فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 196

بد من معلم معصوم، ولا معجزة للمعصوم وإنما يعرف بالدعوى، وصاحب الباطنية لا يدعى الربوبية- كيف وصاحب الشاباسية يدعى الربوبية؟ فأتباعه أولى، فإن قلتم: من يدعى الربوبية يعرف بطلان قوله ضرورة؛ فالجواب من وجهين:

أحدهما أنه إنما يدعى ذلك بطريق الحلول «1» ويزعم أن ذلك توارث في نسبهم؛ وقد استمر ذلك في بيتهم عصرا طويلا. والمدعى الآن كان جده مدعيا لذلك، والحلول قد ذهب إليه طوائف كثيرة، فليس بطلان مذهب الحلولية ضروريا؛ فكيف يكون ضروريا وفيه من الخلاف المشهور ما لا يكاد يخفى، حتى مال إلى ذلك طائفة كبيرة من محققى الصوفية وجماعة من الفلاسفة، وإليه أشار الحسين بن منصور «2» الحلاج الّذي صلب ببغداد حيث كان يقول: «أنا الحق، أنا الحق» ؛ وكان يقرأ في وقت الصلب: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: 157] . وإليه أشار أبو يزيد البسطامى «3» بقوله: «سبحانى، سبحانى! ما أعظم شأنى!» . وقد سمعت أنا شيخا من مشايخ الصوفية تعقد عليه الخناصر ويشار إليه بالأصابع في متانة دين، وغزارة علم، حكى لى عن شيخه المرموق في الدين والورع أنه قال: ما تسمعه من أسماء الله الحسنى، التى هى تسعة وتسعون، كلها يصير وصفا للصوفى السالك بطريقه إلى الله، وهو يعد من جملة السائرين إلى الله لا من زمرة الواصلين، وكيف ينكر هذا وعليه مذهب النصارى في اتحاد اللاهوت بناسوت «4» عيسى عليه السلام حتى سماه بعضهم إلها وبعضهم ابن الإله وبعضهم قالوا هو

(1) الحلول؛ أى: حلول الذات الإلهية في الإنسان؛ فيتحد فيه اللاهوت بالناسوت! وهى فلسفة هندية (بوذية) قديمة؛ ثم يتوارث ذلك في السلالة والذرية.

(2) الحلاج: صلب أيام الخليفة المقتدر العباسى سنة 309 ه. كان كما قال عنه ابن النديم: محتالا يتعاطى مذاهب الصوفية، ويدعى كل علم جورا على السلاطين، مرتكبا للعظائم ويراه آخرون فيلسوفا إشراقيا، يقول بالحلول.

(3) أبو يزيد البسطامى: طيفور بن عيسى البسطامى- أبو يزيد، ويقال: بايزيد زاهد مشهور، له أخبار كثيرة.

نسبته إلى «بسطام» بلدة بين خراسان والعراق، أصله منها ووفاته فيها (188 - 261) ه.

(4) الناسوت: الجانب البشرى الإنسانى في كيان ابن آدم (المادية الترابية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت