فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 196

الواحد، والشي ء الواحد لا يكون قديما محدثا، والشي ء الواحد لا يكون في مكانين.

وإن زعم أنه أدرك بطلان النظر بالنظر فقد تناقض كلامه، وهذا لا مخرج منه أبد الدهر، وهو وارد على كل باطنى يدعى معرفة شي ء يختص به، فإنه إما أن يدّعى الضرورة أو النظر أو السماع من معصوم صادق يدّعى معرفة صدقه وعصمته أيضا إما ضرورة أو نظرا، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وفى دعوى النظر إبطال عين المذهب، فلتتعجب من هذا التناقض البيّن وغفلة هؤلاء المغرورين عنه.

فإن قال قائل من منكرى النظر: هذا ينقلب عليكم، إذ يقال لكم: وبم عرفتم صحة النظر؟ إن ادعيتم الضرورة اقتحمتم ما استبعدتموه، وتورطتم في عين ما أنكرتموه، وإن زعمتم: أنا أدركناه نظرا، فالنظر الّذي به الإدراك بم عرفتم صحته، والخلاف قائم فيه؟ فإن ادعيتم معرفة ذلك بنظر ثالث لزم ذلك في الرابع والخامس إلى غير نهاية.- قلنا: نعم كان هذا الكلام ينقلب إن كانت المعقولات بالموازنات اللفظية، وليس الأمر كذلك، فلتتأمل دقيقة الفرق، فإنا نقول: عرفنا كون النظر العقلى دليلا إلى العلم بالمنظور فيه بسلوك طريق النظر والوصول إليه. فمن سلكه وصل، ومن وصل عرف أن ما سلكه هو الطريق، ومن استراب قبل السلوك فيقال: طريق رفع هذه الاسترابة السلوك.

ومثاله ما إذا سئلنا عن طريق الكعبة فدللنا على طريق معين، فقيل لنا: من أين عرفتم كونه طريقا؟ قلنا: عرفناه بالسلوك، بأنا سلكناه فوصلنا إلى الكعبة، فعرفنا كونه طريقا. ومثاله الثانى: أنا إذا قيل لنا: بم عرفتم أن النظر في الأمور الحسابية من الهندسة والمساحة وغيرها طريق إلى معرفة ما لا يعرف اضطرارا؟ - قلنا: سلوك طريق الحساب، إذ سلكناه فأفادنا علما بالمنظور فيه، فعلمنا أن نظر العقل دليل في الحساب، وكذلك في العقليات: سلكنا الطريق النظرية فوصلنا إلى العلم بالمعقولات، فعرفنا أن النظر طريق، فهذا لا تناقض فيه. فإن قيل: وبم عرفتم أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت