فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 253

ولا يکون الحکم صحيحًا علي الحقيقة والمجاز في الألفاظ إلا إذا اقتصر علي بيئة معينة وجيل خاص، فالمجاز القديم مصيره إلي الحقيقة، والحقيقة القديمة قد يکون مصيرها إلي الزوال والاندثار، وتبقي الألفاظ إذا قدر لها البقاء تنتقل

صفحه 132

من مجال إلي آخر جيلا بعد جيل، وذلک هو التطور الدلالي. فکثير من الدلالات التي کانت سائدة شائعة في العصر الجاهلي قد أصابها البلي، ولم نعد نراها إلا في المعاجم کرموز متحفية تشبه ما نراه في المتاحف من قطع خزفية لم تعد صالحة الاستعمال. أي أن أسمي درجات الجدة والطرافة في الاستعمال هو ما يسمي بالمجاز، ثم نتقلص تلک الجدة مع الزمن ويؤول أمرها إلي الألفة والذيوع، وتصبح ما نسميه بالحقيقة التي قد ينتهي أمرها إلي الاندثار والزوال بتطور الحياة الاجتماعية للإنسان.

تلک هي الظاهرة التي جهلها أو تجاهلها الزمخشري حين عرض للحقيقة والمجاز في معجمه أساس البلاغة. ففي رأيه أن «الکتابة والقراءة ، والخلق والهجاء» کلها من المجاز، ويقول إن الدلالة الحقيقة للفعل «کتب» هو في مثل «کتب السقاء أي خرزه بسيرين» أي بمعني الضم والجمع، أما الکتابة المألوفة فدلالتها مجازية، وکان أيضًا يقول إن الدلالة الحقيقة للقراءة هي الجمع والضم، وإن الدلالة الحقيقة للفعل «خلق» هي التي في مثل [خلق الحذاء الأديم والخياط الثوب قدره قبل القطع] ، «ومن المجاز خلق الله الخلق» !! وکان يزعم أن معني «هجا الحروف يهجوها عددها، ومنها عن طريق المجاز [الهجاء بمعني تعدد المعايب] !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت