إن أبا بكرٍ الصديق - رضي الله عنه وأرضاه - هو خير البشرية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحرصهم من بعده على الأمة ونفعها، وأعلمهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقدير المصالح والمفاسد، فعندما هاجت فتنة الردة، وظن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قتال المرتدين فتنة وسيؤدي إلى مفسدة عظيمة قام خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس مقام الناصح الأمين، ليعلمهم ما هي المفسدة التي يجب درؤها، والمصلحة التي يجب تحقيقها، قائلًا لهم: "والله لو علمت أن كلاب المدينة ستجرجر أمهات المؤمنين في المدينة ما تركتُ قتالهم، ووالله لو منعوني عقال ناقة كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه". إن الصديق - رضي الله عنه - كان يتوقع أن تحصل تلك المفسدة، ولكنه علم أن هناك مفسدة أعظم منها يجب درؤها، فهل يا ترى لو كان هذا الأمر في زماننا سيفقه علماؤنا ما فقهه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الصديق رضي الله عنه وأرضاه فَقِهَ وعلم أن مفسدة جرجرة الكلاب لأمهات المؤمنين في المدينة هي أهون من مفسدة عدم دفع العقال، وما أدراك مالعقال؟ إنه عقال ناقة يا علماءنا! والذي لو رآه أحد منكم ملقًا على الأرض ما التفتَ إليه!
يا علماء الأمة:
لقد رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه التوحيد وكماله في ذلك العقال، فحزم وعزم على قتالهم، مع قلة الجيش .. فكان النصر المبين، وإعادة الناس للدين بفضل الله ثم بفضله رضي الله عنه وأرضاه.
أيها العلماء الساكتين:
إن غلام الأخدود الذي عمل وصدع بالحق الذي تعلمه من الراهب الذي سكت عن الصدع به خوفًا من المفسدة، هو الذي درأ المفسدة العظمى، وجلب المصلحة الكبرى، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، فكان خلود ذكره في الدنيا وخلود روحه في الجنة أبدا جزاءً له من الله وفاقا، فهل علمتم يا علماء الأمة أين تكمن المفسدة؟ وأين تكون المصلحة؟