فهرس الكتاب
... دعنا نتذکر علامات المرور من أحمر وأصفر وأخضر التي يرمز کل لون منها إلي دلالة معينة اصطلح المجتمع عليها و تقبلها قبولا حسنًا. فجبن يري السائق اللون الأحمر يخطر في ذهنه دلالة معينة هي وجوب الوقوف ، فإذا رأي اللون الأخضر عرف أنه يرمز له بالسماح بالمرور. وليس بين هذه الألوان وما تدل عليه أي مناسبة طبيعية، وکل ما بينها لا يعدو أن يکون اصطلاحا ومواضعة هي من صنع الناس.
... وکذلک الألفاظ اصطنعها الإنسان للتعبير عما يخطر في ذهنه، غير أنها اکتسبت مع الزمن صفة ليست في غيرها من الرموز الاصطلاحية، ومن المجازقة أن ينظر إلي تلک الألفاظ الآن علي أنها مجرد رموز، فقد ارتبطت بالفکر الإنساني ارتباطًا وثيقًا، وأصبح من الصعب أن نتصور أي نوع من التفکير بغير هذه الألفاظ. فالإنسان يفکر بوساطة هذه الألفاظ، والدلالة التي ليس لها لفظ لاوجود لها إلا في مخيلة بعض الفلاسفة. حتي ما يسمي بالتفکير الصامت أو التأمل لا يؤدي إلا بعملية نطقية يقوم بها للتأمل، وإن لم يسمعها أحد ممن حوله. فعضلات نطقه تقوم بنفس الحرکات اللسانية التي يقوم بها في الکلام المسموع. وقد برهنت التجارب الکثيرة علي هذه الحقيقة العلمية، فالمرء قد يشعر بإرهاق في عضلات نطقه بعد سماعه لخطيب يخطب أمامه لمدة طويلة، وذلک لأن عضلات نطق السامع تتحرک حرکات خافتة تشبه ما تقوم به عضلات نطق الخطيب تمام الشبه.
... بل لقد لوحظ أن لاعب البيانو حين يستمع لعزف غيره مدة طويلة، فديشعر بعدها بتعب أنامله وأسابعه ، فکأنما قد مارس هو العزف بنفسه.