تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة أربع وخمسين.
فِيهَا تُوُفِّيَ: جبير بن مطعم. وَفِيهَا: أسامة بن زيد عَلَى الصحيح، وثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعمرو بن حزم، وَفِيهَا حسان بن ثابت، وعَبْد اللَّهِ بن أنيْس الجُهَني، وسَعِيد بن يربوع المخزومي، وحكيم بن حزام، ومخرمة بن نوفل، وَفِيهَا بخُلف: حُوَيطب بن عَبْد العُزي، وأَبُو قتادة الحارث بن رِبْعي. وَفِيهَا عُزل عَن المدينة سَعِيد بن العاص بمروان. وَفِيهَا غزا عُبيد اللَّه بن زياد، فقطع النهر إِلَى بخارى، وافتتح زامين، -[465]- وصيف ببيكند، فقطع النهر عَلَى الإبل، فكان أول عربي قطع النهر. وَفِيهَا وجه الضحاك بن قيس من الْكُوفَة مَصْقلة بن هبيرة الشيباني إِلَى طبرستان، فصالح أَهْلها عَلَى خمس مائة ألف درهم. وَفِيهَا عزل مُعَاوِيَة عَن الْبَصْرَةِ سَمُرَة بعَبْد اللَّهِ بْن عمرو بن غيلان الثقفي. وحج بالنَّاس مروان. وَفِيهَا تُوُفيت سَوْدة أم المؤْمِنِينَ في قول، وقد مرت في خلافة عمر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
مَاتَ فِيهَا: أَشْعَبُ الطَّمَعُ، وَجَعْفَرُ بْنُ بَرْقَانَ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ الْعَدَنِيُّ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الدِّمَشْقِيُّ، وعُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن مَوْهب، وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الْكُوفِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَّارٍ الْمَدَنِيُّ، وقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُهَاجِرٍ الشُّعَيْثِيُّ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاءِ الْمَازِنِيُّ، وَمَعْمَرٌ فِي قَوْلٍ. -[10]- وَفِيهَا قَدِمَ الْمَنْصُورُ الشَّامَ، وَزَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَهَّزَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا لِحَرْبِ الْخَوَارِجِ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَأَنْفَقَ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ - مَعَ شُحِّهِ بِالْمَالِ - سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَزِيَادَةً. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ صَاعِقَةَ نَزَلَتْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَهْلَكَتْ خَمْسَةَ نَفَرٍ. وَفِيهَا هَلَكَ الوزير أبو أيوب المورياني، وكان الْمَنْصُورُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ فِي عَامِ أَوَّلٍ، فَسَجَنَهُ وَأَخَاهُ خَالِدًا وَبَنِي أَخِيهِ وَصَادَرَهُمْ، وَسَبَبُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ كَاتِبَ سِرِّ الْوَزِيرِ سَعَى بِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَهَلَكَ أَبُو أَيُّوبَ وَضَرَبَ أَعْنَاقَ بَنِي أَخِيهِ. وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاطَرِيُّ: قَدِمَ الْمَنْصُورُ دِمَشْقَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى قَضَائِهَا يَحْيَى بْنَ حَمْزَةَ، فَاعْتَلَّ بِأَنَّهُ شَابٌّ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى أَهْلَ بلَدِكَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْكَ، فَإِيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ، فَبَقِيَ عَلَى الْقَضَاءِ ثَلاثِينَ سَنَةً. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربعٍ وخمسين ومائتين
فيها تُوُفّي أَحْمَد بْن عَبْد الواحد بْن عبُّود الدِّمشقيُّ، وإبراهيم بْن مجشّر الكاتب، وبُغَا الصَّغير الشَّرابيّ، وزياد بْن يحيى الحسّانيّ، وسَلْم بْن جُنَادَةَ، والدّارِميّ، وعلي بْن محمد بْن عَلِيّ بْن مُوسَى الرضا أبو الحَسَن العسْكريّ من الأثني عشر، ومحمد بن عبد الله المخرَميّ الحافظ، ومحمد بْن منصور الطُّوسيّ العابد، ومحمد بْن هاشم البَعْلَبَكّيّ، والمَرّار بْن حَمُّوَيْه الهمذاني الفقيه. ولم يجر فيها مِنَ الحوادث ما لَهُ صورة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
فيها عُمل يوم عاشوراء ببغداد مأَتَمُ الحسين كالعام الماضي. وفيها وثب غلمان سيف الدولة على غلامه نجا الكبير وضربوه بالسيوف، وكان أكبر غلمانه ومُقَدَّم جيشه. وسار سيف الدولة إلى خِلاط فملكها وكانت لنجا. وفيها تُوُفِّيت أخت مُعِزّ الدولة ببغداد، فنزل المطيع في طيّارة إلى دار مُعِزّ الدولة يعزّيه، فخرج إليه معزّ الدولة ولم يكلّفه الصعودَ من الطيّارة، وقبّل الأرض مَرات، ورجع الخليفة إلى داره. وفيها بنى تقفور ملك الروم قَيْساريّة، بناها قريبًا من بلاد المسلمين وسكنها ليغير كل وقت، وترك أباه بالقسطنطينية، فبعث أهل طَرَسُوس والمَصِّيصة إليه يسألونه أن يقبل منهم حِمْلًا كل سنة، ويُنْفِذ إليهم نائباً له يقيم عندهم، فأجابهم، ثم رأي أنّ أهل البلاد قد ضَعُفوا جدًّا وأنّهم لا ناصر لهم، -[15]- وأنّهم من القحط قد أكلوا الميتة والكلاب، وأنّه يخرج كل يوم من طرسوس ثلاثمائة جنازة، فبدا له في الإجابة، ثم أحضر رسولهم وقال: مَثَلُكُمْ مِثْل الحّية في الشتاء إذا لحقها البرد ضعُفَتْ وذبلت حتى يظنّ الظانّ أنّها ميّتة، فإذا أخذها إنسان وأحسن إليها ودفّاها انتعشت ولدغته قتلته، وأنا إنْ أترككم حتى تستقيم أحوالكم تأذَّيت بكم، ثم أحرق الكتاب على رأس الرسول فاحترقت لحيته، وقال: قم، ما لهم عندي إلّا السيف. ثم سار بنفسه إلى المَصِّيصة ففتحها بالسيف في رجب، وقتل وسبى وأسر ما لا يُحصَى، ثم سار إلى طَرَسوس فحاصرها، فطلب أهلُها أمانًا، فأعطاهم، ففتحوا له، فدخلها، ولقي أهلَها بالجميل، وأمرهم بالخروج منها وأن يحمل كل واحد من ماله وسلاحه ما أطاق، ففعلوا، وبعث من يَخْفُرُهم إلى أنطاكية، وجعل الجامع إصطَبْلًا لدوابّه، وعمل فيها وفي المَصِّيصة جيشًا يحفظونهما وأمر بتحصينهما. وقيل: رجع جماعة من أهل المَصِّيصة إليها وتنصّروا. وكان السبب في فتح المَصّيصة أنهّم هدموا سورها بالنقوب، فأشار عليهم رجل بحيث أن يُخْرِجوا الأسارى ليعطف عليهم الملك تقفور، فأخرجوهم، فعَّرفه الأسارى بعدم الأقوات، وأطمعوه في فتحها، فزحف عليها. ولقد قاتل أهلها في الشوارع حتى أبادوا من الروم أربعة آلاف، ثم غلبوهم بالكثرة وقتلوهم وأخذوا من أعيانهم مائة ضربوا رقابهم بإزاء طرسوس، فأخرج أهل طَرَسُوس مَن عندهم من الأسرى فضربوا أعناقهم على باب البلد، وكانوا ثلاثة آلاف. وفيها حجّ الركبِ من بغداد. وفيها تُوُفّي شاعر زمانه أبو الطيّب أحمد بن الحسين الجعفي المتنّبي عن نيّف وخمسين سنة، قُتل بين شيراز وبغداد وأُخِذ ما معه من الذهب. وفيها اشتدّ الحصار كما ذكرنا على مدينة طَرَسُوس، وتكاثرت عليهم جموع الروم، وضعُفَتْ عزائمهم بأخذ المَصِّيصة وبما هم عليه من القِلّة والغلاء، وعجز سيف الدولة عن نجدتهم، وانقطعت الموادّ عنهم. وطال الحصار وخذلوا، فراسلوا تقفور ملك الروم في أن يُسلّموا إليه البلد بالأمان على أنفسهم وأموالهم، واستوثقوا منه بأيْمان وشرائط. -[16]- ودخل طائفة من وكلاء الروم فاشتروا منهم من البَزّ الفاخر والأواني المخروطة، واشتروا من الروم دوابّ كثيرة تحملهم، لأنه لم يبق عندهم دابّة إلا أكلوها، وخرجوا بحريمهم وسلاحهم وأموالهم، فوافى ثبج الثمليّ من مصر في البحر في مراكب، فاتّصل بملك الروم خبرُهُ، فقال لأهل طَرَسوُس: غدرتم! فقالوا: لا، والله، لو جاءت جيوش الإسلام كلها، فبعث إلى الثمليّ: يا هذا لا تُفْسِد على القوم أمرهم، فانصرف، ثم عمل تقفور دعوة لكبار أهل البلد وخلع عليهم، وأعطاهم جملة وخفرهم بجيش حتى حصّلوا ببغراس، وحصل منهم خمسة آلاف بأنطاكية، فأكرمهم أهلها، ثم دخلت الروم مدينة طَرَسُوس فأحرقوا المنبر وجعلوا المسجد إِصْطَبْلًا. وأما سيف الدولة فإنه سار إلى أرْزَن وأرمينية، وحاصر بَدْلِيس وخلاط، وبها أَخَوَا نجا غلامه عَصَيَا عليه، فتملّك المواضع ورَدَّ إلى مَيّافارقين. وعمل أهل أنطاكية وطردوا نائب سيف الدولة عنهم، وقالوا: نُداري ببيت المال ملكَ الروم أو ننزح عن أنطاكية فلا مُقام لنا بعد طَرَسُوس، ثمّ إنّهم أَمَّروا عليهم رشيق النَّسَيْمِيّ الذي كان على طَرَسوس، فكاتب ملك الروم على حمل الخراج إليه عن أنطاكية، فتقّرر الأمر على حمل أربعمائة ألف درهم في السنة، وجعل على كل رأس من المسلمين والنصارى ثلاثين درهمًا. والأمر لله. قال علي الشمشاطي: وفيها ورد الخبرُ بإجابة تقفور إلى ما طلبه منه سيف الدولة من الهُدنة والفداء على أن يُخرِجَ بدل أبي الفوارس محمد بن ناصر الدولة ومن معه من بني عَمِّه جماعة من البطارقة، وأن يفادي بغلمان سيف الدولة عدة من الروم، وأن يبتاع ما يفضل من الأسرى ببلد الروم كل واحدٍ بثمانين ديناراً. فأحضر سيف الدولة اثمان ألفي رأس، وذلك مائة وستون ألف دينار، فعاينها الرسول. وجاءت كتب الطرسوسيين إلى سيف الدولة ليأخذ منهم الأُسارى، فإنهم عجزوا عن أقواتهم للغلاء. ثم جاء من بلد الرُّوم كتاب أبي فراس بن حَمدان من الأسر بتصحيح أمر الفداء وتنفيذ شرائط ملك الروم، وفيه خط ملك الروم بالأحمر وخطوط بطارقته على أن يؤخروا عندهم ستة من بني حَمْدان، ويؤخر سيف الدولة عنده ستةً من البطارقة. ووردت الأخبار بأن ملك الروم أرسل إلى أهل طرسوس يهادنهم على أن يخربوا سور المدينة، وأن يبنوا بيعةً كانت لهم تَخَرَّبت، فلم يجيبوه، فسار -[17]- حتى نزل عليهم وحاصرهم، فبذلوا له ثلاثمائة ألف دينار وإطلاق ما عندهم من الأُسارى، فأبى إلا أن يخرجوا بالأمان بما قدروا على حَمْله، أو أن يكونوا في طاعته ويُخرِّبوا سورهم، فامتنعوا. وأخذت الروم ثغر المِصِّيصة وقتلوا كل الرجال، فلم يفلت منهم إلا سبعة نفر، فما شاء الله كان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
فيها زوَّج الخليفةُ بِنْتَه بطُغْرُلْبَك بعد أن دفع بكلّ ممكن وانزعج واستعفى، ثم لان لذلك برغمٍ منه، وهذا أمرٌ لم ينله أحد من ملوك بني بُوَيْه مع قهرهم للخلفاء وتحكّمهم فيهم. وفيها عُزِل ابن دارست من وزارة الخليفة لعجزه وضعفه، وعاد إلى الأهواز؛ وبها تُوُفّي سنة سبع وستّين. وولي الوزارة فخر الّدّولة أبو نصر بن جهير وزير نصر الدّولة ابن مروان صاحب ديار بكر. ورخصت الأسعار بالعراق، ولطف الله. وفي ربيع الأوّل غرقت بغداد، ودخل الماء في الدُّروب، ووقعت الحيطان، ووقع بردٌ كِبار، الواحدة نحو الرَّطل، فأهلك الثِّمار والغِلال، وبلغت دِجلة إحدى وعشرين ذراعًا، وضايق الماء الوحوش وحصرهم، فلم -[10]- يكن بهم مسلك، فكان أهل السّواد يسبحون ويأخذونهم بلا كلفة. وفيها كانت وقعة كبيرة بين معزّ الدولة ثمال بن صالح الكِلابيّ صاحب حلب، وبين ملك الرُّوم، لعنهم اللَّه. وكان المصاف على أرتاح بقرب حلب، فنُصِر المسلمون وقتلوا وأسروا وغنموا، حتّى إنّ الجارية المليحة أُبيعت بمائة درهم. وبعدها بيسير تُوُفّي ثمال أمير حلب، وولي بعده أخوه عطيّة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها وصل ترشك فلم يُشعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه كفن، فوقع الرضا عنه. وفيها عاد الغُزّ ونهبوا نيسابور، وكان بها ابن أخت سنجر، فهرب إلى جرجان. وفيها سافر الخليفة إلى واسط، فرماه فرسه، وشج جبينه بقبيعة السيف. ووقع بَرد كبار أهلك أماكن، وذُكِر أنّه كان فِي البَرَد ما وزْنه خمسة أرطال ونحو ذلك، وقيل إنّهم رأوّا بَرَدَة فيها تسعة أرطال. وفيها كان الغرق ببغداد، ووقع بعض سورها، وسقطت الدُّور، قال ابن الْجَوْزِيّ: لم نعرف درْبَنَا إلا بمنارة المسجد، فإنّها لم تقع. وغرقت مقبرة الإمام أَحْمَد، وخرجت الموتى على وجه الماء، وكانت آية عجيبة. وفيها سار عَبْد المؤمن فِي نحو مائة ألف فنازل المَهْدية، فحاصرها برًّا وبحرًا سبعة أشهر، وأخذها