الغالب، وهو ما لا يملك العبد إسقاطه، كتحريم الربا والغرر صونًا لمال العبد عليه وحفظًا له من الضياع، وكتحريم المسكرات صونًا لمصلحة حفظ عقل العبد عليه. وحق العبد فيها يتمثل بما تتمضنه من جلب مصلحة له أو درء مفسدة عنه.
وظاهر من هذا المذهب محاولته إبراز حق الله تعالى على أنه قيد ثابت على حق العبد، لتوجيهه نحو صالح نفسه ومجتمعه وأمنه، تأكيدًا لمعلولية الأحكام بمصالح العباد.
يقارب الإمام الشاطبي بمسلكه مسلك الإمام القرافي كثيرا، وهو يبني تقسيمه على مذهبه، وهو مذهب الجمهور، فالأصل في العبادات، بالنسبة إلى المكلف، التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني 3، ودل الاستقراء على أن الشارع قصد مصالح العباد في تشريعه أحكام العادات. فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما، فهو الواضع لها مصلحة، فإذن كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع، فالمصالح من حيث هي مصالح قد آل النظر فيها إلى أنها تعبديات، وما انبنى على التعبدي لا يكون إلا تعبديًا. فقد صار كل تكليف حقًا لله، فإن ما هو لله فهو لله، وما كان للعبد فراجع إلى الله من جهة حق الله فيه، ومن جهة كون حق العبد من حقوق الله، وهذا لا يجعل للعبد حقًا أصلًا 4 فثبت امتناع وجود تكليف شرعي خال عن جهة التعبد فيه.
ويخلص الإمام الشاطبي إلى أن الحق ينقسم إلى:
حق الله تعالى: وحقه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق. ويفسر أيضًا بأنه ما لا خيرة فيه للمكلف سواء أكان معقول المعنى أم لا. وهذا
( [1] ) القرافي، الفروق، 1/ 140 - 141.
( [2] ) الشاطبي، الموافقات، 2/ 222 - 235.
( [3] ) المرجع السابق، 2/ 222.
( [4] ) المرجع السابق، 2/ 231.
1.الحق ينقسم إلى قسمين: حق خالص لله كالعبادات، وصلة التعبد، وهو ما لا يعقل معناه على الخصوص 1، وحق مشترك، وحق الله هو الغالب، لأن"حق العبد ما كان راجعًا إلى مصالحه في الدنيا، فإن كان من المصالح الأخروية، فهو من جملة ما يطلق عليه أنه حق لله 2 ومثل لذلك بعدم جواز قبول العفو في الحدود إذا بلغت الحاكم، وعدم قبول إسقاط الرجل العدة عن مطلقته وإنّ ثبتت براءة رحمها، الذي شرعت العدة لأجله، حقًا له. وجلد القاتل العمد مئة جلدة وحبسه عامًا عند الإمام مالك وإن عفا عنه ولي المقتول 3"
2.حق العبد"الغالب": وهو ما كان راجعًا إلى مصالح المكلف في الدنيا، وأصله معقولية المعنى، إذا طابق مقتضى الأمر والنهي فلا إشكال في الصحة، لحصول مصلحة العبد بذلك عاجلًا أو آجلًا حسبما يتهيأ له، وإن وقعت المخالفة فههنا نظر أصله المحافظة على تحصيل مصلحة العبد 4
وظاهر من هذا المذهب أنه، وإن أعطى نطاقا واسعًا لحقوق العبد، إلا أنه قيدها بحق الله تعالى من حيث ابتداؤها ومداها وغايتها، وهو وإن أعطى السلطة العامة صلاحيات واسعة في رعاية حقوق الله تعالى وحفظها، إلا أنه قيدها بعدم التدخل بحقوق العبد من غير إذن شرعي، وهو حق الله المتعلق بهذه الحقوق.
وبعد؛ فقد اتفقت المسالك على أن الحقوق منها ما هو حق لله تعالى، ومنها ما هو حق مشترك. وإن اختلفوا في حق العبد هل هو قسم قائم بنفسه، أم أنّه مندرج تحت أحد القسمين الأولين. وثمرة هذا الخلاف تظهر من حيث بيان سعة نطاق حق العبد، ومدى القيود الواردة عليه. فهي عند الحنفية أوسع نطاقًا وأقل