150، وفتح القدير 6 / 51

ط - الثُّنْيَا (أَوِ اسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُول فِي الْبَيْعِ) :
95 - وَرَدَ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالثُّنْيَا، إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ (1) وَمَعْنَى الثُّنْيَا: الاِسْتِثْنَاءُ، وَهِيَ فِي الْبَيْعِ: أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا وَيَسْتَثْنِيَ بَعْضَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، كَشَجَرَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ أَشْجَارٍ بِيعَتْ، صَحَّ الْبَيْعُ. وَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً كَبَعْضِ الأَْشْجَارِ، لَمْ يَصِحَّ (2) .
فَوَضَعَ الْفُقَهَاءُ لِذَلِكَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، وَهِيَ: أَنَّ مَا جَازَ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ. وَعَلَّقَ عَلَيْهَا ابْنُ عَابِدِينَ قَوْلَهُ: هَذِهِ قَاعِدَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، مُفَرَّعٌ عَلَيْهَا مَسَائِل (3) .
وَأَشَارَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ، وَسَمَّاهَا صَاحِبُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ضَابِطًا. فَقَال: وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ مُنْفَرِدًا (4) .
__________
(1) حديث: " نهى عن المحاقلة والمزابنة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 50 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1175 ط الحلبي) دون قوله " والثنيا إلا أن تعلم " وأخرج الشطر المذكور الترمذي (3 / 585 ط الحلبي)
(2) نيل الأوطار 5 / 150
(3) انظر الدر المختار 4 / 40، وانظرها أيضا في تبيين الحقائق 4 / 13
(4) انظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 181، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 29

96 - وَإِلَيْكَ بَعْضُ التَّطْبِيقَاتِ:
(أ) لَوْ بَاعَ هَذَا الْقَطِيعَ إِلاَّ شَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، لَمْ يَصِحَّ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا إِلاَّ أَنْ تُعْلَمَ، وَلأَِنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَصِحَّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ شَاةً تَخْتَارُهَا مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ. وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ بُسْتَانًا إِلاَّ شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ (1) .
وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَجَازَ ذَلِكَ، فَلِلْبَائِعِ عِنْدَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبُسْتَانَ، وَيَسْتَثْنِيَ خَمْسًا مِنْ شَجَرَاتِهِ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ - فِي الْغَالِبِ - يَعْرِفُ جَيِّدَ شَجَرِ بُسْتَانِهِ وَرَدِيئَهُ، فَلاَ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أَنَّهُ يَخْتَارُ ثُمَّ يَنْتَقِل، بِخِلاَفِ الْمُشْتَرِي الَّذِي يُتَوَهَّمُ فِيهِ التَّنَقُّل مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَيُؤَدِّي إِلَى التَّفَاضُل بَيْنَ الطَّعَامَيْنِ إِنْ كَانَا رِبَوِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لأَِنَّ الْمُنْتَقِل إِلَيْهِ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ أَقَل مِنَ الْمُنْتَقِل عَنْهُ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُل كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُل، وَيُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ إِنْ كَانَا مَكِيلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا (2) .

(ب) لَوْ بَاعَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنَ الْقَمْحِ وَنَحْوِهِ، إِلاَّ قَفِيزًا أَوْ رِطْلاً: - جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّ الثُّنْيَا هُنَا مَعْلُومَةٌ، فَصَارَ كَمَا لَوِ
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 4 / 41، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 29، 30
(2) شرح الخرشي 5 / 73، 74

اسْتَثْنَى مِنْهَا جُزْءًا مُشَاعًا - كَمَا سَيَأْتِي وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ إِنَّمَا عُلِمَ بِالْمُشَاهَدَةِ لاَ بِالْقَدْرِ، وَالاِسْتِثْنَاءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمُشَاهَدَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي كَمْ يَبْقَى فِي حُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ، فَلَمْ يَجُزْ (1) .
(ج) لَوْ بَاعَ هَذَا الْقَطِيعَ إِلاَّ شَاةً مُعَيَّنَةً، أَوْ بَاعَ هَذَا الْبُسْتَانَ إِلاَّ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا جَازَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ، وَلاَ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَةِ. وَالْمَبِيعُ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، لِكَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومًا، فَانْتَفَى الْمُفْسِدُ (2) .

(د) - لَوْ بَاعَ الصُّبْرَةَ إِلاَّ أَرْطَالاً مَعْلُومَةً: - جَازَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّهُ يَصِحُّ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَبْقَى أَكْثَرُ مِنَ الْمُسْتَثْنَى، وَيَكُونُ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيل مِنَ الْكَثِيرِ، كَمَا لَوِ اسْتَثْنَى رِطْلاً وَاحِدًا. وَكَذَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ لَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءُ الأَْرْطَال الْمَعْلُومَةِ مِنْ ثَمَرٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْل، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (3) .
- وَعِنْدَ أَحْمَدَ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ الأَْقْيَسُ بِمَذْهَبِهِ - لاَ يَجُوزُ هُنَا كَمَا فِي الصُّورَةِ الأُْولَى، إِنْ جَهِل الْمُتَعَاقِدَانِ كَمِّيَّةَ
__________
(1) الدر المختار 4 / 41، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 30. وعزاه إلى مالك وغيره
(2)) الدر المختار 4 / 41، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 30، وكشاف القناع 3 / 168
(3) رد المحتار 4 / 41

أَرْطَالِهَا، لأَِنَّ الْجَهْل بِذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْجَهْل بِمَا يَبْقَى بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى (1) .

(هـ) لَوِ اسْتَثْنَى جُزْءًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ بَل شَائِعًا، كَرُبُعٍ وَثُلُثٍ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ بِالاِتِّفَاقِ، لِلْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ فِي أَجْزَائِهِ، وَلِصِحَّةِ إِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا (2) .
وَلَوْ بَاعَهُ أَرْضًا أَوْ دَارًا أَوْ ثَوْبًا، إِلاَّ ذِرَاعًا:
- فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلصَّاحِبَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ: إِذَا كَانَ الْمُتَعَاقِدَانِ يَعْلَمَانِ عِدَّةَ أَذْرُعِ الأَْرْضِ أَوِ الدَّارِ أَوِ الثَّوْبِ، كَعَشَرَةٍ - مَثَلاً - صَحَّ الْبَيْعُ، وَكَانَ الْمَذْكُورُ مُشَاعًا فِيهَا، كَأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْعَشَرَ، وَإِنْ كَانَا لاَ يَعْلَمَانِ (كِلاَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا) لَمْ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ لَيْسَ مُعَيَّنًا وَلاَ مُشَاعًا، فَيَكُونُ مَجْهُولاً (3) .
97 - وَيُمْكِنُ تَطْبِيقُ قَاعِدَةِ: مَا جَازَ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الْعَقْدِ، عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَهِيَ: مَا إِذَا بَاعَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ هِيَ مِائَةُ ذِرَاعٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ تَحْتَمِل الْقِسْمَةَ أَمْ لاَ:
- فَأَبُو حَنِيفَةَ لاَ يُجِيزُ الْعَقْدَ لِجَهَالَةِ الْمَوْضِعِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأَْرْضِ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 169، وانظر الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 30
(2) انظر رد المحتار 4 / 41، وكشاف القناع 3 / 168
(3) الدر المختار ورد المحتار 4 / 32، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 161، وكشاف القناع 3 / 170، 171

لاَ عَلَى شَائِعٍ، وَالدَّارُ تَتَفَاوَتُ جَوَانِبُهَا وَأَجْزَاؤُهَا، وَهَذِهِ جَهَالَةٌ مُفْضِيَةٌ إِلَى النِّزَاعِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الْعَقْدِ، بِخِلاَفِ مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ، لِعَدَمِ تَفَاوُتِ أَجْزَائِهَا.
- وَالصَّاحِبَانِ يَقُولاَنِ: إِذَا سَمَّى جُمْلَةَ الذُّرْعَانِ صَحَّ، وَإِلاَّ لَمْ يَصِحَّ، لِلْجَهَالَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ -
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِمَا جَوَازُ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا جُمْلَةَ مِسَاحَةِ الأَْرْضِ بِالذُّرْعَانِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْجَهَالَةَ بِيَدِهِمَا إِزَالَتُهَا فَتُقَاسُ وَتُعْلَمُ نِسْبَةُ الْعَشَرَةِ الْمَبِيعَةِ مِنْهَا، وَيَكُونُ الْبَيْعُ شَائِعًا فِي الأَْرْضِ كُلِّهَا (1) .
وَإِذَا صَحَّ إِيرَادُ الْعَقْدِ عَلَى الْعَشَرَةِ، جَازَ اسْتِثْنَاؤُهَا مِنْهُ.

98 - لَوْ بَاعَ شَاةً وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوِ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَعْضَائِهَا، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِفْرَادُ الْمَذْكُورِ بِالْعَقْدِ، فَكَذَا لاَ يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ، فَصَارَ شَرْطًا فَاسِدًا - كَمَا يَقُول ابْنِ عَابِدِينَ - وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْبَائِعِ، فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ (2) .
__________
(1) انظر الدر المختار ورد المحتار 4 / 31، 32، وبدائع الصنائع 5 / 162، 163
(2) الدر المختار ورد المحتار 4 / 40 و 41 و 107، وتبيين الحقائق 4 / 58، والقوانين الفقهية (169) ، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 181، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج بحاشيتي الشرواني والعبادي 4 / 307، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 83، وكشاف القناع 3 / 172، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 31، 32

وَجَوَّزَ الْحَنَابِلَةُ اسْتِثْنَاءَ رَأْسِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول، وَجِلْدِهِ وَسَوَاقِطِهِ وَسَلَبِهِ (1) وَأَطْرَافِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ - أَيْ مُهَاجِرًا - إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرُّوا بِرَاعِي غَنْمٍ، فَاشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً، وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا (2) وَيُلْحَقُ الْحَضَرُ بِالسَّفَرِ عِنْدَهُمْ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ. وَعَنْ مَالِكٍ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورَاتِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ؛ لأَِنَّ الْمُسَافِرَ لاَ يُمْكِنُهُ الاِنْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ وَالسَّوَاقِطِ، فَجُوِّزَ لَهُ شِرَاءُ اللَّحْمِ دُونَهَا (3) .

أَسْبَابُ النَّهْيِ غَيْرِ الْعَقْدِيَّةِ:
99 - وَيُرَادُ بِهَا: مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِمَحَل الْعَقْدِ، وَلاَ بِوَصْفٍ مُلاَزِمٍ لِلْعَقْدِ بِحَيْثُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ، بَل يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ، فَمَا هُوَ بِرُكْنٍ وَلاَ بِشَرْطٍ (4) .
__________
(1) السلب من الذبيحة: إهابها وأكرعها وبطنها. (القاموس)
(2) انظر كشاف القناع 3 / 171، والمغني 4 / 214، والشرح الكبير في ذيله 4 / 32
(3) انظر كشاف القناع 3 / 171، والمغني 4 / 214، والدسوقي 3 / 18
(4) قارن بحاشية الجمل على شرح المنهج (3 / 85) نقلا عن القليوبي

وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ هَذِهِ الأَْسْبَابِ إِلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا يُؤَدِّي إِلَى تَضْيِيقٍ أَوْ إِيذَاءٍ أَوْ ضَرَرٍ: مَادِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ. وَذَلِكَ كَالْغَبْنِ، وَبَيْعِ الْمُسْلِمِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَبَيْعِ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ.
النَّوْعُ الآْخَرُ: مَا يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةٍ دِينِيَّةٍ بَحْتَةٍ، أَوْ عِبَادِيَّةٍ مَحْضَةٍ، كَالْبَيْعِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، وَبَيْعِ الْمُصْحَفِ مِنَ الْكَافِرِ.

النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْسْبَابُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الضَّرَرِ الْمُطْلَقِ
100 - مِنْ أَهَمِّ مَا يَشْمَلُهُ هَذَا النَّوْعُ، الْبُيُوعُ الآْتِيَةُ:

أ - التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأُْمِّ وَبَيْنَ وَلَدِهَا فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ:
101 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِ هَذَا الْبَيْعِ، لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي السُّنَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلْعُونٌ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا (1) .
وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) حديث " ملعون من فرق بين والدة وولدها. . . " أخرجه الدارقطني (3 / 67 ط دار المحاسن) . وقال ابن القطان: الحديث لا يصح. نصب الراية (4 / 25 ط المجلس العلمي بالهند)

قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1) .

مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ هَذَا التَّفْرِيقِ:
102 - هَذَا التَّفْرِيقُ غَيْرُ جَائِزٍ - بِوَجْهٍ عَامٍّ، وَعَلَى التَّفْصِيل الآْتِي فِي أَحْوَالِهِ - عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ:
مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بِالْبَيْعِ حَرَامٌ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: يَجِبُ فَسْخُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُمَا فِي حَوْزٍ (أَوْ مِلْكٍ وَاحِدٍ) . عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا سَيَأْتِي:
وَعِنْدَهُمَا (الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ) : الْبَيْعُ بَاطِلٌ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يُمْنَعُ مِنَ التَّفْرِيقِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ مُفِيدٌ لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْبَائِعُ آثِمٌ بِالتَّفْرِيقِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ فِي الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ، جَائِزٌ فِي سَائِرِ ذَوِي الأَْرْحَامِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
__________
(1) حديث: " من فرق بين والدة وولدها. . . " أخرجه الترمذي (3 / 511 ط الحلبي) وصححه الحاكم (1 / 55 ط دائرة المعارف العثمانية)

وَتَفْصِيل أَدِلَّةِ هَذِهِ الاِتِّجَاهَاتِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رِق) .
103 - هَذَا وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ، بِحَيْثُ يَشْمَل كُل تَفْرِيقٍ بَيْنَ كُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ قَصْرُهُ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْبَيْعِ بَيْنَ الأُْمِّ الْوَالِدَةِ وَبَيْنَ وَلَدِهَا الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُثْغِرْ (أَيْ لَمْ يُبَدِّل أَسْنَانَهُ) فَقَطْ.
وَالشَّافِعِيَّةُ قَصَرُوهُ عَلَى قَرَابَةِ الْوِلاَدِ مَهْمَا نَزَل، إِذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا حَتَّى يُمَيِّزَ وَيَسْتَقِل بِنَفْسِهِ، فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ سِنِينَ (1) .
وَتَفْصِيل الأَْدِلَّةِ فِي مُصْطَلَحِ (رِق) .

حُكْمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ وَبَيْنَ أُمِّهِ:
104 - الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، جَوَازُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَأَنَّ التَّفْرِيقَ الْمَمْنُوعَ خَاصٌّ بِالْعَاقِل. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُمْ: الْمَنْعُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأُْمِّ وَبَيْنَ وَلَدِهَا فِي الْحَيَوَانِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ أُمِّهِ بِالرَّعْيِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 232، وتبيين الحقائق 4 / 68، والهداية مع شروحها 6 / 108، والمغني 3 / 307، وكفاية الطالب 2 / 147، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 72، 73، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج بحاشيتي الشرواني والعبادي 4 / 319، 320

فَعَلَى هَذَا، لَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ لَمْ يُفْسَخْ. وَيُجْبَرَانِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ، وَلَيْسَ هَذَا كَتَفْرِيقِ الْعَاقِل (1) .
105 - وَهَذَا الَّذِي مَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، الَّذِينَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَوَلَدِهَا حَرَامٌ.
ثُمَّ فَصَّلُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَالُوا:
يُكْرَهُ ذَبْحُ الأُْمِّ الَّتِي اسْتَغْنَى الْوَلَدُ عَنْ لَبَنِهَا، وَيَحْرُمُ ذَبْحُهَا إِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ لَبَنِهَا، وَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلاَ التَّصَرُّفُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْحَيَوَانُ مَأْكُولاً وَذَبْحُ الصَّغِيرِ وَهُوَ مَأْكُولٌ حَلاَلٌ قَطْعًا. وَبَيْعُهُ مِمَّنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَذْبَحُهُ قَبْل اسْتِغْنَائِهِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الأُْمِّ قَبْل اسْتِغْنَائِهِ بَاطِلٌ - وَإِنْ قَال ابْنُ حَجَرٍ بِحِلِّهِ - لأَِنَّهُ رُبَّمَا لاَ يَقَعُ الذَّبْحُ حَالاً أَوْ أَصْلاً، فَيُوجَدُ الْمَحْذُورُ، وَشَرْطُ الذَّبْحِ عَلَى الْمُشْتَرِي غَيْرُ صَحِيحٍ (2) .
نَعَمْ، إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَائِعَ نَذَرَ ذَبْحَهُ، وَشَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الذَّبْحَ، صَحَّ الْبَيْعُ وَكَانَ ذَلِكَ افْتِدَاءً، وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي ذَبْحُهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ ذَبَحَهُ الْقَاضِي، وَفَرَّقَهُ الذَّابِحُ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَبَيْعُ الْوَلَدِ الْمُسْتَغْنِي عَنْ أُمِّهِ
__________
(1) كفاية الطالب وحاشة العدوي عليها 2 / 147، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 64، وانظر شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه 5 / 79
(2) حاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 185

مَكْرُوهٌ إِلاَّ لِغَرَضِ الذَّبْحِ. وَذَبْحُهُمَا كِلَيْهِمَا لاَ يَحْرُمُ (1) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

ب - بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا:
106 - الْمُرَادُ بِالْعَصِيرِ: عَصِيرُ الْعِنَبِ، أَيْ مَعْصُورُهُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ هَذَا الْبَيْعِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَيْلُولَتَهُ إِلَى الْخَمْرِ، فَإِنْ شَكَّ كُرِهَ. وَنَحْوُهُ قَوْل لِلصَّاحِبَيْنِ - أَشَارَ الْحَصْكَفِيُّ لِتَضْعِيفِهِ - بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْكَرَاهَةُ إِنْ أُطْلِقَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِلتَّحْرِيمِ (2) .
وَعِبَارَةُ الْمَالِكِيَّةِ: وَحُرِّمَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَيْعُ الْعِنَبِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا
__________
(1) تحفة المحتاج بشرح المنهاج وحاشيتا الشرواني والعبادي عليها 4 / 321، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 185، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 72، 73
(2) الدر المختار ورد المحتار 5 / 250، والهداية وشروحها 8 / 493، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه 3 / 7، وشرح الخرشي 5 / 11. وانظر شرح المحلي على المنهاج، وحاشية القليوبي عليه 2 / 184، والمغني 4 / 283، والإنصاف 4 / 327

بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (1) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ: بِعَيْنِهَا، وَعَاصِرِهَا، وَمُعْتَصِرِهَا، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعِهَا، وَحَامِلِهَا، وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكِل ثَمَنِهَا، وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا (2) .
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل كَمَا يَقُول عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: أَنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَبُّبِ إِلَى الْحَرَامِ (3) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ قَيِّمًا كَانَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ عِنَبٍ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ زَبِيبًا، وَلاَ يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إِلاَّ لِمَنْ يَعْصِرُهُ، فَأَمَرَهُ بِقَلْعِهِ، وَقَال: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إِنْ بِعْتُ الْخَمْرَ. وَلأَِنَّهُ يُعْقَدُ الْبَيْعُ عَلَى عَصْرٍ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ لِلْمَعْصِيَةِ، فَأَشْبَهَ إِجَارَةَ الرَّجُل أَمَتَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِيَزْنِيَ بِهَا (4) .
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
__________
(1) سورة المائدة / 2
(2) حديث: " لعنت الخمر. . . " أخرجه ابن ماجه (2 / 1122 ط الحلبي) من حديث ابن عمر، وصححه ابن السكن، التلخيص لابن حجر (3 / 72 ط شركة الطباعة الفنية)
(3) انظر حاشية عميرة على شرح المحلي في ذيل حاشية القليوبي عليه 2 / 184، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 93.
(4) المغني 4 / 284

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَنَقَل عَنْ هَذَا قَوْلَهُ: " بِعِ الْحَلاَل مِمَّنْ شِئْتَ (1) " وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ} (2) وَقَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ.
وَلأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ لاَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ، بَل بَعْدَ تَغَيُّرِهِ بِشُرْبِهِ، وَهُوَ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَلَيْسَ الشُّرْبُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَمْل؛ لأَِنَّ الشُّرْبَ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الْحَمْل، وَلَيْسَ الْحَمْل مِنْ ضَرُورَاتِ الشُّرْبِ، لأَِنَّ الْحَمْل قَدْ يُوجَدُ لِلإِْرَاقَةِ وَالتَّخْلِيل بِالصَّبِّ فِي الْخَل، فَلَيْسَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَمْل، وَصَارَ كَالاِسْتِئْجَارِ لِعَصْرِ الْعِنَبِ، وَهَذَا قِيَاسٌ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ كَمَا قَال الْكَرْلاَنِيُّ. لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ الْمَذْهَبَ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَأَنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، فَقَدْ قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلاَ بَأْسَ بِبَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا (3) وَكَلِمَةُ لاَ بَأْسَ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، فَتَرْكُهُ أَوْلَى.
وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا، هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتُونُ.
__________
(1) الدر المختار 5 / 250، والمغني 4 / 283
(2) سورة البقرة / 275
(3) الهداية بشروحها 8 / 493، وانظر في التعليل والتفصيل في القياس والاستحسان شرح الكفاية على التخصيص في الموضع نفسه

اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْبَائِعِ بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي اتِّخَاذَ الْعَصِيرِ لِلْخَمْرِ:
107 - اشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ لِلْمَنْعِ مِنْ هَذَا الْبَيْعِ: أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي اتِّخَاذَ الْخَمْرِ مِنَ الْعَصِيرِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُكْرَهْ بِلاَ خِلاَفٍ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ صَرِيحُ كَلاَمِ الْمَرْغِينَانِيِّ الآْنِفِ الذِّكْرِ.
وَكَذَلِكَ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّمَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ إِذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ: إِمَّا بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا بِقَرَائِنَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ تَدُل عَلَى ذَلِكَ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَاكْتَفَوْا بِظَنِّ الْبَائِعِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْصِرُ خَمْرًا أَوْ مُسْكِرًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (1) .
108 - أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ بِحَال الْمُشْتَرِي، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِمَّنْ يَعْمَل الْخَل وَالْخَمْرَ مَعًا، أَوْ كَانَ الْبَائِعُ يَشُكُّ فِي حَالِهِ، أَوْ يَتَوَهَّمُ:
- فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الْجَوَازُ، كَمَا هُوَ نَصُّ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
- وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْبَيْعَ فِي حَال الشَّكِّ أَوِ التَّوَهُّمِ مَكْرُوهٌ (2) .
__________
(1) رد المحتار 5 / 250، والمغني 4 / 284، وتحفة المحتاج 4 / 316، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه 2 / 184، والإنصاف 4 / 327. وقال المرداوي فيه: وهو الصواب.
(2) الدر المختار ورد المحتار 5 / 250، والمغني 4 / 284، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 184، 185، وتحفة المحتاج 4 / 316، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 93.

حُكْمُ بَيْعِ الْعَصِيرِ لِذِمِّيٍّ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا:
109 - إِنَّ مُقْتَضَى الْعُمُومِ وَالإِْطْلاَقِ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَكَذَا مَا عَلَّلَتْهُ الشُّرُوحُ - كَمَا يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ - أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ مِنْهُمَا، وَأَنَّ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، يَرَوْنَ جَوَازَ بَيْعِ الْعَصِيرِ مِنَ الْكَافِرِ. وَالأَْصَحُّ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ وَلاَ فَرْقَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا.
وَالشَّافِعِيَّةُ صَرَّحُوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا بِحُرْمَةِ الْبَيْعِ لِلْعَاصِرِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُنَّا لاَ نَتَعَرَّضُ لَهُ بِشَرْطِهِ، أَيْ عَدَمَ إِظْهَارِهِ. (1)

الْحُكْمُ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ وَشُمُولِهِ لِغَيْرِهِ:
110 - عَمَّمَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحُكْمَ فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَلَمْ يُقْصِرُوهُ عَلَى الْعَصِيرِ، بَل عَدَّوْهُ إِلَى الْعِنَبِ نَفْسِهِ وَإِلَى الرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ، فَهِيَ مِثْل الْعَصِيرِ فِي التَّحْرِيمِ، كُلَّمَا قُصِدَ بِهَا اتِّخَاذُ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ.
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَبَيْعُ نَحْوِ رُطَبٍ، كَعِنَبٍ، لِمُتَّخِذِهِ مُسْكِرًا.
__________
(1) رد المحتار 5 / 250، وكشاف القناع 3 / 181، وحاشية الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج 4 / 316، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 93.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا قُصِدَ بِهِ الْحَرَامُ، كَعِنَبٍ وَكَعَصِيرٍ لِمُتَّخِذِهِمَا خَمْرًا، وَكَذَا زَبِيبٌ وَنَحْوُهُ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَكَذَا يُمْنَعُ بَيْعُ كُل شَيْءٍ، عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَصَدَ بِهِ أَمْرًا لاَ يَجُوزُ.
وَتَرَدَّدَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ: - فَذَهَبَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْهُمْ إِلَى: أَنَّ بَيْعَ الْعِنَبِ وَالْكَرْمِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا لاَ يُكْرَهُ. - وَنَقَل الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ بَيْعَ الْعِنَبِ هُوَ أَيْضًا عَلَى الْخِلاَفِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
فَعِنْدَهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. وَعِنْدَهُمَا يُمْنَعُ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا (2) .

حُكْمُ بَيْعِ الْعَصِيرِ لِمُتَّخِذِهِ خَمْرًا، مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْبُطْلاَنُ:
111 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ: إِلَى صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ. وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ النَّهْيَ - الْمُسْتَفَادَ مِنْ حَدِيثِ لَعْنِ الْعَاصِرِ (3) وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ أَوِ التَّحْرِيمَ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ
__________
(1) المنهج وشرحه بحاشية الجمل 3 / 92، و 93، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 316، وكشاف القناع 3 / 181.
(2) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي 3 / 7، ورد المحتار 5 / 250.
(3) الحديث في لعن العاصر تقدم في الفقرة (106) .

سَبَبٌ لِمَعْصِيَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ أَوْ مُتَوَهَّمَةٍ - لاَ يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ هُنَا، لأَِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَعَنْ لاَزِمِهَا، لَكِنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ، نَظِيرُ الْبَيْعِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَاتِهِ لاَ لاَزِمِهَا، بَل هُوَ لِخَشْيَةِ تَفْوِيتِهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ، مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ. (1)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَنَصُّوا عَلَى: أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ، بِأَنْ عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي الْخَمْرِ بِشِرَاءِ الْعِنَبِ، بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَل الْعِلْمُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا فَلَمْ يَصِحَّ، وَلأَِنَّ التَّحْرِيمَ هُنَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ. (2)

بَيْعُ مَا يُقْصَدُ بِهِ فِعْل مُحَرَّمٍ:
112 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ كُل مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ، وَكُل تَصَرُّفٍ يُفْضِي إِلَى مَعْصِيَةٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَيَمْتَنِعُ بَيْعُ كُل شَيْءٍ عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَصَدَ بِهِ أَمْرًا لاَ يَجُوزُ (3) .
__________
(1) تحفة المحتاج 4 / 308، 309، وشرح المنهج بحاشية الجمل عليه 3 / 85، 93، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 184، 185، وشرح الدردير وحاشية الدسوقي عليه 3 / 7، وشرح الخرشي بحاشية العدوي عليه 5 / 11.
(2) المغني 4 / 284، وكشاف القناع 3 / 181.
(3) المغني 4 / 284، وتحفة المحتاج 4 / 317، وشرح الدردير بحاشية الدسوقي 3 / 7.

113 - فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: بَيْعُ الأَْمَةِ لأَِهْل الْفَسَادِ، وَالأَْرْضِ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً أَوْ خَمَّارَةً، وَبَيْعُ الْخَشَبِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ صَلِيبًا، وَالنُّحَاسُ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ نَاقُوسًا.
قَال الدُّسُوقِيُّ: وَكَذَا يُمْنَعُ أَنْ يُبَاعَ لِلْحَرْبِيَّيْنِ آلَةُ الْحَرْبِ، مِنْ سِلاَحٍ أَوْ كُرَاعٍ أَوْ سَرْجٍ، وَكُل مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي الْحَرْبِ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَاعُونٍ.
وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ لَهُمْ، فَقَال ابْنُ يُونُسَ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: يَجُوزُ فِي الْهُدْنَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلاَ يَجُوزُ. وَالَّذِي فِي الْمِعْيَارِ عَنِ الشَّاطِبِيِّ: أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ فَرْحُونَ فِي التَّبْصِرَةِ، وَابْنُ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينِ لاِبْنِ الْقَاسِمِ.
وَذَكَرَ فِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا عَنِ الشَّاطِبِيِّ: أَنَّ بَيْعَ الشَّمْعِ لَهُمْ مَمْنُوعٌ، إِذَا كَانُوا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى إِضْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لأَِعْيَادِهِمْ فَمَكْرُوهٌ. (1)
114 - وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: بَيْعُ مُخَدِّرٍ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَعَاطَاهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، وَخَشَبٍ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ آلَةَ لَهْوٍ، وَثَوْبِ حَرِيرٍ لِرَجُلٍ يَلْبَسُهُ بِلاَ نَحْوِ ضَرُورَةٍ. وَكَذَا بَيْعُ سِلاَحٍ لِنَحْوِ بَاغٍ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ، وَدِيكٍ لِمَنْ يُهَارِشُ بِهِ، وَكَبْشٍ لِمَنْ يُنَاطِحُ بِهِ، وَدَابَّةٍ لِمَنْ يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا.
__________
(1) الدسوقي 3 / 7.

كَمَا نَصَّ الشِّرْوَانِيُّ وَابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ مُسْلِمٍ كَافِرًا طَعَامًا، عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الرَّمْلِيُّ، قَال: لأَِنَّ ذَلِكَ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ (1)
115 - وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: بَيْعُ السِّلاَحِ لأَِهْل الْحَرْبِ، أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْفِتْنَةِ، أَوْ إِجَارَةُ دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ فِيهَا، أَوْ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً، أَوْ بَيْتَ نَارٍ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَهَذَا حَرَامٌ.
قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَسَائِل نَبَّهَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَال فِي الْقَصَّابِ وَالْخَبَّازِ: إِذَا عَلِمَ أَنَّ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ، يَدْعُو عَلَيْهِ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، لاَ يَبِيعُهُ، وَمِنْ يَخْتَرِطُ (يَصْنَعُ) الأَْقْدَاحَ لاَ يَبِيعُهَا مِمَّنْ يَشْرَبُ فِيهَا (أَيِ الْخَمْرَ) وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الدِّيبَاجِ (أَيِ الْحَرِيرِ) لِلرِّجَال. (2)
116 - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ: لاَ يُكْرَهُ بَيْعُ مَا لَمْ تَقُمِ الْمَعْصِيَةُ بِهِ، كَبَيْعِ الْكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ، وَالْخَشَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُ مِنْهُ الْمَعَازِفَ. بِخِلاَفِ بَيْعِ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْفِتْنَةِ؛ لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ، وَهِيَ الإِْعَانَةُ عَلَى الإِْثْمِ
__________
(1) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها 4 / 317، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 184، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 93.
(2) المغني 4 / 284، وكشاف القناع 3 / 181، 182، والإنصاف 4 / 327، و 328.

وَالْعُدْوَانِ، وَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. بِخِلاَفِ بَيْعِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلاَحُ كَالْحَدِيدِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَال، فَلاَ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الإِْعَانَةِ.
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمَا، خِلاَفًا لِلإِْمَامِ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، خِلاَفًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ. (1)
وَبَحَثَ الْحَنَفِيَّةُ نَظِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الإِْجَارَةِ، كَمَا سَبَقَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا لَوْ آجَرَ شَخْصٌ نَفْسَهُ لِيَعْمَل فِي بِنَاءِ كَنِيسَةٍ، أَوْ لِيَحْمِل خَمْرَ الذِّمِّيِّ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ، أَوْ لِيَرْعَى لَهُ الْخَنَازِيرَ، أَوْ آجَرَ بَيْتًا لِيُتَّخَذَ بَيْتَ نَارٍ، أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً، أَوْ يُبَاعَ فِيهِ الْخَمْرُ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ لاَ مَعْصِيَةَ فِي عَيْنِ الْعَمَل، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْل الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ كَشُرْبِهِ الْخَمْرَ وَبَيْعِهَا، فَفِي هَذَا يَقُول الْمَرْغِينَانِيُّ: إِنَّ الإِْجَارَةَ تَرِدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبَيْتِ (وَنَحْوِهِ) وَلِهَذَا تَجِبُ الأُْجْرَةُ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ، وَلاَ مَعْصِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ بِفِعْل الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِيهِ، فَقَطَعَ نِسْبَتَهُ عَنْهُ. (2)
__________
(1) رد المحتار 5 / 250 - 251، والهداية بشروحها 8 / 493، وبدائع الصنائع 5 / 233.
(2) الهداية بشروحها 8 / 493، والدر المختار 5 / 250.

وَيَرَى الصَّاحِبَانِ كَرَاهَةَ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَطَرَحَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا الضَّابِطَ: وَهُوَ أَنَّ مَا قَامَتِ الْمَعْصِيَةُ بِعَيْنِهِ، يُكْرَهُ بَيْعُهُ تَحْرِيمًا (كَبَيْعِ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْفِتْنَةِ) وَمَا لَمْ تَقُمْ بِعَيْنِهِ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا.

حُكْمُ بَيْعِ مَا يُقْصَدُ بِهِ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْبُطْلاَنُ:
117 - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) وَهُوَ أَيْضًا احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، لأَِنَّهُ لَمْ يَفْقِدْ رُكْنًا وَلاَ شَرْطًا.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا مَعَ ذَلِكَ، فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ السِّلاَحِ، عَلَى إِجْبَارِ الْمُشْتَرِي عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ.
يَقُول الدُّسُوقِيُّ: يُمْنَعُ أَنْ يُبَاعَ لِلْحَرْبِيَّيْنِ آلَةُ الْحَرْبِ، مِنْ سِلاَحٍ أَوْ كُرَاعٍ أَوْ سَرْجٍ، وَكُل مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي الْحَرْبِ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَاعُونٍ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ.
كَمَا نَصَّ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ أَمَةً لِمَنْ يُكْرِهُهَا عَلَى الزِّنَى، وَدَابَّةً لِمَنْ يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ هَذَيْنِ عَلَى مَالِكِهِمَا قَهْرًا عَلَيْهِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ

عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، فَلَمْ يَصِحَّ. (1)

ج - بَيْعُ الرَّجُل عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ:
118 - مِنْ صُوَرِهِ أَنْ يَتَرَاضَى الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى ثَمَنِ سِلْعَةٍ، فَيَجِيءَ آخَرُ، فَيَقُول: أَنَا أَبِيعُكَ مِثْل هَذِهِ السِّلْعَةِ بِأَنْقَصَ مِنْ هَذَا الثَّمَنِ، أَوْ يَقُول: أَبِيعُكَ خَيْرًا مِنْهَا بِثَمَنِهَا أَوْ بِدُونِهِ - أَيْ بِأَقَل مِنْهُ - أَوْ يَعْرِضَ عَلَى الْمُشْتَرِي سِلْعَةً رَغِبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي، فَفَسَخَ الْبَيْعَ وَاشْتَرَى هَذِهِ. (2)
وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. (3)
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: لاَ يَبِعِ الرَّجُل عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ. (4)
__________
(1) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 2 / 7، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 184، والمغني 4 / 284، والإنصاف 4 / 327، وكشاف القناع 3 / 181.
(2) فتح القدير 6 / 107، ورد المحتار 4 / 132، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 91، والمغني 4 / 278، وتحفة المحتاج 4 / 314، وكشاف القناع 3 / 183.
(3) حديث: " لا يبع بعضكم على بيع بعض. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 373 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1032 ط الحلبي) .
(4) حديث: " لا يبع الرجل على بيع أخيه. . . " أخرجه مسلم (3 / 1154 ط الحلبي) .

وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ. (1)
وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَبِيعُ الرَّجُل عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ. (2)
وَفِي لَفْظٍ: لاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ. (3)
حُكْمُهُ:
119 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مُحَرَّمٌ، لَكِنَّهُ لاَ يَبْطُل الْبَيْعُ، بَل هُوَ صَحِيحٌ لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى مَعْنًى خَارِجٍ عَنِ الذَّاتِ وَعَنْ لاَزِمِهَا، إِذْ لَمْ يَفْقِدْ رُكْنًا وَلاَ شَرْطًا، لَكِنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى مُقْتَرِنٍ بِهِ، وَهُوَ خَارِجٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَهُوَ الإِْيذَاءُ هُنَا. هَذَا تَعْلِيل الشَّافِعِيَّةِ.
وَتَعْلِيل الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ عَرْضُ سِلْعَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ قَوْلُهُ الَّذِي فَسَخَ الْبَيْعَ مِنْ أَجْلِهِ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ، وَلأَِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَل بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصَّل لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى، وَلأَِنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ.
__________
(1) حديث: " لا يبع بعضكم على بيع بعض. . . " أخرجه النسائي (7 / 258 ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح.
(2) سبق تخريجه.
(3) حديث: " لا يبيع بعضكم على بيع أخيه. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 352 ط السلفية) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: هَذِهِ الْكَرَاهَاتُ كُلُّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ، لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي الإِْثْمِ، وَذَلِكَ لِلأَْحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيحَاشِ وَالإِْضْرَارِ. (1)
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ حَرَامٌ، وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ، بَل هُوَ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ وَالإِْفْسَادِ عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. (2)
120 - وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْبَيْعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِمَا يَلِي:
(1) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ قَبْل لُزُومِ الْبَيْعِ، وَذَلِكَ لِبَقَاءِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوِ الشَّرْطِ، وَكَذَا بَعْدَ اللُّزُومِ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْعَيْبِ، إِذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ زَمَنَ الْخِيَارَيْنِ، فَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ مُضِيِّ الْخِيَارِ وَلُزُومِ الْبَيْعِ لاَ يَحْرُمُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْفَسْخِ إِذًا، وَلاَ مَعْنًى لَهُ.
(2) أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَهُ
__________
(1) فتح القدير 6 / 106 - 107 وتحفة المحتاج 4 / 308 و 309 و 314، وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه 2 / 182 و 184، والمغني 4 / 278 - 279.
(2) المغني 4 / 278، وكشاف القناع 3 / 183، والإنصاف 4 / 331.

- كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي زَكَرِيَّا - (أَيْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْبَائِعِ الأَْوَّل، لِلَّذِي بَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) .
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ بِمَا إِذَا تَرَاضَى الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْبَيْعِ. (1)
121 - وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ بَعْضَ الْفُرُوعِ وَالأَْحْكَامِ، فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ، فَقَرَّرُوا:
- أَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مَغْبُونًا فِي صَفْقَتِهِ، إِذِ النَّصِيحَةُ الْوَاجِبَةُ تَحْصُل بِالتَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. وَقَيَّدَ الْقَلْيُوبِيُّ الْحُرْمَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الرِّضَا بَاطِنًا.
- مِثْل الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ، أَنْ يَبِيعَ بَائِعٌ الْمُشْتَرِيَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ سِلْعَةً مِثْل الَّتِي اشْتَرَاهَا.
وَسَبَبُ الْمَنْعِ الْخَشْيَةَ مِنْ أَنْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ السِّلْعَةَ الأُْولَى، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
- يُمْنَعُ الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مَا يَؤُول إِلَيْهِ الأَْمْرُ، بِأَنْ يَلْزَمَ الْبَيْعُ أَوْ يُعْرِضَ الْمُشْتَرِي عَنِ الشِّرَاءِ، فَإِنْ أَعْرَضَ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْمَنْعِ، وَجَازَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَبِيعَهُ.
- مِثْل الْبَيْعِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى الْبَيْعِ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ (أَيِ
__________
(1) تحفة المحتاج 4 / 314 وشرح المحلي على المنهاج مع حاشية القليوبي 2 / 183 - 184، وكشاف القناع 3 / 183، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 314، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 91، وابن عابدين 4 / 132.

الاِسْتِعَارَةِ) وَالاِقْتِرَاضِ (1) وَالاِتِّهَابِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْجَعَالَةِ. قَال الْحَنَابِلَةُ: فَتَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ إِذَا سَبَقَتْ لِلْغَيْرِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْيذَاءِ.
بَل نَصَّ الْبِرْمَاوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِكِتَابٍ (عَارِيَّةً) لِيُطَالِعَ فِيهِ، حَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَسْأَل صَاحِبَهُ فِيهِ، أَيْ يَطْلُبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ لِيُطَالِعَ فِيهِ هُوَ أَيْضًا، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا حُرْمَةَ طَلَبِ الْعَارِيَّةِ بَعْدَ عَقْدِهَا مُطْلَقًا. (2)

د - السَّوْمُ، وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ.
122 - أَمَّا السَّوْمُ عَلَى السَّوْمِ فَمِنْ صُوَرِهِ:
مَا إِذَا تَسَاوَمَ رَجُلاَنِ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ بِسِلْعَتِهِ ثَمَنًا، وَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَجَاءَ مُشْتَرٍ آخَرَ، وَدَخَل عَلَى سَوْمِ الأَْوَّل، فَاشْتَرَاهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ نَفْسِهِ. لَكِنَّهُ رَجُلٌ وَجِيهٌ، فَبَاعَهُ مِنْهُ الْبَائِعُ لِوَجَاهَتِهِ.
123 - وَأَمَّا الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ فَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يَأْمُرَ شَخْصٌ الْبَائِعَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ لِيَشْتَرِيَهُ هُوَ بِأَكْثَرَ، أَوْ يَجِيءَ شَخْصٌ إِلَى الْبَائِعِ قَبْل لُزُومِ
__________
(1) تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني 4 / 314، وحاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 184.
(2) كشاف القناع 3 / 184، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 314.

الْعَقْدِ، لِيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتُرِيَ بِهِ، لِيَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ. (1)
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَ هَذَا الشِّرَاءِ أَوِ السَّوْمِ بِمَا إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ تَرَاضَيَا، أَوْ جَنَحَ الْبَائِعُ إِلَى الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجْنَحْ وَلَمْ يَرْضَهُ، فَلاَ بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَزْيَدَ؛ لأَِنَّ هَذَا بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، (2) كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ الْمَنْعَ بِأَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ قَبْل اللُّزُومِ، أَيْ زَمَنَ الْخِيَارِ - كَمَا عَبَّرَ الْقَاضِي (3) - أَوْ يَكُونَ بَعْدَ اللُّزُومِ، وَقَدِ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ - كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ -
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلِلسَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ عِنْدَهُمْ صُوَرٌ:
الأُْولَى: أَنْ يُوجَدَ مِنَ الْبَائِعِ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَا بِالْبَيْعِ، فَهَذَا يَحْرُمُ السَّوْمُ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلاَ يَحْرُمُ السَّوْمُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ لاَ يُوجَدَ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا أَوْ
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 232، وفتح القدير 6 / 107، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها 4 / 314، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 91، والمغني 4 / 278، وكشاف القناع 3 / 183 و 184.
(2) الدر المختار 4 / 132، والهداية بشروحها 6 / 107، وتبيين الحقائق 4 / 67، وبدائع الصنائع 5 / 232.
(3) شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 91.

عَدَمِهِ، فَلاَ يَجُوزُ السَّوْمُ لِغَيْرِهِ أَيْضًا.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. فَقَال الْقَاضِي: لاَ يَحْرُمُ السَّوْمُ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَحْرُمُ. (1)
كَمَا قَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ وَقَعَ الإِْذْنُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا وَقَدْ أَسْقَطَاهُ، وَلِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ: حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ. (2)
وَقَرَّرُوا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إِذْنُ الْمَالِكِ، لاَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيل، إِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْذْنِ إِذَا دَلَّتِ الْحَال عَلَى الرِّضَا بَاطِنًا، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ ضَجَرًا وَحَنَقًا فَلاَ، كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ مِنْهُمْ. (3)
حُكْمُهُ:
124 - هَذَا الشِّرَاءُ أَوِ السَّوْمُ بِهَذِهِ الصُّوَرِ وَالْقُيُودِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ فِي وَجْهٍ مُحْتَمِلٍ لِلصِّحَّةِ عِنْدَهُمْ كَالْجُمْهُورِ. وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْنُونَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ، لاَ الْحُرْمَةَ.
أ - فَدَلِيل الشَّافِعِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الْمُحْتَمَل عِنْدَ
__________
(1) المغني 4 / 236 ط الرياض.
(2) الحديث تقدم (ف 118) وانظر حاشية الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 315.
(3) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 91 و 92.

الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ. حَدِيثُ لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ الْمُتَقَدِّمُ (1) .
فَقَال الْمَحَلِّيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ.
وَأَشَارَ الْبُهُوتِيُّ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ، وَلأَِنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا.
وَلأَِنَّ فِيهِ إِيذَاءً، قَال الْمَحَلِّيُّ: الْمَعْنَى فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ: الإِْيذَاءُ لِلْعَالِمِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
وَلأَِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَل بِهِ الضَّرَرُ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصِّل لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى. وَلأَِنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ. (2)
ب - وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْكَرَاهَةِ مَعَ صِحَّةِ الشِّرَاءِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلاَ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَأَنْ تَسْأَل الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا، وَعَنِ النَّجْشِ وَالتَّصْرِيَةِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُل عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. (3)
وَقَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنِ الاِسْتِيَامِ، فَلاَ حَاجَةَ - كَمَا أَوْضَحَ ابْنُ الْهُمَامِ - إِلَى جَعْل لَفْظِ الْبَيْعِ فِي حَدِيثِ: لاَ يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ جَامِعًا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
__________
(1) الحديث تقدم (ف 118) .
(2) شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي 2 / 184، وكشاف القناع 3 / 184، والمغني 4 / 279.
(3) حديث: " نهى أن يتلقى الركبان. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 451 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1155 ط الحلبي) ، واللفظ للبخاري.

مَجَازًا، إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرِدْ حَدِيثُ الاِسْتِيَامِ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيحَاشًا وَإِضْرَارًا بِهِ فَيُكْرَهُ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالنَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، وَهُوَ الإِْيذَاءُ، فَكَانَ نَفْسُ الْبَيْعِ مَشْرُوعًا، فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ. (1)
ج - وَدَلِيل الْحَنَابِلَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلاَنِ، أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (2) .
125 - وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الْفُرُوعِ وَالتَّفْصِيلاَتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّوْمِ، وَالشِّرَاءِ عَلَى شِرَاءِ الآْخَرِينَ:
أ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ السَّوْمَ عَلَى سَوْمِ الآْخَرِينَ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَامُ عَلَيْهِ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. وَقَالُوا: ذِكْرُ الأَْخِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ قَيْدًا، بَل لِزِيَادَةِ التَّنْفِيرِ؛ لأَِنَّ السَّوْمَ عَلَى السَّوْمِ يُوجِبُ إِيحَاشًا وَإِضْرَارًا، وَهُوَ فِي حَقِّ الأَْخِ أَشَدُّ مَنْعًا، فَهُوَ كَمَا فِي قَوْلِهِ فِي الْغِيبَةِ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ (3) إِذْ لاَ خَفَاءَ فِي مَنْعِ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ. (4)
وَقَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُل خَرَجَ مَخْرَجَ
__________
(1) فتح القدير 6 / 108، وتبيين الحقائق 4 / 67، وبدائع الصنائع 5 / 232.
(2) المغني 4 / 278. وانظر فيه تفصيلا ووجوها وصورا أربعة.
(3) حديث: " ذكرك أخاك. . . " أخرجه مسلم (4 / 2001 ط الحلبي) .
(4) الدر المختار ورد المحتار 4 / 132.

الْغَالِبِ، كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ الأَْخِ لإِِثَارَةِ الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِ، وَسُرْعَةِ امْتِثَالِهِ، فَغَيْرُهُمَا مِثْلُهُمَا.
فَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ مِثْل الْمُسْلِمِ. وَخَرَجَ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ فَلاَ يَحْرُمُ. (1)
ب - أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ الإِْجَارَةَ بِالْبَيْعِ فِي مَنْعِ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ، إِذْ هِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ (2) .
كَمَا أَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ جُمْلَةً مِنَ الْعُقُودِ، كَالْقَرْضِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَكُلُّهَا تَحْرُمُ وَلاَ تَصِحُّ لِلإِْيذَاءِ. (3)
ج - أَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، تَحْرِيمَ طَلَبِ السِّلْعَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي بِأَكْثَرَ - وَالْبَائِعُ حَاضِرٌ - قَبْل اللُّزُومِ، لأَِدَائِهِ إِلَى الْفَسْخِ أَوِ النَّدَمِ.
د - وَكَذَلِكَ قَاسَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى كَلاَمِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي التَّحْرِيمِ، مَا لَوْ طَلَبَ شَخْصٌ مِنَ الْبَائِعِ، فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، شَيْئًا مِنْ جِنْسِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ، بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ، لاَ سِيَّمَا إِنْ طَلَبَ مِنْهُ مِقْدَارًا لاَ يَكْمُل إِلاَّ بِانْضِمَامِ مَا بِيعَ مِنْهَا.
هـ - وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِحُرْمَةِ مَا ذُكِرَ، سَوَاءٌ أَبَلَغَ الْمَبِيعُ قِيمَتَهُ أَمْ نَقَصَ عَنْهَا - عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ
__________
(1) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 3 / 90.
(2) رد المحتار 4 / 132.
(3) كشاف القناع 3 / 184.

و - وَتَكَلَّمُوا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ تَعْرِيفِ الْمَغْبُونِ فِي الشِّرَاءِ بِغَبْنِهِ، فَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لاَ مَحْذُورَ فِيهِ، لأَِنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَظْهَرَ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَبْنٍ نَشَأَ عَنْ نَحْوِ غِشِّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَال بِإِضْرَارِهِ، لأَِنَّهُ آثِمٌ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا نَشَأَ لاَ عَنْ نَحْوِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَالضَّرَرُ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ.
وَصَرَّحَ الشِّرْوَانِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، وَجَبَ إِعْلاَمُ الْمُشْتَرِي بِهِ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ جَاهِلاً بِالْعَيْبِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ تَقْصِيرَ مِنْهُ حِينَئِذٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْغَبْنِ؛ لأَِنَّ الْمَلْحَظَ حُصُول الضَّرَرِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا مَحَل تَأَمُّلٍ، وَرَأَى أَنَّ وُجُوبَ النَّصِيحَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَعْرِيفِ الْمَغْبُونِ، وَإِنْ نَشَأَ الْغَبْنُ مِنْ تَقْصِيرِهِ، وَلَكِنَّهَا تَحْصُل بِالتَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ. (1)

126 - وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ بِالْمُنَادَاةِ، وَيُسَمَّى بَيْعَ الدَّلاَلَةِ. (2) وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْمُزَايَدَةَ. اسْتَثْنَوْهَا مِنَ الشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، وَمِنَ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ. وَهِيَ: أَنْ يُنَادَى عَلَى السِّلْعَةِ، وَيَزِيدَ النَّاسُ فِيهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَقِفَ عَلَى آخِرِ - زَائِدٍ فِيهَا فَيَأْخُذَهَا.
__________
(1) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليها 4 / 314، 315.
(2) الدر المختار 4 / 133.

وَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ، فَصَحَّحُوهُ وَلَمْ يَكْرَهُوهُ. وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ قَصْدُ الإِْضْرَارِ بِأَحَدٍ، وَبِإِرَادَةِ الشِّرَاءِ، وَإِلاَّ حَرُمَتِ الزِّيَادَةُ، لأَِنَّهَا مِنَ النَّجْشِ. (1)
127 - وَدَلِيل جَوَازِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ:
- مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَْنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَال لَهُ: مَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَال: بَلَى، حِلْسٌ يُلْبَسُ بَعْضُهُ، وَيُبْسَطُ بَعْضُهُ، وَقَعْبٌ يُشْرَبُ فِيهِ الْمَاءُ. قَال: ائْتِنِي بِهِمَا. فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ فَقَال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَال: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَقَال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَْنْصَارِيَّ، وَقَال: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآْخَرِ قَدُومًا، فَائْتِنِي بِهِ. فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَال لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَذَهَبَ الرَّجُل يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ،
__________
(1) القوانين الفقهية (175) ، والدر المختار 4 / 133، وتحفة المحتاج 4 / 314، والمغني 4 / 279، وكشاف القناع 3 / 183، وحاشية الجمل على شروح المنهج 3 / 91.

فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ. (1)
قَال الْكَاسَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَبِيعَ بَيْعًا مَكْرُوهًا. (2)
- وَالدَّلِيل الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَزَالُوا يَتَبَايَعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ. (3)
- وَأَنَّهُ بَيْعُ الْفُقَرَاءِ، كَمَا قَال الْمَرْغِينَانِيُّ، وَالْحَاجَةُ مَاسَةٌ إِلَيْهِ (4) .
- وَلأَِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنِ السَّوْمِ حَال الْبَيْعِ، وَحَال الْمُزَايَدَةِ خَارِجٌ عَنِ الْبَيْعِ. (5)
وَتَفْصِيل أَحْكَامِ (الْمُزَايَدَةِ) فِي مُصْطَلَحِهَا.

هـ - النَّجْشُ:
128 - النَّجْشُ هُوَ بِسُكُونِ الْجِيمِ مَصْدَرٌ،
__________
(1) حديث: " إن المسألة لا تصلح. . . " أخرجه أحمد (3 / 114 ط الميمنية) وقال ابن حجر: أعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه. التلخيص الحبير (3 / 15 ط شركة الطباعة الفنية) .
(2) بدائع الصنائع 5 / 232.
(3) كشاف القناع 3 / 183.
(4) الهداية بشروحها 6 / 108، وتبيين الحقائق 4 / 67 و 68.
(5) كشاف القناع 3 / 183.

وَبِالْفَتْحِ اسْمُ مَصْدَرٍ، (1) وَمِنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ: الإِْثَارَةُ. يُقَال: نَجَشَ الطَّائِرَ: إِذَا أَثَارَهُ مِنْ مَكَانِهِ. قَال الْفَيُّومِيُّ: نَجَشَ الرَّجُل يَنْجُشُ نَجْشًا: إِذَا زَادَ فِي سِلْعَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَيْسَ قَصْدُهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، بَل لِيَغُرَّ غَيْرَهُ، فَيُوقِعَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.
وَأَصْل النَّجْشِ: الاِسْتِتَارُ؛ لأَِنَّ النَّاجِشَ يَسْتُرُ قَصْدَهُ، وَمِنْهُ يُقَال لِلصَّائِدِ: نَاجِشٌ لاِسْتِتَارِهِ. (2)
وَقَدْ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنْ يَزِيدَ الرَّجُل فِي الثَّمَنِ وَلاَ يُرِيدُ الشِّرَاءَ، لِيُرَغِّبَ غَيْرَهُ. أَوْ أَنْ يَمْدَحَ الْمَبِيعَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِيُرَوِّجَهُ (3) .
وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلاَ تَصُرُّوا الْغَنَمَ. (4)
__________
(1) الدر المختار 4 / 132، وتبيين الحقائق 4 / 67، وفتح القدير 6 / 107، وشرح الدردير 3 / 67، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج 4 / 315، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 92.
(2) المصباح المنير، مادة: " نجش ".
(3) الهداية بشروحها 6 / 106، وبدائع الصنائع 5 / 233، وابن عابدين 4 / 132، والشرح الكبير للدردير 3 / 68، وشرح الخرشي 5 / 82، وتحفة المحتاج 4 / 315، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 184، والمغني 4 / 278.
(4) حديث: " لا تلقوا الركبان ولا يبيع بعضكم على بعض. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 361 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1155 ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ (1)
أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ حَرَامٌ، وَذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِ، وَهِيَ حَرَامٌ.
ب - وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا إِذَا بَلَغَتِ السِّلْعَةُ قِيمَتَهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ تَبْلُغْ فَلاَ يُكْرَهُ، لاِنْتِفَاءِ الْخِدَاعِ. (2)
ذَلِكَ حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ. أَمَّا حُكْمُهُ الْوَضْعِيُّ:
أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ النَّجْشَ فِعْل النَّاجِشِ لاَ الْعَاقِدِ، فَلَمْ يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ، وَالنَّهْيُ لِحَقِّ الآْدَمِيِّ فَلَمْ يَفْسُدِ الْعَقْدُ، كَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَبَيْعِ الْمَعِيبِ وَالْمُدَلَّسِ، بِخِلاَفِ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ يَنْجَبِرُ بِالْخِيَارِ أَوْ زِيَادَةِ الثَّمَنِ.
ب - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ
__________
(1) حديث: " نهى عن النجش. . . " أخرجه مسلم (3 / 1156 ط الحلبي) .
(2) المغني 4 / 278، والقوانين الفقهية (175) ، وتحفة المحتاج 4 / 308، 315، والدر المختار 4 / 132، والهداية وشرحا فتح القدير والعناية 6 / 106.

لاَ يَصِحُّ بَيْعُ النَّجْشِ، لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ فِي هَذَا الْبَيْعِ:
- فَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ بِالنَّاجِشِ وَسَكَتَ، فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَلَهُ التَّمَسُّكُ بِهِ، فَإِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى ثَمَنَ النَّجْشِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْبَائِعُ بِالنَّاجِشِ، فَلاَ كَلاَمَ لِلْمُشْتَرِي، وَلاَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَالإِْثْمُ عَلَى مَنْ فَعَل ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ جَعَلُوا لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عِنْدَ التَّوَاطُؤِ.
- وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِتَفْرِيطِهِ.
- وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَكَانَ النَّجْشُ بِمُوَاطَأَةٍ مِنَ الْبَائِعِ أَمْ لَمْ يَكُنْ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْمْضَاءِ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَإِنْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ. (1)
وَفِيهِ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ تُرَاجَعُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجْش) .
__________
(1) المغني 4 / 278، والشرح الكبير للدردير، وحاشية الدسوقي 3 / 68، وشرح الخرشي 5 / 82 و 83، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 184، وتحفة المحتاج 4 / 316.

و - تَلَقِّي الْجَلَبِ أَوِ الرُّكْبَانِ أَوِ السِّلَعِ:
129 - عَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَلَقِّي الْجَلَبِ، وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ بِتَلَقِّي السِّلَعِ. قَال خَلِيلٌ: كَتَلَقِّي السِّلَعِ أَوْ صَاحِبِهَا. وَعَبَّرَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنْهُمْ بِتَلَقِّي السِّلْعَةِ.
وَعَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِتَلَقِّي الرُّكْبَانِ.
وَالتَّلَقِّي: هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي يُجْلَبُ إِلَيْهَا الْقُوتُ (1) (وَنَحْوُهُ) .
وَالْجَلَبُ - بِفَتْحَتَيْنِ - بِمَعْنَى الْجَالِبِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْمَجْلُوبِ، فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، (2) وَهُوَ مَا تَجْلِبُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِتَلَقِّي السِّلَعِ فِي تَعْبِيرِ الْمَالِكِيَّةِ.
كَمَا أَنَّ الرُّكْبَانَ - فِي تَعْبِيرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - جَمْعُ رَاكِبٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ الْقَادِمُ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ مَاشِيًا. (3)
حُكْمُ التَّلَقِّي التَّكْلِيفِيُّ:
130 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي مُحَرَّمٌ، لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَلَقُّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى
__________
(1) انظر الشرح الكبير للدردير 3 / 70.
(2) المصباح المنير. مادة " جلب "، والدر المختار ورد المحتار 4 / 132.
(3) تحفة المحتاج 4 / 311، وفتح القدير 6 / 107، وبدائع الصنائع 5 / 232، ورد المحتار 4 / 132، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 4 / 68.

سَيِّدُهُ أَيْ صَاحِبُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ. (1)
وَالْحَنَفِيَّةُ ذَهَبُوا إِلَى كَرَاهَةِ التَّلَقِّي، وَذَلِكَ لِلضَّرَرِ أَوِ الْغَرَرِ، أَوْ كَمَا قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ الْبَيْعَ مَشْرُوعٌ فِي ذَاتِهِ، وَالنَّهْيُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الإِْضْرَارُ بِالْعَامَّةِ عَلَى التَّفْسِيرِ الأَْوَّل - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَهُمْ - وَتَغْرِيرُ أَصْحَابِ السِّلَعِ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرَرٌ أَوْ غَرَرٌ فَلاَ بَأْسَ، وَلاَ يُكْرَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَالْكَرْلاَنِيُّ وَالْكَاسَانِيُّ وَالزَّيْلَعِيُّ وَالْحَصْكَفِيُّ، لاِنْعِدَامِ الضَّرَرِ. (2)
فَقَوْل ابْنِ قُدَامَةَ: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَسُنَّةُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. (3) لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ. وَفَسْخُ الْمَكْرُوهِ - مِنَ الْبِيَاعَاتِ - وَاجِبٌ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِرَفْعِ الإِْثْمِ، وَهِيَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ عِنْدَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ، كَمَا هُنَا، وَكَمَا فِي كُل بَيْعٍ مَكْرُوهٍ.

حُكْمُ التَّلَقِّي الْوَضْعِيُّ:
131 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ التَّلَقِّي صَحِيحٌ، وَلاَ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِهِ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ
__________
(1) حدث: " لا تلقوا الجلب. . . " أخرجه مسلم (3 / 1157 ط الحلبي) .
(2) بدائع الصنائع 5 / 232، والهداية وشرح العناية 6 / 107، وتبيين الحقائق 4 / 68، والدر المختار 4 / 132.
(3) المغني 4 / 281، والدر المختار 4 / 134.

عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ فِي قَوْل الْجَمِيعِ، وَعَلَّل الصِّحَّةَ:
- بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَالْخِيَارُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ.
- وَلأَِنَّ النَّهْيَ لاَ لِمَعْنًى فِي الْبَيْعِ، بَل يَعُودُ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ الْخَدِيعَةِ، يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْمُصَرَّاةِ. وَفَارَقَ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْخِيَارِ، إِذْ لَيْسَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
- وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ التَّلَقِّي فَاسِدٌ، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ النَّهْيِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوَّل أَصَحُّ. (1)

ز - بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي:
132 - وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ. (2)
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُرَادِ مِنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ سِمْسَارًا لِلْبَادِي، لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الإِْضْرَارِ بِأَهْل الْبَلَدِ لاِرْتِفَاعِ السِّعْرِ، وَفُسِّرَ بِغَيْرِ
__________
(1) المغني 4 / 281، 282.
(2) حديث " لا يبع حاضر لباد. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1157 ط الحلبي) .

ذَلِكَ. وَلِلْمَنْعِ شُرُوطٌ وَتَفْصِيلاَتٌ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ وَالصِّحَّةُ أَوِ الْبُطْلاَنُ.
وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي) .

النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْسْبَابُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ عِبَادِيَّةٍ مَحْضَةٍ
أ - الْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ:
133 - أَمَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ (الأَْذَانِ) يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . (1) وَالأَْمْرُ بِتَرْكِ الْبَيْعِ نَهْيٌ عَنْهُ.
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مُحَرَّمٌ لِهَذَا النَّصِّ.
غَيْرَ أَنَّ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَيْنِ، فَعِنْدَ أَيِّ الأَْذَانَيْنِ يُعْتَبَرُ مَوْرِدُ النَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ.
أ - فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَالطَّحَاوِيِّ، أَنَّهُ الأَْذَانُ الَّذِي جَرَى بِهِ التَّوَارُثُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَذَانُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ، وَالإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيَنْصَرِفُ النِّدَاءُ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قَيَّدَهُ
__________
(1) سورة الجمعة / 9.

الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِالأَْذَانِ الثَّانِي. (1)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
- مَا رُوِيَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرَ النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ (2) .
وَفِي رِوَايَةٍ " زَادَ الثَّانِيَ ".
وَفِي رِوَايَةٍ " عَلَى دَارٍ فِي السُّوقِ، يُقَال لَهَا: الزَّوْرَاءُ " (3) وَتَسْمِيَةُ الأَْذَانِ الأَْوَّل فِي أَيَّامِنَا، أَذَانًا ثَالِثًا؛ لأَِنَّ الإِْقَامَةَ - كَمَا يَقُول ابْنُ الْهُمَامِ تُسَمَّى أَذَانًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ كُل أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ - وَلأَِنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ هَذَا الأَْذَانِ يَشْغَل عَنِ الصَّلاَةِ، وَيَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى فَوَاتِهَا، أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا. (4)
__________
(1) الهداية وشروحها 2 / 38، وشرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54، وشرح الخرشي 2 / 90، وانظر ما يشير إليه في القوانين الفقهية (57) وانظر كشاف القناع 3 / 180.
(2) حديث: " السائب بن يزيد. . " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 393 ط السلفية) ، والرواية الثانية للبخاري (2 / 396) والثالثة لابن ماجه (1 / 259 ط الحلبي) . وانظر فتح القدير في شروح الهداية 2 / 38.
(3) حديث: " بين كل أذانين صلاة " أخرجه البخاري (الفتح 2 / 110 ط السلفية) ، ومسلم (1 / 573 ط الحلبي) . وانظر فتح القدير 2 / 38.
(4) كشاف القناع 3 / 180.

ب - وَالْقَوْل الأَْصَحُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ، أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْبَيْعُ عِنْدَ الأَْذَانِ الأَْوَّل الَّذِي عَلَى الْمَنَارَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَال.
وَعَلَّلُوهُ بِحُصُول الإِْعْلاَمِ بِهِ. وَلأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ الأَْذَانَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، يَفُوتُهُ أَدَاءُ السُّنَّةِ وَسَمَاعُ الْخُطْبَةِ، وَرُبَّمَا تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا مِنَ الْجَامِعِ.
بَل نَقَل الطَّحَاوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ قَوْلَهُ، فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ (1) .
ج - وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، حَكَاهَا الْقَاضِي عَنْهُ، وَهِيَ: أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوَال الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، لَكِنَّ ابْنَ قُدَامَةَ قَرَّرَ أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ مِنْ وُجُوهٍ، وَهِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عَلَى النِّدَاءِ، لاَ عَلَى الْوَقْتِ. وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَحْصُل بِالنِّدَاءِ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِْمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، لاَ بِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ
__________
(1) الهداية والعناية 2 / 38، 39، وتبيين الحقائق 4 / 68 ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي (282) والدر المختار 4 / 132.

زَوَال الشَّمْسِ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسِ الإِْمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ، لَمَا اخْتُصَّ بِالزَّوَال، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ أَيْضًا، (1) لأَِنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ هُوَ مَا بَيْنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إِلَى آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فِيهِ:
134 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ، صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَقَل أَحْوَال النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، وَأَنَّ تَرْكَ الْبَيْعِ وَاجِبٌ، فَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ: الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَصِحُّ إِطْلاَقُ الْحَرَامِ عَلَيْهِ، كَمَا عَبَّرَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَيُفْتَرَضُ تَرْكُهُ، كَمَا عَبَّرَ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ. (2)
قُيُودُ تَحْرِيمِ هَذَا الْبَيْعِ:
135 - إِنَّ هَذَا النَّهْيَ الَّذِي اقْتَضَى التَّحْرِيمَ أَوِ الْكَرَاهَةَ، مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَغِل بِالْبَيْعِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، فَلاَ يَحْرُمُ الْبَيْعُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ وَالْمَرِيضِ، بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ قَدْ خُصَّ مِنْهُ
__________
(1) المغني 2 / 145.
(2) انظر القوانين الفقهية (ص 57) ، وشرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54، وكشاف القناع 3 / 180، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 4 / 68، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (282) ، وانظر الدر المختار (4 / 131) فقد عبر بكراهة التحريم، والهداية بشروحها (2 / 38) .

مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ. (1) وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - رِوَايَتَيْنِ فِي غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّحْرِيمَ خَاصٌّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ. وَذَلِكَ: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ مِنْ أَمْرِهِ بِالسَّعْيِ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ بِالسَّعْيِ لاَ يَتَنَاوَلُهُمُ النَّهْيُ. وَلأَِنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُل بِهِ مِنَ الاِشْتِغَال عَنِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ.
ب - وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَغِل بِالْبَيْعِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.
ج - انْتِفَاءُ الضَّرُورَةِ إِلَى الْبَيْعِ، كَبَيْعِ الْمُضْطَرِّ مَا يَأْكُلُهُ، وَبَيْعِ كَفَنِ مَيِّتٍ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِلاَّ فَلاَ حُرْمَةَ، وَإِنْ فَاتَتِ الْجُمُعَةُ - كَمَا يَقُول الْجَمَل مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
د - أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي أَذَانِ الْخُطْبَةِ - كَمَا عَبَّرَ الْجُمْهُورُ - (2) أَوْ عِنْدَهُ - كَمَا عَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا.
هـ - وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ لِلتَّقْيِيدِ بِغَيْرِ كَوْنِ الأَْذَانِ بَعْدَ الزَّوَال (3) .
__________
(1) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (282) وشرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54، والمغني 2 / 146، والدر المختار ورد المحتار 4 / 132.
(2) المغني 2 / 146، وحاشية الجمل على شرح المنهج 2 / 54، وكشاف القناع 3 / 180 - 181 في أمثلة أخرى ذكرت في هذا.
(3) شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه 2 / 90، والهداية وشرح العناية 2 / 38 و 39، ومراقي الفلاح (282) .

قِيَاسُ غَيْرِ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيمِ:
136 - النَّهْيُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ شَامِلٌ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَسَائِرَ الْعُقُودِ.
بَل نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ كُل شَيْءٍ يُؤَدِّي إِلَى الاِشْتِغَال عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، أَوْ يُخِل بِهِ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَتَوْلِيَةٌ وَشَرِكَةٌ وَإِقَالَةٌ وَشُفْعَةٌ، لاَ نِكَاحٌ وَهِبَةٌ وَصَدَقَةٌ وَكِتَابَةٌ وَخُلْعٌ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الاِشْتِغَال بِالْعُقُودِ وَالصَّنَائِعِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنِ الْجُمُعَةِ (1) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنَ الْعُقُودِ، كَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ، لأَِنَّهَا عُقُودُ مُعَاوَضَةٍ فَأَشْبَهَتِ الْبَيْعَ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَخْصِيصُ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَطْ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي، فَتَصِحُّ عِنْدَهُمْ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنَ النِّكَاحِ وَالإِْجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا، مِنَ الْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ (الْكَفَالَةِ) وَنَحْوِهَا. لأَِنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَغَيْرُهُ لاَ يُسَاوِيهِ
__________
(1) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه (282) ، والقوانين الفقهية (ص 57) ، وشرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54، ورد المحتار 1 / 552، وشرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54، وجواهر الإكليل للأبي 1 / 99 ط دار المعرفة. بيروت.

لِقِلَّةِ وُقُوعِهِ، فَلاَ تَكُونُ إِبَاحَتُهُ ذَرِيعَةً لِفَوَاتِ الْجُمُعَةِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ، أَوْ فَسْخَهُ يَصِحُّ، وَلاَ يُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ الإِْمْضَاءِ وَالْفَسْخِ فِي الْخِيَارِ بَيْعًا (1) .

اسْتِمْرَارُ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ حَتَّى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ:
137 - لاَ يَكَادُ الْفُقَهَاءُ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، يَسْتَمِرُّ حَتَّى الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَمِنْ نُصُوصِهِمْ فِي ذَلِكَ:
- وَيَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (2) . - يَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ إِلَى الْفَرَاغِ مِنَ الْجُمُعَةِ (3) .
- وَيَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ وَالصِّنَاعَاتِ مِنَ الشُّرُوعِ فِي الأَْذَانِ الثَّانِي أَوْ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا سَعَى فِيهِ أَدْرَكَهَا مِنْ مَنْزِلٍ بَعِيدٍ، إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ (4) .

أَحْكَامٌ عَامَّةٌ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ:
أَوَّلاً: حُكْمُ بَيْعِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُ:
138 - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 181، وانظر المغني 2 / 146.
(2) القوانين الفقهية (57) ، وانظر شرح الخرشي 2 / 90، وانظر بوجه عام مراقي الفلاح (283) .
(3) حاشية الجمل على شرح المنهج 2 / 54.
(4) كشاف القناع 3 / 181.

مُسْتَثْنًى مِنْ حُكْمِ تَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، إِذَا لَمْ تَجِبِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمَا مَعًا (1) ، فَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ مِمَّنْ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ، لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يُكْرَهْ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ (2) -
أَمَّا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ:
- فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُمَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ الأَْوَّل الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ ارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَالآْخَرَ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ أَعَانَهُ عَلَيْهِ.
- وَفِي قَوْلٍ ضُعِّفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلآْخَرِ الَّذِي لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَلاَ يَأْثَمُ (3) .
- وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ يُفْسَخُ فِي هَذِهِ الْحَال، حَيْثُ كَانَتْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ مَعَ مَنْ لاَ تَلْزَمُهُ. (4)
- وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ. وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لِلآْخَرِ الَّذِي لاَ تَلْزَمُهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْعَانَةِ عَلَى الإِْثْمِ. (5)
__________
(1) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (282) نقلا عن القهستاني.
(2) شرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54.
(3) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (282) ، وشرح المنهج 2 / 54.
(4) حاشية العدوي على شرح الخرشي 2 / 90.
(5) كشاف القناع 3 / 180.

ثَانِيًا: حُكْمُ التَّبَايُعِ حَال السَّعْيِ إِلَى الْجَامِعِ وَقَدْ سَمِعَ النِّدَاءَ:
139 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بِسَبَبِ تَحْصِيل السَّاعِي الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ.
أ - فَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ، لاَ يَحْرُمُ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، نَقْلاً عَنِ السِّرَاجِ: لاَ يُكْرَهُ إِذَا لَمْ. يَشْغَلْهُ. وَقَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ. (1)
لَكِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ وَرَدَ مُطْلَقًا فَتَخْصِيصُهُ بِالرَّأْيِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ نَسْخٌ عَلَى قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّأْيِ، (2) وَعَلَّل انْتِفَاءَ الْكَرَاهَةِ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ عِنْدَ الأَْذَانِ، مُعَلَّلٌ بِالإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ، فَإِذَا انْتَفَى الإِْخْلاَل بِالسَّعْيِ انْتَفَى النَّهْيُ.
وَأَنَّ النَّصَّ الْكَرِيمَ خُصَّ مِنْهُ مَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَالْعَامُّ إِذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ صَارَ ظَنِّيًّا، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ثَانِيًا بِالرَّأْيِ، أَيْ بِالاِجْتِهَادِ. (3)
__________
(1) رد المحتار 1 / 552، والدر المختار 4 / 132، وشرح المنهج 2 / 54، وحاشية العدوي 2 / 54، وحاشيته أيضا على شرح كفاية الطالب 1 / 328.
(2) تبيين الحقائق 4 / 68، وانظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (282) .
(3) الدر المختار ورد المحتار 4 / 132، وانظر مناقشته في ابن عابدين وتركيزه على التعليل لا التخصيص.

وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَّلُوا الْجَوَازَ: بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْحَال لَمْ يَشْغَلْهُمَا عَنِ السَّعْيِ، وَنَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (1) .
ب - وَمَذْهَبُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ - كَصَاحِبِ النَّهْرِ وَالزَّيْلَعِيِّ، وَالْحَصْكَفِيِّ أَوَّلاً فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَالشُّرُنْبُلاَلِيِّ - وُجُوبُ تَرْكِ الْبَيْعِ، وَلَوْ مَعَ السَّعْيِ. وَصَرَّحَ صَاحِبُ النَّهْرِ بِأَنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ. (2)
وَهَذَا نَفْسُهُ قَوْلٌ آخَرُ أَيْضًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، (3) وَإِنْ لَمْ يُوَاجِهُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِذَاتِهَا.
وَلاَ تَعْلِيل لِهَذَا الاِتِّجَاهِ، إِلاَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشُّرُنْبُلاَلِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ أَنَّهُ يُخِل بِالسَّعْيِ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ لإِِطْلاَقِ الأَْمْرِ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ (4) .

ثَالِثًا: حُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ السَّعْيِ:
140 - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَتِهِ:
أ - فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى بَابِ
__________
(1) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب 1 / 328.
(2) رد المحتار 1 / 552، وتبيين الحقائق 4 / 68، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي (282) .
(3) حاشية العدوي على شرح الخرشي 2 / 90، وانظر مثلا كشاف القناع 3 / 180.
(4) مراقي الفلاح (282) وحاشية العدوي على شرح كفاية الطالب 1 / 328.

الْمَسْجِدِ أَوْ فِيهِ عِنْدَ الأَْذَانِ الأَْوَّل الْوَاقِعِ بَعْدَ الزَّوَال أَعْظَمُ وِزْرًا مِنَ الْبَيْعِ مَاشِيًا إِلَى الْجُمُعَةِ.
ب - وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَمَّا إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَعَدَ فِي الْجَامِعِ، أَوْ فِي مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ وَبَاعَ، لاَ يَحْرُمُ. لَكِنَّ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ كَلاَمَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ أَقْرَبُ (1) .
ج - وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ شُرْبِ الْمَاءِ بَعْدَ النِّدَاءِ، بِثَمَنٍ حَاضِرٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ (كَمَا يَحْدُثُ فِي الْحَرَمَيْنِ) بَل أَشَارُوا إِلَى أَنَّ مُقْتَضَى عَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي النِّدَاءِ هُوَ التَّحْرِيمُ، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: لَيْسَ هَذَا بَيْعًا حَقِيقَةً، بَل هُوَ إِبَاحَةٌ، ثُمَّ تَقَعُ الإِْنَابَةُ عَنْهَا (2) .

رَابِعًا: حُكْمُ الْبَيْعِ قَبْل الأَْذَانِ الثَّانِي، بَعْدَ الزَّوَال
141 - الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ وَتَرْكِ الْبَيْعِ، هُوَ دُخُول الْوَقْتِ، وَلِهَذَا قَيَّدُوا بِهِ الأَْذَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَانْبَغَى بِذَلِكَ ثُبُوتُ كَرَاهَةِ الْبَيْعِ بَعْدَ الزَّوَال، وَانْتِفَاؤُهَا قَبْلَهُ (3) .
__________
(1) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 2 / 54، ورد المحتار 1 / 552، ومراقي الفلاح (ص 282) .
(2) كشاف القناع 3 / 181.
(3) يؤخذ من الدر المختار ورد المحتار 1 / 552، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه (282) .

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ - كَذَلِكَ - عَلَى كَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، قَبْل الأَْذَانِ الثَّانِي وَالْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ إِذَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَال، وَذَلِكَ لِدُخُول وَقْتِ الْوُجُوبِ، أَمَّا الْعَقْدُ قَبْل الزَّوَال فَلاَ يُكْرَهُ.
وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ مُقَيَّدَانِ عِنْدَهُمْ، بِمَا إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ لاَ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَ لاَ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إِلاَّ بِذَهَابِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَقْدُ (1) .

خَامِسًا: شُمُول النَّهْيِ كُل مَا يَشْغَل عَنِ الْجُمُعَةِ:
142 - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ أَوْ كَرَاهَةِ كُل مَا يَشْغَل عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ - عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِيهِ - وَيَجِبُ تَرْكُ كُل شَيْءٍ يَشْغَل عَنِ السَّعْيِ إِلَيْهَا: كَإِنْشَاءِ السَّفَرِ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَالأَْكْل، وَالْخِيَاطَةِ، وَالصِّنَاعَاتِ كُلِّهَا: كَالْمُسَاوَمَةِ، وَالْمُنَادَاةِ، وَالْكِتَابَةِ، وَكَذَا الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ، وَكَذَا الْمُكْثُ فِي بَيْتِهِ بِعِيَالِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْجَامِعِ عَمَلاً بِالآْيَةِ. (2)
__________
(1) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 2 / 54 بتصرف.
(2) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه (282) ، وشرح كفاية الطالب على رسالة ابن أبي زيد بحاشية العدوي 1 / 328، وكشاف القناع 3 / 181، وحاشية الجمل على شرح المنهج 2 / 54.

سَادِسًا: هَل الْمُعْتَبَرُ فِي الأَْذَانِ أَوَّلُهُ أَوْ تَمَامُهُ؟
143 - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الأَْذَانِ بِأَوَّلِهِ لاَ بِتَمَامِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّدَاءِ (1) .

الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ فِيهِ:
144 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، يَرَوْنَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَقَعُ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ تَرْكُ السَّعْيِ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِي الأَْصْل مَشْرُوعًا جَائِزًا، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا، لأَِنَّهُ اتَّصَل بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ تَرْكُ السَّعْيِ (2) .

وَيَتَفَرَّعُ عَنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الأُْمُورُ التَّالِيَةُ:
أ - عَدَمُ وُجُوبِ فَسْخِهِ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، فَقَدْ قَال الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ: وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ يَقُول: لاَ فَسْخَ، وَالْبَيْعُ مَاضٍ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
ب - وُجُوبُ الثَّمَنِ لاَ الْقِيمَةِ.
ج - ثُبُوتُ مِلْكِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ (3) .
__________
(1) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب 1 / 328.
(2) الدر المختار 4 / 131، وحاشية الطحطاوي (282) ، وشرح المنهج بحاشية الجمل 2 / 54، والقوانين الفقهية (57) وبدائع الصنائع 5 / 232.
(3) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (282) وانظر رد المحتار 4 / 131، وحاشية العدوي على شرح الخرشي 2 / 90، وانظر في القوانين الفقهية (57) الإشارة إلى الخلاف في الفسخ.

لَكِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُفْسَخُ، وَيُرَدُّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِهِ، فَإِنْ فَاتَ - بِتَغَيُّرِ سُوقٍ - مَضَى الْعَقْدُ، وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيل بِالْقِيمَةِ حِينَ الْبَيْعِ. (1)
وَالَّذِينَ نَصُّوا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ فَسْخِ الْبَيْعِ، أَلْحَقُوا بِهِ نَحْوَ الْبَيْعِ، مِنَ الإِْجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالإِْقَالَةِ وَالشُّفْعَةِ - إِذَا أَخَذَ بِهَا، لاَ لَوْ تُرِكَتْ - لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِثْل: النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، فَلاَ يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ حَرُمَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ عِنْدَهُمْ هُوَ: أَنَّ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ مِمَّا فِيهِ الْعِوَضُ، يَرْجِعُ لِكُلٍّ عِوَضُهُ بِالْفَسْخِ، فَلاَ كَبِيرَ ضَرَرٍ فِيهَا، بِخِلاَفِ مَا لاَ عِوَضَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَبْطُل أَصْلاً لَوْ فُسِخَ. (2)
وَذَكَرَ الْعَدَوِيُّ فِي النِّكَاحِ عِلَّةً أُخْرَى، وَهِيَ حُصُول الضَّرَرِ بِفَسْخِهِ، فَرُبَّمَا يَتَعَلَّقُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِصَاحِبِهِ.
وَهِبَةُ الثَّوَابِ عِنْدَهُمْ (وَهِيَ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِشَرْطِ الْمُكَافَأَةِ كَمَا يُعَبِّرُونَ، أَوْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ، كَمَا يُعَبِّرُ الْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ) كَالْبَيْعِ.
__________
(1) شرح الخرشي 2 / 90.
(2) شرح الخرشي بحاشية العدوي 2 / 90، وانظر حاشية العدوي على شرح رسالة ابن أبي زيد 1 / 328.

وَالْخُلْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْضِيَ وَلاَ يُفْسَخُ، عَلَى مُقْتَضَى الْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ يَبْطُل أَصْلاً لَوْ فُسِخَ. (1)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ صَرَّحُوا: بِأَنَّ الْبَيْعَ لاَ يَصِحُّ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ لِلَّذِي فِي النَّصِّ الْكَرِيمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ. (2)

ب - بَيْعُ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ:
145 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ مَمْنُوعٌ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُهُمْ بِالْحُرْمَةِ، وَيَبْدُو مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ وَتَعْلِيلِهِمْ لِلتَّحْرِيمِ.
يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَ لِلْكَافِرِ مُصْحَفًا أَوْ جُزْأَهُ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ امْتِهَانَ حُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ بِمِلْكِ الْمُصْحَفِ.
وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (3) } .
وَأَصْل هَذَا التَّعْلِيل يَرْجِعُ إِلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) شرح الخرشي في الموضع نفسه.
(2) كشاف القناع 3 / 180، وانظر المغني 2 / 146.
(3) شرح الخرشي 5 / 10 وانظر نحوه في شرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 19، 20.

أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. (1)
وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ:
أ - فَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ لِكَافِرٍ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (2) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُسَافَرَةِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ، فَلاَ يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْهُ. وَلأَِنَّهُ يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنَ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ، فَمُنِعَ مِنَ ابْتِدَائِهِ كَسَائِرِ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلِمَا فِي مِلْكِ الْكَافِرِ لِلْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ مِنَ الإِْهَانَةِ. (3) وَفَرَّعَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا فَسْخَ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، وَنَسَبَ هَذَا الرَّأْيَ سَحْنُونٌ إِلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ (4) . وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ الإِْسْلاَمَ - كَمَا يَقُول ابْنُ جُزَيٍّ - فِي الْبَيْعِ إِلاَّ فِي شِرَاءِ
__________
(1) حديث: " نهى أن يسافر بالقرآن. . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 133 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1490) ط الحلبي) .
(2) سورة المائدة / 2.
(3) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 13، وكشاف القناع 3 / 134، وشرح المنهج بحاشية الجمل 3 / 20، وانظر شرح المحلي على المنهاج 2 / 156، وتحفة المحتاج 4 / 230.
(4) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3 / 7.

الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، وَفِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ (1) .
ب - وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ بَيْعَ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ لِحِفْظِ كِتَابِ اللَّهِ عَنِ الإِْهَانَةِ - كَمَا نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الطَّحَاوِيِّ - وَلأَِنَّ فِيهِ امْتِهَانَ حُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ بِمِلْكِ الْمُصْحَفِ - كَمَا يَقُول الْخَرَشِيُّ - وَلاَ خِلاَفَ فِي التَّحْرِيمِ. كَمَا قَال عَمِيرَةُ (2) .

مُلْحَقَاتٌ بِالْبَيْعِ:
146 - وَكَمَا يُمْنَعُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ لَهُمْ - يُمْنَعُ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَهِبَتُهُ مِنْهُمْ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ - وَكَذَا ارْتِهَانُهُ مِنْهُمْ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ. وَالأَْوَّلُونَ يُجْبِرُونَهُمْ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِمْ كَمَا فِي الْبَيْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ الدُّسُوقِيُّ (3) ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ الآْخَرُونَ.

مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنَ الْبَيْعِ:
147 - وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ حُكْمِ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، أَشْيَاءَ:
__________
(1) القوانين الفقهية (163) وانظر أيضا في هذا الشرط شرح المنهج وحاشية الجمل عليه 3 / 19 و 20.
(2) رد المحتار 4 / 134، وشرح الخرشي بحاشية العدوي 5 / 10، وانظر القول الثاني للشافعية في شرح المحلي على المنهاج وحاشية عميرة عليه 2 / 156، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3 / 7.
(3) كشاف القناع 3 / 134، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3 / 7.

- الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، الَّتِي نُقِشَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِلْحَاجَةِ.
- شِرَاءُ أَهْل الذِّمَّةِ الدُّورَ، وَقَدْ كُتِبَ فِي جُدْرَانِهَا أَوْ سُقُوفِهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، فَيَكُونُ مُغْتَفَرًا لِلْمُسَامَحَةِ بِهِ غَالِبًا، إِذْ لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا بِهِ الْقُرْآنِيَّةُ.
- وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ - كَابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ - التَّمِيمَةَ لِمَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ، وَكَذَا الرِّسَالَةُ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
- وَكَذَا اسْتَثْنَوْا الثَّوْبَ الْمَكْتُوبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، لِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْآنِيَّةِ بِمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يُقَال: الْغَالِبُ فِيمَا يُكْتَبُ عَلَى الثِّيَابِ التَّبَرُّكُ بِلاَ لُبْسٍ، فَأَشْبَهَ التَّمَائِمَ، عَلَى أَنَّ فِي مُلاَبَسَتِهِ لِبَدَنِ الْكَافِرِ امْتِهَانًا لَهُ، بِخِلاَفِ مَا يُكْتَبُ عَلَى السُّقُوفِ.
وَالَّذِي يَأْمُرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِ الْكَافِرِ لِلْمُصْحَفِ، هُوَ الْحَاكِمُ لاَ آحَادُ النَّاسِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِيمَا يُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ. (1)

حُكْمُ بَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمُصْحَفَ وَشِرَائِهِ لَهُ:
148 - (أ) نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُصْحَفَ وَشِرَاءَهُ لَهُ مَكْرُوهٌ، وَالْمُرَادُ بِالْمُصْحَفِ هُنَا خَالِصُ الْقُرْآنِ. وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ - كَمَا يَذْكُرُ
__________
(1) حاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 19، وقارن بما في حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج 2 / 156.

الشَّيْخُ عَمِيرَةُ - هُوَ صَوْنُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى السِّلَعِ الْمُبْتَذَلَةِ، بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَلاَمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنِ الاِبْتِذَال، وَفِي جَوَازِ شِرَائِهِ التَّسَبُّبُ إِلَى ذَلِكَ وَالْمَعُونَةُ عَلَيْهِ.
(ب) وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الْبَيْعُ بِلاَ حَاجَةٍ دُونَ الشِّرَاءِ. وَصَرَّحَ الْقَلْيُوبِيُّ وَالْجَمَل بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ. وَعَلَّلَهُ الْجَمَل بِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَحْصِيلاً بِخِلاَفِ الْبَيْعِ (1) فَإِنَّهُ تَفْوِيتٌ وَابْتِذَالٌ وَانْقِطَاعُ رَغْبَةٍ.
وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ، هُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَقَرَّرَ الْمِرْدَاوِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ وَجَوَازِهِ: أَنَّهَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَّلُوهَا بِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْتِنْقَاذٌ لِلْمُصْحَفِ فَجَازَ، كَمَا جَازَ شِرَاءُ رِبَاعِ مَكَّةَ وَاسْتِئْجَارُ دُورِهَا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَلاَ أَخْذُ أُجْرَتِهَا، وَكَذَلِكَ دَفْعُ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ لاَ يُكْرَهُ، مَعَ كَرَاهَةِ كَسْبِهِ. بَل جَعَلَهُ الْبُهُوتِيُّ كَشِرَاءِ الأَْسِيرِ. (2)
ج - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ بَيْعَ الْمُصْحَفِ لاَ يَجُوزُ وَلاَ يَصِحُّ. قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَهُوَ
__________
(1) حاشية عميرة على شرح المحلي 2 / 157، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 12، وحاشية الجمل على شرح المنهج 3 / 22.
(2) الإنصاف 4 / 279، وكشاف القناع 3 / 155، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 12.

الْمَذْهَبُ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الشِّرَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا بَعْضُهُمْ. وَعَلَّل عَدَمَ الْجَوَازِ: - بِأَنَّ أَحْمَدَ قَال: لاَ أَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ رُخْصَةً. - وَبِأَنَّهُ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ - وَلأَِنَّهُ يَشْتَمِل عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنِ الْبَيْعِ وَالاِبْتِذَال. (1)
د - وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ بَيْعَ الْمُصْحَفِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. قَال الْمِرْدَاوِيُّ: ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ. وَأَسْنَدَ الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، وَالتَّرْخِيصَ فِيهِ أَيْضًا إِلَى الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَعَلَّلُوهُ لَهُمْ، بِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ عَلَى الْوَرَقِ وَالْجِلْدِ، وَبَيْعُهُ مُبَاحٌ.
وَهُنَاكَ رِوَايَتَانِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ فِي كَرَاهَةِ مُبَادَلَتِهِ. وَاخْتِيَارُ أَحْمَدَ جَوَازُ إِبْدَال الْمُصْحَفِ بِمِثْلِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَدُل عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ، وَلاَ عَلَى الاِسْتِبْدَال بِهِ بِعِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ، بِخِلاَفِ أَخْذِ ثَمَنِهِ. (2)
وَمِنْ هَذَا الْعَرْضِ يَتَّضِحُ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ - بِالإِْجْمَال - ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ:
__________
(1) الشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 12.
(2) الإنصاف 4 / 279، والشرح الكبير في ذيل المغني 4 / 12.

الْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْجَوَازُ. وَمِثْلُهَا فِي الشِّرَاءِ. وَفِي الْمُبَادَلَةِ قَوْلاَنِ. وَأَنَّ الْمَذْهَبَ - كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ قُدَامَةَ وَالْبُهُوتِيِّ - هُوَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ، وَهَذَا مُعَلَّلٌ أَيْضًا بِقَوْل ابْنِ عُمَرَ: وَدِدْتُ أَنَّ الأَْيْدِيَ تُقْطَعُ فِي بَيْعِهَا، وَلأَِنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ، وَفِي الْبَيْعِ تَرْكُ التَّعْظِيمِ وَابْتِذَالٌ لَهُ. وَلاَ يُكْرَهُ الشِّرَاءُ لأَِنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ، وَلاَ الاِسْتِبْدَال بِمُصْحَفٍ آخَرَ، لأَِنَّهُ لاَ دَلاَلَةَ فِيهِ عَلَى الرَّغْبَةِ عَنْهُ. (1)

آثَارُ الْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ:
149 - إِنَّ الأَْصْل فِي النَّهْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْبُطْلاَنُ، فَيَجْرِي عَلَى هَذَا الأَْصْل إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى مَا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى مُجَاوِرٍ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي الْوَصْفِ اللاَّزِمِ، فَلاَ ضَرُورَةَ لِلْخُرُوجِ عَلَى الأَْصْل، وَلاَ فِي أَنْ لاَ يَجْرِي النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الْبُطْلاَنُ؛ لأَِنَّ بُطْلاَنَ الْوَصْفِ اللاَّزِمِ يُوجِبُ بُطْلاَنَ الأَْصْل، بِخِلاَفِ الْمُجَاوِرِ لِمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِلاَزِمٍ.
ب - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْصْل فِي التَّصَرُّفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا صَحِيحًا شَرْعًا، فَيَجْرِي النَّهْيُ عَلَى هَذَا الأَْصْل، إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ،
__________
(1) كشاف القناع 3 / 155.

وَالضَّرُورَةُ عِنْدَهُمْ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ فِي جُزْئِهِ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا دَل الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي وَصْفٍ لاَزِمٍ، فَلاَ ضَرُورَةَ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الأَْصْل، وَلاَ فِي أَنْ لاَ يَجْرِيَ النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ الصِّحَّةُ؛ لأَِنَّ صِحَّةَ الأَْجْزَاءِ وَالشُّرُوطِ فِيهِ كَافِيَةٌ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ، وَتَرْجِيحُ الصِّحَّةِ بِصِحَّةِ الأَْجْزَاءِ أَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِ الْبُطْلاَنِ بِالْوَصْفِ الْخَارِجِيِّ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً، يَجْرِي النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَوْجُودًا شَرْعًا، أَيْ صَحِيحًا (1) .

الْفَرْقُ بَيْنَ الاِصْطِلاَحَاتِ الثَّلاَثَةِ: الْفَسَادِ وَالْبُطْلاَنِ وَالصِّحَّةِ:
150 - اتَّضَحَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْجُمْهُورَ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَسَادِ وَبَيْنَ الْبُطْلاَنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
فَالصِّحَّةُ هُنَا - فِي الْعُقُودِ، وَمِنْهَا الْبَيْعُ - تَقْتَضِي بِأَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ آثَارِهِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ شَرْعًا، كَالْبَيْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِلْكِ.
أَمَّا الْبُطْلاَنُ، فَمَعْنَاهُ تَخَلُّفُ الأَْحْكَامِ عَنِ الْعُقُودِ، وَخُرُوجُ الْعُقُودِ عَنْ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا مُفِيدَةً لِلأَْحْكَامِ.
وَالْفَسَادُ يُرَادِفُ الْبُطْلاَنَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ قِسْمٌ ثَالِثٌ مُغَايِرٌ
__________
(1) التنقيح والتوضيح 1 / 218.

لِلصَّحِيحِ فَهُوَ: مَا كَانَ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ. بِخِلاَفِ الْبَاطِل، فَهُوَ مَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ وَلاَ بِوَصْفِهِ. (1)
فَيَسْتَوِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْعُ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ، وَبَيْعُ الأَْجِنَّةِ وَالْمَيْتَاتِ فِي الْبُطْلاَنِ: كَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهِ، وَكَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ، وَبَيْعِ الْعِينَةِ، وَالْبَيْعِ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا، وَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْبُيُوعِ كُلِّهَا أَيُّ أَثَرٍ لَهَا.
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ مُفَصِّلِينَ: بِبُطْلاَنِ بَيْعِ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَالأَْجِنَّةِ وَالْمَيْتَاتِ، لاِنْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ وَالرُّكْنِيَّةِ كَالْجُمْهُورِ، وَهَذَا هُوَ عَدَمُ مَشْرُوعِيَّةِ الأَْصْل بِتَعْبِيرِهِمْ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَيُّ أَثَرٍ.
وَبِفَسَادِ الْبَاقِيَاتِ، لاَ بِبُطْلاَنِهَا:
أ - فَفِي الْبَيْعِ بِشَرْطٍ مَثَلاً النَّهْيُ رَاجِعٌ لِلشَّرْطِ، فَيَبْقَى أَصْل الْعَقْدِ صَحِيحًا، مُفِيدًا لِلْمِلْكِ، لَكِنْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَالْحُرْمَةِ، فَالشَّرْطُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْبَيْعِ، لاَزِمٌ لَهُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (2)
ب - وَفِي الْبَيْعِ الْمُشْتَمِل عَلَى الرِّبَا يَقُولُونَ: إِنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمُبَادَلَةُ الْمَالِيَّةُ مِنْ أَهْلِهَا فِي
__________
(1) كشف الأسرار 1 / 258.
(2) التلويح 1 / 218.

مَحَلِّهَا مَوْجُودَةٌ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا، لَكِنْ لَمْ تُوجَدِ الْمُبَادَلَةُ التَّامَّةُ، فَأَصْل الْمُبَادَلَةِ حَاصِلٌ، لاَ وَصْفُهَا، وَهُوَ كَوْنُهَا تَامَّةً. (1)
وَهَذَا بِخِلاَفِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالأَْجِنَّةِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَلاَ مُتَقَوَّمَةً، فَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلاً.
وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل - مِنْ وَجِهَةِ نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ قَرَّرُوهُ - ثُمَّ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ.

أَوَّلاً: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
151 - لاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ الْبَاطِل أَصْلاً، وَلَيْسَ لَهُ وُجُودٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَإِذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فَلاَ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَلاَ حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ أَصْلاً؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلْمَوْجُودِ، وَلاَ وُجُودَ لِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ الشَّرْعِيَّ لاَ وُجُودَ لَهُ بِدُونِ الأَْهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ شَرْعًا، إِذْ لاَ وُجُودَ لِلتَّصَرُّفِ الْحَقِيقِيِّ إِلاَّ مِنَ الأَْهْل فِي الْمَحَل حَقِيقَةً، وَذَلِكَ نَحْوُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْل وَبَيْعِ الْمَلاَقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَكُل مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
وَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَفِي ضَمَانِهِ خِلاَفٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:
__________
(1) مرآة الأصول 1 / 330، وانظر التوضيح والتلويح 1 / 220 و 221.

أ - قِيل: لاَ يُضْمَنُ، لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا بَطَل بَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَهُوَ لاَ يُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الدُّرَرِ.
وَقِيل: إِنَّ هَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (1) .
ب - وَقِيل: يَكُونُ مَضْمُونًا، لأَِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَاخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا بِالْمِثْل أَوْ بِالْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ أَدْنَى حَالاً مِنَ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ.
وَقِيل: إِنَّ هَذَا قَوْل الصَّاحِبِينَ. وَفِي الْقُنْيَةِ: أَنَّهُ الصَّحِيحُ، لِكَوْنِهِ قَبَضَهُ لَنَفْسِهِ فَشَابَهُ الْغَصْبُ، وَفِي الدُّرِّ: قِيل: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (2) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (الْبَيْعُ الْبَاطِل) .

ثَانِيًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ:
152 - يَنْبَنِي عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِدَّةُ آثَارٍ هِيَ: انْتِقَال الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَعَدَمُ طِيبِ الرِّبْحِ النَّاشِئِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَقَبُولُهُ لِلتَّصْحِيحِ، وَضَمَانُ الْمَبِيعِ بِالْهَلاَكِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الآْثَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْفَاسِدُ) .
هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
__________
(1) بدائع الصنائع 5 / 305، ورد المحتار 4 / 105.
(2) رد المحتار على الدر المختار 4 / 105.

أَمَّا أَحْكَامُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَهِيَ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْبَاطِل لِعَدَمِ تَفْرِقَتِهِمْ بَيْنَهُمَا، وَانْظُرْ فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْبَاطِل) .

ثَالِثًا: أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ:
153 - حُكْمُ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ: الْمَنْعُ شَرْعًا وَتَرَتُّبُ الإِْثْمِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذَا صَحِيحٌ. لأَِنَّ النَّهْيَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى مُجَاوِرٍ لِلْبَيْعِ، لاَ فِي صُلْبِهِ، وَلاَ فِي شَرَائِطِ صِحَّتِهِ، وَمِثْل هَذَا النَّهْيِ لاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ، بَل الْكَرَاهِيَةَ.
فَالْبَيْعُ عِنْدَ الأَْذَانِ لِلْجُمُعَةِ، وَبَيْعُ النَّجْشِ، وَبَيْعُ الإِْنْسَانِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَسَوْمُهُ عَلَى سَوْمِهِ، وَنَحْوُهَا بُيُوعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَهِيَ - كَمَا يَقُول الْحَصْكَفِيُّ مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، لَكِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَيْسَتْ بَاطِلَةً، مَعَ النَّهْيِ عَنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ فِي رِوَايَاتٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ لاَ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلاَ إِلَى شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، بَل إِلَى مَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهِ. (1)
__________
(1) رد المحتار 4 / 131، وشرح المنهاج للمحلي بحاشية القليوبي 2 / 181 وما بعدها، وانظر الهداية بشروحها 6 / 108، والإنصاف 4 / 331 وما بعدها و 323، 324. فقد قرر المرداوي أن المذهب، والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب: هو أن البيع عند الأذان ليس صحيحا.

154 - وَمِنْ أَهَمِّ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ:
- أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
- وَأَنَّهُ يُمْلَكُ فِيهِ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ.
- وَأَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الثَّمَنُ، لاَ الْقِيمَةُ.
- وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ فَسْخُهُ.
وَقِيل: إِنَّ فَسْخَهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، صَوْنًا لَهُمَا عَنِ الْمَحْظُورِ، وَلأَِنَّ رَفْعَ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ.
وَوَفَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا دِيَانَةً. بِخِلاَفِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَإِنَّهُمَا إِذَا أَصَرَّا عَلَيْهِ يَفْسَخُهُ الْقَاضِي جَبْرًا عَلَيْهَا، وَوَجَّهَهُ أَنَّ الْبَيْعَ هُنَا صَحِيحٌ، فَلاَ يَلِي الْقَاضِي فَسْخَهُ لِحُصُول الْمِلْكِ الصَّحِيحِ. (1)
لَكِنْ قَرَّرَ ابْنُ جُزَيٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْظُورٍ خَارِجٍ عَنْ بَابِ الْبُيُوعِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَوْضِعٍ مَغْصُوبٍ، فَهَذَا لاَ يُفْسَخُ، فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ.
وَإِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يُخَل فِيهِ بِشَرْطٍ مُشْتَرَطٍ فِي صِحَّةِ الْبُيُوعِ، كَالْبَيْعِ وَقْتَ الْجُمُعَةِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَتَلَقِّي الْجَلَبِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ: فَقِيل يُفْسَخُ. وَقِيل: لاَ يُفْسَخُ، وَقِيل: يُفْسَخُ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً. (2)
__________
(1) رد المحتار 4 / 131، 134 نقلا عن الدرر.
(2) القوانين الفقهية (172) .

نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ

الموسوعة الفقهية الكويتية

التَّعْرِيفُ:
1 - سَبَقَ تَعْرِيفُ النِّكَاحِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا.
أَمَّا النِّكَاحُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ: فَهُوَ النِّكَاحُ الَّذِي وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ نَهْيٌ عَنْهُ (1) .

أَنْوَاعُ الأَْنْكِحَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَحُكْمُ كُل نَوْعٍ:
الأَْوَّل: نِكَاحُ الرَّايَاتِ:
2 - نِكَاحُ الرَّايَاتِ هُوَ: أَنَّ الْعَاهِرَاتِ وَالْبَغَايَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ وَعَلاَمَاتٍ لِيَعْلَمَ الْمَارُّ بِهَا عُهْرَهُنَّ، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَل عَلَيْهِنَّ لاَ يَمْنَعْنَ مَنْ يَجِيءُ إِلَيْهِنَّ، وَقَدِ اسْتُدِل لِتَحْرِيمِ وَإِبْطَال هَذَا النَّوْعِ مِنَ النِّكَاحِ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى {وَذَرُوا ظَاهِرَ
__________
(1) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن، والتعريفات للجرجاني، وكشف الأسرار للنسفي 1 / 97، والبحر المحيط للزركشي 2 / 426، والتلويح 1 / 216.

الإِْثْمِ (1) } قَال السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ نَقْلاً عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: ظَاهِرُ الإِْثْمِ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ مِنَ الزَّوَانِي، وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ قِيل: مَعْنَى (ظَاهِرُ الإِْثْمِ) هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنَ الزِّنَا الظَّاهِرِ (2)
وَبِحَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُل إِلَى الرَّجُل وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا. وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُل يَقُول لاِمْرَأَتِهِ - إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا -: أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُل الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَل ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ. وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُول لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ
__________
(1) سورة الأنعام / 120
(2) تفسير القرطبي 7 / 74، وأحكام القرآن لابن العربي 2 / 270، وفتح الباري شرح صحيح البخاري 9 / 182 - 185، والحاوي الكبير 11 / 7.

وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُل. وَنِكَاحٌ رَابِعٌ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لاَ تَمْنَعُ مَنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَل عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَتْهُ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلاَّ نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ " (1) .

الثَّانِي: نِكَاحُ الرَّهْطِ:
3 - نِكَاحُ الرَّهْطِ هُوَ أَنَّ النَّفَرَ مِنَ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْقَبَائِل كَانُوا يَشْتَرِكُونَ فِي إِصَابَةِ الْمَرْأَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَنْ رِضًا مِنْهَا وَتَوَاطُؤٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا وَيَكُونُ عَدَدُهُمْ - كَمَا نَصَّ الْحَدِيثُ - مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ: وَلَمَّا كَانَ هَذَا النِّكَاحُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ ضَبْطِ الْعَدَدِ الزَّائِدِ لِئَلاَّ يَنْتَشِرَ. حَتَّى إِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَلْحَقَتْهُ بِمَنْ تُرِيدُ مِنْهُمْ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْهُ (2) .
__________
(1) حديث: " أن النكاح في الجاهلية. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 182 ط السلفية)
(2) فتح الباري 9 / 182 - 183، والحاوي الكبير 11 / 7، 8

الثَّالِثُ: نِكَاحُ الاِسْتِبْضَاعِ:
4 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ السَّابِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَصُورَتُهُ: قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: مَعْنَى اسْتَبْضِعِي مِنْهُ أَيِ اطْلُبِي مِنْهُ الْمُبَاضَعَةَ، وَالْمُبَاضَعَةُ: الْمُجَامَعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبُضْعِ وَهُوَ الْفَرْجُ، أَيِ اطْلُبِي مِنْهُ الْجِمَاعَ اكْتِسَابًا مِنْ مَاءِ الْفَحْل لِتَحْمَلِي مِنْهُ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي الشَّجَاعَةِ أَوِ الْكَرَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (1) .

الرَّابِعُ: نِكَاحُ الشِّغَارِ:
5 - سَبَقَ تَعْرِيفُ نِكَاحِ الشِّغَارِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا فِي مُصْطَلَحِ (شِغَار ف 1) .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الإِْسْلاَمِ (2) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ " وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ (3) .
__________
(1) فتح الباري 9 / 185، والحاوي الكبير 11 / 7،8
(2) رد المحتار على الدر المختار 2 / 332، وجواهر الإكليل 1 / 284، 311، والحاوي الكبير للماوردي 11 / 443 وما بعدها، وفتح الباري 9 / 162 - 164، ومغني المحتاج 3 / 142 وما بعدها، وكشاف القناع 5 / 92 - 94
(3) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 162 ط السلفية) ، ومسلم (2 / 1034 ط الحلبي)

وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لاَ شِغَارَ فِي الإِْسْلاَمِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يَبْذُل الرَّجُل لِلرَّجُل أُخْتَهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ " (1) .
وَلِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ وَلاَ شِغَارَ فِي الإِْسْلاَمِ " (2) . وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: " نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَنْكِحَ هَذِهِ بِهَذِهِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، بُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ وَبُضْعُ هَذِهِ صَدَاقُ هَذِهِ " (3) .
إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا النِّكَاحِ، وَفِي الْعِلَّةِ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ مِنْ
__________
(1) حديث: " لا شغار في الإسلام. . . ". أخرجه الطبراني في الأوسط (4 / 19 - ط المعارف) . وابن ماجه دون تفسير الشغار (1 / 606 ط الحلبي) ، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 333 ط دار الجنان)
(2) حديث عمران بن حصين: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام ". أخرجه أحمد (4 / 443 ط الميمنية) ، والترمذي (3 / 422 ط الحلبي) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
(3) حديث جابر: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار. . . ". أخرجه البيهقي (7 / 200 ط دائرة المعارف العثمانية) ، ومسلم (2 / 1035 ط الحلبي) دون تفسير الشغار إلى آخره

أَجْلِهَا، وَفِي الصُّوَرِ الَّتِي يَشْمَلُهَا نِكَاحُ الشِّغَارِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لاَ يَصِحُّ.
وَصُورَتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُول الرَّجُل لآِخَرَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الأُْخْرَى، وَيَقْبَلُهُ الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ وَزَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى مَا ذَكَرْتَ، لِلأَْحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ (1) . وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَصُوَرِهِ.
6 - فَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ: هِيَ خُلُوُّ النِّكَاحِ عَنِ الصَّدَاقِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ (2) .
__________
(1) حاشية الدسوقي 2 / 307، والشرح الصغير وبهامشه حاشية الصاوي 2 / 388،446 والحاوي الكبير للماوردي 11 / 443 - 448، وفتح الباري 9 / 162 - 164، ومغني المحتاج 3 / 142 - 143، وكشاف القناع 5 / 92 - 93
(2) جواهر الإكليل 1 / 284،311، والشرح الصغير 2 / 388 - 389، مغني المحتاج 3 / 142

وَأَنْوَاعُ الشِّغَارِ وَصُوَرُهُ عِنْدَهُمْ ثَلاَثَةٌ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: صَرِيحُ الشِّغَارِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول لآِخَرَ: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِنْتِي، يَشْتَرِطُ أَنْ لاَ يُسَمِّيَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا وَأَنْ يَكُونَ تَزْوِيجُ إِحْدَاهُمَا تَزْوِيجَ الأُْخْرَى، وَأَنْ يُجْعَل تَزْوِيجُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرًا لِلأُْخْرَى، فَهَذَا النِّكَاحُ فَاسِدٌ وَيُفْسَخُ أَبَدًا، أَيْ قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ، وَفَسْخُهُ يَكُونُ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ، لِلاِخْتِلاَفِ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ قِيل بِصِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَهِيَ: كُل نِكَاحٍ اخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ فَفَسْخُهُ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ، وَلِهَذَا فَالتَّحْرِيمُ بِهَذَا النِّكَاحِ كَالتَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَالْمَرْأَةُ تَحْرُمُ عَلَى أُصُول الرَّجُل وَفُصُولِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أُصُولُهَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الأُْمَّهَاتِ، لاَ فُصُولَهَا، لأَِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الأُْمَّهَاتِ لاَ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، فَإِذَا دَخَل بِالأُْمِّ حَرُمَتِ الْبِنْتُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْفُصُول. وَيَحْصُل بِهَذَا النِّكَاحِ كَذَلِكَ الإِْرْثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل الْفَسْخِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: كُل نِكَاحٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْخِلاَفُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ فِي مَذْهَبٍ انْقَرَضَ إِذَا كَانَ قَوِيًّا فَهُوَ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ وَالإِْرْثِ، وَفَسْخُهُ بِطَلاَقٍ.
أَمَّا إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْفَسْخِ فَلاَ إِرْثَ

بَيْنَهُمَا وَلَوْ دَخَل بِهَا أَوْ كَانَتِ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً، لأَِنَّهُ طَلاَقٌ بَائِنٌ (1)

النَّوْعُ الثَّانِي: وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول الرَّجُل لآِخَرَ: زَوِّجْنِي بِنْتَكَ أَوْ أُخْتَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَيُسَمَّى هَذَا النِّكَاحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وَجْهَ الشِّغَارِ، وَهُوَ فَاسِدٌ وَيُفْسَخُ قَبْل الدُّخُول وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالأَْكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْل، سَوَاءٌ تَسَاوَى الْمَهْرُ أَمْ لَمْ يَتَسَاوَيَا.
وَمَدَارُ الْفَسَادِ فِيهِ عَلَى تَوَقُّفِ تَزْوِيجِ إِحْدَاهُمَا عَلَى تَزْوِيجِ الأُْخْرَى، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ، بَل عَلَى وَجْهِ الْمُكَافَأَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفِ نِكَاحِ إِحْدَاهُمَا عَلَى نِكَاحِ الأُْخْرَى، أَوْ وَقَعَ عَلَى سَبِيل الاِتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفِ نِكَاحِ إِحْدَاهُمَا عَلَى نِكَاحِ الأُْخْرَى جَازَ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا وَجْهَ الشِّغَارِ، لأَِنَّهُ شِغَارٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَمَّى لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَدَاقًا فَلَيْسَ بِشِغَارٍ، لِعَدَمِ خُلُوِّ الْعَقْدِ عَنِ الصَّدَاقِ، وَمِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى حَيْثُ شَرَطَ تَزْوِيجَ إِحْدَاهُمَا بِالأُْخْرَى فَهُوَ شِغَارٌ،
__________
(1) جواهر الإكليل 1 / 284، 311، والشرح الصغير 2 / 388 - 389،446 وحاشية الدسوقي 2 / 239 - 240، 307 - 358

فَكَانَتِ التَّسْمِيَةُ فِيهِمَا كَ ـ لاَ تَسْمِيَةَ (1) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُول أَحَدُهُمَا لِلآْخَرِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ أَوْ أُخْتَكَ بِمِائَةٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي بِلاَ مَهْرٍ، وَيُسَمَّى هَذَا بِالْمُرَكَّبِ مِنْ صَرِيحِ الشِّغَارِ وَمِنْ وَجْهِ الشِّغَارِ.
فَالْمُسَمَّى لَهَا تُعْطَى حُكْمَ وَجْهِ الشِّغَارِ فَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا قَبْل الْبِنَاءِ وَلاَ شَيْءَ لَهَا، وَيَثْبُتُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِالأَْكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْل، وَغَيْرُ الْمُسَمَّى لَهَا تُعْطَى حُكْمَ صَرِيحِ الشِّغَارِ فَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا أَبَدًا، أَيْ قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ صَدَاقُ الْمِثْل وَلاَ شَيْءَ لَهَا قَبْلَهُ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إِذَا دَخَل بِهَا فِي جَمِيعِ الأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ كَمَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ (2) .
7 - وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الشَّافِعِيَّةِ فِي مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ عَنِ الشِّغَارِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الاِشْتِرَاكُ فِي الْبُضْعِ، لأَِنَّ بُضْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَصِيرُ مَوْرِدَ الْعَقْدِ، وَجَعْل الْبُضْعِ صَدَاقًا مُخَالِفٌ
__________
(1) جواهر الإكليل 1 / 284،311، والشرح الصغير 2 / 388 - 389،446، وحاشية الدسوقي 2 / 239 - 240، 307 - 308
(2) حاشية الدسوقي 2 / 239 - 240، 307 - 308، والشرح الصغير على أقرب المسالك وبهامشه حاشية الصاوي 2 / 388، 446 - 447، وجواهر الإكليل 1 / 284، 311

لإِِيرَادِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَمُقْتَضَاهُ، فَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى النِّكَاحِ دُونَ الصَّدَاقِ، لأَِنَّ فَسَادَ الصَّدَاقِ لاَ يُوجِبُ فَسَادَ النِّكَاحِ، لأَِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ نَحْوِهِمَا.
وَقِيل: الْعِلَّةُ فِي بُطْلاَنِ نِكَاحِ الشِّغَارِ: التَّعْلِيقُ وَالتَّوْقِيفُ، فَكَأَنَّهُ يَقُول: لاَ يَنْعَقِدُ لَكَ نِكَاحُ بِنْتِي حَتَّى يَنْعَقِدَ لِي نِكَاحُ بِنْتِكَ، لأَِنَّ فِيهِ تَزْوِيجَ كُلٍّ مِنَ الْوَلِيَّيْنِ بِنْتَهُ لآِخَرَ بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ (1) .
وَضَعَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا وَعَوَّل عَلَى الْخَبَرِ، قَال الشَّيْخُ الشِّرْبِينِيُّ: وَهُوَ أَسْلَمُ.
وَصُورَةُ نِكَاحِ الشِّغَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَى بُطْلاَنِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُول الْوَلِيُّ لآِخَرَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي مَثَلاً عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقُ الأُْخْرَى فَيَقْبَل الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُهَا وَزَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى مَا ذَكَرْتَ (2) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال شَيْخُنَا فِي شَرْحِ
__________
(1) الحاوي للماوردي 11 / 443 - 448، وفتح الباري شرح صحيح البخاري 9 / 162 - 164، وتحفة المحتاج 7 / 225 - 226، ومغني المحتاج 3 / 143
(2) تحفة المحتاج 7 / 255، ومغني المحتاج 3 / 142

التِّرْمِذِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: وَلاَ يَكُونُ مِنَ الْبُضْعِ شَيْءٌ آخَرُ، لِيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْمَذْهَبِ.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ بَعْدَ أَنِ اسْتَدَل عَلَى فَسَادِ نِكَاحِ الشِّغَارِ بِالأَْحَادِيثِ وَبِالْقِيَاسِ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَلَّكَ الزَّوْجَ بُضْعَ بِنْتِهِ بِالنِّكَاحِ ثُمَّ ارْتَجَعَهُ مِنْهُ بِأَنْ جَعَلَهُ مِلْكًا لِبِنْتِ الزَّوْجِ بِالصَّدَاقِ، وَهَذَا مُوجِبٌ لِفَسَادِ النِّكَاحِ كَمَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُهَا مِلْكًا لِفُلاَنٍ، وَلأَِنَّهُ جَعَل الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ لِغَيْرِ الْمَعْقُودِ لَهُ وَجَعَل الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْقُودًا بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلاً، وَلأَِنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ إِذَا جُعِلَتْ عِوَضًا وَمُعَوَّضًا فَبَطَل أَنْ تَكُونَ عِوَضًا بَطَل أَنْ تَكُونَ مُعَوَّضًا كَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فِي الْبَيْعِ، كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ ثَوْبِي مَثَلاً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِبَيْعِ دَارِكَ (1) .
وَهُنَاكَ صُوَرٌ اخْتَلَفَ فِيهَا عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ هَل هِيَ مِنْ صُوَرِ الشِّغَارِ فَيَبْطُل النِّكَاحُ أَوْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَيَصِحُّ فِيهَا النِّكَاحُ مِنْهَا:
أ - أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي مَثَلاً عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَلَمْ يَجْعَل الْبُضْعَ صَدَاقًا لَهَا أَوْ لإِِحْدَاهُمَا بِأَنْ سَكَتَ عَنْهُ فَقَبِلَهُ الآْخَرُ فَالأَْصَحُّ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - صِحَّةُ هَذَا
__________
(1) فتح الباري 9 / 162 - 163، ومغني المحتاج 3 / 142 - 143، وتحفة المحتاج 7 / 255 والحاوي الكبير للماوردي 11 / 443 - 448

النِّكَاحِ، لِعَدَمِ التَّشْرِيكِ فِي الْبُضْعِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ وَذَلِكَ لاَ يُفْسِدُ النِّكَاحَ وَلَكِنْ يُفْسِدُ الْمُسَمَّى وَيَجِبُ لِكُل وَاحِدَةٍ مَهْرُ الْمِثْل.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ، لِوُجُودِ التَّعْلِيقِ. قَال الأَْذْرُعِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَال الْبُلْقَيْنِيُّ: مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ مُخَالِفٌ لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلِنُصُوصِ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (1)
ب - وَمِنْهَا: مَا لَوْ سَمَّيَا مَالاً مَعَ جَعْل الْبُضْعِ صَدَاقًا لَهُمَا كَأَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَلْفُ دِينَارٍ صَدَاقُ الأُْخْرَى، فَيَبْطُل عَقْدُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الأَْصَحِّ لِوُجُودِ التَّشْرِيكِ فِي الْبُضْعِ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِل الشِّغَارِ الَّتِي يَفْسُدُ فِيهَا النِّكَاحَانِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى فِيهَا.
وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ يَصِحُّ النِّكَاحَانِ اعْتِبَارًا بِالاِسْمِ، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَفْسِيرِ صُورَةِ الشِّغَارِ، وَلاَ يُسَمَّى مَعَ الْمَهْرِ الْمَذْكُورِ شِغَارًا خَالِيًا عَنِ الْمَهْرِ، وَيَكُونُ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، لِفَسَادِ الصَّدَاقِ (2) .
ج - وَمِنْهَا: أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 142 - 143، وتحفة المحتاج 7 / 255، والحاوي الكبير للماوردي 11 / 443 - 448، وفتح الباري 9 / 162 - 164
(2) المراجع السابقة

تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ بِنْتِكَ صَدَاقٌ لِبِنْتِي فَيَصِحُّ النِّكَاحُ الأَْوَّل وَهُوَ نِكَاحُ بِنْتِهِ فِي الأَْصَحِّ، وَيَبْطُل النِّكَاحُ الثَّانِي وَهُوَ نِكَاحُهُ لِبِنْتِ صَاحِبِهِ، لأَِنَّ الاِشْتِرَاكَ حَصَل فِي بُضْعِهَا، لاَ فِي بُضْعِ بِنْتِهِ، وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ يَصِحُّ نِكَاحُ بِنْتِهِ أَيْضًا، لِوُجُودِ التَّعْلِيقِ.
د - وَمِنْهَا: أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ بِنْتِي صَدَاقٌ لاِبْنَتِكَ فَيَبْطُل نِكَاحُ بِنْتِهِ، لأَِنَّهُ جَعَل بُضْعَهَا مُشْتَرِكًا وَصَحَّ نِكَاحُهُ عَلَى بِنْتِ صَاحِبِهِ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ لَمْ يَجْعَل بُضْعَهَا مُشْتَرِكًا.
وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ: لاَ يَصِحُّ نِكَاحُهُ عَلَى بِنْتِ صَاحِبِهِ لِوُجُودِ التَّعْلِيقِ (1) .
8 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَذَكَرُوا أَنَّ مِنْ صُوَرِ نِكَاحِ الشِّغَارِ الْبَاطِلَةِ: أَنْ يَقُول لِلآْخَرِ: زَوَّجْتُكَ وَلِيَّتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي وَلِيَّتَكَ وَسَكَتَ عَنِ الْمَهْرِ، فَأَجَابَهُ الآْخَرُ بِمِثْل كَلاَمِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ وَلِيَّتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي وَلِيَّتَكَ وَلاَ مَهْرَ لَهُمَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ وَلِيَّتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي وَلِيَّتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ الأُْخْرَى.
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 143، وتحفة المحتاج مع الحاشيتين 7 / 255، والحاوي للماوردي 11 / 446 - 447، وفتح الباري شرح صحيح البخاري 9 / 162 وما بعدها

وَمِنْهَا: أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي مَثَلاً عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَمِائَةُ دِينَارٍ مَهْرُ الأُْخْرَى، قَال الْبُهُوتِيُّ: وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِي الشِّغَارِ بَيْنَ الْمُتَنَاكِحَيْنِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ " (1) ، وَلأَِنَّهُ جَعَل كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الآْخَرِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَال: بِعْنِي ثَوْبَكَ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ ثَوْبِي، وَلَيْسَ فَسَادُ هَذَا النِّكَاحِ مِنْ قِبَل التَّسْمِيَةِ، بَل مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَلأَِنَّهُ شَرْطُ تَمْلِيكِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ جَعَل تَزْوِيجَهُ إِيَّاهَا مَهْرًا لِلأُْخْرَى، فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهَا بِشَرْطِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ وَمَهْرُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةُ دِينَارٍ مَثَلاً. أَوْ قَال: وَمَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ وَمَهْرُ ابْنَتِكَ خَمْسُونَ أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرُ فَيَصِحُّ النِّكَاحَانِ بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْصُل فِي هَذَا الْعَقْدِ تَشْرِيكٌ وَإِنَّمَا حَصَل
__________
(1) حديث ابن عمر: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار ". سبق تخريجه ف هـ

فِيهِ شَرْطٌ بَطَل الشَّرْطُ وَصَحَّ النِّكَاحُ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا عَنْ بُضْعِ الأُْخْرَى، فَإِنْ جَعَل الْمُسَمَّى دَرَاهِمَ وَبُضْعَ الأُْخْرَى لَمْ يَصِحَّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيل: يَبْطُل الشَّرْطُ وَحْدَهُ، وَمَحَل الصِّحَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى غَيْرَ قَلِيلٍ حِيلَةً، سَوَاءٌ كَانَ مَهْرَ الْمِثْل أَوْ أَقَل، فَإِنْ كَانَ قَلِيلاً حِيلَةً لَمْ يَصِحَّ، لِبُطْلاَنِ الْحِيَل عَلَى تَحْلِيل مُحَرَّمٍ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُهُ إِنْ كَانَ كَثِيرًا صَحَّ وَلَوْ حِيلَةً، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ تَقْتَضِي فَسَادَهُ، وَصِحَّةُ هَذِهِ الصُّورَةِ بِشُرُوطِهَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَال الْخِرَقِيُّ بِبُطْلاَنِ هَذَا النِّكَاحِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُسَمِّيَ لإِِحْدَاهُمَا مَهْرًا دُونَ الأُْخْرَى فَيَصِحُّ نِكَاحُ مَنْ سَمَّى لَهَا الْمَهْرَ وَيَفْسُدُ نِكَاحُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا، لأَِنَّ فِي نِكَاحِ الْمُسَمَّى لَهَا تَسْمِيَةً وَشَرْطًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَمَّى لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَفْسُدُ نِكَاحُهُمَا (1) .
9 - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَصُورَتُهُ عِنْدَهُمْ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ الآْخَرُ بِنْتَهُ أَوْ أُخْتَهُ أَوْ حَرِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلٍّ
__________
(1) كشاف القناع 5 / 93 - 94، وشرح منتهى الإرادات 2 / 666 - 667، والإنصاف 8 / 159 - 161

مِنْهُمَا صَدَاقَ الأُْخْرَى وَلاَ مَهْرَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ هَذَا، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل، لأَِنَّهُ سَمَّى فِيهِ مَا لاَ يَصْلُحُ صَدَاقًا، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمَهْرِ، لأَِنَّ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُسَمَّى الشِّغَارِ، فَأَصْل الشُّغُورِ الْخُلُوُّ، وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل إِخْلاَئِهِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَاكْتِفَائِهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ مِنَ الْمَال عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ أَوْ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهَا. فَإِذَا وَجَبَ مَهْرٌ لَمْ يَبْقَ شِغَارٌ، أَوِ النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالْكَرَاهَةُ لاَ تُوجِبُ الْفَسَادَ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُخْل النِّكَاحَ مِنَ الصَّدَاقِ، أَوْ لَمْ يَجْعَل بُضْعَ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقَ الأُْخْرَى بِأَنْ قَال مَثَلاً: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ فَقَبِل الآْخَرُ أَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ بِنْتِي صَدَاقًا لِبِنْتِكَ فَلَمْ يَقْبَل الآْخَرُ ذَلِكَ بَل زَوَّجَهُ بِنْتَهُ وَلَمْ يَجْعَل لَهَا صَدَاقًا،أَوْ سَمَّيَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَدَاقًا لَمْ يَكُنْ هَذَا النِّكَاحُ شِغَارًا، بَل نِكَاحًا صَحِيحًا اتِّفَاقًا. قَال فِي حَاشِيَةِ الشَّلَبِيِّ نَقْلاً عَنِ الْغَايَةِ: وَالشِّغَارُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ مِنْ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِبَ صَدَاقٌ فِي الْحَال وَلاَ فِي الثَّانِي، وَهُوَ مِنَ الشُّغُورِ وَهُوَ الْخُلُوُّ،

فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ مُسَمًّى فِيهِ فَأَيْنَ الْخُلُوُّ؟ وَكَذَا إِذَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ (1) .

الْخَامِسُ: نِكَاحُ الْخِدْنِ:
10 - الْخِدْنُ: هُوَ الصَّدِيقُ لِلْمَرْأَةِ يَزْنِي بِهَا سِرًّا. وَذَاتُ الْخِدْنِ مِنَ النِّسَاءِ: هِيَ الَّتِي تَزْنِي سِرًّا. وَقِيل: ذَاتُ الْخِدْنِ هِيَ الَّتِي تَزْنِي بِوَاحِدٍ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعِيبُ الإِْعْلاَنَ بِالزِّنَى وَلاَ تَعِيبُ اتِّخَاذَ الأَْخْدَانِ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ يُحَرِّمُونَ مَا ظَهَرَ مِنَ الزِّنَا وَيَسْتَحِلُّونَ مَا خَفِيَ مِنْهُ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ بِقَوْلِهِ {وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (2) } ، وَزَجَرَ عَنِ الْوَطْءِ إِلاَّ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ " (3) .
__________
(1) رد المحتار على الدر المختار 2 / 332 - 333، وتبيين الحقائق وبهامشه حاشية الشلبي 2 / 145، وانظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 9 / 163 - 164
(2) سُورَةُ الأَْنْعَامِ / 151
(3) أَحْكَام الْقِرَان لِلْجَصَّاصِ 2 / 168، وَالْجَامِع لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ 5 / 143، 7 / 74، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ 1 / 516، 2 / 46، 270، وَفَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ 9 / 184

وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ (1) } : كَانَتِ الْبَغَايَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشْهُورَاتٍ، وَمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ. وَكَانُوا بِعُقُولِهِمْ يُحَرِّمُونَ مَا ظَهَرَ مِنَ الزِّنَا وَيُحِلُّونَ مَا بَطَنَ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْجَمِيعِ (2)

السَّادِسُ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ:
11 - نِكَاحُ الْمُتْعَةِ هُوَ قَوْل الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ: أُعْطِيكِ كَذَا عَلَى أَنْ أَتَمَتَّعَ بِكِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ سَوَاءٌ قَدَّرَ الْمُتْعَةَ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ، أَوْ قَدَّرَهَا بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ كَقَوْلِهِ: أُعْطِيكِ كَذَا عَلَى أَنْ أَتَمَتَّعَ بِكِ مَوْسِمَ الْحَجِّ أَوْ مَا أَقَمْتُ فِي الْبَلَدِ أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ، فَإِذَا انْقَضَى الأَْجَل الْمُحَدَّدُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلاَقٍ.
وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ مِنْ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ مُبَاحًا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ حُرِّمَ (3) ، لِحَدِيثِ
__________
(1) سُورَة النِّسَاء / 25
(2) أَحْكَام الْقُرْآنِ لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ 1 / 516، 2 / 46، 270.
(3) الْبَدَائِع 2 / 272 - 273، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 151، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 238، 239، وَفَتْح الْبَارِي 9 / 167 وَمَا بَعْدَهَا، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 96، وَالإِْنْصَاف 8 / 163، وَشَرْح صَحِيح مُسْلِم 9 / 153 وَمَا بَعْدَهَا

عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ " (1) ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ، لِحَدِيثِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: " أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتْحَ مَكَّةَ قَال: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ (ثَلاَثِينَ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) فَأَذِنَ لَنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ " (2) ثُمَّ حُرِّمَ فِيهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ حُرِّمَ أَبَدًا لِحَدِيثِ سَبْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ حَرَّمَ أَبَدًا " (3) ، قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: لاَ أَعْلَمُ شَيْئًا
__________
(1) حَدِيث عَلِيٍّ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح 9 / 166 - ط السَّلَفِيَّة)
(2) حَدِيث الرَّبِيع بْن سَبْرَة: " أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1024 - ط الْحَلَبِيّ) ،
(3) حَدِيث " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ. . . ". أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ فِي الْمُصَنَّفِ (7 / 50 4) وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (7 / 203 - 204 الْمَعْرِفَة) بِرِوَايَةِ عَبْد الْعَزِيز بْن عُمَر عَنْ رَبِيع بْن سَبْرَة عَنْ أَبِيهِ قَال الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ عَبْد الْعَزِيز فَرَاوِيَة الْجُمْهُور عَنِ الرَّبِيع بْن سَبْرَة أَ

حُرِّمَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ حُرِّمَ إِلاَّ الْمُتْعَةَ (1) وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى حُرْمَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبُطْلاَنِ عَقْدِهِ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا حَدِيثُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَل سَبِيلَهُ، وَلاَ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا " (2) ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُتْعَةِ وَقَال: إِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلَمَّا نَزَل النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ " (3)
__________
(1) فَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ 9 / 166 - 174، وَشَرْح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ 9 / 153 - 162، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 151، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 142، وَالْحَاوِي للماوردي 11 / 449 - 455.
(2) حَدِيث الرَّبِيع بْن سَبْرَة: " أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1025 ط الْحَلَبِيّ)
(3) حَدِيث: " نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُتْعَةِ ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَْوْسَطِ (15 / 165ط الْمَعَارِف) ، وَالْبَيْهَقِيّ (7 / 207 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) ، وَالْحَازِمِي فِي الاِعْتِبَارِ (ص 187 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَقَال الْحَازِمِي: هَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: " قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَرَّمَ - أَوْ هَدَمَ - الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ " (1) بِمَعْنَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ طَلاَقٍ وَلاَ فُرْقَةٍ وَلاَ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، مِمَّا دَل عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ وَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ فِيهَا زَوْجَةً لِلرَّجُل.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (2) } فَالَّتِي اسْتَمْتَعَ بِهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلاَ مِلْكَ يَمِينٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُتْعَةِ لَوْمٌ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ، كَانَ الرَّجُل يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ
__________
(1) حَدِيث: " حَرَّمَ - أَوْ هَدَمَ - الْمُتْعَة. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (الإِْحْسَان بِتَرْتِيبٍ صَحِيح ابْن حِبَّانَ 6 / 178) ، وَالْبَيْهَقِيّ (7 / 207 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذِكْر الْحَافِظِ ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (9 / 170) أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالاً، حَيْثُ أَعُلْهُ بِرَاوِيَيْنِ فِي إِسْنَادِهِ
(2) سُورَة الْمُؤْمِنُونَ / 5، 6

وَتُصْلِحُ لَهُ شَأْنَهُ حَتَّى نَزَلَتِ الآْيَةُ {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكُل فَرْجٍ سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ " (1) .
وَلأَِنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ لاِقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ، بَل شُرِعَ لأَِغْرَاضٍ وَمَقَاصِدَ يُتَوَسَّل بِهِ إِلَيْهَا، وَاقْتِضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْمُتْعَةِ لاَ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى الْمَقَاصِدِ فَلاَ يُشْرَعُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ (2)
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أَيْ فِي النِّكَاحِ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّل الآْيَةِ وَآخِرِهَا هُوَ النِّكَاحُ، فَإِنَّ اللَّهَ
__________
(1) أَثَر ابْن عَبَّاسٍ: " إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَة فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ. . . . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 421 ط الْحَلَبِيّ) ، وَالْبَيْهَقِيّ (7 / 205 - 206 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) ، وَقَال الْحَافِظُ ابْنَ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (9 / 172ط السَّلَفِيَّة) : إِسْنَادُهُ ضَعِيف، وَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَّةِ إِبَاحَتِهَا
(2) الْبَدَائِع 2 / 272 - 273، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 164 - 155، وَفَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ 9 / 166 - 174، وَشَرْح مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ 9 / 153 - 162، وَالْحَاوِي للماوردي 11 / 449 - 458، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 142، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 96 - 98.

تَعَالَى ذَكَرَ أَجْنَاسًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي أَوَّل الآْيَةِ فِي النِّكَاحِ، وَأَبَاحَ مَا وَرَاءَهَا بِالنِّكَاحِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ (1) } أَيْ بِالنِّكَاحِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (2) } أَيْ غَيْرَ مُتَنَاكِحِينَ غَيْرَ زَانِينَ وَقَال تَعَالَى فِي سِيَاقِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ (3) } ذَكَرَ النِّكَاحَ لاَ الإِْجَارَةَ وَالْمُتْعَةَ، فَيُصْرَفُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ} إِلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِالنِّكَاحِ.
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْوَاجِبِ أَجْرًا فَنَعَمْ، الْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ يُسَمَّى أَجْرًا قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَل: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (4) } أَيْ مُهُورَهُنَّ وَقَال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ (5) } .
وَالأَْمْرُ بِإِيتَاءِ الأَْجْرِ بَعْدَ الاِسْتِمْتَاعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} لاَ يَدُل عَلَى جَوَازِ الإِْجَارَةِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ لأَِنَّ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَال: (فَآتَوْهُنَّ
__________
(1) سُورَة النِّسَاء / 24
(2) سُورَة النِّسَاء / 24
(3) سُورَة النِّسَاء / 25
(4) سُورَة النِّسَاء / 25
(5) سُورَة الأَْحْزَابِ / 50

أُجُورَهُنَّ إِذَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُمْ) أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الاِسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (1) } أَيْ إِذَا أَرَدْتُمْ تَطْلِيقَ النِّسَاءِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الآْيَةِ الإِْجَارَةَ وَالْمُتْعَةَ فَقَدْ صَارَتْ مَنْسُوخَةً بِمَا ذُكِرَ مِنَ الآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} نَسَخَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَل: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: " الْمُتْعَةُ بِالنِّسَاءِ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا آيَةُ الطَّلاَقِ وَالصَّدَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَوَارِيثِ " (2) وَالنِّكَاحُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْحُقُوقُ هُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَلاَ يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْمُتْعَةِ (3)

الْقَوْل الثَّانِي: حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَطَاءٌ وَطَاوُوسٌ، وَبِهِ قَال ابْنُ جُرَيْجٍ،
__________
(1) سُورَة الطَّلاَقِ / 1
(2) أَثَر ابْن مَسْعُود: " الْمُتْعَة بِالنِّسَاءِ مَنْسُوخَة نُسْخَتِهَا آيَة الطَّلاَقِ. . . ". أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ فِي الْمُصَنَّفِ (7 / 50 5) وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (7 / 207 الْمَعْرِفَة)
(3) الْبَدَائِع 2 / 272 - 273، وَفَتْح الْبَارِي 9 / 173 - 174، وَالْحَاوِي الْكَبِير 11 / 449، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 146 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 644.

وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (1) وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (2) } وَالاِسْتِدْلاَل بِهَا مِنْ ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ الاِسْتِمْتَاعَ وَلَمْ يَذْكُرِ النِّكَاحَ، وَالاِسْتِمْتَاعُ وَالتَّمَتُّعُ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَاءِ الأَْجْرِ وَالْمُتْعَةِ عَقْدَ الإِْجَارَةِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَاءِ الأَْجْرِ بَعْدَ الاِسْتِمْتَاعِ وَذَلِكَ يَكُونُ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالْمُتْعَةِ فَأَمَّا الْمَهْرُ فَإِنَّمَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَيُؤْخَذُ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ أَوَّلاً ثُمَّ يُمَكَّنُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ فَدَلَّتِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْمُتْعَةِ (3)
كَمَا اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ بِقَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجِّ " (4) .
__________
(1) الْمُغْنِي 10 / 46 ط هَجَرَ.
(2) سُورَة النِّسَاء / 24
(3) الْبَدَائِع 2 / 272، 273.
(4) أَثَر عُمَر بْن الْخَطَّابِ: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. . . ". أَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور (الْقِسْم الأَْوَّل مِنَ الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ / 210 ط عِلْمِي بِرَيِّسٍ) ، وَصَرْح ابْن قِيَم ا

قَالُوا: فَأُخْبِرْنَا بِإِبَاحَتِهِمَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا ثَبَتَ إِبَاحَتُهُ بِالشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ بِهِ تَحْرِيمٌ بِالاِجْتِهَادِ.
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " (1) } .
وَبِمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: " كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الأَْيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ " (2) .
وَلأَِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَصَحَّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَالإِْجَارَةِ، وَلأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ إِبَاحَتُهُ
__________
(1) قَوْل ابْن مَسْعُود: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا نِسَاء. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (8 / 276 ط السَّلَفِيَّة) ، وَمُسْلِم (2 / 1022 ط الْحَلَبِيّ) ، وَاللَّفْظ لِمُسْلِم
(2) حَدِيث: " كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1023 ط الْحَلَبِيّ)

بِالإِْجْمَاعِ فَلَمْ يُنْتَقَل عَنْهُ إِلَى التَّحْرِيمِ إِلاَّ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ (1)
12 - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ صَحَّ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ لِلْمُتْعَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِحَدِيثِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّةَ قَال: فَأَقَمْنَا بِهَا خَمْسَ عَشَرَ، فَأَذِنَ لَنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَال: " فَلَمْ أَخْرُجْ حَتَّى حَرَّمَهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (2) .
وَمُخَالَفَةُ بَعْضٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي حُجِّيَّتِهِ وَلاَ قَائِمَةٍ لَنَا بِالْمَعْذِرَةِ عَنِ الْعَمَل بِهِ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ حَفِظُوا التَّحْرِيمَ وَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّهِ لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلاَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ " (3) .
__________
(1) الْبَدَائِع 2 / 272 - 273، وَفَتْح الْبَارِي 9 / 173 - 174، وَالْحَاوِي الْكَبِير 11 / 449، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 146 وَمَا بَعْدَهَا، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 644.
(2) حَدِيث سَبْرَة الْجَهْنَيْ: " أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتْح مَكَّةَ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1024 ط الْحَلَبِيّ)
(3) حَدِيث عُمَر: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلاَثًا. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (1 / 631 ط الْحَلَبِيّ) ، وَقَال الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (1 / 342 - ط دَار الْجِنَان) : هَذَا إِسْنَاد فِيهِ مَقَال

رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: حَرَّمَ أَوْ - هَدَمَ - الْمُتْعَةَ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ " (1) .
وَوَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: " خَرَجْنَا وَمَعَنَا النِّسَاءُ اللاَّتِي اسْتَمْتَعْنَا بِهِنَّ. . . فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُنَّ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " (2) .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ. فَقُلْنَا: أَلاَ نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ " (3) ، بِأَنَّ مُؤَدَّى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ إِبَاحَةُ الْمُتْعَةِ الَّتِي حَرَّمَهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَائِرِ الأَْخْبَارِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْمُتْعَةَ قَدْ أُبِيحَتْ فِي وَقْتٍ ثُمَّ
__________
(1) حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ: " حَرَم أَوْ - هَدَمَ - الْمُتْعَة الطَّلاَق وَالْعِدَّة وَالْمِيرَاث ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (11)
(2) حَدِيث جَابِر: " خَرَجْنَا وَمَعَنَا النِّسَاء اللاَّتِي اسْتَمْتَعْنَا بِهِنَّ. . . ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَْوْسَطِ (1 / 510 - 511 ط الْمَعَارِف) ، وَقَال الهيثمي فِي الْمَجْمَعِ (4 / 264 ط مَكْتَبَة الْقُدْسِيّ) : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَْوْسَطِ، وَفِيهِ صَدَقَة بْن عَبْد اللَّه وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَغَيْره، وَضِعْفه أَحْمَد وَجَمَاعَة، وَبَقِيَّة رِجَالِهِ رِجَال الصَّحِيحِ
(3) حَدِيث ابْن مَسْعُود: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. . . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف (11)

حُرِّمَتْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذِكْرُ التَّارِيخِ فَأَخْبَارُ الْحَظْرِ قَاضِيَةٌ عَلَيْهَا لأَِنَّ فِيهَا ذِكْرُ الْحَظْرِ مِنَ الإِْبَاحَةِ وَأَيْضًا لَوْ تَسَاوَيَا لَكَانَ الْحَظْرُ أَوْلَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُتْعَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالطَّلاَقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ (1) وَقَال الْجَصَّاصُ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُتْعَةَ قَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي وَقْتٍ فَلَوْ كَانَتِ الإِْبَاحَةُ بَاقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْل بِهَا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلَعَرَّفَتْهَا الْكَافَّةُ وَلَمَا اجْتَمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لَوْ كَانَتِ الإِْبَاحَةُ بَاقِيَةً، فَلَمَّا وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ مُنْكِرِينَ لإِِبَاحَتِهَا مُوجِبِينَ لِحَظْرِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بَدْيًا بِإِبَاحَتِهَا دَل ذَلِكَ عَلَى حَظْرِهَا بَعْدَ الإِْبَاحَةِ وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَ عَنْهُ تَجْرِيدُ الْقَوْل فِي إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ حِينَ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُهَا بِتَوَاتُرِ الأَْخْبَارِ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ وَإِبَاحَتِهِ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ وَتَوَاتَرَتْ عِنْدَهُ الأَْخْبَارُ فِيهِ مِنْ كُل نَاحِيَةٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَصَارَ إِلَى قَوْل الْجَمَاعَةِ فَكَذَلِكَ كَانَ سَبِيلُهُ فِي الْمُتْعَةِ.
وَيَدُل عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ عَرَفَتْ نَسْخَ
__________
(1) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 151 ط رَابِطَة الأَْوْقَاف الإِْسْلاَمِيَّة.

إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال فِي خُطْبَتِهِ: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا " وَقَال فِي خَبَرٍ آخَرَ: " لَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ " فَلَمْ يُنْكِرْ هَذَا الْقَوْل عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لاَ سِيَّمَا فِي شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوا إِبَاحَتَهُ، وَإِخْبَارُهُ بِأَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلاَ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إِبَاحَتِهِ فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لأَِمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيَانًا وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُمُ التَّوَاطُؤُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الاِنْسِلاَخِ مِنَ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ مَنْ عَلِمَ إِبَاحَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتْعَةِ ثُمَّ قَال هِيَ مَحْظُورَةٌ مِنْ غَيْرِ نَسْخِ لَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا حَظْرَهَا بَعْدَ الإِْبَاحَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَلَوْ كَانَ مَا قَال عُمَرُ مُنْكَرًا وَلَمْ يَكُنِ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ ثَابِتًا لَمَا جَازَ أَنْ يُقَارُّوهُ عَلَى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَسْخِ الْمُتْعَةِ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ حَظْرُ مَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ مِنْ طَرِيقِ النَّسْخِ (1)
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ
__________
(1) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ 2 / 151 - 152.

يَقُول بِجَوَازِ الْمُتْعَةِ ثُمَّ ثَبَتَ رُجُوعُهُ عَنْهَا فَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهَا (1)
وَقَال الْمَازِرِي: ثَبَتَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ ثَبَتَ بِالأَْحَادِيثِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نُسِخَ، وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إِلاَّ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ (2)

صِيغَةُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ:
13 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ فِي بُطْلاَنِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ بَيْنَ اسْتِعْمَال لَفْظِ الْمُتْعَةِ وَلَفْظِ الزَّوَاجِ وَالنِّكَاحِ الْمُؤَقَّتَيْنِ فَإِذَا قَال مَثَلاً: أَتَزَوَّجُكِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَثَلاً فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَيُسَمُّونَهُ النِّكَاحَ لأَِجَلٍ أَوِ الْمُؤَقَّتَ (3)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ بَاطِلٌ، وَهُوَ أَنْ يَقُول لاِمْرَأَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمَوَانِعِ: أَتَمَتَّعُ بِكِ كَذَا مُدَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مَثَلاً، أَوْ يَقُول: أَيَّامًا أَوْ مَتِّعِينِي نَفْسَكِ أَيَّامًا أَوْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَيَّامًا بِكَذَا مِنَ الْمَال. قَال شَيْخُ الإِْسْلاَمِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ: أَنْ يُذْكَرَ الْمُؤَقَّتُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَفِي الْمُتْعَةِ أَتَمَتَّعُ أَوْ أَسْتَمْتِعُ، يَعْنِي مَا اشْتَمَل عَلَى مَادَّةِ مُتْعَةٍ. قَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَالَّذِي يَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ
__________
(1) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ 5 / 132 - 133.
(2) صَحِيح مُسْلِم بِشَرْح النَّوَوِيّ 9 / 179.
(3) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 238، 239، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 142.

عَدَمُ اشْتِرَاطِ الشُّهُودِ فِي الْمُتْعَةِ وَتَعْيِينُ الْمُدَّةِ، وَفِي الْمُؤَقَّتِ الشُّهُودُ وَتَعْيِينُهَا، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ دَلِيل لِهَؤُلاَءِ عَلَى تَعْيِينِ كَوْنِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ الَّذِي أَبَاحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حَرَّمَهُ هُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَادَّةُ (م ت ع) لِلْقَطْعِ مِنَ الآْثَارِ بِأَنَّ الْمُتَحَقِّقَ لَيْسَ إِلاَّ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ مَنْ بَاشَرَ هَذَا الْمَأْذُونَ فِيهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُخَاطِبَهَا بِلَفْظِ أَتَمَتَّعُ وَنَحْوِهِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ مَعْنَاهُ، فَإِذَا قَال: تَمَتَّعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسْوَةِ فَلَيْسَ مَفْهُومُهُ قُولُوا أَتَمَتَّعُ بِكِ، بَل أَوْجِدُوا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ: أَنْ يُوجِدَ عَقْدًا عَلَى امْرَأَةٍ لاَ يُرَادُ بِهِ مَقَاصِدَ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنَ الْقَرَارِ لِلْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ بَل إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَنْتَهِي الْعَقْدُ بِانْتِهَائِهَا أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بِمَعْنَى بَقَاءِ الْعَقْدِ مَا دُمْتُ مَعَكِ إِلَى أَنْ أَنْصَرِفَ عَنْكِ فَلاَ عَقْدَ. وَالْحَاصِل أَنَّ مَعْنَى الْمُتْعَةِ عَقْدٌ مُؤَقَّتٌ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ فَيَدْخُل فِيهِ مَا بِمَادَّةِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ أَيْضًا فَيَكُونُ النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُتْعَةِ وَإِنْ عُقِدَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَأُحْضِرَ الشُّهُودُ وَمَا يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تُفِيدُ التَّوَاطُؤُ مَعَ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَلَمْ يُعْرَفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الآْثَارِ لَفْظٌ وَاحِدٌ مِمَّنْ بَاشَرَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِلَفْظِ: تَمَتَّعْتُ بِكِ وَنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1)
__________
(1) فَتْح الْقَدِير 3 / 246 - 247.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ لِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ صُوَرًا هِيَ:
أ - أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ.
ب - أَنْ يَشْتَرِطَ طَلاَقَ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بِوَقْتٍ كَقَوْل الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي شَهْرًا أَوْ سَنَةً إِلَى انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ أَوْ إِلَى قُدُومِ الْحَاجِّ وَشِبْهِهِ.
ج - أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ طَلاَقَ الْمَرْأَةِ بِوَقْتٍ بِقَلْبِهِ.
د - أَنْ يَقُول الزَّوْجُ: أَمْتِعِينِي نَفْسَكِ، فَتَقُول: أَمْتَعْتُكَ نَفْسِي بِلاَ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودٍ (1)

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ:
14 - يَتَرَتَّبُ عَلَى بُطْلاَنِ عَقْدِ الْمُتْعَةِ آثَارٌ نُبَيِّنُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - لاَ يَقَعُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ طَلاَقٌ وَلاَ إِيلاَءٌ وَلاَ ظِهَارٌ وَلاَ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا وَلاَ لِعَانٌ وَلاَ يَثْبُتُ بِهِ إِحْصَانٌ لِلرَّجُل وَلاَ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ تَحْصُل بِهِ إِبَاحَةٌ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِبُطْلاَنِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (2)
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 5 / 96، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 5 / 128، وَانْظُرِ الإِْنْصَاف 8 / 163 - 164.
(2) الْبَدَائِع 2 / 273، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 282، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387، وَالْحَاوِي للماوردي 11 / 455، كَشَّاف الْقِنَاع 5 / 97، وَالْمُغْنِي 6 / 645.

ب - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَى الرَّجُل فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِنَ الْمَهْرِ وَالْمُتْعَةِ وَالنَّفَقَةِ مَا لَمْ يَدْخُل بِالْمَرْأَةِ، فَإِنْ دَخَل بِهَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسَمًّى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّ ذِكْرَ الأَْجَل أَثَّرَ خَلَلاً فِي الصَّدَاقِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ دَخَل بِهَا فَلَهَا الأَْقَل مِمَّا سَمَّى لَهَا وَمِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ ثَمَّةَ مُسَمًّى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا بِالدُّخُول الْمُسَمَّى لأَِنَّ فَسَادَهُ لِعَقْدِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (1)
ج - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَحِقَ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ، لأَِنَّ لَهُ شُبْهَةُ الْعَقْدِ وَالْمَرْأَةُ تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا. وَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ النَّسَبِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُول
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 330، وَالشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي 2 / 387، وَالْحَاوِي الْكَبِير 11 / 455، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 97، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْح 2 / 238 - 239، وَالإِْنْصَاف 8 / 305، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 5 / 128.

عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (1)
د - وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُل بِالدُّخُول فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا (2)

عُقُوبَةُ الْمُتَمَتِّعِ:
15 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ تَعَاطَى نِكَاحَ الْمُتْعَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ لأَِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَالشُّبْهَةُ هُنَا هِيَ شُبْهَةُ الْخِلاَفِ، بَل يُعَزَّرُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لاِرْتِكَابِهِ مَعْصِيَةً لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ.
وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لأَِنَّهُ ثَبَتَ نَسْخُهُ.
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 330، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 2 / 238 - 239، وَالْحَاوِي الْكَبِير 11 / 455، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 97.
(2) الْحَاوِي الْكَبِير 11 / 455، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 274، وَالدُّسُوقِيّ 2 / 251، 252، وَالإِْنْصَاف 8 / 116.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا جَاءَ فِي فَتْحِ الْمُعِينِ - بِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إِذَا عُقِدَ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ فَإِنْ عُقِدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَجَبَ الْحَدُّ إِنْ وَطِئَ (1)

السَّابِعُ: النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ:
16 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْمُؤَقَّتَ هُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ بِذِكْرِ لَفْظِ التَّزَوُّجِ فِي الْمُؤَقَّتِ دُونَ الْمُتْعَةِ، وَكَذَا بِالشَّهَادَةِ فِيهِ دُونَ الْمُتْعَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ: كُل نِكَاحٍ مُؤَقَّتٍ مُتْعَةٌ، وَقَال زُفَرُ: لاَ تَكُونُ الْمُتْعَةُ إِلاَّ بِلَفْظِهَا.
وَفَرْقٌ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلاً إِلَى أَجَلٍ لاَ يَبْلُغَانِهِ، أَوْ يَكُونَ إِلَى أَجَلٍ يَبْلُغَانِهِ. فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً إِلَى أَجَلٍ لاَ يَبْلُغَانِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ:
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو الْحَسَنِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْبَلْقِينِيُّ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أُجِّل النِّكَاحُ بِأَجَلٍ لاَ
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 2 / 149، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 2 / 239، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 387، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 5 / 144، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ حَاشِيَة الشرواني 7 / 224، وَالْحَاوِي 11 / 455، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 97.

يَبْلُغَانِهِ صَحَّ النِّكَاحُ كَأَنَّهُ ذَكَرَ الأَْبَدَ، لأَِنَّ النِّكَاحَ الْمُطْلَقَ لاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَى الإِْطْلاَقِ لاَ يَضُرُّ. قَال الْبَلْقِينِيُّ: وَفِي نَصِّ الأُْمِّ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ نَقْلاً عَنْ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ الْحُلْوَانِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا سَمَّيَا مَا يُعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُمَا لاَ يَعِيشَانِ إِلَيْهِ كَأَلْفِ سَنَةٍ يَنْعَقِدُ - أَيِ النِّكَاحُ - وَيَبْطُل الشَّرْطُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَوْ خُرُوجِ الدَّجَّال أَوْ نُزُول عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مَا لَوْ قَال زَوَّجْتُكَهَا مُدَّةَ حَيَاتِكَ أَوْ حَيَاتِهَا لأَِنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بَل يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ (1)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ عَدَا الْبَلْقِينِيِّ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ الْمُؤَقَّتَ إِلَى أَجَلٍ لاَ يَبْلُغَانِهِ بَاطِلٌ.
فَإِنْ أُجِّل إِلَى أَجَلٍ يَبْلُغَانِهِ كَمَا لَوْ قَال أَتَزَوَّجُكِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (عَدَا زُفَرَ) وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ بِاعْتِبَارِهِ عِنْدَهُمْ مِنْ صُوَرِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ
__________
(1) الْبَدَائِع 2 / 273، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 283، وَحَاشِيَة الصَّاوِي مَعَ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ 2 / 387، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 142، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ حَوَاشِيهَا 7 / 224، وَالْفُرُوع 5 / 245.

عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ هَذَا الْعَقْدُ لَكَانَ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَجُوزَ مُؤَقَّتًا بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ مُؤَبَّدًا، وَلاَ سَبِيل إِلَى الأُْولَى لأَِنَّ هَذَا مَعْنَى الْمُتْعَةِ إِلاَّ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهَا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزَوُّجِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُقُودِ مَعَانِيهَا لاَ الأَْلْفَاظُ كَالْكَفَالَةِ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل إِنَّهَا حَوَالَةٌ مَعْنًى لِوُجُودِ الْحَوَالَةِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُهَا وَالْمُتْعَةُ مَنْسُوخَةٌ، وَلاَ وَجْهَ لِلثَّانِي لأَِنَّ فِيهِ اسْتِحْقَاقُ الْبُضْعِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا وَهَذَا لاَ يَجُوزُ.
وَقَال زُفَرُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: النِّكَاحُ جَائِزٌ وَهُوَ مُؤَبَّدٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، لأَِنَّهُ ذَكَرَ النِّكَاحَ وَشَرَطَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا، وَالنِّكَاحُ لاَ تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، فَبَطَل الشَّرْطُ وَبَقِيَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، كَمَا إِذَا قَال: تَزَوَّجْتُكِ إِلَى أَنْ أُطَلِّقَكِ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ (1)

الثَّامِنُ: النِّكَاحُ بِنِيَّةِ الطَّلاَقِ:
17 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي النِّكَاحِ بِنِيَّةِ الطَّلاَقِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ جُزِمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِنِيَّةِ الطَّلاَقِ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ سَوَاءٌ عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ أَمْ لاَ. وَذَلِكَ لِخُلُوِّ هَذَا الْعَقْدِ
__________
(1) تَبْيِين الْحَقَائِقِ 2 / 215، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 273 - 274، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 238، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 224، وَالإِْنْصَاف 8 / 163.

مِنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ، وَلاَ يَفْسُدُ بِالنِّيَّةِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَنْوِي مَا لاَ يَفْعَل وَيَفْعَل مَا لاَ يَنْوِي، وَلأَِنَّ التَّوْقِيتَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ هَذَا النِّكَاحُ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَلأَِنَّ كُل مَا صَرَّحَ بِهِ أَبْطَل كُرِهَ إِذَا أَضْمَرَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالأَْوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى بُطْلاَنِ هَذَا النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ (1) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بِهْرَامُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا فَهِمَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ الأَْمْرَ الَّذِي قَصَدَهُ الرَّجُل فِي نَفْسِهِ (2)

التَّاسِعُ: النِّكَاحُ بِشَرْطِ الطَّلاَقِ:
18 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي النِّكَاحِ بِشَرْطِ الطَّلاَقِ:
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 283، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 2 / 239، وَالشَّرْح الصَّغِير مَعَ حَاشِيَةِ الصَّاوِي 2 / 387، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 457، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 183، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 645، وَالْبَحْر الرَّائِق 3 / 116، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى 5 / 128، وَالإِْنْصَاف 8 / 163، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 97
(2) الزُّرْقَانِيّ مَعَ حَاشِيَة الْبُنَانِيّ 3 / 190، وَحَاشِيَة العدوي عَلَى الرِّسَالَةِ 2 / 47 - 49، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 239.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ لاَ يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلاَقُ مُحَدَّدًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ كَشَهْرٍ أَوْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ بِمَجْهُولٍ كَأَنْ يَشْتَرِطَ طَلاَقَهَا إِنْ قَدِمَ أَبُوهَا مَثَلاً، لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ فَأَبْطَلَهُ، وَلأَِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ بَقَاءِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ.
وَذَهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ بِشَرْطِ الطَّلاَقِ صَحِيحٌ فَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ - مَثَلاً - جَازَ النِّكَاحُ، لأَِنَّ اشْتِرَاطَ الْقَاطِعِ يَدُل عَلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ مُؤَبَّدًا وَبَطَل الشَّرْطُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لاَ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ أَنْ لاَ يُسَافِرَ بِهَا (1)

الْعَاشِرُ: نِكَاحُ الْمُحَلِّل:
19 - نِكَاحُ الْمُحَلِّل يَتَأَتَّى فِي امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا فَلاَ تَحِل لِزَوْجِهَا الأَْوَّل إِلاَّ بِشُرُوطٍ هِيَ:
أ - أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ.
ب - أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ آخَرُ زَوَاجًا صَحِيحًا.
ج - أَنْ يَدْخُل بِهَا الزَّوْجُ الْجَدِيدُ دُخُولاً حَقِيقِيًّا بِأَنَّ تَغِيبَ حَشَفَتُهُ أَوْ قَدْرُهَا فِي فَرْجِهَا.
__________
(1) الْبَحْر الرَّائِق 3 / 116، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 1 / 283، وَالْبَدَائِع 2 / 273، وَانْظُرِ الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 646، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 183.

د - أَنْ يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ الآْخَرُ.
هـ - أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ (1)
وَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ صُوَرَ نِكَاحِ الْمُحَلِّل إِلَى أَقْسَامٍ مِنْهَا:

الأُْولَى: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شَرْطٍ إِذَا أَحَلَّهَا بِإِصَابَةٍ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل فَلاَ نِكَاحَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، لِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِل وَالْمُحَلَّل لَهُ (2) وَلِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: هُوَ الْمُحَلِّل، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ (3)
__________
(1) كِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 109، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 455، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 646، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 415 وَمَا بَعْدَهَا، وَابْن عَابِدِينَ 2 / 537 وَمَا بَعْدَهَا.
(2) حَدِيث: " لَعَنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحَل وَالْمُحَلِّل لَهُ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 419 ط الْحَلَبِيّ) ، وَقَال: هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح. وَصَحَّحَهُ ابْن الْقَطَّان وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ كَمَا فِي التَّلْخِيصِ الْحَبِيرِ (3 / 170 ط شَرِكَة الطِّبَاعَةِ الْفَنِّيَّةِ)
(3) حَدِيث: " ألا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (1 / 622 - 623 ط الْحَلَبِيّ) ، وَالْحَاكِم (2 / 199 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ النِّظَامِيَّة) وَصَحَّحَهُ.

وَلِمَا رَوَاهُ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ قَال: " سَمِعْتُ عُمَرَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ أُوتَى بِمُحِلٍّ وَلاَ مُحَلَّلٍ لَهُ إِلاَّ رَجَمْتُهُمَا " (1) وَلأَِنَّهُ إِلَى مُدَّةٍ أَوْ فِيهِ شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، بَل أَغْلَظُ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ أَحَدُهُمَا: جَهَالَةُ مُدَّتِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الإِْصَابَةَ فِيهِ مَشْرُوطَةٌ لِغَيْرِهِ فَكَانَ بِالْفَسَادِ أَخَصَّ.
وَلأَِنَّهُ نِكَاحٌ شُرِطَ فِيهِ انْقِطَاعُهُ قَبْل غَايَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلاً (2)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحَلِّل بِكُل صُوَرِهِ إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ تَحْرِيمًا إِذَا كَانَ بِشَرْطِ التَّحْلِيل كَأَنْ يَقُول: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى أَنْ أُحِلَّكِ لِلأَْوَّل، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ.
وَخَالَفَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَبُو يُوسُفَ فَيَرَى
__________
(1) أَثَر عُمَر: (وَاللَّه لاَ أَوُتَى. . . ". عَزَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ابْنُ قُدَامَة فِي الْمُغْنِي (9 / 55 ط هَجَرَ) إِلَى الأَْثْرَمِ وَأَخْرَجَهُ سَعِيد بْن مَنْصُور (الْقِسْم الثَّانِي مِنَ الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ / 51 ط عِلْمِي بِرَسٍّ) بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظِ.
(2) الْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 456، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 182، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 646، وَبُلُوغ الْمَرَام وَشَرْحه سُبُل السَّلاَمِ 3 / 246، وَكِفَايَة الأَْخْيَار 2 / 109، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 94.

فَسَادَ النِّكَاحِ فِيهَا لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ وَلاَ تَحِل لِزَوْجِهَا الأَْوَّل (1)

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَشْتَرِطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا لِلزَّوْجِ الأَْوَّل طَلَّقَهَا فَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَأَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهُ شَرْطٌ يَمْنَعُ دَوَامَ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ التَّأْقِيتَ. وَلِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِل وَالْمُحَلَّل لَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى صِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ وَبُطْلاَنِ الشَّرْطِ (2) ، لأَِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لاَ يُطَلِّقَهَا كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَلأَِنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ تَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إِذَا شُرِطَ فِيهِ الإِْحْلاَل أَوْ لاَ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَيَدْخُل كَمَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (3) } إِلاَّ أَنَّهُ كَرِهَ النِّكَاحَ بِهَذَا الشَّرْطِ، لأَِنَّهُ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ السَّكَنُ وَالتَّوَالُدُ وَالتَّعَفُّفُ، لأَِنَّ ذَلِكَ
__________
(1) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 2 / 540 وَمَا بَعْدَهَا.
(2) الْبَدَائِع 3 / 187، وَالشَّرْح الصَّغِير 3 / 413، وَالْحَاوِي 11 / 457، وَالإِْنْصَاف 8 / 161، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 94
(3) سُورَة الْبَقَرَة / 230

يَقِفُ عَلَى الْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: وَهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَعْنَى إِلْحَاقِ اللَّعْنِ بِالْمُحَلِّل فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا إِلْحَاقُ اللَّعْنِ بِالْمُحَلَّل لَهُ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَبَبٌ لِمُبَاشَرَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي هَذَا النِّكَاحَ، لِقَصْدِ الْفِرَاقِ وَالطَّلاَقِ دُونَ الإِْبْقَاءِ وَتَحْقِيقِ وَمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمُسَبِّبُ شَرِيكُ الْمُبَاشِرِ فِي الإِْثْمِ وَالثَّوَابِ فِي التَّسَبُّبِ لِلْمَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ.

ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ بَاشَرَ مَا يُفْضِي إِلَى الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ وَتَكْرَهُهُ مِنْ عَوْدِهَا إِلَيْهِ - أَيِ الْمَرْأَةِ - مِنْ مُضَاجَعَةِ غَيْرِهِ إِيَّاهَا وَاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَهُوَ الطَّلَقَاتُ الثَّلاَثُ، إِذْ لَوْلاَهَا لَمَا وَقَعَ فِيهِ فَكَانَ إِلْحَاقُهُ اللَّعْنَ بِهِ لأَِجْل الطَّلَقَاتِ (1)
وَقَدْ أَوَّل الْحَنَفِيَّةُ اللَّعْنَ الْوَارِدَ فِي شَأْنِ الْمُحَلِّل بِتَأْوِيلاَتٍ أُخْرَى مِنْهَا: أَنَّ اللَّعْنَ عَلَى مَنْ شَرَطَ الأَْجْرَ عَلَى التَّحْلِيل، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاللَّعْنُ عَلَى هَذَا الْحَمْل أَظْهَرُ، لأَِنَّهُ كَأَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى عَسْبِ التَّيْسِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَيُقَرِّبُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سَمَّى الْمُحَلِّل بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَزَّازِيِّ: أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَتِ الْمُطَلَّقَةُ نَفْسَهَا مِنَ الثَّانِي بِشَرْطِ أَنْ
__________
(1) الْبَدَائِع 3 / 187 - 188، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 457، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 183.

يُجَامِعَهَا وَيُطْلِقَهَا لِتَحِل لِلأَْوَّل قَال الإِْمَامُ: النِّكَاحُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ حَتَّى إِذَا أَبَى الثَّانِي طَلاَقَهَا أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ وَحَلَّتْ لِلأَْوَّل (1) .

الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَوَاطَأَ الْعَاقِدَانِ قَبْل الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا لِلزَّوْجِ الأَْوَّل طَلَّقَهَا ثُمَّ عَقَدَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّرْطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي إِلَى صِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، لِخُلُوِّهِ مِنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى طَلاَقَهَا لِغَيْرِ الإِْحْلاَل أَوْ مَا لَوْ نَوَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، وَلأَِنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَبْطُل بِمَا شُرِطَ لاَ بِمَا قُصِدَ (2) .
قَال مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا وَكَانَ مِسْكِينٌ أَعْرَابِيٌّ يَقْعُدُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لَهُ: هَل لَكَ فِي امْرَأَةٍ تَنْكِحُهَا فَتَبِيتَ مَعَهَا اللَّيْلَةَ، فَتُصْبِحَ فَتُفَارِقَهَا؟ فَقَال: نَعَمْ، وَكَانَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ إِذَا أَصْبَحْتَ
__________
(1) الْبَدَائِع 3 / 187، وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 2 / 540 - 541
(2) الْبَدَائِع 2 / 187، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ 2 / 540، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 457، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 183، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 646، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 95

فَإِنَّهُمْ سَيَقُولُونَ لَكَ فَارِقْهَا، فَلاَ تَفْعَل فَإِنِّي مُقِيمَةٌ لَكَ مَا تَرَى، وَاذْهَبْ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَوْهُ وَأَتَوْهَا، فَقَالَتْ: كَلِّمُوهُ أَنْتُمْ جِئْتُمْ بِهِ، فَكَلَّمُوهُ، فَأَبَى وَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ، فَقَال: الْزَمِ امْرَأَتَكَ فَإِنْ رَابُوكَ بِرَيْبٍ فَائْتِنِي، وَأَرْسَل إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي مَشَتْ فَنَكَّل بِهَا، ثُمَّ كَانَ يَغْدُو إِلَى عُمَرَ وَيَرُوحُ فِي حُلَّةٍ فَيَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَاكَ يَا ذَا الرُّقْعَتَيْنِ حُلَّةً تَغْدُو فِيهَا وَتَرُوحُ " (1) فَقَدْ أَمْضَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا النِّكَاحَ وَلَمْ يَرَ فِيهِ بَأْسًا حَيْثُ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ (2) .
إِلاَّ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَلأَِنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَكَّل بِالْمَرْأَةِ الَّتِي سَفَّرَتْ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ فِي الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ فَدَل عَلَى كَرَاهَتِهِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّ الرَّجُل الْمُحَلِّل مَأْجُورٌ فِيهِ إِذَا فَعَلَهُ لِقَصْدِ الإِْصْلاَحِ، لاَ مُجَرَّدَ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَنَحْوِهَا إِلاَّ
__________
(1) أَثَر ابْن سِيرِين: " أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا. . . ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ فِي الأُْمِّ (10 / 274 - ط دَار قُتَيْبَة) .
(2) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 647 - 648، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 457، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 95

أَنَّ السُّرُوجِيَّ أَوْرَدَ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، لأَِنَّ الثَّابِتَ عَادَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا، أَيْ فَيَصِيرُ شَرْطُ التَّحْلِيل كَأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِحَدِيثِ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِل وَالْمُحَلَّل لَهُ (1) وَلأَِنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيل فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ (2) قَال الدُّسُوقِيُّ: وَمَحَل فَسَادِ النِّكَاحِ إِذَا قَصَدَ الْمُحَلِّل تَحْلِيلَهَا مَا لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ مَنْ يَرَى صِحَّتَهُ كَشَافِعِيٍّ وَإِلاَّ كَانَ صَحِيحًا، لأَِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِل الاِجْتِهَادِيَّةِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ وَيُصَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا (3) .

الرَّابِعَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ قَبْل الْعَقْدِ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ فَنَوَى الْمُحَلِّل فِي الْعَقْدِ غَيْرَ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ كَأَنْ يَقْصِدَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، أَوْ نَوَى إِمْسَاكَهَا وَعَدَمَ فِرَاقِهَا إِنْ أَعْجَبَتْهُ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ خَلاَ عَنْ
__________
(1) حَدِيث: " لَعَنَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحَل. . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف 19
(2) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 2 / 258 - 259، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 413، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 645، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 94، وَالْحَاوِي الْكَبِير 11 / 457.
(3) مِنْ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ 2 / 258

شَرْطِ التَّحْلِيل وَنِيَّةِ التَّحْلِيل كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ. قَال الْحَنَابِلَةُ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَل حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيل وَلاَ أَنَّهُ نَوَاهُ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُحَلِّل إِنْ نَوَى التَّحْلِيل مَعَ نِيَّةِ إِمْسَاكِهَا عِنْدَ الإِْعْجَابِ بِأَنْ نَوَى مُفَارَقَتَهَا إِنْ لَمْ تُعْجِبْهُ وَإِمْسَاكَهَا إِنْ أَعْجَبَتْهُ فَإِنَّهُ لاَ يُحِلُّهَا وَهُوَ نِكَاحٌ فَاسِدٌ: لاِنْتِفَاءِ نِيَّةِ الإِْمْسَاكِ عَلَى الدَّوَامِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ النِّكَاحِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ (1) .

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى نِكَاحِ الْمُحَلِّل:

أَوَّلاً: حِل الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل:
20 - يَرَى مَنْ قَال بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّل حَسَبَ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ مِنْ حِل الاِسْتِمْتَاعِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَثُبُوتِ الإِْحْصَانِ وَالنَّسَبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْثَارِ.
وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ نِكَاحَ الْمُحَلِّل فَاسِدًا فِي الصُّوَرِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا فَيَثْبُتُ فِيهِ عِنْدَهُمْ سَائِرُ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَلاَ يَحْصُل بِهِ الإِْحْصَانُ وَلاَ الإِْبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الأَْوَّل.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِل لِلزَّوْجِ الأَْوَّل فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّل الْفَاسِدِ إِذَا
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 87 - 88، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 183، وَالْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ 4 / 187، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 258، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 413، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 648، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 95

ذَاقَتْ عُسَيْلَةَ الْمُحَلِّل وَذَاقَ عُسَيْلَتَهَا (1) .

ثَانِيًا: هَدْمُ الطَّلَقَاتِ:
21 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّل يَهْدِمُ طَلَقَاتِ الزَّوْجِ الأَْوَّل الثَّلاَثَ. وَالتَّفْصِيل فِي (تَحْلِيل ف 12) .

حَادِيَ عَشَرَ: نِكَاحُ الْمُحْرِمِ
22 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ لاَ يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ وَلِيًّا عَقَدَ النِّكَاحَ لِمَنْ يَلِيهِ أَوْ وَكِيلاً عَقَدَ النِّكَاحَ لِمُوَكِّلِهِ وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ (2) لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ وَلاَ يَخْطُبُ (3) . وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ يَتَزَوَّجُ الْمُحْرِمُ وَلاَ
__________
(1) الْحَاوِي للماوردي 11 / 458، وَالْمُغْنِي 6 / 649
(2) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 239، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ 135، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ 11 / 459 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 156 - 157، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 649، 3 / 332 - 333، وَكَشَّاف الْقِنَاع 2 / 441 - 443، وَالإِْنْصَاف 2 / 492
(3) حَدِيثُ: " لاَ يَنْكِحُ الْمُحَرَّم وَلاَ يَنْكِحُ وَلاَ يَخْطُبُ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1030 ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

يُزَوَّجُ (1) ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَنْ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ نَزَعْنَا مِنْهُ امْرَأَتَهُ " (2) ، وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مُحْرِمَيْنِ تَزَوَّجَا " (3) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ شَوْذَبٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَفَرَّقَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بَيْنَهُمَا " (4) وَلأَِنَّهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ الإِْحْرَامُ كَالْوَطْءِ (5) .
__________
(1) حَدِيث: " لاَ يَتَزَوَّجُ الْمُحَرَّم وَلاَ يُزَوِّجُ ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 261 ط دَار الْمَحَاسِن) مِنْ حَدِيثِ أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(2) أَثَر عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مِنْ تَزَوُّجٍ وَهُوَ مَحْرَم. . . ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (5 / 66 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)
(3) أَثَر عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ مُحْرِمَيْنِ تَزَوَّجَا ". أَخْرَجَهُ مَالِك (الْمُوَطَّأُ 1 / 349 ط الْحَلَبِيّ) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَطَفَانِ بْن طَرِيف الْمَرِّي أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوُّج امْرَأَةٍ وَهُوَ مَحْرَم فَر
(4) أَثَر شَوْذَب: " أَنَّهُ تَزَوُّجٌ وَهُوَ مَحْرَم. . . ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (5 / 66 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)
(5) الدُّسُوقِيّ 2 / 239، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 135، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 459 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 156، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 649، 3 / 332

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ: الاِعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ لاَ بِحَالَةِ الْوَكَالَةِ، فَلَوْ وَكَّل مُحْرِمٌ حَلاَلاً فَعَقَدَ النِّكَاحَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنَ الإِْحْرَامِ صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ لِوُقُوعِهِ حَال حِل الْوَكِيل وَالْمُوَكَّل، وَلَوْ وَكَّل حَلاَلٌ حَلاَلاً فَعَقَدَ الْوَكِيل النِّكَاحَ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ هُوَ أَوْ مُوَكِّلُهُ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْعَقْدِ. وَقِيل: يَصِحُّ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ثُمَّ أَحْرَمَ الْمُوَكِّل لَمْ يَنْعَزِل وَكِيلُهُ بِإِحْرَامِهِ، فَإِذَا حَل الْمُوَكِّل كَانَ لِوَكِيلِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ لَهُ لِزَوَال الْمَانِعِ، وَقِيل يَنْعَزِل.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: إِنْ زَوَّجَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ صَحَّ سَوَاءٌ كَانَ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلاً، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأَِنَّ النِّكَاحَ حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ، لِدَوَاعِي الْوَطْءِ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ فِي هَذَا النِّكَاحِ لِكَوْنِهِ وَلِيًّا لِغَيْرِهِ (1) .
وَنِكَاحُ الْمُحْرِمِ بِصُوَرِهِ الْمُخْتَلِفَةِ بَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ.
أَمَّا عِنْدُ الْمَالِكِيَّةِ فَهُوَ فَاسِدٌ وَيُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْبِنَاءِ بِطَلْقَةٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي مِنَ
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 2 / 442، وَالإِْنْصَاف 3 / 492، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 3 / 332 - 333

الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (1) .
وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ حَتَّى وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مُحْرِمَيْنِ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (2) . وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْبُضْعُ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الإِْحْرَامُ كَالرَّجْعَةِ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَقِيل تَنْزِيهًا، لأَِنَّ الْمُحْرِمَ فِي شُغُلٍ عَنْ مُبَاشَرَةِ عُقُودِ الأَْنْكِحَةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ شَغْل قَلْبِهِ عَنْ إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ خِطْبَةٍ وَمُرَاوَدَاتٍ وَدَعْوَةٍ وَاجْتِمَاعَاتٍ، وَيَتَضَمَّنُ تَنْبِيهَ النَّفْسِ لِطَلَبِ الْجِمَاعِ (3) .

ثَانِيَ عَشَرَ: نِكَاحُ الْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ:
23 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِكَاحِ الْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ:
__________
(1) الدُّسُوقِيّ 2 / 239، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص 135، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 459 وَمَا بَعْدَهَا، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج 3 / 649، وَكَشَّاف الْقِنَاع 2 / 441 - 443، وَالإِْنْصَاف 3 / 492
(2) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوُّج مَيْمُونَة وَهُوَ مَحْرَم ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (2 / 1031 ط الْحَلَبِيّ)
(3) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ 2 / 290 - 291، وَالْحَاوِي الْكَبِير للماوردي 11 / 459 وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 3 / 332

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ جَمِيعَ مَا أَحَل اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَرْبَعًا وَمَا دُونَهُنَّ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ (1) .
وَمِنْهَا قَوْل اللَّهِ تَعَالِي: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ (2) } وَلِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَال: " كَانَتِ ابْنَةُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ، فَحَدَثَ أَنَّهَا عَاقِرٌ لاَ تَلِدُ، فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يُجَامِعَهَا، فَمَكَثَتْ حَيَاةَ عُمَرَ وَبَعْضَ خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ لِتُشْرِكَ نِسَاءَهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ " (3) .
وَلأَِنَّ النِّكَاحَ مِنَ الْحَوَائِجِ الأَْصْلِيَّةِ لِلإِْنْسَانِ فَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْمَهْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ شَرْعًا، وَالْمَرِيضُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ
__________
(1) الْبَدَائِع 7 / 225، وَالأُْمّ لِلإِْمَامِ الشَّافِعِيّ 4 / 103 وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 326
(2) سُورَة النِّسَاء / 3
(3) أَثَر نَافِع مَوْلَى ابْن عُمَر: " كَانَتِ ابْنَة حَفْص بْن الْمُغِيرَة. . . ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ فِي الأُْمِّ (8 / 293 - ط دَار قُتَيْبَة)

صَرْفِ مَالِهِ إِلَى حَوَائِجِهِ الأَْصْلِيَّةِ كَثَمَنِ الأَْغْذِيَةِ وَالأَْدْوِيَةِ.
وَلأَِنَّهُ نِكَاحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ فَيَصِحُّ كَحَال الصِّحَّةِ، وَلأَِنَّ " عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ ثَلاَثَ نِسْوَةٍ أَصْدَقَ كُل وَاحِدَةٍ أَلْفًا لِيُضَيِّقَ بِهِنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيُشْرِكْنَهَا فِي مِيرَاثِهَا فَأُجِيزَ ذَلِكَ " (1) .
قَال الْجُمْهُورُ: وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ النِّكَاحِ ثَبَتَ كَذَلِكَ صِحَّةُ الصَّدَاقِ وَاسْتِحْقَاقُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إِرْثَ الآْخَرِ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَنَصَّ ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ مُضَارَّةً لِيُنْقِصَ إِرْثَ غَيْرِهَا وَأَقَرَّتْ بِهِ لَمْ تَرِثْهُ، وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَلاَ مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا.
وَقَال رَبِيعَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَالصَّدَاقُ وَالْمِيرَاثُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَلاَ فَرْقَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُل هُوَ الْمَرِيضَ أَمِ الْمَرْأَةُ (2) .
__________
(1) أَثَر عَبْد الرَّحْمَن بْن أَمِ الْحَكَم: " تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ ثَلاَثَ نِسْوَة. . . ". أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيّ فِي الأُْمِّ (8 / 293 - ط دَار قُتَيْبَة)
(2) الْبَدَائِع 7 / 225، وَالأُْمّ لِلشَّافِعِيِّ 4 / 103، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 326، وَالْفُرُوع لاِبْن مُفْلِح 5 / 48، وَالإِْنْصَاف 7 / 358

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ الدُّسُوقِيُّ أَنَّهُ يَتَّفِقُ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَنْعِ نِكَاحِ الزَّوْجَيْنِ إِذَا كَانَا مَرِيضَيْنِ مَرَضًا مُخَوِّفًا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْمَوْتُ عَادَةً. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا هَذَا الْمَرَضَ وَالآْخَرُ صَحِيحًا.
فَالْمَشْهُورُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ أَذِنَ الْوَرَثَةُ أَوِ احْتَاجَ الْمَرِيضُ إِلَيْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِهِ وَارِثًا.
وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ النِّكَاحُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ الْمَرِيضُ أَوْ أَذِنَ الْوَارِثُ وَهَذَا الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَعَلَى الأَْوَّل - وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ - لَوْ وَقَعَ النِّكَاحُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بِهِمَا مَعًا فُسِخَ قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ، فَإِنْ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ قَبْل الدُّخُول بِهَا فَلاَ صَدَاقَ لَهَا وَلاَ مِيرَاثَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الدُّخُول فَلَهَا الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى. وَلاَ مِيرَاثَ لَهُ مِنْهَا.
إِذَا مَاتَ الْمَرِيضُ الْمُتَزَوِّجُ فِي مَرَضِهِ الْمُخَوِّفِ قَبْل فَسْخِ النِّكَاحِ - سَوَاءٌ دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل - عَلَيْهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ: الأَْقَل مِنَ الْمُسَمَّى مِنْ صَدَاقِ الْمِثْل. . . وَأَمَّا إِذَا فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْل مَوْتِهِ وَقَبْل الدُّخُول فَلاَ شَيْءَ فِيهِ.
وَأَمَّا إِذَا فُسِخَ بَعْدَ الدُّخُول، ثُمَّ مَاتَ أَوْ

صَحَّ كَانَ لَهَا الْمُسَمَّى تَأْخُذُهُ مِنْ ثُلُثِهِ مَبْدَءًا إِنْ مَاتَ، وَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ صَحَّ (1) .
أَمَّا إِذَا صَحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا أَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُمَا يُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل، وَيَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ الصَّدَاقُ الَّذِي سَمَّى.
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَيُّ الزَّوْجَيْنِ مَرِيضًا مَرَضًا مُخَوِّفًا حَال عَقْدِ النِّكَاحِ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ لاَ يَتَوَارَثَانِ بِهِ إِلاَّ أَنْ يُصِيبَهَا فَلَهَا الْمُسَمَّى فِي ثُلُثِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَصَبَةِ.
وَقَال الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ: إِنْ قَصَدَ الإِْضْرَارَ بِوَرَثَتِهِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَإِلاَّ فَهُوَ صَحِيحٌ (2) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (مَرَضِ الْمَوْتِ ف 21) .

ثَالِثَ عَشَرَ: نِكَاحُ السِّرِّ:
أ - حَقِيقَةُ نِكَاحِ السِّرِّ:
24 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ
__________
(1) الشَّرْح الصَّغِير 2 / 427، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ 2 / 276
(2) الْمُدَوَّنَة الْكُبْرَى 2 / 246 - 247، وَالشَّرْح الصَّغِير عَلَى أَقْرَبَ الْمَسَالِك 2 / 387، 426، 427، وَمَوَاهِب الْجَلِيل لِلْحَطَّابِ 3 / 450، 481، 482، وَالدُّسُوقِيّ 2 / 240، 276، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 326

وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نِكَاحَ السِّرِّ هُوَ مَا لَمْ يَحْضُرْهُ الشُّهُودُ، أَمَّا مَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ فَهُوَ نِكَاحُ عَلاَنِيَةٍ لاَ نِكَاحَ السِّرِّ، إِذِ السِّرُّ إِذَا جَاوَزَ اثْنَيْنِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ سِرًّا، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّتِهِ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (1) ، مَفْهُومُهُ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الإِْظْهَارُ، وَلأَِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ إِظْهَارُهُ كَالْبَيْعِ.
وَأَخْبَارُ الإِْعْلاَنِ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ مِثْل: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ (2) ، يُرَادُ بِهَا الاِسْتِحْبَابُ، بِدَلِيل أَمْرِهِ فِيهَا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالصَّوْتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَهُوَ الإِْعْلاَنُ. أَوْ يُحْمَل الأَْمْرُ بِالإِْعْلاَنِ فِي النِّكَاحِ عَلَى أَنْ يَكُونَ إِعْلاَنُهُ بِالشَّهَادَةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَكْتُومًا مَا شَهِدَ بِهِ شُهُودٌ، أَمْ كَيْفَ يَكُونُ مُعْلَنًا مَا خَلاَ مِنْ بَيِّنَةٍ وَشُهُودٍ؟
__________
(1) حَدِيث: " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بَوْلِي وَشَاهِدِي عَدَل ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ (7 / 125 ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة، وَقَال المناوي فِي فَيْض الْقَدِير (6 / 438) : قَال الذَّهَبِيّ فِي الْمُهَذَّبِ: إِسْنَادُهُ صَحِيح
(2) حَدِيث: " أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاح وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (3 / 389 - 390 ط الْحَلَبِيّ) ، ثُمَّ قَال التِّرْمِذِيّ عَنْ أَحَدِ رُوَاته وَهُوَ عِيسَى بْن مَيْمُون: يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ

وَلأَِنَّ إِعْلاَنَ النِّكَاحِ وَالضَّرْبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لاَعْتُبِرَ حَالَةَ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
وَأَمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ فَالْمُرَادُ بِهِ النِّكَاحُ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْهُ الشُّهُودُ بِدَلِيل " أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إِلاَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَقَال: هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ، وَلاَ أُجِيزُهُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهِ لَرَجَمْتُ " (1) . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ طَرِيقَتَانِ:

الأُْولَى: طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَهِيَ اسْتِكْتَامُ غَيْرِ الشُّهُودِ كَمَا لَوْ تَوَاصَى الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى كَتْمِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى الشُّهُودَ بِذَلِكَ أَمْ لاَ.

الثَّانِيَةُ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَهِيَ مَا أَوْصَى الشُّهُودَ عَلَى كَتْمِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى غَيْرَهُمْ عَلَى كَتْمِهِ أَمْ لاَ.
وَلاَ بُدَّ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي هُوَ الزَّوْجَ سَوَاءٌ انْضَمَّ لَهُ غَيْرُهُ كَالزَّوْجَةِ أَمْ لاَ.
__________
(1) أَثَر عُمَر: " أَنَّهُ أَتَى بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ، إِلاَّ رَجُل وَامْرَأَة ". أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (2 / 535 ط الْحَلَبِيّ)

وَهَذَا بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْكِتْمَانُ بِسَبَبِ خَوْفٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ خَوْفٍ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ نَحْوِهِ كَأَنْ يَأْخُذَ الظَّالِمُ مَثَلاً مَالاً أَوْ غَيْرَهُ فَالْوَصِيَّةُ عَلَى كَتْمِهِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ نِكَاحَ سِرٍّ أَيْضًا إِذَا كَانَ الإِْيصَاءُ بِكَتْمِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ (1) .

ب - حُكْمُ نِكَاحِ السِّرِّ:
25 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِنَاءً عَلَى حَقِيقَةِ نِكَاحِ السِّرِّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لِعَدَمِ الإِْشْهَادِ عَلَيْهِ لِخَبَرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (2) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحِ ف 16) .
وَأَمَّا نِكَاحُ السِّرِّ حَسَبَ حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَحُكْمُهُ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْل الدُّخُول كَمَا يُفْسَخُ أَيْضًا إِذَا دَخَل وَلَمْ يُطِل، فَإِنْ دَخَل وَطَال لَمْ يُفْسَخْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَال: يُفْسَخُ بَعْدَ الدُّخُول وَالطُّول، وَالطُّول فِي
__________
(1) بَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 253، وَالْحَاوِي 11 / 86، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 66، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 236، 237، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 382، وَالْمُغْنِي 6 / 538
(2) حَدِيث: " لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيّ. . . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه ف 24

وَقْتِ نِكَاحِ السِّرِّ يَعُودُ إِلَى الْعُرْفِ، لاَ بِوِلاَدَةِ الأَْوْلاَدِ وَهُوَ مَا يَحْصُل فِيهِ الظُّهُورُ وَالاِشْتِهَارُ عَادَةً.
وَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلاَقٍ لأَِنَّهُ مِنَ الأَْنْكِحَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَيُعَاقَبُ الزَّوْجَانِ فِي نِكَاحِ السِّرِّ إِنْ دَخَلاَ وَلَمْ يُعْذَرَا بِجَهْلٍ وَلَمْ يَكُونَا مَجْبُورَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلاَ أَوْ دَخَلاَ وَلَكِنْ عُذِرَا بِالْجَهْل فَلاَ عِقَابَ عَلَيْهِمَا، وَلاَ عِقَابَ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ إِذَا كَانَا مَجْبُورَيْنِ وَحِينَئِذٍ الْعِقَابُ عَلَى وَلِيِّهِمَا.
وَيُعَاقَبُ كَذَلِكَ الشُّهُودُ إِنْ حَصَل دُخُولٌ وَلَمْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ وَلَمْ يَكُونُوا مَجْبُورِينَ عَلَى الْكِتْمَانِ (1) .
وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ يُونُسَ أَنَّهُ سَأَل ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ نَكَحَ سِرًّا وَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ فَقَال: إِنْ مَسَّهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَاعْتَدَّتْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَعُوقِبَ الشَّاهِدَانِ بِمَا كَتَمَا مِنْ ذَلِكَ، وَلِلْمَرْأَةِ مَهْرُهَا، ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا حِينَ تَنْقَضِي عَدَّتُهَا نَكَحَهَا عَلاَنِيَةً. . . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسَّهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلاَ صَدَاقَ لَهَا وَنَرَى أَنْ يُنَكِّلَهُمَا الإِْمَامُ
__________
(1) الدُّسُوقِيّ 2 / 236 - 237، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 283 - 284، وَالْمُدَوَّنَة الْكُبْرَى 2 / 194، وَالْحَاوِي الْكَبِير 11 / 84 - 86، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة 6 / 538، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 66، وَبَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 253

بِعُقُوبَةٍ وَالشَّاهِدَيْنِ بِعُقُوبَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ نِكَاحُ السِّرِّ (1) وَنِكَاحُ السِّرِّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَعَ صِحَّتِهِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ عُقِدَ النِّكَاحُ بَوْلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ فَأَسَرُّوهُ أَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَّ النِّكَاحُ. وَمِمَّنْ كَرِهَ نِكَاحَ السِّرِّ الْمُوصَى فِيهِ بِالْكِتْمَانِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعُرْوَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ. وَبِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (2) . وَإِلَى عَدَمِ صِحَّةِ نِكَاحِ السِّرِّ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ الشُّهُودَ بِكِتْمَانِهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (3) .

رَابِعَ عَشَرَ: نِكَاحُ الْمَحَارِمِ:
26 - مُحَرَّمَاتُ النِّكَاحِ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ،
__________
(1) الْمُدَوَّنَة الْكُبْرَى 2 / 194.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 2 / 253، وَالْحَاوِي 11 / 86، وَكَشَّاف الْقِنَاع 5 / 66، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 2 / 236، 237، وَالشَّرْح الصَّغِير 2 / 382، وَالْمُغْنِي 6 / 538
(3) الْمُغْنِي 6 / 538

وَمِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ) .

أوقات النهي أوقات النهي عن الصلاة خمسة، وهي

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

أوقات النهي
* أوقات النهي عن الصلاة خمسة، وهي:
1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)). متفق عليه (¬1).
2 - عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب. أخرجه مسلم (¬2).
* تجوز صلاة النفل بعد العصر إذا كانت الشمس بيضاء نقية مرتفعة.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة. أخرجه أبو داود والنسائي (¬3).
* يجوز قضاء الفرائض في تلك الأوقات الخمسة، وركعتي الطواف، وما له سبب كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف ونحو ذلك.
* يجوز للمعذور قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، وسنة الظهر بعد صلاة العصر.
* تجوز الصلاة في المسجد الحرام في كل وقت.
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)). أخرجه الترمذي وابن ماجه (¬4).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (586)، ومسلم برقم (827)، واللفظ له.
(¬2) أخرجه مسلم برقم (831).
(¬3) صحيح/أخرجه أبو داود برقم (1274) وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (1135). وأخرجه النسائي برقم (573)، صحيح سنن النسائي رقم (558).
(¬4) صحيح/ أخرجه الترمذي برقم (868)، صحيح سنن الترمذي رقم (688). وأخرجه ابن ماجه برقم (1254)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (1036).

النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها:
1 - عن عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإن أُعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنتَ عليها .. )). متفق عليه (¬1).
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعْم المرضعة وبِئْست الفاطمة)). أخرجه البخاري (¬2).
3 - عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين: أمِّرنا يا رسول الله، وقال الآخر مثله، فقال: ((إنا لا نوليِّ هذا من سأله ولا من حرص عليه)). متفق عليه (¬3).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7147)، واللفظ له، ومسلم برقم (1652).
(¬2) أخرجه البخاري برقم (7148).
(¬3) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (7149)، واللفظ له، ومسلم ((في كتاب الإمارة)) برقم (1733)

البيوع المنهي عنها

موسوعة الفقه الإسلامي

البيوع المنهي عنها
- أنواع المحرمات:
المحرمات في الشرع نوعان:
1 - المحرمات من الأعيان: وهي كل محرم لذاته كالميتة .. والدم .. ولحم الخنزير .. والخبائث .. والنجاسات ونحوها.
2 - المحرمات من التصرفات: وهي كل معاملة تخالف الشرع كالربا .. والميسر .. والقمار .. والغش .. والاحتكار .. والغرر ونحو ذلك مما فيه ظلم للعباد، وأكل لأموال الناس بالباطل.
فالأول تعافه النفس بطبعها، والثاني تشتهيه النفس، فاحتاج إلى رادع وزاجر، وعقوبة تمنع من الوقوع فيه.
1 - قال الله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}} [المائدة:90 - 91].
2 - وقال الله تعالى: {{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)}} [البقرة:173].

4 - البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي

موسوعة الفقه الإسلامي

4 - البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي
1 - بيع الربا:
1 - قال الله تعالى: {{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}} [البقرة:275].
2 - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - آكِلَ الرّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ». أخرجه مسلم (¬1).
2 - البيع بثمن محرم:
لا يجوز ولا يصح البيع بثمن محرم كالخمر والخنزير ونحوهما.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكّةَ: «إنّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ». متفق عليه (¬2).
وغير ذلك مما سبق من البيوع المحرمة.
- حكم القات:
القات شجرة من الأشجار المتوسطة، تمضغ أوراقها اللينة التي في أطرافها، فتسبب الفتور أحياناً، والنشاط أحياناً.
وفي أكلها إضاعة للأوقات التي هي أهم رأس مال المسلم، وإضاعة الأموال فيما لا نفع فيه، وتعطيل المسلم عن أداء الصلوات في أوقاتها، وإهدار للطاقات والأوقات والأموال، وذلك كله من التبذير الذي نهى الله ورسوله عنه.
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (1598).
(¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (4296) , ومسلم برقم (1581) , واللفظ له.

حسان بن النعمان ينهي الوجود البيزنطي في شمال أفريقيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حسان بن النعمان ينهي الوجود البيزنطي في شمال أفريقيا.
81 - 700 م
بعد أن هزم المسلمون أمام البربر وتسلط البيزنطيون على قرطاجنة بقي حسان بن النعمان في قصور حسان حتى أتاه المدد من عبدالملك وأمره بالتحرك فتحرك حسان إلى الكاهنة ومن معها فتقابلوا في قابس وتغلب عليها حسان وتم سيره إلى باقي أنحاء أفريقيا.

قوات المغرب الأقصى تعبر الصحراء الكبرى لتنهي إمبراطورية سنغاي غربي أفريقيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قوات المغرب الأقصى تعبر الصحراء الكبرى لتنهي إمبراطورية سنغاي غربي أفريقيا.
1004 - 1595 م
لقد بلغت إمبراطورية سنغاي أوجها في عهد الأسقيين وأبرزهم محمد الكبير وابنه داود، وقد كانت إمبراطوريتهم انتشرت وتوسعت حتى وصلت إلى مالي ومشارف المجيد ولامست الصحراء الكبرى، وانتصروا على الموسي ومالي والطوارق وبني حسان، حتى جاء أحمد الذهبي زعيم السعديين في المغرب الأقصى وجهز جيشا ليس بالكبير وكان مؤلفا من ثلاثة آلاف جندي مات أكثر من نصفهم في طريقهم إلى السنغاي بسبب سوء الأحوال وما أصابهم في الطريق من مشقات، ثم استطاع هذا الأمير بمن بقي معه أن يدخلوا عاصمة سنغاي غاو ودمروا العاصمة واحتلوا تمبكتو وغوغو أيضا فتراجع فيها تألق الإسلام وبقي سلاطين المغرب محتفظين بممتلكاتهم فيها حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، أما من بقي من الأسرة الحاكمة الإسقية فبقوا يحكمون على رأس دولة قليلة الشأن في المناطق الجنوبية التي لم يطلها الاحتلال.

ليبيد وأصلان يوقعان إعلانا، يرجئ تحديد وضع الشيشان لمدة خمس سنوات، وينهي 20 شهرا من الحرب ..

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ليبيد وأصلان يوقعان إعلاناً، يرجئ تحديد وضع الشيشان لمدة خمس سنوات، وينهي 20 شهراً من الحرب ..
1417 ربيع الثاني - 1996 م
عندما أعيت المقاومة الشيشانية القوات الروسية، لجأ الرئيس الروسي بوريس يلتسين إلى جنراله ألكسندر ليبيد من أجل التوصل لتسوية سياسية، تنهي عجلة الحرب هناك بأقل خسائر ممكنة. ففي يوم 31 أغسطس 1996م، وبعد مفاوضات مع ألكسندر ليبيد، سكرتير مجلس الأمن الروسي السابق، وقع أصلان مسخادوف ما يُعرف باتفاقيات "خسف يورت"، التي كان يُفترض أن توقف القتال ضد القوات الروسية. وتبعت ذلك اتفاقية على المبادئ المنظمة للعلاقات بين جمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الشيشان، وقعها مسخادوف يوم 23 نوفمبر 1996م.

205 - أميري بن بختيار، الفقيه الزاهد، أبو محمد الأشنهي الشافعي قطب الدين،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

205 - أميري بن بَخْتِيَار، الفقيه الزّاهد، أَبُو مُحَمَّد الْأُشْنُهيّ الشَّافِعِيّ قطبُ الدين، [المتوفى: 614 هـ]
نزيل إربل. -[405]-
إمامٌ زاهدٌ، ورعٌ، عالمٌ، عاملٌ، تُوُفِّي في جمادى الآخرة، وله سبعون سنة.
حدَّث عن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بن مُحَمَّد المَوْصِليّ.
وأُشنُه: قرية بِأَذْرَبِيجَان - إن شاء الله - مضمومة الهمزة والنون.

ـ النهي نحو قول الشاعر

موسوعة النحو والصرف والإعراب

أتقول: أفّ للّتي
...
حملتك ثمّ رعتك دهرا؟

تحفة الحبائب بالنهي عن صلاة الرغائب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تحفة الحبائب، بالنهي عن صلاة الرغائب
ورقتان.
لقطب الدين: محمد بن محمد الخيضري، الشافعي، مفتي الشام.
أوله: (الحمد لله وسلام على عباده ... الخ) .
ألفه: سنة تسع وثمانين وثمانمائة.

تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تحقيق المراد، في أن النهي يقتضي الفساد
للشيخ، شهاب الدين: أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي.
المتوفى: سنة 805، خمس وثمانمائة.

تذكرة الأنام في النهي عن القيام

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تذكرة الأنام، في النهي عن القيام
للقاضي، عز الدين: عبد الرحيم بن محمد بن الفرات القاهري.
المتوفى: سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.

كتاب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

كتاب: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر
للشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن المقدسي.
المتوفى: سنة 856، ست وخمسين وثمانمائة.
أتمه في: شهر ربيع الأول، سنة 853، ثلاث وخمسين وثمانمائة.

كتاب: النهي عن سب الأصحاب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

كتاب: النهي عن سب الأصحاب
للحافظ، ضياء الدين: محمد المقدسي.
المتوفى: سنة 643.
البُيوعُ المَمْنوعَةُ في الشَّرْعِ.
Prohibited sale transactions: Sale transactions that are prohibited under Shariah.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت