تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة سبع وخمسين.
فِيهَا تُوفيت أم المؤْمِنِينَ عائشة، أَوْ في سَنَة ثمان، وَفِيهَا: السائب بن أبي وداعة السهمي، ومعتب بن عوف ابن الحمراء وعَبْد اللَّهِ بن السعدي العامري، وفي قول: أَبُو هريرة. وَفِيهَا: كعب بن مرة، أَوْ مرة بن كعب البهزي، وقثم بن العباس. وَيُقَالُ: تُوُفِّيَ فِيهَا سَعِيد بن العاص. وعَبْد اللَّهِ بن عامر بن كريز. وَفِيهَا عُزِل الضحاك عَن الْكُوفَة، ووليها عَبْد الرَّحْمَنِ ابن أم الحكم. وَفِيهَا وجه مُعَاوِيَة حسان بن النعمان الغساني إِلَى إفريقية، فصالحه من يليه من البربر، وضرب عليهم الخراج، وبقي عليها حَتَّى تُوُفِّيَ مُعَاوِيَة. وَفِيهَا عزل مُعَاوِيَة مروان عَن المدينة، وأمَّر عليها الْوَليد بن عُتْبة بن أَبِي سفيان، وعزل عَن خُراسان سَعِيد بن عُثْمَان، وأعاد عليها عُبيد اللَّه بن زياد. وشتى عَبْد اللَّهِ بن قيس بأرض الروم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا قَاضِي مَرْوَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي قَوْلٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ سَعِيدٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيُّ الأَمِيرُ، وَفَقِيهُ الشَّامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأوزاعي، وعمر بن صهبان، ومحمد بن عبد الله ابن أَخِي الزُّهْرِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلٍ، وَيُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو مِخْنَفٍ لُوطٌ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا أَنْشَأَ الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الَّذِي سَمَّاهُ الْخُلْدَ، وَفِيهَا عَرَضَ جُيُوشَهُ فِي السِّلاحِ وَالْخَيْلِ، وَخَرَجَ هُوَ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ وَقَلَنْسُوَةٌ سَوْدَاءُ مُضَرَّبَةٌ، وَفَوْقَهَا الْخَوْذَةُ، وَنَقَلَ الأَسْوَاقَ مِنْ بَغْدَادَ، وَعُمِلَتْ بِظَاهِرِهَا بِبَابِ الْكَرْخِ، وَأَمَرَ بِعَمَلِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَوَسَّعَ شَوَارِعَ بَغْدَادَ، وَهَدَمَ دُورًا لِذَلِكَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِ سَوَّارٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى السِّنْدِ مَعْبدَ بْنَ خَلِيلٍ، وَصَرَفَ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو. وَفِيهَا غَزَا الرُّومَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ، فَوَجَّهَ عَلَى بَعْضِ جَيْشِهِ سِنَانًا مَوْلَى الْبَطَّالِ، فسبى وغنم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبعٍ وخمسين ومائتين
تُوُفّي فيها: أحمد بْن منصور زاج، وإسحاق بْن إبْرَاهِيم بْن حبيب بْن الشّهيد، والحسن بْن عَبْد العزيز الْجَرَوِيّ، والحسن بْن عَرَفَة، وزُهَير بْن محمد المروزي، وزيد بن أخزم، وسليمان بْن مَعْبَد السنجيّ، وأبو الفضل الرياشي عَبَّاس، وأبو سعَيِد الأشَجّ، وعلي بْن خَشْرَم، ومحمد بْن حسان الأزرق، ومحمد بْن عَمْرو بن حنان الحمصي، ومحمد بن وزير الواسطي. وفيها دخلت الزَّنج البصرة، وبذلوا السيف واستباحوا، وقتلوا بالأُبلّة نَحْوًا من ثلَاثين ألفًا وأحرقوها، فحاربهم سعَيِد الحاجب، واستخلص منهم كثيرًا ممّا أخذوه، ثمّ استظهروا عَلَيْهِ، وقتلوا من جنده مقتلةً عظيمة، ودخلوا البصرة، فيقال: إنهم قتلوا بها اثني عشر ألفًا، وخرّبوا الجامع، وهرب من سلم في البلدان، وخربت البصرة، وجرت بين الزنج وبين عساكر الخليفة عدة وقعات. وفيها قُتِل ميخائيل بْن توفيل ملك الروم، قتله بسيل الصَّقْلبيّ، وكان بسيل من أبناء الملوك، وتملّك ميخائيل عَلَى دين النصرانية أربعًا وعشرين سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبع وخمسين وثلاثمائة
عملت الرافضة بوم عاشوراء بالنَّوح وتعليق المُسُوح، وعَيَّدوا يوم الغدير، وبالغوا في الفرح. ولم يحجّ أحدٌ من الشام ومصر. وفيها مات ناصر الدولة، وقُتل أبو فِراس الحارث بن سعيد بن حمدان، وكان قد طمع في تملّك الشام، وجاء إليه خلقٌ من غلمان سيف الدولة، وأطمعوه، فصادر أهل حمص وغيرهم، وقتل قاضيهم أبا عمّار، وأخذ من داره ستمائة ألف درهم، فلما أحسّ بأنّ أبا المعالي ابن سيف الدولة يقصده سار فنَزل على بني كلاب، وخلع عليهم وأعطاهم الأموال، ونفَّذ حُرُمَه معهم إلى البّريّة، ثم سار أبو المعالي وقرغوَيه الحاجب إلى سَلَمْيَة، فاستأمن إلى أبي المعالي جماعة من بني عقيل، وتأخّر أبو فِراس، وقال: قد أخْلَيْتُ لهم البلد، ثم سار قرغُوَيْه وأحاط به فقاتل أشدّ قتال، وما زال يقاتل وهم يتبعونه إلى ناحية جبل سنير، فتقنطر به فرسه بعد العصر، فقتلوه. وله شعر رائق في الذروة. ومات الخادم كافور صاحب مصر ورُدَّ أمرُها إلى الملك أبي الفوارس حسين بن علي بن طُغج الإخشيدي، فوقع الخُلْفُ بين الكافورية وبينه، وتحاربوا وعظم البلاء وقُتل بينهم خلق، ثم هزمت الإخشيديةُ الكافوريةَ وطردوهم عن مصر، فصاروا إلى الرملة وفيهم ابن محمد بن رائق، وأبو منخل، وفنّك، وفاتك الهندي، فقدموا على صاحب الرملة الحسن بن عبيد الله بن طُغج، فلم يُقْبِل عليهم، وقال: لا أحارب ابنَ عَمِّي، ثم ضاق بنفقاتهم، فتوجّهوا إلى دمشق ومتولّيها فاتك الإخشيدي، فتمّ بينهم قتال وبلاء. وفي ذي القِعدة أقبل عظيم الروم تقفور بجيوشه إلى الشام، فخرج من الدَّرب ونازل أنطاكية، فلم يلتفتوا عليه، فهدّدهم وقال: أرحل وأَخرّب الشام كلّه وأعود إليكم من الساحل. ورحل في اليوم الثالث ونازل مَعَرَّة مَصْرِين، فأخذها وغدر بهم، وأسر منها أربعة آلاف ومائتي نسمة. ثم نزل على مَعَرَّة النُّعمان فأحرق جامعها، وكان الناس قد هربوا في كلّ وجهٍ إلى الحصون والبراري والجبال المنيعة. ثم سار إلى كفرطاب، وشيزر، ثم إلى حماة وحمص، فخرج من تبقّى بها، فأمّنهم ودخلها، فصلّى في البيعة، وأخذ منها رأس يحيى بن زكريا، -[24]- وأحرق الجامع. ثم سار إلى عِرْقَة فافتتحها، ثم سار إلى طرابلس، فأخذ بعضها. وأقام في الشام أكثر من شهرين ورجع، فأرضاه أهلُ أنطاكية بمال عظيم. وفيها كانت فتنة الأمير أبي الحسن محمد ابن المستكفي بالله عبد الله ابن المكتفي بالله على ابن المعتضد العبّاسي؛ لما خلع أبوه المستكفي بالله وسمل، هرب هو ودخل الشام ومصر وأقام هناك عند كافور الإخشيدي، فلاذ به جماعة وأطمعوه في