فهرس الكتاب
فالمشرع ينص علي وجوب «إعلان المدعي عليه في موطنه» ، قانعًا بمثل هذا النص، معتقدًا أن کلمة «الموطن» ذات دلالة محددة في أذهان الناس، ثم لايلبث أن يخيب ظنه حين يفد المتقاضون يتنازعون حول هذه الکلمة التي لها في أذهانهم ظلال من المعاني متباينة.
وليس من الضروري أن نفترض المغالطة في کل نزاع من هذا النوع فقد يکون النزاع حول مدلول اللفظ عن عقيدة وإيمان بين کل من المتخاصمين.
فالقضاة والمحامون يقضون نصف حياتهم أو حياتهم کلها في صراع مع تلک الألفاظ ومدلولاتها، وحدود تلک الدلالات، فيوفقون حينًا ويفشلون حينًا آخر.
يقف الدائن ويعلن أن مدينه أ..لس، فيصر الخصم علي أن هذا لا يسمي إفلاسا، وهنا يشتد الجدل حول معني «الإفلاس» !!
يقف المتقاضون فيدعي بعضهم أن المبلغ کان بمثابة تأمين، فيصيح الخصم بل وديعة، أو أنه بمثابة «عربون» فيقول الخصم بل هو «خلو رجل» !! ولذا لا ندهش حين نقرأ تلک المذکرات المسهبة التي يحاول فيها القانوني شرح لفظ من الألفاظ وتحديد دلالته. ... فعملية «النصب» قد يفسرها المحامي أحيانًا بأنها لا تعدو أن تکون «کذبا» جاز علي عقل أحد المغفلين، ولا يحمي القانون أمثال هؤلاء المغفلين !!
بل قد تکون الدلالة للفظ من الألفاظ مسألة حياة أو موت، فکلمة «العمد» تکون رکنًا أساسيًا في الجنايات الخطيرة. فإذا اقتنع القاضي بنية «العمد» في سلوک الجاني فقد يدفع به إلي حبل المشنقة، وإلا تحولت الجناية إلي جنحة، وعدّت الجريمة من قبيل الخطأ. ولکن هل من اليسير تحديد معالم تلک الدلالة المجردة في کلمة «العمد» ؟ أليس مرجعها أولا وقبل کل شئ إلي النية وإلي الضمير؟ ولا عرابة إذن حين يثبت رکن العمد عند قاض وينتفي عند آخر في نفس الجريمة ، لأن دلالة «العمد» في ذهن کل منهما متأثرة بتجاربهما الخاصة، وبتلک الظلال الهامشية التي تختلف باختلاف الناس.