بالأمان. وركب الفرنج فِي البحر قاصدين صَقَلِّية فِي الشّتاء، فغرق أكثرهم. وكان ملك الفرنج قال: إن قتل عَبْد المؤمن نصارى المهديَّة فلأقتلنّ من عندي من المسلمين بصَقَلّية، ولعلّ أكثر رعيته بصقلية -[17]- مسلمون، فأهلك اللَّه النّصارى بالغرق، وكان مدَّة ملكهم للمهديَّة اثنتي عشرة سنة، ودخلها عَبْد المؤمن يوم عاشوراء سنة خمس فبقي بها أيامًا، وكان قد افتتح قبلها تونس، فنازلها أسطولُه فِي البحر ستّون شينيًّا، وأخذها بالأمان على مشاطرة أهلها أموالهم، لكونه عرض عليهم أوّلًا التّوكيد والأمان، فأبوا عليه. وبعدها افتتح المهدية. وكان رئيس نَيْسابور هُوَ نقيب العلويّين ذُخْر الدين زيد بن الحسين الحسيني، فقتل بعض أصحابه أبو الفتوح الفستقانيّ الشافعيّ، فبعث إلى رئيس الشّافعيَّة مؤيَّد الدِّين الموفقي يطلب منه القاتل ليقتصّ منه، فامتنع المؤيَّد وقال: إنما حكمك على العَلَويَّة، فخرج النّقيب وقصد الشّافعيَّة، فاقتتلوا وَقُتِلَ جماعة، وأحرق النقيب سوق العطارين وسكة معاذ، وعظُم البلاء. ثُمَّ جمع المؤيَّد جموعًا وجيّش، والتقى هُوَ والعلويَّة فِي شوّال سنة أربع، واشتد الحرب، وأحرقت المدارس والأسواق، واستحر القتل بالشّافعية، فالتجأ المؤيَّد إلى قلعة فرخك، وخربت نَيْسابور بسبب هذه المصيبة الكبرى. وأمّا المؤيد أي أبه الأمير فإنه جرت لَهُ فصول وأسر، ثُمَّ هرب، وقدِم نَيْسابور، فنزل إليه المؤيِّد رئيس الشّافعيَّة، وتحصّن العَلَويّ بنَيْسابور، واشتدّ الخَطْب على المُعَتَّرِين الرّعية، وتمنّوا الموت، وسُفِكت الدّماء، وهُتِكت الأستار، وخرّبوا ما بقي من البلد، وبالَغَ الشّافعيَّة فِي الانتقام، وخرّبوا مدرسة الحَنَفِيَّة، واستؤصلت نَيْسابور، فلا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير في كامله. ومرض نور الدِّين فِي آخر الماضية وأوّل سنة أربع وضعف، فعهد بالأمر من بعده لأخيه قُطْب الدِّين مودود صاحب الموصل. وقال: ابن أخي أمير ميران لا أرتضيه لمصالح المسلمين لسوء أفعاله وأخلاقه. فحلفت الأمراء وكاتب جماعة من الكبار أمير ميران يحثُّونه على المجيء ليستولي على الشّام، فبادر وقطع الفُرات، فبعث أسد الدِّين عسكرًا فردّوه. وبلغ صاحبَ الموصل الخبرُ، فبعث وزيره كمال الدِّين مُحَمَّد بْن عليّ الجواد، فدخل دمشق في -[18]- أحسن زِيّ، وأبهى تَجَمُّل، وهو حميد الخِلال، كثير الإنفاق فِي وجوه البِرّ فصادف نور الدين قد عوفي. وجاءت بدمشق زلازل مهولة صعبة، فسبحان من حركها وسبحان من سكنها. وصالح نور الدِّين ملك الروم القادم من القسطنطينية وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من إطلاق مقدَّمي الفرنج، فأطلقهم نور الدِّين، فبعث لنور الدِّين عدَّة أثواب مثمّنة وجواهر، وخيمة من الدّيباج، وخَيْلًا، وردّ إلى بلاده، ولم يؤذ أحدًا. واطمأن المسلمون. وجاء الخبر إلى دمشق بأنّ الملك نور الدِّين صنع لأخيه قُطْب الدِّين ولجيشه الَّذِين قدموا للجهاد فِي يوم جمعة سِماطًا عظيمًا هائلًا، تناهى فِيهِ بالاستكثار من ذَبْح الخيل والبقر والأغنام، بحيث لم يُشاهَد مثلُه، وقام ذلك بجملةٍ كثيرة. وفرَّق من الخيل العربيَّة جملة، ومن الخِلَع شيئًا كثيرًا. وكان يومًا مشهودا. ثُمَّ توجّه إلى حرّان وانتزعها من يد أخيه أمير ميران، وسلّمها إلى الأمير زين الدِّين عليّ إقطاعًا له. إلى هنا زدْتُه من " تاريخ ابن القلانسي ". وفيها جمع ملك الروم جَمْعًا عظيمًا، وقصد الشّام، فضاق بالمسلمين الأمر، فنصر اللَّه تعالى، وأسر ابن أخت ملكهم، وغنمهم المسلمون، وعادوا خائبين. وفيها مات مُحَمَّد شاه ابن السّلطان محمود الذي حاصر بغداد. مات بهمذان. قال عَبْد المنعم بْن عُمَر المغربي فِي أخبار ابن تُومَرْت: وفي سنة أربع وخمسين توجّه أمير المؤمنين عَبْد المؤمن إلى بلاد إفريقية، فتجهز فِي مائة ألف فارس مُحصاةٍ فِي ديوانه، ومعهم من السُّوقة والصُّنّاع والأتباع أضعافهم مِرارًا. قال: وكان هذا الجمع الحفل يمشون بين الزُّرُوع فِي الطُّرُق الضّيّقة، فلا يكسرون سُنْبلة، ولا يطؤونها من هيبة الأمير، وكان خيامهم وأسواقهم مسافة فرسخين، وكلّهم يصلّون الخَمْس وراء إمامٍ واحد بتكبيرةٍ واحدة، ولا يتخلّف -[19]- أحدٌ عن الصّلاة إذا قامت، كائنًا من كان من أصناف الجيش والسُّوقة وغيرهم. وكان عَبْد المؤمن يسير وحده منفردًا أمام الجيوش ليس معه فارس إلا ابنه وليّ عهده وراءه. وحوله من عبيده السّودان ألوف بالرماح والدّرَق. قال: ولم يكن فِي دولته أحدٌ يُسمّى بالأمير ولا بالوالي، وإنما يسمّون الطَّلبة لأن دولته مَبْنية على العِلْم، ومَن دون الطَّلَبة يُسمّون الحفاظ. وأما أولاد أمير المؤمنين فيسمون السادة. ولا يجتمع النّاس عنده فينصرفون إلا عن دعاءٍ منه، ويؤمَّن الحاضرون، وما لبس إلا ثياب الصّوف طول عمره. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة أربع وخمسين وستمائة
خليفةُ الوقت المستعصم بالله، وصاحب الشّام الملك النّاصر، وصاحب مصر المُعزّ، وصاحب الكَرَك والشَّوْبك المغيث عمر ابن العادل أبي بكر ابن الملك الكامل، وصاحب المَوْصل الملك الرحيم لؤلؤ، وصاحب ميَّافارقين الكامل محمد بن غازي ابن الملك العادل، ونائب إرْبل تاجُ الدين ابِن صلايا العَلَويّ، ونائب حصون الإسماعيلية الثمانية، رضي الدين أَبُو المعالي، -[661]- وصاحبُ صِهيون، وبرزبه مظفَّر الدين عثمان بن منكورس، وصاحب حماه الملك المنصور، وصاحب تل باشِر والرَّحبة وتدْمر وزلوبيا الأشرف موسى ابن الملك المجاهد إِبْرَاهِيم ابن صاحب حمص، وصاحب مكّة قتادة الحسني، وصاحب ماردين الملك السعيد إيل غازي الأُرْتُقيّ، وصاحب اليمن الملك المظفَّر يوسف بن عُمَر، وصاحب الرومُ رُكن الدين وأخوه عز الدين، وصاحب خُراسان وما وراء النهر والخطا القاءآن ملك التّتار. ظهور النار بالمدينة قال أَبُو شامة: جاء إلى دمشق كُتُبٌ من المدينة بخروج نارٍ عندهم فِي خامس جُمادى الآخرة، وكُتِبت الكُتب فِي خامس رجب، والنار بحالها بعدُ، ووصلت إلينا الكُتُب فِي شعبان، فاخبرني مَن أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغة أنه كُتب بتَيماء على ضوئها الكُتُب، قال: وكنا فِي بيوتنا بالمدينة تلك الليالي، وكأنَّ فِي دار كلّ واحدٍ سراجًا. ولم يكن لها حَرَّ ولا لفحٌ على عِظَمها، إنما كانت آية. قال أَبُو شامة: وهذه صورة ما وقفتُ عليه من الكُتُب: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادي الآخرة ظهر بالمدينة دَوِيٌّ عظيم ثم زلزلةٌ عظيمة فكانت ساعةً بعد ساعه إلى خامس الشَّهر، فظهرت نارٌ عظيمة فِي الحَرّة قريبًا من قُريظة نبصرها من دُورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد سدّت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعةٌ نُبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سَدّت الحرَّة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أنْ وصلت إلى الحرَّة، فوقفت ورجعت تسير فِي الشرق يخرج من وسطها مُهود وجبال نار تأكل الحجارة، فيها أُنموذج ما أخبر الله: " إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ ". وقد أكلت الأرض. ولها الآن شهر وهي فِي زيادة، وقد عادت إلى الحرار فِي قُريظة طريق الحاج إلى بُحيرة العراقي كلها نيران تشتعل نبصرها فِي الليل من المدينة كأنها -[662]- مشاعل، وأما أمُّ النيران الكبيرة فهي جبال نيران حُمر، وما أقدر أصف هذه النار. ومن كتاب آخر: ظهر فِي شرقي المدينة نارٌ عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض، وسال منها وادٍ من نار حتى حاذت جبل أُحُد، ثم وقفت. ولا ندري ماذا نفعل. ووقت ظهورها دخل أهلُ المدينة إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم مستغفرين تائبين إلى ربّهم. وفي كتاب آخر: في أول جُمادى الآخرة ظهر بالمدينة صوت كالرعد البعيد، فبقي يومين، وفي ثالث الشهر تعقبه زلزال فتقيم ثلاثة أيّام، يقع فِي اليوم والليلة أربع عشرة زلزلة. فلما كان يوم خامسة انبجست الأرض من الحرَّة بنارٍ عظيمة يكون قدرها مثل مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي برأي العين من المدينة تُشاهد، وهي ترمي بشَرَر كالقصر. وهي بموضع يقال له أحلين، وقد سال من هذه النار وادٍ يكون مِقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعُمقه قامةٌ ونصف، وهو يجري على وجه الأرض وتخرج منه أمهاد وجبال صغار، ويسير على وجه الأرض، وهو صخر يذوب حتّى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد صار أسود، وقبْل الخمود لونه أحمر، وقد حصل إقلاعٌ عن المعاصي وتقرُّبٌ بالطاعات. وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة. ومن كتاب قاضي المدينة سِنان الحُسينيّ يقول فِي التاريخ: لقد واللهِ زُلزِلت مرة ونحن حول الحُجْرة النَّبوية، فاضطرب بها المِنبر والقناديل. ثم طلع في رأس أحلين نارٌ عظيمة مثل المدينة العظّيَمة، وما بانت لنا إلا ليلة السبت وأشفقنا منها، وطلعتُ إلى الأمير وكلمته وقلت: قد أحاط بنا العذاب، ارجعْ إلى الله. فأعتقَ كل مماليكه وردّ على جماعةٍ أموالهم. فلما فعل ذلك قلت: اهبط معنا إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فهبط وبتنا ليلة السّبت، النّاسُ جميعُهم -[663]- والنّسوانُ وأولادُهم، وما بقي أحدٌ لا فِي النَّخل ولا فِي المدينة إلا عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وأشفقنا منها، وظهر ضؤوها إلى أن أُبصرت من مكة، ومن الفَلاة جميعها. ثم سال منها نهرٌ من نارٍ، وأخذ في وادي أُحلين وسد الطريق، ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو بحرُ نارٍ يجري وفوقه حرَّة تسير إلى أن قطعت وادي الشَّظاة، وما عاد يجيء فِي الوادي سيْلٌ قط لأنَّها حرة، تجيء قامتين وثلث عُلُوُّها. واللهِ يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدَّرة، والمدينة قد تاب أهلُها ولا بقي يُسمع فيها ربابٌ ولا دُف ولا شُرْب. وتمّت تسير إلى أن سدت بعض طريق الحاج، وكان في الودي إلينا منها قَتِير، وخفنا أن تجيئنا، واجتمع الناس وباتوا عند النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة وقد طُفِئ قَتِيُرها الَّذِي يلِينا بقُدرة الله، وإلى الساعة ما نقَصَتْ بل ترمي مثل الجمال حجارةً من نار، ولها دوِيّ، ما تدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدِر أصِف لك عظَمَها ولا ما فيها من الأهوال. وأبصرها أهلُ ينبُع، ونَدَبوا قاضيهم ابنَ أسعد، وجاء وغدا إليها، وما أصبح يقدر يصفُها من عِظمها، وكتب يوم خامس رجب، والشمس والقمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسِفين. ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني يقول: جرى عندنا أمرٌ عظيم. إلى أن قال في النّار: ظهر دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض إلى آخر النهار ظهر للنّار ألسُنٌ تصَّعَّد فِي الهواء حمراء كأنها العَلَقة، وعظُمت ففزع الناس إلى المسجد، وابتهلوا إلى الله، وغطَّت حُمرةُ النار السماءَ كلَّها حتى بقي الناس فِي مثل ضوء القمر، وأيقنا بالعذاب. وصعِد القاضي والفقيه إلى الأمير يعِظُونه فطرح المكس، وأعتق رقيقه كلَّهم، ورد علينا كلَّ ما لنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيت كذلك أيّامًا، ثمّ سالت في وادي أُحلين تتحدر مع الوادي إلى الشَّظاة، حتى لحِق سَيَلانُها ببَحْرة الحاج، والحجارةُ معها تتحرَّك وتسير حتى كادت تقارب حرَّة العِراض، ثمَّ سَكَنتْ ووقفت أيامًا، ثم عاد يخرج منها ترمي بحجارة من خلفها وأمامها حتى بَنَتْ جبلين خلفَها وأمامها، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين، لسانٌ لها أيامًا. -[664]- ثمّ إنّها عظُمت الآن وشبَاها إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون، ولها كل يوم صوتٌ عظيمٌ من آخر الليل إلى ضَحْوِة، والشمس والقمر كأنهما منكسفان إلى الآن، وكتب هذا ولها شهر. قلت: أمر هذه النار متواتر، وهي مما أخبر به المصطفى صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل بِبُصرى " وقد حكى غيرُ واحدٍ ممن كان بِبُصْرى فِي الليل ورأى أعناق الإبل فِي ضوئها. وقال أَبُو شامة: وفي ليلة السادس عشر، كذا قال، من جُمادى الآخرة خُسف القمر أول الليل، وكسفت الشمس في غده، كذا قال، وقال احمرَّت وقت طلوعها وغروبها. وبقيت كذلك أيامًا متغيرة ضعيفة النور، واتضح بذلك ما صوره الشّافعيّ من اجتماع الكسوف والعيد. قلت: هذا الكلام فيه بعض ما فيه، وقوله: " كُسفت الشّمس في الغد " دعوى ما علِمتُ أحدًا وافقه عليها ولا ورَّخها غيره، ثم بيَّن مسْتنده باحمرار الشمس وضعف نورها، وهذا لا يُسمى كسوفًا أبدًا، ولقد كنتُ فِي رحلتي إلى الإسكندرية وأنا فِي المركب أنظر إلى الشمس قبل غروبها بساعة، وهي كأنها نحاسةٌ حمراء ما لها من النور شيء أصلًا إلى أن تتوارى، وذلك لكثافة الأبخرة الأرضية، ومثل هذا إذا وقع لا تُصلى له صلاةَ الكسوف، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نَسْمَعْهُ سَمَّى ذَلِكَ كُسُوفًا فِي وَصْفِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالآيَةِ الَّتِي ميَّزها بِهَا فَقَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ تطلُع مِنْ صَبِيحَتِهَا وَلا شُعاع لَهَا " وَأَمَّا كُسُوفُ الشّمس والقمر فشيءٌ ظاهر يبدو قليلًا قَلِيلا فِي القُرص إِلَى أَنْ يَذْهَبَ نُورُهُمَا وَلَوْنُهُمَا، وَتَظْهَرُ الْكَوَاكِبُ بالنَّهار. وَقَدْ يَكُونُ كُسُوفًا نَاقِصًا فَيَبْقَى شَطْرٌ مِنَ الشَّمْسِ كَاسِفًا، وشطرٌ نَيِّرًا. وَأَمَّا حِسَابُ أَهْلِ الْهَيْئَةِ لِذَلِكَ فَشَيْءٌ ما علمْتُه يخرم أَبَدًا، وَهُوَ عِنْدَهُمْ -[665]- حِسَابٌ قَطْعِيٌّ، وَمَنْ نَظَرَ فِي مُسْتَنَدِهِمْ جَزَمَ بِهِ، بخلاف قَوْلُهُمْ فِي تَأْثِيرِ الْكُسُوفِ فِي الأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ عَظِيمٍ، أَوْ حَادِثٍ كَبِيرٍ، فَإِنَّ هَذَا مِنَ الإِفْكِ والزُّور والهذَيان الَّذِي لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَذَلِكَ التَّأْثِيرُ عند المنجّمين ظنٌُّ وحدْس؛ والظّن أكذب الحديث، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يُكْسفان لِمَوْتِ أحدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، ولكنَّهما آيَتَانِ يُخَوِّفُ اللهٌ بِهِمَا عِبَادَهُ ". غرق بغداد زادت دجلة زيادة مهولة إلى الغاية لم يُعهد مثلها إلا من زمان، فغرق خلْقٌ كثيرٌ من أهل بغداد، ومات خلقٌ تحت الهدْم، وركب الناس في المراكب واستغاثوا بالله تعالى وعاينوا التَّلف، فنقل أَبُو شامة قال: جاء كتاب من المدينة النبوية من بعض بني الفاشاني يقول فِيهِ: وصل إلينا من العراق نجَّابةٌ في جُمادى الآخرة، وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرَقٌ عظيم حتَّى دخل الماءُ من أسوار بغداد، وغرق كثيرٌ من البلد، وانهدمت دار الوزير، وثلاثمائة وثمانون دارًا، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السلاح، وأشرف الناس على الهلاك، وعادت السُّفُن تدخل إلى وسط البلد وتتخرق أزِقّة بغداد. وقد وقع مثل هذا الغرق ببغداد في سنة أربع وخمسين وخمسمائة أيضًا، وبعد ذلك غير مرة، فقد غرقت بغداد عدّة مرّات. وفيها كانت فتنة الكرْخ فِي ذي الحجة، قتل أهل الكرْخ رجلًا من قطَفْتا فحمله أهلُه إلى باب النُّوبيّ، ودخل جماعة إلى الخليفة وعظموا ذلك، ونسبوا أهل الكرْخ إلى كل فساد، فأمر بردعهم، فركب الجُند إليهم وتبعَهم الغوغاء فنُهب الكرْخ وأُحرقت عدّة مواضع، وسبوْا العلويّات وقتل عدّة، واشتدّ الخَطْبُ ثم أُخْمِدت الفتنة بعد بلاء كبير، وصُلب قاتل الأوّل. ونُسب إلى مجاهد الدين الدُّوَيْدار الصغير أنَّه عاملَ على خلْع المستعصم وتوليه ولده، فأسرع مجاهد الدين وحَلَف وسأل أن يواقف القائل عنه، ولبس -[666]- الّلأمَة جُنْدُه واستوحش من الوزير، فهاشت العامَّة وعظُم الأمر، وقُتل جماعةٌ كثيرة وجُرح خلْق، ثم كتب المستعصم أمانًا بخطة للدُّويْدار فرضي. حريق المسجد وفي ليلة الجمعة مستَهَلّ رمضان احترق مسجد الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابتداء حريقه من زاويته الغربيَّة بشمال، دخل بعض القوام إلى خزانة ومعه مُسْرجة فعلقت فِي الآلات، ثم اتصلت بالسَّقف سريعًا، ثم دبَّت فِي السقوف آخذةً نحو القِبْلة، وعجز الناس عن إطفائها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد كلها، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصَاصُها، وكل ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقْف الحُجْرة النبوية، ووقع ما وقع منه فِي الحُجْرة، وترك على حاله لما شرعوا فِي عمارة سقْفها وسقْف المسجد، نقل هذا أَبُو شامة وغيره. ومما قيل فِي ذلك: لم يحترق حرَمُ الرسول لحادثٍ ... نخشى عليه ولا دهاه العار لكنّما أيدي الرّوافض لا مَسَتْ ... ذاك الجناب فطهّرته النار وفيها كان خروج الطاغية هولاكو بن تولي بن جنكزخان، فسار فِي المغول من الأردو فملَكَ الألَموت وقلاع الإسماعيلية التي بنواحي الرّيّ. قال ابن الساعي: بعث هولاكو إلى مقدمة الباطنيّة رُكن الدّين فبعث أخاه في ثلاثمائة فقتلهم هولاكو وتهدد رُكن الدين، فنزل إليه بأمان، ثم قتله وخرب قلعته، ثم خرب الألَموت وسائر قلاع الباطنية، ثم ترحل قاصدًا العراق وسيَّر باجونُويْن إلى الروم فانهزم صاحبُها إلى بلاد الأشكري فملكت التّتار سائر الروم، ونهبوا وقتلوا وفعلوا الأفاعيل. وتوجّه الملك الكامل محمد ابن شهاب الدين غازي صاحب ميَّافارقين إلى خدمة هولاكو، فأكرمه وأمنه وأعطاه فَرَمَانًا ورجع إلى بلده. وفيها فُتحت المدرسة النّاصرية بدمشق عند الفراغ من بنائها، وحضر الدرس يومئذ السّلطان. وفيها شرعوا فِي بناء الرباط النّاصري، واحتفلوا له، وجابوا له الحجر -[667]- الأصفر من بلد حلب. وفيها تواترت الأخبار بوصول هولاكو بجيشه إلى أذْربَيْجان يقصدون العراق، فوردت قُصّاد الديوان العزيز على نجم الدّين الباذرائيّ بدمشق بأن يتقدم إلى الملك النّاصر بمصالحة الملك المُعزّ، وأن يتفقا على حرب التّتار، فأجاب النّاصر إلى ذلك، ورد عسكره من غزّة فدخلوا دمشق. وفيها عُزل بدرُ الدّين السَّنْجاري عن قضاء ديار مصر، ووُلّي تاجُ الدّين ابن بنت الأعزّ. وكانت للملك النّاصر داود ابن المعظَّم وديعة عند الخليفة، فتوقَّف فِي ردِّها واحتجّ بحُجج باردة، وجَرَت أمورٌ قبيحة لم يُعهد مثلها من أميرٍ فضلًا عن أمير المؤمنين، وكان النّاصر دَاوُد قد حجّ، وعاد على العراق بسببها فأُنزل بالحلة وأُجريَ عليه راتبٌ ضعيف، فعمل قصيدةً تلطف فيها وعدَّد خِدمه وخدم آبائه فما نفع، بل سيروا إليه من حاسبه على جميع ما اتصل إليه من النفقات والمأكول وما حملوه إليه من الهدايا فِي تردُّده، ثُم أوصلوا إليه شيئًا يسيرًا وقالوا: قد وصل إليك قيمة وديعتك فهاتِ خطَّك بوصوله، وأنَّك لم يبق لك شيء، فكتب كارهًا، ولم يصل إليه من قيمتها العُشْر، وسافر فاجتمع عليه جماعةٌ من الأعراب وخدموه وأرادوا به التوصُّل إلى العيث والفساد فأبى عليهم، وأقام عندهم، فخاف من ذلك صاحب الشّام الملك الناصر فأحضر الملك الظاهر شاذي بن دَاوُد، وحلف له أنه لا يؤذي والده، فسار شاذي إلى أَبِيهِ وعرَّفه، فقدِم دمشق فوجد الملك النّاصر قد أوغر صدره عليه فنزل بتُربة والده بقاسيون، وشَرَط عليه أن لا يركب فرَسًا، ثمّ أذن له في ركوب الخيل بشرط أن لا يدخل البلد ولا يركب في الموكب، واستمرَّ ذلك إلى آخر السّنة. وفيها انهدمت خانقاه الطاحون بظاهر دمشق، فمات تحت الهدم شيخها بدر الدين المراغي وآخر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي