فهرس الكتاب
ويلخص السيوطي تلک المذاهب المختلفة فينسب «لابن فارس» القول بأن اکثر الکلام حقيقة، وينسب لاين جني رأيًا آخر مجمله أن الکلام أکثره مجاز، ثم ينتهي براي اسحاق الاسفراييني وهو من ينکر المجاز ويأباه [1]
صفحه 128
ونحن في بحتنا هنا للدلالة الحقيقية أو الدلالة المجازية لا تعرض لتلک الناحية البلاغية، فلا نسلک مثلا مسالک القدماء حين کانوا لا يذکرون شيئًا من المجاز إلا قالوا أنه أبلغ من الحقيقة، وحين کانوا يلتمسون في المجاز عناصر بلاغية أو جمالية أولي بها محال النقد الأدبي. ولکنا ننظر إلي ما يسمي بالحقيقة والمجاز علي أنه مظهر للتطور الدلالي في کل لغة من اللغات.
وأبرز نواحي الضعف في علاج القدماء للحقيقة والمجاز أنهم وجهورا کل عنايتهم إلي نقطة البدء في الدلالة، ورکزوا نظرتهم نحو نشأتها، فتصوروا ماصموه بالوضع الأول، وتحدثوا عن الوضع الأصلي، کأنما قد تم هذا الوضع في زمن متعين، وفي عصر خاص من عصور التاريخ. و... يدرکوا أن حديثهم عن نشأة الدلالات ليس في الحقيقة إلا خوضًا في النشأة اللغوية للإنسان، تلک التي أصحت من مباحث ماوراء الطبيعة، والتي هجرها اللغويون المحدثون بعد أن يئسوا من إمکان الوصول في شأنها إلي رأي علمي مرجح، وأصبحوا الآن يقنعون ..حث اللغة وتطورها في العمور التاريخية، التي خلفت لنا آثارًا لغوية مدونة أو مفقوشة.
کذلک يبدو من بحوث القدماء من علماء العربية أنهم نظروا إلي کل عصور اللغة علي أنها عصر واحد، ومن هنا ظهرت بعض الألفاظ علي أنها حقيقة بعد أن شاع أمرها وتنوصيت مجازيتها فقال من قال إن الکلام کله حقيقة، وتبين لآخرين من العلماء أن معظم الألفاظ لها تاريخ مجازي، فخيل إليهم أن کل الألفاظ تبدأ مجازية الدلالة وأن لا حقيقة فيها. وکان کذلک الفريق الثالث وهم جمهورالعلماء الذين اعترفوا بکل من الحقيقة والمجاز علي أساس الأصالة والفرعية في دلالة اللفظ.
(1) الزهر ج 1 ص 207.