لقد تجاذبت الإنسان، منذ القدم، قضيتان هما؛ العدل والمصلحة. كان تحديد ماهيتهما والتوفيق بينهما، وما زال، أمرًا عسيرًا عنده بحسب ملكاته الذهنية. وقد ظهرت محاولات جادة من قبل فلاسفة عظام في تحديد معنى العدل، وبقيت محاولاتهم تلك وبحسب ما صرحوا هم به، لا تعدو كونها مجرد ظنون خالية من اليقين (1)
وكذلك يمكن أن يقال في المصلحة التي هي مقصد كل فعل إرادي ومنها القانون، من حيث كونه خطابًا إراديًا عامًا مجردًا ملزما ... (2)
أما التوفيق بينهما فهو أعسر من تحديد ماهيتهما، ذلك أن التوفيق بينهما ينبني على تحديد الماهية أولًا، ثم تحديد معايير التوفيق ثانيًا، ثم يأتي بعد ذلك الفعل موافقًا أو مخالفًا. ولما تعذر تحديد الأولين تعذر تبعًا له تحديد كون الفعل موافقًا أو مخالفًا بيقين أو ظن غالب. فظل هم الإنسانية، في غير أهل الرسالات السماوية، البحث عن الأسس والضوابط والمقاصد ليجتمع الناس عليها، ولكنهم تفرقوا في ذلك لتفرق ثقافاتهم ومعتقداتهم ومقتضيات الواقع لكل منهم. ومن المعلوم أن تصادم مصالح الأفراد أمر ثابت لا مناص منه، وأن النفوس جبلت على الشح (3) وبالتالي لا مفر من إقامة النظام فيها. ولكن هذا يعيدنا إلى ما ذكر آنفًا، فكان الخروج من هذه الحيرة بالتصالح على أمر مفاده: كل ينظم واقعه بحسب ما يراه مناسبًا. وعلى هذه الأرضية نمت وترعرعت وتكاثرت السفسطة (4) القانونية - (نسبية الحقائق) .
فإذا جمعنا هذه النسبية مع الناموس الثابت تصادم المصالح مع شح النفوس، أنتج لنا هذا الجمع صراعًا داخليًا ودوليًا مريرًا. مبتدأه فلسفي، عقائدي، فكري، ومنتهاه مادي وعسكري. وهذا هو سبب قيام الصراع الحضاري واستمراره. وأطراف الصراع الداخلي عادة هم الحاكم (المستأثر بالمصالح والمحكومون المحرومون منها إلا بالقدر الذي يبقيهم على وجه الأرض. وكان للقوة كلمة الفصل عند الحاكم، ثم تطورت وسائل الحكام من القوة المفرطة في تسخير المحكومين إلى إشاعة الوسائل الإقناعية
( [1] ) إفلاطون، جمهورية أفلاطون، ص 130.
( [2] ) كرسون، اندرية، المشكلة الأخلاقية والفلاسفة، ص 31 - 43، وبرتراندرسل، تاريخ الفلسفة الغربية، 1 - 387 - 388، وإسماعيل مظهر، فلسفة اللذة والألم، ص 80.
( [3] ) التفتزاني، شرح التلويح على التوضيح، 144، 2.
( [4] ) يرى السوفسطائيون، وهم جماعة ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، بأن الإنسان مقياس كل شيء، فما يظهر للشخص أنه الحقيقة يكون هو الحقيقة وليس هناك خطأ، يقول - بروتاجورس - في نظريته: ليس هناك خطأ: بل مستحيل وجود الخطأ فكل ما تراه هو صواب لك، بل لفظنا الخطأ والصواب لا معنى لهما، فليس هناك شيء يسمى حقًا في ذاته أو في الواقع أو نحو ذلك، انظر: قصة الفلسفة اليونانية، ص 96 - 100، 497"."
بينهم من فكر وفلسفة مواليتين أو صراعات خارجية تصرف لها همم الرجال، ونحو ذلك ليكون التسخير بالإرادة لكل المحكومين أو لأكثرهم، فإن عارض الآخرون كانت القوة المفرطة بانتظارهم لتبطش بهم، وما من مغيث.
وانتهى المطاف إلى هذه المرحلة؛ تسخير الأضعف (المحكومين) للأقوى الحاكم أو أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، بالإرادة أو بالقوة. ولنجاح هذا الأسلوب داخليًا عمل به خارجيًا أي في الصراعات الدولية التي تهدف إلى سيطرة الدول القوية على الدول الضعيفة ومن ثم على العالم بأسره لتغدو فيه قوة واحدة وفلسفة واحدة وبالتالي حضارة واحدة لا تنافس.
وقد اتخذ التصدير الحضاري هذا صورًا تقلب فيها تدرجًا نحو غايته تلك. فكان أن بدأ بالظهور بتطوره