تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة ست وخمسين
فِيهَا تُوُفِّيَ: عبد اللَّه بن قرط الثُمالي. وجُوَيرية أم المؤْمِنِينَ المصْطَلقية، وقيل: توفيت سَنَة خَمْسِينَ. وَفِيهَا: إِسْحَاق بن طلحة بن عُبَيد اللَّه. وَفِيهَا: وُلد أَبُو جعفر محمد بن عَلَى، وعمرو بن دينار. وقد مر أن مُعَاوِيَة وَلَّى عَلَى البصرة عُبيد اللَّه بن زياد، فعزله في هَذِهِ السنة عَن خراسان، وأمَّر عليها سَعِيد بن عُثْمَان بن عفان، فغزا سَعِيد ومعه -[466]- المهلب بن أَبِي صُفرة الأزدي، وطلحة الطلحات، وأوس بن ثعلبة فغزا سمرقند، وخرج إليه الصُغد فقاتلَوْه، فألجأهم إِلَى مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهائن. وَفِيهَا شتى المسلمون بأرض الروم. وَفِيهَا اعتمر مُعَاوِيَة في رجب. وَفِيهَا تُوفيت الكلابية التي تزوجها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاستعاذت مِنْهُ، ففارقها، أرَّخها الْوَاقدي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَفْلَحُ بْنُ سعيد القبائي، وأفلح بن حميد الْمَدَنِيِّ فِي قَوْلٍ، وَحَمَّادُ الرَّاوِيَةُ بِالْعِرَاقِ، وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ الْقَاضِي، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ الْبَلْخِيُّ بِالشَّامِ، وَعبد الحكيم بن أَبِي فَرْوَةَ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الإِفْرِيقِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْلَةَ الشَّامِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ الهمذاني، وعيسى بن عمر الهمذاني المقرئ، وقباث بن رزين اللخمي، وهشام بن الغاز فِي قَوْلٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ -[12]- مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ الأَمِيرُ. وَفِيهَا كَانَ الْهَيْثَمُ الْمَذْكُورُ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ قَدْ ظَفَرَ بِعَمْرِو بْنِ رَاشِدٍ الَّذِي كَانَ وَلاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، إِذْ خَرَجَ عَلَى إِقْلِيمِ فَارِسٍ فَصُلِبَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ قَطْعِ أَرْبَعَتِهِ، ثُمَّ عُزِلَ الْهَيْثَمُ وَاسْتُعْمِلَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الصلاة مضافا إلى القضاء، فمات الهيثم فجاءة بِبَغْدَادَ عَلَى صَدْرِ سَرِيَّتِهِ، وَوَلِيَ شُرْطَةَ الْبَصْرَةِ سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ستٍّ وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: الربيع بْن سُليمان الجيزيّ، والزُّبَير بْن بكّار، وعبد اللَّه بْن أَحْمَد بْن شَبَّويْه المَرْوزِيّ الحافظ، وعبد اللَّه بْن محمد الزُّهْريّ المخرّميّ، وعلي بْن المنذر الطّريقيّ، وأبو عبد الله الْبُخَارِيّ ليلة عَيد الفِطْر، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، وَمُحَمَّدُ بْن عثمان بْن كرامة، والمهتدي بالله محمد ابن الواثق. وفي أولها قدِم الأمير مُوسَى بْن بُغَا وعبى جيشه ميمنة وميسرة وشهروا السلاح، ودخلوا سامراء مجمعين عَلَى قتل صالح بْن وصيف بدم المعتزّ، يقولون: قتل أمير المؤمنين المعتزّ، وأخذ أموال أمّه قبيحة وأموال الكُتّاب، وصاحت العامّة والغوغاء عَلَى ابن وصيف: " يا فرعون قد جاءك موسى "، فطلب موسى من بُغَا الإذن عَلَى المهتدي بالله، فلم يؤذن لَهُ، فهجم بمن معه عَلَيْهِ وهو جالس فِي دار العدْل، فأقاموه وحملوه عَلَى فَرَس ضعيفة، وانتهبوا القصر، فلما وصلوا إلى دار ياجور أدخلوا المهتدي إليها وهو يقول له: يا مُوسَى اتقِ اللَّه، ويْحَك ما تريد؟ قَالَ لَهُ: والله ما نريد إلَا خيرًا، وحَلَفَ لَهُ: لَا نالك سوء، ثمّ حَلَّفوه أن لَا يمالئ صالح بْن وصيف، فحلَف لهم، فبايعوه حينئذ ثمّ طلبوا صالحًا لكي يناظروه عَلَى أفعاله، فاختفى، ورُد المهتدي بالله إلى داره، ثمّ قُتِل صالح بْن وصيف بعد شهر شر قتلة. وفي آخر المحرم ظهر كتابٌ ذكر أن سِيما الشَّرابيّ، زعم أنّ امرأةً جاءت بِهِ، وفيه نصيحة لأمير المؤمنين: وإنْ طلبتموني فأنا فِي مكان كذا، فلمّا وقف -[12]- عَلَيْهِ المهتدي طلبها فِي المكان فلم يوجد لها أثر، فدعا مُوسَى بْن بُغَا وسليمان بن وهب ومفلحاً وباكباك، وياجور، ودفَع الكتاب إلى سُلَيْمَان فقال: أتعرف هذا الخط؟ قَالَ: نعم، خطّ صالح بْن وصيف، ثمّ قرأه عَلَيْهِم، وفيه يذكر أنّه مُسْتَخْفٍ بسامراء، وأنه استتر خوفاً من الفتن، وأن الأموال علمها عَنْد الْحَسَن بْن مَخْلَد، وكان كتابه يدلّ عَلَى قوة نفسه، فندب المهتدي إلى الصّلح، فاتهمه موسى وذووه بأنّه يدري أين صالح، فكان بينهم فِي هذا كلَام، ثمّ مِنَ الغد تكلموا فِي خلعه، فقال باكباك: ويْحَكُم، قتلتم ابن المتوكلّ وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ويصلي ولا يشرب؟ والله لئِنْ فعلتم لأصيرنّ إلى خراسان ولأشيعن أمركم هناك. ثمّ خرج الَمهتدي إلى مجلسه وعليه ثياب بيض، متقلداً سيفًا، ثمّ أمر بإدخالهم إِلَيْهِ، فقال: قد بلغني شأنكُم، ولست كمن تقدَّمني مثل المستعين والمعتز، والله ما خرجت إليكم إلَا وأنا متحنّط وقد أوصيت، وهذا سيفي، والله لأضربن بِهِ ما استمسكْتُ قائمته بيدي، أما دِين! أما حَيَاء! إمَا رِعة! كم يكون الخلَاف عَلَى الخلفاء والْجُرأة عَلَى اللَّه؟! ثمّ قَالَ: ما أعلم عِلم صالح، قَالُوا: فاحِلفْ لنا، قَالَ: إذا كَانَ يوم الجمعة، وصلَّيت الجمعة، حلفت لكم، فرضوا وانفصلوا على هذا. ثمّ ورد إذْ ذاك مالٌ مِن فارس نحو من عشرة آلاف ألف درهم، فانتشر فِي العامة أنّ الأتراك على خلع المهتدي، فثار العوام والقواد، وكتبوا رقاعاً وألقوها في المساجد: يا معاشر المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدْل الرّضا المضاهي لعمر بْن عَبْد العزيز أنْ ينصره اللَّه عَلَى عدوّه، وراسل أهل الكَرْخ والدُّور المهتدي بالله فِي الوثوب بموسى بْن بُغَا والأتراك، فجزاهم خيرًا ووعدهم بالخير. وفيها تحول الزنج فقربوا مِنَ البصرة، وأخذوا مراكب كثيرة بأموالها؛ فتهيأ سعيد الحاجب لحربهم. وفي أول جماد الأولى رحل موسى بن بغا وباكباك إلى مساور الشاري وكانا ماكثين قريبا من الموصل، وتقهقر مساور. وفي رجب ثار الجند يطلبون العطاء، فلم يعطوا شيئا، ووعدهم المهتدي، وكان موسى وباكباك فِي طلب مساور. وكان المهتدي قد استمال باكباك وجماعة من الأتراك، فكتب إلى باكباك -[13]- أنْ يقتل مُوسَى ومُفْلحًا أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم، فأوقف باكباك مُوسَى عَلَى كتابه وقال: إنيّ لست أفرح بهذا، وإنما هذا يعمل علينا كلنا، فأجمعوا على أن يسير باكباك إلى سامراء، فإن المهتدي يطمئن إليه، لم يقتله. فسار إلى سامرّاء ودخل عَلَى المهتدي فغضب وقال: أمرتك أن تقتل موسى ومفلحا فَدَاهنْت، قَالَ: كيف كنت أقدر عليهما وجيشهما أعظم من جيشي، ولكن قَدْ قدِمت بجيشي ومن أطاعني لأنصُرك عليهما، فأمر المهتدي بأخذْ سلَاحه، فقال: أذهب إلى منزلي وأعود، فليس مثلي من يفعُل بِهِ هذا، فأخذ سلاحه وحبسه، ولمّا أبطأ خبره عَلَى أصحابه قَالَ لهم أَحْمَد بْن خاقان الحاجب: اطلبوا صاحبكم قبل أنْ يفْرُط بِهِ أمرٌ، فأحاطوا بالْجَوْسق، فقال المهتدي لصالح بْن عَلِيّ بْن يعقوب بْن المنصور: ما ترى؟ فقال: قد كَانَ أَبُو مُسلْمِ أعظم شأنًا من هذا العبد، وأنت أشجع مِن المنصور، فاقتله. فأمر بضرب عنقه، وألقى رأسه إليهم، فجاشوا، وأرسل المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأشروسنية، فجاؤوا واقتتلوا، فقُتِل مِنَ الأتراك أربعة آلاف، وقيل: ألفان، وقيل: ألف، فِي ثالث عشر رجب يوم السبت، وحجز بينهُمُ الليل؛ ثمّ أصبحوا على القتال ومعهم أخو باكباك وحاجبه أَحْمَد بْن خاقان فِي زُهاء عشرة آلاف. وخرج المهتدي بالله ومعه صالح بْن عَلِيّ والمصحف فِي عُنقه، وهو يَقُولُ: أيُّها النّاس انصروا خليفتكم، وحمل عليه طغوياً أخو باكباك فِي خمس مائة، فمال الأتراك الذين مَعَ الخليفة إلى طغويا، والتحم الحرب، فانهزم جمْع الخليفة وكثُر فِيهِمُ القتْل، فولّى منهزمًا والسيف فِي يده، وهو ينادي: أيها الناس انصروا خليفتكم. ثمّ دخل دار صالح بْن محمد بن يزداد، ورمى سلاحه ولبس البياض ليهرب مِنَ الأسطحة، وجاء أَحْمَد حاجب باكباك فأخبر بِهِ، فتبعه، فهرب، فرماه بعضهم بسهمٍ ونفجَه بالسيف، ثمّ حُمِل إلى أَحْمَد، فأركبوه بغلاً، وركبوا خلفه سائساً، وأتوا به إلى دار أحمد بْن خاقان، وجعلوا يضربونه ويقولون: أين الذهب. فأقر لهم بست مائة ألف دينار مودعة ببغداد، أودعها الكرخي، فأخذوا خطّه إلى خشف الواضحية المُغَنّية بست مائة ألف دينار، ودفعوه إلى رجلٍ، فعصر عَليْ خصيتيه فمات، وقيل: -[14]- كانت بِهِ طعنه فحملوه عَلَى بِرْذَون، وقيل: أرادوه بدار أَحْمَد عَلِيّ الخلْع، فأبي واستسلم للقتل، فقتلوه. وبايعوا أحمد ابن المتوكل ولقّبوه المعتمد عَلَى اللَّه، وكنيته أَبُو الْعَبَّاس، وقيل: أَبُو جعْفَر، فِي سادس عشر رجب. وقدِم مُوسَى بْن بُغَا إلى سامرّاء بعد أربعة أيام، وخمدت الفتنة، وكان المعتمد محبوساً بالجوسق فأخرجوه. وقتل المهتدي مع باكباك أَبَا نصر محمد بْن بُغَا أخا مُوسَى. وضيّق المعتمد عَلَى عيِال المهتدي بالله، ثمّ استعمل المعتمد أخاه الموفق طلحة عَلَى المشرق، وصيّر أبنه جعفرًا ولي عهده، وولَاه مصر والمغرب، ولقّبه المفوض إلى اللَّه، وانهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عَنِ الرّعيّة، فكرهه النّاس وأحبوا أخاه طلحة. وفي العشرين من رجب دخلت الزَّنج البصرة، فقتلوا وفتكوا، وفعلوا بالأهواز والأُبلةَ أكثر مما فعلوا بالبصرة. وفيها ظهر بالكوفة عَلِيّ بْن زيد الطالبيّ، فبعث إليه المعتمد جيشاً هزمهم الطالبي. وفيها غلب الْحَسَن بْن زيد الطالبيّ عَلَى الرِّيّ، فجهز إليه المعتمد مُوسَى بْن بُغَا، وخرج معه مُشيِّعا له. وفيها حجّ بالنّاس محمد بْن أَحْمَد بْن عيسى بن المنصور أبي جعفر العباسي. وأما صالح بْن وصيف، فكان قد استطال عَلَى الخلفاء وقتل المعتزّ، وأقام المهتدي، وحكم عَلَيْهِ، وذكرنا استتاره فِي أيّام المهتدي، قَالَ: فنادى عَلَيْهِ مُوسَى بْن بُغَا: من جاء بِهِ فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، فاتفق أنّ بعض الغلْمان دخل زقاقًا وقت الحرّ، فرأى بابًا مفتوحًا فدخل، فمشى فِي دِهْليز مظلمٍ، فرأى صالحًا نائمًا، فعرفه وليس عنده أَحْد، فجاء إلى مُوسَى فأخبره، فبعث جماعةً فأخذوه، ثمّ ذهبوا بِهِ مكشوف الرأس إلى الْجَوْسَق، فبادره بعض أصحاب مُفْلح، فضربه من ورائه، واحتزُّوا رأسه وطافوا بِهِ، وتألًم المهتدي فِي الباطن لقتْله، وقال: رحِم اللَّه صالحًا، فلقد كَانَ ناصحًا. وأمّا الصُّوليّ، فقال: عذَّبوه في حمام كما فعل بالمعتز، حتى أقر بالأموال ثم خنقوه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وخمسين وثلاثمائة
عَمِلت الرافضة يوم عاشوراء ببغداد وناحت. وفيها مات مُعِزّ الدولة بن بُوَيْه، وولي إمرة العراق ابنه عزُّ الدولة بختيار ابن أحمد بن بُوَيْه. قال أبو القاسم التَّنوخي: حدَّثني الحُسين بن عثمان الفارقي الحنبليُ، -[21]- قال: كنت بالرَّمْلة في سنة ست وخمسين، فقدِمَها أبو علي القِرمطيّ القَصير الثِّياب، يعني الذي تملَّك الشام، فَقَرَّبني، فكنت ليلة عنده، فقال بديهاً: ومَجْدُولَةٍ مثل صدْر القَنَاة تَعَرَّتْ وباطنها مُكْتَسي لها مُقْلَةٌ هي روحٌ لها وتاج على هيئة البُرْنُسِ إذا غازَلْتهَا الصَّبا حَرَّكت لساناً من الذَّهب الأملسِ فنحنُ من النُّور في أسعدٍ وتلك من النَّار في أنحسِ وفي المجلس أبو نصر بن كُشَاجم، فقَبَّل الأرضَ وزاد فيها: وليلتنا هذه لَيْلَةٌ تشَاكِلُ أشكال أقليدس فيا ربَّةَ العُود غني الغنا ويا حامل الكأس لا تحبسِ وفيها دخلت الخراسانية فغزوا بلد ابن مَسْلَمَة وخرجوا بالسلامة والغنائم، وتضور أهل نَصِيبّين إلى ناصر الدولة بمصادرة العمّال، فأزال ضررهم وردّ إليهم كثيرًا من أموالهم، حتى قيل: إنّه قال لهم: قد أبحت لكم دماء من ظلمكم. وفيها رجع غزاة خُراسان إلى بلادهم، ودخل سيف الدولة إلى حلب ومعه قوم من الخراسانية. ومعهم فيل، فمات الفيل بعد أيام، فاتّهموا أنّ النّصارى سمَّتْهُ. ومات سيف الدولة في صفر، وبُعِثَ بتابوته إلى عند قبر أمّه. وكان تُقَى مولى سيف الدولة أكبر الأمراء، وكان قد أخذ من أنطاكية مالًا كثيرًا، حتى ضجّ الناس منه، وشكوه إلى قرغُوَيْه الحاجب نائب حلب، فأحبَّ أن يبعدَهُ عن الشام، فرفق به حتى جاء إلى حلب، ونفّذه مع التابوت المذكور في سبعمائة فارس وراجل، وقال له: أقِمْ بديار بكر، فإنّها مملكة مفتقرة إلى مثلك. وأجمع رأي أبي المعالي ابن سيف الدولة على المجيء إلى حلب، فلما وافى تُقي بالتابوت إلى ميّافارقين، خرج أبو المعالي منها لتلقّيه، فصَعُب على تُقي، كون القاضي وابن سهل الكاتب وابن جلبة لم يترجّلوا له، فلمّا نزل قبض عليهم، فاضطرب لذلك البلد، فجهّزت والدة أبي المعالي إلى كبار الغلمان ولاطفتهم ففرَّقَتْهم عن تُقى، وقالوا: ما جئنا لنخرق بابن مولانا ولا لنقاتله، واجتمعوا على مخالفة تُقى، فلما أحسّ بذلك سار في حاشيته إلى ناحية أَرْزن، فلم يمكنه عبور النهر لزيادته، فرجع وتذلّل، فقبض عليه أبو المعالي وقيّده واعتقله بحصن كافا، وأخذ منه سبعة وعشرين ألف دينار وثلاثمائة ألف درهم كانت معه. -[22]- وفيها قبض على الملك ناصر الدولة بن حمدان ولده أبو تغلب، لأن أخلاقه ساءت، وظلم وعسف وقتل جماعة وشتم أولاده وتزايد أمره، فقبض عليه ابنه بمشورة الدولة في جمادى الأولى ونفَّذه إلى قلعة، ورتب له كل ما يحتاج إليه، ووسّع عليه، وقال: هذا قد اختلّ مِزاجُه. وفي رجب دخل أبو المعالي حلب وفرح الناس به. وفي هذه الأيام نزلت الروم على رَعْبان، فسار عسكر حلب للكشف عنها، فترحل ملك الروم، ثم سار عسكر حلب فنزلوا على حصن سرجون فافتتحوه بعد أيام بالسيف بعد حرب عظيم، وأخذوا منه ما لا يوصف، وحصل من السبي خمسة آلاف آدميّ، ثم نازلوا حصن سنّ الحمراء، فافتتحوه وسبوا منه نحو الألف، وأسروا ثلاثمائة عِلْج، وأسروا سرجون لعنه الله، وهو الذي كان أسر أبا فراس بن حمدان فلله الحمد. وغزت الخراسانية مع لؤلؤ الحجراجي من أنطاكية إلى ناحية المَصّيصة، فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الروم، فنصر الله وقتلوا ألفاً من الروم، وأسروا خلقًا، وردّوا بالغنائم إلى أنطاكية، ثم عادوا غزوا فأصيبوا. وسار نحو ألفي فارس من التُرْك إلى مصر لأنّ كافورًا راسلهم. ودخل الثغر محمد بن عيسى رئيس الخراسانية ومعه ابن شاكر الطرسوسي، فظفروا وغنموا وردّوا بالغنائم. وتأخّر في الساقة محمد بن عيسى وابن شاكر في نحو ثمانمائة فارس، فدَهَمهُمْ جموع الروم، فقال ابن عيسى: ما أستحل أن أُوَلّيهم الدُّبُرَ بعد أن قَرُبُوا. وسار ابن شاكر يكشفهم فإذا هم فيما يقال في ثلاثين ألفًا، فرجع وقال: لا طاقة لك بهؤلاء، فلم يقبل، والتقاهم وقاتلوا أشدّ قتال، وأنكوا في الروم نكاية عظيمة، واستُشْهِد عامّة المسلمين، وبقي محمد بن عيسى في مائة وخمسين فارسًا، فقال له ابن شاكر: لا تُلْقي بيدك إلى التَهْلُكة، فقال له فقيه معه: إن وَلَّيْتَ الدُّبُرَ لحِقُوك وقتلوك وأنت فارَّ، فقاتَلَ حتى قتل أكثر أصحابه، ثم أُسِر محمد بن عيسى، وابن شاكر، ثم ورد الخبر بأن ابن عيسى اشترى نفسه بمائة ألف درهم وبمائة وعشرين عِلْجًا كانوا بأنطاكية، وبرطل فصوص فيروزج، وإنّه بعد ذلك غزا العدُوَّ وظفر، رحمه الله تعالى وغفر له. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وخمسين وأربعمائة.
فيها قبض السُّلطان ألْبُ أرسلان على الوزير عميد الملك، ثم قتله بعد قليل. وتفرَّد بوزارته نظام المُلْك، فأبطل ما كان عمله عميد المُلْك من سبِّ الأشعريّة وانتصر للشّافعيّة. وأكرم إمام الحَرَمَيْن، وأبا القاسم القُشيْريّ. وفيها تملَّك السُّلطان ألْبُ أرسلان هَرَاة وصَغَانْيان وختّلان. فأمّا هَرَاة فكان بها عمّه بيغو بن ميكائيل، فأخذها منه بعد حصارٍ شديد، وأحسن إليه واحترمه ولم يؤذِه. وأمّا ختّلان فإنّ ملكها قُتِلَ بسهمٍ في الحصار. وأمّا صَغَانيان فافتتحها عنوةً وقتل صاحبها. وفيها أمر السُّلطان ألْبُ أرسلان ابنة الخليفة بالعَوْد من الرَّيّ إلى بغداد، وأعلمها أنّهُ لم يقبض على عميد المُلْك إِلَّا لِمَا اعتمده من نقلِها إلى الرَّيّ بغير رضى الخليفة، وبعث في خدمتها أميراً ورئيساً. وفيها قلّده القائم بأمر الله السَّلطنة، وبعث إليه بالخلع. وفيها كانت وقعة بقُرب الريّ بين السُّلطان وبين قريبه قُتلمِش، وانكشفت المعركة عن قُتلمِش ميِّتًا مُلقى على الأرض، فحزن عليه السُّلطان وندم، وجلس للعزاء، ثم تسلَّم الرَّيّ. وسار إلى أَذَرْبَيْجَان، فوصل إلى مَرَنْد عازِمًا على جهاد الرُّوم، لعنهم اللَّه، واجتمع له هناك من الملوك وعساكرها ما لَا يُحْصى، ودخلوا في طاعته وخضعوا له. وافتتح في هذه الغزوة عدّة حصون وهابته المُلُوك وبَعُدَ صِيتُهُ وكَثُرَ الدُّعاء له لكثرة ما افتتح من بلاد النّصارى. وهادنه ملك الكَرْج والتزم بأداء الْجِزية. وقُرئ كتاب الفتح المبارك ببغداد. وغنم جيشه في هذه النَّوبة ما لَا يُحدُّ ولا يوصَف كَثْرَةً. ثم عاد فسار إلى أصبهان ومنها إلى كرمان، فتلقّاه أخوه قاروت بك. ثم سار إلى مَرْو، فزوَّج ولده مُلْكشاه ببنت خاقان صاحب ما وراء النّهر، ودخل بها. وزوَّج ولده رسلان شاه ببنت سلطان غزنة، واتّفقت الكلمة بينهما، ووقع الصُّلح، ولله الحمد. وفيها اشتهر ببغداد وغيرها أنّ جَمَاعة أكراد خرجوا يتصيّدون، فرأوا في -[12]- البريّة خيامًا سُودًا، وسمعوا منها لطمًا وعويلًا، وقائِلٌ يقول: مات سيّدوك ملك الجنّ، وأي بلدٍ لم يلطُم أهله ويعملون المآتم أُهلِكَ أَهْلُهُ. فخرج كثير من النّساء إلى المقابر يلطمن وينحن على سيدوك، وفعل ذلك كثير من جهلة الرّجال، فكان ذلك ضجة عظيمة. وفيها ولي ببغداد نقابة العلويين أبو الغنائم المعمَّر بن محمد بن عُبَيْد اللَّه وإمارة الموسم، ولقِّب بالطّاهر ذي المناقب. وكان النقيب أبو الفتح أسامة العلويّ قد بطل النّقابة، وصاهر بني خفاجة، وانتقل معهم إلى البريّة، وبقي إلى سنة ثنتين وسبعين، فتُوُفّي بمشهد عليّ رضي اللَّه عنه. وفيها هرب أمير الجيوش بدر متولِّي دمشق منها، فوليها أبو المُعَلّى حيدرة الكتّاميّ، فحكم بها شهرين. وعُزِل بدريّ المُستَنصِريّ المُلقَّب شهاب الدّولة. فوليها أيّامًا في أواخر السّنة، ثُمّ عُزِلَ وولي إمرة الرَّملة فبقي عليها إلى أن قُتِلَ سنة ستّين وأربعمائة. وخلت دمشق من نائب إلى أن أُعيد عليها بدر أمير الجيوش سنة ثمانٍ وخمسين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وخمسين وخمسمائة
فِي المحرَّم قُطِعت خطبة سُلَيْمَان شاه من المنابر، ثم خطب لأرسلان شاه. قال ابن الأثير: لمّا قتِل سُلَيْمَان شاه أرسلوا إلى إيلدكز صاحب أَرَّان وأكثر أَذَرْبَيْجان، فطلبه الأمير كُردباز ليخطب لأرسلان الَّذِي معه. وكان إيلدكز قد تزوَّج بأُمّ أرسلان، وولدت له البَهْلَوان بْن إيلْدَكز. وكان إيلْدَكز أتابَكَه وأخوه لأمّه البَهْلَوان حاجبه، وكان إيلدكز مملوكًا للسّلطان مَسْعُود، فأقطعه أرَّان وبعض أَذَرْبَيْجان، ووقع الاختلاف، فلم يحضر إيلدكز عند فرقتهم أصلًا. وعظُم شأنه، وجاءته الأولاد من أمّ السّلطان أرسلان فسار إيلْدَكز فِي العساكر، وهم أكثر من عشرين ألفًا، ومعه أرسلان بْن طُغْرُل بن محمد ملكشاه فتلقاهم كردباز، فأنزله بهمذان فِي دار السّلطنة، وخطب لأرسلان. ثُمَّ بعثوا إلى بغداد يطلبون له السّلطنة، فأُهين رسولهم. وكان قد تغّلب على الرَّيّ الأمير إينانج، وقوي حاله، فصالحه، إيلْدَكز، وزوَّج ولده البَهْلَوان بابنة إينانج وزفت إليه بهمذان. ثُمَّ التقى البَهْلَوان وصاحب مَرَاغَة آقْسُنْقُر، فانهزم البَهْلَوان فجاء إلى هَمَذَان على أسوأ حال. وفيها كثر اللصوص والحرامية بنيسابور، ونهبوا دُور النّاس نهارًا جهارًا، فقبض المؤيِّد على نقيب العلويّين أبي القَاسِم زَيْدُ الحسينيّ وعلى جماعةٍ، وقتل جماعة، وخُرِّبت نَيْسابور، وممّا خُرّب سبع عشرة مدرسة للحنفيَّة، وأُحرقت خمسُ خزائن للكُتُب، ونُهِبَت سبْعُ خزائن، وبيعت بأبخس الأثمان، وخرب مسجد عقيل. وانتشر فِي هذه الأيّام، وقت عاشوراء، الرَّفْض والتسنن حتى خيف من فتنة تقع. وفيه ركب المستنجد بالله وراح إلى الصَّيد، ثُمَّ بعد أيّام خرج أيضًا إلى الصَّيد. -[21]- وكان الرخص كثيرًا ببغداد، فأُبيع اللَّحْم أربعة أرطال بقيراط، والبيض كل مائة بقيراط. وفيها كان مقتل الملك الصّالح طلائع بْن رُزّيك، واستولى على مصر شَاوَر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ست وخمسين وستمائة
دخَلَتْ والملك النّاصر والبحرية، والملك المغيث متفقون على قصْد الديار المصرية وطمعوا فيها لأن سلطانها صبيّ، فنزل الملك المغيث على غزة فخرج الأمير سيف الدّين قطز بعسكر مصر، ونزل بالعباسة لقتال الشّاميين، ثم -[671]- سار المغيث بالعساكر الشّامية، فضرب مع المصريين رأسًا بالرمل، فانكسر وأُسر طائفة من أمرائه، وهم أيْبَك الرومي، وأيْبَك الحمويّ، وركن الدين الصَّيرفيّ، وابن أطلس خان الخُوَارَزْميّ، فضُربت أعناقهم صبرًا بين يدي قُطُز، ودخلوا بالرّؤوس إلى القاهرة، وهرب المغيث وأتابكه الصّوابيّ والبُنْدُقْداري فِي أسوأ حالٍ وأنحسه إلى الكَرَك. كائنة بغداد كان هولاكو قد قصد الألَموت، وهو مَعْقل الباطنية الأعظم وبها المقدَّم علاء الدين محمد ابن جلال الدّين حسن المنتسب إلى نِزار ابن المستنصر ابن الظّاهر ابن الحاكم العُبَيْدي الباطني، فتُوفّي علاءُ الدين وقام بعده ابنُه شمسُ الشُّموس، فنزل إلى هولاكو بإشارة النصير الطُّوسي عليه، وكان النصير عنده وعند أبيه من قبله، فقتل هولاكو شمس الشُّموس وأخذ بلاده وأخذ الروم، وأبقى بها ركن الدّين ابن غياث الدين كيْخُسْرو صورةً بلا معنى، والحُكْم والتصرف لغيره. وكان وزير العراق مؤيد الدين ابن العَلْقمي رافضيًا جَلْدًا خبيثًا داهية، والفتن فِي استعارٍ بين السُّنَّة والرافضة حتى تجالدوا بالسيوف، وقُتل جماعة من الرافضة ونُهِبوا، وشكا أهل باب البصرة إلى الأمير ركن الدين الدُّوَيْدار والأمير أبي بكر ابن الخليفة فتقدّما إلى الجند بنهْب الكرْخ، فهجموه ونهبوا وقتلوا، وارتكبوا من الشّنعة العظائم، فحنق الوزير ونوى الشّرّ، وأمر أهل الكرْخ بالصبْر والكف. وكان المستنصر بالله قد استكثر من الجُنْد حتى بلغ عدد عسكره مائة ألف فيما بَلَغَنَا، وكان مع ذلك يصانع التّتار ويُهاديهم ويُرْضيهم. فلما استخلف المستعصم كان خليًا من الرأي والتدبير، فأُشير عليه بقطع أكثر الْجُنْد، وأن مصانعة التّتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك. وأما ابن العلْقمي فكاتَبَ التتار وأطمعهم فِي البلاد، وأرسل إليهم غلامه وأخاه، وسهل عليهم فتْحَ العراق، وطلب أن يكون نائبَهم، فوعدوه بذلك وتأهبوا لقصد بغداد، وكاتبوا صاحب المَوْصِل لؤلؤ فِي تهيئة الإقامات والسلاح، فأخذ يكاتب الخليفة سرًا ويهيِّئ لهم الآلات والإقامات، فكان -[672]- الوزير هُوَ الكل، وكان لا يوصل مكاتبات صاحب الموصل ولا غيره إلى الخليفة، وإنْ وصلت سرًّا إلى الخليفة أَطْلع عليها ابنَ العلْقميّ وردّ الأمر إليه. وكان تاج الدين ابن صَلايا نائب إرْبل يحذر الخليفة ويحرك عزْمه، والخليفة لا يتحرَّك ولا يستيقظ، فلما تحقق حركة التّتار نحوه سيَّر إليهم شرفَ الدّين ابن محيي الدّين ابن الْجَوْزي رسولًا يعِدُهم بأموالٍ عظيمة، ثم سيَّر مائة رَجُل إلى الدّرْبَنْد يكونون فِيهِ ويطالعون بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبرٌ لأن الأكراد الذين كانوا هناك دلوا التّتار عليهم فقتلوهم أجمعين فيما قيل. وركب هولاكو إلى العراق، وكان على تقدمته باجُو نُوِين وفي جيشه خلْق من الكرْج ومن عسكر بركة ابن عم هولاكو، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الملك الصالح رُكن الدين إِسْمَاعِيل، وأقبلوا من جهة البر الغربي عن دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم رُكن الدّين الدويدار، فالتقوا يوم تاسوعاء على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديون بعد أن قتلوا عددًا كثيرًا من العدو، وأخذتهم السيوف وغرق بعضهم فِي الماء، وهرب الباقون. ثمّ ساق بايجو نُويْن فنزل القرية مقابل دار الخلافة وبينه وبينها دجلة، وقصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي، ثم إنه ضرب سورًا على عسكره وأحاط ببغداد، فأشار الوزير على المستعصم بالله بمصانعتهم وقال: أخرج أليهم أَنَا فِي تقرير الصُّلح. فخرج وتوثّق لنفسه من التّتر ورد إلى الخليفة وقال: إن الملك قد رغب فِي أن يزوج بنته بابنك الأمير أَبِي بَكْر ويُبقيك فِي منصب الخلافة كما أبقى صاحبَ الروم فِي سلطنته، ولا يؤثر إلا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السّلاطين السَّلْجوقيّة، وينصرف عنك بجيوشه فيجيبه مولانا إلى هذا فإنّ فيه حقْنَ دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد. والرأي أن تخرج إليه، فخرج في جمع من الأعيان إلى هولاكو فأُنزل فِي خيمة. ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل، ليحضروا العقد يعني. فخرجوا من بغداد فضُربتْ أعناقهم، وصار كذلك يخرج طائفةٌ بعد طائفة فتُضْرب أعناقهم. ثمّ مدّ الجسر وبكّر بايجو ومَن معه فبذلوا السيف فِي بغداد، -[673]- واستمرّ القتل والسَّبْي في بغداد بضعة وثلاثين يومًا، فلم يَنْج إلا من اختفى، فبلَغَنَا أنْ هولاكو أمر بعد ذلك بعد القَتْلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسْر، والأصح أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف، ثمّ نودي بعد ذلك بالأمان، فظهر من كان قد تخبأ وهم قليل من كثير. فممن هلك فِي وقعة بغداد الخليفة، وابناه أَحْمَد وأبو بَكْر، وابن الجوزي وأولاده الثلاثة، والرُّكْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُكَيْنة كهْلًا، وكبير الشافعية شهاب الدين محمود بن أَحْمَد الزِّنْجانيّ، والقُدْوة الشَّيْخ علي الخباز، والأديب نحوي النظامية جمال الدين