فهرس الكتاب
... وورث علما العرب عن اليونان هذا النوع من التفکير، فشطرهم إلي فريقين أيضا: أولئک الذين کانوا ينتصرون للفکرة الطبيعية الذاتية، وأشهر من عرف عنهم هذا الرأي من مفکري العرب «عباد بن سليمان الصيمري» أحد المعتزلة، غيروري أنه کان يقول «إن بين اللفظ و مدلوله مناسبة طبيعية حاملة لا واضع علي أن يضع، وإلا ک... تخصيص الاسم المعين بالمسمي المعين ترجيحا من غير مرجح» . وکان بعض من يري رأيه يقول «إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، مسئل ما مسمي «إدغاغ» ، و هو بالفارسية الحجر، فقال أجد فيه يب...ًا شديدًا وأراه الحجر [1] ».
... ومع أن معظم اللغويين من العرب لا يأخذون بهذا الرأي، نري کثيرًا منهم يربطون في مؤلفاتهم بين الألفاظ ومدلولاتها ربطا وثيقا يکاد يشبه الصلة الطبيعية أو الذاتية ولعل السر في هذا الاتجاه هو اعترازهم بتلک الألفاظ العربية و إعجابهم بها، وحرصهم علي الکشف عن أسرارها و خباياها.
... فاين جني في کتابه الخصائص يعقد فصولا أربعة في نحو ستين صفحة من کتابه، ويحاول في تلک الفصول أن يکشف لنا عن شئ من تلک الصلة الخفية بين الألفاظ و دلالتها:-
... 1-ففي فصل عنوانه «في تلاقي المعاني علي اختلاف الأصول والمباني» [2] يربط ابن جني بين کلمتي المسک والصوَّار [3] ، فيقول إن کلا منهاي جذب حاصة من يشمه، أي أن المسک في رأيه إنما سمي کذلک لأنه يمسک بحاسة الشم ويجتذبها. ويتخذ ابن جنيد ليلا علي قوله من کلمة السک بالفتح ومعناها الجلد، لأن الجلد يمسک ماتحته من جسم!!
(1) المزهر للسبوطي صفحة 7.
(2) الخصائص صفحة 507 .
(3) الفيروزيادي: الصوار الرائحة الطيبة والقليل من المسلک.