ماورد من نصوص بحيث تلائم اتجاههم، و تنسجم مع منطقهم. علي أنا لا ندري لهذه الطائفة زعيمًا معينًا استمسک بهذا الرأي جهارًا، و دافع عنه في قوة و إصرار، بل نري هذا الرأي ينسب لابن جني ولأستاذه أبي علي الفارسي و غيرهما ممن جاءوا بعد ذلک. فإذا رجعنا إلي قول ابن جني في الخصائص نراه حائرًا مترددًا لا يکاد يستقر علي امر. فبعد أن يشير إلي الرأي القائل بأن اللغة اصطلاحية، و يستدل عليه، نراه في آخر الباب يقول مانصه «إني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الکريمة اللطيفة وجدت فيها من الحکمة والدقة والإرهاف والرقة مايملک علي جانب الفکر فقوي في نفسي اعتقاد کونها توقيفًا من الله سبحانه و أنها وحي» . ثم يقول «کذلک لا ننکر أن يکون الله تعالي قد خلق من قبلنا، و إن بعد مداه عنا ، من کان ألطف منا أذهانا، و أسرع خواطر، و أجرأ جنانًا فأقف بين تين الحلتين حسيرًا، وأکاثرهما فأنکفي مکثورًا» .
فنحن نري من هذا حيرة ابن جني، و أخذه بالرأيين معًا، أو عدم استطاعته ترجيح أحدهما علي الآخر. وهو يعدنا في آخر کلامه بأنه إذا بدا له من أدلة أخرى ، أو تکشفت له أمور أخرى في الاستدلال فسيرجح لنا أحد الرأيين و ينتصر له.
فإذا استعرضنا حجج القائلين بالاصطلاح وجدناها تکاد تنحصر في الأمور الآتية:
(ا) أولها أن الصلة بين الألفاظ و مدلولاتها صلة عرفية لاتخضع لمنطق أو عقل، فما يسمي (بالشجرة) مثلًا کان يمکن أن يسمي بأي لفظ آخر. ولا يصح لهذا أن ينسب مثلًا هذا العمل الناقص لله سبحانه و تعالي.
فلا ندري لم سُمّي الحجر حجرًا أو النهر نهرًا في لغتنا العربية، مهما أجهد الاشتقاقيون أنفسهم في مثل هذا، و تلمسوا له من التأويلات المتکلفة، والتخريجات المتعسفة. هذا إلي أن المعاني المشترکة في کل العقول البشرية قد اتخذت لها اللغات ألفاظًا متباينة مختلفة لايکاد يمت بعضها إلي بعض بصلة معقولة مفهومة.