فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 253

فدلالات الأشياء ترتبط في أذهان الأطفال بتجاربهم السابقة ارتباطا وثيقًا، وعلي قدر اختلاف تلک التجارب مختلف الدلالات في أذهانهم. فالطفل الذي تعود منذ صغره أن يکون له کلب صغير يدلله ويؤاکله ويلاعبه ، وقد ينام معه في سريره، يدرک من دلالة لفظ «الکلب» غير مايدرک طفل آخر کل تجاربه مع الکلاب تتلخص في أن أحدها قدعضه في رجله في يوم من الأيام !!

والطفل في القرية الذي تعود منذ صغره أن يقود البقرة أو الجاموسة إلي الحقلف ويناولها طعامها، ويداعب قرونها وقد يرکب عليها، يدرک من مدلول هذين اللفظين حدودًا من الدلالة واضحة التفاصيل والمعالم، في حين أن الطفل بالمدن يظل زمنا طويلا غير مستطيع التمييز بين البقرة والجاموسة، وتبقي دلالتهما في ذهنه غامضة وقتا غير قصير.

وموقف الأمم البدائية من دلالة الألفاظ يشبه إلي حد کبير تلک المرحلة التي فيها نري الأطفال لايکادون يميزون بين الدلالات الکلبة والدلالات الخاصة، والتي لايتصورون عندها أنه من الممکن أن يوجد في الدنيا أب غير أييهم أو ام غير أمهم أو سرير غير سريرهم، فالکلمات عندهم أعلام أو مايشبه الأعلام، لا تطلق إحداها إلا علي شئ معين.

فيحدثنا بعض الباحثين ممن درسوا لغات الأمم البدائية أن الهنود الحمرليس لديهم کلمة يمکن أن تطلق علي شجر البلوط بأنواعه المختلفة وألوانه المتباينة ولکنهم يختصون «البلوط الأسود» بکلمة معينة، والبلوط الأحمر بکلمة أخري لاتمت للأولي بأي صلة ، فهم لايکادون يدرکون الدلالة الکلبة للأشياء، بل يتخذون لکل نوع کلمة خاصة تدل عليه. ممات دل عليه کلمة مثل «شجرة» لا مفهوم له في أدهانهم، وإنما الذي يدرکونه هو نوع معين من الشجر، کشجرة الکافور أو شجرة الوز أو شجرة التوت، فلکل من هذه الأنواع کلمة خاصة في لغتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت