فهرس الكتاب
... وليس يعترض علي هذا بأن يقال إن الذي بولد أصم يدرک الأشياء والحوادث دون أن يکون له أي نصيب من تلک الألفاظ اللغوية؛ وذلک لأن إدراک الأصم مولدا أدني کثيرًا من إدراک السامع، فإدراکه للأمور إدراک ناقص، ومع هذا لايتم له هذا الإدراک الناقص إلا عن طريق رموز أخري تحل محل الرموز الصوتية کالإشارة ونحوها. بل إن مشاهد السينما الصامتة لم يکن يستطيع إدراک ما يراه إلا بعد ترجمته في ذهنه إلي ألفاظ يعرف دلالتها، ولو قد عرض عليه من الأشياء أوالحوادث ما لا يستطيع ترجمته إلي الألفاظ ، لمرت بذهنه مرورًا عابرًا غامضًا لا يترک أثرًا، ولا يبعث علي تتفکير أو رغبة في مشاهدتها.
... فاصطناع الألفاظ للتعبير عما يجول في الأذهان قدمرت به مثات أو آلاف من القرون جعلت من تلک الألفاظ ثبيثًا أرقي من مجرد رموز. فليست کإشارات المرور أو العلامات التلغرافية أو الشفرة، بل هي بالنسبة للإنسان مصابيح تهيده في ظلمات الحوادث، وتعيته في معترک الحياة، وتجعل منه مخلوقًا اجتماعيًا نافعًا. و هو لهذا يعتزبها، ويتبناها، وينقب عما تتضمن من أصرار، وينسب لها فوق مالها في الحقيقة والواقع فهي التي ميزته عن سائر المخلوقات، ويسرت له التفکير ولا غرابة إذن أن يوصف الإنسان بأنه المخلوق الناطق.
... وقد اکتسبت تلک الألفاظ شيئًا من القدسية بعد أن حملت إلي الناس أرقي ما يفتجه العقل البشري من آداب و علوم، وبعد أن اتخذت وسيلة لإبصال الوحي الإلهي إلي عقول البشر، فکتبت بها أسفارهم المقدسة ونزلت بها الکتب السماوية.
أما کيف ربط الإنسان الأول بين الألفاظ ودلالاتها، ولماذا اختص العربي «الشجرة» بهذا اللفظ «والبحر» بلفظ آخر، واختصتمهما الشعوب الأخري بألفاظ أخري، ومتي بدأ أو تم للإنسان هذا الربط، فکل هذه أسئلة حيرت عقول المفکرين منذ قرون سحيقة ولا تزال تحيرها حتي الآن.