فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 253

... وهي في بعض الألفاظ أوضع منها في البعض الآخر، ومرجع هذا إلي الظروف الخاصة التي تحيط بکل کلمة في تاريخها، وإلي الحالات النفسية المتباينة التي تعرض المتکلمين والسامعين في أثناء استعمال الکلمات. فإذا تصادف أن عني أحد المتکلمين بأصوات لفظ من الألفاظ، واسترعي انتباهه أکثر من غيره، لا يلبث أن يعقد الصلة الوثيقة بينه و بين دلالته، ويتصور نوعا من الناسبة بين تلک الأصوات وما تدل عليه، ومحاول نقل شعوره إلي غيره ماستطاع إلي ذلک سبيلا. فإذا تصادف أيضا أن أحسن فريق من الناس بنفس الإحساس، بدأت عملية ذهنية أخري هي الربط بين هذه الأصوات وأشباهها في الکلمات الأخري، لأن الذهن الإنساني يميل إلي التجميع والتعميم. وتلتقي تلک العملية نفسية أخري هي التي قسمي يتناعي المعاني، أي أن المعني حين بخطر في الذهن يدعو ما يشبهه أو يقاربه. وهنا قد يخطر في الذهن فکرة الربط بين مجموعة من الألفاظ المتشابهة المتقاربة، بمجموعة من المعاني المتشابهة أو المتقاربة، ويترتب علي هذا أن يشيع بين أبناء اللغة نوع من الوهم يشعرون معه بوثوق الصلة بين الألفاظ والدلالات.

... فالألفاظ لاتعدو في حقيقتها أن تکون بمثابة الرموز علي الدلالات، کل لفظ يصلح أن يتخذ للتعبير عن أي معني من المعاني، فما يسمي «بالشجرة» يمسکن أن يسمي بأي لفظ متي اصطلح الناس عليه، وتواضعوا علي استعماله فليس في لفظ «الشجرة» ما يوحي بفروعها وجذورها وأوراقها و خضرتها.

... وقد کان من الممکن أن يعبر عن هذه المعاني برموز أخري غير صوتية کالإشارة و نحوها. ولکن الإنسان بدًا ... أمد بعيد جدًا يتخذ من أصواته رموزًا للتعبير عما يخطر في ذهنه واستغل في هذا ما نسميه بجهاز النطق الذي وظيفته الأصلية الطبيعية المضغ والبلغ والتنفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت