الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فما ذكرته عن صاحبك الأول لم تذكر فيه ما يقتضي ظلمه لك وأنه منعك حقك، وإنما ذكرت كونه انتفع بخدماتك مقابل أجر أقل من أجر نظرائك، وهذا ليس ظلما ما دام برضى الأجير، فلا يلزم مساواة أجور العمال ولو كان عملهم واحدا حتى لو كانوا في مؤسسة واحدة، وإن كان هنالك ظلم آخر مثل ما أشرت إليه إشارة من كونك تستحق مقابل ساعات عمل لم يعطك حقها، ولا يمكن الحكم بذلك ما لم يتبين استحقاقك لها فعلا بأن كان العقد بينكما يقتضي تحديد وقت معين والزيادة عليه يستحق العامل مقابلها أجرا، أو يكون طلب منك أداء خدمة ما زيادة على عملك مقابل أجرة سيؤديها إليك ثم لم يعطك حقك وظلمك إياه، فلك حينئذ مطالبته به، فإن لم تستطع الوصول إلى حقك بالطرق المعهودة جاز لك أخذ قدر حقك من ماله ولو دون علمه، وهذا ما يعرف في الفقه بمسألة الظفر، وتفصيلها في الفتويين رقم: 8780، ورقم: 18260.
لكن أموال الناس معصومة ولا يمكن استحلالها بالتخمين والشك ومجرد الدعوى، ففي الحديث: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعين واليمين على من أنكر. رواه البيهقي، وصححه الألباني.
وأما أخذك من مال من عملت معهم بعد ذلك تخوفا من الظلم في المستقبل: فهو من الخيانة وأخذ أموال الناس بالباطل، فاستغفر الله تعالى من ذلك وتب إليه بالندم والعزيمة على عدم العودة إلى مثله فيما يستقبل، ولا بد مع ذلك من رد ذلك المال إلى أصحابه ولو بطرق غير مباشرة، فلا يلزم أن تخبرهم بكونه من عندك أو أنك سرقته أو غير ذلك، ولا يجزئ التصدق به عنهم ما أمكن إيصاله إليهم، كما بينا في الفتويين رقم: 6022، ورقم: 3051.
ومثل هذا يقال فيما أخذته من صاحبك الأول إن لم يكن لك حق شرعي في ذمته يقابل ما أخذته منه.
والله أعلم.