الأمر، وقالوا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " المهدي من بعدي يُوَاطِئُ اسمُه اسْمِي واسمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي " وإنْ أنت قدمت بغدادَ بايعك الدَّيْلَم. فتوجّه إلى بغداد ثم دخلها سرًا وبايعه جماعة من الدَّيْلم في هذه السنة، فاطَلع الملك عزّ الدولة بختيار ابن معزّ الدولة على ذلك، وكان قد ادّعى أنّ والده نصّبه للخلافة من بعده، فصحبه من أهل بغداد خلق كثير من رؤسائها وأعيانها وبايعوه سرًا، منهم أبو القاسم إسماعيل بن محمد المعروف بزنجي، وترتب له وزيرًا، فقبض عليه عزّ الدولة ثم جدع أنفه وقطع شفته العليا وشحمتي أُذُنيه، وسُجن بدار الخلافة، وكان معه أخوه علي وانّهما هربا من الدار في يوم عيد، واختلطا بالنّاس، ومضيا إلى ما وراء النهر. وروي بهراة شيئاً عن المتنبي من شعره، وله شعر وأدب، ومات بخراسان خاملاً بعده. ووصل ملك الروم - لعنه الله - إلى حمص وملكوها بالأمان، وخافهم صاحب حلب أبو المعالي ابن سيف الدولة، فتأخّر عن حلب إلى بالس وأقام بها الأمير قرغُوَيْه، ثم ذهب أبو المعالي إلى ميَارفارقين لما تفرّق عنه جنده، وصاروا إلى ابن عمّه صاحب الموصل أبي تغلب، فبالغ في إكرامهم، ثم رد أبو المعالي إلى حلب فلم يُمكَّن من دخولها واستضعفوه، وتشاغل بحبّ جارية، فردّ إلى سَرُوج فلم يفتحوها له، ثم إلى حَرّان فلم يفتحوا له أيضًا، واستنصر بابن عمّه أبي تغلب، فكتب إليه يعرض عليه المقام بنصيبّين، ثم صار إلى ميَارفارقين في ثلاثمائة فارس وقلّ ما بيده. ووافت الروم إلى ناحية ميافارقين وأرزن يعيثون ويقتلون، وأقاموا ببلد الأسلام خمسة عشر يومًا ورجعوا بما لا يُحصى. وكان الحجّ في العام صعبًا إلى الغاية لِما لَحِقهم من العطش والقتْل، مات من حجّاج خراسان فوق الخمسة آلاف، وقيل: بل ثلاثة آلاف بالعطش، فلما حصلوا بمكة خرج عليهم الطلحّيون والبكْريّون فوضعوا في الحجيج السيف، وأخذوا الركْبَ بما حوى، ولم يحجّ من مصر ولا الشام أحد. وكان -[25]- حجّاج المغرب خلقًا، فرجع معهم خلق من التُّجّار فأَخِذوا، فيقال: إنّه أَخِذ لتاجرٍ فيها متاع بنحو مائتي ألف دينار، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. وفي آخر العام جاءت القرامطة من البّريّة وتوثّبوا على دمشق فملكوها، وساروا إلى الرَّمْلة، فالتقاهم الحسن بن عبد الله الإخشيدي فهزموه، ثم قاتلوا أهل الرَّملة أشدّ قتال. واستباحوها بعد يومين، ثم إنّ أهلها دافعوا عن نفوسهم بمائة وعشرين ألف دينار، وسبوا من أعمال الرملة عشرة آلاف نسمة، وعزموا على قصْد مصر ليملكوها، فجاء العُبَيْدِيّون فأخذوها، وقامت دولة الرفض في الأقاليم: المغرب، ومصر، والعراق، وغير ذلك. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
فيها كان بإفريقية هَيْجٌ عظيم وحروب، فكانت وقعة مهولة بين تميم بن المُعِز، وبين قرابته النّاصر بن علناس بن حمّاد ملك قلعة حمّاد، انتصر فيها تميم؛ وقُتِل من زَنَاتَة وصِنهاجة أربعة وعشرون ألفاً، ونجا النّاصر في نفرٍ يسير. وكان مع تميم خلق من العرب، فغنِموا شيئًا كثيرًا واستغنوا، وكثُرَت أسلحتهم ودوابُّهم. وفيها شرع النّاصر بن علناس في بناء مدينة بِجَاية النّاصِريّة، وكان مكانها مرعى للدواب والمواشي. وفيها عبر السُّلطان ألْبُ أرسلان نهر جَيْحُون، ونازل جُنْد وصَيْران وهما عند بُخَارَى. وجدُّه سلجوق مدفون بِجَنْد، فنزل صاحبها إلى خدمته، فلم يُغيّر عليه شيئًا، وعطف إلى خوارزم، ومنها إلى مرو. وفيها شرعوا في بناء النّظاميّة ببغداد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبع وخمسين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنّ الحاجّ العراقيّ وصلوا مكَّة، فلم يدخل أكثرهم لَفتَنٍ جرت، وإنما دخلت شِرْذِمَة، ورجع أكثر النّاس بلا حَجّ. وفيها خرج الخليفة للصّيد على طريق واسط. ووقع فيها حريقٌ عظيم ببغداد، احترق سوق الطَّير، والبُزُورييّن وإلى سوق الْصفر والخان، واحترق كثير من الطيور. وفيها كان مصافٌ كبير وحرب شديد بين جيوش أَذَرْبَيْجان، وأرمينية، وبين الكُرْج، فنُصِر المسلمون، وغنموا ما لا يحُدّ ولا يوصف. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة سبع وخمسين وستمائة
فِي أولها سار الملك النّاصر متَّبِعًا آثار البحريَّة، فاندفعوا بين يديه إلى الكَرَك، فنزل بركة زيزا، وعزم على حصار الكَرَك وفي خدمته صاحب حماه الملك المنصور، فجاءت إليه رُسُل المغيث مع الدار القُطْبيّة، وهي ابنة الملك الأفضل قُطُب الدين ابن العادل يضرعون إليه في الرّضا عن المغيث، فَشَرطَ عليه أنْ يقبض على مَن عنده من البحرية، فأجاب ونفَّذهم إليه على الجِمال، فبعثهم إلى قلعة حلب فحُبِسوا بها، وأما رُكْن الدين البُنْدقْداري فهرب من الكَرَك فِي جماعةٍ، وقدِم على الملك النّاصر، فاحسن إليهم وصَفَح عنهم، ورجع وفي خدمته البُنْدُقْداري. وفيها نزل هولاكو على آمِد، وبعث رُسُلَه إلى صاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين يطلبه، فسيَّر إليه ولده الملك المظفَّر فِي خدمته سابق الدين بَلَبَان، والقاضي مهذب الدين مُحَمَّد بن مجلي، ومعهم تقادُم، واعتذر بالمرض فوافق وصولهم إليه أخْذه لقلعة اليمانيَّة وإنزاله منها حريمَ الملك الكامل صاحب ميَّافارقين، وولدَه الملك النّاصر يوسف ابن الكامل، والملكَ السعيد عُمَر، وابن أخيه الملك الأشرف أحمد، والملك الصّالح أيّوب ابن الملك المشمّر ابن تاج الملوك عليّ ابن العادل، فلما رآهم ابن صاحب ماردين جزع وأدى الرسالة فقيل له: ليس مرضه بصحيح وإنما هُوَ متمارض محافظة للملك النّاصر صاحب الشّام، فإن انتصرتُ عليه اعتذَرَ إليَّ بزيادة المرض، وإن انتصر عليَّ بقيتْ له يدٌ بيضاء عند النّاصر، فلو كان -[678]- للناصر قوةٌ يدفعني لما مكنني من دخول هذه البلاد، وقد بَلَغَنِي أنه بعث حريمه وحريم أُمرائه وكُبراء رعَّيته إلى مصر، ولو نزل صاحبكم إليَّ رعيتُ له ذلك، ثم أمر بردّ القاضي وحده، فعاد واخبر مخدومه بصورة الحال، فتألم على إرساله ولده، وبعث رسولًا إلى الملك النّاصر يستحثه على الحركة، ويعرفه أنه مَتَى وصل إلى حلب قدِم إليه برجاله وأمواله، وسيَّر فِي الظاهر إلى هولاكو بهديَّة، وفي الباطن إلى ولده يحرضه على الهروب، وسير إلى صاحبي الروم عز الدين ورُكْن الدين يُنكر عليهما كونهما فِي خدمة هولاكو، ويقول: إنْ بَقَّى عليكما فإنما ذلك ليُغْر الملك النّاصر، فأعمِلا الحيلة فِي الانفصال عَنْهُ، والحذر منه. وفي أواخر السنة وقعت الأراجيف بحركة التّتار نحو الشّام فانجفل الخلق. وفي آخرها قبض الأمير سيف الدين قُطُز المُعِزيّ على ابن أستاذه الملك المنصور على ابن المُعزّ، وتسلطن ولُقِّب بالملك المظفر، وسبب ذلك قدوم الصاحب كمال الدين ابن العديم رسولًا يطلب النجدة على التّتار، فجمع قُطُز الأمراءَ والأعيان، فحضر الشَّيخ عزّ الدّين ابن عَبْد السلام والقاضي بدر الدين السَّنّجاريّ، وجلس الملك المنصور فِي دسْت السلطنة، فاعتمدوا على ما يقوله الشَّيْخ عز الدين، فكان خُلاصته: إذا طرق العدو البلادَ وَجَبَ على العالم كلهم قتالُهُم، وجاز أن يؤخذ من الرّعيَّة ما يُستعان به على جهادهم، بشرط أن لا يبقى فِي بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كلٌّ منكم على فَرَسه وسلاحه، ويتساووا فِي ذلك هُمْ والعامَّة. وأما أخْذ أموال العامة مع بقاء ما فِي أيدي الجُنْد من الأموال والآلات الفاخرة فلا، ثمّ بعد أيام يسيرة قبض على المنصور وقال: هذا صبي والوقْتُ صعْب، ولا بد من أن يقوم رجلٌ شجاع ينتصب للجهاد. وكان الأميران عَلَم الدين الغتمي وسيف الدين بهادر المُعزّيَّيْن حين جرى هذا المجلس غائبين لرمي البُنْدق، فاغتنم قُطُز غيبتهما وتسلطن، فلما حضرا قبض عليهما، وسيَّر القاضي برهان الدين السَّنْجاريّ مع ابن العديم إلى الشام يعِد النّاصر بالنّجدة. -[679]- وبرز الملك النّاصر والعساكر فنزلوا على بَرْزَة شمالي دمشق، واجتمع له عسكر كبير وتُركمان وأتراك وعجم ومطوعة، ثم رَأَى تخاذُل عسكره وأنَّه لا طاقة له بالتّتار لكثرتهم فخاف وجبُن، وكان قد صادر الناس وجبى الأموال وما نفع. وفيها عبر هولاكو بجيشٍ عظيم الفُرات بعد أن استولى على حران، والرُّها، والجزيرة، وأول من عدّى الفرات أشموط بن هولاكو فِي ذي الحجة، فجاء الخبر من البيرة إلى حلب والنائب بها الملك المعظّم تورانشاه، فجفل الناس منها، وعظُم الخَطْب، وعم البلاء، وكانت حلب فِي غاية الحصانة وحُسْن الأسوار المنيعة وقلعتها كذلك وأبلغ، فلما كان فِي العَشْر الأخير من ذي الحجة قصدت التّتار حلب ونزلوا على حيلان وتلك النّاحية، ثم بعثوا طائفة من عسكرهم فأشرفوا على المدينة، فخرج إليهم عسكر حلب ومعهم خَلْقٌ من المطوعة، فساروا فرأوا التّتار، فلما تحققوا كثْرتهم كروا راجعين، وأمر نائب حلب أن لا يخرج بعد ذلك أحد، وكتب يستحث الملك النّاصر فِي الكشف عَنْهُمْ، فلما كان من الغد رحل التّتار عن منزلتهم ونازلوا حلب، واجتمع عسكر البلد بالبواشير وإلى ميدان الحصا، وأخذوا فِي إجالة الرأي، فأشار عليهم نائب السلطنة أن لا يخرجوا، فلم يوافقه العسكر، وخرجوا ومعهم العوام والشُّطّار، واجتمعوا بجبل بانقوسا، ووصل جمع التّتر إلى ذيل الجبل، فحمل عليهم جماعة من العسكر فانهزم التّتر مكيدة، فتبعوهم ساعة، ثمّ كرت التّتار عليهم، فهربوا إلى إصحابهم، ثم انهزم الجميع لما رأوا التّتار مُقبلين، فركبت التّتار ظهورهم يقتلون فيهم. وقُتل يومئذٍ الأمير عَلَم الدّين زُرَيق العزيزيّ ونازلت التّتار البلد ذلك اليوم، ثم رحلوا عَنْهَا طالبين إعزاز، فتسلَّموها بالأمان. وخرجت السنة والناسَ فِي أمرٍ عظيم من الخوف والجلاء والحيْرة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي