الصفحة 14 من 20

بدولة معينة. وإذا كان الفرد لا حقّ له أصالة؛ وكان مقهورًا مهانًا، تعدت هذه الصفات إلى الشعب كله؛ لأنه لا يعدو كونه مجموع الأفراد المنتمين إلى الدولة. فانحصر بذلك وصف الجماعة التي تُسخّر لها الحقوق بمن أقام نفسه ممثلا ًللمجتمع، وهم السلط الحاكمة. وهذا ما شهده الواقع وظهر جليًا وخاصة في الدول التي غالت في الأخذ بهذا المذهب. وينتج من عدم الاعتراف بالحق الخاص، عدم الاعتراف بالحريات الشخصية، لغياب المبرر القانوني لها في ظل هذه الفلسفة.

1.غاية الحق: لما كانت حقيقة القانون أنه: خطاب الأقوى المجرد عن الدين والأخلاق، والمصحوب بقوة إرغام، كانت غاية الحق تحقيق مصالح الأقوى (1) بالفعل عن طريق تسخير الأفراد والشعوب نحو ذلك بعد إسقاط القيم الروحية والأخلاقية في ذواتهم لينزلوا بعد ذلك على أرضية المادية التي معادلتها البقاء للاقوى، وما على الأضعف ليحافظ على بقائه وحرياته تلك إلا تسخير طاقاته في خدمة هذا الأقوى في هذه المعادلة غير العادلة.

وووظيفة الخطاب القانوني عندئذ إضفاء صفة المشروعية على سعير الأفراد والشعوب في تحقيق هذا الهدف غير المعلن عنه صراحة، وإضفاء صفة اللامشروعية على حالات الإمتناع عن ذلك فضلًا عن حالة مناهضة هذا الأمر ومعارضته. ولا فرق عندهم في صفة الأداء، فمن سُخر بإرادته لينال منهم مطامح أو مطامع، ومن سخر بالقوة حقق مرادهم على أرض الواقع، فالنية ليست محل اعتبار في الخطاب القانوني من حيث الأصل.

المطلب الثاني: دور حقوق الإنسان في الفلسفة الفردية

حقوق الإنسان أو الحقوق الطبيعية للإنسان، هي إحدى مظاهر الفلسفة الفردية التي تسعى إلى تحرير طاقات الفرد، بإسقاط أكبر قدر ممكن من القيود الداخلية الذاتية، كالدين، والأخلاق، والاعتقاد، والخارجية كالأعراف المشروعة، والقيم السائدة في المجتمع وسلطة الحاكم القوي الذي لا يستطيع الأقوياء تسخيره للعمل لصالحهم، فإذا تحررّ الفرد من كل ذلك، أمكن تسخيره، من ثمّ يستطيع الأقوياء من ثم، لخدمة اصحاب هذه الفلسفة لتحقيق مصالحهم من خلال السيطرة على الشعوب ومقدراتها.

ونقتصر، في هذا المقام، على ذكر أبعاد هذه الدعوة بوجهيها الإيجابي والسلبي، أما وجهها الإيجابي: فيظهر من خلال أنها وسيلة ضغط قوية لإضعاف سلطان الحكومات المستبدة، وفي التقاء الشعوب واتفاقها على ظاهر مبدأ تقرير المصير، وممارسة الأفراد لقدر كبير من الحريات وتمتعهم بقدر واف من الحقوق. وهي خطوة تحقيق الوحدة التشريعية في العالم من خلال العمل على ابتناء التشريعات القانونية في جميع

( [1] ) بل إن منفعة الأقوى هو العدل عند بعض فلاسفة اليونان. وقد ذكر ثراسيماخس حدًا للعدالة بأنها: منفعة الأقوى، مبرهنًا على ذلك بأن التشريعات تسن لمصلحة الأقوى، مبرهنًا على ذلك بأن التشريعات تسن لمصلحة الحكومة، والحكومة أقوى من الرعية، وانتهاك التشريعات يعد ظلمًا، فكانت العدالة لذلك حقًا أو مصلحة للأقوى، وهي منفعة الحكومة في كل بلد: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ص 23 - 25.

الدول على مبادئ وأسس يعمل على إرسائها دوليًا. وبالتالي إيجاد لغة مشتركة بين شعوب العالم والحكومات والمنظمات الدولية، وهذا كله باعتبار النظر إلى ظاهر هذه الدعوى المعلن. وأما وجهها السلبي، أو خطورتها: فتكمن في كونها بنفسها مناهضة لحقوق الإنسان ومصادرة لها، وذلك يظهر من خلال أمور منها:

1.أن هذه الفلسفة هي التي تحدد، دون مشاركة فعلية من غيرها، مفردات هذه الحقوق ومضمونها. وبالتالي فهي قد حددت ما يُعدّ حقًا بعرفها وما لا يُعّد حقًا، ونطاقه ومداه وغايته، وأثبتت نفسها مرجعية وحيدة فيما يتعلق بهذا الأمر، مع إضفاء مرونة كبيرة على ذلك من خلال إبعاد المعايير الموضوعية، ليتسنى لأنصارها تغيير المضامين بتغير مسار مصالحهم. وبذلك يكون مكمن الخطر في نسبية الحق ونطاقه وغايته. فالحق لا قيمة له في نفسه خارج فهمهم، فلا حق إلاّ ما أقروا أنه حق. ولما كانت هذه الفلسفة مادية فقد تحددت الحقوق ومضامينها وأبعادها في إطار ذلك. وابتعدت بذلك كثيرًا إن لم تكن فُصلت عن القيم الخلقية (1)

2.إن هذا التحكم بتحديد الحقوق ومضامينها، بل ومناهج تطبيقها أو تنفيذها فيه تغليب لفلسفة على غيرها، وحضارة على باقي الحضارات، بل هي محاولة لدحر الحضارات وإزالتها ما أمكن، ليصفو لأصحاب هذه الفلسفة حكم العالم بأسره، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر بظنهم أنهم جمعوا مقومات العالمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت