وعلى الدوام يقصده الناس ويرون له بركات عظيمة، ويجتمع عنده ليلة المولد الشريف خلق كثير لا يحصون من القبائل وأهل المدائن. وكان هنالك قوم ينتسبون إلى خدمته منذ قديم؛ فيجلس ليلة المولد الشريف رجل منهم في رأس طريق منحدر هنالك. ويحضره الزمْنَى المقعَدُون؛ فيوتى بواحد منهم فيمر يده على رجليه ويرقيه ويعالجه، ثم يرسله في ذلك الطريق المنحدر، فينحدر فيه مضطربا، ثم يستقل وقد برئ بإذن الله تعالى. وكان ذلك - فيما أدركناه، وفيما قبله - عادة مستمرة، ولا أدري ما هي الحال الآن؟! [1] . نفعنا الله ببركة أوليائه وحشرنا معهم.
ولما استقر الشيخ بفاس؛ أقبل عليه أهل فاس - إذ الناس ناس والزمان زمان - فكثر الجمع عليه، وسرت في الناس نفحة اهتزوا بها طربا، وكثر طلاب الدخول في الطريق، وترادف القاصدون من الجهات؛ حتى لقد أحصى بعض الناس من صلى معه العصر يوما بعرصة ابن القاضي في المخفية، فكانوا ألفا وأربعمائة؛ فقال له يوما الشيخ الرئيس، الكاتب الأصيل، أمين الدولة وخاصتها؛ [40] أبو عبد الله محمد بن محمد بن رضوان الخزرجي النجاري، وكان بالغ المحبة والخدمة للشيخ: (( يا سيدي؛ إن موالينا الشرفاء - يعني: السلاطين - لا يحتملون هذه الجموع! ) ). فقال له الشيخ: (( الفقير هو الذي يجلب ويدفع، ومن الآن إلى خمسة عشر يوما لا تجد شيئا من هذه الجموع! ) ). فكان كذلك، وصار الأمر إلى الاعتدال.
(1) أما الآن؛ وهو عام 1423؛ فقد ذهبت حرمة الضريح المذكور، وأصبح الساحل جواره شاطئا للسباحة، مختلطا، يمتلئ بالعري والسياح، ويختلط الرجال بالنساء السافرات داخل قبة الضريح نفسه، وكذلك في غالب أضرحة المغرب ولا حول ولا قوة إلا بالله. والله المستعان على فساد الزمان وأهله!.