فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 196

وأما (المقدمة الرابعة) وهى قولهم: إذا بطلت معالجته في نفسه بطريق النظر ثبت وجوب التعلم من غيره، فهذه صادقة على تقدير بطلان النظر وتسليم معرفة الحق، ولكنّا لا نسلم بطلان النظر، كما سبق وكما سنذكر في إفساد شبههم المزخرفة لإبطال النظر، ولا نسلم وجوب معرفة الحق، لأن من جملته ما بنا مندوحة عنه، والمحتاج إليه معرفة الصانع وصدق الرسول، والناس قد اعتقدوها سماعا وتقليدا لأبويهم، وفى ذلك ما يغنيهم فلا حاجة بهم إلى استيناف تعلّم من معلم معصوم، فإن قنعوا بالتعليم من الأبوين فنحن نسلم حاجة الصبيان في مبدأ النشوء إلى ذلك ولا ننكره. ولا مستروح لهم في هذا التسليم.

ومن هذه المقدمة قولهم: إذا ثبتت الحاجة إلى المعلم فليكن المعلم معصوما، وهذا متنازع فيه، فإن المعلم إن كان يعلم ويذكر معه الدليل العقلى وينبه على وجه الدلالة ليتأمل المتعلم فيه بمبلغ عقله ويجوز له الثقة بمقتضى عقله بعد تنبيه المعلم، فليكن المعلم ولو أفسق الخليقة فلم يحتاج إلى عصمته؟ وليس يتلقف المتعلم منه تقليد ما يتلقفه، بل هو كالحساب لا بدّ من معرفة الحق فيه لمصالح المعاملات، ولا يعرفه الإنسان من نفسه ويفتقر إلى معلم ولا يحتاج إلى عصمته لأنه ليس علما تقليديا، بل هو برهانى، وإن زعمتم أن المتعلم ليس يتعلم بالبرهان والدليل لأن ذلك يدركه بنظر عقله، ولا ثقة بعقله مع ضعف عقول الخلق وتفاوتها فلذلك يحتاج إلى معصوم؛ فهذا الآن حماقة، لأنه إما يعرف عصمته ضرورة أو تقليدا، ولا سبيل إلى دعوى شي ء منه، فلا بد أن يعرفه نظرا، إذ لا شخص في العالم يعرف عصمته ضرورة أو يوثق بقوله مهما قال أنا معصوم، وإذا لم يعرف عصمته كيف يقلده! وإذا لم يثق بنظره كيف يعرف عصمته! فإن كان الأمر كما ذكرتموه فقد وقع الناس عن تعلم الحق وصار ذلك من المستحيلات فإذا قالوا: لا بدّ من تعلم الحق لا بطريق النظر، كان كمن يقول: لا بدّ من الجمع بين البياض والسواد، لأنه إن تعلم من غيره بتأمل دليل المسألة التى يتعلمها كان ناظرا مقتحما خطر الخطأ، وإن قلده لكونه معصوما كان مدركا عصمته بالنظر في دليل العصمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت