فهرس الكتاب
يعيش الناس في مدينة القاهرة حياة اجتماعية تتضمن قدرًا کبيرا من التعاون وتبادل المصالح، فيتصل بعضهم ببعض، وينتفع بعضهم ببعض، ولا يقتصر هذا الاتصال أو تلک المنفعة علي حدود ضيقة کالأسرة أو الأقارب، بل يسمعي الفرد منهم وراء رزقه ومصالحه يوما في شمالها وآخر في جنوبها، وساعة مع باعتها، وأخري مع موظفيها، ويتخذون في هذا الاتصال وسيلة واحدة هي اللغة التي تلتظمهم جميعًا، وتيسر عليهم ذلک التعاون الاجتماعي النشود، وهم مع هذا ربما نشأوا في بيئات مختلفة ، وتأثروا بتجارب متباينة في حياتهم السابقة، مما قد يترک ... فويًا في فهمهم للألفاظ، ولکنهم رغم ذلک يتعاملون بتلک الألفاظ، ويتنازل کل منهم عن تلک الفروق التي تلون الدلالات بلون خاص في ذهن کل منهم، ويقنعون في تلک الحياة الاجتماعية بقدر مشترک من الدلالة بصل بهم إلي نوع من الفهم التقريبي الذي يکتفي به الناس في حياتهم العامة.
وهذا القدر المشترک من الدلالة هوالذي يسجله اللغوي في معجمه ، ويسميه بالدلالة المرکزية وقد تکون تلک الدلالة المرکزية واضحة في أذهان کل الناس کما قدتکون مبهمة في أذهان بعضهم. ويمکن أن تشبه الدلالة بتلک الدوائر التي تحدث عقب إلقاء حجر في الماء، فما يتکون منها أولا يعد بمثابة الدلالة المرکزيه للألفاظ، يقع فهم بعض الناس منها في نقطة المرکز، وبعضهم في جوانب الدائرة أوعلي حدود محيطها. ثم تتسع تلک الدوائر وتصبح في أذهان القلة من الناس وقد تضمنت ظلالا من المعاني لايشرکهم فيها غيرهم.
وأقصي ما يطمع فيه اللغوي هو أن يجعل تلک الدلالة المرکزية واضحة في أذهان الناس، ولذا بعمد إلي ذلک القدر المشترک فيحدده ويشرحه في معجمه ، مستعينا في هذا بطبقة المثقفين من جمهورالناس، ومتخذًا منهم نماذجه الدلالية في ذلک المعجم.