فهرس الكتاب
وتتأثر الدلالة في نموها وتطورها بمؤثرات أوضحها أنها تختلف لدي کل منا باختلاف التجارب التي ثمربها، والظروف المحيطة بهذه التجارب. فالطفل تري التفاح للمرة الإولي في صورة معينة وفي حجم معين ولوز معين ثم تتکرر تجاربه و يراء في صورة أخري، وظروف أخري، مرقوهوسليم معافي وأخري وهو مريض لا يشتهي، فلا تکاد تتفق التجارب في حياتنا إزاء شئ معين. ويتکون في آخر الأمر من کل تلک التجارب المختلفة لدي کل منا صورة ذهنية معينة، نستحضرها کلما سمعنا لفظ التفاح. فمنا من يستحضر صورة التفاح لدي سماع لفظه، کبير الحجم أحمر وقد وضع في إناء بلوري کبير، ومنا من تکون صورته الذهنية عن التفاح أن نصفه أحمر ونصفه أصفر، وفريق ثالث يستحضرون صورة ذهنية عن التفاح الأصفر الذهبي اللون.
ومتي سلمنا باختلاف تجارب المرء نفسه في الظروف المختلفة، فأجدر بنا أن نسلم باختلاف التجارب باختلاف الأشخاص. فالصورة الذهنية عن المحراث في ذهن الفلاح غيرها في ذهن أهل المدن. فليس منا من لم ير المطر أو يجرب سقوطه تجارب لاحصر لها وفي ظروف لاحصر لها أيضا، فإذا سمع لفظة المطر أدرک مدلولها، ولکننا وقد اختلفنا في التجارب المرتبطة بهذه اللفظه يتکون في ذهن کل منا دلالات مختلفة في نواح ومتعقة في نواح أخري، ولايقال حينئذ إن دلالة المطر في أذهاتنا متحدة، بل تصطبغ في ذهن کل منا بصبغة خاصة.
هذا إلي أننا تختلف في أجسامنا بين صحة و مرض أوضعف وقوة، ونختلف في ترکيب أعصابنا وأمز جتنا، وفيما يرثه کل منا من أبويه وأجداده ، ويترک کل ذلک أثرًا کبيرًا في فهمنا للأمور، وتحديدنا للدلالات. وهکذا تري أن الدلالة أمر فردي لاتکاد تتحد فيه الأذهان؛ بل تتباين تباينًا کبيرًا.