فهرس الكتاب
وتلک تجربة قد يمر بها کل منا، حين يسمع اللفظ للمرة الأولي فيسنئ فهمه، ويوحي إلي ذهنه دلالة غريبة لاتکاد تمت إلي ما في ذهن المتکلم بأية صلة. ثم قد لا تتاح لهذا السامع فرض أخري لتصحيح خطئه ويبقي اللفظ في ذهنه مرتبطا بتلک الدلالة الجديدة. وليس من غير الشائع أن تتم هذه الظاهرة بين عدد من الأفراد کلهم يسيئون فهم الدلالة بطريقة واحدة، ويتجهون في فهمها اتجاها واحدًا، مما يساعد علي تطور اللفظ تطورًا مفاجئًا يرثه الجيل الناشئ ويرکن إليه. ورب إشارة من يد في أثناء الکلام، أو غمزة من عين، أو أي حادث طارئ عارض يکتنف الکلام، فيؤثر في دلالة اللفظ ... ينحرف به عن مسراه المألوف نحو آخر بعيد عنه کل البعد رغم أن تلک الإشارة، أو ذلک الحادث لم يکن مقصودًا متعمدًا، ولم يکن مما تتطلبه الدلالة للإيضاح أو البيان، بل إن المصادفة البحتة هي التي ربطت بينهما، فأدت إلي ذلک التطور أو التفسير في الفهم.
ويتم مثل هذا التغير الفجاني عادة في البيئات البدائية، وحيث الان زال بين أفراد الجيل الناشئ وجيل الکبار. ثم تسود تلک الدلالة الجديدة، ويجير الدارس في شأنها، فلا يستطيع لها تعليلا، ولا يقدر علي الکشف عن ظروفها. وليس من الضروري حينئذ أن تندثر الدلالة الأصلية، أو أن تفني من الوجود
ص 136
بل قد تبقي جنبًا إلي جنب مع تلک الدلالة الجديدة، ويخيل للناس بعد ذلک أن للفظ دلالتين مستقلتين، وأنه من الممکن استعماله في هذا أو في تلک. وهنا يفشأ في اللغة ما يسمي بالمشترک اللفظي في صورته الأصلية الحقة.