عَبْد الله بن خنفر، وشيخ الخليفة صدر الدين علي بن النيار، وقريبه عَبْد الله بن عُبَيْد الله، والعدل عبيد الله بن عسكر البَعْقُوبيّ، والشَّرَف مُحَمَّد بن سُكينة أخو الركْن، والعدل عبد الوهّاب ابن الصدر عَبْد الرحيم بن عَبْد الوهاب بن سُكينة واخوه عَبْد الرَّحْمَن، ويحيى بن سعد اليزديّ العدل، ووالد الرشيد بن أَبِي القاسم، وعَبْد القاهر بن محمد ابن الفُوطي كاتب ديوان العرض. وفيها مات: علي بن الأخضر، والشاعر علي الرُّصافيّ، وحسين بن داود الواسطيّ المحدّث، وعمر بن دهجان المحدّث قتْلًا، وأحمد بن مسعود البَعْليّ الحنبليّ، والعدل عبد الله بن ياسر البَعْلي، ووالد الشَّيْخ علي البَنْدنِيجيّ العدل، ومحمد ابن الهيتيّ، والعدل علي بن أَبِي البدر. وأما الوزير ابن العلقَمِي فلم يتم له ما أراد، وما اعتقد أن التتر يبذلون السيف مطلقًا، فإنه راح تحت السيف الرافضة والسُّنَّة وأُمم لا يُحصوْن، وذاق الهوان والذُّل من التّتار، ولم تطُلْ أيامه بعد ذلك. ثم ضرب هولاكو عنق بايجُو نُويْن لأنه بَلَغه عَنْهُ أنه كاتبَ الخليفة وهو فِي الجانب الغربي. وأمَّا الخليفة فقُتل خَنْقًا، وقيل: غُمَّ فِي بساط، وقيل: رفسوه حتى مات. وقتل الأمير مجاهد الدين الدُّوَيْدار، والشَّرابيّ، والأستاذ الدار محيي الدّين ابن الْجَوّزِي وولداه، وسائر الأمراء والحُجّاب والكبار. وقالت الشُّعراء قصائد فِي مراثي بغداد وأهلها وتمثل بقول سِبْط التعاويذي: بادت وأهلوها معًا فبيوتُهُمْ ... ببقاء مولانا الوزير خراب وكانت كسْرةُ عسكر الخليفة يوم عاشوراء، ونزل هولاكو بظاهر بغداد في -[674]- الرابع عشر من المحرَّم، وبقي السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يومًا. وبَلَغَنَا أنْ آخر جُمعة خطب فيها الخطيب ببغداد كانت الخطبة: " الحمد لله الَّذِي هدم بالموت مُشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار ". وكان السيف يعمل فِي الجمعة الأخرى، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. اللهُم آجِرنا فِي مُصيبتنا التي لم يُصب الإسلامُ وأهلُه بمثلها. ولتقي الدين إِسْمَاعِيل بن أَبِي اليُسر قصيدة مشهورة فِي بغداد وهي: لسائل الدَّمع عن بغداد أخبارُ ... فما وقوفُك والأحباب قد ساروا يا زائرين إلى الزَّوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديّارُ تاجُ الخلافة والربع الَّذِي شرُفَتْ ... به المعالم قد عفّاه إقفارُ أضحى لعطف البِلَى فِي ربْعه أثر ... وللدُّموع على الآثار آثارُ يا نار قلبي من نارٍ لحربِ وَغى ... شبَّت عليه ووافى الرَّبْع إعصارُ علا الصّليبُ على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنّارُ وكم حريم سَبَتْه التُّرْكُ غاصبةٌ ... وكان من دون ذاك الستْر أستارُ وكم بُدُور على البدرية انخسفت ... ولم يعد لبُدور منه إبدارُ وكم ذخائر أضحَت وهي شائعةٌ ... من النُّهاب وقد حازته كفَّارُ وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرقاب وحُطّت فِيهِ أوزارُ ناديت والسَّبيُ مهتوكٌ تجرّهم ... إلى السِّفاح من الأعداء ذعّارُ وهم يساقون للموت الَّذِي شهدوا ... النار يا رب من هذا ولا العارُ والله يعلم أن القوم أغفلهم ... ما كان من نِعم فيهن إكثارُ فأهملوا جانب الجبار إذ غفلوا ... فجاءهم من جنود الكُفْر جبّارُ يا للرجال بأحداث تحدّثنا ... بما غدا فيه إعذار وإنذارُ من بعد أسْرِ بني الْعَبَّاس كلّهم ... فلا أنار لوجه الصُّبح إسفارُ ما راق لي قطُّ شيءٌ بعد بَيْنهم ... إلا أحاديث أرْويها وآثارُ لم يبق للدّين والدّنيا وقد ذهبوا ... سوقٌ لمجدٍ وقد بانوا وقد باروا إن القيامة في بغدادَ قد وُجِدتْ ... وحدها حين للإقبال إدبار آل النّبيّ وأهل العلم قد سُبيوا ... فمن ترى بعدهم تحويه أمصارُ ما كنتُ آمُلُ أن أبقى وقد ذهبوا ... لكن أتى دون ما اختار أقدارُ -[675]- فِي أبيات أخَر، وجمْلتها ستةٌ وستون بيتًا. قال ابن الكازروني وغيره: ما زالوا فِي قتلٍ وسبْي وتعذيب عظيم لاستخراج الأموال مدة أربعين يومًا، فقتلوا النساء والرجال والأطفال أهل البلد وأهل سائر القرى ما عدا النصارى، عُيّن لهم شحاني حرسُوهُمْ، وانضم إليهم خلقٌ مسلمون سلِموا. وكان ببغداد عدةٌ من التُّجار سلِموا بفرمانات والتجأ إليهم خلق، وسلم مَن بدار ابن العَلْقَمي، ودار ابن الدّامَغَانيّ صاحب الديوان ودار ابن الدّواميّ الحاجب، وما عدا ذلك ما سلِم إلا من اختفى فِي بئرٍِ أو قناة، وأحرق مُعظم البلد، وكانت القتلى فِي الطُّرق كالتُّلول. ومن سلِم وظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفًا وجوعًا وبردًا، وسلِم أهل الحلّة والكوفة، أمنهم القان، وبعث إليهم شحاني، وسلمت البصرة وبعضُ واسط، ووقع الوباء فيمن تخلف. وفيها كانت وقعة الملك المغيث مع المصريين فانكسر كما ذكرنا، وهرب هُوَ وبدر الدين الصوابي والبُنْدقْداريّ الَّذِي تسلطن، فوصلوا إلى أسوأ حال. وأما مصر فزيَّنت فِي ربيع الآخر للنّصر، وعاثت البحرية بعد الكسرة وأفسدوا، فجهز لحربهم الملك الناصر مجير الدّين ابن أَبِي زكري، ونور الدين علي بن الأكتع فالتقوا على غزة، فانتصرت البحرية وأسروا الأميرين وحملوهما إلى الكَرَك، وقويت شوكتهُم، فبرز دهليز الملك النّاصر، وعزم على قتالهم بنفسه، فقرُبت البحرية من دمشق، فهجم رُكن الدين البُنْدُقداري في بعض الأيام على الدِّهليز وهو عند الجسورة، وقطع أطناب الدِّهليز. وولى هولاكو على العراق نوابه، وعزم ابن العلْقَمي على أن يحسِّن لهولاكو أن يقيم ببغداد خليفة علويًا فلم يتهيأ ذلك له، واطَّرَحَتْه التّتار، وبقي معهم على صورة بعض الغلمان، ثمّ مات كمدًا، قولوا: لا رحمه الله. وسار هولاكو قاصدًا إلى أذَرْبيجان فنزل إليه بدر الدين صاحب الموصل فأكرمه ورده إلى الموصل، ونزل إليه تاج الدين ابن صَلايا فقتله، فقيل: إن صاحب الموصل كان فِي نفسه من ابن صَلايا، فقال لهولاكو: هذا شريف علويّ، فربّما تطاول إلى الخلافة، ويقوم معه خلق، فلهذا قتله -[676]- هولاكو، ولم تطُل لصاحب الموصل بعد ذلك حياة. وفيها جاءت فرقة من التّتار فنازلت ميَّافارقين فحصروها. وفيها جاءت رُسُل قاءان من بلاد ما وراء النَّهر ورُسُل هولاكو إلى صاحب الشّام، فصورة كتاب هولاكو: " يعلم سلطان ملك ناصر طال بقاؤه إنه لما توجَّهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف الله تعالى، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدَّموها، فكان قُصارى كلامهم سببًا لهلاك نفوس تستحقّ الإذلال، فأعدمناهم أجمعين، ذلك بما قدمت أيديهم وبما كانوا يكسبون، وأما ما كان من صاحب البلدة، فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا، فسألناه عن أشياء كذبَنَا فيها، فاستحق الإعدام، وكان كذبُه ظاهرًا، ووجدوا ما عملوا حاضرًا، أجِبْ ملك البسيطة، ولا تقولن: قِلاعي المانعات ورجالي المقاتلات، ولقد بلغَنَا أن شَذَراتٍ من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جنابك لائذة. أين المفرُّ ولا مفرَّ لهاربٍ ... ولنا البسيطان الثَّرى والماءُ فساعَةَ وقوفِك على كتابنا تجعل قلاع الشّام سماءها أرضًا، وطولها عرضًا، والسلامُ. ومن كتابٍ ثانٍ: " خدمة ملك ناصر طال عُمرُه، أما بعد، فإنّا فتحنا بغدادً واستأصلنا ملْكها وملِكها، وكان ظنَّ وَقد ضنَّ بالأموال، ولم ينافس فِي الرجال أن مُلكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذِكره، ونما قَدْرُه، فخُسِفَ فِي الكمال بدْره. إذا تم أمرٌ بدا نقْصُهُ ... توقَّعْ زوالًا إذا قيل تم ونحن فِي طلب الازدياد، على ممر الآباد، فلا تكن كالذين نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم، وأبْدِ ما فِي نفسِك، إما إمساكٌ بمعروفٍِ أو تسريحٌ بإحسان، أجبْ دعوة ملك البسيطة تأمَنْ شرّه، وتنل بِرَّه، وَاسْع إليه برجالك وأموالك، ولا تعوِّقْ رسولَنا، والسّلام ". وفي صفر قدِم دمشق الملكُ الكامل ابن المظفَّر ابن العادل يستنجد الإسلام على التّتار، فتباشر النّاس شيئًا، ودخل البلد وزار قبر جَدّه، ثمَّ رد إلى بلاده، ولم ينفر أحدٌ لتَيَقُّن الناس بأخْذ بغداد. -[677]- ووصل نحو خمسمائة فارس من عسكر العراق، ذكروا أن التّتار حالوا بينهم وبين بغداد، ثم جاء بعدهم نحو الثلاثمائة إلى دمشق. وفي أثناء السنة اشتد الوباء بالشّام ومات خلْقٌ بحيث أنه قيل: إنه خرج من حلب فِي يومٍ واحدٍ ألفٌ ومائتا جنازة، وأما دمشق فكان فيها من المرض ما لا يحَد ولا يوصف، واستغنى العطارون، ونفدت الأدوية، وعز الأطِباء إلى الغاية، وأبيع الفرُّوج بدمشق بثلاثة دراهم، وبحلب بعشرة دراهم، ومبدأ الوباء فِي جُمادى الأولى لفساد الهواء بملحمة بغداد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي