فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 253

وتظلل هذه الظاهرة تلازمنا طول الحياة، إذ يلجأ الطفل الصغير إلي ذلک المجاز الضروري، کما يلجأإليه الکبير. فالطفل قد يري ثقبًا في رأس الأبرة التي بيد أمه وهي تخيط له الثياب، فلا يتردد في أن يقول «عين الإبرة صغيرة» . أي أ.. عمد إلي لفظ مألوف له منذ کان لا يستطيع النطق بکلمة واحدة من لغة أبويه، وانحرف به عن ذلک المجال المألوف حين دعته الضرورة إلي ذلک.

صفحه 131

و کذلک الکبير قد يري الراديو للمرة الأولي ، ثم يشهد من يجربه أمامه فلا يتردد في التساؤل عن «الزر» الخاص بعلو الصوت أو انخفاضه، وعن «الزر» الخاص بتغيير الموجات، أي أنه ينتقل بکلمة «الزر» من مجالها المألوف الي آخر جديد.

وقد لا تدعو الضرورة إلي مثل ذلک الانحراف بالألفاظ، ومع هذا أو رغم هذا يلجأ کثير من الناس في حياتهم العادية إلي الخروج بالألفاظ عن مألوفها رغبة في التغيير، وفرارًا من الاستعمال الشائع وما قد يصاحبه من ملل أو سأم، رغبة في زيادة التوضيح والتجلية للدلالة. ويتم کل هذا في حياة الناس العادية، ومنه يتکون نوع من المجاز الذي لا ينتمي إلي فرد معين يقدر ما ينتمي إلي بيئة معينة أو وسط معين خاص.

وتظل الألسنة والأسماع تتلقفه حتي بذبع ويشيع وبصيح من المألوف أو مما يسمي بالحقيقة.

وهناک نوع آخر من المجاز بتميز بالطرافة، وتصادف من جمهور الناس الإعجاب. وينظر إليه علي أنه نوع من الابتکار والاختراع، وذلک هو ماتتفتق عند فرائح الأدباء والشعراء والصفوة من أصحاب البلاغة واللسن، حين يعمدون إلي الألفاظ فينحرفون بها عن عمد وقصد إلي مجال آخر، وتلک هي الصفة التي يتنافس فيها أصحاب الشعر والأدباء، وتقاس بها مهارتهم وقدرتهم.ويظل هذا الاستعمال الأدبي محل محل الإعجاب والثنائ زمينًا أطول، ولکن مصيره مع هذا إلي الشيوع والألفة في زمن ما عنده يصبح من الحقيقة، ويفقد ما لازمه من الطرافة والجدة، ونراه قديمًا باليًا في عصر من العصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت