فهرس الكتاب
... وهذه الشفاعة التي أشار إليها الطحاوي -رحمه الله- للمعتزلة فيها موقف مخالف لموقف أهل الحق:
... وذلك أن المعتزلة لا ترى الشفاعة لأحد في الآخرة إلا المؤمنين فقط دون الفسَّاق من أهل القبلة، فلا شفاعة لأهل الكبائر، لأن إثبات ذلك يؤدي إلى خلف وعيد الله، وخلف الوعيد عندهم يعتبر كذبًا والله يتنزه عن الكذب.
... ثم استدلوا بالآيات الواردة في نفي الشفاعة عن غير المؤمنين الفائزين، كقوله تعالى: { واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } [1] . وكذلك قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } [2] ، أي والفساق غير راضٍ عنهم فلا تصح الشفاعة فيهم.
... وقوله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } [3] .. إلى غير ذلك من الآيات الواردة بهذا المعنى.
... ولا ريب أن المعتزلة جانبوا الصواب في الحكم بنفي الشفاعة في العصاة، فإن القول بإثبات هذه الشفاعة مما هو ثابت متواتر عن السلف لثبوت الأحاديث المتواترة بذلك، وإجماع علماء الإسلام عدا المعتزلة.
... والذي جرَّ المعتزلة لهذا الخطأ خطأ آخر، وهو أن من عقائدهم أن السيئات يذهبن بالحسنات، فلو أتى الشخص بحسنات كالجبال، ثم جاء بعدها بسيئة، فإن هذه الحسنة تحبط بمجرد صدور المعصية.
... ومذهب السلف أنه لا شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة عن الإسلام والرجوع إلى الكفر، كما أن تكفير جميع السيئات عن المذنب لا يكون إلا بالتوبة.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(1) ... البقرة: 48.
(2) ... الأنبياء: 28.
(3) ... غافر: 18.