نتائج البحث عن (-سنة أربع عشرة) 12 نتيجة

-سَنَة أربَع عَشرَة
فيها فُتِحت دمشق، وحمص، وبعلبك، والبصرة، والأُبُلَّة، ووقعة جسر أبي عُبَيْد بأرض نجران، ووقعة فِحْلٍ بالشام، في قول ابن الكلبي.
فأمّا دمشق فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ خَالِدٌ عَلَى النَّاسِ فَصَالَحَ أَهْلَ دِمَشْقَ، فَلَمْ يَفْرُغْ مِنَ الصُّلْحِ حَتَّى عُزِلَ وَوُلِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَأَمْضَى صُلْحَ خَالِدٍ وَلَمْ يُغَيِّرَ الْكِتَابَ.
وَهَذَا غَلَطٌ؛ لأَنَّ عُمَرَ عَزَلَ خَالِدًا حِينَ ولي. قاله خليفة بن خياط، وقال: حدثني عبد الله بْن المُغِيرَة، عَنْ أبيه قَالَ: صالحهم أَبُو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم، وأن لا يمنعوا من أعيادهم.
وَقَالَ ابن الكلبي: كان الصلح يوم الأحد للنّصف من رجب سنة أربع عشرة، صالحهم أبو عبيدة.
وَقَالَ ابن إسحاق: صالحهم أَبُو عبيدة في رجب.
وَقَالَ ابن جرير: سار أَبُو عبيدة إلى دمشق، وخالد على مقدمة النَّاس، وقد اجتمعت الروم على رجل يقال له: باهان بدمشق، وكان عُمَر عزل خالدًا واستعمل أبا عبيدة على الجميع، والتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثُمَّ هزم الله الروم، ودخلوا دمشق وغلَّقوا أبوابها، ونازلها المسلمون حتى فُتِحت، وأعطُوا الجزْية، وكان قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالدٍ، فاستحيا أَبُو عبيدة أن يقرئ خالدًا الكتاب حتى فتحت دمشق وجرى الصلح على يدي خالد، وكُتِب الكتابُ باسمه، فلمّا صالحتْ دمشقُ لحق باهان بصاحب الروم هرقل. وقيل: كان حصار دمشق أربعة أشهر.
وَقَالَ محمد بْن إسحاق: إن عُمَر كان واجدًا على خالد بْن الوليد -[74]- لقتْله ابن نُوَيْرة، فكتب إلى أبي عبيدة أن أنزع عمامته وقاسمه ماله، فلما أخبره قَالَ: مَا أنا بالذي أعصي أمير المؤمنين، فاصنع مَا بدا لك، فقاسمه حتى أخذ نعله الواحدة.
وَقَالَ ابن جرير: كان أوّلّ محصورٍ بالشام أهل فِحْلٍ ثُمَّ أهل دمشق، وبعث أَبُو عبيدة ذا الكلاع حتى كان بين دمشق وحمص ردءًا، وحصروا دمشق، فكان أَبُو عبيدة على ناحيةٍ، ويزيد بْن أبي سُفْيَان على ناحية، وعمرو بْن العاص على ناحية، وهرقل يومئذ على حمص، فحاصروا أهلَ دمشق نحوًا من سبعين ليلةً حصارًا شديدًا بالمجانيق، وجاءت جنود هِرَقْلَ نجدةً لدمشق، فشغلتها الجنود التي مع ذي الكلاع، فلمّا أيقن أهل دمشق أنّ الأمداد لَا تصل إليهم فشِلُوا ووَهِنُوا.
وكان صاحب دمشق قد جاءه مولودٌ فصنع طعامًا واشتغل يومئذ، وخالد بن الوليد لَا ينام ولا يُنِيم قد هيّأ حبالًا كهيئة السلالم، فلما أمسى هيّأ أصحابه وتقدم هو وَالْقَعْقَاعُ بنُ عمرو، ومذعور بْن عدي وأمثالهم، وقالوا: إذا سمعتم تكبيرنا على السُّور فارقوا إلينا وانْهَدُوا الباب. قَالَ: فلمّا انتهى خالد ورُفقاؤه إلى الخندق رموا بالحبال إلى الشُّرف، وعلى ظهورهم القرب التي سبحوا بها في الخندق، وتسلق القعقاع ومذعور فلم يدعا أحبولة إلا أثبتاها في الشُّرَف، وكان ذلك المكان أحصن مكانٍ بدمشق، فاستوى على السُّور خلقٌ من أصحابه ثم كبروا، وانحدر خالد إلى الباب فقتل البوابين، وثار أهل البلد إلى مواقفهم لَا يدرون مَا الشأن، فتشاغل أهلُ كل جهةٍ بما يليهم، وفتح خالد الباب ودخل أصحابه عَنوةً، وقد كان المسلمون دَعَوْهم إلى الصلح والمشاطرة فأبّوْا، فلمّا رأوا البلاء بذلوا الصلح، فأجابهم من يليهم وقبلوا، فقالوا: ادخلوا وامْنعونا من أهلِ ذاك الباب، فدخل أهل كل باب بصلح ما يليهم، فالتقى خالد والأمراء في وسط البلد، هذا استعراضًا ونَهْبًا، وهؤلاء صُلْحًا، فأجروا ناحية خالد على الصلح بالمقاسمة. وكتب إلى عُمَر بالفتح. -[75]-
وكتب عُمَر إلى أبي عبيدة أن يجهز جيشًا إلى العراق نجدةً لسعد بْن أبي وقاص، فجهز له عشرة آلافٍ عليهم هاشم بْن عُتْبَة، وبقي بدمشق يزيد بْن أبي سُفْيَان في طائفة من أمداد اليمن، فبعث يزيد دِحْيَةَ بْن خليفة الكلبيّ في خيلٍ إلى تدمر، وأبا الأزهر إلى البَثْنِيَّةِ وحَوْرَان فصالحهم، وسار طائفةٌ إلى بيْسان فصالحوا.
وفيها كان سعد بْن أبي وقاص فيما ورد إلينا على صدقات هوازن، فكتب إليه عُمَر بانتخاب ذي الرأي والنجدة ممن له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد: إنّي قد انتخبت لك ألف فارس، ثم قدم عليه فأمّره على حرب العراق، وجهزه في أربعة آلاف مقاتل، فأبى عليه بعضُهم إلا المسيرَ إلى الشام، فجهزهم عُمَر إلى الشام.
ثُمَّ إن عُمَر أمدّ سعدًا بعد مسيره بألفيّ نجدي وألفي يماني، فشتا سعد بزَرُود، وكان الْمُثَنَّى بْن حارثة على المُسْلِمين بما فتح الله من العراق، فمات من جراحته التي جرحها يوم جسر أبي عُبَيْد، فاستخلف المثني على النَّاس بشير بْن الخصاصيّة، وسعد يَوْمَئِذٍ بزرود، ومع بشير وفود أهل العراق. ثُمَّ سار سعد إلى العراق، وقدم عليه الأشعث بْن قيس في ألفٍ وسبعمائة من اليمانيين.

-سنة أربع عشرة ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ فِي قَوْلِ شُعْبَةَ، وَعَطَاءُ بْنُ أبي رباح على الصّحيح، وعلي بْنُ رَبَاحٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ، وَيَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ الْحَضْرَمِيُّ قَاضِي مِصْرَ.
وَفِي أَوَّلِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامٌ أَخَاهُ مُسْلِمَةَ عَنْ أَذْرَبَيْجَانَ وَالْجَزِيرَةِ بِابْنِ عَمِّهِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ مَرْوَانُ بِجَيْشِهِ حَتَّى جَاوَزَ نَهْرَ الزَّمِّ، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَأَغَارَ عَلَى الصَّقَالِبَةِ.
وَفِيهَا غَزَا الْجُنَيْدُ الْمُرِّيُّ بِلادَ الصَّغَانِيَانِ مِنَ التُّرْكِ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ بِلادَ الروم وأسر -[204]- الْمُسْلِمُونَ قُسْطَنْطِينَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهَا وُلِّيَ إِمْرَةَ الْمَغْرِبِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ السَّلُولِيُّ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا تِسْعَ سِنِينَ، وَكَانَ خَبِيرًا حَازِمًا وَشَاعِرًا كَاتِبًا، وَهُوَ الَّذِي بَنَى جَامِعَ تُونُسَ، وَقَدْ وُلِّيَ إِمْرَةَ دِيَارِ مِصْرَ قُبَيْلَ هَذَا، وَمِنْهَا سَارَ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مِصْرَ وَلَدَهُ الْقَاسِمَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَمْلَكَةِ الأَنْدَلُسِ عُقْبَةَ بْنَ حَجَّاجٍ وَصَرَفَ عَنْبَسَةَ. وَافْتَتَحَ فِي أَيَّامِهِ عِدَّةَ فُتُوحَاتٍ، وَأَوْطَأَ الْبَرْبَرُ خَوْفًا وَهَوَانًا وَذُلا، وَكَانَ مُقَدَّمَ جُيُوشِهِ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيُّ.

-سنة أربع عشرة ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع عشرة ومائتين
فيها توُفّي حسين بن محمد المروذي ببغداد، وأحمد بن خالد الوهبي بحمص، وعبد الله بن عبد الحكم الفقيه بمصر، وسعيد بن سلام العطّار بالبصرة، ومحمد بن حُمَيد الطُّوسيّ الأمير، قُتِل في حرب الخُرَّمِيّة، وأبو الدّاري أمير اليمن قُتِل أيضًا، وعُمَيْر الباذَغيسي نائب مصر خلافةً عن المعتصم قتل بالحوف في حرب ابن حلبس وعبد السّلام، فسار أبو إسحاق المعتصم بنفسه إليهما فظفر بهما وقتلهما.
وفيها خرج بلال الشاري وقويت شوكته، فسار لحربه هارون بن خلف فظفر به هارون وقتله.
وفيها ولي أصبهان وآذَرْبيجان والجبال وحرب بابك عليُّ بن هشام، فواقَعَ بابَكَ غير مرّة.

-سنة أربع عشرة وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع عشرة وثلاثمائة
فيها نزح أهل مكة منها خوفًا من قرب القَرْمَطيّ.
وفيها دخلت الروم مَلَطْية بالسيف، فقتلوا وسبوا، وبقوا بها أيّامًا.
وفيها: جمدت دِجلة بالموصل، وعبرت عليها الدّوابّ، وهذا لم يعهد، وسقطت ثلوج كثيرة ببغداد.
وردّ حُجّاج خُراسان خوفًا من القَرْمَطيّ، ولم يحجّ الركب العراقي في هذين العامين.
وفيها: قبض عَلَى الوزير ابن الخصيب لاشتغاله باللهو واختلال الدولة، وأحضر الوزير عليّ بْن عيسى فأعيد إلى الوزارة.
وفيها: أطلق الوزير أبو القاسم عَبْد اللَّه بْن محمد بْن عُبَيْد بْن يحيى بْن خاقان من حبس ابن الخصيب الوزير، وحمل إلى منزله، فمات في رجب.
وفيها: جاشت الروم وأتت إلى مَلَطْية فنازلوها، وخربوا القرى، واشتدّ القتال عليها أيّامًا، ثمّ ترحلوا عنها. فذهب أكابرها إلى السلطان يطلبون الغوث، فعادوا بغير إغاثة.
وفيها: صُرف عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق الجوهريّ عَنِ القضاء، وولي أبو عثمان أحمد بْن إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بْن حمّاد بْن زيد. ولّاهُ أخوه هارون، وكان إِلَيْهِ قضاء مصر، فبعث أخاه من جهته.

-سنة أربع عشرة وأربعمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع عشرة وأربعمائة
سار السّلطان مشرّف الدّولة مُصعدا إلى بغداد مِن ناحية واسط، ورُوسل القادر بالله في البروز لِتَلَقّيه، فتلقّاه مِن الزّلاقة، ولم يكن تَلَقَّى أحدًا مِن الملوك قبله. فركب في الطّيّار، وعن جانبه الأيْمَن الأمير أبو جعفر، وعن يَساره الأمير أبو القاسم، وبين يديه أَبُو الْحَسَن علي بْن عَبْد الْعَزِيز، وحوالي القُبة الشريف أَبُو القاسم المرتضي، وأبو الحَسَن الزَّيْنبيّ، وقاضي القُضاة ابن أبي الشّوارب، وفي الزّبازب المُسودة مِن العبّاسييّن، والقُضاة، والقُرَّاء، والعلماء، ونزل مشرّف الدّولة في زَبْزَبه بخَوَاصه وصعد إلى الطّيّار، فقبَّل الأرض، وأجلس عَلَى كُرسي، وسأله الخليفة عَنْ خبره وكيف حاله، والعسكر واقفٌ بأسره عَلَى شاطئ دِجلة، والعامّة في الجانبين. ثم قام شرف الدولة فنزل إلى زبزبه، وأصعد الطيار.
وفيها ورد كتابُ يمين الدولة محمود بن سُبُكتكين إلى القادر يذكر أنّه أوغل في بلاد الهند حتّى جاء إلى قلعةٍ فيها ستّمائة صنم، وقال: أتيتُ قلعةً لَيْسَ لها في الدّنيا نظير، وما الظّنُّ بقلعة تَسَعُ خمسمائة فيْل، وعشرين ألف دابّة، وتقوم لهؤلاء بالعُلُوفة. وأعان الله حتّى طلبوا الأمان، فأمّنتُ مِلكَهم وأقْررتُه عَلَى ولايته بخراج ضُرب عَليْهِ، وأنفذ هدايا كثيرة وفيَلَة، ومن ذَلِكَ طائر عَلَى شكْل القُمري إذا حضر عَلَى الخِوان وكان فيه شيءٌ مسموم دمعتْ عينُهُ وجرى منها ماء وتحجّر، ويُحك فيُطْلَى بما تحلّل مِن دمعه المتحجر الجراحات الكبار فيلحمها، فقُبلت هديته، وانقلب العبدُ بنعمةٍ مِن الله وفضل.
قلتُ: وهذه وقعة باردين، وهي مِن الملاحم الكِبار، بلغت راية الإسلام في الهند إلى مكان لم تبلغْه قطّ، ووُجد في بيت بذّ عظيم حجر منقوش، دلّت كتابته عَلَى أنّه مَبْنيُّ من أربعين ألف سنة. فقضى السّلطان والناسُ من جهلِ القوم عَجَبا، إذ كَانَ بعضُ أهل الشّريعة يقولون: إنّ مدَّة الدّنيا سبعة آلاف سنة، وعاد السلطان بتلك الغنائم حتى كان عدد الأرقّاء يزيد عَلَى عدد -[182]- الدَّهْماء، ونزلت قَيمُهُم حتّى اقتناهم أرباب المِهَن الخاملة.
وفيها استوزر مؤيَّد المُلْك أبا القاسم المغربيّ الوزير.
وحجّ بالعراقييّن أبو الحَسَن محمد بْن الحَسَن الأقساسيّ، وعاد عَلَى درْب الشّام لفساد الدّرْب العراقيّ، فأكرمهم والى الرملة، ونفَّذ لهم الظّاهر مِن مصر ذَهَبًا وخِلَعًا، فقبِل ذَلِكَ أميرُ الرّكْب، وساروا إلى بغداد، فتألّم القادر وهَمَّ بالأقساسيّ، وسبّ صاحب مصر وطعن في نَسَبهم، وقال: إنما أصلهم يهود. ثمّ أُحرِقت الخِلَع بباب النوبي.

-سنة أربع عشرة وخمسمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع عشرة وخمسمائة
فيها خُطب للسُّلطان سَنْجَر ولابن أخيه السّلطان محمود معًا في موضعٍ واحد، وسُميّ كلُّ واحدٍ شاهنشاه، ولُقّب سَنْجَر: عضُد الدّولة، ولُقّب محمود: جلال الدولة.
وفي صَفَر نُقل أبو الفتوح حمزة بْن عليّ مِن الحجابة إلى وكالة الخليفة، وإلى نظر المخزن.
وتمرد العيارون، وأخذوا زواريق منحدِرَة إلى بغداد، وفتكوا بأهل السّواد وأسرفوا، وهجموا على محلة العتابيين، فحفظوا أبواب المحلّة ونهبوها عَنْوة. فأمر الخليفة بإخراج أتراك داريّة لقتالهم، فخرجوا وحاصروهم في الأجمة خمسة عشر يومًا.
ثمّ أنّ العيّارين نزلوا في السفن، وانحدوا إلى شارع دار الرّقيق ودخلوا المحلّة، وأفلتوا منها إلى الصَّحارى. وقصد أعيانُهم دار الوزير أبي عليّ بْن صَدَقة بباب العامّة في ربيع الأوّل، وأظهروا التّوبة. وخرج فريقٌ منهم لقطع الطريق، فقتلهم أهل السّواد بأوَانا، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد.
وفيها ورد قاضي الكوفة أبو جعفر عَبْد الواحد بْن أحمد الثَّقَفيّ مِن جهة سيف الدولة دبيس إلى الأمير إيلغازي بْن أُرْتُق خطب منه ابنته لدُبَيْس، فزوَّجه بها، ونفذها في صحبته. -[154]-
ولما بلغ دبيسا اشتغالُ محمود أخذ في أَذية السّواد، وانجفل أهل نهر عيسى، ونهر الملك. وأتى عنان صاحب جيشه، فحاصر بعقوبا، وأخذها، وسبى الحريم والأولاد.
وكان دُبَيْس يعجبه اختلاف السّلاطين، فلمّا خاف مِن مجيء محمود أمر بإحراق الغلّات والأتْبان، وبعث إِليْهِ الخليفة يُنْذره فلم ينفع، وبعث إِليْهِ السّلطان محمود يتألّفه، فلم يهتزّ لذلك.
وقدم بغداد ونازلها بإزاء دار الخليفة، فوجل منه النّاس، وأخرج نقيب الطّالبيّين، وتهدَّد دار الخلافة، وقال: إنكّم استدعيتم السّلطان؛ فإنْ أنتم صرفتموه، وإلّا فعلت وفعلت. فأنفذ إليه أنّه لَا يمكن ردّ السّلطان، بل نسعى في الصُّلْح. فانصرف دُبَيْس، فسمع أصوات أهل باب الأزج يَسُبَّونه، فعاد وتقدّم بالقبض عليهم، وضرب جماعة منهم بباب النوبي.
وفيها قَالَ ابن الأثير: خرج الكُرْج، وهم الخَزَر، إلى بلاد الإسلام، وكانوا قديما يغيرون، فامتنعوا أيّام ملِكْشاه. فلمّا كَانَ في هذه السّنة خرجوا ومعهم القُفْجاق وغيرهم، فسار لحربهم دبيس وإيلغازي وجماعة في ثلاثين فارس، فالتقى الْجَمْعان، فانكسر المسلمون، واصطدم المنهزمون. وتبعهم الكُفّار يقتلون ويأسرون، فقتلوا أكثرهم، وأسروا أربعة آلاف رَجُل، ونجا طُغْرُل أخو السّلطان ودبيس.
ونازلت الكرج تفْلِيس، وحصروها مدّة إلى سنة خمس عشرة، وأخذوها بالسيف.
وفيها في ربيع الأوّل كَانَ المَصافّ بين السّلطان محمود وأخيه المُلْك مسعود، وكان بيد مسعود أذَرْبَيْجان والموصل، وعُمره إحدى عشرة سنة. وسبب الحرب أن دُبَيْس بْن صَدَقة كَانَ يكاتب أتابك المُلْك مسعود، ويحثّه عَلَى طلب السَّلْطَنة لمسعود، وكان مَعَ مسعود قسيم الدّولة أقسُنْقُر البُرْسُقيّ الَّذِي كَانَ شِحْنة بغداد قد أقطعه مَرَاغَة والرَّحْبَة، وكان معاديا لدُبَيْس. فكاتب دبيس الأتابك جيوش بك يحرّضه عَلَى القبض عَلَى البُرْسُقيّ، فعرف البُرْسُقيّ، ففارقهم إلى محمود، فأكرمه ورفع محلَّه.
واتّصل أبو إسماعيل الحُسَيْن بْن عليّ الإصبهانيّ الطُّغْرائيّ مصنَّف لاميّه -[155]- العجم بمسعود، وكان ولد الطغرائي يكتب مسعودا.
فَلَمَّا وصل الطُّغْرَائِي استوزره مَسْعُود قبل أن يعزل أبا عليّ بْن عمّار الَّذِي كَانَ صاحب طرابُلُس، فحسّن أيضًا لمسعود الخروج عَلَى أخيه محمود، وخطب لمسعود بالسلطنة، ودقت لَهُ النوبة في الأوقات الخمس.
فأقبل محمود، والتقوا عند عقبة أسداباذ، ودام القتال طول النّهار، وانهزم جيش مسعود، وأُسِر منهم خلْق، منهم الطُّغْرائيّ، ثمّ قُتِل بحضرة السّلطان محمود، وهرب خواصّ مسعود بِهِ إلى جبلٍ، فاختفى بِهِ وبعث يطلب الأمان. فرقّ لَهُ السّلطان محمود وأَمَّنَه.
ثمّ قوّوا نفس مسعود، وساروا به إلى الموصل، فلحقه البُرْسُقيّ، وردّ بِهِ، واعتنقه أخوه وبكيا، وعُدَّ ذلك مِن مكارم محمود. ثمّ جاء جيوش بك وخاطر فعفا أيضًا عنه السلطان.
وفي هذا الوقت كَانَ ظهور ابن تُومَرْت بالمغرب كما هُوَ مذكور في ترجمته، وانتشرت دعوته في جبال البربر، إلى أن صار من أمره ما صار.
وفي رجب قِدم السّلطان محمود، فتلقّاه الوزير، ونثر عَليْهِ أهل باب الأزَج الدّنانير، فبعث دبيس زوجته بنت عميد الدولة ابن جَهير إلى السّلطان، فقدم عشرين ألف دينار، وثلاثة عشر فرسًا. فما وقع الرَّضا عَنْهُ، وطُولب بأكثر مِن هذا. فأصرّ عَلَى اللَّجاج، ولم يبذل شيئًا آخر، فمضى السّلطان إلى ناحيته، فبعث يطلب الأمان، وغالَطَ لينهزم، فلمّا بعث إليه خاتم الأمان دخل البرية.
وفيها أمر الخليفة بإراقة الخمور التي بسوق السلطان، ونقض بيوتهم.
وفيها ردَّ وزير السّلطان الوزير المعروف بالسّمْيرميّ المُكُوس والضّرائب، وكان السّلطان محمد قد أسقطها سنة إحدى وخمسمائة. ورجع السّلطان، فتلقّاه الوزير والموكب، فطلب الإفراج عَنِ الأمير أبي الحَسَن أخي المسترشد بالله، فبذل له ثلاثمائة ألف دينار ليسكت عن هذا.
وفيها نازل ملك الفرنج ابن رذمير مدينة قُتُنْدَة، فحاصرها، وهي قريبة مِن مَرْسيّة، فجاء عسكر المسلمين، فعملوا المَصافّ، فانهزم المسلمون. وقُتل خلْق، منهم ابن الفراء وابن سكرة، واستطال ابن رذمير لعنه الله.

-سنة أربع عشرة وستمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع عشرة وستمائة.
فيها كَانَ الغَرَقُ ببغدادَ بزيادة دِجلة، وركب الخليفة شُبّارةً، وخاطبَ النَّاس، وجعلَ يتأوَه لهم وَيَقُولُ: لو كَانَ هَذَا يُرَدُّ عنكم بمالٍ أَوْ حَرْب، دفعتهُ عنكم؛ قَالَ أَبُو شامة - وقد نقلَهُ من كلام أَبِي المُظَفَّر سِبْط الْجَوْزيّ، إن شاء اللَّه -: فانهدمت بغدادُ بأسرها، والمَحالّ، ووصلَ الماء إلى رأس السُّور، ولم يبقَ لَهُ أن يطفحَ عَلَى السُّور إِلَّا مقدار إصبعين، وأيقن الناسُ بالهلاك، ودام ثمانية أيام، ثُمَّ نقصَ الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تُلُولًا لا أثر لها!.
قُلْتُ: هَذَا من خسف أبي المظفر، فهو مجازفٌ.
قَالَ أَبُو المُظَفَّر: وفيها قَدِمَ خُوَارِزْم شاه محمد بن تكش في أربعمائة ألف، وقيل: في ستمائة ألف، فوصل هَمَذان قاصدًا بغداد، فاستعدَّ الخليفةُ، وفرَّق الْأموال والعُدَد، وراسلَهُ مَعَ الشَّيْخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي، فأهانه ولم يحتفل بِهِ، واستدعاه، وأوقفه إلى جانب الخَيْمة، ولم يُجْلسه، قَالَ: فحكَى شهابُ الدين، قَالَ: استدعاني إلى خَيْمةٍ عظيمة لها دِهليز لم أر مثله في الدُّنْيَا، وَهُوَ من أطْلَس، والأطنابُ حرير، وفي الدِّهليز ملوكُ العَجَمِ عَلَى طبقاتهم، كصاحب أصبهان، وصاحب هَمَذان، والرّيّ، قَالَ: ثُمَّ دخلنا إلى خيمةٍ أخرى وفي دهليزها ملوك ما وراء النَّهْر، ثُمَّ دخلنا عَلَيْهِ وَهُوَ شابٌّ، لَهُ شعرات، قاعد عَلَى تختٍ ساذج، وَعَلَيْهِ قُباء بخاري يساوي خمسة دراهم، وَعَلَى رأسه قطعة جلد تساوي دِرهمًا، فَسَلَّمتُ عَلَيْهِ فلم يرد، ولا أمرني بالجلوس، فشرعتُ فخطبتُ خُطبة بليغةً، ذكرتُ فيها فَضْل بني العَبَّاس، -[273]- ووصفتُ الخليفةَ بالزُّهد والوَرَع والتُّقى والدِّين، والتَّرجُمان يُعيدُ عَلَيْهِ قولي، فَلَمَّا فرغتُ قَالَ للتَّرجمان: قُل لَهُ هَذَا الَّذِي تصفه ما هُوَ في بغداد، بل أَنَا أجيء وأُقيمُ خليفةً يكون بهذه الصِّفة، ثُمَّ رَدَّنا بغير جواب، ونزلَ عليهم بهَمَذان الثَّلج، فهلكت خيلهم، وركب الملك خُوَارِزْم شاه يومًا فعثر بِهِ فرسه، فتطيَّر، ووقع الفَساد في عساكره، وقلَّت المِيرة، وَكَانَ معه سبعون ألفًا من الخطا، فرَدّه الله تعالى عن بغداد.
قال أَبُو شامة: ذكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد النَّسَويّ في كتابه الَّذِي ذكر فيه وقائع التّتار مَعَ علاء الدين مُحَمَّد، وَمَعَ ولده جلال الدين، قَالَ: حكى لي القاضي مُجير الدين عُمَر بن سعد الخُوَارِزْمِي، أَنَّهُ أُرسِلَ إلى بغداد مِرارًا، آخرها مطالبة الدّيوان بما كَانَ لبني سلجوق من الحُكم والمُلك ببغداد، فأبوا ذَلِكَ، وأصحب المذكور في عَوْده شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي رسولًا مدافعًا. قَالَ: وَكَانَ عند السلطان من حُسن الاعتقاد برفيع منزلته ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام والاحترام تمييزًا لَهُ عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان، فوقف قائماً في صحن الدار، فَلَمَّا استقرَّ المجلس بالشيخ، قَالَ: إِنَّ من سُنَّة الدّاعي للدّولة القاهرة أن يُقدِّم عَلَى أداء رسالته حديثًا. فأذِنَ لَهُ السلطانُ، وجلسَ عَلَى رُكبتيه تأدُّبًا عند سماع الحديث، فذكر الشَّيْخ حديثًا معناه التُّحذير من أذيَّة آل العَبَّاس. فَقَالَ السلطان: ما آذيتُ أحدًا من آل العَبَّاس ولا قصدتُهم بسوءٍ وقد بلغني أَنَّ في محابس أمير المؤمنين خلْقًا منهم يتناسلون بها، فلو أعادَ الشيخُ هَذَا الحديث عَلَى مسامع أمير المؤمنين كَانَ أولى وأنفع. فعادَ الشيخُ والوَحْشةُ قائمةٌ، ثُمَّ عزمَ عَلَى قَصْد بغداد، وقسَّمَ نواحيها إقطاعًا وعَمَلًا، وسارَ إلى أن علا عقبة أسدآباد، فنزلت عَلَيْهِ ثلوج غطّت الخراكي والخيام، وبقي ثلاثة أيام، فعَظُم إِذْ ذاك البلاءُ، وشَمِلَ الهلاكُ خلقًا من الرِّجال، ولم ينْجُ شيء من الْجِمال، وتلفت أيدي رجال وأرْجل آخرين، فرَجَع السلطان عن وَجْهِه ذَلِكَ عَلَى خيبةٍ مما هم به.
وفيها تجمّع الفرنج وأقبلوا من البَحْر بفارسِهِم وراجِلِهم لأجل قَصْد بيت -[274]- المَقْدِس، وتتابعت الْأمداد من رومية الكُبرى، التي هي دار الطاغية الأعظم المعروف بالبابا، لعنه اللَّه، وتجمعوا كلّهم بعكّا، عازمين عَلَى استيفاء الثأر مما تمَّ عليهم في الدولة الصلاحية، فجفلَ الملك العادل لَمَّا خرجوا عَلَيْهِ، ووصلوا إلى عين جالوت، وَكَانَ عَلَى بَيْسان فأحرقها، وتقدَّم إلى جهة عَجْلون، ووصلَ الفَوّار، فقطع الفرنج خلفه الْأردُنَّ، وأوقعوا باليَزَك، وعادوا عَلَى البلاد، وجاء الْأمر إلى المعتمد والي دمشق بالاهتمام والاستعداد واستخدام الرجال، وتدريب دُروب قَصر حجّاج، والشَّاغور، وطرْق البساتين، وتغريق أراضي داريَّا، واخْتَبَط البلد، وأرسل العادل إلى ملوك البلاد يستحث العساكر، ونزل مرج الصُّفَّر، وضجَّ النَّاس بالدُّعاء، ثُمَّ رجع الفرنج نحو عَكّا بما حازوه من النَّهب والْأسارى، فوصل الملك المُجاهد صاحبُ حِمْص، ففرح بِهِ النَّاس.
قَالَ أبو المظفر ابن الْجَوْزيّ: فيها انفسخت الهُدْنة بين المُسلمين والفرنج، وجاء العادلُ من مِصر بالعساكر، فنزل بيْسان، والمُعظم عنده في عَسْكر الشَّام، فخرج الفرنج من عَكّا، عليهم ملكُ الهُنْكر، فنزلوا عين جالوت في خمسة عشر ألفًا، وَكَانَ شُجاعًا، خرج معه جميع ملوك السَّاحل، فقصَد العادل، فتأخَّر العادلُ وتَقَهْقَر، فَقَالَ لَهُ المُعظم: إلى أَيْنَ؟ فَشَتَمه بالعَجَميَّة، وَقَالَ: بمن أُقاتل؟ أقطعْتَ الشَّام مماليككَ وتركتَ أولاد النَّاس. وساق فَعَبر الشّريعة.
وجاء الهُنْكر إلى بيْسان، وبها الْأسواق والغِلال والمواشي وشيءٌ كثيرٌ، فأخذت الفرنج الجميعَ، ورحلوا منها بعد ثلاثة أيام إلى قُصير الغوْر، ووصل أوائلهم إلى خَرِبة اللُّصوص والْجَوْلان، وأقَاموا يقْتلون ويسْبون، ثُمَّ عادوا إلى الغَوْر، ونزلوا تحت الطُّور، فأقاموا أيّامًا يقاتلون من فيه ويحاصرونهم، وَكَانَ معهم سُلَّم عظيم، فزحفوا ونصبوه، فأحرقه المسلمون بالنِّفط، وقُتل تحته جماعة من أعيان الفرنج، منهم بعض الملوك. واستشهد يومئذٍ الْأمير بدر الدين مُحَمَّد بن أَبِي القاسم، وسيف الدين ابن المَرْزُبان، وَكَانَ في الطُّور أبطال -[275]- المسلمين، فاتفقوا عَلَى أَنَّهُم يقاتلون قتال الموت، ثُمَّ رحل الفرنج عَنْهُمْ إلى عكا، وجاء المُعَظَّم فأطلق لأهل الطُّور الْأموال، وخلعَ عليهم. ثُمَّ اتفق العادل وابنه المُعَظَّم عَلَى خراب الطُّور كما يأتي.
وأمّا ابن أخت الهُنْكر فقصد جبل صيدا في خمسمائة من الفرنج إلى جِزّين، فأخلاها أهلها، فنزلها الفرنج ليستريحوا، فتحدّرت عليهم الرجال من الجبل، فأخذوا خيولهم وقتلوا عامّتَهم، وأُسر مُقدّمهم ابن أخت الهُنْكر، وقيل: إنه لم يسلم من الفرنج إلى ثلاثة أنفُس.
قُلْتُ: وكثُرت جيوش الفرنج بالسَّاحل، وغنموا ما لا يُوصف، ثُمَّ قصدوا مِصْر لخلُوّها من الجيش، وكان عساكر الإِسْلَام مُفرقة، ففرقةٌ كانت بالطور محْصُورين، وفرقةٌ ذهبت مَعَ المُعَظَّم يَزَكًا عَلَى القدس عسكروا بنابُلُس، وفرقةٌ مَعَ السلطان في وجه العدوّ عن دمشق، وأشْرَف المُسلمون عَلَى خطةٍ صَعْبَة، وَكَانَ الملك العادل مَعَ جبنٍ فيه، حازمًا سائسًا، خاف أن يلتقي العدوّ وَهُوَ في قلٍّ من النَّاس أن يَنْكسر ولا تقوم للإسلام بعده قائمة، فاندفع بين أيديهم قليلًا قليلًا حَتَّى كفى اللَّه شرّهم.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت