خامسًا: التحدث بكثرة الداخلين عليه والخارجين منه، وأنهم لم يتركوا له وقتًا للقراءة وهذه من تلبيس إبليس على العاملين، فتراه يتحين الفرص للجواب عن سؤال عن القراءة أو الإنتاج العلمي ليخبرك أنه مشغول مع الناس و كثرة سوادهم لديه وأنه مقصد لهم، ولهذا ضاعت عليه الساعات الطوال!
قال سعد بن عبد الله: (نظر الأكياس في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى، لا يما زجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا) .
سادسًا: العجب بالنفس، وأعمالها وتفانيها في خدمة الناس وأنه قدّم وقدّم، وفكر وقدر، ومساء البارحة لم تكتحل عينه بالنوم همًا وغمًا لحال المسلمين، فرحم الله حصين بن عبد الرحمن عندما قال: (أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت) .قال مسروق: (كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله) .وقال عبد الله بن المبارك في تعريف العجب: (أن ترى الناس عندك شيئًا ليس عند غيرك) .وقال ابن القيم في الفوائد: (لاشيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس، ولاشيء أصلح لها من شهود العبد منّة الله وتوفيقه والاستعانة به والافتقار إليه وإخلاص العمل له) . وتأمل في حال من أعجبته نفسه في حلة لبسها، قال /: {بينما رجل يتبختر في حلة قد أعجبته نفسه إذ أمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة} [متفق عليه] .
سابعًا: استغلال الفرص لإبراز الأعمال، فإن ذكرت آسيا فهو الخبير بها، وإن ذكرت أفريقيا قال: لي عشر سنوات وأنا أذهب إليها سنويًا مرة أو مرتين، وإن كان الحديث عن أوروبا فإنه هو الذي دفع بالشباب ليذهبوا هناك حيث الدعوة والإغاثة، وأنهم وافقوا بعد جهد وعناء بذله! وإن تحدثوا عن الفقراء، فهو العليم بأحوالهم المتابع لأخبارهم، ثم يسرد لك ما يعرف وما لا يعرف. وإن كان من أهل مغاسل الأموات بدأ حديثه بخمسة عشرة جنازة غسلها في يوم واحد، ثم نقلك بحديثه إلى السدر والكافور لكنه ليس مذكرًا ومخوفًا! بل مدعيًا مباهيًا. والآخر ممن يعملون في نُصح الناس يسرد لك الأمر سردًا، ثم يضاعف الأرقام مضاعفة عجيبة وكيف اهتدوا على يديه! ونسي المسكين أن الأمة هداها الله عز وجل على يد رجل واحد /، وأن أبا بكر - /- أسلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة. هذا قبل الهجرة فحسب، فأين الثرى من الثريا؟!
ثامنًا: ذكر تقدير العلماء والمشايخ له، وأن فلانًا من طلبة العلم خصني بحديث لا يعرفه أحد، وأن فلانًا من العلماء سألني عن كذا وكذا وقام وودعني بنفسه! وسلسلة الخرز هذه طويلة إذا انقطعت! قال محمد بن واسع: (إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به) .
تاسعًا: ذم الآخرين لإبراز نفسه ووجهة نظهره، فلو كنت مكان فلان ما فعلت، ولماذا الاستعجال، الأمور تؤخذ بعقل .. ثم يسرد لك موقفًا يظهر فيه نفسه وكيف تصرف بحكمة واتزان وأنهى الأمر حسب ما يراه!
قال بعض العلماء: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور. وفي وسط هذه المهلكات - والعياذ بالله - تبرز صور مشرقة لأهل الإيمان ممن قتلوا حظوظ النفس .. فما أجمل صورة ذلك المؤمن الذي يعمل ويكره أن ينسب إليه شيء،