فهرس الكتاب
هو إذن يفترض أن العرب قد عرفوا من «الکتابة» خزر السقاء قبل أن يعرفوها بمدلوها الشائع الآن، وتلک قضية ليس من اليسير البر...نة عليها حتي مع علنا بشيوع الأمية لدي العرب القدماء. ومع هذا فإذا سلمنا جدلا بصحة تلک الأصالة والفرعية في دلالة «الکتابة» ، فمن الواجب ألا يفوتنا أن الدلالة الحقيقة قد تتعدد، أي أن اللفظ يتحرف من مجاله الحقيقي إلي مجال مجازي ثم يشيع ذلک المجاز حتي يصبح مألوفًا، ويعد حينئذ من الحقيقة ، وتظل تلک الدلالة القديمة ملازمة للفظ في حدود ضيقة، ويکون للفظ دلالتان أو استعمالان
صفحه 133
وکلاهما من الحقيقة ، غير أن إحدي الدلالتين تکون أکثر شيوعا من الأخري، بل قد يصل الأمر إلي أن تصبح الدلالة القديمة من الندرة وقلة الاستعمال بحيث تسترعي الانتباه، وتکاد تعد بمثابة المجاز حين تقارن بالدلالة الجديدة الشائعة المألوفة. ومثلهما حينئذ کمثل الشيخ والشاب کلاهما معروف موجود في بيئته غير أن أحدهما في طريقه إلي الزوال والآخر في عنفوانه. ومن القادر أن يکون للفظ الواحد دلالتان مشهورتان بنفس النسبة في وسط من الأوساط.
صفحه 134
الفصل الثامن
عوامل التطور في الدلالة
رأينا آنفًا کيف أن کثيرًا من ألفاظ اللغات تتطور دلالتها بمرور السنين وتوالي المصور. ويعنينا هنا البحث عن أسباب ذلک التطور الدلالي أو عوامله، فنراها ذات شطريق، منها تطور لاشعوري يتم في کل لغة، وفي کل بيئة، ثم لا يفطن إليه إلا بعد المقارنة بين عصور اللغة. ومنها ذلک المقصود المتعمد الذي يقوم به المهرة في صناعة الکلام، أو تقوم به المجامع اللغوية، لهدف ما أو لآخر. وهذا التطور المقصود المتعمد أقل أثرا في اللغات بوجه عام، ويعد من تطور الطفرة في دلالة الألفاظ، ولذا قدنراه في الحيل الواحد من الناس، ويشهده المرئ خلال حياته القصيرة. ويمکن أن نعز والتطور الدلالي إلي عاملين أساسيين لکل منهما عناصره ومقوماته:
الاستعمال