ومن الناس من يقول بضده، وهو أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة، إلا ما حظره الشرع.
ومن الناس من يقول بضده وهو أن الأصل في الأشياء بعد البعثة أنها على الإباحة (إلا ما حظره الشرع) . والصحيح التفصيل وهو أن المضار على التحريم، والمنافع على الحل، أما قبل البعثة فلا حكم يتعلق بأحد لانتفاء الرسول الموصل له إليه.
أي إن الأشياء كلها محرمة إلا ما أباحته الشريعة أي دلت على إباحته فيكون مباحا، والمراد بالإباحة هنا الجواز بالمعنى الشامل للوجوب والندب والكراهة لظهور أن الشريعة إذا دلت على جواز شيء فلا يخلو إما أن يكون على وجه كونه مطلوبا طلبا جازما فهو الواجب وإما أن يكون على وجه كونه مطلوبا طلبا غير جازم فهو المندوب وإما أن يكون المطلوب ترکه لكنه طلبا غير جازم فهو المكروه وإما أن يكون مع استواء الطرفين فهو المباح والكل غير محرم.
قوله: (فإن لم يوجد هذا تفريع على الاستثناء أي فإن كان الشيء مما لم يوجد في الشريعة ما يدل على إباحته كأن لم يرد بإباحته شرع يتمسك فيه بالأصل الذي هو الحظر. قوله:(بدل) أي بطريق التصريح أو غيره من كل ما يصح التمسك به كالقياس. قوله: (فيستمسك السين فيه إما زائدة للتأكيد بمعنى يتمسك فيه أو للطلب أي يطلب من النفس التمسك فيه بالأصل. قوله:(وهو الحظر) أي وذلك الأصل الحظر أي الحرمة فهذا التفريع لمجرد الإيضاح والتأكيد.
قوله: (ومن الناس) معطوف على قوله فمن الناس وقد عرفت مما مر أن المراد بالناس خصوص العلماء منهم لأنه لا عبرة بقول غيرهم. قوله: (بضده) أي ضد القول الأول. قوله: (وهو) أي ضد القول. قوله: (في الأشياء قد عرفت أن المراد بالأشياء ما يشمل الأقوال والأفعال وسواء كانت فيها منافع أو مضار. قوله:(على الإباحة) أي على صفة هي الإباحة أي أنها مأذون فيها قد يقال إن أريد بالإباحة استواء الطرفين فلا وجه للاختصار على استثناء ما حظره الشارع ضرورة أن ما أوجبه الشرع أو ندبه مثلا لا يكون على الإباحة بمعني استواء الطرفين وإن أريد بها ما يشمل الوجوب والندب فلا وجه له أيضا لأن العقل لا يستقل بإدراك الواجب والمندوب بل يدرك أن ما فيه النفع مباح لقوله تعالى: وخلق لم ما في الأرض جميعا [البقرة: الآية ] ويمكن أن يجاب باختيار الثاني. ويجاب عن التعليل بأن القصد معرفة كونه مأذونا فيه لوجود النفع
ص (279)