فهرس الكتاب
ويحوث القدماء علي استفاضتها ودفتها وحسن عرضها قد تجاهلت أمرًا هامًا هو في الواقع الأساس الأول للحکم علي الدلالة. ذلک هو أثرها في الفرد حين يسمع اللفظ أو يقرؤه ، فهو وحده الذي يستطيع الحکم علي الحقيقة والمجاز.
صفحه 129
ذلک لأن الحقيقة لا تعدو أن تکون استعمالا شائعًا مألوفًا للفظ من الألفاظ، وليس المجاز إلا انحرافًا عن ذلک المألوف الشائع، وشرطه أن يثير في ذهن السامع أو القارئ دهشة أو غرابة أو طرافة. وحدود تلک الغرابة أو الطرافة تختلف باختلاف تجارب المرء مع الألفاظ، وباختلاف وسطه الاجتماعي أو التقافي، فقد تضعف تلک الغرابة أو الطرافة في ذهن السامع إزاء استعمال أحد الألفاظ، ويوشک اللفظ حينئذ أن يکون کالحقيقة رغم انحرافه عن المألوف الشائع، وقد تقوي فتحرک من السامع مشاعره وعواطفه فتنال إعجابه أو سخريته علي حد سواء، لأنه مجاز في کلتا الحالين، أو خروج عن المألوف المعروف في دلالة اللفظ.
فتحن مثلا حين نقرا ما يروي عن المعظم عيسي بن الملک العادل حين قال في صفة مشروب يعالج به داء الذنوب:
شراب مرکب نافع، لشاربه يوم الفزع الأکبر شافع ، يؤخذ من مستحکم مرير الصبر، وما احلولي من لذيذ الذکر، فيفر بلان بغربال التفکر الهري، وبدافان بمائ العين النظري، ثم يصي المجموع بلباب العلم التجري، ثم يمجن بعسل المحبة الإلهية].
أقول إن المرء عادة حين يقرأ مثل هذه القطعة لايکاد بتمالک نفسه من الابتسام أو الضحک، لأن ما يثيره استعمال ألفاظها قد جاوز الحدود المألوفة لها مجاوزة کبيرة جعلت من المجاز فکاهة وسخرية، ومع ذلک فقد يقف الصوفي من مثل هذه القطعة موقفًا مبايناًٌ، فيتبين فيها نواحي من الجمال، وتحل من نفسه ومن قلبه محل الرضا والإعجاب.