فإذا أضيف إلي ماتقدم أن کل اللغات تتضمن کثيرًا من الأمثلة الشاذة، والشواهد الحارجة علي قواعدها العامه، و أنها تتضمن أيضًا تلک الألفاظ التي يعبر کل منها عن أکثر من معنى و هي ما نسمي بالمشترک اللفظي، و الألفاظ التي يشترک اثنان منها أو أکثر في معني واحد و هي المترادفات، تبين بعد کل هذا أن اللغة لا يعقل أن تتفق مع إحکام ما يخلق الله من أشياء. و لذالک کان ابن درستويه و هو ممن نادوا بأن اللغة توقيفية ينکر أشد الإنکار وجود المشترک اللفظي و يعده مدعاة للإلباس والإبهام، وينزه الخالق عن مثل هذا في مخلوقاته.
(ب) ثم ينساقون مع القائلين بالتوقيف إلي طريقتهم في الجدل و النقاش بطريقة نقلية و يرون في قوله تعالي «و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه» دليلًا يؤيد وجهه نظرهم، لأن الآية صريحة في أن اللغة تسبق الرسالة، و ليس العکس کما يفهم من کلام أصحاب التوقيف. و ذلک لأن الواسطة بين الله والبشر هم الرسل، و هو سبحانه يختارهم بعد أن يستقر أمر التفاهم بين الناس، و يصطلحوا علي وسيلة للاتصال فيما بينهم.
ثم يري أصحاب الاصطلاح في الآية الکريمة « و علّم آدم الأسماء کلها» أنها تفيد أنه تعالي أقدره علي النطق بألفاظ معينة، و جعل فيه القدرة علي خلقها بنفسه والتصرف في تراکبيها.
أما کيف نشأت اللغة في رأي أصحاب الاصطلاح فنراهم يفترضون في هذا أحد فرضين يلخصهما ابن جني في الحصائص قائلًا: «کأن يجتمع حکيمان أو ثلاثة فصاعدًا فيحتاجون إلي الإبانة عن الأشياء المعلومة فيضعوا لکل واحد سمة و لفظًا إذا ذکر عرف به» إلي أن يقول «فکأنهم جاءوا إلي واحد من بني آدم فأومأوا إليه و قالوا إنسان، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوقات)!
أما الفرض الثاني فنراه في کلام ابن جني علي الصورة الآتية: