فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 196

وإن لم يعتقد العصمة ويعلم ممن كان فقد رجع الأمر بالآخرة إلى ما استبعدوه وهو التعلم ممن لم تعرف عصمته وفيهم كثرة وأقوالهم متعارضة كما ذكروه، وهذا لا مخلص عنه أبد الدهر.

وأما (المقدمة الخامسة) وهى قولهم: إن العالم لا يخلو إما أن يشتمل على ذلك المعصوم المضطر إليه، أو يخلو عنه؛ ولا وجه لتقدير خلو العالم عنه فإن ذلك يؤدى إلى تغطية الحق وذلك ظلم لا يليق بالحكمة، فهو أيضا مقدمة فاسدة، لأنا إن سلمنا سائر المقدمات وسلمنا ضرورة الخلق إلى معلم معصوم فنقول: لا يستحيل خلو العالم عنه، بل عندنا يجوز خلو العالم عن النبي أبدا، بل يجوز لله أن يعذب جميع خلقه وأن يضطرهم إلى النار، فإنه بجميع ذلك متصرف في ملكه بحسب إرادته، ولا معترض على المالك من حيث العقل في تصرفاته، وإنما الظلم وضع الشي ء في غير موضعه، والتصرف في غير ما يستحقه المتصرف، وهذا لا يتصور من الله، فلعل العالم خال عنه على معنى أن الله لم يخلقه.

فإن قيل: مهما قدر الله على إرشاد الخلق إلى سبيل النجاة ونيل السعادات ببعثة الرسل ونصب الأئمة ولم يفعل ذلك كان إضرارا بالخلق مع انتفاء المنفعة عن الله تعالى في هذا الإضرار، وهو في غاية القبح المناقض لأوصاف الكمال من حكمته وعدله، ولا يليق ذلك بالصفات الإلهية.

قلنا: هذا الكلام مختل وغطاء ينخدع به العامى ويستحقره الغواص في العلوم، وقد انخدع به طوائف من المعتزلة، واستقصاء وجه الرد عليهم في فن الكلام «1» ، وأنا الآن مقتصر على مثال واحد يبين قطعا أن الله تعالى ليس يلزمه في نعوت كماله أن يرعى مصلحة خلقه، وهو: أنا نفرض ثلاثة من الأطفال مات أحدهم طفلا، وبلغ أحدهم مسلما ثم مات، وبلغ الآخر وكفر ثم مات؛ فيجازى الله كل أحد بما يستحقه، فيكون مقيما للعدل فينزل الّذي بلغ وكفر في دركات

(1) فن الكلام: علم الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت