قيودًا، فجميع الحقوق من حيث غايتها راجعة إلى مصالح العباد، والغالب فيها رعاية جانب الإنسان ونفعه منفردًا أو مع الجماعة. وإضافتهم ما روعي فيه من حق الجماعة والصالح العام لله تعالى، إنّما من باب الاهتمام والعناية، لخطره وعظم قدره.
أما اتجاه الإمامين القرافي والشاطبي، فانصب على بيان الجانب التعبدي في الحقوق، وأنها وإن كانت لمصالح العباد، فمن حيث أنها منح منه من غير إيجاب عليه سبحانه. ومن حيث أنها شرعت لتحقيق مقاصده من تشريعه الأحكام، فالقيد بذلك تعبدي.
( [1] ) المرجع السابق، 2/ 233.
( [2] ) المرجع السابق.
( [3] ) تفصيل اتجاهات الأئمة في هذه المسألة عند ابن رشد، في: بداية المجتهد، 2/ 203.
( [4] ) الشاطبي، الموافقات، 2/ 233 - 235.
وبعبارة أخرى، كأن الاتجاه الأول يقول لك أد ما عليك من حقوق الله تعالى، والحقوق المشتركة، وهذه حق الله فيها هو الغالب، وما كان سوى ذلك فهو حقك، وهو شأنك ولك الحرية في التشدد في التمسك به أو التسامح فيه، وبمعنى آخر إنهم يجعلون الصالح العام في جهتين؛ الأولى: ما حدده الشرع وبينه فهو منضبط لذلك، والثانية: ما يتحصل من مجموع أداء الحقوق الخاصة للعباد، فهو ينشأ تبعًا لأدائهم لحقوقهم من غير إلزام بأدائها.
وكأن الاتجاه الثاني يقول لك الكل من الله وإلى الله، بمعنى أن عليك أن تراعي حق الله تعالى دائمًا، حتى فيما كان حقًا لك"بالغلبة"فلا تتصرف، إيجابًا أو سلبًا، إلا موافقة للشرع، وذلك بالسعي نحو تحقيق المقاصد المعتبرة شرعًا، ليظهر من خلالها النفع العام. وفي ذلك تغليب للجانب التعبدي والرقابة الذاتية من قبل العبد نفسه، وأكثر تعظيمًا للجانب التكليفي في التصرفات الإرادية.
أم الضابط الداخلي فقد تقدم القول أن أداء المكلف لتكاليفه أو حقوق مرتبط بضابط ذاتي، متمثل بصحة معتقده وسلامته، وبحسن أخلاقه من حيث إن الأداء الخارجي من حركات وسكنات وأقوال وأفعال، هو المظهر المعبر عن صورة النفس، على ما هي عليه من خلق أو سجية، بمعنى ما رسخ فيها من معانٍ وصفات.
وما السلوك الإنساني إلا انعكاس هذه الهيئات والصفات المستقرة في النفس الإنسانية وفي هذا يقول الإمام الغزالي: (فإن كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة) وهذا موافق كل الموافقة لقوله عليه الصلاة والسلام: (ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) - متفق عليه - فإن صلاح سلوك الإنسان من أقوال وأفعال منشؤها صلاح قلبه، وفساد سلوك منشؤه فساد ما ينطوي عليه قلبه من المعاني والصفات، ومن هنا كان الاشتغال بإصلاح القلب أو النفس من الداخل هو طريق تحسين الأخلاق وتغيير أحوال صاحبها، يدل على ذلك قوله تعالى:"أنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 1"
وهذا هو توجه التكليف بالتخلق بالخلق الحسن، عن طريق التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل، وهو طريق الفلاح في الفرد والمجتمع، المبين في قوله تعالى:"قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها 2"
ولكن لذلك وجهة من حيث تبين الصور الفلسفي للبناء الأخلاقي في الشريعة الإسلامية وعلاقته بالمعتقد، ودوره في الأفعال (المحكوم فيه) ، ومحاكاة التكوين الذاتي للإنسان لمراتب العوالم والعلوم ومناسبة ذلك.
( [1] ) البياتي، منير، النظم الإسلامية، 68.